← Адаб

Адаб · id 120146

أنس المسجون وراحة المحزون

صفي الدين الحلبي

Полный текст (256 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

١٩٧ - وكتب بعض الفضلاء عند وفاة بعض الأكابر: كان منزله مألف الأضياف، ومأنس الأشراف، ومنتجع الرّاكب، ومقصد الوافد، فاستبدل بالأنس وحشة، وبالنّضارة عبرة، وبالضّياء ظلمة، واعتاض من تزاحم الملوك تلادم (١) المآتم، ومن ضجيج النّداء والصّهيل عجيج البكاء والعويل. ١٩٨ - سأبكيك ما فاضت دموعي وإن تغض ... فحسبك منّي ما تجنّ الجوانح (٢) لئن حسنت فيك المراثي وذكرها ... لقد حسنت من قبل فيك المدائح ١٩٩ - ويحكى عن فاطمة الزّهراء كرّمها الله تعالى أنّها قالت ترثي رسول الله ﷺ : كنت السّواد لناظري ... فبكى عليك النّاظر من شاء بعدك فليمت ... فعليك كنت أحاذر

стр. 72

٢٠٠ - وقالت أيضا: ماذا على مشتمّ تربة أحمد ... ألاّ يشمّ مدى الزّمان غواليا صبّت عليّ مصائب لو أنّها ... صبّت على الأيام صرن لياليا ٢٠١ - علي بن أبي طالب: أين الألى جمعوا الأموال واحتشدوا ... في الجمع لا عدد أغنى ولا عدد شادوا وقادوا وذادوا عن حريمهم ... حتّى إذا اخترموا لم يحمهم أحد كانوا مصابيح للأبصار تتّقد ... حتّى إذا ما انتهت أعمارهم خمدوا فلا ترى لهم عين ولا أثر ... سرعان ما وجدوا سرعان ما فقدوا يا ويح للموت لا يبقي على أحد ... لا والد منه ينجو له، ولا ولد كأنّه أسد ضار على رصد ... وكلّهم نشبا أظفاره تقد هوّن عليك فكلّ للهوى رصد ... يبلى ويفنى ويبقى الواحد الصّمد ٢٠٢ - وقيل: وقف سليمان بن عبد الملك على قبر ولده أيوب (١)، فقال: اللهمّ، إنّي أرجوك له، وأخافك عليه فحقّق رجائي وآمن خوفي. ٢٠٣ - الخنساء: ألا يا صخر لا أنساك حتّى ... أفارق مهجتي وأزور رمسي (٢)

стр. 73

يذكّرني طلوع الشّمس صخرا ... وأذكره بكلّ غروب شمس (١) ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن ... أعزّي النّفس عنه بالتّأسّي ٢٠٤ - الحنظلي: لكلّ جديد لذّة غير أنّني ... رأيت جديد الموت غير لذيذ ٢٠٥ - قيل إنّ الرّئيس أبا عليّ بن سينا لما حضرته الوفاة قال له صهره أبو عليّ القرموي الصّوفي: اذكر ربّك. ففتح عينيه وقال: يا أبا علي، ومتى خلا قلبي من ذكر ربّي طرفة عين؟! ائتوني بسماع: أوتار وشبّابة. فاستدعوا لذلك، فقال: شدّوا طبقة لطيفة معتدلة وغنّوا بهذه الأبيات إلى أن تفارق روحي جسدي. وهي هذه: هبت نسيم وصالكم سحرا ... بحدائق للشّوق في قلبي فاهتزّ غصن الوصل من طرب ... وتناثرت درر من الحبّ وغدت خيول الهجر شاردة ... مطرودة بعساكر القرب وبدت شموس الوصل خارقة ... بشعاعها لسرادق الحجب وبقيت لا شيئا أشاهده ... إلاّ أقول بأنّه ربّي فغنّوه وهو ملقى بين أيديهم، وروحه تشرئبّ إلى مفارقة جسده، ثم أصرف (٢) أولاده ومن يصبو قلبه إليه، وبقي عنده صهره أبو عليّ فلمّا فارقت روحه جسده، قال عند ذلك: ربّ توفّني مؤمنا وألحقني بالصّالحين (٣).

стр. 74

ومات من وقته مقدّس الرّوح مطهرا. ٢٠٦ - [يا] رحم الله إخوانا لنا ذهبوا ... أفناهم حدثان الدهر والأبد نمدّهم كلّ يوم من بقيّتنا ... ولا يؤوب إلينا منهم أحد ٢٠٧ - وقيل: قدم إلى ميّافارقين (١) رجل متصرّف من بغداد في أيام ناصر الدّولة ابن مروان (٢) ليتصرّف بها فمات ودفن ظاهر ميّافارقين. فرأى ناصر الدولة في منامه كأنّ ذلك الميت قائم في قبره، ويشير إليه: أبا الحسن بن الفضل يممت نحوكم ... طلوبا لصفو العيش لمّا تكدّرا أردت ثراء المال لما عدمته ... ولم أدر أنّي قد نقلت إلى الثّرى فلا يغترر بالعيش بعدي شامت ... فإنّ مصير الشّامتين كما ترى ٢٠٨ - وقيل: لما مات عاصم بن عمر جزع عليه عبد الله (٣) جزعا شديدا وقال منشدا: فإن يك أحزان وفائض عبرة ... أثرن دما من داخل الجوف منقعا (٤)

стр. 75

تجرّعتها من عاصم واحتسيتها ... لأعظم منها ما احتسى وتجرّعا (١) فليت المنايا كنّ خلّفن عاصما ... فعشنا جميعا أو ذهبن بنا معا ٢٠٩ - وقال المنصور للرّبيع (٢): يا ربيع، ما أطيب الدّنيا لولا الموت! فقال الرّبيع: يا أمير المؤمنين، ما طابت الدّنيا إلاّ بالموت. قال: وكيف ذلك؟ قال: لولا الموت لم تقعد في هذا الموضع الذي أنت فيه. قال: صدقت. ٢١٠ - لقد أفسد الموت الحياة وقد أتى ... على يومه علق (٣) إليّ حبيب أتى دون حلو العيش حتى أمرّه ... نكوب على أثارهنّ نكوب ٢١١ - وقيل لما احتضر معاذ بن جبل (٤) رئي وقد دمعت عيناه، فقيل له: لم تبكي وقد حضرك من الله ما ترى؟ فقال: أمّا أنا فلا أبكي أسفا على دنياكم هذه، ولكنّي أبكي على ظمأ الهواجر، وقيام الليل، وعلى مهبط طريق

