← Язык

Язык · id 12017

سر صناعة الإعراب

ابن جني

Полный текст (761 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

فإضافته إلى عمرو تدل على أنه قد سلب تعريفه، وعرف من جهة الإضافة لاستغنائه بما فيه من تعريف العلمية. ويزيد ذلك وضوحًا لك أن ما كان من الأسماء لا يمكن تنكيره وخلع تعريفه عنه؛ فإضافته غير جائزة البتة؛ لأنه إذا كان لا يضاف الاسم إلا وهو نكرة فما لا يمكن تنكيره؛ فهو من الإضافة أبعد، إذ كانت حال الإضافة إنما هي في المرتبة بعد التنكير، لا بد من ذلك، وتلك الأسماء الأسماء المضمرة، والأسماء المشار بها، فلأجل ما ذكرنا لم توجد الإضافة في شيء منها لاستغنائها بتعرفها عن أن تكسى تعريفًا آخر؛ ألا ترى أنك لا تجد في الكلام ضربت هؤلاء زيد، كما تقول ضربت أصحاب زيد، لأن "هؤلاء" لا يكون إلا معرفة، ولا تقول أيضًا جائني هو بكر، على أن تضيف "هو" إلى "بكر" كما تقول جاءني غلام بكر. ويزيد عندك في وضوح هذا أن العرب إذا لقبت الاسم العلم أضافته إلى لقبه بعد أن تسلبه ما كان فيه من التعريف، وتبزه إياه، وتنقله إلى اللقب لتعرف به الاسم الملقب به، وهو الذي كان علمًا قبل السلب، وذلك قولهم "قيس قفة"، و"سعيد كرز"؛ وإنما أصل هذين الاسمين قيس، وسعيد، ثم لقب "قيس" بقفة، و"سعيد" بكرز، فسلبوهما تعريفهما، وأن يكونا بعد الإضافة معرفتين، كما كانا قبلها معرفتين، وإن اختلفت جهتا التعريف؛ فكان الأول تعريفًا علميًا، والآخر تعريفًا إضافيًا. وقريب من هذا قولهم مررت برجل حسن الوجه، واختيارهم أن يكون الوجه معرفًا وإن كان قد يمكن أن تقول: "مررت برجل حسن وجه"، و"حسن وجهًا"؛ وإنما اختاروا هنا تعريف الوجه لأنه منقول من قولهم مررت برجل حسن وجهه، هذا أصل الكلام؛ فلما سلبوه تعريف الإضافة؛ عوضوه منه تعريف اللام، فقالوا: مررت برجل حسن الوجه. ويدلك على أن "كرزًا" و"قفة" معرفتان علمان تركهم إجراء "قفة"، ولو كانت نكرة لانصرفت، وإذا كان العلم متى سلب تعريفه جرى مجرى النكرات الأجناس؛ فإن أضيف إلى معرفة تعرف بها؛ فمعلوم أنه متى تكلفت إضافته بعد سلبه تعريفه إلى النكرة أنه نكرة، وذلك نحو "مررت بزيد رجل وعمرو امرأة"، كما تقول: "مررت بجار رجل"، و"دخلت حمام امرأة"، ويكون في ذلك من الفائدة أنه ليس بزيد من الزيدين فقط؛ لأن كل واحد من أولئك يجوز أن يكون زيد امرأة وزيد رجل؛ فإذا قلت

стр. 422

ضربت زيد رجل فقد أفدت أنه ليس بزيد امرأة؛ فهذه فائدة هذه الإضافة إن قلت ونزرت كما أن قولك لقيت غلام امرأة قد أفدنا منه أنه لامرأة دون رجل. فإن قلت: فإذا كان الزيدان والعمران إنما تعريفهما عندك كتعريف الرجلين والغلامين بما أوردته من الأدلة في ذلك؛ فهلا جاء عنهم وكثر في كلامهم: مررت بالزيد، وضربت البكر، كما كثر عنهم مررت بالغلام، وضربت الرجل؟ فالجواب: أن زيدًا وعمرًا ونحوهما من الأعلام إذا انتزع ما فيهما في بعض الأحوال من التعريف، فحصلا نكرتين، ثم أريد بعد ذلك تعريفهما؛ فأخلق أحوالهما بهما أن يردا إلى ما كانا عليه من العملية الأصلية؛ فيقال: جاءني زيد، ومررت بعمرو، وليس بالحسن إدخال اللام عليهما؛ لئلا يصيرا في قولك مررت بالعمرو، وجاءني الزيد بصورة ما عرف باللام من الأجناس البتة، ولم يكن له أصل في العلمية؛ فيرد عند تعريفه إليها، وذلك نحو الغلام والجارية والثوب والدار؛ فلهذا استنكروا في كلامهم أن يقولوا الزيد والبكر، فاعرفه. على أن أبا العباس قال: إذ قيل: جاءني زيد وزيد وزيد تريد جماعة اسم كل واحد منهم زيد، فيقول المجيب: فما بين الزيد الأول والزيد الآخر؟ وهذا الزيد أشرف من ذلك الزيد؛ إلا أنه قليل. فإن قلت: فقد أضافوا هذه الأسماء بعد تنكيرهم إياها كما تضاف الأجناس، فقالوا١: ياعمر الخير جزيت الجنة٢ وقالوا: فلان من ربيعة الفرس، وفلان من تميم جوثة، وقال الآخر: يزيد سليم سالم المال والفتى ... فتى الأزد للأموال غير مسالم٣

стр. 423

وقال الآخر: علا زيدنا يوم النقا رأس زيدكم ... بأبيض من ماء الحديد يمان١ هذا كثير عنهم؛ فهلا استقبحوا في اللفظ الإضافة في هذه الأسماء التي هي في الأمر الشائع أعلام، كما استنكروا فيها تعريفها باللام؛ فلم يقولوا الزيد ولا العمرو إلا في الشاذ وضرورة الشعر؟ وما الفرق بين الموضوعين؟ فالجواب: أن بين تعريف اللام وتعريف الإضافة فرقًا وذلك أن اللام في هذا الموضع أشنع في اللفظ من الإضافة، من قبل أن الإضافة قد تجدها في أنفس الأعلام كثيرًا واسعًا، وذلك نحو عبد الله، وعبد الصمد، وعبد الواحد، وعبد الرحمن، وذي النون، ذي الرمة، وذي الخرق، وعلى هذا عامة المنى لأنها أعلام أيضًا، نحو أبي محمد، وأبي القاسم، وأبي علي. ويدلك على أنها أعلام قول الفرزدق٢: ما زلت أفتح أبوابًا وأغلقها ... حتى أتيت أبا عمرو بن عمار٣ فحذف التنوين من عمرو بمنزلة حذفه من جعفر في قولك: حتى أتيت جعفر بن عمار. وعلى هذا قول الآخر٤: فلم أجبن، ولم أنكل، ولكن ... يممت بها أبا صخر بن عمرو٥

стр. 424

فحذف التنوين من "صخر" إنما هو بمنزلة حذفه من محمد في قولك يممت بها محمد بن عمرو. وإنما كثرت هذه الإضافة في أنفس الأعلام، وفي ما نزع عنه تعريفه، ثم عرف بالإضافة إلى المعرفة؛ من قبل أن الإضافة في كثير من كلامهم في تقدير الانفصال والانفكاك؛ ألا ترى أن باب الحسن الوجه، والكريم الأب؛ كله منوي فيه الانفصال؛ وإنما تقديره الحسن وجهه، والكريم أبوه. وكذلك اسم الفاعل إذا أريد به الحال أو الاستقبال؛ فهو وإن أضيف في اللفظ مفصول في المعنى. وذلك نحو قوله تعالى: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤] ١، و ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] ، و ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ١] ٢ و ﴿ثَانِيَ عِطْفِه﴾ [الحج: ٩] ٣، و ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ﴾ [القمر: ٢٧] ٤، و ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ [إبراهيم: ٤٧] ٥. وعلى هذا قول جرير٦: يا رب غابطنا لو كان يطلبكم ... لاقى مباعدةً منكم وحرمانا٧ إنما هو: "ممطر لنا"، و"هديًا بالغًا الكعبة"، و"ثانيًا عطفه٨ لنا"؛ ولولا ذلك لم تدخل "رب" عليه، ولا جرى ممطرنا وصفًا على النكرة التي هي عارض، ولا نصب: ﴿ثَانِيَ عِطْفِه﴾ على الحال.

стр. 425

ونحوه قول الآخر١: يارب مثلك في النساء غريزة ... بيضاء قد متعتها بطلاق٢ أي: مثل لك، لأن "رب" لا تباشر المعارف المظهرة، وعلى هذا قالوا: ناقة عبر الهواجر٣، وفرس قيد الأوابد٤، أي: عابرة للهواجر، ومقيدة للأوابد٤. فلما كثر في كلامهم أن تكون الإضافة لفظية غير معنوية؛ تسامحوا في الأسماء المخلوع عنها تعريف العلم بتعريف الإضافة فقالوا: "ضربت زيدك"، و"كلمت عمرك"، ولم يقولوا: "جاءني العمرو"، و"لا كلمت الزيد" إلا في قلة من الكلام؛ لأن اللام لا ينوى فيها الانفصال كما ينوى في الإضافة معنى الانفصال في كثير من الأحوال؛ فلا تجد اللام معرفة للأعلام كما تعرفها الإضافة في نحو عبد الله وبابه، وأبي محمد ونحوه؛ فيعلم بهذا أن التعريف باللام ألزم في اللفظ عندهم مما تعرف بالإضافة لما قدما ذكره، فلذلك احتملوا أن يقولوا زيدنا ومحمدكم، ولم يقولوا البكر ولا العمرو إلا شاذًا. فإن قلت: فقد قالوا العباس والحارث والعلاء والفضل، وقد نراهم عرفوا العلم باللام كما عرفوه بالإضافة في نحو "عبد الله" و"أبي بكر"! فالجواب: أن العباس والحارث والعلاء والفضل ونحو ذلك من الأوصاف الغالبة والمصادر المقدر فيها جريانها أوصافًا إنما تعرفت بالوضع دون اللام؛ وإنما أقرت اللام فيها بعد النقل وكونها علمًا مراعاة لمذهب الوصف فيها قبل النقل، وقد تقدم تفسيرنا ذلك في صدر هذا الكتاب وغيره.

