← Язык

Язык · id 12017

سر صناعة الإعراب

ابن جني

Полный текст (761 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وقال الآخر: للولا قاسم ويدًا بسيل ... لقد جرت عليك يد غشوم١ وأما قولنا: "إن زيدًا لفي الدار"، و"أن زيدًا لبك واثق"؛ فاللام داخلة فيه على خبر "إن" لا على الحرف. وكذلك ما أشبهه، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ٤٩] ٢، ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥] ٣؛ إنما اللام داخلة فيه على الفعل لا على الحرف. الثاني منهما: قولنا في حروف المعجم "هَـ ولا يَ" ولا يقال هنا: لام ألف كما يقول المعلمون؛ إنما يقال: "لا ي" ووجه ذلك أن ألف "لا" إنما هي المدة الساكنة في نحو قام، وحمار، وكتاب، ولا يمكن الابتداء بهذه الألف؛ لأنها لا تكون إلا مدة ساكنة، وأرادوا النطق بها كما أرادوا النطق بسائر حروف المعجم غيرها؛ فدعمها واضع الهجاء بحرف يقع الابتداء به، وهو اللام، توصلًا إلى النطق بها ساكنة بحالها، فقال: "لا". فإن قال قائل: ما أنكرت أن يكون؛ إنما أراد واضع الحروف أن يرينا كيف تتركب اللام والألف، فشكل هذا الشكل الذي هو "لا" دون ما ذهبت إليه من أنه أدخل اللام لسكون الألف؟ فالجواب: أنه لو كان غرض واضع حروف المعجم أن يرينا في هذا الموضع كيف تتركب اللام والألف؛ لأرانا أيضًا كيف تتركب الجيم والطاء، وكيف تتركب السين والباء، وكيف تتركب القاف والدال، ومعلوم أنه ليس ذلك غرضه،

стр. 387

وإنما غرضه تصوير هذه الحروف منفردة غير مركبة، وأن ينطق لها ليذاق جرسها، وأول كل حرف من اسم كل واحد من هذه الحروف الحرف المقصود. ألا ترى أن أول قولنا "قاف"، وأول قولنا "طاء" طاء، وأول قولنا "جيم" جيم؛ فلما كانت الألف التي هي مدة ساكنة لا يمكن الابتداء بها، وتذاق الألف ساكنة على جنسها، فقالوا: "و، لا، ي" فقولنا "لا" كقولنا "ما" و"ها" في التنبيه، و"يا" في النداء، و"وا" في الندابة. فإن قال قائل: فإذا كان الأمر كذلك؛ فلم خصت اللام بالابتداء في هذا الموضع دون غيرها من سائر الحروف؟ فالجواب: أن واضع حروف المعجم أجرى هنا على مذهب اللفظ، وقفًا في ذلك سنة العرب، وذلك أنه رأى العرب لما أرادت النطق بلام المعرفة وهي ساكنة مبتدأة؛ توصلت إلى ذلك بأن ألحقتها الألف المتحركة ليقع الابتداء بها، وذلك قولهم: الغلام، والجارية، فكما أدخلوا الألف المتحركة في هذا ونحوه ليقع الابتداء بها، كذلك أدخل واضع الحروف اللام المتحركة على الألف الساكنة لما لم يكن الابتداء بها، فقال "لا" فهذا هنا كذلك ثمة. فإن قال قائل: فإن أصل حركة الحرف المدخل للابتداء به؛ إنما هو الكسر، نحو: اذهب، انطلق، امش، استخرج، اقتطع. ولا تضم هذه الهمزة إلا إذا كان ثالثها مضمومًا، نحو: اقتل، انقطع بزيد. فهلا إذا كان الأمر كذلك أدخلت اللام على الألف مكسورة كما كسرت الهمزة في الأمر الشائع المطرد على ماذكرناه آنفًا؟ فالجواب عن ذلك من وجهين: أحدهما أن اللام في قولنا "لا"؛ إنما هي مشبهة بالهمزة اللاحقة للام المعرفة، نحو الغلام والجارية، وتلك الهمزة أبدًا مفتوحة، فكذلك فتحت لام "لا". والوجه الآخر: أنهم لو جاءوا باللام مكسورة كالعادة فيما أدخل للابتداء به في غالب الأمر؛ لوجب قلب الألف ياء لانكسار اللام قبلها؛ فكان يلزم أن يقال "لي" فيصار إلى لفظ الياء، وليس إلى هذا قصد الواضع للحروف.

стр. 388

وكذلك لو ضم اللام؛ لوجب أن تنقلب الألف واوًا لانضمام اللام قبلها، فيقال "لو" وهذا في الامتناع كالذي قبله، فمن هنا وجب أيضًا أن تكون لام "لا" مفتوحة لتصبح الألف المقصودة بعدها إذ كانت الألف لا يكون ما قبلها أبدًا إلا مفتوحًا. قد أتينا بحمد الله ومنه على ما في اللام من الأحكام بأبلغ ما يمكن. والله تعالى الموفق للصواب.