стр. 76

ما أدري إلى جنّة أم إلى نار. ٢١٢ - وذكر أنّ بعض الصّالحين مات له ابن فلم ير به جزع عليه. فقيل له في ذلك. فقال: هذا أمر كنّا نتوقّعه فلما وقع لم ننكره. ٢١٣ - خويلد بن خالد الهذلي (١): أودى بنيّ وأعقبوني حسرة ... بعد الرّقاد وعبرة ما تقلع سبقوا هويّ وأعنقوا لهواهم ... فتخرّموا ولكلّ جنب مصرع (٢) وإذا المنيّة أنشبت أظفارها ... ألفيت كلّ تميمة لا تنفع وتجلّدي للشّامتين أريهم ... أنّي لريب الدّهر لا أتضعضع ٢١٤ - وقيل إنّ إبراهيم بن عبد الملك بكى في مرضه الذي مات فيه، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: قلّة الزّاد، وبعد السّفر، وصعود عقبة لا أدري هبطتي منها إلى جنّة أم إلى نار. ٢١٥ - ومات صديق (٣) للمبرّد (٤) فلم يمل سنة إلاّ المراثي والتّعازي،

стр. 77

ثم ختم كتابه بعد سنة بقول الشّاعر: إلى الحول ثم اسم السّلام (١) عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر (٢) ٢١٦ - الخنساء: وما كرّ إلاّ كان أوّل طاعن ... وما أبصرته الخيل إلاّ اقشعرّت فيدرك ثأرا وهو لم تخطه القنا ... فمثل أخي يوما به العين قرّت (٣) ولست أرزّى بعده برزيّة ... فأذكره إلاّ سلت وتجلّت ٢١٧ - وقال عبد العزيز بن مسلم العقيلي: مررت بقبر أبي محجن (٤) بأرمينية (٥) تحت شجرات من كرم، فذكرت أبياته، وعجبت من الاتفاق في

стр. 78

قوله: إذا متّ فادفنّي إلى جنب كرمة ... تروّي عظامي بعد موتي عروقها ولا تدفننّي في الفلاة فإنّني ... أخاف إذا ما متّ أن لا أذوقها ٢١٨ - ومات ابن لابن عبّاس في سفر، فأنشد يرثيه: حانت منيّته بتثوى غربة ... والميت ثاو حيث حلّ غريب ٢١٩ - وقال الخريمي: يذكّرني شمس الضّحى نور وجهه ... فلي لحظات نحوها حين تطلع ولو شئت أن أبكي دما لبكيته ... عليه ولكن ساحة الصّبر أوسع وإنّي وإن أظهرت منّي جلادة ... وصانعت أعدائي عليك لموجع (١) ملكت دموع العين حين رددتها ... إلى ناظري إذ أعين القلب تدمع (٢) وأعددته ذخرا لكلّ كريهة ... وسهم المنايا بالذّخائر مولع ٢٢٠ - وقيل: مرّت الخنساء على هند بنت عتبة بن شيبة (٣) وهي تنشد مراثي في أهل بيتها، فقالت لها: على ما تبكين؟ قالت: أبكي سادات مضر. قالت: فأنشديني بعض ما قلت. فقالت:

стр. 79

أبكي عمود الأبطحين كليهما ... ومانعها من كلّ باغ يريدها (١) أبي عتبة الفيّاض ويحك فاعلمي ... وشيبة والحامي الدّيار وليدها (٢) أولئك أهل العزّ من آل غالب ... وللحرب يوم حين عدّ عديدها (٣) فقالت الخنساء: مرعى ولا كالسّعدان (٤)، وأنشدت تقول: أبكّي أبي عمرا (٥) بعين غزيرة ... قليل إذا تغفى العيون رقودها وصخرا ومن من مثل صخر إذا بدا ... تساميه الأبطال قبّا يقودها (٦) ٢٢١ - وحدّث أبو البراء ثمامة بن الوضين قال: رأيت باليمامة جارية تبكي عند قبر وتقول: كفى حزنا أنّي أروح بحسرة ... وأغدو على قبر ومن فيه لا يدري فيا نفس شقّي جيب عمرك بعده ... ولا تبخلي بالله يا نفس بالعمر فما كان يأبى أن يجود بنفسه ... ليفديني لو كنت صاحبة القبر فسألتها عنه، فقالت: رفيقته منذ ثلاثين سنة، والله، لأبكينّه أو تلحق

стр. 80

نفسي به. ٢٢٢ - وقيل إنّ ليلى الأخيليّة (١) مرّت في ركب بقبر توبة بن الحميّر (٢) فلم تقف عليه، فقيل لها: والله، ما وفيت له، هلاّ وقفت وسلّمت. فقالت: كرهت أن لا يردّ سلامي فأكذبه حيث يقول: ولو أنّ ليلى الأخيليّة سلّمت ... عليّ ودوني تربة وصفائح لسلّمت تسليم البشاشة أو زقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح ٢٢٣ - أبو الغطريف: قد زرت قبرك يا عليّ مسلّما ... ولك الزّيارة من أقلّ الواجب ولو استطعت حملت عنك ترابه ... فلطالما عنّي حملت نوائبي ودمي فلو أنّي علمت بأنّه ... يروي ثراك سقاه صوب الصّائب لسفكته أسفا عليك وحسرة ... وجعلت ذاك مكان دمعي السّاكب ٢٢٤ - وحدّث عبد الله بن سكّين (٣) قال: رأيت جارية بصحار (٤) تبكي عند قبر، وتقول:

стр. 81

يا قريب المدى بعيد المآب ... بأبي أنت يا سليب الشّباب لم تدع وجهك المنيّة حتّى ... وهبت حسنه قبيح التّراب ٢٢٥ - قيل: ماتت جارية للرّشيد كان مشغوفا بها، فقال للعبّاس (١): ارثها، فإنّها اختلست من يدي. فقال: علّمني يا أمير المؤمنين، كيف أقول فيها. فقال: اختلست ريحانتي من يدي ... أبكي عليها آخر المسند (٢) كانت هي الأنس إذا استوحشت ... نفسي من الأقرب والأبعد وروضة لي لم تزل مرتعي ... ومنهلا كان به موردي كانت يدي كانت بها قوّتي ... فاختلس الدّهر يدي من يدي (٣) ٢٢٦ - وقال الرّقاشي (٤) وقد انتهى إليه موت جعفر بن يحيى البرمكي: الآن استرحنا واستراح ركابنا ... وأمسك من يحدي ومن كان يحتدي (٥)

стр. 82

فقل للمطايا قد أمنت من السّرى ... وطيّ الفيافي فدفدا (١) بعد فدفد وقل للعطايا بعد فضل تبدّدي ... وقل للرّزايا كلّ يوم تجدّدي (٢) وقل للمنايا قد ظفرت بجعفر ... ولن تظفري من بعده بمسوّد ٢٢٧ - وذكر المبرّد: أنّ يعقوب بن الرّبيع (٣) أحبّ جارية، فطلبها سبع سنين، وبذل فيها جاهه وماله وإخوانه حتّى ملكها، فأقامت عنده ستّة أشهر ثم ماتت، فقال فيها أشعارا كثيرة، ولم يزل يرثيها حتّى مات. وذكر الصّولي أنّه أعطي فيها مئة ألف دينار [فلم يبعها] (٤)، ومن أحسن ما قال فيها: رأيت ثياب النّاس في كلّ مأتم ... إذا اختلفوا (٥) زرق الثّياب وسودها وإنّي على ملك لبست ملاءة ... من الحزن لا يبلي الزّمان جديدها وله فيها (٦): يا ملك إن كنت تحت الأرض بالية ... فإنّني فوقها بال من الحزن يا ملك لم تجدي مسّ البلى ولقد ... وجدت مسّ البلى والضّرّ في بدني

