وقد أجرت العرب أيضا الحرف مجرى الحركة، في نحو قولهم: لم يخش، ولم يسع، ولم يرم، ولم يغز، فحذفوا هذه الحروف للجزم، كما تحذف له الحركات في نحو لم يقم ولم يقعد.
وكذلك أيضا أجروا الحركة مجرى الحرف، فأجازوا صرف هند: اسم امرأة معرفة، فإذا تحرك الأوسط منعوه الصرف معرف البتة، وذلك نحو: قدم، فصارت الحركة في منع الصرف بمنزلة الياء في زينب والألف في عناق ونحوهما في منع الصرف، ولهذا نظائر١ سنذكرها في مكانها إن شاء الله تعالى.
أفلا ترى إلى هذه الحروف كيف تتبع الحركات التي قبلها وهي أبعاض لها، فقد صح ما قدمناه.
وإنما سميت هذه الأصوات الناقصة حركات، لأنها تقلق الحرف الذي تقترن به، وتجتذبه نحو الحروف التي هي أبعاضها، فالفتحة تجتذب الحرف نحو الألف والكسرة تجتذبه نحو الياء، والضمة تجتذبه نحو الواو، ولا يبلغ الناطق بها مدى الحروف التي هي أبعاضها، فإن بلغ بها مداها، تكملت له الحركات حروفا، أعني ألفا وياء وواوًا.
وأعلم أن الحروف في الحركة والسكون على ضربين٢: ساكن، ومتحرك فالساكن: ما أمكن تحميله الحركات الثلاث نحو كاف بكر، وميم عمرو، ألا تراك تقول: بكَر وعمَرو، وبكِر وعمِرو، وبكُر وعمُرو، فلما جاز أن تحمله الحركات الثلاث، علمت أنه قد كان قبلها ساكنا.
والمتحرك: هو الذي لا يمكن تحميله أكثر من حركتين، لأن الحركة التي هي فيه قد استغني بكونها فيه عن اجتلابها له، وذلك نحو ميم عمر، يمكن أن تحملها الكسرة والضمة، فتقول: عُمِر، وعُمَر، ولا يمكنك أن تجتلب لها فتحة، لأنها قد كانت في أول اعتبارك إياها مفتوحة، والحرف الواحد لا يتحمل حركتين، لا متفقتين ولا مختلفتين، وإذا كانت الحركات ثلاثا: فتحة، وكسرة، وضمة.
стр. 37
فالمتحرك إذن على ثلاثة أضرب: مفتوح، ومكسور، ومضموم.
فالمفتوح: هو الذي إذا أشبعت حركته حدثت عنها ألف، نحو ضاد ضرب، لك أن تشبع الفتحة، فتقول: ضيارب.
والمكسور: هو الذي إذا أشبعت حركته حدثت عنها ياء نحو ضاد ضراب، لك أن تشبع الكسرة فتقول ضيراب.
والمضموم: هو الذي إذا أشبعت حركته حدثت عنها واو، نحو ضاد ضرب، لك أن تشبع الضمة، فتقول: ضورب، إلا أن هذه الأحرف اللائي يحدثن لإشباع الحركات، لا يكن إلا سواكن، لأنهن مدات والمدات لا يتحركن أبدا.
واعلم أن الحركة التي يتحملها الحرف لا تخلو أن تكون في المرتبة، قبله، ومعه، أو بعده.
فمحال أن تكون الحركة في المرتبة قبل الحرف، وذلك أن الحرف كالمحل للحركة، وهي كالعرض فيه، فهي لذلك محتاجة إليه، ولا يجوز وجودها قبل وجوده، وأيضا لو كانت الحركة قبل الحرف لما جاز الإدغام في الكلام أصلا، ألا ترى أنك تقول قطع، فتدغم الطاء الأولى في الثانية، ولو كانت حركة الطاء الثانية في الرتبة قبلها، لكانت حاجزة بين الطاء الأولي، وبين الطاء الثانية، [ولو كان الأمر كذلك لما جاز إدغام الأولى في الثانية] ١ لأن الحركة، على هذه المقدمة، مرتبتها أن تكون قبل الطاء الثانية، بينها وبين الأولى، وإذا حجز بين الحرفين حركة بطل الإدغام، فجواز الإدغام في الكلام، دلالة على أن الحركة ليست قبل الحرف فالمتحرك بها.
فقد بطل بما ذكرناه أن تكون حركة الحرف في الرتبة قبله، وبقي أن تكون معه أو بعده، وفي الفرق بينهما بعض الإشكال.
فالذي يدل على أن حركة الحرف في المرتبة بعده، أنك تجدها فاصلة بين المثلين أو المتقاربين، إذا كان الأول منهما متحركا.
стр. 38
فالمثلان نحو قولك: قصص ومضض وطلل١ وسرر وحضض٢ ومرر٣ وقدد٤، فلولا أن حركة الحرف الأولى في هذين المثلين بعده، لما فصلت بينه وبين الذي هو مثله بعده، ولو لم تفصل لوجب الإدغام، لأنه لا حاجز بين المثلين، فإن ظهر هذان المثلان ولم يدغم الأول منهما في الآخر منهما، فظهورهما دلالة على فصل واقع بينهما، وليس هاهنا فصل البتة غير الحركة المتأخرة عن الحرف الأول.
فإن قيل: فما تنكر أن يكون الفاصل بين المثلين في نحو طلل وسرر إنما هو حركة الحرف الأول، دون ما ذهبت إليه من حركة الحرف الأول.
قيل: قد تقدم من القول ما فيه دلالة على أن الحركة لا يجوز أن تكون قبل الحرف، ويدل على فساد قول من قال إن الحاجز بين المثلين في نحو جدد وعدد، إنما هو حركة الثاني، أنه لو فصل هنا بالحركة، لوجب الفصل بها في نحو شد ومد، مع حركة الثاني منهما، دلالة على أن الحركة في الحرف الثاني لم تفصل بينه وبين الأول، ولو كانت في الرتبة قبله لوجب الفصل بها بينهما، وأيضا فإنك تقول: شددت وحللت، فتظهر، لأن الثاني من المثلين ساكن.
فهذا أمر، كما تراه، واضح في المثلين.
وأما المتقاربان فنحو قولك في وتد إذا سكنت التاء لإرادة الإدغام ود، فكانت الحركة في التاء قبل إسكانها فاصلة بينها وبين الدال فوجب لذلك الإظهار فلما سلبت التاء كسرتها، وزالت التاء أن تكون حاجزة بينهما بعدها، وسكنت التاء، واجتمع المتقاربان، أبدلت التاء دالا، وأدغمتها في الدال بعدها، كما تقول في انعت داود: انعداود، فظهور التاء في وتد ما دامت مكسورة، وإدغامها إذا سكنت، دلالة على أن الحركة قد كانت بينهما، وإذا كانت بينهما، فهي بعد التاء لا محالة.
فهذه دلالة من القوة على ما ترى.
стр. 39
ودلالة أخرى تدل على أن حركة الحرف بعده، وهي أنك إذا أشبعت الحركة تممتها حرف مد، كما تقدم من قولنا في نحو ضرب وقتل، إذا أشبعت حركة الضاد والقاف قلت ضارب وقاتل. وضرب وقتل إذا أشبعت قلت: ضورب وقوتل وكذلك ضراب وقتال، إذا أشبعت قلت ضيراب وقيتال. فكما أن الألف والواو والياء بعد الضاد والقاف، فكذلك الفتحة والضمة والكسرة في الرتبة بعد الضاد والقاف، لأن الحركة إذا كانت بعضا للحرف، فالحرف كل لها، وحكم البعض في هذا تابع لحكم الكل، فكما أن الحروف التي نشأت عن إشباع الحركات بعد الحروف المتحركة بها، فكذلك الحركات التي هي أبعاضها وأوائل لها وأجزاء منها، في الرتبة بعد الحروف المتحركة، وهذا واضح مفهوم لمتأمله.