стр. 426

وأما تعريفها في الحقيقة فبالوضع، يدل على ذلك قولهم أبو عمرو بن العلاء؛ فطرح التنزين من عمرو؛ إنما هو لأن ابنًا مضاف إلى العلم؛ فجرى مجرى قولك أبو عمرو بن بكر، ولو كان العلاء معرفًا باللام؛ لوجب ثبوت التنوين كما يثبت مع ما تعرف باللام، نحو جاءني أبو عمرو بن الغلام؛ فلأجل ما ذكرت لك من شناعة تعريف العلم بعد سلبه تعريفه الأول باللام المستحدثة؛ كرهوا أن يقولوا لقيت العمرو، ولكلمت السعد. فإن قيل: فَلِمَ كان تحمل اللام في ما ذكرت أقبح من تحمل الإضافة حتى استقبحوا الزيد والبكر، ولم يستقبحوا زيدك وبكرك؟ فالجواب: أنهم إنما استكرهوا ذلك مع اللام، وكان أقبح عندهم من الإضافة من قبل أن اللام ألزم لما تتصل له من المضاف إليه بالمضاف، وذلك أن اللام على حرف واحد ساكن، ويدعم؛ فاتصاله لما عرفه أشد من اتصال المضاف إليه بالمضاف، ألا ترى أن المضاف إليه اسم كامل نحو غلام زيد، لك أن تفضل زيدًا؛ فتقول: "هذا زيد"، و"كلمت زيدًا"، و"نظرت إلى زيد"، واللام لا يمكنك ذلك فيها لقوة اتصالها، وقد ذكرنا ذلك قديمًا من حالها؛ فلشدة امتزاجها بما عرفته لم يكن أن ينوى انفصالها كما ينوى انفصال المضاف إليه. فإن قيل: فإذا كانوا يستكرهون الزيد والعمرو فكيف اجتمعوا كلهم على استحسان الزيدين والعمرين والجعفرين، و: شتان ما بين اليزيدين...... ... .........................١

стр. 427

و: أنا ابن سعد أكرم السعدينا١ فالجواب: أن هذا الذي فعلوه من تحمل اللام في التثنية والجمع؛ يدل على صحة ما كنا قدمناه من أنهم إنما استكرهوا أن يقولوا إذا أرادوا تعريف ما قد نزعت عنه علميته "الزيد والبكر"؛ لأن له قبل حالة المفضية له إلى التنكير حالًا قد كان فيها علمًا معرفة، فردوه لما احتاجوا إلى تعريفه إليها؛ فقالوا جاء زيد، كما كانوا يقولون قبل سلبه تعريفه ورده إليه: جاء زيد؛ فأما التثنية في نحو قولك زيدان؛ فلم يكن زيدان قط علمًا لاثنين مخصوصين كما كان زيد قبل سلبه تعريفه علمًا لواحد مخصوص، فيردا عند إرادة تعريفهما إلى حالهما بعد السلب، كما رد زيد إليها لما أريد تعريفه بعد سلبهم إياه منه؛ وإنما زيدان بمنزله رجل وغلام في أنه اسم لاثنين شائع كما أن "رجلًا" و"غلامًا" كل واحد منهما اسم لمعناه شائع في أمته؛ فكما أنك إذا أردت تعريفهما قلت الرجل والغلام، فكذلك إذا أردت تعريف زيدين ألحقته اللام؛ فقلت الزيدان والعمران، فاعرف ذلك، فقد أوضحنا هذا الموضع بنهاية ما يقال في مثله. فأما قولهم للجبلين المتقابلين أبانان؛ فإن أبانين اسم علم لهما بمنزلة زيد وخالد. فإن قلت: فكيف جاز أن يكون بعض التثنية علمًا؛ وإنما عامتها نكرات؛ ألا ترى أن رجلان وغلامان وابنان وابنتان كل واحد منهما نكرة غير علم، فما قصة أبانين حتى صار علمًا؟ فالجواب أن زيدين ليسا في كل وقت مصطحبين مقترنين، بل كل واحد منهما كما يجامع صاحبه؛ فكذلك يفارقه أيضًا؛ فلما اصطحبا مرة وافترقا أخرى؛ لم يمكن أن يخصا باسم علم يقيدهما من غيرهما؛ لأنهما شيئان كل واحد منهما بائن من صاحبه.

стр. 428

وأما أبنان فجبلان متقابلان لا يفارق واحد منهما صاحبه؛ فجريا لاتصال بعضهما ببعض مجرى المسمى الواحد، نحو بكر وقاسم، فكما خص كل واحد من الأعلام باسم يقيده من أمته، كذلك خص هذان الجبلان باسم يقيدهما من سائر الجبال؛ لأنهما قد جريا مجرى الجبل الواحد؛ فكما أن ثبيرا، وهبوا، ويذبل، لما كان كل واحد منهما جبلًا واحدًا أجزاؤه متصل بعضها ببعض خص باسم له لايشارك فيه؛ فكذلك أبانان لما لم يفترق بعضهما من بعض، وكانا لذلك كالجبل الواحد، خصا باسم علم، كما خص يذبل، ويرمرم١، وسحام٢، كل واحد منها باسم علم. أنشد خلف الأحمر٣: لو بأبانين جاء يخطبها ... رمل ما أنف خاطب بدم٤ وحال عمايتين -وهما جبلان متناوحان- حال أبانين. أنشدني أبو علي٥: لو أن عصم عمايتين ويذبل ... سمعًا حديثك أنزلا الأوعالا٦

стр. 429

ومثل ذلك من الجمع عَرَفات، وهي معرفة لأنها اسم لبقاع معلومة غير متفرقة ولا موجود بعضها دون بعض. ويدل على كونها معرفة ما حكاه سيبويه عنهم من قولهم: "هذه عَرَفاتٌ مباركًا فيها"١ فانتصاب الحال بعدها يدل على كونها معرفة، فأما تنوينها وهي معرفة مؤنثة فسنذكره في فصل أحكام التنوين ومواقعه في كلام العرب إن شاء الله تعالى؛ فاعرف ذلك. فهذا كله يدلك على أن تعرُّف الزيدينِ من طريق تعرف الرجلين، وأن النون فيهما بدل من الحركة وحدها على ما تقدم من القول. وأما الموضع الذي تكون فيه نون التثنية عوضًا من التنوين وحده؛ فمع الإضافة، وذلك نحو قولك: "قام غلاما زيد"، و"مررت بصاحبي عمرو"، ألا تراك حذفتها كما تحذف التنوين للإضافة، ولو كانت هنا عوضًا من الحركة وحدها لثبتت؛ فقلت: "هذان غلامانِ زيدٍ"، كما تقول قام غلامُ زيدٍ، فتضم الميمَ من غلام. فإن قلت: فما أنكرت أن تكون النون مع اللام ثابتة غير محذوفة؛ لأنها لم تخلُص عوضًا من التنوين وحده فتحذف، بل لما كانت عوضًا من الحركة والتنوين جميعًا ثبتت؟ فالجواب: أنه لو كان الأمر كذلك؛ لوجب أيضًا أن تثبت مع الإضافة؛ لأنها لم تخلص عوضًا من التنوين وحده، وهذا كما تراه محال. فقد صح بما ذكرناه أن نون التثنية تكون في موضع عوضًا من الحركة والتنوين جميعًا، وفي موضع عوضًا من الحركة وحدها، وفي موضع عوضًا من التنوين وحده؛ إلا أن أصل وضعها أن تكون داخلة عوضًا مما منع الاسم منها جميعًا، ولو كانت عوضًا من الحركة وحدها لثبتت مع الإضافة ولام المعرفة، ولو كانت عوضًا من التنوين وحده لحذفت مع الإضافة ولام المعرفة؛ فجعلت في موضع عوضًا من الحركة؛ فثبتت كما ثبتت الحركة وفي موضع عوضًا من التنوين؛ فحذفت كما يُحذف التنوين ليعتدل الأمران فيهما.