стр. 389

باب الميم: اعلم أن الميم حرف مجهور يكون أصلًا، وبدلًا، وزائدًا. فإذا كانت أصلًا؛ وقعت فاءً وعينًا ولامًا؛ فالفاء نحو: مسد١، ومرس٢، والعين نحو: سمر٣، وعمر٤، واللام نحو: قلم، وعلم. وأما البدل فقد أبدلت الميم من أربعة أحرف، وهي: الواو، والنون، واللام، والباء. أما إبدالها من الواو فقولهم "فم"، وأصلة "فوه" بوزن "سوط"، فحذفت الهاء تخفيفًا كما حذفت من "سنة" في من قال٥: ليست بسنهاء........ ....... ... ......... ......... .......٦ وعملت معه مسانهة٧؛ ومن شاة، ومن عضة في من قال: بعير عاضة٨، ومن است؛ فصار التقدير "فو"؛ فلما بقي الاسم على حرفين الثاني منهما حرف لين

стр. 390

كرهوا حذفه للتنوين؛ فيجحفوا به؛ فأبدلوا من الواو ميمًا لقرب الميم من الواو؛ لأنهما شفهيتان، وفى الميم هوي في الفم يضارع امتداد الواو. ويدل على أن "فمًا" مفتوح الفاء وجودك إياها مفتوحة في اللفظ؛ هذا هو المشهور في هذه اللفظة؛ فأما ما حكاه فيها أبو زيد وغيره من كسر الفاء وضمها فبضرب من التغيير لحق الكلمة لإعلالها بحذف لامها وإبدال عينها. وأما قول الراجز١: يا ليتها قد خرجت من فمه ... حتى يعود الملك فى أصطمه٢ يروى بضم الفاء من فمه وفتحها؛ فالقول في تشديد الميم عندي أنه ليس ذلك في هذه الكلمة؛ ألا ترى أنك لا تجد لهذه المشددة الميم تصرفًا؛ وإنما التصرف كله على "ف وه"؛ ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧] ٣. وقال الشاعر٤: فلا لغو ولا تأثيم فيها ... وما فاهوا به أبدًا مقيم٥

стр. 391

وقالوا: رجل مفوه إذا أجاد القول؛ لأنه يخرج من فيه. ومنه الأفوه الأودي١. وقالوا: ما تفوهت به، وهو تفعلت منه، كما قالوا: تلغمت بكذا وكذا، أي: حركت به ملاغمي، وهي ما حول الشفتين. وقالوا في جمع أفوه -وهو الكبير الفم- فوه. قرأت على أبي علي للشنفرى٢: مهرته فوه كأن شدوقها ... شقوق العصي كالحات وبسل٣ ولم نسمعهم قالوا "أفمام"، ولا "تفممت"، ولا "رجل أفم"، كما قالوا: أصم، ولا شيئًا من هذا النحو مما لم نذكره؛ فدل اجتماعهم على تصريف الكلمة بالفاء والواو والهاء على أن التشديد في "فم" لا أصل له في نفس المثال؛ وإنما هو عارض لحق الكلمة.

стр. 392

فإن قال قائل: فإذا ثبت بما ذكرته أن التشديد في "فم" عارض ليس من أصل الكلمة؛ فمن أين أتاها هذا التشديد؟ وكيف وجه دخوله إياها؟ فالجواب: أن أصل ذلك أنهم ثقلوا الميم في الوقف؛ فقالوا: هذا فم، كما يقولون: هذا خالد، وهو يجعل، ثم إنهم أجروا الوصل مجرى الوقف، فقالوا: هذا فم، ورأيت فمًا، كما أجروا الوصل مجرى الوقف في ما حكاه سيبويه عنهم من قولهم ثلاثة أربعة، وكما أنشده من قول الراجز١: ضخمًا يحب الخلق الأضخما٢ وكما أنشدناه أبو علي: ببازل وجناء أو عيهل ... كأن مهواها على الكلكل٣ يريد: العيهل والكلكل، وقد مضى نظير هذا؛ فهذا حكم تشديد الميم عندي، وهو أقوى من أن تجعل الكلمة من ذوات التضعيف بمنزلة هم، وجم. فإن قلت: فإذا كان أصل "فم" عندك "فوه" فما تقول في قول الفرزدق أنشدناه أبو علي٤: هما نفثا في فيّ من فمويهما ... على النابح العوي أشد رجام٥

стр. 393

وإذا كانت الميم بدلًا من الواو التي هي عين؛ فكيف جاز له الجمع بينهما؟ فالجواب: أن أبا علي حكى١ لنا عن أبي بكر وأبي إسحاق أنهما ذهبا إلى أن الشاعر جمع بين العوض والمعوض عنه؛ لأن الكلمة مجهورة منقوصة. وأجاز أبو علي أيضًا فيه وجهًا آخر، وهو أن تكون الواو في "فمويهما" لامًا في موضع الهاء من أفواه، وتكون الكلمة تعتقب عليها لامان هاء مرة وواو أخرى؛ فيجرى هذا مجرى سنة، وعضة؛ ألا تراهما في قول من قال٢ سنوات، وأسنتول٣، ومساناة، و٤: وعضوات تقطع اللهازما٥ واوين، وتجدهما في قول من قال٦: ليست بسنهاء......... ... .................... وبعير عاضه هاءين. وكذلك من قال٧: ............ ... تأوه آهة الرجل الحزين فاللام عنده هاء.