стр. 83

٢٢٨ - وعن [ابن] أبي فنن (١) قال: لم يقل في وصف ميّت أحسن من قول يعقوب بن الرّبيع يصف جاريته عند موتها: ظلّت تكلّمني كلاما مطمعا ... لم أسترب منه بشيء مؤيس حتّى إذا فتر اللّسان (٢) وأصبحت ... للموت قد ذبلت ذبول النّرجس وتسهّلت منها محاسن (٣) وجهها ... وعلا الأنين تحثّه بتنفّس رجع اليقين مطامعي يأسا كما ... رجع اليقين مطامع المتلمّس (٤) ٢٢٩ - وقيل: إنّ أبا المعالي بن عبد القاهر بن المنذر شرع في عمارة دار واهتمّ بها، فلما تمّ بناؤها مرض ومات، وعمل هذين البيتين عند موته بعد ما أوصى أن يدفن في الدّار: لهفي على غصن شباب ذوت ... أوراقه من أوّل العرس ومنزل أمّلت عمرانه ... أصبح في جانبه رمسي ٢٣٠ - ومات ولد لشيخ من بني أسد فاشتدّ جزعه عليه، فقيل له: اصبر؛ فإنّه فرط أفرطته، وخير قدّمته، وذخر أحرزته. فقال مجيبا: ولد

стр. 84

دفنته، وثكل تعجّلته، وغيب وعدته، والله، إن لم أجزع من النّقص لم أفرح بالمزيد. ٢٣١ - وقال العتبي (١) يذكر ولدا له مات: أضحت بخدّي للدّموع رسوم ... أسفا عليك وفي الفؤاد كلوم والصّبر يحمد في المصائب كلّها ... إلاّ عليك فإنّه مذموم ٢٣٢ - وأنشد سليمان بن عبد الملك (٢) عند وفاة بعض ولده: إذا ما دعوت الصّبر بعدك والبكا ... أجاب البكا طوعا ولم يجب الصّبر فإن ينقطع منك الرّجاء فإنّه ... سيبقى عليك الحزن ما بقي الدّهر (٣) ٢٣٣ - وقيل لأعرابيّ مات أخوه: ما سبب موته؟ قال: كونه. ٢٣٤ - وقيل لفيلسوف: من الذي لا عيب فيه؟ قال: الذي لا يموت. ٢٣٥ - إذا نحن زرنا قبره ودموعنا ... يكاثرها أفضاله وفضائله لزمنا له حكم الوقار كأنّما ... تلوح لنا تحت التّراب شمائله

стр. 85

٢٣٦ - ومات ابن (١) لعبيد الله بن الحسن (٢) فعزّاه صالح المرّي (٣) فقال: إن كانت مصيبتك في ابنك أحدثت لك عظة في نفسك فنعم المصيبة مصيبتك، وإن لم تكن أحدثت لك عظة في نفسك، فمصيبتك في نفسك أعظم من المصيبة في ميّتك. ٢٣٧ - وقالوا رزقت الأجر يوم مصابه ... فقلت لهم: يا ليتني فاتني الأجر أأبغي ثوابا في الّذي كلّ كربة ... لها من معاليه إذا أظلمت فجر ٢٣٨ - وعزّى سهل بن هارون لرجل فقال: مصيبة في غيرك لك أجرها خير من مصيبة فيك لغيرك ثوابها. ٢٣٩ - وعزّى رجل أخاه عن ابن له فقال: ذهب أبوك وهو أصلك، وذهب ابنك وهو فرعك، فما حال الباقي بعد ذهاب أصله وفرعه؟ ٢٤٠ - لكلّ أناس مقبر بفنائهم ... فهم ينقصون والقبور تزيد

стр. 86

وما إن تزال الدّار منهم قد اقفرت ... وقبر لميت بالفناء جديد (١) هم جيرة الأحياء أمّا مزارهم ... فدان وأمّا الملتقى فبعيد ٢٤١ - ولو كان في الدّنيا خلود لواحد ... لكان رسول الله فيها المخلّدا ومن ذا الّذي يبقى من الدّين سالما ... وسهم المنايا قد أصاب محمّدا (٢) ٢٤٢ - وقيل لأعرابية مات ولدها: ما أحسن عزاءك! فقالت: إنّ فقدي إيّاه أمّنني المصائب بعده، وفي ذلك يقول الشاعر (٣): وكنت عليه أحذر الموت وحده ... فلم يبق لي شيء عليه أحاذر ٢٤٣ - وقال آخر: عش ما بدا لك أن تعيش فإنّما ... طرف الحياة من الممات قريب ٢٤٤ - وقيل: دخلت الخنساء على عائشة وعليها صدار من شعر وقد وضعت خمارها، فقالت لها عائشة: ألم ينه النّبيّ ﷺ عن لبس الصّدار ووضع

стр. 87

الخمار؟! فقالت: بلى، ولكنّ زوجي قامر فقمر (١) فأتيت أخي صخرا، فشاطرني ماله، وأتيت به زوجي، فقامر ثم قمر، فأتيت أخي صخرا فشاطرني ماله، فأتيت به زوجي، فقامر فقمر، فعدت إلى أخي فشاطرني ماله، فقالت له زوجته، أكلّ هذا تفعله مع هذه؟. فقال: نعم، لو فقدتني وضعت خمارها ... واتخذت من شعر صدّارها فلمّا فقدته وضعت الخمار، ولبست الصّدار. ٢٤٥ - وقال الأصمعيّ: حضر بعض العرب الموت فرأى جزع أخيه عليه، فقال له: هوّن عليك يا أخي، فيوشك أن تحدّث عنّي وأنت تضحك. ٢٤٦ - وقد كنت أستعفي الإله إذا اشتكى ... من الأجر لي فيه وإن سرّني الأجر وأجزع أن ينأى به بين ليلة ... فكيف ببين صار موعده الحشر ٢٤٧ - ولأعرابيّ: وما نحن إلاّ مثلهم غير أنّنا ... أقمنا قليلا بعدهم وتقدّموا ٢٤٨ - أبو نواس: سبقونا إلى الرّحيـ ... ـل وإنّا على الأثر