فإن قلت: ما تنكر أن تكون الحركة تحدث مع الحرف المتحرك البتة، ثم تأتي بقية حروف اللين التي هي مكملة للحركة حرفا مستأنفة بعد الحركة التي حدثت مع الحرف البتة، كما قد نشاهد بينا من الأشياء ما يصحبه بعض لغيره، ثم يأتي تمام ذلك البعض فيما بعد، فلا يلزم من هذا أن يكون ذلك البعض الذي شوهد أو مصاحبا لغيره، في حكم البقية التي جاءت من بعده، بل يكون الجزء الأول مصاحبا لما وجد معه، والجزء الثاني آتيا من بعده، ونظير هذا: رجل له عشرون غلاما، فقدم ومعه منهم عشرة، ثم أوفى بعد استقراره بمن وافى في جملته من غلمانه بقيتهم، فليس تأخر من تأخر منهم بموجب تأخر من تقدم منهم، فما أنكرت مع ما مثلنا أن تكون الحركة حادثة مع الحرف، وتكون المدة التي تحدث لإشباع الحركة مستقبلة فيما بعد.
فالجواب أن هذا التمثيل إنما يصح فيما أمكن تقطعه وتجزؤه، لأنه قد يمكن أن يحضر بعض الغلمان مع مالكهم، ويغيب بعض، فأما ما اتصلت أجزاؤه وتتابعت وتوالت شيئا فشيئا، ولم يمكن قطعها، ثم العود إلى تمامها، فقد جرى لذلك مجرى الجزء الواحد الذي لا يسوغ تجزؤه، فمحال أن يكون له حكم إلا وهو مشتمل عليه١، وذلك حكم حرف المد الذي يحدث عن تمكين٢ الحركة ومطلها٣.
стр. 40
واستطالتها، هو من هذا الوجه في حكم الحركة، والحركة في حكمه، لأنه لا يمكن فصل الحركة منه، والعود إلى استتمامه، لأن هذه المدة المستطيلة إنما تسمى حرفا لينا ما دامت متصلة, فمتى عقتها١ عن الاستطالة بفصل ما فقد أخرجتها عن اللين والامتداد الذي من شرطها، وإذا كانت الحركة لاتصالها بالحرف في حكمه، كما أن الألف بعد الضاد في ضارب، فكذلك الفتحة في الرتبة بعد الضاد.
وقول النحويين إن الحركة تحل الحرف مجاز، لا حقيقة تحته، وذلك أن الحرف عرض، والحركة عرض أيضا، وقد قامت الدلالة عن طريق صحة النظر على أن الأعراض لا تحل الأعراض، ولكنه لما كان الحرف أقوى من الحركة، وكان الحرف قد يوجد ولا حركه معه، وكانت الحركة لا توجد إلا عند وجود الحرف، صارت كأنها قد حلته، وصار هو كأنه قد تضمنها، تجوزا لا حقيقة.
واستدل أبو علي على أن الحركة تحدث مع الحرف، بأن النون الساكنة إذا تحركت زال عن الخياشيم إلى الفم، وكذلك الألف إذا تحركت انقلبت همزة، فدل ذلك عنده على أن الحركة تحدث مع الحرف، وهو لعمري استدلال قوي٢.
قد فرغنا من ذكر مائية٣ الأصوات والحروف والحركات، وأين محل الحركات من الحروف. ونحن نتبع هذا القول، على معنى قولهم، حروف المعجم، وعددها، وأجناسها، وأصنافها، ثم نستأنف بعد ذلك القول على حرف حرف منها، بحسب ما شرطنا على أنفسنا، وجعلناه في ضمان كتابنا، بإذن الله وقدرته.
стр. 41
إن سأل سائل فقال: ما معنى قولنا حروف المعجم؟ هل المعجم صفة لحروف هذه أو غير وصف لها؟
فالجواب أن "المعجم" من قولنا حروف المعجم، لا يجوز أن تكون صفة لحروف هذه من وجهين:
أحدهما: أن "حروفا" هذه لو كانت غير مضافة إلى المعجم، لكانت نكرة، والمعجم كما ترى معرفة، ومحال وصف النكرة بالمعرفة.
والآخر: أن الحروف مضافة إلى المعجم، ومحال أيضا إضافة الموصوف إلى صفة، والعلة في امتناع ذلك أن الصفة هي الموصوف، على قول النحويين، في المعنى، وإضافة الشيء إلى نفسه غير جائزة، ألا ترى أنك إذا قلت: ضربت أخاك الظريف، فالأخ هو الموصوف، والظريف هو الصفة، والأخ هو الظريف في المعنى وليس يريد النحويين بالصفة ما يريد المتكلمون بها، من نحو القدرة، والعلم، والسكون والحركة، لأن هذه الصفات غير الموصوفين بها، ألا ترى أن السواد غير الأسود، والعلم غير العالم، والحركة غير المتحرك، وإنما الصفة عند النحويين هي النعت، والنعت هو اسم الفاعل أو المفعول، أو ما يرجع إليهما من طريق المعنى، مما يوجد فيه معنى الفعل، نحو ضارب ومضروب، ومثل وشبه ونحو، وما يجري مجرى ذلك، وإذا كانت الصفة هي الموصوف عندنا في المعنى، لم يجز إضافة الحرف إلى المعجم، لأنه غير مستقيم إضافة الشيء إلى نفسه، وإنما امتنع ذلك من قبل أن الغرض في الإضافة إنما هو التخصيص والتعريف، والشيء لا تعرفه نفسه، لأنه لو كان معرفة بنفسه لما احتيج إلى إضافته، وإنما يضاف إلى غيره ليعرفه، ألا ترى أنك تضيف المصدر إلى الفاعل تارة، نحو عجبت من قيام زيد، وإلى المفعول أخرى، نحو عجبت من أكل الخبز، وإنما جازت إضافة المصدر إليهما، لأنه في المعني غيرهما، ونجيز أيضا إضافة الفاعل إلى المفعول، نحو عجبت من ضارب زيد، ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةَ﴾ و ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ .
وإنما جاز ذلك لأن الفاعل غير المفعول، ولا يجوز سررت بطالعة الشمس، كما تقول سررت بطلوع الشمس، لأن طلوعها غيرها، فجازت إضافته إليها، والطالعة هي الشمس، ولا تضيفها إلى نفسها.
стр. 42
فكذلك لو كان المعجم صفة لحروف لما جازت إضافتها إليه، وأيضا فلو كان المعجم صفة لحروف، لقلت المعجمة١، كما تقول تعلمت الحروف المعجمة. فقد صح بما ذكرناه أن المعجم ليس وصفا لحروف.
والصواب في ذلك عندنا ما ذهب إليه أبو العباس محمد بن يزيد [المبرد] رحمة الله تعالى، من أن المعجم مصدر، بمنزلة الإعجام، كما تقول أدخلته مدخلا، وأخرجته مخرجا، أي إدخالا وإخراجا.
وحكى أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفشن أن بعضهم قرأ: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِم﴾ [الحج: ١٨] ٢ بفتح الراء، أي من إكرام، فكأنهم قالوا: هذه حروف الإعجام، فهذا أسد وأصوب من أن يذهب إلى أن قولهم حروف المعجم بمنزلة قولهم صلاة الأولى ومسجد الجامع، لأن معنى ذلك صلاة الساعة الأولى والفريضة الأولى، ومسجد اليوم الجامع، فالأولى غير الصلاة في المعنى، والجامع غير المسجد في المعنى أيضا، وإنما هما صفتان حذف موصوفاهما، وأقيمتا مقامهما، وليس كذلك حروف المعجم، لأنه ليس معناه حروف الكلام المعجم، ولا حروف اللفظ المعجم، وإنما المعني أن الحروف هي المعجمة، فصار قولنا حروف العجم، من باب إضافة المفعول إلى المصدر، كقولهم: هذه مطية ركوب، أي من شأنها أن تركب، وهذا سهم نضال٣ أي من شأنه أن يناضل به، وكذلك حروف المعجم، أي من شأنها أن تعجم، فاعرف ذلك.
وقد اعترض فصلنا هذا أمر لا بد من شرحه وإبانته بالاشتقاق.
اعلم أن "ع ج م" إنما وقعت في كلام العرب للإبهام والإخفاء، وضد البيان والإفصاح.
стр. 43
من ذلك قولهم: رجل أعجم، وامرة عجماء: إذا كانا لا يفصحان ولا يبينان كلامهما، وكذلك العجم والعجم، ومن ذلك قولهم: عجم الزبيب١ وغيره، إنما سمي عجما لاستتاره وخفائه بما هو٢ عجم له. ومن ذلك قوله ﵇: "جرح العجماء جبار"٣ يراد به البهيمة٤ لأنها لا توضح عما في نفسها، ومن ذلك تسميتهم: صلاتي الظهر والعصر العجماوين، لم كانتا لا يفصح فيهما بالقراءة.
