المجلد الأول
المقدمات
المقدمة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة:
﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ .
الحمد لله الذي علم بالقلم، وهدى العمم، ورفع أمة الإسلام فوق باقي الأمم، نحمدك الله كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، ونصلي ونسلم ونبارك على من اخترته واصطفيته بعظيم محبتك وحنانك محمداً ﷺ .
أيها القارئ العزيز الكريم:
تحية طيبة من الله مباركة وبعد:
فبين يديك الكريمة كتاب "سر صناعة الإعراب" لأبي الفتح عثمان بن جني النحوي، والذي اشتهر بين العلماء باسم "سر الصناعة" ذلك أن الكتاب يميل إلى اللغة وعلومها أكثر من النحو، وعندما نتحدث عن اللغة والنحو فإن الحديث يطول ولذا فإننا لا ننكر فضل النحو على اللغة، ولا اللغة على النحو فكلاهما علم متمم للآخر، وهذا ما أراد ابن جني التركيز عليه في كتابه هذا.
وهذا على قدر فهمنا وتحليلنا لكتابه القيم، ونرجو ان نكون قد وفقنا في حكمنا هذا من خلال تحقيقنا لكتاب ابن جني.
أما منهج ابن جني في كتابه فنرى أنه قد اعتمد على حروف المعجم التي تتكون منها بنية الكلمة، فقام بتحليلها من عدة جوانب.
١- ترتيبها: فقد رتبها ترتيبًا هجائيًّا "الهمزة، الباء، التاء، الثاء. إلخ".
стр. 2
٢- من حيث جهرها وهمسها: وذلك عند تناوله لكل حرف فقد حدد نوعه من حيث كونه مجهورًا أو مهموسًا.
٣- الإطباق والانفتاح: فقام بتحديد حروف الإطباق وأهميتها والغرض من كونها مطبقة أو منفتحة.
٤- الإشمام: فحد حروف الإشمام وكيفيته وأهيمته.
٥- الاستعلاء والاستيفال: فنراه أيضا قد قسم الحروف بحسب نوعها من جهة الاستعلاء والاستيفال والمقصود منه.
٦- الشدة والرخاوة: فقام بتحديد الحروف الرخوة معللاً لرخاوتها، وحروف الشدة والسر في شدتها.
٧- قام بتحديد حروف العلة، وكذا الحروف الصحيحة.
فنراه عند ذكر كل حرف يحدد نوعه من جهة الصحة والاعتلال، وأهمية ذلك وتأثيره في بنية الكلمة، وهو جزء خاص بالنحو لا باللغة.
٨- قام بدراسة صوتية للحروف وما يعتريها من حذف أو إبدال أو زيادة، فشرح الأمثلة ووضح متى يأتي كل حرف أصليًا أو زائداً أو مبدلاً، وأهمية ذلك عند دراستنا للهجات القبائل المختلفة مثل البأبأة، والكشكشة، والعنعنة، وغيرها.
٩- الإدغام: فقام بشرح أهميته، وما يحدث لكل حرف إذا تم إدغامه أو تسهيله.
١٠- الإمالة: حيث حدد مفهومها وحروفها وأهميتها لغة ونحواً.
١١- النقل والحذف: وأهميتها بالنسبة لكل حرف موضحًا متى يجوز النقل أو الحذف.
١٢- حدد بعض الحروف وتأثيرها في إعراب الكلمة:
فمثلا حرف الكاف بعد أن يحدد وصفة يحدد أهميته الإعرابية من حيث كونه حرف جر يؤثر في الاسم ويعمل فيه الجر.
стр. 3
وحرفًا مثل حرف الواو فهو يأتي عاطفًا ما بعده على ما قبله، ويأتي جارًّا لما بعده مثل واو رب، ويأتي واو القسم في أسلوب القسم وهكذا حيث كان يحدد كنه كل حرف ووظيفته اللغوية والإعرابية مما يضفي على دراسته وتناوله للحروف الهجائية شيئًا من التكامل بين اللغة والنحو.
وهو في كل ما سبق يضرب الأمثلة ويشرح الأمثلة ويشرح السبب ويقنع بالحجة على وجاهة منطقة وحسن تعليله لما توصل إليه من أحكام لا تحتمل اللبس أو التأويل متخذًا من كتاب الله، وسنة رسوله، وشعر العرب الذي ساقوه في دواوينهم الدليل على ما يسوقه ويقدمه، وهذا ما جعل الكتاب يزخر بالأمثلة المتنوعة.
بل وأحيانًا يفند آراء غيره ويرد عليهم من كلامهم الذي يقدمونه دليلاً عليهم لا لهم، وهو في ذلك كله يعتمد على رجاحة عقله وسديد رأيه.
ونجده أحيانًا يسوق آراء اللغويين والنحويين ثم يجتهد فيفندها ويسوق رأيه الخاص المستقل غير مكتف بالرد عليهم أو تفنيد آرائهم فقط.
وبعد،
عزيزي القارئ فهذا ما عنَّ لنا من خلال دراستنا وتحقيقنا لكتاب ابن جني.
أما منهجنا الذي اتبعناه في التحقيق فقد قمنا بشرح الغريب والشاذ مع تفسير وشرح بسيط للشاهد الذي ساقه ابن جني أو غيره ممن يرد عليهم مع إعراب هذا الشاهد لنترك للقارئ العزيز في النهاية الحكم له أو عليه، أي أننا سرنا في محاور عدة أهمها:
١- تحقيق الكتاب من خلال المخطوط.
٢- شرح الغريب في الشاهد.
٣- شرح الشاهد ككل إن كان آية قرآنية أو حديث شريف أو بيت من الشعر.
٤- إعراب ذلك الشاهد على وجوهه المختلفة إن كان له أكثر من وجهة إعرابية، وذلك حتى يتسنى للقارئ أن يقدم على قراءة الكتاب بشيء من السهولة واليسر.
ولم نتعمد أن نثقل عليك أيه القارئ العزيز بمقدمة طويلة نضرب فيها الأمثلة على ما سقناه من تحليلنا لكتاب ابن جني، ذلك أن ما قدمناه سنتناوله بالشرح والتعليق
стр. 4
كل رأي وكل حكم في موقعه، وذلك حتى لا تفقد المقدمة بطولها حلاوة الكتاب وطلاوته.
فإذا أصبنا فهو ما نصبو إليه ونتمناه، وإن لم نحقق الهدف المرجو فالعزاء الوحيد أن الكمال لله وحده رب العالمين.
وأخيراً آملين داعين الله أن يكون قد جنبنا مواطن الزلل.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
المحققان
أحمد رشدي شحاته عامر
محمد فارس
стр. 5
ترجمة المؤلف:
هو أبو الفتح عثمان بن جني النحوي الأزدي بالولاء، كان أبوه روميًّا مملوكًا لسليمان بن فهد بن أحمد الأزدي من أعيان الموصل. ولد أبو الفتح سنة ٣٣٤هـ.
وقد لازم أبو الفتح أبا علي الفارسي أربعين عامًا حتى صار كأنه كاتب له، ويظهر هذا في سر الصناعة حيث يذكره كثيرًا، وكانا في النحو على المذهب البصري.
وأخذ أيضا عن: أحمد بن محمد الموصلي، وأبو بكر محمد بن الحسن المعروف بابن مقسم، وروى عن أبي الفرج الأصبهاني صاحب الأغاني، وعن أبي حاتم السجستاني، وعن أبي عباس المبرد.