стр. 88

٢٤٩ - وقيل: دخل عمر بن ذرّ (١) على ابنه ذرّ وهو يجود بنفسه، فقال: يا بنيّ، إنّه ما علينا غضاضة، ولا بنا إلى أحد سوى الله حاجة، فلمّا قضى وواراه، وقف على قبره، وقال: يا ذرّ، إنّه قد شغلنا الحزن لك على الحزن عليك، لأنّا لا ندري ما قلت ولا ما قيل لك، اللهمّ إني قد وهبت له ما قصّر فيه بما افترضته عليه من حقّي، فهب له ما قصّر فيه من حقّك، واجعل ثوابي عليه له، وهب لي من فضلك، إنّي إليك من الرّاغبين. ٢٥٠ - وقال آخر لابنه: ومن عجب أن بتّ مستشعر الثّرى ... وبتّ بما زوّدتني متمتعا ولو أنّني أنصفتك الودّ لم أقم ... خلافك حتى ننطوي في الثّرى معا ٢٥١ - وذكر المسعوديّ قال: رأيت (٢) ببلاد سرنديب-وهي جزيرة من جزائر البحر-إذا مات ملكهم صيّر على عجلة قريبة (٣) من الأرض صغيرة البكر معدّة لهذا المعنى وشعرته تنجرّ على الأرض (٤)، وامرأة بيدها مكنسة تحثو التّراب بها على رأسه، وتنادي بأعلى صوتها: يا أيّها النّاس هذا ملككم،

стр. 89

[بالأمس قد ملككم] (١) وجاز فيكم أمره ونهيه، وقد صار إلى ما ترون، وقبض روحه ملك الملوك الحيّ الذي لا يموت، فلا تغترّوا بعده بالحياة؛ فالحياة في هذه الدّنيا متاع الغرور. ٢٥٢ - وقال أبو الحسن المدائني (٢): حدّثني عمرو بن مسعدة (٣) قال: قال لي المأمون يوما: ألا أفيدك مصون الرّوم واليونانية من الحكمة؟ قلت: بلى يا أمير المؤمنين. قال: إنّي قرأت في صحف من كتبهم أنّ الإسكندر لمّا مرض مرضه الذي مات فيه أرسل إلى أرسطاطاليس (٤) وكان معلمه الذي يصدر عن رأيه، ويعرف علمه وحقّ فضله، فقال له: أيّها الحكيم المؤتمن، خفف عن الطبيعة ما عليها من الثقل بكتاب تكتبه إلى الشّفيقة والدتي أرفية (٥) تحضّها فيه على الصّبر، وتذكّرها فيه بمن سلف من الملوك خلّفوا ما خلّفت، وصرت إلى عرصاتهم وميدان حلبتهم، قد انقطعت أخبارهم، ودرست آثارهم، فعادت الحركة سكونا، والأجسام همودا، والأرواح خفوتا؛ واقرأه

стр. 90

عليّ قبل موتي. فكتب أرسطاطاليس كتابا هذه نسخته (١): من الإسكندر رفيق أهل الأرض بجسده قليلا، ورفيق أهل السّماء بروحه كثيرا إلى والدته أرفية الصّفيّة والحبيبة التي تحبّ التّمتّع بولدها في دار الغرّ الغرور، وتزهد في مجاورته غدا في دار النّشور. يا ذات الحلم الرّاجح، أسألك من قربي من قلبك أن تستمعي لقراءة كتابي هذا وتتفهّميه وترفعي نفسك عن شبه النّساء وضعفهنّ في الرّقة، كما لم يكن ابنك يرضى بشبه الرّجال في كثير من أمورهم، وانظري وتأمّلي في جميع ما أحاط به العالم. هل رأيت لشيء قرارا ثابتا، أو حالا دائما؟ ألم تري أنّ (٢) الشّجرة كيف تهتزّ أغصانها، وتخرج ثمارها وتلتفّ ورقها، ثم إن يلبث أن ينهشم الغصن، ويتساقط الثّمر، ويتناثر الورق. أو لم ترى إلى النّهار المضيء النيّر البهي كيف تخلفه الظّلمة في مكانه؟، أو لم تري القمر أبهى ما يكون ليلة البدر يكسفه الكسوف فيذهب بنوره فيظلم ما ظهر من نوره وبهجته وحسنه، أو لم تري الكواكب الزّاهرة كيف يغشاها الطّموس فيخمد نورها؟ أو لم تري إلى شهب النّيران المتوقّدة ما أسرع ما يخبو ضوءها ولهبها؟ بل انظري إلى الماء العذب ما أسرع جريته إلى البحار المالحة التي تحوله إلى طبيعتها ومرارة ذوقها؟ وإلى هذا الخلق العجيب الذي ينافس في

стр. 91

الدنيا، ويحرص على عمارة ما يخلق آخره، ويدرس أثره؛ قد امتلأت به الآفاق، وشغلت به الأمكنة، وقد مالت إليه الحواس بكلّيتها فرجعت عن إدراكه كالّة حائرة. وإنهما شيئان اثنان شيء يولد فينمو وشيء ينبت فينمو وكلاهما مقرون به الهلاك. أو لم يبلغك أنه قيل لهذا الدار حين بنيت: يا والدة الموتى، ومرتجعة العطيّة، وناقضة كلّ مبروم، أو لم تري كلّ مخلوق يجري على ما ليس يدري؟ وأنّ كلّ مستقرّ منهم غير راض باستقراره، أم هل رأيتم معطيا لا يأخذ، ومقرضا لا يتقاضى، ومستودعا لا يردّ وديعته؟ ولئن يكن أحد حقيقا بالبكاء فلتبك السّماء على نجومها، ولتبك البحار على حيتانها، وليبك الجو على أجناس الطير المختلفة في الهواء، ولتبك الأرض على سكّانها، وليبك الإنسان على نفسه التي تموت في كلّ ساعة ولحظة وطرفة، وأجلها يطلبها، بل علام يبكي الباكي؟ لفقد من فقد من قبل أن يفارقه فأتاه ما لم يكن يحسب، وتوقّع ما لم يكن يحذر؛ فيحدث له البكاء والحزن. يا أمّاه، إنّ الموت والفناء لا يبقيان العزيز، ولا يتركان الذّليل. وقد عرفت سبيل المنهج والطّريق الواضح الذي ما عنه معدل، بل إليه كلّ يصير، ولا يتعبنّك الحزن والبكاء من بعدي؛ فإنّك لم تكوني جاهلة بأنّي من الذين يموتون. وقد كتبت كتابي هذا أرجو أن تتعزّي (١) به وأن يحسن منك موقعه، فلا تخلفي ظنّي، ولا تحزني روحي، فإنّي قد علمت يقينا أنّ الذي أذهب إليه خير (٢) من المكان الذي كنت فيه، وأكرم وأطهر وأحسن من الحزن والنّصب والهمّ والألم، فاغتبطي بمذهبي واستعدّي للقائي. يا أمّاه أرفية، اذكري أنّ ذكري قد انقطع عن أهل الدنيا بما كنت أذكر من عزّ سلطاني وملكي فاجعلي لي من بعد ذكري صبرك على عظيم ما نزل بك من