قال أبو علي: ومن ذلك قولهم: عجمت العود ونحوه، إذا عضضته. قال: وهو يحتمل أمرين، كل واحد منهما راجع إلى ما قدمناه:
أحدهما: أنه قيل: عجمته، لأنك لما أدخلته فاك لتعضه، فقد أخفيته في فيك، والآخر: أنك قد ضغطت بعض أجزائه بالعجم، فأدخلت بعضها في بعض، فأخفيتها، وربما سميت العرب الأخرس أعجم من هذا، فأما قول ذي الرمة:
حتى إذا جعلته بين أظهرها ... من عجمة الرمل أنقاء لها حبب٥
عجمة: معظم الرمل، وأشده تراكما، سمي بذلك لتداخله، واستبهام أمره على سالكه، ومنه قولهم: اسعجمت الدار: إذا صمت، فلم تجب سائلها.
стр. 44
قال امرء القيس:
صم صداها وعفا رسمها ... واستعجمت عن منطق السائل١
فإن قال قائل فيما بعد: إن جميع ما قدمته يدل على أن تصريف "ع ج م" في كلامهم موضوع للإبهام، وخلاف الإيضاح، وأنت إذا قلت: أعجمت الكتاب، فإنما معناه أوضحته وبينته، فقد ترى هذا الفصل مخالفا لجميع ما ذكرته، فمن أين لك الجمع بينه وبين ما قدمته؟ ٢
فالجواب: أن قولهم أعجمت وزنه أفعلت، وأفعلت هذه وإن كانت في غالب أمرها إنما تأتي للإثبات والإيجاب، نحو: أكرمت زيدا، أي أوجبت له الكرامة، وأحسنت إليه، أثبت الإحسان إليه، وكذلك أعطيته وأدنيته وأسعدته وأنقذته، فقد أوجبت جميع هذه الأشياء له -فقد تأتي أفعلت أيضا يراد بها السلب والنفي، وذلك نحو: أشكيت زيدا: إذا زلت٣ له عما يشكوه.
أنشدنا أبو علي قال: أنشد أبو زيد:
تمد بالأعناق أو تلويها ... وتشتكي لو أننا نشكيها٤
أي لو أننا نزول لها عما تشكوه.
стр. 45
ومثله قوله عز اسمه: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: ١٥] ١ تأويله والله أعلم، عند أهل النظر: أكاد أظهرها، وتلخيص حال هذه اللفظة: أي أكاد أزيل عنها خفاءها، وخفاء كل شيء: غطاؤه، من ذلك خفاء القربة٢، للكساء الذي يكون عليها. وجمعه: أخفية.
أنشدنا أبو علي:
لقد علم الأيقاظ أخفية الكرى ... تزججها من حالك واكتحالها٣
فقوله: " أخفية الكرى": جمع خفاء، والكرى: النوم، وجعل الأعين في اشتمالها على النوم بمنزلة الخفاء في اشتماله على ما ستر به، ونصب أخفيه الكرى:
стр. 46
على التمييز، كما تقول: لقد علم الأيقاظ عيونا تزججها، فأخفيها، في أنه" أزيل خفاءها": بمنزلة قوله "لو أننا نشكيها": أي نترك لها ما تشكوه.
فكذلك أيضا يكون قولنا: "أعجمت الكتاب": أي أزلت عنه استعجامه، كما كان أخفيها، أزيل خفاءها، ونشكيها: بمنزلة ندع لها ما تشكوه.
ونظيره أيضا: أشكلت الكتاب. أي أزلت عنه إشكاله. وقد قالوا أيضا: عجمت الكتاب، فجاءت "فعلت" للسلب أيضا، كما جاءت أفعلت.
ونظير عجمت في النفي والسلب، قولهم: مرضت الرجل: أي داويته ليزول مرضه، وقذيت عينه، أي أزلت عنه القذى١. ومنه "رجل مبطن": إذا كان خميص البطن٢، كأن بطنه أخذ منه، فجاءت "فعلت" للسلب أيضا، وإن كانت في أكثر الأمر للإيجاب، نحو: علمته، وقدمته، وأخرته، وبخرته: أي أوصلت هذه الأشياء إليه، وكذلك: عجمت الكتاب أيضا. مثل: مرضته، وقذيت عينه.
ونظير فعلت وأفعلت في السلب أيضا "تفعلت"، قالوا: تحوبت٣، وتأثمت، أي تركت الحوب والإثم، وإن كان "تفعلت" في أكثر الأمر تأتي للإثبات، نحو: تقدمت، وتأخرت، وتعجلت، وتأجلت، فكذلك أيضا أعجمت الكتاب وعجمته: أي أزلت استعجامه.
فإن قيل: إن جميع هذه الحروف ليس معجما، إنما المعجم بعضها، ألا ترى أن الألف، والحاء والدال ونحوها، ليس معجما، فكيف استجازوا تسمية جميع هذه الحروف حروف المعجم؟ ٤.
стр. 47
قيل: إنما سميت بذلك لأن الشكل الواحد إذا اختلفت أصواته، فأعجمت بعضها، وتركت بعضها، فقد علم أن هذا المتروك بغير إعجام، هو غير ذلك الذي من عادته أن يعجم. فقد ارتفع إذن بما فعلوه الإشكال والاستبهام عنها جميعا، ولا فرق بين أن يزول الاستبهام عن الحرف بإعجام عليه، أو بما يقوم مقام الإعجام في الإيضاح والبيان.
ألا ترى أنك إذا أعجمت الجيم بواحدة من أسفل، والخاء بواحدة من فوق، وتركت الحاء غفلا، فقد علم بإغفالها أنها ليست واحدة من الحرفين الآخرين، أعني الجيم والخاء، وكذلك الدال والذال، والصاد والضاد، وسائر الحروف نحوها، فلما استمر البيان في جميعها جازت تسميته بحروف المعجم.
وهذا كله رأي أبي علي، وعنه أخذته، وقد أتيت في هذا الفصل من الاشتقاق وغيره، بما هو معاني قوله، وإن خالفت لفظه، وهو الصواب، الذي لا يذهب عنه إلى غيره.
واعلم١ أن العرب قد سمت هذا الخط المؤلف من هذه الحروف "الجزم".
قال أبو حاتم: إنما سمي جزما لأنه جزم من المسند، أي أخذ منه.
قال: والمسند: خط حمير في أيام ملكهم، وهو في أيديهم إلى اليوم وباليمن. فمعنى جزم: أي قطع منه وولد عنه، ومنه جزم الإعراب، لأنه اقتطاع الحرف من الحركة ومد الصوت بها للإعراب.
стр. 48
باب أسماء الحروف:
وأجناسها، ومخارجها، ومدارجها، وفروعها المستحسنة، وفروعها المسقبحة، وذكر خلاف العلماء فيما مستقصى مشروحا:
اعلم أن أصول حروف المعجم عند الكافة١ تسعة وعشرون حرفا. فأولها الألف. وآخرها الياء، على المشهور من ترتيب حروف المعجم، إلا أبا العباس، فإنه كان يعدها ثمانية وعشرين حرفا، ويجعل أولها الباء، ويدع الألف من أولها، ويقول: هي همزة، ولا تثبت على صورة واحدة، وليست لها صورة مستقرة، فلا أعتدها مع الحروف التي أشكالها محفوظة معروفة.
وهذا الذي ذهب إليه أبو العباس٢ غير مرضي منه عندنا، وسأوضح القول فيه بإذن الله.
اعلم أن الألف التي في أول حروف المعجم هي صورة الهمزة، وإنما كتبت الهمزة واوا مرة وياء أخرى على مذهب أهل الحجاز في التخفيف٣، ولو أريد تحقيقها البتة، لوجب أن تكتب ألفا على كل حال، يدل على صحة ذلك أنك إذا أوقعتها موقعا لا يمكن فيه تخفيفا، ولا تكون فيه إلا محققه، لم يجز أن تكتب إلا ألفا، مفتوحة كانت أو مضمومة أو مكسورة، وذلك إذا وقعت أولا، نحو: أخذ، وأخذ، وإبراهيم، فلما وقعت موقعا لا بد فيه من تحقيقها اجتمع على كتبها ألفا البتة٤.
стр. 49
وعلى هذا١ وجدت في بعض المصاحف: "يَسْتَهْزِأُون" بالألف قبل الواو.
ووجد فيها أيضا: "وإنْ مِنْ شَيْأٍ إلا يُسبِّحُ بِحَمْدِه"٢ بالألف بعد الياء. وإنما ذلك لتوكيد التحقيق.