له من كتب:
١- اسم المفعول.
٢- التبصرة في العروض.
٣- تذكرة الأصبهانية.
٤- التصريف الملوكي.
٥- تفسير المرائي الثقة.
٦- القصيدة الرائية للرضي.
٧- التمام في شرح شعر الهذليين.
٨- التلقين في النحو.
٩- التنبيه في الفروع.
١٠- الخصائص في النحو.
١١- سر الصناعة وشرحه "وهو كتابنا هذا"
١٢- شرح مستغلق أبيات الحماسة.
١٣- شرح الفصيح لثعلب في اللغة.
١٤- شرح كتاب المقصور والممدود لأبي علي الفارسي.
١٥- كتاب الصبر في شرح كتاب المتنبي.
١٦- الكافي في شرح القوافي للأخفش.
стр. 6
١٧- كتاب الألفاظ من المهموز.
١٨- كتاب التعاقب.
١٩- كتاب العروض.
٢٠- كتاب الفرق بين كلام الخاص والعام
٢١- كتاب المذكر والمؤنث.
٢٢- كتاب المقصور والممدود.
٢٣- كتاب الوقف والابتداء.
٢٤- اللمع في النحو.
٢٥- محاسن العربية.
٢٦- المحتسب في شرح الشواذ لابن مجاهد في القراءات.
٢٧- مختار تذكرة أبي علي الفارسي.
٢٨- المسائل الخاطريات.
٢٩- المنصف في شرح التصريف للمازني.
٣٠- معاني أبيات المتنبي.
٣١- المفيدة في النحو.
٣٢- المقتضب من كلام العرب.
٣٣- المقتطف في معتل العين.
٣٤- المنتصف في النحو.
٣٥- المنهج في اشتقاق أسماء شعراء الحماسة.
٣٦- معاني المحررة.
٣٧- مقدمات أبواب التصريف.
٣٨- تفسير علويات الرضا.
٣٩- تفسير ديوان المتنبي.
٤٠- تفسير أرجوزة أبي النواس.
٤١- رسالة في مدد الأصوات.
٤٢- كتاب البشرى والظفر
٤٣- كتاب الخطيب.
٤٤- كتاب الفائق.
٤٥- كتاب الفصل بين كلام الخاص والعام.
٤٦- كتاب المغرب في شرح القوافي.
٤٧- كتاب المنتصف.
٤٨- كتاب النقض على ابن وكيع.
стр. 7
٤٩- ما أحضرنيه الخَطْر من المسائل المنثورة.
٥٠- ما خرج مني من تأييد التذكرة.
٥١- مختصر التصريف على إجماعه.
٥٢- مختصر العروض والقوافي.
٥٣- المهذب في النحو.
٥٤- النوادر الممتعة في العربية.
وغير ذلك.
وتوفي ﵀ ببغداد سنة "٧٩٢هـ" اثنتين وتسعين وسبعمائة١.
كتبه
طالب العلم/ محمد فارس
٢/ ربيع الثاني/ ١٤١٨هـ
٢/ ٩/ ١٩٩٧م
стр. 8
النسخ الخطية:
لقد اعتمدنا بفضل الله الواحد الأحد الفرد الصمد في تحقيق هذا الكتاب على نسختين خطيتين:
إحداهما: نسخة دار الكتب المصرية تحت رقم ١٢٠/ لغة.
والثانية: نسخة دار الكتب المصرية أيضا.
تحت رقم ٤٢٨٤٦/ عمومي، ١٦ لغة ش/ خصوصي.
ولا يسعني في النهاية إلا أن أقدم الشكر لمشايخي ووالدي ووالدتي.
والأستاذ/ فتحي صالح توفيق "جمع تصويري/ كمبيوتر"
стр. 9
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة المؤلف:
رسمت، أطال الله بقاءك، وأحسن إمتاع العلم وأهله بك؛ فإنك بحمد الله ما زلت جمالا له ولهم، وقفا عليه وعليهم، إن أظلم شق منه، كنت لهم فيه سراجا١، أو طمس٢، منار له، وجدت إليه منهاجًا، أو قعد غيرك عنه، قمت بأعبائه٣، مراميا٤ عن حوزته٥ من أمامه وورائه، متقيلا٦، آثار أسلافك٧ الغر٨ الأطايب٩، الذين خصهم الله وإياك بأرفع المراتب، وانتضاهم١٠ من سلالة النجباء والنجائب١١ أن أضع كتابًا يشتمل على جميع أحكام حروف المعجم،
стр. 10
وأحوال كل حرف منها، وكيف مواقعه في كلام العرب. وأن اتقصى١ القول في ذلك، وأشبعه وأوكده٢، فاتبعت ما رسمته، ونتهيت إلى ما مثلته، ولم أجد مع ما أنا بسبيله، وأنت أدام الله عزك، أعدل شاهد لي بما لي من الغرض والمدل بهذه الصناعة، الكثير منتحلها٣ والقانع بالتمويه فيها، القليل محصلها والمطالب نفسه بأداء فروضها، لا مقيما عذرا لي في الوقوف دون أمرك، ولا مسهلا على الإخلال٤ بموجب حقك، لما يصلني بك من مرعي الذمم، ويضمني إليك من وكيد العصم.
وأنا بإذن الله ومعونته، وطوله ومشيئته، أبلغ من ذلك فوق قدر٥ الكفاية، وأحرز فيه بتوفيق الله قصب الغاية، وأجتنب ٦ مع ذلك الإسهاب ٧ والإطالة، إلا فيما تضمن نكتا٨، أو آثار دفينا، وأتبع كل حرف منها مما رويته عن حذاق٩ أصحابنا وجلتهم١٠، وحذوته١١ على مقاييسهم وأمثلتهم، ما أقدر أن فيه بلوغا لأمدك، وإصابة لغرضك. وأذكر أحوال هذه الحروف في مخارجها ومدارجها١٢.
стр. 11
وانقسام أصنافها، وأحكام مجهورها١، ومهموسها٢، وشديدها ورخوها٣، وصحيحها ومعتلها٤، ومطبقها ومنفتحها٥، وساكنها ومتحركها، ومضغوطها ومهتوتها٦، ومنحرفها ومشربها، ومستويها٧ ومكررها، ومستعليها ومنخفضها٨، إلى غير ذلك من أجناسها وأذكر فرق ما بين الحرف والحركة، وأين محل٩ الحركة من الحرف: هل هي٩ قبله، أو معه، أو بعده؟ وأذكر أيضا الحروف التي هي
стр. 12
فروع مستحسنة، والحروف التي هي فروع مسقبحة، والحركات التي هي فروع متولدة عن الحركات، كتفرع الحروف عن الحروف. وأذكر أيضا ما كان من الحروف في حال سكونه له مخرج ما، فإذا حرك أقلقته الحركة، وأزالته عن محله في حال سكونه. وأذكر أيضا أحوال هذه الحروف في أشكالها، والغرض في وضع واضعها، وكيف ألفاظها ما دامت أصواتا مقطعة، ثم كيف ألفاظها إذا صارت أسماء معربة، وما الذي يتوالى فيه إعلالان بعد نقله، مما يبقى بعد ذلك من الصحة على قديم حاله، وما يمكن تركبه ومجاورته من هذه الحروف وما لا يمكن ذلك فيه، وما يحسن وما يقبح فيه ما ذكرنا، ثم أفرد فيما بعد، لكل حرف منها بابا أغترق فيه ذكر أحواله وتصرفه في الكلام، من أصليته وزيادته، وصحته وعلته، وقلبه إلى غيره، وقلب غيره إليه.