стр. 92

فقد ولدك. يا أماه، المقام في هذه الدار قليل زائل والمقام في دار الأبد دائم. فلما مات الإسكندر جعل جسده في تابوت من ذهب، وحمل إلى الإسكندرية إلى دار الملك، وجعل التابوت في وسط إيوانه الذي كان يجلس فيه على السّرير، وقيل لحكماء اليونانية والعظماء: ادنوا منه، وأحد قوا به، وتكلّموا على هذا الجسد السّاكن (١). فقال فلليمون الحكيم: هذا يوم عظيم العبر أقبل من شرّه ما كان مدبرا (٢)، وأدبر من خيره ما كان مقبلا. فمن كان باكيا على زوال ملكه فليبك (٣). وقال ميلاطوس الحكيم الأول: أيّها السّاعي المغتصب، ما خانك عند الاجتماع وودعك عند الاحتياج، فلا قرابة يزورك، ولا وزير يتفقّدك. وقال الحكيم الثاني: هذا الإسكندر قد ذهب زهرة بهجته كما أذهب الشّعاع من الشّمس نور النبات. وقال الحكيم الثالث: هذا الإسكندر صاحب الأسرى قد أصبح أسيرا. وقال الرّابع: انظروا إلى حلم النائم كيف انقضى، وإلى ظلّ الغمام كيف انجلى؟.

стр. 93

وقال الخامس: قد كان هذا الشّخص يسأل عمّا قبله وما يسأل عمّا بعده. وقال السّادس: هذا الجسد صدر وهو ناطق، وورد وهو صامت. قال السّابع: ما كان آمن هذا الجسد لما يستبقيه، وأشدّ حفظه لما يستودعه. قال الثامن: ما أرغبنا فيما فارقت، وأغفلنا عمّا عاينت. قال التّاسع: ما أبعد شبه مكانك الذي أنت فيه اليوم، من مكانك الذي كنت فيه أمس. قال العاشر: لم يقض هذا نهمته من الدّنيا حتى قضت نهمتها منه. قال الحادي عشر: أما ترون أيّها الحكماء إلى هذا الجسد كيف حرّكنا بسكونه. قال الثاني عشر: يا عظيم الشأن اضمحلّ سلطانك كما اضمحلّ السّحاب، وعفت آثار ملكك كما عفت آثار الرّباب. وقال آخر: [أيّها] (١) الشّخص، باد عرف طيبك كما باد الهبوب، وصرت منها خلوا كالأسير المحجوب. وقال آخر: أيّها السّاعي المغتصب، جمعت ما خذلك وولّى عنك، ولزمتك أوزاره وعاد على غيرك هناؤه. وقال آخر: إنّ الآمر في الذّهب قد ساوى الذّهب، فهل ترجو أن ينفذ لك بعد أمرك أمر (٢)؟.

стр. 94

وقال آخر: يا من طالت عليه الأرض طولا، ليت شعري كيف حالك فيما احتوى عليك منها؟. وقال آخر: لا تعجبوا ممن لم يعظنا فصار موته لنا واعظا. وقال آخر: اعجبوا لمن كان هذا سبيله كيف شرهت نفسه لجمع الحطام الهامد، والهشيم البائد (١). وقال آخر: أيّها الجمع الحافل والملتقى الفاضل، لا ترغبوا فيما لا يدوم سروره، وينقطع لذيذه؛ فقد بان لكم الصّلاح والرّشاد من الغي والفساد. وقال آخر: قد كنّا أيّها الشّخص بالأمس نراك تقدر على الاستماع والقول، فهل تسمع منّا ما نقول؟ وقال آخر: هذا كان يعطي اليسير ممّا جمع، ليحمد، فقد خلّفه الآن على من لا يشكره. وقال آخر: قتل هذا الشّخص خلقا لئّلا يموت، ومات كيف لم يدفع الموت عن نفسه؟. وقال آخر (٢): يا من كان غضبه الموت، هلاّ غضبت على الموت؟ وقال آخر: قد كان فيه صمم عن الحقّ وهو حيّ، كيف بصممه الآن وقد مات؟ وقال آخر: لو منعوا هذا الشّخص مما سفك من الدّماء لجمع الذهب، لكانوا قد أصابوا به من الحكمة. وقال آخر: لم يؤدّبنا الإسكندر بكلامه مثل ما أدّبنا بنفسه.

стр. 95

وقال الآخر: لو عرف هذا الشّخص ضعفه بالأمس كان اليوم مغبوطا. وقال آخر: إن هذا جمع الذّهب فلم ينفعه حيّا، فمات فلم ينفعه الآن وهو ميّت. وقال آخر: من رأى هذا الشّخص اليوم فليقنع ويمسك عن طلب الرّغائب؛ فإنّ عاجلها قاتلة وآجلها مهلكة. وقال آخر: يا من كان بالأمس تزهو النّفوس بالدنوّ منه، صرت اليوم يعاف القرب منك. وقال آخر: يا من فارق الظّالمين جهرا، أتزوّدت ما يبلّغك إلى الصّالحين سرّا؟. وقال آخر: يا من كانت الأعين له خاضعة، والألسن منه ساكنة، من الذي جرّأها فاجترأت؟ وقال آخر: من رأى هذا الشّخص، فليثق وليعلم أنّ الذّنوب هكذا يكون قضاؤها. وقال آخر: قد كان بالأمس طلعته إلينا حياة، فاليوم النّظر إليه سقم. وقال آخر: لو عني هذا الشّخص بعلم ما يكون بعده كسؤاله عمّا كان قبله لقلّل من سعيه. وقال آخر: قل للإسكندر: الآن يسدي إليك كلّ امرئ مما أوليت نصيبا. وقال آخر: هذا وقت ذهب عنك السّرار وبرز فيه الجهار، إن كنت تسمع. وقال آخر: أحسن بالإسكندر لو استعمل بعض هذا الحلم والصّمت في

стр. 96

حياته. وقال آخر: هذا المتعظّم الذي لم تسعه المدن العظام قد طوي في ذراعين من الأرض. وقال آخر: لا يعظم عندكم من يعلّم غيره، لكنّ العظيم من يعلّم نفسه. وقال الآخر: ما أزهد النّاس أيّها الملك فيك، وأرغبهم في تابوتك. وقال آخر: من اشتدّ جوعه وحرصه على الارتفاع، كذلك عظمت صرعته. وقال آخر: لو تيقّن حاله في هذا اليوم، لتواضع للنّاس بالأمس عن قدرة. وقال آخر: صدر عنّا الإسكندر ناطقا، وقدم صامتا. وقال آخر: هذه سفرة ما سافر الإسكندر مثلها بلا زاد ولا أعوان. وقال آخر: لو علم أنّه يزول ملكه، لكان للحكماء أطوع. وقال آخر: لو كان ذكيّا في حياته لكان مفلحا في موته. وقال آخر: لو علم أنّه يقبر لم ينصب نفسه لجميع ما تخلّف عنه. وقال آخر: إن كان قد أسف على حركته الآن فطالما تمنّي له السّكون. وقال آخر: خافتك حضرتك أيّها الشخص، وأمنت الحضور خائفتك. وقال آخر: ليس العجب من غروب الشّمس، العجب من شروقها. وقال آخر: ما أصدق الموت لأهله، غير أنّهم يكذبون أنفسهم ويصمّون آذانهم. وقال آخر: إن كان لا يبكى إلاّ عند جدّته، فالموت في كلّ يوم جديد.