وهذه علة في الهمزة كنت قديما، أنا رأيتها، ثم غبرت٣ زمانا، فرأيت بعض كلام أبي بكر محمد بن السري ﵀، وقد أوردها فيه غير مسنده إلى غيره، ثم إني رأيتها بعد ذلك في بعض كلام الفراء، فلا أدري: أاصاب أبا بكر مع الفراء ما أصابني أنا من المواردة٤ له، أم هو شيء سمعه، فحكاه واعتقده؟ وهي دلالة قاطعة قوية.
وفيه دلالة أخرى، وهي أن كل حرف سميته ففي أول حروف تسميته لفظه بعينه، ألا ترى أنك إذا قلت: جيم، فأول حروف الحرف "جيم" وإذا قلت دال، فأول حروف الحرف "دال" وإذا قلت حاء، فأول ما لفظت به حاء، وكذلك إذا قلت ألف، فأول الحروف التي نطقت بها همزة. فهذه دلالة أخرى غريبة، على كون صورة الهمزة مع التحقيق ألفا.
فأما المدة التي في نحو: قام وسار وكتاب وحمار، فصورتها أيضا صورة الهمزة المحققة، التي في أحمد وإبراهيم وأترجة٥، إلا أن هذه الألف لا تكون إلا ساكنة، فصورتها وصورة الهمزة المتحركة واحدة وإن اختلف مخرجاهما، كما أن النون الساكنة في نحو: من وعن، والنون المحركة في نحو: نعم ونفر، تسمى كل واحدة منهما نونا، وتكتبان شكلا واحدا، ومخرج الساكنة من الخياشيم٦، ومخرج المتحركة من
стр. 50
الفم، كما أن مخرج الألف المتحركة التي هي همزة من المصدر، ومخرج الألف فوقها من أول الحلق، فهاتان ها هنا كتينك هناك.
فأما إخراج أبي العباس الهمزة من جملة الحروف، واحتجاجه في ذلك بأنها لا تثبت صورتها، فليس بشيء، وذلك أن جميع هذه الحروف إنما وجب إثباتها واعتدادها لما كانت موجودة في اللفظ الذي هو قبل الخط، والهمزة أيضا موجودة في اللفظ، كالهاء والقاف وغيرهما، فسبيلها أن تعتد حرفا كغيرها، فأما انقلابها في بعض أحوالها لعارض يعرض لها من تخفيف أو بدل، فلا يخرجها من كونها حرفا، وانقلابها أدل دليل على كونها حرفا، ألا ترى أن الألف والواو والياء والتاء والهاء والنون وغيرهن قد يقلبن في بعض الأحوال، ولا يخرجهن ذلك من أن يعتددن حروفا، وهذ أمر وضح غير مشكل١.
واعلم أن واضع حروف الهجاء لما لم يمكنه أن ينطبق بالألف التي هي مدة ساكنة، لأن الساكن لا يمكن الابتداء به، دعمها باللام قبلها متحركة، ليمكن الابتداء بها. فقال: هـ، و، لا، ي. فقوله "لا" بزنة ما، ويا، ولا تقل كما يقول المعلمون: لام ألف. وذلك أن واضع الخط لم يرد أن يرينا كيف أحوال هذه الحروف إذا تركب بعضها مع بعض، ولو أراد ذلك، لعرفنا أيضا كيف تتركب الطاء مع الجيم والسين مع الدال، والقاف مع الظاء، وغير ذلك مما يطول تعداده، وإنما مراده ما ذكرت لك، من أنه لما لم يمكنه الابتداء بالمدة الساكنة، ابتدأ باللام، ثم جاء بالألف بعدها ساكنة، ليصح لك النطق بها كما صح لك النطق بسائر الحروف غيرها، وهذا واضح.
فإن قال قائل: فلم اختيرت لها اللام دون سائر الحروف؟ وهلا جيء لها بهمزة الوصل، كما فعل العرب ذلك بالساكن لما لم يمكن ابتداؤه، نحو: اضرب، اذهب، انطلق، وغير ذلك؟
فالجواب: أن همزة الوصل لو جيء بها قبل الألف توصلا إلى النطق بالألف الساكنة، لما أمكن ذلك، ولادتهم الحال إلى نقض الغرض الذي قصدوا له.
стр. 51
وذلك أن همزة الوصل كانت تأتي مكسورة، كما جرت العادة فيها، ولو كسرت قبلها لانقلبت الألف ياء، لانكسار ما قبلها، فكنت تقول: "اي"، فلا تصل إلى الألف التي اعتمدتها١. فلما لم يجز ذلك عدلوا إلى اللام من بين سائر الحروف، لما أذكره لك.
وذلك أن واضع الخط أجراه في هذا على اللفظ، لأنه أصل للخط، والخط فرع على اللفظ، فلما رآهم قد توصلوا إلى النطق بلام التعريف، بأن قدموا قبلها ألفا نحو: الغلام والجارية، لما لم يمكن الابتداء باللام الساكنة كذلك أيضا، قدم قبل الألف في "لا"، لاما، توصلا إلى النطق بالألف الساكنة، فكان في ذلك ضرب من المعاوضة٢ بين الحرفين. وهذا بإذن الله غير مشكل.
فإذا كنا قد أجمعنا إيراد حروف المعجم على ما في أيدي الناس من التأليف المشهور، أعني على غير ترتيب المخارج، وذكرها حرفا حرفا، فليس ذلك بمانع لنا سوقها على ترتيب المخارج، فإنه أوضح في البيان، ثم نعود فيما بعد إلى استقرائها على تأليف أب ت ث، إلى أن نأتي بإذن الله على جميعها.
стр. 52
باب: الحروف على مراتبها في الاطراد
...
ذكر الحروف على مراتبها في الاطر اد ١:
وهي: الهمزة، والألف، والهاء، والعين، والحاء، والغين، والخاء، والقاف، والكاف، والجيم، والشين، والياء، والضاد، واللام، والراء، والنون، والطاء، والدال، والتاء، والصاد، والزاي، والسين، والظاء، والذال، والثاء، والفاء، والباء، والميم، والواو.
فهذا هو ترتيب الحروف على مذاقها وتصعدها، وهو الصحيح، فأما ترتيبها في كتاب العين٢ ففيه خطل واضطراب، ومخالفة لما قدمناه آنفا، مما رتبه سيبويه٣، وتلاه أصحابه عليه، وهو الصواب الذي يشهد التأمل له بصحته.
واعلم أن هذه الحروف التسعة والعشرين قد تلحقها ستة أحرف تتفرع عنها حتى تكون خمسة وثلاثين حرفا، وهذه الستة حسنة، يؤخذ بها في القرآن، وفصيح الكلام، وهي النون الخفيفة، ويقال الخفية، والهمزة المخفية، وألف التفخيم، وألف الإمالة٤، والشين التي كالجيم، والصاد التي كالزاي.
وقد تلحق بعد ذلك ثمانية أحرف وهي فروع غير مستحسنة، ولا يؤخذ بها في القرآن ولا في الشعر، ولا تكاد توجد إلا في لغة ضعيفة مرذولة، غير متقبلة، وهي الكاف التي بين الجيم والكاف، والجيم التي كالكاف، والجيم التي كالشين، والضاد الضعيفة، والصاد التي كالسين، والطاء التي كالتاء، والظاء التي كالثاء، والباء التي كالميم، ولا يصح أمر هذه الحروف الأربعة عشر اللاحقة للتسعة والعشرين، حتى كملتها ثلاثة وأربعين، إلا بالسمع والمشافهة، وسنفصل ذلك إن شاء الله.
стр. 53
واعلم أن مخارج هذه الحروف ستة عشر: ثلاثة منها في الحلق.
فأولها من أسفله وأقصاه، مخرج الهمزة والألف والهاء، هكذا يقول سيبويه.
وزعم أبو الحسن١ أن ترتيبها: الهمزة وذهب إلى أن الهاء مع الألف، لا قبلها ولا بعدها، والذي يدل على فساد ذلك وصحة قول سيبويه، أنك متى حركت الألف، اعتمدت بها على أقرب الحروف منها إلى أسفل، فقلبتها همزة، ولو كانت الهاء معها لقلبتها هاء، وهذا واضح غير خفي.
ومن وسط الحلق مخرج العين والحاء.
ومما فوق ذلك مع أول الفم، مخرج الغين والخاء.
ومما فوق ذلك من أقصى اللسان، مخرج القاف.
ومن أسفل من ذلك وأدنى إلى مقدم الفم مخرج الكاف.