стр. 430

فإن قيل: فهلا عكس الأمر؛ فجعلت النون مع الإضافة عوضًا من الحركة، فثبتت، فقلت: "غلامانِ زيدٍ"، ومع اللام عوضًا من التنوين؛ فحذفت، فقلت: "قام الرجلا"؟ فالجواب: أنهم لو فعلوا ذلك لوجب أن يقولوا قام غلامان زيد؛ فيجمعوا على الاسم زيادتين في آخره؛ فكان يميل بهما لأنهما توالتا فيه من جهة واحدة، وإنما الحكمة في الذي فعلوه إذ جعلوها مع اللام عوضًا من الحركة؛ فقالوا: قام الرجلان، لتتباعد الزيادتان، فتكون إحداها في أول الاسم والأخرى في آخره؛ فَيسِطَ الاسم حاجزًا بينهما، وكان ذلك أوفق من أن يقولوا: "قام غلامان زيد"، فتجتمع الزيادتان في موضع واحد. ونظير هذا في ما ذكره أبو علي إعلال العرب الفاء واللام في نحو: "عِ كلامًا"، و"شِ ثوبًا"، و"فِ بالعهد"، ولم يعلوا العين واللام إلا شاذًا، ولا الفاء والعين البتة كراهية منهم لتوالي إعلالين. ونظير آخر لذلك، وهو كراهيتهم أن يقولوا في النداء: "يا الرجل"، و"يا الغلام"؛ لئلا يجمعوا بين "يا" وهي للإشارة، وبين اللام، وهى للتعريف؛ فكرهوا أن يجمعوا بين حرفين متقاربي المعنين، ثم قالوا مع هذا: يا عبد الله، فجمعوا بين "يا" والإضافة التي هي للتعريف؛ لأنهما تباعدا؛ فكان أحدهما في أول الاسم والآخر في آخره. فإن قال قائل: فإذا كان الأمر على ما ذكرته فما تقول في قولهم في تثنية أحمر وأصفر وحمراء وصفراء، ونحو ذلك مما لا ينصرف معرفة ولا نكرة: أحمران وأصفران وحمراوان وصفراوان، والنون هنا بدل من ماذا هي؟ هل هي بدل من الحركة والتنوين جميعًا، أو بدل من الحركة وحدها، أو بدل من التنوين وحده؟ فالجواب: أنها بدل من الحركة والتنوين جميعًا. فإن قلت: فإن أحمر وصفراء لا تنوين فيهما! فهو كذلك؛ إلا أنك لما ثنيت الاسم، فأبعدته عن شبه الفعل بالتثنية؛ إذ الفعل لا تصح تثنيته، زال عنه ترك الصرف لزوال شبه الفعل عنه، فقُدر فيه في التثنية

стр. 431

التنوين، فصارت النون في حمراوان وصفراوان وأحمران وأصفران عوضًا من الحركة والتنوين جميعًا. فأما النون في هذان، وتان، واللذان، واللتان فالقول فيها: إنها ليست عوضًا من حركة ولا تنوين ولا من حرف محذوف كما يظن قوم، ولا حكم هذان واللذان في أنهما مثنيان حكم الزيدان والعمران، وأنا أذكر لك ما تحصل لي عن أبي علي بعد طول البحث معه عن ذلك. اعلم أن أسماء الإشارة نحو هذا وهذه، والأسماء المصولة نحو الذي والتي لا تصح تثنية شيء منها من قبل أن التثنية لا تلحق إلا النكرة كما قدمنا، فما لا يجوز تنكيره فهو بأن لا تصح تثنيته أجدر، وأسماء الإشارة والأسماء الموصولة لا يجوز تتنكر، فلا يجوز أن يثنى شيء منها، ألا تراها بعد التثنية على حد ما كانت عليه قبل التثنية، وذلك نحو قولك: هذان الزيدان قائمين، فتنصب قائمين بمعنى الفعل الذي دلت عليه الإشارة والتثنية، كما كنت تقول في الواحد: هذا زيد قائما، فتجد الحال واحدة قبل التثنية وبعدها. وكذلك قولك: ضربت اللذين قاما، إنما يتعرفان بالصلة كما يتعرف بها الواحد في قولك: ضربت الذي قام، فالأمر في هذه الأشياء بعد التثنية هو الأمر فيها قبل التثنية. وكذلك يا هنانِ ويا هنونَ، هذه أسماء مصوغة للتثنية والجمع بمنزلة اللذين والذين، وليس كذلك سائر الأسماء المثناة نحو زيد وعمرو. ألا ترى أن تعرُّف زيد وعمرو إنما هو بالوضع والعلمية، فإذا ثنيتهما تنكرا، فقلت: رأيت زيدين كريمين، وعندنا عمران عاقلان، فإذا آثرت التعريف بالإضافة أو باللام، وذلك نحو الزيدان والعمران، وزيداك وعمراك، فقد تعرفا بعد التثنية من غير وجه تعرفهما قبلها، ولحقا بالأجناس، وفارقا ما كانا عليه من تعريف العلمية والوضع، فإذا صح ذلك فينبغي أن تعلم أن هذان وهاتان، واللذان واللتان إنما هي أسماء مصوغة للتثنية مخترعة لها، وليست بتثنية للواحد على حد زيدٍ وزيدانِ، إلا أنها صيغت على صورة ما هو مثنى على الحقيقة، فقيل: هذان واللذان وهذين واللذين لئلا تختلف التثنية، وذلك أنهم يحافظون عليها ما لا يحافظون على الجمع، ألا ترى أنك تجد في الأسماء المتمكنة ألفاظ الجموع من غير ألفاظ الآحاد، وذلك نحو رجُل ونَفَر،

стр. 432

وامرأة ونسوة، وبعير وإبل، وواحد وجماعة، ولا تجد في التثنية شيئًا من هذا إنما هي من لفظ الواحد، نحو زيد وزيدان، ورجل ورجلان، لا يختلف ذلك. وكذلك أيضًا كثير من المبنيات، على أنها أحق بذلك من المتمكنة، وذلك نحو ذا وأولاء، وذات وأولات، وذو وأولو، ولا تجد ذلك في تثنيتها نحو ذا وذان، وذو وذوان، فهذا يدلك على محافظتهم على التثنية وعنايتهم بها أن تخرج على صورة واحدة لا تختلف، وأنهم بها أشد عناية منهم بالجمع، فلذلك لما صيغت للتثنية أسماء مخترعة غير مثناة على الحقيقة كانت على ألفاظ المثناة تثنية حقيقة، وذلك نحو ذان وتان، واللذان واللتان. ويدلك على أن ما كان من الأسماء لا يمكن تنكيره فإن تثنيته غير جائزة، وأنهم إنما يصوغون له في التثنية اسما مخترعا ليس على حد زيد وزيدان قولهم أنت، وأنتما، وهو، وهي، وهما، وضربتك، وضربتكما، فكما لايشك في أن أنتما ليس بتثنية أنت، إذ لو كان تثنية أنت لوجب أن تقول في أنت: أنتان، وفى هو: هوان، وفى هي: هيان، فكذلك لا ينبغي أن يشك في أن هذا ليس تثنية هذا، وإنما هو اسم صيغ ليدل على التثنية كما صيغ أنتما وهما ليدل على التثنية وهو غير مثنى على حد زيد وزيدان ألا ترى أن أسماء الإشارة والأسماء الموصولة جارية مجرى الأسماء المضمرة في أن كل واحد منهما لا يجوز تنكيره ولا خلع تعريفه عنه. فإن قلت: فإذا كان هذا والذي ونحوهما كالأسماء المضمرة من حيث أريت، فما بالهم صاغوا لتثنية ذا والذي اسمين على صورة التثنية، فقالوا ذان واللذان، ولم يقولوا في أنت: أنتان، ولا في هو: هوان، ولا في هي: هيان، كما قالوا ذان واللذان؟ فالجواب: أنهم إنما صاغوا لذا وللذي في التثنية اسمين على صورة الأسماء المثناة، فقالوا ذان واللذان كما قالوا رجلان وغلامان، ولم يقولوا في أنت: أنتان، ولا في هو: هوان من قبل أن أسماء الإشارة والأسماء الموصولة أشبه بالأسماء المتمكنة من الأسماء المضمرة. قال أبو علي: ألا تراهم يصفون أسماء الإشارة، ويصفون بها، فيقولون: مررت بهذا الرجل، ومررت بزيد ذا، وكذلك يقولون: مررت بالذي قام أخوه الطويل، ولقيت زيدا الذي قام أخوه الكريم، فلما قربت الأسماء المشار بها والأسماء

стр. 433

الموصولة من الأسماء المتمكنة، صيغت لها أسماء التثنية على نحو تثنية الأسماء المتمكنة، ولما كانت الأسماء المضمرة لا تقرب من الأسماء المتمكنة لأنها لا توصف ولا يوصف بها لم يصغ لا أسماء على نحو الأسماء المتمكنة. فأما قولهم مررت بك أنت، ومررت به هو، فأنت وهو ليسا وصفا يستفاد بهما البيان والإيضاح، إنما الغرض فيمها التوكيد والتحقيق، فلما كانت كذلك بعدت من المتمكنة، فخالفوا بينها وبين ما قارب المتمكنة بأن صاغوا لها أسماء للتثنية على غير صورة الأسماء المثناة المتمكنة، فقالوا: أنت وأنتما، وهو وهما، ولم يقولوا أنتان ولا هوان كما قالوا ذان واللذان لما ذكرت لك. ويزيد عندك في وضوح ذلك أنهم قد حقروا الأسماء المشار بها والأسماء الموصولة كما حقروا المتمكنة، فقالوا: ذيّا وتَيّا، واللَّذَيا واللَّتَيا، ولم يجئ شيء من التحقير في الأسماء المضمرة، فدل ذلك على بعدها من الأسماء المتمكنة. قال أبو علي: ولذلك قالوا: ذا، وأصله ذَيْ، فأبدلوا ياءه ألفا وإن كانت ساكنة، ولم يقولوا ذي لئلا يشبه كي وأي، فأبدلوا ياءه ألفا ليلحق بباب متى وإذا، ويخرج عن شبه الجرف بعض الخروج، فهذا أيضًا يؤكد ما تقدم. فأما الدليل على أن عين "ذا" ياء وأنها ساكنة فقد ذكرته في كتابي في شرح تصريف أبي عثمان ﵀. ويؤنسك بأن لفظ التثنية قد لا يكون تثنية لواحد قولهم: عقلتُه بثنايين، وقول عنترة١: أحولي تنفُض استُكَ مِذْرَوَيْها ... لتقتلني فها أنا ذا عمارا٢ فصحة الواو والياء إنما هي لأنهم لم يفردوا لهما واحدا. ونظير هذا من الجمع مقتوين في أحد قولي سيبويه٣، لأن صحة واوه تدل على أنه ليس له واحد.