стр. 97

وقال آخر: زالت الأمور عنك، وانقطعت منك، وأقبلت المكاره عليك إن كنت لا تعلم. وقال آخر: لئن كنت أمس رفيعا مغبوطا، لقد أصبحت اليوم مرحوما. وإن كنت أمس رفيعا قد أصبحت اليوم وضيعا. وقال آخر: يا من ساس الأمور وقهر، أليس قد ساويت الدّناة إصغارا؟ وقال آخر: يا ذا الذي عظم في العزّ حتى هلك، وأفرط في العلوّ حتى سقط. ما الذي زهّدك في الرّأفة وهذه غايتك؟ وقال آخر: عهدي بك وكنت ترغب بنفسك عن رحب البلاد، كيف صبرك الآن على ضيق المكان؟ وقال آخر: أيّها المرغوب بك، ما الذي أزهد فيك جندك، ورغّب عنك حرسك، وهتك عنك حجاب سترك؟ وقال آخر: إن الذي أحلّ بالإسكندر ما أرى لقويّ جدا. وقال آخر: قل للملوك (١): هذه الطريقة لا بدّ من سلوكها، فارغبوا في الباقية رغبتكم في الفانية. وقال آخر: كفى العامّة (٢) بموت الملوك أسوة. وقال آخر: كفاك بهذه عبرة، إنّ الذّهب كان بالإمس كنزا للإسكندر، فقد أصبح اليوم فيه مكنوزا. وقال آخر: قل للملوك: ليس بعد الحياة إلاّ الموت، ولعلّ بعد الموت

стр. 98

أشدّ من الموت. وقال آخر: يا للعجب، أنّ القويّ مغلوب مرتهن، والضعيف الأهون غارّ (١). وقال آخر: يا ويح الملوك، لو كانوا يحذرون المنايا، لقصّروا في طلب الأموال. وقال آخر: ما الحياة بباقية فيرجى غبّها، ولا الموت بعابر فيوثق منه. وقال آخر: تعالوا بنا الآن نطلب عزّا لا يذلّ؛ فإن الذي كنّا نعتزّ به قد أفل. وقال آخر: إن للرعيّة قبلك ديونا عليك، فكيف صبرك الآن على قضاء الدّيون؟. وقال آخر: ما كان أصلح الإسكندر لو بنى موضع الإسكندريّة كوخا. وقال آخر: لولا غشاوة اعترت الإسكندر، لكان أبصر رشده. وقال آخر: خرجنا إلى الدّنيا جاهلين، وأقمنا غافلين، ونخرج منها كارهين. وقال آخر: هذا الإسكندر طوى الدّنيا العريضة، وطوي منها في ذراعين. وقال آخر: قد كنت لنا واعظا، وما وعظتنا بوعظ أوعظ من وفاتك. وقال آخر: كانت حياة الإسكندر لله ووفاته لنفسه.

стр. 99

وقال آخر: ما سافر الإسكندر سفرا بلا أعوان ولا آلة غير هذا. وقال آخر: هذا الإسكندر كان يحكم على الرعيّة، صارت الرعيّة تحكم عليه. وقال آخر: ربّ هائب لك كان يعبأ بك من ورائك، وهو اليوم لا يخافك بحضرتك. وقال آخر: ربّ حريص على سكوتك، وهو اليوم حريص على كلامك إذ لا تتكلّم. وقال آخر: كم من جسم أمات هذا الجسم لئلا يموت وقد مات. وقال آخر: لئن كان يحبّ الذّهب، لقد أصبح الذهب اليوم له معانقا. وقال آخر: نعم المضطجع هذا لمن كان يسعى لنفسه. وقال آخر: قد أباد هذا الميّت خلقا كثيرا لئلاّ يموت، ولو كان حريصا على حياتهم كحرصه على موتهم لم يمنعهم من أن يموتوا كما مات. وقال آخر: كان هذا واعظا بليغا، وما وعظنا قطّ موعظة أبلغ من موعظته بنفسه وسكونه. وقال آخر: كان حريصا على الارتفاع، ولم يعلم أنّ ذلك أشدّ لصرعته في المهواة. وقال آخر: كان الإسكندر يخافه من ينظر إليه، واليوم لا يهابه من يجترئ عليه. وقال آخر: كان الإسكندر بالأمس يشيّقنا إليه، وهو اليوم مشتاق إلى المعزّي إليه. وقال آخر: كان بالأمس يخافه عدوّه، فهو اليوم لا يرجوه صديقه.

стр. 100

وقال آخر: الذي كان يقود الجنود في دار عزّه، اليوم تشيّعه تلك الجنود إلى دار مذلّته. وقال آخر: هذا الذي قتل النّفوس يرجو الرّاحة، فاليوم يجدها أمامه تطلبه. وقال آخر: لئن كان المطلوب غفل، فما أغفل الطالب. وقال آخر: هذا الذي كان عدوّه يكره قربه، فخاصّته اليوم لقربه أكره. وقال آخر: هذا الذي يندم على ما فاته من الدّنيا، فهو اليوم على ما أدرك منها أندم. وقال آخر: هذا الذي تخلّفت عنه آثاره، ولحقت به أعماله. وقال آخر: ارفعوا أصواتكم أيّها الحكماء بالمواعظ؛ فإن الإسكندر لا يسمع، ولعلّ الصّمّ يقدرون أن يسمعوا. وقال آخر وهو رأس الحكماء: أيّها العزيز أمس، والذليل اليوم، كأنّك لست صاحبي أمس. أهلك صحبوك ظاعنا، وفارقوك مقيما. لئن كان الإسكندر نسوه، فما أصبح يذكرهم. بئس الورثة ورثتك، أخذوا مالك وتركوا الأثقال عليك والذّنوب. بئس الخلاّن خلاّنك، تبعوك سالبا، وفارقوك مسلوبا. بئس الجنود جنودك؛ نصروك آمنا وخذلوك خائفا، بئس الحصون حصونك بنيت لجندك، حصّنتها لمن تحتك وسهّلتها لمن فوقك. بئس الخزن خزّانك، ائتمنتهم على مالك وشهدوا به لغيرك لما قبضت، للعواري بدت عاريتك. كانت دنياك العريضة لا تملأ بطنك، وأنت اليوم في بطنها. هذا صارع الجبابرة أصبح مصروعا. لقد استبدلت بتاج الملك دار الفناء. كان تاجرا رابحا فأصبح اليوم قد خسر نفسه. ما أسرع ما هاجت الزّهرة ونضجت الثمرة.