стр. 394

ومن قال١: فأو لذكراها إذا ما ذكرتها ... ................. ...........٢ فاللام عنده واو، لأن "أو" بمنزلة قو زيدًا؛ فهذا وجه كما تراه. ونظير ما حكاه عن أبي بكر وأبي إسحاق من الجمع بين العوض والمعوض منه ما أنشده البغداديون وأبو زيد٣: إني إذا ما حدث ألما ... أقول يا اللهم يا اللهما٤ ألا تراه جمع بين "يا" والميم المشددة، وهي عند الخليل٥ بدل من "يا"، وكذلك ما أنشدوه أيضًا من قول الجارية لأمها٦: يا أمتًا أبصرني راكب ... في بلد مسحنفر لاحب٧

стр. 395

ألا ترى أن التاء في "يا أمت"؛ إنما هي بدل من ياء "أمي"؛ وإنما أبدلها ألفًا للتخفيف؛ أفلا تراه كيف جمع بين العوض والمعوض عنه. فهذا يؤكد مذهب أبي بكر وأبي إسحاق في فمويهما. وما ذكرنا فيه من هذين الجوابين أحسن من أن تحمل الكلمة على الغلط منهم، كهمز مصائب، وحلات السويق١، وغير ذلك. وقرأت على محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى: قال بلال بن جرير٢: إذا ضفتهم أو سآيلتهم ... وجدت بهم علة حاضرة٣ فإن أحمد كأنه لم يعرفه؛ فلما فهم قال: هذا جمع بين اللغتين؛ فالهمزة في هذا هي الأصل، وهي التي في قولك: ساءلت زيدًا، والياء هي العوض والفرع، وهي التي في قولك: سايلت زيدًا؛ فقد تراه كيف جمع بينهما في قوله: "سآيلتهم"؛ فوزنه على هذا: فاعلتهم، وهذا مثال لا يعرف له في اللغة نظير. فإذا ثبت بما قدمناه أن عين "فم" في الأصل واو، فينبغي أن يقضي بسكونها؛ لأن السكون هو الأصل حتى تقوم الدلالة على الحركة الزائدة. فإن قلت: فهلا قضيت بحركة العين لجمعك إياه على أفواه؛ ألا ترى أن أفعالًا إنما هو في الأمر العام جمع فعل نحو بطل وأبطال، وقدم وأقدام، ورسن٤، فاعرف ذلك.

стр. 396

وأما إبدال الميم من النون؛ فإن كل نون ساكنة وقعت قبل باء قبلت في اللفظ ميمًا وذلك نحو عنبر، وامرأة شنباء١، وقنبر٢، ومنبر، وقنب٣، وقنبلة٤، ونساء شنب؛ فإن تحركت أظهرت، وذلك نحو قولك: شنب، وعنابر، وقنابر، ومنابر، وقنابل؛ وإنما قبلت لما وقعت ساكنة قبل الباء من قبل أن الباء أخت الميم، وقد أدغمت النون مع الميم في نحو: من معك، ومن محمد؛ فلما كانت تدغم النون مع الميم التي هي أخت الباء أرادوا إعلالها أيضًا مع الباء إذ قد أدغموها في أختها الميم، ولما كانت الميم التي هي أقرب إلى الباء من النون؛ لم تدغم في الباء في نحو أقم بكرًا، لا تقول: أقبكرًا، ولا في نم بالله: نبالله، كانت النون التي هي من الباء أبعد منها من الميم أجدر بأن إعلال الإدغام، فقربوها من الباء بأن قلبوها إلى لفظ أقرب الحروف من الباء، وهو الميم، فقالوا/ عمبر، وقمبلة، فاعرف ذلك. وأما قول رؤبة٥: يا هال ذات المنطق التمتام ... وكفك المخضب البنام٦ فإنه أراد: البنان؛ فأبدل النون ميمًا؛ وإنما جاز ذلك لما فيها من الغنة، والهوي، وعلى هذا جمعوا بينهما في القوافي، فقالوا: يارب جعد فيهم لو تدرين ... يضرب ضرب السبط المقاديم٧

стр. 397

وقال الآخر: يطعنها بخنجر من لحم ... دون الذنابي في مكان سخن١ وهو كثير وأما إبدالها من اللام فيروى أن النمر بن تولب حكى، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليس من امبر امصيام في امسفر"٢ يريد: ليس من البر الصيام في السفر، فأبدل لام المعرفة ميمًا. ويقال: أن النمر لم يرو عن النبي- ﷺ غير هذا الحديث؛ إلا أنه شاذ لا يسوغ القياس عليه، ونحوه في الشذوذ ما قرأته على أبي علي بإسناده إلى الأصمعي، قال٣: "يقال: بنات مخر، وهن سحائب يأتين قبل الصيف بيض منتصبات في السماء". قال طرفة٤: كبنات المخر يمأدن كما ... أنبت الصيف عساليج الخضر٥ قال أبو علي: كان أبو بكر محمد بن السري يشتق هذه الأسماء من البخار؛ فهذا يدلك من ذهب أبي بكر وأبي علي- لأنه تقبله عن أبي بكر ولم يدفعه- على أن الميم في "مخر" بدل من الباء في "بخر".

стр. 398

ولو ذهب ذاهب إلى أن الميم في "مخر" أصل غير مبدلة على أن يجعله من قوله عَزَّ اسْمُهُ: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ [فاطر: ١٢] ١ وذلك أن السحاب كأنها تمخر البحر؛ لأنها في ما يذهب إليه عنه تنشأ، ومنه تبدأ؛ لكان عندي مصيبًا غير مبعد؛ ألا ترى إلى قول أبي ذؤيب في وصف السحاب٢: شربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نئيج٣ وأخبرنا أبو علي أيضًا يرفعه بإسناده إلى أبي عمرو الشيباني قال: "يقال: ما زلت راتمًا على هذا وراتبًا، أي مقيمًا"٤؛ فالظاهر من أمر هذه الميم أن تكون بدلًا من باء راتب؛ لأنا لم نسمع في هذا الموضع رتم٥ مثل رتب. وتحتمل الميم في هذا عندي أن تكون أصلًا غير بدل، من الرتيمة، وهى شيء كان أهل الجاهلية يرونه بينهم، وذلك أن الرجل منهم كان إذا أراد سفرًا عمد إلى غصنين من شجرتين تقرب إحداهما من الأخرى، فعقد أحدهما بصاحبه؛ فإذا عاد ورأى الغصنين معقودين بحالهما قال: إن امرأته لم تخنه بعد، وإن رأى الغصنين قد انحلا قال: امرأته قد خانته، قال الراجز٦: هل ينفعك اليوم إن همت بهم ... كثرة ما توصي وتعقاد الرتم٧