стр. 434

وذهب الفراء إلى أن نون التثنية إنما دخلت فرقا بين رفع الاثنين ونصب الواحد. ومعنى ذلك أنك إذا قلت "عندي رجلان" فلولا النون لالتبس بقولك: ضربت رجلا، فإذا جاءت النون أعلمتك أن الكلمة مثناة، وأنها ليست واحد منصوبًا. وهذا القول عندنا على نهاية الخطل١ والضعف والفساد، وله وجوه كثيرة تفسده، وتشهد ببطلانه، منها: أنك لو قلت على قوله ومذهبه: قام الرجلان، بلا نون، لم يلتبس هذا بالواحد المنصوب، وذلك أنك لا تقول ضربت الرجلا، بالألف، إنما تقول: ضربت الرجلَ، بغير ألف، فلو كان الأمر على ما ذكره لقلت قام الرجلا، فأتيت بالألف علمًا للتثنية، ولم تخف لبسًا على ما قدمناه. فإن قال قائل: إن من العرب من يقف على ما فيه لام المعرفة في موضع النصب بالألف، فيقول ضربت الرجلا، فدخلت النون فرقًا بين رفع الاثنين ونصب الواحد على هذه اللغة. فالجواب: أن هذه لغة من الشذوذ والقلة على حال لا ينبغي أن يجتمع جميع العرب على مراعاتها وتخوف اللبس فيها، وإنما يقولها قوم هم من القلة بحيث لا يعتدّون خلافًا، فضلا عن أن تجتمع العرب كلها قاطبة على تخوف الإشكال في لغتهم، فأما قوله عَزَّ اسْمُهُ: ﴿وَتَظُنّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب: ١٠] ٢، و ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٧] ٣، فإنما ذلك على إشباع الفتحة للوقف على رءوس الآي، كما قرأت القراء: "والليل إذا يسْرْ" [الفجر: ٤] ٤، و ﴿ذَلِكَ

стр. 435

مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ [الكهف: ٦٤] ١ فحذف الياء في هذا ونحوه في الوقف إنما هو لرءوس الآي وتشبيههم إياها بالقوافي في نحو قول زهير٢: ولأنت تفري ما خلقت وبعـ ... ـض القوم بخلق ثم لا يفرْ٣ يريد: يفري. وكذلك أيضًا من قرأ: ﴿السَّبيلا﴾ و: ﴿الظٌّنونا﴾ إنما هو مشبه بوقوفهم على القوافي في نحو قول جرير٤: أقلي اللوم عاذل والعتابا ... وقولي إن أصبت: لقد أصابا٥ ونحو قول لقيط٦: يا دار عمرة من محتلها الجرعا ... هاجت لي اللهم والأحزان والوجعا٧

стр. 436

فهذه الأشياء تعرض في الوقف، وهي جارية مجرى غيرها من سائر التغايير العارضة عند الوقوف نحو خالدّ، ويجعلْ، وهذا بكرْ، ومررت بعمرْو، فهل يحسن بمثل هذا أن يُجعل أصلا تجتمع الجماعة عليه، وتنتهي في القياس إليه، هذا ما لا ينبغي لنظّار أن يركبه، ولا لمنصف من نفسه أن يعتقده. فإن قال قائل: ما تنكر أن تكون النون إنما لحقت التثنية في النكرة التي هي الأصل، وذلك قولك ضربت رجلا، فلو قلت مع هذا "عندي رجلا" بلا نون لا لتبس بما لا يوقف على منصوبه إلا بالألف نحو ضربت رجلا، ثم إنهم أجروا المعرفة التي هي فرع مجرى النكرة التي هي أصل حملا للفرع على الأصل، كما أجروا: رأيت الهنداتِ، على: رأيت الزيدينِ، حملا للمؤنث الذي هو فرع على المذكر الذي هو الأصل، وكغير ذلك مما تجري فيه الفروع على الأصول طلبا للتجنيس لا لضيق الكلام، ألا ترى أنهم لو قالوا: ضربتُ الهنداتَ، ففتحوا التاء لم يفسد ذلك بشيء، وإنما مالوا إلى الكسر، كما أجروا النصب على لفظ الجر في: ضربتُ الزيدينَ. فالجواب: أن ذلك إنما كان يكون له به تعلق لو لم نجد لنون التثنية علة قائمة ثابتة صحيحة في لحاقها بعد الألف، وهو ما قدمناه من قول سيبويه: "وإنما لحقت عوضًا مما منع الاسم من الحركة والتنوين"١ الذي كان يجب له إذا كان معربا متمكنا، كما وجب للواحد المتمكن، فأما والعلة قائمة صحيحة فلا وجه للعدول عنها إلى حمل فرع على أصل طلبا لتجنيس الكلام لا غير. ألا ترى أن كسر تاء الهندات في موضع النصب ليس له قوة كسرها في موضع الجر، وإنما هي حركة أقيمت مقام حركة.

стр. 437

أولا ترى أن أبا الحسن وأبا العباس١ ومن قال بقولهما قد ذهبا إلى أن كسرة تاء التأنيث في موضع النصب إنما هي حركة بناء لا حركة إعراب، ولم يقولوا في كسرتها في موضع الجر إنها حركة بناء، بل قالا بما قال به سيبويه٢ والجماعة من أنها حركة إعراب. ولا شيء حملهما على أن قالا إن كسرة تاء: ضربت الهنداتِ، حركة بناء إلا ضعفها وقلة تمكنها في هذا الموضع من حيث كانت محمولة على غيرها. فهذا يدلك على أن ما حمل على غيره ليس كما هو أصل قائم بنفسه، لا سيما إذا كان في حمله على غيره ما يدعو إل ترك القول بما قد وضحت أدلته، ونطقت شواهده، وهو قول سيبويه. ويؤكد عندك أيضًا أن ما حمل على غيره ليس له قوة ما هو قائم بنفسه، أن حذف الواو من "يَعِدُ" مع الياء أقوى من حذفها مع غيرها من حروف المضارعة، لأنها في هذا محمولة على الياء، فحذفها مع الياء أقوى من حذفها مع غيرها من سائر حروف المضارعة المحمولة على الياء، ولهذا نظائر. وشيء آخر يفسد هذه الزيادة، وهو أنه لو كانت النون دخلت في المعرفة حملا على النكرة لوجب أيضًا أن تدخل على المضاف لدخولها على المفرد إذ كانت الإضافة فرعا على الإفراد، ولَلَزم أن تقول: قام غلامانِ زيدٍ، وكما كنت تقول قبل الإضافة: قام غلامانِ، فتركهم إلحاق النون في الإضافة مع أنها فرع على الإفراد دلالة على أنهم يلحقونها في المعرفة من حيث كانت فرعا على النكرة. فإن قال قائل: ما تنكر أن يكونوا إنما لم يلحقوها في الإضافة وإن كانت فرعا على الإفراد كما ألحقوها مع المعرفة من حيث كانت فرعا على النكرة من قبل أنهم لو قالوا: قام غلامان زيد، لجمعوا في آخر الاسم زيادتين؛ النون والمضاف إليه، فثقل عليهم ذلك، فرفضوه؟ فالجواب: أن يقال لمن قال هذا: مذهبك أدّاك إلى هذا، فإياك فَلُمْ، فإنك أنت وجهت على نفسك هذا الإلزام.

стр. 438

ومنها١: أنهم يقولون في ما لا ينصرف كله: هذان أحمران وأصفران، فيلحقون النون، وأنت لو نصبت الواحد من هذا لم تقف عليه بالألف، إنما كنت تقول: رأيت أحمر وأصفر، فإلحاقهم النون في التثنية يدل على أنها لم تلحق للفصل بين رفع الاثنين ونصب الواحد كما ذهب إليه الفراء. فإن قال قائل: فما تنكر أن يكون لما وجب إلحاق النون في ما ينصرف ألحقت أيضًا في ما لا ينصرف لئلا يختلف الباب؟ رجع الحجاج إلى ما كنا قدمناه آنفا من أنا لا نحمل الشيء على أن ملحق بغيره مع وجودنا له علة صحيحة قائمة فيه بنفسه، وهو ما ذهب إليه سيبويه. فإن انفصل منفصل من غير هذا الوجه، فقال: إنما لحقت في ما لا ينصرف نحو أحمران وبابه لأن من العرب من يصرف جميع ما لا ينصرف، فيقول: ضربت أحمدا، وكلمت عُمرا. قيل له: هذه اللغة في القلة والضعف كاللغة التي يوقف فيها على ما فيه لام المعرفة في النصب بالألف، نحو: رأيت الرجلا، وكلمت الغلاما، فالذي أسقط عنا تلك المعارضة هو الذي يسقط عنا هذه أيضًا. ومنها: أنهم يقولون في النصب والجر: مررت بالزيدين، وضربت الزيدين، فيلحقون النون ولا ألف قبلها، فدل ذلك على أن النون لم تلحق التثنية فصلا بين رفع الاثنين ونصب الواحد. فإن عارض معارض فقال: إنها لما دخلت في الرفع، نحو الزيدان، والعمران، حملوا الجر والنصب عليه لئلا تختلف حال التثنية. عاد الحجاج أيضًا إلى ما قدمناه من أن الشيء لا ينبغي أن يجعل محمولا على غيره وله صحه علة موجودة فيه نفسه. وكذلك إن قال قائل: إنما لحقت النون التثنية على لغة بلحارث بن كعب٢ إذ كان ما قبل النون في لغتهم ألفا لا تختلف، وذلك نحو مررت بالزيدان، وضربت الزيدان.