стр. 101

وقال صاحب خزانته: قد كنت تأمرني أن لا أتباعد عنك، فأنا اليوم لا أقدر على الدّنوّ منك. وقالت زوجته بنت دارا (١): لئن كان هذا الكلام شماتة، لقد خلّف الكأس الذي شرب به لجماعتكم. وقالت أمّه: لئن فقدت من ابني أمره، فما (٢) فقدت من ابني ذكره. وقد كان الإسكندر كتب إليها كتابا يأمرها فيه باتّخاذ وليمة (٣) تستدعي فيها إلى طعامها من لم تلحقه مصيبة. فتقدّمت لذلك وبادرت لحضور الطّعام على الشّرط، فما صار إليها أحد صغير ولا كبير فعلمت أن ابنها أراد تعزيتها وتسليتها. ثم جعل التابوت على أيد حتى أودع حفرته. ٢٥٣ - كلام من حكم عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه: قال ﵇: أعجب ما في الإنسان قلبه، وله مواد من الحكمة وأضداد من خلافها، فإن سنح له الرّجاء أذلّه الطّمع، وإن هاج به الطّمع أهانه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغيظ اشتدّ به الغضب، وإن أمتع بالرّجاء نسي التحفّظ، وإن ناله الخوف شغله الحذر، وإن اتّسع له الأمن سلبته الغرّة، وإن أصابته مصيبة فضحه العجز، وإن تجدّدت له نعمة أخذته العزّة، وإن نال مالا أطغاه الغنى، وإن عضّته الفاقة

стр. 102

شغله البلاء، وإن جهده الجوع قعد به الضّعف، وإن أسرف في الشّبع لحظته البطنة، فكلّ تقصير به مضرّ، وكلّ إفراط له مفسد. ٢٥٤ - ولبعضهم: تنكّر لي دهري ولم يدر أنّني ... أعزّ وأكرام الزّمان يهون وبات يريني الهمّ كيف اعتداؤه ... وبتّ أريه الصّبر كيف يكون (١) ٢٥٥ - وقيل: الصّبر ثلاثة فنون. الأوّل: الصّبر بالعمل على طاعة الله ، والثّاني: الصّبر على ترك ما نهى الله تعالى عنه من المعاصي، والثّالث: الصّبر على المحن والمصائب، واحتمال المكاره والشّدائد، والرّضا بما تجري به المقادير. ٢٥٦ - أبو فراس: أحمد الله على ما ... سرّ من أمري وساء ربّ أمر لا يرى في ... ـه سوى الصّبر دواء (٢) ٢٥٧ - سعيد بن حميد الكاتب (٣): لا تعتبنّ على النّوائب ... فالدّهر يرغم كلّ عاتب واصبر على حدثانه ... إنّ الأمور لها عواقب

стр. 103

ما كلّ من أنكرته ... ورأيت جفوته تعاتب فلكلّ صافية قذى ... ولكلّ خالصة شوائب والدّهر أولى ما صبر ... ت له على رنق (١) المشارب كم نعمة مطويّة ... لك بين أبناء النوائب (٢) ومسرّة قد أقبلت ... من حيث تنتظر النّوائب ٢٥٨ - آخر: أما علمت بأنّ العسر يتبعه ... يسر كما الصّبر مقرون به الفرج ٢٥٩ - وقال بعض الحكماء: يا بني، إن تغلبوا عن الظّفر، فلن تغلبوا عن الصّبر. ٢٦٠ - آخر: فصبرا على حلو الزّمان ومرّه ... فإنّ اعتياد الصّبر أدعى إلى الرّشد ٢٦١ - وقيل: الصّبر جنّة من الفاقة. ٢٦٢ - وقيل: لكلّ شيء ثمن، وثمن الصّبر الظّفر. ٢٦٣ - ولآخر: وخير الأمور خيرهنّ عواقبا ... وكم قد أتاك النّفع من جانب الضّرّ

стр. 104

ومن عصم الله: الرّضا بقضائه ... ومن لطفه توفيقه العبد للصّبر ٢٦٤ - ولآخر: ليس لما ليست له حيلة ... موجودة خير من الصّبر الصّبر مرّ ليس يقوى به ... غير رحيب الذّرع والصّدر فالق فضول الهمّ من جانب ... قد فرغ الله من الأمر (١) ٢٦٥ - وقيل: أربعة توصلك إلى أربعة: الصّبر إلى المحبوب، والجدّ إلى المطلوب، والزّهد إلى التّقى، والقناعة إلى الغنى. ٢٦٦ - لبعضهم: الصّبر مفتاح ما ترجّي ... فكلّ صعب به يهون (٢) فاصبر وإن طالت اللّيالي ... فربّما طاوع الحزون (٣) وربّما نيل باصطبار ... ما قيل هيهات أن يكون (٤) ٢٦٧ - وقال بزرجمهر: ما أحسن الصّبر لولا أنّ النّفقة عليه من العمر. ٢٦٨ - آخر: فكم من كريم قد بلي بمصائب ... فصابرها حتّى مضت واضمحلّت

стр. 105

وكم محنة هاجت بأمواج محنة ... تلقّيتها بالصّبر حتّى تجلّت وكانت على الأيام نفسي عزيزة ... فلمّا رأت صبري على الذّل ذلّت فقلت لها يا عزّ كلّ مصيبة ... إذا وطّنت (١) يوما لها النّفس ذلّت ٢٦٩ - وقيل: الموفّق إذا امتحن آلت محنته إلى سعادة، وإذا غلط أدّت غلطته إلى إصابة. ٢٧٠ - وقيل: من حسنت نيّته حسنت ديانته، ومن حسنت ديانته حسن صبره، ومن حسن صبره حسن توفيقه، ومن حسن توفيقه قلّ همّه وكثر صوابه. ٢٧١ - وقال بعض الرّهبان: من أيّد بالعزّ الرّوحانيّ على ما يلحقه من المحن فقد نجا من فخّ الشّيطان وكيده. ٢٧٢ - لعبيد بن الأبرص (٢): يا قليل العزاء في الأهوال ... وكثير الهموم والأوجال (٣) صبّر النّفس عند كلّ مهمّ ... إنّ في الصّبر راحة المحتال