ومن وسط اللسان بينه وبين وسط الحنك الأعلى، مخرج الجيم والشين والياء.
ومن أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس مخرج الضاد، إلا أنك إن شئت تكلفتها٢ من الجانب الأيمن، وإن شئت من الجانب الأيسر.
ومن حافة اللسان من أدناها إلى منتهى طرف اللسان، من بينها وبين ما يليها من الحنك الأعلى، مما فويق الضاحك والناب والرباعية والثنية٣، مخرج اللام.
ومن طرف اللسان بينه وبين ما فويق الثنايا، مخرج النون.
ومن مخرج النون غير أنه أدخل في ظهر اللسان قليلا، لانحرافه إلى اللام، مخرج الراء.
ومما بين طرف اللسان وأصول الثنايا، مخرج الطاء والدال والتاء.
ومما بين الثنايا وطرف اللسان، مخرج الصاد والزاي والسين.
стр. 54
ومما بين طرف اللسان وأطراف الثنايا، مخرج الظاء والذال والثاء.
ومن باطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا العلى، مخرج الفاء.
ومما بين الشفتين مخرج الباء والميم والواو.
ومن الخياشيم مخرج النون الخفية، ويقال الخفيفة أي الساكنة.
فذلك ستة عشر مخرجا١.
ويدلك على أن النون الساكنة إنما هي من الأنف والخياشيم، أنك لو أمسكت بأنفك، ثم نطقت بها٢ لوجدتها مختلة، وأما النون المتحركة فمن حروف الفم، كما قدمنا، إلا أن فيها بعض الغنة٣ من الأنف.
وأما الهمزة المخففة فهي التي تسمى همزة بين بين.
ومعنى قول سيبويه: بين بين، أي هي بين الهمزة وبين الحرف الذي منه حركتها، إن كانت مفتوحة، فهي بين الهمزة والألف، وإن كانت مكسورة فهي بين الهمزة والياء، وإن كانت مضمومة فهي بين الهمزة والواو، إلا أنها ليس لها تمكن الهمزة المحققة، وهي مع ما ذكرنا من أمرها، في ضعفها وقلة تمكنها، بزنة المحققة، ولا تقع الهمزة المخففة أولا أبدا، لقربها بالضعف من الساكن، فالمفتوحة نحو قولك في سأل: سال، والمكسورة نحو قولك في سئم: سيم والمضمومة نحو قولك في لؤم: لوم.
стр. 55
ويدلك على أنها وإن كانت قد قربت من الساكن فإنها في الحقيقة متحركة، أنك تعتدها في وزن العروض حرفا متحركا، وذلك نحو قول كثير١.
أان زم أجمال وفارق جيرة ... وصاح غراب البيت أنت حزين٢
ألا ترى أن وزن قولك "أان زم": فعولن، فالهمزة إذن مقابلة لعين "فعولن" وهي٣ متحركة كما ترى.
وحدثنا أبو علي، قال: أخذ أبو نواس٤ لفظ سيبويه ومعناه، يعني قوله: "بين بين"، فقال:
وخذ من كف جارية وصيف ... مليح الدل ملثوغ الكلام
له شكل الإناث وبين بين ... ترى فيه تكادية الغلام٥
стр. 56
وأخبرني١ أيضا قال: سألني سائل قديما، فقال: هل يجوز الخرم٢ في أول أجزاء متفاعلن من الكامل؟ ٣
قال: ولم أكن حينئذ أعرف مذهب العروضيين٤ فيه فعدلت به إلى طريق الإعراب، فقلت: لا يجوز.
فقال: لم لا يجوز؟
فقلت: لأن التاء التي بعد الميم قد يدركها السكون في بعض الأحوال، فيكره الابتداء بحرف قد يكون في بعض أحواله ساكنا في ذلك المثال بعينه، كما كرهت العرب الابتداء بالهمزة المخففة، لأنها قد قربت من الساكن، أفلا ترى إلى تناسب هذا العلم٥، واشتراك أجزائه، حتى إنه ليجاب عن بعضه بجواب غيره.
стр. 57
ومعنى قول سيبويه "بين بين": أي هي ضعيفة ليس لها تمكن المحققة، ولا خلوص الحرف الذي منه حركتها. قال عبيد بن الأبرص١.
تحمي حقيقتنا وبعض ... القوم يسقط بين بينا٢
أي يتساقط ضعيفا غير معتد به.
وأما ألف الإمالة فهي التي تجدها بين الألف والياء، نحو قولك في عالِم وخاتِم: عاِلِم خاِتِم٣
وأما ألف التفخيم٤ فهي التي تجدها بين الألف وبين الواو، نحو قولهم: سُلام عليك، وقُام زيد، وعلى هذا كتبوا: الصلوة والزكوة والحيوة بالواو، لأن الألف مالت نحو الواو، كما كتبوا إحداهما وسواهن بالياء لمكان إمالة الفتحة قبل الألف إلى الكسرة.
وأما الشين التي كالجيم، فهي الشين التي يقل تفشيها واستطالتها، وتتراجع قليلا متصعدة نحو الجيم.
стр. 58
وأما الصاد التي كالزاي، فهي التي يقل همسها١ قليلا، ويحدث فيها ضرب من الجهر، لمضارعتها٢ الزاي، وذلك قولك في يصدر يصدر، وفي قصد قصد٣.
ومن العرب من يخلصها زايا، فيقول يزدر وقزد، وقالوا في مثل لهم: "لم يحرم من فزد له" أي فصد له. وتأويل هذا أن الرجل كان يضيف الرجل في شدة الزمان، فلا يكون عنده ما يقريه٤، ويشح أن ينحر راحلته له، فيفصدها٥، فإذا خرج الدم سخنه للضيف، إلى أن يجمد ويقوى، فيطعمه أياه٦، فجرى المثل في هذا، فقيل: "لم يحرم من فزد له". أي لم يحرم القرى من فصدت له، إلا أنه أسكن الصاد تخفيفا، كما يقال في ضرب زيد: ضرب، وفي قتل: قتل، فلما سكنت الصاد ضارعوا٧ بها الدال التي بعدها، بأن قلبوها إلى أشبه الحروف بالدال من مخرج الصاد، وهي الزاي، لأنها مجهورة٨، كما أن الدال مجهورة، فقالوا: فزد. فإن تحركت الصاد لم يجز فيها البدل، وذلك نحو صدر وصدف، لا تقول فيه زدر ولا زدف، وذلك أن الحركة قوت الحرف وحصنته، فأبعدته من الانقلاب، بل قد يجوز فيها إذا تحركت إشمامها٩ رائحة الزاي، فأما أن
стр. 59
تخلص وهي متحركة زايا كما تخلص وهي ساكنة، فلا. وإنما تقلب الصاد زايا أو تشم رائحتها إذا وقعت قبل الدال، فإن وقعت قبل غيرها لم يجز ذلك فيها.
فهذه أحوال الحروف التي هي فروع مستحسنة.
فأما الثمانية اللاحقة بهذه فهي مستقبحة١، وفي شرح أحوالها طول، فتركناه لذلك، لا سيما وليست الحاجة إليها كهذه، إلا أن المشافهة تأتي عليها، وتوضح لك حالها.
стр. 60
واعلم أنك كما قد تجد هذه المضارعة وهذا التقارب بين الحروف، فقد تجده أيضا بين الحركات، حتى إنك تجد الفتحة مشوبة بشيء من الكسرة أو الضمة منحوا بها إليهما، وتجد الكسرة أيضا مشوبة١ بشيء من الضمة، والضمة مشوبة بطرف من الكسرة، ولا تجد الكسرة ولا الضمة مشوبة بشيء من الفتحة، وسنذكر لم كان ذلك كذلك عقيب هذا الفصل إن شاء الله.
أما الفتحة المشوبة بالكسرة فالفتحة التي قبل الإمالة نحو فتحة عين عابد وعارف، وذلك أن الإمالة إنما هي أن تنحو بالفتحة نحو الكسرة، فتميل الألف التي بعدها نحو الياء لضرب من تجانس الصوت، فكما أن الحركة ليست فتحة محضة٢، فكذلك الألف التي بعدها ليست ألفا محضة، وهذا هو القياس، لأن الألف تابعة للفتحة، فكما أن الفتحة مشوبة، فكذلك الألف اللاحقة لها.