стр. 399

والرتمة أيضًا خيط يشد في الإصبع ليذكر الرجل به حاجته، وكلا هذين المعنيين تأويله الإقامة والثبوت؛ فيجوز أن يكون راتم من هذا المعنى. وإذا أمكن أن تتأول اللفظة على ظاهرها لم يشع العدول عنه إلى الباطن إلا بدليل، والدليل هنا إنما يؤكد الظاهر لا الباطن؛ فينبغي أن يكون العمل عليه دون غيره. وقرأت على أبي علي بإسناده إلى يعقوب، قال: "يقال: رأيته من كثب ومن كثم"١ ثم إنا رأيناهم يقولون: قد أكثب لك الأمر إذا قرب، ولم نرهم يقولون قد أكثم؛ فالباء على هذا أعم تصرفًا من الميم؛ فالوجه لذلك أن تكون الباء هي الأصل للميم. وقد يجوز أن تكون الميم أصلًا أيضًا لقولهم: أخذنا على الطريق الأكثم، أي الواسع، والسعة قريبة المعنى من القرب؛ ألا ترى أنهما يجتمعان في تسهل سلوكهما، وأنه لا يتسع الطريق، ولا تكثر سابلته٢ إلا لأنه أقصد من غيره، والقصد كما تراه هو القرب، فقد آلا إذن إلى معنى واحد. وقرأت على أبي علي بإسناده إلى يعقوب، قال: قال الأحمر٣: يقال: طانه الله على الخير، وطامه، أي: جبله، وهو يطينه، وأنشد: ........ .......... ........ ... ألا تلك نفس طين منها حياؤها٤ والقول فيه: أن الميم في طامه بدل من النون طانه؛ لأنا لم نسمع لـ "طام" تصرفًا في غير هذا الموضع. فأما قول الآخر٥:

стр. 400

فبادرت شربها عجلى مثابرة ... حتى استقت دون محنى جيدها نغما١ فذكر ابن الأعرابي أنه أراد نغبًا، وهو عندي كما قال. وأما زيادة الميم فموضعها أول الكلمة، وحال الميم في ذلك حال الهمزة؛ فمتى اجتمع معك ثلاثة أحرف أصول وفى أولها ميم، فاقض بزيادة الميم حتى تقوم الدلالة على كونها أصلًا، وذلك نحو مشهد، ومضرب، ومقياس؛ لأن الألف زائدة. فإن كانت معك أربعة أحرف أصول وقبلهن ميم؛ فاقض بكونها من الأصل، كفعلك بالهمزة، وقد ذكرناها٢ فى بابها، وذلك نحو: مرزجوش٣، ميمه فاء، ووزنه فعللول بوزن عضرفوط٤، وقرطبوس٥. فأما ميم مهدد٦ فأصل، ومثاله فعلل كجعفر، وحبتر. ويدل على ذلك أنه لو كان مفعلًا؛ لوجب أن تدغمه، فتقول "مهدّ"، كما قالوا "مسد" و"مرد". وأما محبب٧ فمفعل؛ وإنما لم يدغم لأنه علم، والأعلام قد تأتي كثيرًا مخالفة للأصول الأجناس، وذلك نحو: تهلل، ومورق، وموظب، ومزيد، وحيوة، ومعدي كرب. فإن قلت: فهلا قلت في مهدد إنه مفعل كما قلت في محبب؟ فالجواب: أن محببًا لو وجدنا له أصلًا نصرفه به إلى أنه فعلل؛ لفعلنا، ولكان ذلك آثر عندنا من أن نحمله على ضرورة العلم، ولكنا لم نجد في كلام العرب "م ح ب" متصرفان ووجدنا فيه "ح ب ب" فعدلنا إلى "ح ب ب" ضرورة.

стр. 401

وأما مهدد- وإن كان علمًا بدلالة قول الأعشى١: وما ذاك من عشق النساء وإنما ... تناسيت قبل اليوم خلة مهددًا٢ فإنا إنما حملناه على أنه فعلل، ولم نحمله على أنه مفعل مظهر التضعيف لضرورة العلم؛ لأنا قد وجدنا في كلامهم "م هـ د" متصرفًا؛ فحملنا على هذا دون أن نحمله على أنه من "هـ د د" لما فيه من الضرورة، فاعرف ذلك. واعلم أن الأعلام إنما جازت فيها هذه المخالفة للجمهور من قبل أنها كثر استعمالها؛ فجاز فيها من الاتساع ما لم يجز في ما قل استعماله من الأجناس، وكما غيرت في أنفسنا وذواتها؛ فكذلك غير إعرابها أيضًا عما عليه حكم إعراب النكرات. ألا تراهم يقولون لمن قال مررت بزيد: من زيد؟ ولمن قال ضربت بكرًا: من بكرًا؟ ولا يقولون لمن قال رأيت رجلًا: من رجلًا. ولا: من غلام؟ لمن قال نظرت إلى غلام. واعلم أنك إذا حصلت حرفين أصليين في أولهما ميم أو همزة، وفي آخرهما ألف فاقض بزيادة الميم والهمزة، وذلك أنا اعتبرنا اللغة فوجدنا أكثرها على ذلك، إلا أن تجد ثبتًا تترك هذه القضية إليه؛ وذلك نحو موسى، وأروى٣، وأفعى، ومثالهما مفعل، وأفعل، وذلك أن مفعلًا في الكلام أكثر من فعلى، وأفعل أكثر من فعلى، ألا ترى أن زيادة الميم أولًا أكثر من زيادة الألف رابعة. وأما مِعْزى، لقولهم مَعْز، ومَعَز، ومَعِيز. وأما أرطى٤ ففعلى، لقولهم: أديم مأروط٥.