стр. 106

لا تضيقنّ في الأمور، فقد ... يكشف غماؤها بغير احتيال ربّما تجزع النّفوس من الأمر ... لها فرجة كحلّ العقال ٢٧٣ - وقال عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه: عليكم بالصّبر، فإنّه به يأخذ العاقل، وإليه يرجع الجاهل. ٢٧٤ - وأصيب جرير بن عبد الله البجلي (١) بمصيبة، فعزّي عنها فقال: ما وقع شيء بقلبي مما عزّيت به حتى دخل عليّ مجوسيّ، فقال: انظر إلى ما كنت تعزّي به النّاس فعزّ به نفسك، واحتسب. ٢٧٥ - وأنشد عمر بن عبد العزيز: اصبر هديت فإنّ الصّبر مكرمة ... وإن جزعت فحظّ الجازع الجزع ٢٧٦ - وقال بعض الرّهبان: متى عدم الإنسان الصّبر والرّجاء، عدم السّكون والفرج. ٢٧٧ - وقال الجاحظ: رأيت بهلول المجنون (٢) بجامع الكوفة يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟ فقال: أنا جائع. فقلت: عليك بالصّبر. فقال منشدا: يقولون لي في الصّبر روح وراحة ... ولا عهد لي بالصّبر مذ خلق الصّبر ولا شكّ أنّ الصّبر كالصّبر طعمه ... وإنّي رأيت الصّبر ممتنع وعر ثم عطف وأنشد: الصّبر جارك فاحتفظ بجواره ... عند الحوادث والملمّ النّازل

стр. 107

فلتعطينّ جزاءه متعجّلا ... ولتحمدنّ ثوابه في الآجل ٢٧٨ - وحكي عن أنوشروان العادل (١) أنّه قال: جميع مكاره الدّنيا تنقسم على قسمين وضربين: فضرب فيه حيلة والاضطراب دواؤه، وضرب لا حيلة فيه والصّبر شفاؤه. ٢٧٩ - نصر بن الحسن (٢): أحسن إلى النّاس ما واتتك مقدرة ... واستصحب الصّبر يوما إن أسا عات فصبر قلبك مكف كلّ معضلة ... ونصر ربّك آت بعد ساعات ٢٨٠ - آخر: وعوّدت نفسي الصّبر حتّى ألفته ... وأسلمني حسن العزاء إلى الصّبر (٣) وصيّرني يأسي من اليأس واثقا ... بحسن صنيع الله من حيث لا أدري (٤) ٢٨١ - أعرابي: خلقان لا أرضى فعالهما ... تيه الغنى ومذلّة الفقر

стр. 108

فإذا غنيت فلا تكن بطرا ... وإذا افتقرت فته على الدّهر واصبر فلست بواجد خلفا ... أدنى إلى فرج من الصّبر ٢٨٢ - الشريف الرضي (١): إذا سيم ضرّا زاد صبرا كأنّه ... هو المسك ما بين الصّلاية والفهر (٢) لأنّ فتيت المسك يزداد طيبه ... على السّحق والحرّ اصطبارا على الضّرّ ٢٨٣ - وقيل: قدم عروة بن الزّبير (٣) على الوليد بن عبد الملك ومعه ابنه محمّد (٤)، فدخل محمد دار الدّوابّ فرمحه دابة فمات، ووقع بعد ذلك في رجل عروة الأكلة (٥) -نسأل الله العافية منها-إلى ساقه. فقيل له: اقطعها وإلاّ انفسد جميع جسدك، فقطعها بمنشار، وهو شيخ كبير، ولم يمسكه أحد، ومع ذلك أجمع، لم ير به جزع، ولا قطع ورده تلك الليلة إلاّ أنّه قال:

стр. 109

لَقَدْ لَقِينامِنْ سَفَرِناهذانَصَباً [الكهف:٦٢]. وقدم على الوليد في تلك الأيام قوم من عبس وفيهم رجل ضرير محطوم الوجه، فسأله الوليد عن حاله. فقال: بتّ ليلة في بطن واد وأنا لا أعلم أنّ في بني عبس رجلا أكثر مني مالا. فطرقنا سيل، فذهب بما كان لي من أهل ومال وولد، وما بقي لي غير بعير واحد وابن صغير، وكان البعير صعب القياد فندّ (١)، فأقعدت الصّبيّ وتبعت البعير لأردّه فما بعدت حتّى سمعت صياح الصّبيّ فانصرفت فإذا رأس الذّئب في بطنه وقد مات، فرجعت إلى البعير لآخذه فلمّا دنوت منه رمحني فأصاب وجهي فحطمه وذهب بعينيي (٢)، فأصبحت ولا مال لي ولا أهل ولا ولد ولا بصر. فقال الوليد: انطلقوا بهذا الرّجل إلى عروة ليخبره بخبره، حتّى يعلم أنّ في الأرض من هو أعظم بلاء منه. فانطلقوا به وأخبره. ثم إنّ عروة شخص إلى المدينة، فأتته قريش والأنصار يعزّونه في ولده ورجله، فقال له عيسى بن طلحة (٣): أبشر، فإنّ الله يعوّضك من ذلك أعظم الأجر وأجزل الثّواب (٤). فقال عروة: كانوا أربعة -يعني بنيه-فأبقى الله ثلاثة، وأخذ واحدا. وكنّ أربعا-يعني يديه ورجليه- فأخذ واحدة وأبقى ثلاثا، فلئن أخذت يا ربّ لقد أبقيت، ولئن ابتليت لقد عافيت. ثم نظر إلى النّاس، وقال: إن كنتم تعدّونني للسّباق والصّراع فقد

стр. 110

فاتني ذلك، وإن كنتم تعدّونني للّسان والجاه فقد أبقى الله خيرا كثيرا. ٢٨٤ - وأنشدوا: صبرا فكم مدركا بالصّبر بغيته ... من حيث لم يحتسب أو حيث يحتسب ما دام خير ولا شرّ على أحد ... يوما وللدّهر حالات ومنقلب ٢٨٥ - ولمؤلفه عيسى بن البحتري عفا الله عنه: إنّي أقول لنفسي حين ألبسها ... ريب الزّمان لباس الخوف والفرق صبرا على نكبة أوهتك شدّتها ... وحادث حدث منه قوى الحرق ٢٨٦ - قال بعض الرّهبان: عند حلول النّعمة اعمل الخير، واشكر الله وفي الإضافة واظب على الدّعاء والاستقالة (١). ٢٨٧ - ولبعضهم: إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدا ... ندمت على التّفريط في زمن البذر إذا شئت أن تستقرض المال منفقا ... على شهوات الدّهر في زمن العسر فسل نفسك الإقراض من ليس صبرها ... عليك وإنظارا إلى زمن اليسر فإن فعلت كنت الغنيّ وإن أبت ... فكلّ منوع بعدها واسع العذر ٢٨٨ - أبو تمام الطائي: خلقنا رجالا للتّجلّد والأسى ... وتلك الغواني للبكا والمآتم (٢)
следующие страницы →