وقد أمالوا أيضا هذه الفتحة وإن لم تكن بعده ألف، فقالوا: من عمرو٣ ورأيت خبط رياح٤، وقرأ بعضهم: "فإنهم لا يكذبونك" وقرئ أيضا: "وإنا إليه راجعون" و"رأى القمر".
وأما الفتحة الممالة نحو الضمة، فالتي تكون قبل ألف التفخيم، وذلك نحو الصلاة والزكاة، ودعا وغزا، وقام وصاغ، وكما أن الحركة أيضا هنا قبل الألف ليست فتحة محضة، بل هي مشوبة بشيء من الضمة، فكذلك الألف التي بعدها، ليست ألف محضة، لأنها تابعة لحركة هذه صفتها، فجرى عليها حكمها.
وأما الكسرة المشوبة بالضمة فنحو قيل وبيع، وغيض٥، وسيق. وكما أن الحركة قبل هذه الياء مشوبة بالضمة، فالياء بعدها مشوبة بروائح الواو، على ما تقدم في الألف.
стр. 61
وأما الضمة المشوبة بالكسرة فنحو قولك في الإمالة: مررت بمذعور، وهذا ابن بور. نحوت بضمة العين والباء نحو كسرة الراء، فأشممتها شيئا من الكسرة، وكما أن هذه الحركة قبل هذه الواو ليست ضمة محضة، ولا كسرة مرسلة، فكذلك الواو أيضا بعدها، هي مشوبة بروائح الياء، وهذا مذهب سيبويه، وهو الصواب، لأن هذ الحروف تتبع الحركات قبلها، فكما أن الحركة مشوبة غير مخلصة، فالحرف اللاحق بها أيضا في حكمها. وأما أبو الحسن فكان يقول: مررت بمذعور وهذا ابن بور، فيشم الضمة قبل الواو رائحة الكسرة، ويخلص الواو واوا محضة البتة، وهذا تكلف فيه شدة في النطق، وهو مع ذلك ضعيف في القياس. فهذا ونحوه ما لا بد في أدائه وتصحيحه للسمع، من مشافهة توضحه، وتكشف عن خاص سره.
فإن قيل: فلم جاز في الفتحة أن ينحى بها نحو الكسرة والضمة، وفي الكسرة أن ينحى بها نحو الضمة، وفي الضمة أن ينحى بها نحو الكسرة، على ما قدمت ومثلت، ولم يجز في واحدة من الكسرة ولا الضمة أن ينحى بها نحو الفتحة؟
فالجواب في ذلك أن الفتحة أول الحركات، وأدخلها في الحلق، والكسرة بعدها، والضمة بعد الكسرة، فإذا بدأت بالفتحة، وتصعدت تطلب صدر الفم والشفتين، اجتازت في مرورها بمخرج الياء والواو، فجاز أن تشمها شيئا من الكسرة أو الضمة لتطرقها١ إياهما، ولو تكلفت أن تشم الكسرة أو الضمة رائحة من الفتحة لاحتجت إلى الرجوع إلى أول الحلق، فكان في ذلك انتقاض٢ عادة الصوت، بتراجعه إلى ورائه، وتركه التقدم إلى صدر الفم، والنفوذ بين الشفتين، فلما كان في إشمام الكسرة أو الضمة رائحة الفتحة، هذا الانقلاب والنقض، ترك ذلك، فلم يتكلف البتة.
فإن قيل: فقد نراهم نحوا٣ بالضمة نَحو الكسرة في: مذعور ومنقور ونحوهما، والضمة كما تعلم فوق الكسرة، فكما جاز لهم التراجع في هذا، فهلا جاز أيضا في الكسرة والضمة أن ينحى بهما نحو الفتحة؟
стр. 62
فالجواب أن بين الضمة والكسرة من القرب والتناسب ما ليس بينهما وبين الفتحة، فجاز أن يتكلف نحو ذلك بين الضمة والكسرة، لما بينهما من التجانس فيما قد تقدم ذكره في صدر هذا الكتاب، وفيما سنذكره أيضا في أماكنه، وهو مع ذلك قليل مستكره، ألا ترى إلى كثرة قيل وبيع وغيض١، وقلة نحو: مذعور وابن بور.
ولعل أبا الحسن أيضا إلى هذا نظر في امتناعه من إعلال٢ الواو في مذعور، وتركها واوا محضة، لأن له أن يقول أن الحركة التي قبل الواو لم تتمكن في الإعلال والإشمام تمكن الفتحة في الإشمام نحو عالم وقام، ولا تمكن الكسرة في قيل وبيع فلما كان الإشمام في مذعور ونحوه عنده والعمل خلسا٣ خفيا، لم يقو على إعلال الواو بعده، كما اعتلت الألف في نحو عالم وقام، والكسرة في نحو قيل وغيض فلذلك لم تعتل عنده الواو في مذعور وابن بور، وأخلصها واو محضة.
فهذا قول من القوة على ما تراه، وإن شئت فقل أن الضمة وإن نحي بها نحو الكسرة فلقربها منهاوبعدت الفتحة منها فلم يجز فيها ما جاز في الكسرة القريبة. فلما بطل ذلك في الضمة، حملت الكسرة عليها، لأنها أختها، وداخلة في أكثر أحكامها، ويشهد لهذا القول أنهم أدغموا النون في الميم، لاشتراكهما في الغنة والهوي في الفم، ثم إنهم حملوا الواو في هذا على الميم، بأنها من الشفة، وإن لم تكن النون من الشفة.
ثم إنهم أيضا حملوا الياء على الواو في هذا، لأنها ضارعتها في المد، وإن لم تكن معها من الشفة، فأجازوا إدغام النون في الياء، فالميم نحو قولهم: من معك؟ والواو نحو قولهم: من وعدت؟ والياء نحو قوله عز اسمه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُول﴾ ٤، فكما جاز حمل الواو على الميم، ثم حمل الياء على الواو فيما ذكرنا،
стр. 63
كذلك أيضا جاز أن تحمل الكسرة على الضمة في امتناع إشمامها شيئا من الفتحة.
ولهذا نظائر كثيرة في كلامهم، أتركها خوف الإطالة.
وقد كان يجب على أصحابنا١ إذ ذكروا فروع الحروف، نحو ألف الإمالة وألف التفخيم، وهمزة بين بين، أن يذكروا أيضا الياء في نحو: قيل وبيع والواو في نحو: مذعور وابن بور.
على أنه قد يمكن الفصل بين الياء والواو، وبين الألف، بأنها لا بد من أن تكون تابعة، وأنهما قد لا تتبعان ما قبلهما.
وما علمت أن أحدا من أصحابنا خاض في هذا الفن هذا الخوض، ولا أشبعه هذا الإشباع٢ ومن وجد قولا قاله، والله يعين على الصواب بقدرته.
فأما النون إذا أدغمت بغنة، والطاء والصاد والظاء إذا أدغمن بإطباق٣، فقد قلبن إلى لفظ ما أدغمن فيه البتة، وما بقي من رائحة الإطباق، لا يخرج الحرف من أن يكون قد قلب إلى لفظ ما بعده، لأن شرط الإدغام أن يتماثل فيه الحرفان، فجرى الإطباق والغنة بعد الإدغام في قلة الاعتداد به٤ مجرى الإشمام الذي لا حكم له، حتى صار الحرف الذي هو فيه، في حكم الساكن البتة، وسترى القول فيه، والدلالة عليه.
فأما الحركة الضعيفة المختلسة كحركة همزة بين وبين وغيرها من الحروف التي يراد اختلاس حركاتها تخفيفا، فليست حركة مشمة شيئا من غيرها من الحركتين، وإنما أضيف اعتمادها، وأخفيت لضرب من التخفيف، وهي بزنتها إذا وفت٥ ولم تختلس.
стр. 64
وقد تقدمت الدلالة على أن همزة بين بين كغيرها من سائر المتحركات في ميزان العروض، الذي هو حاكم وعيار على الساكن والمتحرك، وكذلك غير هذه الهمزة من الحروف المخفاة الحركات، نحو قوله عز اسمه ﴿مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا﴾ [يوسف: ٨] ؟ ١ وغير ذلك كله محرك وإن كان مختلسا، يدل على حركته قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَان﴾ [البقرة: ١٨٥] فيمن أخفى، فلو كانت الراء الأولى ساكنة، والهاء قبلها ساكنة، لاجتمع ساكنان في الوصل، ليس الأول منهما حرف لين والثاني مدغما، نحو دابة وشابة.