وليس غرضنا في هذا الكتاب ذكر هذه الحروف مؤلفة، لأن ذلك كان يقود إلى استيعاب جميع اللغة، وهذا ما يطول جدا، وليس عليه عقدنا هذ الكتاب، وإنما الغرض فيه ذكر أحوال الحروف منفردة، أو منتزعة من أبنية الكلم التي هي مصوغة فيها لما يخصها من القول في أنفسها، وأقروا ذلك شيئا فشيئا على تأليف حروف المعجم، دون مدارج الحروف، كما آثرت، وبه أمرت، وسأتجشم لطاعتك المضض، بانكشاف أسرار هذا العلم، وبدوها لمن يتدرعه وهو عار منه، ويقرب إليه وهو ناء عنه ويظهر اللطف له والحفاوة، وهو الغاية في الجهل به والغباوة، ومن إذا قامت سوقه بين الرعاع والهمج، فقد علا عند نفسه أرفع الدرج، وأنسي ما عليه في عقوقه العلم ومروقه من جملة حملته، وأشياعه وحفدته، فلولا مكانك لما مكنته من اكتلاء غرره وعيونه، واجتلاء أبكاره وعونه. على أن ما أخذ من هذا الوجه خداعا وحيلة، ومواربة وغيلة، فأحر به ألا يكون عبد الله زاكيا، ولا من داء الجهل شافيا.
جعلنا الله ممن إذا أنعم عليه شكر، وإذا وعظ اعتبر، وجعل ما علمناه خالصا لوجهه، مدنيا من رضاه، مبعدا عن غضبه، فإنما نحن له وبه، والحمد لله، وصلواته التامة الزاكية، الطيبة المباركة، على محمد المرتضى وآله، وهو حسبنا وكفى.
стр. 13
التمهيد ١:
اعلم٢ أن الصوت عرض ٣ يخرج من النفس مستطيلا متصلا، حتى يعرض له في الحلق والفم والشفتين مقاطع تثنيه عن امتداده واستطالته، فيسمى المقطع أينما عرض له٤ حرفا، وتختلف أجراس الحروف بحسب اختلاف مقاطعها، وإذا تفطنت٥ لذلك وجدته على ما ذكرته لك؛ ألا تري أنك تبتدئ الصوت من أقصى حلقك، ثم تبلغ به أي المقاطع شئت، فتجد له جرسا ما، فإن انتقلت عنه راجعا منه، أو متجاوزا له، ثم قطعت، أحسست عند ذلك صدى٦ غير الصدى الأول وذلك نحو الكاف، فإنك إذا قطعت بها سمعت هنا صدى ما، فإن رجعت إلى القاف سمعت غيره، وإن جزت٧ إلى الجيم سمعت غير ذينك الأولين.
وسبيلك إذا أردت اعتبار صدى الحروف، أن تأتي به ساكنا لا متحركا، لأن الحركة تقلق٨ الحرف عن موضعه، ومستقره، وتجتذبه إلى جهة الحرف التي هي
стр. 14
بعضه، ثم تدخل عليه همزة الوصل مكسورة١ من قبله لأن الساكن لا يمكن الابتداء به٢، فتقول: اك. اق. أج، وكذلك سائر الحروف، إلا أن بعض الحروف أشد حصرا للصوت من بعضها.
ألا تراك تقول في الدال والطاء واللام: اد. اط. ال. ولا تجد للصوت منفذا هناك: ثم تقول: اص. اس. ار. اث. اف، فتجد الصوت يتبع الحرف. وإنما يعرض هذا الصويت التابع لهذه الحروف ونحوها ما وقفت عليها، لأنك لا تنوي الأخذ في حرف غيرها، فيتمكن الصويت فيظهر.
فأما إذا وصلت هذه الحروف ونحوها مما سنبينه في مكانه، فإنك لا تحس معها شيئا من الصوت كما تجده معها إذا وقفت عليها، وذلك نحو يصبر ويسلم ويزلق ويثرد ويفتح، وإنما كان ذلك كذلك من قبل أن أخذك في حرف آخر وتأهبك له٣، قد حالا٤ بينك وبين التلبث٥ والاستراحة التي يوجد معها ذلك الصويت، وسترى ذلك مخلصا بمعونة الله.
فإن اتسع مخرج الحرف حتى لا يقتطع الصوت عن امتداده واستطالته، استمر الصوت ممتدا حتى ينفد٦، فيفضي ٧ حسيرا٨ إلى مخرج الهمزة، فينقطع بالضرورة عندها إذالم يجد منقطعا فيما فوقها.
стр. 15
والحروف التي اتسعت مخارجها ثلاثة: الألف، ثم الياء، ثم الواو، وأوسعها وألينها الألف، إلا أن الصوت الذي يجري في الألف مخالف للصوت الذي يجري في الياء والواو، والصوت الذي يجري في الياء مخالف للصوت الذي يجري في الألف والواو.
والعلة في ذلك أنك تجد الفم والحلق في ثلاث الأحوال، مختلف الأشكال، أما الألف فتجد الحلق والفم معها منفتحين، غير معترضين على الصوت بضغط أو حصر، وأما الياء فنجد معها الأضراس سفلا وعلوا قد اكتنفت١ جنبتي٢ اللسان وضغطته، وتفاج٣ الحنك عن ظهر اللسان، فجرى الصوت متصعدا هناك، فلأجل تلك الفجوة ما استطال٤، وأما الواو فتضم لها معظم الشفتين، وتدع بينهما بعض الانفراج، ليخرج فيه النفس، ويتصل الصوت. فلما اختلفت أشكال الحلق والفم والشفتين مع هذه الاحرف الثلاثة اختلف الصدى المنبعث٥ من الصدر، وذلك قولك في الألف أاْ، وفي الياء إيْ، وفي الواو أُوْ.
ولأجل ما ذكرنا من اختلاف الأجراس في حروف المعجم باختلاف مقاطعها، التي هي أسباب تباين
أصدائها، ما شبه بعضهم الحلق والفم بالناي٦، فإن الصوت يخرج فيه مستطيلا أملس ساذجا٧، كما يجري الصوت في الألف غفلا٨ بغير صنعة، فإذا وضع الزامر أنامله على خروق الناي المنسوقة٩، وراوح بين أنامله،
стр. 16
اختلفت الأصوات، وسمع لكل خرق منها صوت لا يشبه صاحبه، فكذلك إذا قطع الصوت في الحلق والفم١، باعتماد على جهات مختلفة، كان سبب استماعنا هذه الأصوات المختلفة.
ونظير ذلك أيضا وتر العود، فإن الضارب إذا ضربه وهو مرسل، سمعت له صوتا، فإن حصر٢ آخر الوتر ببعض أصابع يسراه، أدى صوتا آخر، فإن أدناها٣ قليلا، سمعت غير الاثنين، ثم كذلك كلما أدنى أصبعه من أول الوتر تشكلت لك أصداء مختلفة، إلا أن الصوت الذي يؤديه الوتر غفلا غير محصور، تجده بالإضافة إلى ما أداه وهو مضغوط محصور، أملس مهتزا٤، ويختلف ذلك بقدر قوة الوتر وصلابته، وضعفه ورخاوته٥، فالوتر في هذا التمثيل كالحلق، والخفقة بالمضراب عليه كأول الصوت من أقصى الحلق، وجريان الصوت فيه غفلا غير محصور كجريان الصوت في الألف الساكنة، وما يعترضه من الضغط والحصر بالأصابع كالذي يعرض للصوت في مخارج الحروف من المقاطع، واختلاف الأصوات هناك كاختلافها هنا.