стр. 439

فالجواب عن هذا أيضًا كالجواب عما قبله، لأن اللغات كلها لا تحمل على لغة بلحارث عن قلتها وشذوذها. ومنها أيضًا قولهم: قام الزيدون، فلحاق النون هنا ولا ألف قبلها يفسد أن تكون دخلت فرقًا بين رفع الاثنين ونصب الواحد. فإن قال: أنها في الجمع أيضًا إنما دخلت فرقًا بين رفع الجمع ورفع الواحد في لغة من قال١: هذا زيدو، ومررت بزيدى، كما يقول الجميع في الوقف على المنصوب المنون: رأيت زيدا. عاد الكلام إلى ما كنا قدمناه من ضعف حمل الشيء على غيره مع وجود العلة القائمة فيه. ومنه أنه إن جاز للفراء أن يذهب إلى أن نون التثنية إنما لحقت فرقا بين رفع الاثنين ونصب الواحد، وأن يحتج في دخولها مع اللام في نحو قولك: الرجلان والغلامان، بأن من العرب من يقول: رأيت الرجلا والغلاما، جاز لآخر أن يفسد عليه دخولها في ما لا لام فيه ولا هو مضاف نحو: عندي رجلان وغلامان، بأن يقول: هذا فاسد من قول الفراء، لأن من العرب من يقف على المنصوب المنون بلا ألف، فيقول: ضربت زيدْ، وكلمت محمدْ، كما يقف على المرفوع بلا واو، وعلى المجرور بلا ياء، فيقول: هذا جعفرْ، ومررت بجعفرْ، وحدثنا أبو علي أن أبا عبيدة حكى عنهم٢: ضربت فَرَجْ. وأنشد للأعشى٣: إلى المرء قيسٍ أطيل السُّرَى ... وآخُذ من كل حيٍّ عُصُمْ٤ ولم يقل عُصُما

стр. 440

وأخبرنا بعض أصحابنا يرفعه إلى قطرب١ أنه أنشد: شئز جنبي كأني مهدأٌ ... جعل القينُ على الدَّفِّ إبَرْ٢ ولم يقل إبرَا. وقال الآخر٣: أعددتُ للوِرْدِ إذا الوِرْدُ حفز ... غَرْبًا جَرُورًا وجُلالا خُزَخِز٤ ولم يقل خُزَخِزا. وأخبرنا بعض أصحابنا عن قطرب أنه أنشد لعدي بن زيد٥: أتعرف أمس من لميسَ طَلَلْ ... مثل الكتاب الدارس الأحوَلْ٦ قد كنتَ بحرًا كالفراتِ تميرُ ... الناسُ منه درمكًا وحُلَلْ٧ ولم يقل طلالا، ولا حلالا.

стр. 441

وأنشدنا له أيضًا: هل ترى من ظُعُن باكرة ... يتطلعْنَ من النجد أُسُرْ١ ولم يقل أُسُرا. هكذا روينا عنه. قال: وسمعنا بعض العرب الفصحاء من بني حنظلة٢ ينشد: لما رأَتْ في ظهري انحناءْ ... والمشيَ بعد قَعَسٍ إحناءْ أَجْلَتْ وكان حبُّها إجلاءْ ... وجعلَتْ نصفَ غَبُوقي ماءْ ثم تقولُ من بعيدٍ هاءْ ... دحرجةً إن شئتَ أو إلقاءْ٣ قال: فوقف على هذا كله بغير ألف. فإن جاز للفراء أن يحتج في دخول النون في الرجلان بقول من قال: رأيت الرجلا، جاز أيضًا لآخر أن يفسد أصل مذهبه في النكرة في قولهم عندي رجلان، بأن من العرب من يقف على المنصوب المنون بغير ألف، فيقول: رأيت محمدْ، وكلمت جعفرْ، وبهذه الأبيات التي أنشدناها وغيرها. بل يقول: أنا أولى بالقول من الفراء لكثرة ما جاء عنهم من ضربتُ رجلْ، وقلة ما جاء عنهم من ضربتُ الرجلا.

стр. 442

فان احتج محتج بقول الشاعر١: أقلي اللوم عاذلَ والعتابا ... ............ ............. و٢: يا دار عمرة من محتلها الجرَعا ... ............ ............. و٣: ............ ............. ... سُقِيتِ الغيثَ أيتها الخيامو٤ وقوله أيضا٥: أتنسى أن تودعنا سُلَيْمَى ... بفرع بشامة سقي البشامو٦ فإنما ألحقت هذه المدات في الوقف لتصحيح الوزن. ومن أجرى الشعر مجرى الكلام قال في الوقف على القوافي بوقفه في الكلام، قال: أقلي اللوم عاذلَ والعتابْ ... .............. ...............٧

стр. 443

و: .............. .............. ... سُقِيتِ الغيثَ أيتها الخيامْ١ و: يا دار عمرة من محلتها الجرعْ ... ............... ............... وجميع من يحذف هذه المدات إذا أجرى القافية مجرى سائر الكلام لم يقف إذا صار إلى مثل قوله٣: قد رابني حفصٌ فحرِّكْ حفصا٤ إلا بالألف بعد الصاد، فقد علمت أن من قال: العتابا، والجرعا٥، والخيامو، إنما يلحق الألف والواو لضرورة الشعر وإقامة وزنه. وأن من قال: ضربت زيدْ، وكلمت محمدْ، فوقف بغير ألف، فليس حذفه الألف لضرورة الشعر، ألا ترى إلى إجماع الجماعة على إثبات الألف في نحو: قد رابني حفصٌ فحرِّكْ حفصا٦ يقول هذا من يقول العتابا، ومن يقول العتابْ، ومن يقول الخيامو، ومن يقول الخيامْ، ومن يقول ومنزلي، ومن يقول ومنزلْ، ولم نسمعهم يقولون: فحرك حفصْ، كما قال: العتابْ، والخيامْ، ومنزلْ. فإن قيل: فما تنكر أن يكونوا أيضًا لم يقولوا: فحرك حفصْ، لئلا ينقص وزن الشعر؟

стр. 444

فذلك فاسد من قبل أنهم قد قالوا: أقلي اللوم عاذلَ والعتابْ ... ........ و: ........ ... سُقِيتِ الغيثَ أيتها الخيامْ فوقفوا قبل تمام الوزن، ألا ترى أن هذين من الوافر، وأن تقطيعهما: أقل لل لو معاذل ول عتابْ ... مفاعلين مفاعلتن فعولْ وكذلك قول الآخر: سقي تل غي ثأي يتهل خيامْ ... مفاعلين مفاعلتن فعولْ فوقوفهم على لام فعولُنْ دون نونها يدل على أن الوزن لم يتكامل، فلو كان حذف الألف من قول من قال: كلمت جعفرْ، لضرورة الشعر لجاز أن يسمع عنهم: قد رابني حفصٌ فحرك حفصْ فقد علمت بهذا أن ترك الألف في قولك: ضربتُ محمدْ إنما هو لغة، وليس لضرورة، فلهذا كان الاحتجاج به على الفراء أقوى من احتجاجه بقول من يقول: ضربت الرجلا، إذ ذلك إنما جاء في ضرورة الشعر، وليس بلغة مستقرة كقول من قال: ضربت فرجْ، فإذا جاز له أن يحتج في دخول النون للتثنية بما جاء في الضرورة من قولهم ضربت الرجلا، جاز أن يحتج غيره في سقوطها بلغة من قال: ضربت فرج، وأشد ما في هذا أن يكون: ضربت الرجلا، في الكثرة كضربت محمدْ، فقد حصلت رواية برواية، ولغة بلغة، وصح في ما بعد مذهب سيبويه١ في أن النون دخلت عوضًا مما منع الاسم من الحركة والتنوين، ولم يعترض عليه ما اعترض على قول الفراء من كثرة التشعب والإلزامات والإفسادات والمعارضات.

стр. 445

وأما قولهم: لا رجلين عندي، ولا امرأتين فيها، فإن أبا علي ذهب إلى أن النون إنما ثبتت ههنا وإن كان الاسم مبنيًّا عنده، وهو مذهب سيبويه١، من قبل أن النون زيادة لحقت حرف الإعراب كما تلحق الألف الواحد في الشعر نحو: لا رجلا، وكما لحقت النون في نحو: ضربت اللذين في الدار، وإن لم يكن الواحد معربا ولا منونا، وهذا يدفع ما ذهب إليه أبو العباس٢ وغيره من أن المبني مع لا إذا ثُنِّي أخرجته التثنية من البناء، فاعرفه. وأما ما ذهب إليه البغداديون٣ من أنه يجوز حذف نون التثنية، وإنشادهم في ذلك: قد سالَمَ الحياتِ منه القَدَما ... الأفعوانَ والشجاعَ الشجْعَما٤ قالوا: أراد: القدمانِ، فحذف النون، ونصبوا الحيات، وجعلوا الأفعوان وما بعده بدلا منها. فهذه رواية لا يعرفها أصحابنا، والصحيح عندنا هو ما رواه سيبويه: قد سالم الحياتُ منه القدَما ... .............. برفع الحيات ونصب القدم، نصب الأفعوان وما بعده بفعل مضمر دل عليه سالَمَ؛ لأنه قد علم أنها مُسالَمة كما أنها مُسالِمة، فكأنه قال في ما بعد: وسالمت القدمُ الأفعوانَ والشجاعَ الشجعما، كما قال أوس بن حجر، وهو من أبيات الكتاب أيضا٥:

стр. 446

تواهِقُ رِجْلاها يداها ورأسُه ... لها قَتَبٌ خلف الحقيبة رادفُ١ فرفع يداها بفعل مضمر، فكأنه قال: تواهق رجلاها يديها، وتواهق يداها رجليها ثم حذف المفعولين في الموضعين، لأنه قد علم أن المواهقة لا تكون من واحد، وهذا كثير جدا. وأما قول امرئ القيس٢: لها متنتان خظاتا كما ... أكب على ساعديه النمر٣ فإن الكسائي قال٤: أراد خظتا، فلما حرك التاء رد الألف التي هي بدل من لام الفعل، لأنها إنما كانت حذفت لسكونها وسكون التاء، فلما حرك التاء ردها، فقال: خظاتا. ويلزمه على هذا أن يقول في قضتا وغزتا: قضاتا وغزاتا، إلا أن له أن يقول: إن الشاعر لما اضطر أجرى الحركة العارضة مجرى الحركة اللازمة في نحو: قولا، وبيعا، وخافا. وذهب الفراء إلى أنه أراد خظاتان٥، فحذف النون. كما قال أبو داود الإيادي٦:

стр. 447

ومتنان خظتان ... كزحلوف من الهضب١ وأنشد الفراء أيضًا: يا حبذا عينا سليمى والفما٢ قال: أراد: والفمان، فحذف، يعني الفم والأنف، فثناهما بلفظ الفم للتجاور الذي بينهما. وأجاز الفراء أيضًا أن تنصبه على أنه مفعول معه، كأنه قال: مع الفم. ومذهب الكسائي في خظاتا أقيس عندي من قول الفراء، لأن حذف نون التثنية شيء غير معروف. فأما "الفما" فيجوز أن تنصبه بفعل مضمر، كأنه قال: وأحب الفما. ويجوز أن يكون "الفما" في موضع رفع إلا أنه اسم مقصور بمنزلة عصا، وعليه جاء بيت الفرزدق٣: هما نفثا في فِيَّ من فَمَوَيْهِما ... ............٤ فاعرفه. ومما يؤكد عندك مذهب الكسائي في أنه أراد خظتا، فلما حرك التاء -وإن كانت الحركة عارضة غير لازمة- رد الألف التي هي بدل من الواو التي هي لام الفعل،

стр. 448

قولهم: لَحْمَر، في الأحمر، ولَبْيَضُ، في الأبيض، ألا ترى أنهم اعتدوا بحركة الهمزة المحذوفة لما ألقوها على لام المعرفة، فأجروا ما ليس بلازم مجرى اللازم. ونحو من ذلك قوله: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ [الكهف: ٣٨] ١ وأصلها: لكن أنا، فلما حذفت الهمزة للتخفيف، وألقيت فتحتها على نون لكن، صار التقدير: لكنَنَا، فلما اجتمع حرفان مثلان متحركان كره ذلك كما كره شَدَدَ وحَلَلَ، فأسكنوا النون الأولى، وأدغموها في الثانية، فصارت لكنَّا، كما أسكنوا الحرف الأول من شَدَدَ وحَلَلَ، وأدغموه في الثاني، فقالوا شَدَّ وحَلَّ، أفلا ترى أنهم أجروا المنفصل، وهو "لكن أنا" مجرى المتصل في نحو شَدَّ وحَلَّ، ولم يقرأ أحد "لكنَنَا" مظهرا، فهل ذلك إلا لاعتدادهم بالحركة وإن كانت غير لازمة. وعلى هذا أيضًا قوله تعالى ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيل﴾ [البقرة: ٢١٤] ٢ و ﴿سَلْهُم أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠] ٣ ونحو ذلك، وأصله اسأل، فلما خففت الهمزة، فحذفت، وألقيت فتحتها على السين قبلها، اعتد بها، فحذفت همزة الوصل قبلها لتحرك الحرف بعدها. ونظائر هذا كثيرة. ومنها قولهم في تخفيف رُؤْيا: رُيّا٤، وأصلها رُويا، إلا أنهم أجروا الواو في رُويا وإن كانت بدلا من الهمزة مجرى الواو اللازمة، فأبدلوها ياء، وأدغموها في الياء بعدها، فقالوا رُيّا، كما قالوا: طويت طَيًّا، وشويت شَيًّا، وأصلها طُويًا، وشُويًا، ثم أبدلوا الواو ياء، وأدغموها في الياء، فصارت طيًّا وشيًّا. فعلى هذا قالوا رُيّا. ومن اعتد بالهمزة المنوية، وراعى حكمها -وهو الأكثر والأقيس- لم يدغم، فقال: رُويا. ومنه نُوي في تخفيف نُؤي. وغرضنا في هذا إنما هو رُيّا. فهذا كله وغيره مما يطول ذكره يشهد بإجرائهم غير اللازم مجرى اللازم.

стр. 449

ويقوي مذهب الكسائي فى أن خظاتا معناه خظتا، وأنه أجرى الحركة العارضة مجرى الحركة اللازمة على ما قدمنا ذكره. إلا أن للفراء أن يحتج لقوله ببيت أبي داود: ومَتْنانِ خَظاتَانِ ... كزُحْلُوفٍ من الهَضْبِ١ فهذا يقوي أن خظاتا تقديره خظاتان. وأنشدوا بيتًا آخر، وهو قوله٢: لنا أَعْنزٌ لُبْنٌ ثلاثٌ فبعضُها ... لأولادها ثِنْتا، وما بيننا عَنْزُ٣ يريد: ثنتانِ، فحذف النون. فأما من ذهب إلى أن النون في التثنية عوض من التنوين وحده، وأنها إنما تثبت مع لام المعرفة لأنها بحركتها أقوى من التنوين، فيفسد قوله عندي لأنه لم يعوض من الحركة شيئًا. وقد دلت الدلالة الصحيحة عندنا على أن ألف التثنية ليس فيها تقدير حركة في معناها، كما أنها ليست موجودة في لفظها، وإذا كان ذلك كذلك، وكان الاسم المثنى معربًا كما كان الواحد معربًا، فقد يجب أن يعوض من حركة إعرابه، فلهذا قلنا: إن النون في التثنية عوض مما منع الاسم من الحركة والتنوين جميعًا، وهذه النون مخففة أبدًا نحو رجلان وامرأتان، فأما قولهم هذان و ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ﴾ [القصص: ٣٢] ٤ واللذان، فإنما ثقلت في هذه المواضع لأنهم عوضوا بثقليها من حرف محذوف، أما في هذان فهي عوض من ألف ذا، وكذلك هي في اللذان عوض من ياء الذي، وهي في ذانك عوض من لام ذلك، وقد يحتمل أيضًا أن تكون عوضًا من ألف ذلك.

стр. 450

وحركة نون التثنية كسرة، وحركة نون الجمع الذي على حد التثنية فتحة، نحو الزيدانِ والزيدونَ، وكلتاهما محركة لالتقاء الساكنين، وخالفوا الحركة للفرق بين التثنية والجمع، وكانت نون التثنية أولى بالكسر من نون الجمع لأن قبلها ألفا، وهى خفيفة، والكسرة ثقيلة، فاعتدلا، وقبل نون الجمع واو أو ياء، وهي ثقيلة، ففتحوا النون ليعتدل الأمر. فإن قلت: فقد تقول: مررت بالزيدينِ، وضربت الزيدينِ، فتكسر النون وقبلها ياء، فهلا هربت إلى الفتحة لمكان الياء كما هربت إلى الفتحة لمكان الياء في نحو أين وكيف؟ فالجواب: أن الياء في نحو الزيدينِ والعمرينِ ليست بلازمة كلزومها في أينَ وكيفَ، ألا تراك تقول في الرفع الذي هو الأصل -وإنما الجر والنصب فرعان عليه:- رجلانِ وامرأتانِ، فلا تلزم الياء النون كما تلزم الياء النون والفاء في أين وكيف، فلما كانت الياء غير لازمة في التثنية، وكان الرفع الذي هو الأصل لا تجد فيه ياء، أجروا الباب على حكم الألف التي هي أصل، وإنما الياء بدل منها، ولو أنهم فتحوا النون في الجر والنصب، وكسروها في الرفع لاختلفت حال نون التثنية، على أن من العرب من يفتحها في حال الجر والنصب تشبيها بأين وكيف، ويجرى الياء وإن كانت غير لازمة مجرى الياء اللازمة، فيقول: مررت بالزيدينَ، وضربت العمرينَ. وأنشدوا في ذلك١: عَلى أَحْوذِيَّيْنَ استَقَلَّتْ عليهما ... فَما هيَ إِلا لمحةٌ فَتَغِيبُ٢ وفتحها بعضهم في موضع الرفع، قرأت على أبي علي في نوادر أبي زيد٣:

стр. 451

أعرف منها الأنف والعَيْنانا ... ومَنْخَرَيْنِ أشبها ظبيانا١ وروينا عن قطرب لامرأة من فَقْعَس٢: يارُبَّ خالٍ لك من عُرَيْنَهْ ... حجَّ على قُلَيِّصٍ جُوَيْنَهْ فَسْوَتُهُ لا تنقضي شَهْرَيْنَهْ ... شَهْرَيْ رَبِيعِ وَجُمادَيَيْنَهْ٣ وقد حكي أن منهم من ضم النون في نحو الزيدان والعمران، وهذان من الشذوذ بحيث لا يقاس غيرهما عليهما. فهذه حال نون التثنية والجمع الذي على حد التثنية، ولم يتقصَّ أحد من أصحابنا القول عليها هذا التقصي، ولا علمته أشبعه هذا الإشباع. واعلم أن النون قد زيدت علامة للصرف، وهي المسماة تنوينًا، وذلك نحو قولك هذا رجلٌ وغلامٌ، ورأت رجلا وغلامًا، ومررت برجلٍ وغلامٍ. وهذا التنوين هو نون في الحقيقة، يكون ساكنًا ومتحركًا، فالساكن نحو زَيْدُنْ، زَيْدَنْ، زَيْدِنْ، فهذه حاله أبدًا يكون ساكنًا فيها لأنه حرف جاء لمعنى في آخر الكلمة نحو نون التثنية، والجمع الذي على حد التثنية، وألف الندبة، وهاء تبيين الحركة، ولم تقع أولا فيلزم أن تحرك نحو واو العطف وفائه وهمزة الاستفهام ولام الابتداء وغير ذلك. ولا يحرك التنوين إلا في موضعين: أحدهما: أن يحرك لالتقاء الساكنين، نحو: هذا زيدُنِ العاقل، ورأيتُ محمدَنِ الكريم، ونظرتُ إلى جعفرنِ الظريف. وكذلك قولهم في الإنكار: أَزَيْدَنِيهْ، كسروا التنوين لسكونه وسكون حرف المد بعده.