وكذلك قوله: ﴿أَمَّنْ لا يَهِدِّي﴾ ٢ [يونس: ٣٥] لا يخلو من أحد أمرين:
إما أن تكون الهاء مسكنة البتة، فتكون التاء من "يهتدي" مختلسة الحركة.
وإما أن تكون الدال مشددة، فتكون الهاء مفتوحة بحركة التاء المنقولة إليها، أو مكسورة لسكونها وسكون الدال الأولي، وكذلك: ﴿يَخِصِّمُون﴾ الحكم فيهما واحد.
ومثل: ﴿شَهْرُ رَمَضَان﴾ ، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْر﴾ [الحجر: ٩] ٣ و ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيت﴾ [ق: ٤٣] ، لا بد من أن تكون النون الأولى مختلسة الضمة تخفيفا، وهي بزنة المتحركة، فأما أن تكون ساكنة والحاء قبلها ساكنة فخطأ، وقول القراء إن هذا ونحوه مدغم سو منهم، وقصور عن إدراك حقيقة هذا الأمر.
ومن الإخفاء أيضا قوله تبارك اسمه ﴿وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢] وقالوا في جمع حياء٤ وعياء٥: أحيية وأعيية، مختلسين.
стр. 65
وكذلك ما أنشده سيبويه من قول الراجز١:
وغير سفع مثل يحامم٢
باختلاس حركة الميم الأولى.
فأما ما أنشده أيضا من قوله٣:
كأنها بعد كلال الزاجر ... ومسحه مر عقاب كاسر٤
فقال سيبويه كلاما يظن به في ظاهره أنه أدغم الحاء في الهاء٥، بعد أن قلب الهاء حاء، فصار في ظاهر قوله ومسح.
стр. 66
واستدرك أبو الحسن ذلك عليه، وقال: إن هذا لا يجوز إدغامه، لأن السين ساكنة، ولا يجمع بين ساكنين، فهذا لعمري تعلق بظاهر لفظه، فأما حقيقة معناه، فلم يرد محض الإدغام، وإنما أراد الإخفاء، فتجوز بذكر الإدغام، وليس ينبغي لمن قد نظر في هذا العلم أدنى نظر أن يظن سيبويه ممن يتوجه عليه هذا الغلط الفاحش، حتى يخرج فيه من خطأ الإعراب إلى كسر الوزن، لأن هذا الشعر من مشطور الرجز، وتقطيع الجزء الذي فيه السين والحاء، "ومس حهي" مفاعلن، فالحاء: بإزاء عين مفاعلن، فهل يليق بسيبويه أن يكسر شعرا، وهو من ينبوع العروض، وبحبوحة١ وزن التفعيل٢، وفي كتابه أماكن كثيرة تشهد بمعرفته بهذا العلم، واشتماله عليه فكيف يجوز عليه الخطأ فيما يظهر ويبدو لمن يتساند إلى طبعه، فضلا عن سيبويه في جلالة قدره، ولعل أبا الحسن أراد بذلك التشنيع عليه، وإلا فهو كان أعرف الناس بحاله، وقد تلا أبا الحسن في تعقب ما أورده سيبويه في كتابه جلة٣ أصحابنا، كأبي عمر٤ وأبي عثمان٥ وأبي العباس٦ وغيرهم، فقلما ضره الله بذلك، إلا في الشيء النزر٧ القليل من قوله، وأما ما أنشده أيضا من قول الراجز٨.
متى أنام لا يؤرقني الكرى ... ليلا ولا أسمع أجراس المطى٩
стр. 67
فزعم أن العرب تشم القاف شيئا من الضم، وهذا يدلك من مذهب العرب على أن الإشمام يقرب من السكون، وأنه دون روم١ الحركة، وذلك أن هذا الشعر من الرجز ووزنه.
متى أنا ملا يؤر رق نل كرى
مفاعلن، مفاعلن، مستفعلن
فالقاف من "يؤرقني، بإزاء سين مستفعلن، والسين كما ترى ساكنة، ولو اعتددت بما في القاف من الإشمام حركة، لصار الجزء إلى "متفاعلن" وكان يكون كسرا، لأن الرجز٢ لا يجوز فيه متفاعلن، وإنما يأتي في الكامل٣.
فهذه دلالة قاطعة على أن حركة الإشمام لضعفها غير معتد بها، والحرف الذي هي فيه ساكن، أو كالساكن، وأنها أقل في النسبة والزنة من الحركة المخفاة في همزة بين بين وغيرها، مما قروناه٤ الآن آنفا.
فهذه عدة الحروف والحركات، وما لحق بها من الفروع، بأحوط٥ ما يمكن في معناه.
ونحن نتبع هذا ذكر أجناس الحروف، فإذا فرغنا منها بدأنا بالقول على حرف حرف، كما شرطنا بمشيئة الله.
стр. 68
اعلم أن للحروف في اختلاف أجناسها انقسامات نحن نذكرها.
فمن ذلك انقسامها في الجهر والهمس، وهي على ضربين: مجهور ومهموس.
فالمهموس عشرة أحرف، وهي: الهاء، والحاء، والخاء، والكاف، والشين، والصاد، والتاء، والسين، والثاء، والفاء، ويجمعها في اللفظ قولك، "ستشحثك خصفة"١.
وباقي الحروف، وهي تسعة عشر حرفا، مجهور.
فمعنى المجهور: أنه حرف أشبع الاعتماد من موضعه، ومن النفس أن تجري معه حتى ينقضي الاعتماد ويجري الصوت، غير أن الميم والنون من جملة المجهورة قد يعتمد لهما في الفم والخياشيم، فتصير فيهما غنة، فهذه صفة المجهور.
وأما المهموس: فحرف أضعف الاعتماد من موضعه، حتى جرى معه النفس وأنت تعتبر ذلك بأنه قد يمكنك تكرير الحرف مع جري الصوت نحو: سسسس كككك هههه، ولو تكلفت مثل ذلك في المجهور لما أمكنك.
وللحروف انقسام آخر إلى الشدة والرخاوة وما بينهما:
فالشديدة ثمانية أحرف، وهي: الهمزة، والقاف، والجيم، والطاء، والدال، والتاء، والباء، ويجمعها في اللفظ: "أجدت طبقك" و"أجدك طبقت".
والحروف التي بين الشديدة والرخوة ثمانية أيضا، وهي: الألف، والعين، والياء، واللام، والنون، والراء، والميم، والواو، ويجمعها في اللفظ: "لم يرو عنا"، وإن شئت قلت: "لم يروعنا"، وإن شئت قلت: "لم يرعونا"، وما سوى هذه الحروف والتي قبلها، هي الرخوة.
ومعنى التشديد: أنه الحرف الذي يمنع الصوت من أن يجري فيه، ألا ترى أنك لو قلت: الحق، والشط، ثم رمت مد صوتك في القاف والطاء، لكان ذلك ممتنعا.
стр. 69
والرخو: هو الذي يجري فيه الصوت، ألا ترى أنك لو قلت: المس، والرش، والشح، ونحو ذلك، فتمد الصوت جاريا مع السين والشين والحاء.
وللحروف انقسام آخر إلى الإطباق والانفتاح، فالمطبقة أربعة: وهي الضاد، والطاء، والصاد، والظاء، وما سوى ذلك فمفتوح غير مطبق.
والإطباق: أن ترفع ظهر لسانك إلى الحنك الأعلى، مطبقا له، ولولا الإطباق لصارت الطاء دالا. والصاد سينا، والظاء ذالا، ولخرجت الضاد عن الكلام، لأنه ليس من موضعها شيء غيرها، فتزول الضاد إذا عدمت الإطباق إليه١.
وللحروف انقسام آخر إلى الاستعلاء والانخفاض. فالمستعلية سبعة، وهي:
الخاء، والغين، والقاف، والضاد، والطاء، والصاد، والظاء، وما عدا هذه الحروف فمنخفض.
ومعنى الاستعلاء أن تتصعد في الحنك الأعلى، فأربعة منها فيها مع استعلائها إطباق، وقد ذكرناها، وأما الخاء والغين والقاف، فلا إطباق فيها مع استعلائها.
وللحروف قسمة أخرى، إلى الصحة والاعتلال، فجميع الحروف صحيح، إلا الألف والياء والواو، اللواتي هن حروف المد والاستطالة، وقد ذكرناهن قبل إلا أن الألف أشد امتدادا، وأوسع مخرجا، وهو الحرف الهاوي.
وللحروف قسمة أخرى إلى السكون والحركة، وقد شرحنا أحكام ذلك.