وإنما أردنا بهذا التمثيل الإصابة والتقريب، وإن لم يكن هذا الفن مما لنا ولا لهذا الكتاب به تعلق، ولكن هذا القبيل من هذا العلم، أعني علم الأصوات والحروف، له تعلق ومشاركة للموسيقى، لما فيه من صنعة الأصوات والنغم.
فقد ثبت بما قدمناه معرفة الصوت من الحرف، وكشفنا عنهما بما هو متجاوز للإقناع في بابهما، ووضحت حقيقتهما لمتأملها.
стр. 17
فأما القول على لفظهما، فإن الصوت مصدر صات الشيء يصوت صوتا، فهو صائت، وصوت تصويتا فهو مصوت، وهو عام غير مختص، يقال سمعت صوت الرجل وصوت الحمار، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ .
وقال الشاعر:
كأنما أصواتها في الوادي ... أصوات حج منه عمان غادي١
وقال ذو الرمة، وهو من أبيات الكتاب:
كأن أصوات من إيغالهن بنا ... أواخر الميس أصوات الفراريج٢
يريد كأن أصوات أواخر الميس من إيغالهن بنا أصوات الفراريج، ففصل بين المضاف والمضاف إليه بحرف الجر، لضرورة الشعر، ومثله كثير، إلا أنا ندعه لشهرته، ولأن هذا الكتاب ليس موضوعا له، والميس: خشب الرحل.
стр. 18
ومن مسائل الكتاب: "له صوت صوت حمار"١.
ويقال: رجل صات أي شديد الصوت، وحمار صات، كما يقال رجل مال: كثير المال، ورجل نال: كثيرا النوال، وكبش صاف: كثير الصوف، وبئر ماهة: كثيرة الماء، ورجل هاع٢ لاع٣، وامرأة هافة لاعة، ورجل خاف ويوم طان٤. راح٥: كثير الطين والريح، وتقدير هذه الأوصاف كلها عندنا: "فعل" مكسورة العين. قال النظار الفقعسي٦:
كأنني فوق أقب سهوق ... جأب إذا عشر صات الإرنان٧
стр. 19
فأما قولهم لفلان صيت إذا انتشر ذكره في الناس، فمن هذا اللفظ، إلا أن واوه انقلبت ياء لانكسار الصاد قبلها، وكونها ساكنة، كما قالوا ريح من الروح، وقيل من القول، وكأنهم بنوه على فعل، للفرق بين الصوت المسموع، وبين الذكر المتعالم، على أنهم قد قالوا أيضا: قد انتشر صوته في الناس، يعنون به الصيت١ الذي هو الذكر، والصيت في هذا المعنى أعم وأكثر استعمالا من الصوت، ولا يستعمل الصيت إلا في الجميل من الذكر، دون القبيح.
والصوت مذكر، لأنه مصدر بمنزلة الضرب والقتل والغدر والفقر.
فأما قول رويشد بن كثير الطائي:
يأيها الراكب المزجي مطيته ... سائل بني أسد ما هذه الصوت٢
فإنما أنثه لأنه أراد الاستغاثة، وهذا من قبيح الضرورة، أعني تأنيث المذكر؛ لأنه خروج عن أصل إلى فرع، وإنما المستجاز من ذلك رد التأنيث إلى التذكير، لأن التذكير هو الأصل، بدلالة أن "الشيء" مذكر، وهو يقع على المذكر والمؤنث.
فعلمت بهذا عموم التذكير، وأنه هو الأصل الذي لا ينكسر.
ونظير هذا في الشذوذ قوله، وهو من أبيات الكتاب:
إذا بعض السنين تعرقتنا ... كفى الأيتام فقد أبي اليتيم٣
стр. 20
وهذا أسهل من تأنيث الصوت قليلا، لأن بعض السنين سنة، وهي مؤنثة وهي من لفظ السنين، وليس الصوت بعض الاستغاثة ولا من لفظها، ونظائر هذا كثيرة، وفيه وجه آخر، وهو أنه أراد الأصوات، أخرجه مخرج الجنس، لأنه مصدر، والمصادر قلما تجمع، كما تقول قوم صوم وزور وضيف.
ومنها ما حكاه الأصمعي عن أبي عمر بن العلاء، أنه سمع بعض العرب يقول -وذكر إنسانا، فقال: فلان لغوب- جاءته كتابي، فاحتقرها.
فقلت له: أتقول: جاءته كتابي١؟ فقال نعم: أليس بصحيفة؟ فقلت له ما اللغوب؟ فقال: الأحمق، ومثله قول لبيد:
فمضى وقدمها كانت عادة ... منه إذا هي عردت إقدامها٢
قالوا: أنث الإقدام لأنه ذهب بها إلى التقدمة.
стр. 21
قالوا: ونحوه قول الآخر:
غفرنا وكانت من سجيتنا الغفر١
أنث الغفر لأنه أراد المغفرة.
ونحو هذا قوله عز اسمه: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ ٢﴾ ، لأن بعضها سيارة،
وقال الآخر:
أتهجر بيتا بالحجاز تلفعت ... به الخوف والأعداء أم أنت زائره٣
أراد المخافة، فأنث لذلك، وحكى سيبويه: "ذهبت بعض أصابعه"٤ فأنث البعض لأنه إصبع في المعنى.
وهذا كثير، إلا أنا ندع اغتراقه٥ كراهية لطول الكتاب.
стр. 22
فأما الحرف فالقول فيه وفيما كان من لفظه: أن "ح ر ف" أينما وقعت في الكلام يراد به حد الشيء وحدته، من ذلك حرف الشيء إنما هو حده وناحيته، وطعام حريف: يراد حدته، ورجل محارف، أي محدود عن الكسب والخير، ويقال أيضا فيه: مجازف١ بالجيم، ومثله مجرف، ومجلف٢، كأن الخير قد جرف عنه وجلف٣، كما يجلف القلم ونحوه، وقولهم: "انحرف فلان عني": من هذا أيضا، كأنه جعل بيني وبينه حدا بالبعد والانعدال٤.
وقال أبو عبيدة في قوله عز اسمه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١] ٥ أي لا يدوم، تقول: إنما أنت على حرف، أي لا أثق بك، وهذا راجع إلى ما قدمناه، لأن تأويله أنه قلق في دينه، على غير ثبات ولا طمأنينة ولا استحكام بصيرة٦، فكأنه معتمد علي حرف دينه، غير واسط فيه، كالذي هو على حرف الجبل ونحوه.
وقال أحمد بن يحيي: أي على شك، وهذا هو المعنى الأول، ومن هنا سميت حروف المعجم حروفا، وذلك أن الحرف حد منقطع الصوت وغايته وطرفه، كحرف الجبل ونحوه.
стр. 23
ويجوز أن تكون سميت حروفا لأنها جهات للكلم ونواح، كحروف الشيء وجهاته المحدقة به١.