стр. 402

وحكى لنا أبو علي أن أبا الحسن حكى: أديم مرطى؛ فأرطى على هذا: أفعل. وقد زيدت الميم حشوًا فى "دلامص" في قول الخليل١، ووزنه فعامل؛ لأنه من الدلاص٢، وهو البراق، قال الأعشى: إذا جردت يومًا حسبت خميصة ... عليها وجريال النضير الدلامصا٣ وقد قلبوه، فقالوا: دمالص، ووزنه على هذا فماعل، وحذفوا أيضًا ألفهما تخفيفًا؛ فقالوا: ودملص ووزنهما فعمل، وفمعل. وأما أبو عثمان فأجاز٤ في "دلامص" أن يكون رباعيًا قريبًا من لفظ "دلاص"، كما قالوا لؤل ولأال، وسبط٥ وسبطر٦، ودمث٧ ودمثر٨. وقد أحكمت هذا، وتقصيته في كتابي٩ في شرح تصريف أبي عثمان ﵀. ونظير دمالص ما حدثنا به أبو علي قال: يقال: لبن قمارص، يعنى القارص؛ فالميم إذن هنا زائدة، ومثاله فماعل.

стр. 403

وحدثنا أبو علي أيضًا، قال١: قال الأصمعي٢: قالوا للأسد هرماس، وهو من الهرس٣؛ فمثاله على هذا "فِعْمَال". ويجوز على قياس قول الخليل أن يكون حلقوم: فعلوم؛ لأنه من الحلق. وبلعوم: فعلوم أيضًا؛ لأنه من البلع، وسرطم: فعلم؛ لأنه من الاستراط٤. ورأس صلادم: فعالم؛ لأنه من الصلد٥. وأسد ضبارم: فعالم؛ لأنه من الضبر٦ والتضبير. وأن يكون أيضًا ضماريط من قول القضيم بن مسلم البكائي٧: وبيت أمه فأساع نهسًا ... ضماريط استها في غير نار٨ وزنه: فماعيل؛ لأنه من الضرط. وقد زيدت الميم آخرًا أيضًا، وذلك قولهم: اللهم، فالميم مشدة عرض في آخره من يا في أوله، ولا يجمع بينهما إلا في ضرورة الشعر، قال: إني إذا ما حدث ألما ... أقول: يا اللهم يا اللهما٩ وخففها الأعشى، فقال١٠: كحلفة من أبي رياح ... يسمعها لا هم الكبار١١

стр. 404

ولحقت أيضًا في آخر المتمكن، وذلك نحو شذقم؛ لأنه العظيم الشدق. وشجعم، لقولهم١: الأفعوان والشجاع الشجعما٢ إنما هو توكيده ومن لفظه. ودردم من الأدرد٣، ودلقم من الدلق٤ وسيف دلوق. ودقعم٥ من الدقعاء. ورزقم٦، وفسحم٧، وستهم٨، لأنها من الرزقة، والفسحة٩، والأسته. ويجوز أن يكون قرطم١٠ من ذلك لأنه يقرط. وقالوا: امرأة خدلم للخدلة١١، وشيخ كهكم١٢، وهو الذي يكهكه في يده. قال الأغلب١٣: يا رب شيخ من لكيز كهكم ... قلص عن ذات شباب خدلم١٤

стр. 405

وقال آخر: ليست برسحاء ولكن ستهم ... ولا بكرواء ولكن خدلم١ وقال ابن دريد: دخشم اسم رجل من دخش٢ يدخش دخشًا إذا امتلأ لحمًا. والصلقم: الشديد الصراخ، من الصلق٣. واعلم أن الميم في أنتما، وأنتم، وقمتما، وقمتمو، وضربتكما، وضربتكمو، ومررت لهما وبهمو، إنما زيدت لعلامة تجاوز الواحد، وأن الألف بعدها لإخلاص التثنية، والواو بعدها لإخلاص الجمع. واعلم أن الميم من خواص زيادة الأسماء، ولا تزداد في الأفعال إلا شاذًا؛ وذلك نحو: تمسكن٤ الرجل، من المسكنة، وتمدرع٥ من المدرعة، وتمندل٦ من المنديل، وتمنطق٧ من المنطقة، وتمسلم الرجل إذا كان يدعى زيدًا أو غيره ثم صار يدعى مسلمًا٨. وحكى ابن الأعرابى عن أبى زياد: فلان يتمولى٩ علينا؛ فهذا كله تمفعل. وقالوا مرحبك الله ومسهلك١٠. وقالوا مخرق١١ الرجل، وضعفها ابن كسيان، وهذا كله مفعل. ولا يقاس على هذا إلا أن يشذ الحرف فتضمه إليه.