стр. 452

قال سيبويه: "وسمعنا من يوثق به يقول: هذا سَيْفُنِي، يريد هذا سيفٌ، ولكنه تذكر بعده كلاما، فكسر التنوين كما تكسر دال قد"١ في قوله٢: ............ ... وكأن قَدِ فجرى مجرى التقاء الساكنين. والآخر: أن تلقى عليه حركة الهمزة المحذوفة للتخفيف، وذلك نحو قولك: هذا زَيْدُنَ بُوكَ، ورأيت زَيْدَنَ بَاكَ، ومررت بزَيْدِنَ بِيكَ. وعلى هذا قراءة نافع٣ "بِقَبَسِنَ وَجِدَ" [طه: ١٠] ٤ و"إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَتُنَ كَادُ أُخْفِيهَا" [طه: ١٥] و"مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ايَتَنُ خْرَى" [طه: ٢٢] وما أشبه ذلك، فالتنوين حرف -كما ترى- يتحمل الحركة كما تتحملها الجيم والقاف والصاد وغيرهن من الحروف، ويكون ساكنًا ومتحركًا كسائر الحروف غير المدة المنفتحة في نحو قام وحمار وكتاب، وإنما لم يثبت في الخط لأنه ليس مبنيًّا في الكلمة، وإنما جاء لمعنى في بعض الأسماء، وهي المفردة المنصرفة، وتبع أيضًا الحركات اللاحقة بعد تمام الحرف نحو رجلٍ وامراةٍ وإيهٍ وصهٍ وغاقٍ٥، فلما تبع الحركة اللاحقة للكلمة، ولم يكن مبنيًّا معها، ولم يلحق سائر الكلم ضعف في المرتبة، فحذف في الخط لئلا يشبه النون الأصلية، نحو قَطَنٍ٦، ورَسَنٍ٧، أو الملحقة الجارية مجرى الأصلية،

стр. 453

نحو رَعْشَنٍ١، وضَيْفَنٍ٢، وخَلْبَنٍ٣، وعَلْجَنٍ٤، وفَرْسَنٍ٥، وكذلك أيضًا حذف من اللفظ في الوقف، فقالوا: هذا صالحْ، ومررت بجعفرْ، ولم يقفوا عليه لما ذكرناه من كراهيتهم شبهه بحرف الإعراب. فإن قلت: إن الهاء التي تبين بها الحركة زائدة أيضًا ولاحقة في الوقف، ومع ذلك فقد أثبتوها في اللفظ والخط، فقالوا: ارْمِهْ، واغزُهُ، وهُنَّهْ، وضربتُكَنَّهْ، وقال٦: ويقلن شيْبٌ قد علاكَ ... وقد كبِرتَ، فقلتُ: إنَّهْ٧ في أحد القولين٨، فلم أثبتت الهاء وحذف التنوين؟ فالجواب: أن بين الحرفين فرقًا، وذلك أن هذه الهاء إنما هي أحد لواحق الوقف، والخط إنما وضع على الوقف دون الوصل، ولذلك أثبتت فيه همزات الوصل، فقالوا: ألا اضربْ زيدًا، ويا محمد اقتضِ بكرًا، فكأنهم قالوا: "ألا" ثم قالوا مبتدئين: اضرب زيدًا، وكأنهم قالوا: يا محمد، ثم استأنفوا، فقالوا: اقتضِ بكرًا، فلما كان موضوع الخط إنما هو على الوقف، وكانت هذه الهاء إنما هي من أغراض الوقف ثبتت في الخط، وليس التنوين كذلك، إنما هو لاحق في الوصل علامة للخفة والتمكن وفصلا بين المتحركات في الإدراج، فلما صرت إلى الوقف، وزال الإدراج استغني عنه، فحذف لذلك، ولما كنا قدمناه أيضًا من ضعفه ومخافة شبهه بحرف الإعراب.

стр. 454

فأما إنشاد بعض العرب١: ............ ... سُقِيتِ الغيثَ أيتها الخيامُنْ٢ و: أقلِّي اللَّومَ عاذلَ والعتابَنْ ... ............٣ و: يا أبَتا عَلَّكَ أو عَساكَنْ٤ و٥: دايَنتُ أرْوَى والديونُ تُقضَنْ٦ و٧: وقاتِمِ الأعماقِ خاوي المُخْتَرَقِنْ٨ فإن لهذا التنوين حكمًا غير حكمِ ما لحق علامة للخفة والتمكن، ألا تراه قد لحق الفعل في نحو تقضن، والضمير في نحو عساكن، ومع لام المعرفة في: الخيامن، والعتابن، والمخترقن. وسنذكر حال التنوين في انقسامه، ووجوه مواقعه في كلام العرب مستقصًى بإذن الله.

стр. 455

اعلم أن التنوين يقع في كلام العرب على خمسة أضرب: أحدها: أن يكون فرقا بين ما ينصرف وما لا ينصرف، وذلك نحو عثمانَ معرفة وعثمانٍ نكرة، وأحمدَ معرفة وأحمدٍ نكرة؛ ألا ترى أنك إذا قلت لقيت أحمدًا فإنما كلفت المخاطب أن يرمي بفكره إلى واحدٍ ممن اسمُهُ أحمد، ولم تكلفه علم شخص معين، وإذا قلت: لقيت أحمدَ فإنما تريد أن تعرفه أنك لقيت الرجل الذي اسمه أحمد، وبينك وبينه عهد متقدم فيه، فالتنوين هو الذي فرق بين هذين المعنيين. والثاني: أن يكون التنوين دليلا على التنكير، ولا يوجد هذا القسم في معرفة البتة، ولا يكون إلا تابعًا لحركات الإعراب، وذلك نحو قولك: إيهٍ، وغاقٍ، وصهٍ، ومهٍ، وإيهًا١، وواهًا٢، وحيهلا٣، فإذا نونت فكأنك قلت في إيهٍ: استزادة، وإذا قلت إيهِ فكأنك قلت: الاستزادة، فصار التنوين علم التنكير وتركه علم التعريف، قال ذو الرمة٤: وقفنا فقلنا إيهِ أمّ سالمٍ ... وما بال تكليم الديار البلاقع٥ فكأنه قال الاستزادة. وأما من أنكر٦ هذا البيت على ذي الرمة فإنما خفي عليه هذا الموضع. وكذلك إذا قلت في حكاية صوت الغراب: غاقٍ غاقٍ، فكأنك قلت: بعدًا بعدًا فراقًا فراقًا، فإذا قلت: غاقِ، فكأنك قلت: البعدَ. وكذلك صَهٍ تقديره سكوتًا، وصَهْ تقديره السكوت. ومَهٍ معناه كفًّا، ومَهْ معناه الكف، إلا أن صَهْ ومَهْ فى المعرفة ساكنا

стр. 456

الأواخر، لأن الصاد والميم قبلها متحركتان، فلم يلتق ساكنان كما التقيا في إيه وغاق، الياء والهاء، والألف والقاف، فتحركت الهاء في إيه، والقاف في غاق لسكونها وسكون ما قبلها، فلما صرت إلى التنكير أتيت بالتنوين دلالة عليه. فأما صَهٍ ومَهٍ فإنما كسرت أواخرهما مع التنوين في النكرة وقد كان آخرهما ساكنًا في المعرفة من قبل أن التنوين لما جاء دليلا على التنكير وهو ساكن، والهاء قبله ساكنه، كسرت الهاء لسكونها وسكون التنوين بعدها، فقالوا صَهٍ ومَهٍ. وكذلك جميع ما هذه حاله من المبنيات، إذا اعتقد في ما دلت عليه التنكير نونت، وإذا اعتقد فيه التعريف حذف منها التنوين. ومن ذلك قولهم أيضًا في المعرفة: سيبويهِ، وعمرويهِ، وحمدويهِ، هو مكسور الآخر في كل حال، قال١: ياعمرويهِ انطلقَ الرفاقُ ... وأنت لا تبكي ولا تشتاقُ٢ فإذا نكرت قلت: سيبويهٍ، وعمرويهٍ، وحمدويهٍ، وزيدويهٍ، إلا أن هذا التنوين لا يكون إلا بعد حركة البناء في النكرات خاصة، وليس كتنوين زيد وبكر الذي يكون بعد حركات الإعراب في المعرفة والنكرة جميعًا. والثالث: أن يكون التنوين في جماعة المؤنث معادلا للنون في جماعة المذكر، وذلك إذا سميت رجلا بمسلمات، أو قائمات قلت في المعرفة: هذا مسلماتٌ، ومررت بمسلماتٍ، وإنَّ مسلماتٍ عاقلٌ، فتثبت التنوين ههنا، كما أنك إذا سميت رجلا بمسلمون قلت: هذا مسلمون، ورأيت مسلمين، ومررت بمسلمين، والتنوين إنما يثبت في مسلمات اسمَ رجل معرفة كما تثبت النون في مسلمين اسم رجل، والتاء والضمة بمنزلة الواو في مسلمون، كما أن التاء والكسرة بمنزلة الياء في مسلمين، إلا أن التنوين في مسلمات اسمَ رجل معرفة ليس علامة للصرف بمنزلة تنوين زيدٍ وعمرٍو، ويدلك على صحة ذلك أنه قد اجتمع في مسلمات معرفة التأنيث والتعريف كما اجتمع في طلحة وحمزة التعريف والتأنيث، فإذا كان ذلك كذلك فالتنوين في مسلمات معرفة