ومن هذا قيل، فلان يقرأ بحرف أبي عمرو وغيره من القراء، وذلك لأن الحرف حد ما بين القراءتين وجهته وناحيته.
ويجوز أيضا أن يكون قولهم: حرف فلان، يراد به حروفه التي يقرأ بها، أي القارئ يؤديها بأعيانها، من غير زيادة ولا نقص فيها، فيكون الحرف في هذا وهو واحد، واقعا موقع الحروف وهي جماعة، كقوله عز اسمه: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ [الحاقة: ١٧] ٢ أي والملائكة، وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر: ٢٢] ٣ أي والملائكة، وكقولنا: "أهلك الناس الدينار والدرهم" أي الدنانير والدراهم، وكقولنا: "الأسد أشد من الذئب" أي الأسد أشد من الذئاب، وهذا واسع في كلامهم، ونحوه أيضا: "الملك أفضل من الإنسان" أي الملائكة أفضل من الناس.
ومن هذا سمي أهل العربية أدوات المعاني حروفا، نحو من، وفي، وقد، وهل، وبل، وذلك لأنها تأتي في أوائل الكلام وأواخره في غالب الأمر، فصارت كالحروف والحدود له.
стр. 24
ومنه قولهم لهذه البقلة١ الحادة الحرف٢ سمي بذلك لحدته، والعرب أيضا تسميه الثفاء٣ ومنه قولهم: "ناقة حرف" أي ضامر، وتأويله أنها قد تحددت أعطافها٤ بالضمر٥ والهزال٦، وليس هناك سمن يكون معه رهل٧ واسترخاء.
وقال بعضهم: الحرف: التي انتقلت من هزال إلى سمن، وتأويل هذا القول أنها انحرفت من حال إلى حال.
وقال بعضهم: الحرف: التي كأنها حرف جبل في شدتها وصلابتها، وهذا واضح جلي.
وقال بعضهم: الحرف: التي كأنها حرف السيف في مضائها٨ وحدتها وهذا أيضا مفهوم غير خفي٩.
وقال بعضهم: شبهت لضمرها بحرف من المعجم، قالوا: وهو الواو، لدقتها وتقويسها.
وقال أحمد بن يحيى: لأنها انحرفت عن السمن، وهذه كلها معان متقاربة ومن هذا قولهم لمكسب الرجل وطعمته الحرفة، كأنها الجهة التي انحرف إليها عما سواها من الماكسب، والمحراف: الميل، سمي بذلك لحدته، أو لأنه يعرف به حد الجراحة وقدرها، أي يسبر به١٠.
стр. 25
قال القطامي يصف جراحة:
إذا الطبيب بمحرافيه عنّ لها ... زادت على النقر أو تحريكها ضجما١
الضجم: الميل والاختلاف.
والتحريف في الكلام: تغييره عن معناه. كأنه ميل به إلى غيره، وانحرف به نحوه، كما قال عز اسمه في صفة اليهود: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِه﴾ [النساء: ٤٦] ٢ أي يغيرون معاني التوراة بالتمويهات٣ والتشبيهات.
ويقال: انحرف الإنسان وغير عن الشيء، وتحرف، واحرورف.
стр. 26
قال:
وإن أصاب عدواء احرورفا ... عنها وولاها الظلوف الظلفا١
يصف ثورا يحترف كناسا.
وأنشد أبو زيد:
مشي الجمعليلة بالحرف النقل٢
стр. 27
وقال: الحرف: مسيل الماء، وتأويله أنه انحرف فسال الماء عنه، ولم يستقم، فيثبت عليه، فهذا كله يشهد لمعنى الحرف، وهذا الطريق من الاشتقاق وإنما يحذق١ حقيقتها من كان سبطا٢ مرتاضا٣، لاكزا٤ ريضا٥.
فقد أتينا على ذكر معنى الصوت والحرف، ونتلي ذلك الحركة.
اعلم أن الحركات أبعاض حروف المد واللين، وهي الألف والياء والواو، فكما أن هذه الحروف ثلاثة، فكذلك الحركات ثلاث، وهي الفتحة، والكسرة، والضمة، فالفتحة بعض الألف، والكسرة بعض الياء، والضمة بعض الواو، وقد كان متقدمو النحويين يسمون الفتحة الألف الصغيرة، والكسرة الياء الصغيرة، والضمة الواو الصغيرة، وقد كانوا في ذلك على طريق مستقيمة، ألا تري أن الألف والياء والواو اللواتي هن حروف نوام٦ كوامل٧، قد تجدهن في بعض الأحوال أطول وأتم منهن في بعض، وذلك قولك يخاف وينام، ويسير ويطير، ويقوم ويسوم، فنجد فيهن امتدادا واستطالة ما، فإذا أوقعت بعدهن الهمزة أو الحرف المدغم٨، ازددن طولا وامتدادا، وذلك نحو: يشاء ويداء٩ ويسوء ويهوء١٠ ويجيء ويفيء١١ وتقول مع الإدغام شابة ودابة، ويطيب بكر، ويسير راشد، وتمود الثوب١٢، وقد
стр. 28
قوص زيد بما عليه، أفلا ترى إلى زيادة المد فيهن بوقوع الهمزة والمدغم بعدهن، وهن في كلا موضعيهن يسمين حروفا كوامل، فإذا جاز ذلك فليست تسمية الحركات حروفا صغارا بأبعد في القياس منه.
ويدلك على أن الحركات أبعاض لهذه الحروف، أنك متي أشبعت واحدة منهن حدث بعدها الحرف الذي هي بعضه، وذلك نحو فتحة عين عمر، فإنك إن أشبعتها حدثت بعدها ألف، فقلت عامر، وكذلك كسرة عين عنب، إن أشبعتها نشأت بعدها ياء ساكنة، وذلك قولك عينب، وكذلك ضمة عين عمر، لو أشبعتها لأنشأت بعدها واوا ساكنة، وذلك قولك عومر، فلولا أن الحركات أبعاض لهذه الحروف وأوائل لها، لما تنشأت عنها، ولا كانت تابعة لها.
ويزيد ذلك وضوحا لك، أن جميع حروف المعجم غير هؤلاء الثلاثة الأحرف لك أن تأتي بكل حرف منها، بعد أي الحركات شئت، ولا تجد مع ذلك نبوا١ في اللفظ، ولا استكراها، سواكن كن الحروف أو متحركة. وذلك نحو اللام من سلم وسلم وسلمى، وكذلك العين من سعد وسعد وسعلاة وسعاد وسعيد وسعود، فأما استكراههم الخروج من كسر إلى ضم بناء لازما، فليس ذلك شيئا راجعا إلى الحروف وإنما هو استثقال منهم للخروج من ثقيل إلى ما هو أثقل منه.