стр. 406

باب النون: النون حرف مجهور أغن، يكون أصلًا وبدلًا وزائدًا. فالأصل يكون فاء وعينًا ولامًا، فالفاء نحو نعم ونعم، والعين نحو جنب وجنح، واللام نحو حصن وقطن. وأما البدل فذهب أصحابنا١ إلى النون في فعلان؛ فعلى نحو سكران وغضبان وولهان٢ وحيران بدل من همزة فعلاء نحو حمراء وصفراء؛ وإنما دعاهم إلى القول بهذا أشياء: منها: أن الوزن في الحركة والسكون في فعلان وفعلاء واحد، وأن في آخر فعلان زائدتين معًا، والأولى منهما ألف ساكنة كما أن فعلاء كذلك. ومنها: أن مؤنث فعلان على غير بنائه؛ إنما هو فعلى، كما أن مذكر فعلاء على غير بنائها؛ إنما هو أفعل. ومنها: أن آخر فعلاء همزة، وهي علامة التأنيث، كما أن آخر "فعلان" نون تكون في "فعلن" نحو "قمن" و"قعدن" علامة تأنيث. فلما اشتبهت الهمزة والنون هذا الاشتباه، وتقاربتا هذا التقارب؛ لم يخلوا من أن يكونا أصلين كل واحد منهما قائم بنفسه غير مبدل من صاحبه، أو يكون أحدهما منقلبًا عن الآخر؛ فالذي يدل على أنهما ليسا أصلين بل النون بدل من الهمزة في "صنعاء" و"بهراء" يدل على أنها في باب "فعلان فعلى" بدل من همزة فعلاء. وإذا ثبت ذلك فقد ينضاف إليه مقويًا له قولهم في جمع إنسان: أناسي، وفي جمع ظربان٣: ظرابي.

стр. 407

قال الراجز١: دون ظرابي بني قرواش٢ فجرى هذا مجرى قولهم صلفاء٣ وصلافي وخبراء٤ وخباري؛ فردهم النون في إنسان وظربان ياء في ظرابي وأناسي كما ردوا همزة خبراء وصلفاء ياء يدل على أن الموضع للهمزة، وأن النون داخلة عليها. ونحو من ذلك أيضًا قولهم سكران وسكارى، وحيران وحيارى، وندمان٥ وندامى، ونصران ونصارى٦؛ فجرى هذا مجرى صحراء وصحارى. فإن قيل: فما تنكر أن تكون النون هي الأصل والهمزة بدل منها، بدلالة قلبهم النون في "ظربان" و"إنسان" ياء في "ظرابي" و"إناسي"؛ فكما قلبت هنا ياء كذلك قلبت نون "فعلان" همزة في فعلاء، وما الفرق بينك وبين عكس الأمر عليك كما ذكرناه؟ فالجواب: أن الذي قدمناه من قولهم في صنعاء وبهراء٧: صناعني وبهراني دلالة قاطعة على أن النون هي البدل من الهمزة، لا أن الهمزة بدلًا من النون، وإذا كان الأمر كذلك؛ فالنون أيضًا في "إنسان" و"ظربان" بدل من الهمزة لقولهم: ظرابي وأناسي كقولهم: "صلافي وخباري". فإن قلت: فإن إنسانًا فعلان، وظربان: فعلان، وليس فيهما فعلان، وأنت قد قدمت من قولك أن النون في فعلان بدل، ولم تذكر فعلان ولا فعلان!

стр. 408

فالجواب: أن الأصل كما تدم لفعلان بالمشابهة التي ذكرناها بينه وبين فعلاء؛ فأما "فِعْلَان وفَعِلَان فإنما شبها بـ "فَعْلَان للزيادة التي في أواخرهما ومشابهتها للزيادة التي في آخر فعلان؛ فحملا في البدل على فعلان، كما شبها أيضًا به وجميع بابهما مما في آخره ألف ونو وليس على وزن "فَعْلان"، أو كان على فَعْلان وليست له "فعلى" في ترك صرف الجميع معرفة، وذلك نحو عثمان، وغطفان، وزعفران، وكيذبان١، وحمان، وسعدان٢، فكما ألحقت هذه الأشياء بسكران وحيران كذلك ألحق به أيضًا ظربان وإنسان في أن ردت نونهما إلى حرف اللين في ظرابي وأناسي. فإن قلت: فما تقول في حكاية أبي زيد عنهم في جمع إنسان: أناسية؟ وما القول في هذه الياء والهاء؟ فالجواب: أن الياء في أناسية هي الياء الثانية في أناسي، وأن الهاء في أناسية بدل من ياء أناسي الأولى، ألا ترى أن أناسي بوزن زناديق٣ وفرازين، وأن الهاء في زنادقة وفرازنة إنما هي بدل من ياء زناديق وفرازين، وأنها لما حذفت للتخفيف عوض منها الهاء. ومثل ذلك جحجاح٤ وجحاجحة؛ إنما أصله جحاجيح؛ فالياء الأولى من أناسي بمنزلة ياء فرازين وزناديق، والياء الآخرة منه بمنزلة القاف والنون فيهما. ومثل ذلك قولهم في جميع أثبية -وهى الجماعة- أثابية؛ إنما أصلها أثابي، وحالها حال أناسية. فإن قيل: فلم أبدلت همزة فعلاء نونًا؟ وما الذي سهل ذلك وحمل عليه؟ فالجواب: أن للنون شبهًا بحروف اللين قويًا لأشياء: منها: أن الغنة التي في النون كاللين الذي في حروف اللين.