стр. 457

ليس علامة للصرف بمنزلة تنوين رجُلٍ وفَرَسٍ، وإنما هو بمنزلة نون مسلمين، فكما أن تلك النون ليست علمًا للصرف، فكذلك تنوين مسلمات ليس علمًا للصرف. فإن قيل: فإن سيبويه قد قال: "إن عرفات منصرفة"١ وقد اجتمع فيها -كما علمت- التعريف والتأنيث، فما أنكرت أن يكون تنوين مسلمات علمًا للصرف على ما حكيناه من قول سيبويه؟ فالجواب: أن سيبويه إنما أراد بقوله: "إن عرفات مصروفة" أن فيها تنوينًا كما أن في رجل وفرس تنوينًا، ألا ترى أن في عرفات من التعريف والتأنيث ما يمنع الصرف. إلى هذا رأيت أبا علي يذهب، وبهذا الاستدلال استدل. واعلم أن من العرب من يشبه التاء في مسلمات معرفة بتاء التأنيث في طلحة وحمزة، ويشبه الألف التي قبلها بالفتحة التي قبل تاء التأنيث، فيمنعها حينئذ من الصرف، فيقول: هذه مسلماتُ مقبلةٌ، كما تقول: هذه سعدةُ مقبلة، وعلى هذا بيت امرئ القيس: تَنَوَّرْتُها من أذْرِعاتَ٢ وأهلُها ... بيثربَ أدنى دارها نظرٌ عالي٣ وقد أنشدوه: من أذْرِعاتٍ٤. قال الأعشى٥: تَخيَّرَها أخو عاناتَ شهرًا ... ورَجَّى بِرَّها عامًا فَعاما٦ وعلى هذا ما حكاه سيبويه من قولهم: "هذهِ قُرَيْشِياتُ"٧ غير مصروفة.

стр. 458

فإن سأل سائل، فقال: ما تقول في من قال: هذه أذرعاتُ ومسلماتُ، فشبه تاء الجماعة بتاء الواحد، فلم ينون للتعريف والتأنيث؟ وكيف يقول إذا نكَّر أينون أم لا؟ فالجواب: أن التنوين مع التنكير واجبٌ هنا لا محالة لزوال التضعيف، فأقصى أحوال أذرعات إذا نكرتها في من لم يصرف أن تكون كحمزة إذا نكرتها، فكما تقول: هذا حمزةُ ومعه حمزةٌ آخر، فتصرف النكرة لا غير، فكذلك تقول عندي مسلماتُ ونظرت إلى مسلماتٍ أخر، فتنون مسلماتٍ نكرة لا محالة. فإن قال قائل: أتقول في تنوين مسلماتٍ هذه النكرة إنه علامة للصرف كتنوين غلامٍ وجاريةٍ، أم تقول إنه نظير نون مسلمون، وليس علامة للصرف، كما أن نون مسلمون ليست علامة للصرف؟ فالجواب: أن تنوين مسلماتٍ إذا نكرتها في قول من يقول في تعريفها هذه مسلماتُ، فلا يصرف لشبه تاء الجماعة بهاء الواحد، تنوين علامة للصرف بمنزلة تنوين زيد وبكر، وليس كنون مسلمون، لأن مسلمات على هذا الوجه يجري مجرى حمزة، فكما أن تنوين حمزة في النكرة علم للصرف، فكذلك تنوين مسلماتٍ اسمًا لرجلٍ أو امرأةٍ علم للصرف. فإن قال قائل: ما تقول في قول من قال في اسم رجل: هذا مسلمينٌ، فلزم الياء قبل النون البتة، وجعل النون حرف الإعراب، فأجرى عليها الضمة والفتحة والكسرة، فقال: هذا مسلمينٌ، ورأيت ملسمينًا، ومررت بمسلمينٍ، كيف تقول على هذه اللغة في مسلمات إذا سمَّى به رجلا أو امرأة؟ فالجواب: أن قياس من قال هذا مسلمينٌ، فأعرب النون أن يقول في مسلماتٍ علمًا هذه مسلماتِنٌ، فيكسر التاء في كل حال كما لزم الياء في مسلمين في كل حال، ويجري على النون بعد التاء في مسلماتِنٍ حركات الإعراب كما أجراها على نون مسلمين، إلا أن هذا قياس مرفوض لما يؤدي إليه من الذهاب عن الأصول، وذلك أنك لو تكلفت ذلك، فقلت: هذا مسلماتِنٌ. فجعلت النون حرف الإعراب لصارت التاء التي هي علم التأنيث حشوًا في الكلمة.

стр. 459

ومحال أن يقع على التأنيث إلا آخرًا طرفًا، ولهذا قال أصحابنا١: إن من قال في الإضافة إلى دنيا: دنياوي، فإن الألف في دنياوي ليست الألف التي في دنيا، وذلك أنه لما آثر في الإضافة مد الكلمة زاد قبل الألف التي في دنيا ألفا أخرى، فالتقت ألفان، فوجب تحريك الآخرة، فانقلبت في التقدير همزة وإن لم يخرج ذلك إلى اللفظ، فصار التقدير دنياء، ثم نسب إليها، فقال دنياوي كما تقول في حمراء: حمراوي، وإنما زاد الألف قبل ألف دنيا، وجعل ألف دنيا آخرًا طرفًا منقلبة همزة لئلا يقع علم التأنيث حشوًا، فاعرف ذلك، فان له نظائر في كلام العرب. وإذا كان الأمر كذلك فقد وجب بما ذكرناه على من قال هذا مسلمينٌ، فجعل النون حرف الإعراب، ولزم الياء قبلها البتة أن يقول في المؤنث هذه مسلماتٌ، فيوافق الذين يقولون هذا مسلمون، لما ذكرناه من كراهيتهم مصير علم التأنيث حشوا في مُسلماتِنٌ لو تكلفه متكلف. فأما من قال: هيهاتَ هيهاتَ، ففتح، فحكمه أن يقف بالهاء لأنها بمنزلة علقاة وأرطاة٢، وهيهاتَ -على هذا- اسم واحد كما أن علقاة وأرطأة اسم واحد، فمن نون، فقال هيهاةٌ فإنه نوى النكرة على ما قدمناه في صَهٍ وإِيهٍ، فكأنه قال: بُعدًا بُعدًا، ومن لم ينون فإنه نوى المعرفة، فكأنه قال: البعدَ البعدَ. فأما إذا صرت إلى الجماعة فإن نظير قول من فتح الهاء في الواحد، فقال هيهاتَ، أن يقول في الجماعة هيهاتِ، فيكسر التاء في الجماعة بغير تنوين، كما فتح الهاء في الواحد بغير تنوين، ومن كان يقول في الواحد هيهاةٌ فينون، ويعتقد التنكير، فنظيره في الجماعة أن يقول هيهاتٍ، فيكسر التاء وينون إرادة للتنكير، كما أنه لما أراد التعريف لم ينون، فقال هيهاتِ، وذلك أن بإزاء فتح تاء الواحد كسر تاء الجماعة، والتنوين على هذا في هيهات هو علم التنكير بمنزلة تنوين صهٍ ومهٍ وإيهٍ، وتكون هيهاةٌ وهيهاتٍ عنده معربة منصوبة على الظرف فإن التنوين في هيهاتٍ عنده بمنزلة تنوين مسلماتٍ لا فرق بينهما، فيجوز في هيهاتٍ على هذا أن تكون نكرة.

стр. 460

وقد أجاز أبو العباس١ فيها أيضًا أن تكون مع التنوين معرفة بمنزلة مسلمات معرفة، أخبرنا بذلك أبو علي في مسائله٢ المصلحة من كتاب أبي إسحاق ﵀. والرابع من وجوه التنوين، وهو أن يلحق أواخر القوافي معاقبا بما فيه من الغنة لحروف اللين، وهو في ذلك على ضربين: أحدهما: أن يلحق متممًا للبناء ومكملا له. والآخر: أن يلحق زيادة بعد استيفاء البيت جميع أجزائه نيفًا من آخره بمنزلة الزيادة المسماة خزمًا من أوله. الأول من هذين نحو قول امرئ القيس في إنشاد كثير من بني تميم٣ وقيس: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزلِنٍ ... ..............٤ ونحو قول الآخر٥: ............... ... لم يعلم لنا الناسُ مَصْرَعَنْ٦ وقد ألحقوه أيضًا مع لام المعرفة، قال جرير: .............. ... سُقِيتِ الغيثَ أيتُها الخيامُنْ٧
следующие страницы →