وأنت لو رمت٢ أن تأتي بكسرة أو ضمة قبل الألف لم تستطع ذلك البتة٣ وكذلك لو تكلفت الكسرة قبل الواو الساكنة المفردة، أو الضمة قبل الياء الساكنة المفردة، لتجشمت٤ فيه مشقة وكلفة٥ لا تجدها مع الحروف الصحاح، وذلك نحو فعل من القول والطول٦، وأصله أن تقول قول وطول، ثم تستثقل ذلك، فتقلب الواو إلى الكسرة قبلها ياء، فتقول: قيل وطيل، وقد قالتهما العرب مقلوبين
стр. 29
هكذا، ونحوهما ميزان وميعاد وميقات، كل هذه من الواو في وزن ووقت ووعد، وكذلك قولا موسر وموقن، وأصلهما ميسر وميقن، فكرهوا الياء بعد الضمة فأبدلوها واوا، وكذلك إن انكسر ما قبل الألف أو انضم قلبت للكسرة ياء، وللضمة واوا، وذلك الياء في قراطيس١ إنما هي بدل من ألف قرطاس، والواو في ضويرب إنما هي بدل من الألف في ضارب، وإنما قلبت هذه الحروف بعد هذه الحركات، لأنك إذا بدأت بالكسرة فقد جئت ببعض الياء، وآذنت٢ بتمامها، فإذا تراجعت عنها إلى الواو فقد نقضت أول قولك بآخره٣ وخالفت بين طرفيه، وكذلك إذا بدأت بالضمة ثم جئت بعدها بالياء، فقد جئت بأمر غيره المتوقع، لأنك لما جئت بالضمة توقعت الواو، فإذا عدلت إلى الياء فقد ناقضت٤ بآخر لفظك أوله، إلا أن ذلك وإن كان مستثقلا فليس بمستحيل في الطاقة والطوع، كاستحالة مجيء الألف بعد الكسرة أو الضمة.
فإن قلت: فما بالك تقول الغير والعيبة والطول والعوض فتأتي بالياء بعد الضمة، وبالواو بعد الكسرة؟
فالجواب أنه جاز ذلك من قبل أن الياء والواو لما تحركتا قويتا بالحركة، فلحقتا بالحروف الصحاح، فجازت مخالفة ما قبلهما من الحركات إياهما، وكذلك قولهم اجلوذ٥ اجلواذا، واخروط اخرواطا، فتصح الواو الأولى في اجلواذ واخرواط، من قبل أنها لما أدغمت في التي بعدها قويت، وضارعت٦ الحروف الصحاح، فجاز ثباتها مع انكسار ما قبلها، وكذلك قالوا: قرن ألوى٧، وقرون لي، فصححوا
стр. 30
الياء الأولى وإن كانت ساكنة مضموما ما قبلها، من قبل أنها قويت بالإدغام فحصنها عن القلب.
فإن قلت: فما بالك تقول سوط وحوض وثوب وبيت وقيد وشيخ، فتصح الواو والياء هما ساكنتان وقبلهما حركة تخالفهما؟ وهلا قلبتهما ألفا لانفتاح ما قبلهما، كما تقلب الواو ياء لسكونها وانضمام ما قبلها في نحو: الكوسي والطوبي؟
فالجواب في ذلك أن بين الياء وبين الواو قربا ونسبا ليس بينهما وبين الألف، ألا تراها تثبت في الوقف في المكان الذي تحذفان فيه، وذلك قولك: هذا زيد، ومررت بزيد، ثم تقول: ضرب زيدا، وتراهما تجتمعان في القصيدة الواحدة ردفين نحو قول امرئ القيس:
قد أشهد الغارة الشعواء تحملني ... جرداء معروقة اللحيين سرحوب١
ثم قال فيها:
كالدلو بتت عراها وهي مثقلة ... وخانها وذم منها وتكريب٢
ولا يجوز معهما ألف في مكانهما.
فلم كان بين الياء والواو هذا التقارب، وتباعدتا من الألف هذا التباعد، وغيره مما سنذكره في أماكنه، جذبت كل واحدة منهما صاحبتها إليها، لأنهما صارتا بما ذكرناه من أمرهما بمنزل الحرفين يتقارب مخرجاهما، نحو الدال والطاء، والذال
стр. 31
والظاء، فقلبت الواو للكسرة قبلها، والياء للضمة قبلها، ولما تباعدت الألف منهما، تباعدت الفتحة أيضا من الكسرة والضمة، فلم تقو الفتحة في نحو سوط وحوض وبيت وقيد على قلب الواو والياء ألفا، واحتمل لما ذكرناه من التفاوت الذي بينهما، ولخفة الفتحة مجيء الواو والياء ساكنتين بعد الفتحة.
فإن قلت: فقد نرى الفتحة تقلب الواو والياء المتحركيتن ألفا في نحو: قام وباع وخاف وطال، وقد قدمت من قولك أن الحركة في الحرف تقويه وتحصنه، فإذا جاز للتفحة أن تقلب الحرف المتحرك القوي، وهما الواو والياء في نحو: قام وسار، فهلا قلبت الحرف الساكن الضعيف في نحو بيت وشيخ وحوض وسوط.
فالجواب أن هذه مغالطة من السائل ودعوى١ في سؤاله، وذلك أن الواو والياء في نحو: قام وباع لما تقلبا ألفين، لأن الفتحة قويت عليهما متحكرتين فقلبتهما، ولو كان ذلك كذلك، لوجب قلب الواو ياء في نحو: عوض وحول، وقلب الياء واوا في نحو: عيبة٢ وسيرة٣، بل كان ذلك مع الضمة والكسرة أوجب لثقلهما وقوة تأثيرهما.
وإنما كان الأصل في: قام قوم، وفي: خاف خوف، وفي: طال طول، وفي: باع بيع، وفي: هاب هيب، فلما اجتمعت ثلاثة أشياء متجانسة، وهي الفتحة، والواو أو الياء، وحركة الواو والياء، كره اجتماع ثلاثة أشياء متقاربة، فهربوا من الواو والياء إلى لفظ تؤمن فيه الحركة، وهو الألف، وسوغها٤ أيضا انفتاح ما قبلها.
فهذا هو العلة٥ في قلب الواو والياء في نحو: قام وباع، لا ما ادعاه السائل من أن الفتحة قويت على قلب الحرف المتحرك.
стр. 32
وسندل بإذن الله فيما يستقبل على مضارعة حروف اللين للحركات.
فأما الكسرة في نحو: عوض وطول، فلو قلبت لها الواو المتحركة [كما قلبت الواو المتحركة في قام ألفا] ١ للتفحة واستثقال حركتها، لوجب أن تقول عيض وحيل، ولا تصير إلى حرف تأمن فيه الحركة، إنما صرت إلى الياء، والياء قد يمكن تحريكه، وليس كذلك الألف في قام، لأنك قد صرت من الواو، إلى حرف تؤمن حركته، والياء في عيبة كالواو في عوض، لأنه ليس قبلهما فتحة تجتلب الألف التي تؤمن حركتها، فلذلك لم تقلبا، فافهم٢.
على أن من العرب من يقلب في بعض الأحيان الواو والياء الساكنيتين ألفين، للفتح قبلهما، وذلك نحو قولهم في: الحيرة حاري٣، وفي: طيئ طائي.
وأجاز غير الخليل في آية أن يكون أصلها أية، فقلبت الياء الأولى ألفا، لانفتاح ما قبلها، وقالوا: أرض داوية، منسوبة إلى الدو٤، وأصلها دوية، قلب الواو الأولى الساكنة ألفا، لانفتاح ما قبلها، إلا أن ذلك قليل، غير مقيس عليه غيره، ومع هذا فشبهته ما ذكرت لك.