стр. 409

ومنها: اجتماعها في الزيادة معهن، ومعاقبتها لهن في الموضع الواحد من المثال الواحد، وذلك نحو: شرنبث وشرابث١، وجرنفس وجرافس٢، وعصنصر وعصيصر٣، وعرنقصان وعريقصان٤؛ ألا ترى أن النون قد عاقبت الألف والياء في ما ذكرنا. وقالوا أيضًا: فدوكس٥، وسرومط٦، وعميثل٧ كما قالوا: جحنفل٨، وفلتقس٩. وفصلوا بها بين العينين؛ فقالوا: عقنقل١٠، وعصنصر، وسجنجل١١، هجنجل١٢، وعبنبل١٣، كما قالوا: غدودن١٤، وقطوطى١٥، وشجوجى١٦ في أحد قولي سيبويه١٧، وخفيفد١٨. وحذفوها أيضًا لالتقاء الساكنين في نحو١٩: ... م الآن............ ... .......................٢٠

стр. 410

و ١: .......... ........... ... ولاك اسقني...... ....٢ و٣: لم يك الحق........... ... ............ ..........٤ كما حذفوهن لذلك في نحو غزا القوم، وتعطي ابنك، وتصبو المرأة٥. وجعلوها أيضًا علم الرفع في نحو يقومان، ويقومون، وتقومين، كما جعلوا الواو والألف علمًا له في نحو أخوك، وأبوك، والزيدان، والزيدون، إلى غير ذلك مما يطول ذكره؛ فلما ضارعت النون حروف اللين هذه المضارعة، وكانت الهمزة قد قلبت إلى كل واحدة من الألف والياء والواو قلبوها أيضًا إلى الحرف الذي ضارعهن٦، وهو النون، للتصرف والاتساع.

стр. 411

ومن حذاق١ أصحابنا٢ من يذهب إلى أن النون في "صنعاني" و"بهراني" إنما هي بدل من الواو الى تبدل من همزة التأنيث في النسب، وأن الأصل صناعوي وبهراوي، وأن النون هناك بدل من هذه الواو، كما أبدلت الواو من النون في قولك: من واقد٣؟ وإن وقفت وقفت، ونحو ذلك. وكيف تصرفت الحال؛ فالنون بدل من الهمزة؛ إنما ذهب من ذهب إلى هذا قال لأنه لم ير النون أبدلت من الهمزة في غير هذا، وكان في قولهم إن نون "فعلان" بدل من همزة فعلاء، فيقول: ليس غرضهم هنا البدل الذي هو نحو قولهم فى ذئب: ذيب، وفي جؤنة: جونة٤، وإنما يريدون أن النون تعاقب في هذا الموضع الهمزة كما تعاقب لام المعرفة التنوين، أي لا تجتمع معه؛ فلما إنها بدل منه، وكذلك النون والهمزة، وهذا مذهب ليس ببعيد أيضًا، وأما قول العجاج٥: كأن رعل الآل منه في الآل ... بين الضحى وبين قيل القيال إذ بدا دهانج ذو أعدال٦

стр. 412

وقول الآخر١: وهم رعن الآل أن يكونا ... بحرًا يكب الحوت والسفينا٢ فليس أحد الحرفين بدلًا من صاحبه، وذلك أن الرعن بالنون من الرعن، وهو الاضطراب. قال الشاعر٣: ورحلوها رحلة فيها رعن٤ وعلى هذا قراءة الحسن: ﴿لا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] ٥ أي خطأ وخطلًا٦ من القول؛ فسمي أول السراب رعنا لتموجه٧ واضطرابه.

стр. 413

وأما رعل باللام فمن الرعلة والرعيل، وهي القطعة من الخيل١؛ وذلك أن الخيل توصف بالحركة والسرعة٢. وأما قول الآخر٣: حتى يقول الجاهل المستنطق ... لعن هذا معه معلق٤ أي عليقة؛ فإن النون فيه بدل من لام لعل. ومثله قول أبي النجم٥: أغد لعنا في الرهان نرسله٦ أي: لعلنا. فأما ما قرأته٧ على أبي علي للطرماح٨: كطوف متلي حجة بين غبغب ... وقرة مسود من النسك قاتن٩

стр. 414

فذهب أبو عمرو الشيباني إلى أنه أراد قاتم أي: أسود؛ فأبدل الميم على مذهبه نونًا، وقد يمكن غير ما قال؛ وذك أنه يجوز أن يكون أراد بقوله قاتن: فاعل من قول الشموخ١: وقد عرقت مغابنها وجادت ... برتها قرى جحن قتين٢ والقتين: الحقير الضئيل، فكذلك يكون بيت الطرماح، أي: مسود من النسك حقير الجسم زهيده للضر والجهد؛ فإذا كان كذلك؛ لم يكن بدلًا. وأما زيادة النون فعلى ضربين: أحدهما زيادة صيغت في نفس المثال المزيد فيه. والآخر زيادة لحقت على غير معنى اللزوم. الأول منهما: قد زيدت النون أولًا في نحو نقوم، ونضرب وانفعل وبابه، وفي نحو نفرجة، يقال: رجل نفرجة القلب، إذا كان غير ذي جلادة ولا حزم، وحدثنا أبو علي عن أبي إسحاق، قال: يقال: رجل أفرج وفرج، وهو الذي لا يكتم سرًا، وهو أيضًا الذي يكشف عن فرجة، فقوله: "الذي لا يكتم سرًا" هو في معنى نفرجة، ومثاله "نِفْعلة، قال الراجز: نفرجة القلب قليل النيل ... يلقى عليه النيدلان بالليل٣ النيدلان: الذي يقال له الكابوس.