وللحروف قسمة أخرى إلى الأصل والزيادة.
وحروف الزيادة عشرة، وهي الهمزة، والألف، والياء، والواو، والميم، والنون، والسين، والتاء، واللام والهاء، ويجمعها في اللفظ قولك: "اليوم تنساه"، وإن شئت قلت: "هويت السمان"، وإن شئت قلت: "سألتمونيها".
وأخرج أبو العباس الهاء من حروف الزيادة، وقال: إنما تأتي منفصلة لبيان الحركة والتأنيث.
стр. 70
وإن أخرجت من هذه الحروف السين واللام، وضممت إليها الطاء والدال، والجيم، صارت أحد عشر حرفا، تسمى حروف البدل، وسيأتيك ذلك مفصلا إن شاء الله، ولسنا نريد البدل الذي يحدث مع الإدغام، وإنما نريد البدل في غير إدغام.
ومن الحروف حرف منحرف، لأن اللسان ينحرف فيه مع الصوت، وتتجافى ناحيتا مستدق اللسان عن اعتراضهما على الصوت، فيخرج الصوت من تينك الناحيتين، ومما فويقهما، وهو اللام.
ومنها المكرر، وهو الراء، وذلك أنك إذا وقفت على رأيت طرف اللسان يتعثر بما فيه من التكرير، ولذلك احتسب في الإمالة بحرفين.
واعلم أن في الحروف حروفا مشربة، تحفز في الوقف، وتضغط عن مواضعها، وهي حروف القلقلة١، وهي القاف، والجيم، والطاء، والدال، والباء، لأنك لا تستطيع الوقوف عليها إلا بصوت، وذلك لشدة الحفز والضغط، وذلك نحو: الحق واذهب واخلط واخرج بعض العرب أشد تصويتا.
ومن المشربة حروف يخرج معها عند الوقف عليها نحو النفخ إلا أنها لم تضغط ضغط الأول، وهي: الزاي، والظاء، والذال، والضاد، وبعض العرب أشد تصويتا.
فأما حروف الهمس فإن الصوت الذي يخرج معها نفس، وليس من صوت الصدر، وإنما يخرج منسلا٢، وليس كنفخ الزاي، والظاء والذال والضاد والراء شبيهة بالضاد.
ومن الحروف ما لا تسمع بعده شيئا مما ذكرناه، لأنه لم يضغط، ولم يجد منفذا، وهي: الهمزة، والعين، والغين، واللام، والنون، والميم، وجميع هذه الحروف التي تسمع معها في الوقف صوتا، متى أدرجتها ووصلتها زال ذلك الصوت، لأن أخذك في صوت آخر، وحرف سوى الأول، يشغلك عن إتباع الحرف الأول
стр. 71
صوتا، وذلك نحو قولك: خذها، وحزه، واخفضه، واحفظه، إلا أنك مع ذلك لا تحصر الصوت عندها، حصرك إياه مع الهمزة، والعيين، والغين، واللام، والنون، والميم.
ومن الحروف المهتوت، وهو الهاء، وذلك لما فيها من الضعف والخفاء.
ومنها حروف الذلافة، وهي ستة: اللام، والراء، والنون، والفاء، والباء، والميم، لأنه يعتمد عليها بذلق اللسان، وهو صدره وطرفه.
ومنها الحروف المصمتة وهي باقي الحروف، وفي هذه الحروف الستة سر طريف، ينتفع به في اللغة، وذلك أنك متى رأيت اسما رباعيا أو خماسيا غير ذي زوائد، فلا بد فيه من حرف من هذه الستة، أو حرفين، وربما كان فيه ثلاثة، وذلك نحو:
جعفر١، ففيه الفاء, والراء، وقعضب٢: فيه الباء، وسهلب٣: فيه اللام والباء، وسفرجل٤: فيه الفاء والراء واللام، وفرزدق٥: فيه الفاء والراء، وهمرجل٦: فيه الميم والراء واللام، وقرطعب٧: فيه الراء والباء، فهكذا عامة هذا الباب.
فمتى وجدت كلمة رباعية وخماسية معراة من بعض هذه الحروف الستة، فاقض بأنه دخيل في كلام العرب، وليس منه، ولذلك سميت الحروف غير هذه الستة مصمتة، أي صمت عنها، أن تتبنى منها كلمة رباعية أو خماسية معراة من حروف الذلافة، وربما جاء بعض ذوات الأربعة معرى من بعض هذه الستة، وهو قليل جدا.
стр. 72
منه العسجد١، والعطوس٢، والدهدقة٣، الزهرقة٤، على أن العين والقاف قد حسنتا الحال، لنصاعة العين، ولذاذة مستمعها، وقوة القاف، وصحة جرسها ولا سيما وهناك الدال، والسين، وذلك أن الدال لانت عن صلابة الطاء، وارتفعت عن خفوت التاء. والسين أيضا لانت عن استعلاء الصاد، ورقت عن جهر الزاي، فعذبت وانسلت.
واعلم أن هذه الحروف كلما تباعدت في التأليف كانت أحسن، وإذا تقارب الحرفان في مخرجيهما قبح اجتماعهما، ولا سيما حروف الحلق، ألا ترى أن قلتها بحيث يكثر غيرها، وذلك نحو: الضغيغة٥ والمهه٦ والفهه٧.
وليس هذا ونحوه في كثرة حديد وجديد، وسديد وشديد، وصديد وعديد، وفديد٨ وقديد٩، كديد١٠ ولديد١١، ومديد ونديد١٢.
ولا في كثرة الألل١٣ والبلل والثلل١٤، والجلل والحلل١٥ والخلل،
стр. 73
والزلل والشلل والطلل، والعلل١ والغلل٢ والملل واليلل٣.
ولهذا ونحوه ما كانت الهاء التي في آخر هناه، من قول امرئ القيس٤.
وقد رابني قولها يا هنا ... هـ ويحك ألحقت شرا بشر٥
بدلا من الواو في هنوات وهنوك، لأن الهاء إذا قلت في باب سددت وقصصت، فهي في باب سلس وقلق أجدر بالقلة٦، فانضاف هذا إلى قولهم من معناه هنوك وهنوات، فقضينا بأنها بدل من واو.
واستقصاء أحكام حسن تركب هذه الحروف وقبحه مما يطول الكتاب بذكره، على أنا سنفرد لذلك في آخر الكتاب فصلا يشتمل على جمل القول عليها بإذن الله٧.
стр. 74
قد أتى القول على آخر الوطأة١ والمقدمة التي احتجنا إليها من قبل ذكر الحروف مفصلة، وهذا أوان الابتداء بذكرها، ومهما تركناه من بعض أحكام هذه الحروف فلأنا قد قدمنا القول عليه، فلذلك لم نعده.
ونحن نوردها على ترتيب ألف، با، تا، ثا، إن شاء الله.
وإنما اختار -أدام الله له حسن النظر والتسديد، وأمده الله بالتوفيق والتأييد- هذا الترتيب، لأنه أسهل مأخذا وأقرب متناولا، لأن أكثر الناس لا يقف على ترتيب الحروف من مخارجها الأصلية إلا بعد التوقيف، فيبدأ بالهمزة، ثم يتبعها الحروف.
فيقول، وبالله التوفيق:
стр. 75
باب الهمزة:
صفات الهمزة:
اعلم أن الهمزة حرف مهجور، وهو في الكلام على ثلاثة أضرب: أصل، وبدل، وزوائد.
ومعنى قولنا أصل: أن يكون الحرف فاء الفعل، أو عينه، أو لامه.
ومعنى قولنا زائد: أن يكون الحرف لا فاء الفعل، ولا عينه، ولا لامه.
والبدل: أن يقام حرف مقام حرف. إما ضرورة، وإما استحسانا وصنعة.
فإذا كانت أصلا وقعت فاء، أو عينا، أو لاما، فالفاء نحو: أنف وأذن وإبرة، وأخذ وأمر، والعين نحو: فأس ورأس وحؤبة١ وذئب وسأل وجأر٢. واللام نحو: قرء٣ وخطء٤ ونبأ، وقرأ، وهد، واستبرأ واستدفأ.
وليس في الكلام كلمة فاؤها وعينها همزتان ولا عينها ولامها أيضا همزتان، بل قد جاءت أسماء محصورة، وقعت الههزة فيها فاء ولاما، وهي أاء ة٥، وأجأ٦.
وأخبرني أبو علي٧ أن محمد بن حبيب حكى في اسم علم مخصوص أتأة٨.