فقد ثبت بما وصفناه من حال هذه الأحرف أنها توابع للحركات ومتنشئة عنها، وأن الحركات أوائل لها، وأجزاء منها، وأن الألف فتحة مشبعة، والياء كسرة مشبعة، والواو ضمة مشبعة، يؤكد ذلك عندك أيضا أن العرب ربما احتاجت في إقامة الوزن إلى حرف مجتلب ليس من لفظ البيت، فتشبع الفتح، فيتولد من بعدها الألف، وتشبع الكسرة، فتتولد من بعدها ياء، وتشبع الضمة، فتتولد من بعدها واو.
стр. 33
وأنشد سيبويه:
فبينا نحن نرقبه أتانا ... معلق وفضة وزناد راعي١
أراد بين نحن نرقبه أتانا، فأشبع الفتحة، فحدثت بعدها ألف.
فإن قيل: فإلام أضاف الظرف الذي هو بين، وقد علمنا أن هذا الظرف لا يضاف من الأسماء إلا إلى ما يدل على أكثر من الواحد، أو ما عطف عليه غيره بالواو دون سائر حروف العطف، نحو المال بين القوم، والمال بين زيد وعمرو، وقوله "نحن نرقبه": جملة، والجملة لا مذهب لها بعد هذا الظرف؟
فالجواب: أن هاهنا واسطة محذوفا، وتقدير الكلام: "بين أوقات نحن نرقبه أتانا"، أي أتانا بين أوقات رقبتنا إياه، والجمل مما يضاف إليها أسماء الزمان، نحو أتيتك زمن الحجاج أمير، وأوان الخليفة عبد الملك، ثم إنه حذف المضاف، الذي هو أوقات، وأولى الظرف الذي كان مضافا إلى المحذوف الجملة التي أقيمت مقام المضاف إليها، كقوله تعالي: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] ٢، أي أهلها، هكذا علقت عن أبي علي٣ في تفسير هذه اللفظة وقت القراءة عليه، وقل من يضبط ذلك، إلا من كان متقنا أصيلا في هذه الصناعة.
стр. 34
ومثل البيت الذي مضى، بيت آخر من أبيات الكتاب، وهو قول الفرزدق:
تنفي يداها الحصى في كل هاجرة ... نفي الدراهيم تنقاد الصياريف١
أراد الصيارف، فأشبع الكسرة، فتولد عنها ياء.
فأما الدارهيم فلا حجة فيه، لأنه يجوز أن يكون جمع دراهم، وقد نطقت به العرب، قال:
لو أن عندي مئتي درهام ... لجاز في آفاقها خاتامي٢
ومثل البيت الأول قول أبي ذؤيب:
بينا تعنقه الكماة وروغه ... يوما أتيح له جريء سلفع٣
стр. 35
يريد "بين تعنقة"، إلا أن هذه الألف وإنك كانت إشباعا للفتحة، فإنها في هذا الموضع زيادة لازمة.
وأنشدنا أبو علي لابن هرمة١ يرثي ابنه:
وأنت من الغوائل حيت ترمى ... ومن ذم الرجال بمتزاح٢
أراد: بمنتزح، فأشبع فتحة الزاي.
وأنشدني أيضا:
الله يعلم أنا في تلفتنا ... يوم الفراق إلى أحبابنا صور٣
وأنني حوثما يشري الهوى بصري ... من حيثما سلكوا أثني فأنظور٤
يريد: أنظر، فأشبع ضمة الظاء، فنشأت عنها واو.
стр. 36
وقد أجرت العرب أيضا الحرف مجرى الحركة، في نحو قولهم: لم يخش، ولم يسع، ولم يرم، ولم يغز، فحذفوا هذه الحروف للجزم، كما تحذف له الحركات في نحو لم يقم ولم يقعد.
وكذلك أيضا أجروا الحركة مجرى الحرف، فأجازوا صرف هند: اسم امرأة معرفة، فإذا تحرك الأوسط منعوه الصرف معرف البتة، وذلك نحو: قدم، فصارت الحركة في منع الصرف بمنزلة الياء في زينب والألف في عناق ونحوهما في منع الصرف، ولهذا نظائر١ سنذكرها في مكانها إن شاء الله تعالى.
أفلا ترى إلى هذه الحروف كيف تتبع الحركات التي قبلها وهي أبعاض لها، فقد صح ما قدمناه.
وإنما سميت هذه الأصوات الناقصة حركات، لأنها تقلق الحرف الذي تقترن به، وتجتذبه نحو الحروف التي هي أبعاضها، فالفتحة تجتذب الحرف نحو الألف والكسرة تجتذبه نحو الياء، والضمة تجتذبه نحو الواو، ولا يبلغ الناطق بها مدى الحروف التي هي أبعاضها، فإن بلغ بها مداها، تكملت له الحركات حروفا، أعني ألفا وياء وواوًا.
وأعلم أن الحروف في الحركة والسكون على ضربين٢: ساكن، ومتحرك فالساكن: ما أمكن تحميله الحركات الثلاث نحو كاف بكر، وميم عمرو، ألا تراك تقول: بكَر وعمَرو، وبكِر وعمِرو، وبكُر وعمُرو، فلما جاز أن تحمله الحركات الثلاث، علمت أنه قد كان قبلها ساكنا.
والمتحرك: هو الذي لا يمكن تحميله أكثر من حركتين، لأن الحركة التي هي فيه قد استغني بكونها فيه عن اجتلابها له، وذلك نحو ميم عمر، يمكن أن تحملها الكسرة والضمة، فتقول: عُمِر، وعُمَر، ولا يمكنك أن تجتلب لها فتحة، لأنها قد كانت في أول اعتبارك إياها مفتوحة، والحرف الواحد لا يتحمل حركتين، لا متفقتين ولا مختلفتين، وإذا كانت الحركات ثلاثا: فتحة، وكسرة، وضمة.
стр. 37
فالمتحرك إذن على ثلاثة أضرب: مفتوح، ومكسور، ومضموم.
فالمفتوح: هو الذي إذا أشبعت حركته حدثت عنها ألف، نحو ضاد ضرب، لك أن تشبع الفتحة، فتقول: ضيارب.
والمكسور: هو الذي إذا أشبعت حركته حدثت عنها ياء نحو ضاد ضراب، لك أن تشبع الكسرة فتقول ضيراب.
والمضموم: هو الذي إذا أشبعت حركته حدثت عنها واو، نحو ضاد ضرب، لك أن تشبع الضمة، فتقول: ضورب، إلا أن هذه الأحرف اللائي يحدثن لإشباع الحركات، لا يكن إلا سواكن، لأنهن مدات والمدات لا يتحركن أبدا.
واعلم أن الحركة التي يتحملها الحرف لا تخلو أن تكون في المرتبة، قبله، ومعه، أو بعده.
فمحال أن تكون الحركة في المرتبة قبل الحرف، وذلك أن الحرف كالمحل للحركة، وهي كالعرض فيه، فهي لذلك محتاجة إليه، ولا يجوز وجودها قبل وجوده، وأيضا لو كانت الحركة قبل الحرف لما جاز الإدغام في الكلام أصلا، ألا ترى أنك تقول قطع، فتدغم الطاء الأولى في الثانية، ولو كانت حركة الطاء الثانية في الرتبة قبلها، لكانت حاجزة بين الطاء الأولي، وبين الطاء الثانية، [ولو كان الأمر كذلك لما جاز إدغام الأولى في الثانية] ١ لأن الحركة، على هذه المقدمة، مرتبتها أن تكون قبل الطاء الثانية، بينها وبين الأولى، وإذا حجز بين الحرفين حركة بطل الإدغام، فجواز الإدغام في الكلام، دلالة على أن الحركة ليست قبل الحرف فالمتحرك بها.
فقد بطل بما ذكرناه أن تكون حركة الحرف في الرتبة قبله، وبقي أن تكون معه أو بعده، وفي الفرق بينهما بعض الإشكال.
فالذي يدل على أن حركة الحرف في المرتبة بعده، أنك تجدها فاصلة بين المثلين أو المتقاربين، إذا كان الأول منهما متحركا.
стр. 38
فالمثلان نحو قولك: قصص ومضض وطلل١ وسرر وحضض٢ ومرر٣ وقدد٤، فلولا أن حركة الحرف الأولى في هذين المثلين بعده، لما فصلت بينه وبين الذي هو مثله بعده، ولو لم تفصل لوجب الإدغام، لأنه لا حاجز بين المثلين، فإن ظهر هذان المثلان ولم يدغم الأول منهما في الآخر منهما، فظهورهما دلالة على فصل واقع بينهما، وليس هاهنا فصل البتة غير الحركة المتأخرة عن الحرف الأول.
فإن قيل: فما تنكر أن يكون الفاصل بين المثلين في نحو طلل وسرر إنما هو حركة الحرف الأول، دون ما ذهبت إليه من حركة الحرف الأول.
قيل: قد تقدم من القول ما فيه دلالة على أن الحركة لا يجوز أن تكون قبل الحرف، ويدل على فساد قول من قال إن الحاجز بين المثلين في نحو جدد وعدد، إنما هو حركة الثاني، أنه لو فصل هنا بالحركة، لوجب الفصل بها في نحو شد ومد، مع حركة الثاني منهما، دلالة على أن الحركة في الحرف الثاني لم تفصل بينه وبين الأول، ولو كانت في الرتبة قبله لوجب الفصل بها بينهما، وأيضا فإنك تقول: شددت وحللت، فتظهر، لأن الثاني من المثلين ساكن.
فهذا أمر، كما تراه، واضح في المثلين.
وأما المتقاربان فنحو قولك في وتد إذا سكنت التاء لإرادة الإدغام ود، فكانت الحركة في التاء قبل إسكانها فاصلة بينها وبين الدال فوجب لذلك الإظهار فلما سلبت التاء كسرتها، وزالت التاء أن تكون حاجزة بينهما بعدها، وسكنت التاء، واجتمع المتقاربان، أبدلت التاء دالا، وأدغمتها في الدال بعدها، كما تقول في انعت داود: انعداود، فظهور التاء في وتد ما دامت مكسورة، وإدغامها إذا سكنت، دلالة على أن الحركة قد كانت بينهما، وإذا كانت بينهما، فهي بعد التاء لا محالة.
فهذه دلالة من القوة على ما ترى.
стр. 39
ودلالة أخرى تدل على أن حركة الحرف بعده، وهي أنك إذا أشبعت الحركة تممتها حرف مد، كما تقدم من قولنا في نحو ضرب وقتل، إذا أشبعت حركة الضاد والقاف قلت ضارب وقاتل. وضرب وقتل إذا أشبعت قلت: ضورب وقوتل وكذلك ضراب وقتال، إذا أشبعت قلت ضيراب وقيتال. فكما أن الألف والواو والياء بعد الضاد والقاف، فكذلك الفتحة والضمة والكسرة في الرتبة بعد الضاد والقاف، لأن الحركة إذا كانت بعضا للحرف، فالحرف كل لها، وحكم البعض في هذا تابع لحكم الكل، فكما أن الحروف التي نشأت عن إشباع الحركات بعد الحروف المتحركة بها، فكذلك الحركات التي هي أبعاضها وأوائل لها وأجزاء منها، في الرتبة بعد الحروف المتحركة، وهذا واضح مفهوم لمتأمله.
فإن قلت: ما تنكر أن تكون الحركة تحدث مع الحرف المتحرك البتة، ثم تأتي بقية حروف اللين التي هي مكملة للحركة حرفا مستأنفة بعد الحركة التي حدثت مع الحرف البتة، كما قد نشاهد بينا من الأشياء ما يصحبه بعض لغيره، ثم يأتي تمام ذلك البعض فيما بعد، فلا يلزم من هذا أن يكون ذلك البعض الذي شوهد أو مصاحبا لغيره، في حكم البقية التي جاءت من بعده، بل يكون الجزء الأول مصاحبا لما وجد معه، والجزء الثاني آتيا من بعده، ونظير هذا: رجل له عشرون غلاما، فقدم ومعه منهم عشرة، ثم أوفى بعد استقراره بمن وافى في جملته من غلمانه بقيتهم، فليس تأخر من تأخر منهم بموجب تأخر من تقدم منهم، فما أنكرت مع ما مثلنا أن تكون الحركة حادثة مع الحرف، وتكون المدة التي تحدث لإشباع الحركة مستقبلة فيما بعد.
فالجواب أن هذا التمثيل إنما يصح فيما أمكن تقطعه وتجزؤه، لأنه قد يمكن أن يحضر بعض الغلمان مع مالكهم، ويغيب بعض، فأما ما اتصلت أجزاؤه وتتابعت وتوالت شيئا فشيئا، ولم يمكن قطعها، ثم العود إلى تمامها، فقد جرى لذلك مجرى الجزء الواحد الذي لا يسوغ تجزؤه، فمحال أن يكون له حكم إلا وهو مشتمل عليه١، وذلك حكم حرف المد الذي يحدث عن تمكين٢ الحركة ومطلها٣.
стр. 40
واستطالتها، هو من هذا الوجه في حكم الحركة، والحركة في حكمه، لأنه لا يمكن فصل الحركة منه، والعود إلى استتمامه، لأن هذه المدة المستطيلة إنما تسمى حرفا لينا ما دامت متصلة, فمتى عقتها١ عن الاستطالة بفصل ما فقد أخرجتها عن اللين والامتداد الذي من شرطها، وإذا كانت الحركة لاتصالها بالحرف في حكمه، كما أن الألف بعد الضاد في ضارب، فكذلك الفتحة في الرتبة بعد الضاد.
وقول النحويين إن الحركة تحل الحرف مجاز، لا حقيقة تحته، وذلك أن الحرف عرض، والحركة عرض أيضا، وقد قامت الدلالة عن طريق صحة النظر على أن الأعراض لا تحل الأعراض، ولكنه لما كان الحرف أقوى من الحركة، وكان الحرف قد يوجد ولا حركه معه، وكانت الحركة لا توجد إلا عند وجود الحرف، صارت كأنها قد حلته، وصار هو كأنه قد تضمنها، تجوزا لا حقيقة.
واستدل أبو علي على أن الحركة تحدث مع الحرف، بأن النون الساكنة إذا تحركت زال عن الخياشيم إلى الفم، وكذلك الألف إذا تحركت انقلبت همزة، فدل ذلك عنده على أن الحركة تحدث مع الحرف، وهو لعمري استدلال قوي٢.
قد فرغنا من ذكر مائية٣ الأصوات والحروف والحركات، وأين محل الحركات من الحروف. ونحن نتبع هذا القول، على معنى قولهم، حروف المعجم، وعددها، وأجناسها، وأصنافها، ثم نستأنف بعد ذلك القول على حرف حرف منها، بحسب ما شرطنا على أنفسنا، وجعلناه في ضمان كتابنا، بإذن الله وقدرته.