стр. 415

وأخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن قراءة مني عليه، قال: حدثني أبو الحسين أحمد بن سليمان المعبدي، قال حدثني عبد الله بن محمد بن شجاع الكاتب ابن أخت أبي الوزير، قال: قرأته على أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب، عن محمد بن زياد الأعرابي، قال: النون في نفاطير١، ونباذير، ونخاريب٢ زائدة، أصله فطره إذا قطعه، وبذره إذا فرقه. والنخاريب أصله من الخراب. وأما النبراس فيجوز أن يكون "نفعالًا" من البرس، وهو القطن، لأن النبراس المصباح، وفتيله من القطن. وزيدت النون ثانية في نحو قنعاس٣، وقنفخر٤، وثالثة في نحو جحنفل٥، وعبنبل٦، ورابعة في نحو رعشن٧، وضيفن٨ في قول غير أبي زيد، وخلفنة٩، وعرضنة١٠، وخامسة في نحو سكران، غضبان، وسادسة في نحو زعفران، وعقربان١١، وحدرجان، وجلجلان١٢، سابعة في نحو عرنقصان١٣، وعبيثران١٤، وعبوثران، وقرعبلانة١٥، وقيل فى قول الشاعر١٦: لانفخرن فإن الله أنزلكم ... يا خزر تغلب دار الذل والعار١٧

стр. 416

أنه أراد بالخزر الخنازير؛ لأن كل خنزير عندهم أخرز١. وأنكر ذلك أحمد بن يحيى؛ فقال: خزر: جماعة خنزير على حذف الزوائد. ظن الظنون زائدة؛ وإنما هي ههنا أصل. الثاني من القسمة، وهو زيادة النون غير مصوغة في الكلمة: زيدت علمًا للجمع والضمير في نحو قولك: الهندات قمن، وقعدن، ويقمن، ويقعدن. وعلامة للجمع مجردة من الضمير نحو: قعدن الهندات، ويقعدن أخواتك في من قال ذلك٢. ومن أبيات الكتاب٣: ولكن ديافي أبوه وأمه ... بحوران يعصران السليط أقاربه٤ فهذه النون في يعصرن علامة للجمع مجردة من الضمير؛ لأنه لا ضمير في الفعل لارتفاع الظاهر به. وتزادا للتوكيد في الأفعال خفيفة وثقيلة في نحو "لتقومن" و"لتقعدن" و ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٧] ٥ و ﴿لَنَسْفَعًََا بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق: ١٥] ٦.

стр. 417

وشبه بعض العرب اسم الفاعل بالفعل؛ فألحقه النون توكيدًا، قال: أريت إن جئت به أملودا ... مرجلًا ويلبس البرودا أقائلن أحضروا الشهودا١ يريد: أقائلون، فأجراه مجرى أتقولون. وقال الآخر٢: يا ليت شعري عنكم حنيفًا ... أشاهرن بعدنا السيوفا٣ وتلحق علمًا للرفع في خمسة أفعال، وهي: تقومان، ويقومان وتقومون، ويقومون، وتقومين ونحوه، ولا تحذف هذه النون إلا لجزم أو نصب، ولا تثبت إلا للرفع؛ فأما ما أنشده أبو الحسن من قول الشاعر٤: لولا فوارس من نعم وأسرتهم ... يوم الصليفاء لم يوفون بالجار٥

стр. 418

فشاذ؛ وإنما جاز على تشبيه "لم" بـ "لا" كما قال الآخر١: أن تهبطين بلاد قو ... م يرتعون من الطلاح٢ فهذا على تشبيه "أن" بـ "ما" التي في معنى المصدر في قول الكوفيين٣ فأما على قولنا نحن؛ فإنه أراد "أن" الثقيلة، وخففها ضرورة، وتقديره: أنك تهبطين؛ فاعرفه. وتلحق التثنية والجمع الذي على حد التثنية عوضًا مما منع الاسم من الحركة والتنوين؛ وذلك نحو الزيدان والعمران، والزيدون والعمرون. واعلم أن للنون في التثنية والجمع الذي على حد التثنية ثلاث أحوال: حالًا تكون فيها عوضًا من الحركة والتنوين جميعًا، وحالًا تكون فيها عوضًا من الحركة وحدها، وحالًا تكون فيها عوضًا من التنوين وحده. أما كونها عوضًا من الحركة والتنوين؛ ففي كل موضع لا يكون الاسم المتمكن فيه مضافًا ولا معرفا بلام المعرفة؛ وذلك نحو رجلان، وفرسان، وغلامان، وجاريتان؛ ألا ترى أنك إذا أفردت الواحد على هذا الحد وجدت فيه الحركة والتنوين جميعًا، وذلك قولك: رجل، وغلام، وجارية، وفرس؛ فالنون في رجلان إنما هي هنا عوض مما يجب في ألف "رجلان" التي هي حرف الإعراب بمنزلة لام رجل، فكما أن لام "رجل"، وسين "فرس" ونحوهما مما ليس مضافًا ولا معرفًا باللام؛ يلزم أن تتبعها الحركة والتنوين؛ فكذلك كان يجب في حر التثنية. وأما الموضع الذي تكون فيه نون التثنية عوضًا من الحركة وحده فمع لام المعرفة وذلك نحو الرجلان، والفرسان، والزيدان، والعمران، ألا ترى أنها تثبت مع لام المعرفة كما تثبت معها الحركة نحو الغلام والرجل.

стр. 419

وكذلك النداء في قولك: يا رجلان، ويا غلامان؛ ألا ترى أن الواحد من نحو هذا لا تنوين فيه؛ وإنما هو يا غلام، ويا رجل، فالنون فيهما بدل من الحركة وحدها. فإن قلت: فإن واحد الزيدان والعمران زيد وعمرو، وهما كما ترى منونان؛ فهلا زعمت أن النون في الزيدان والعمران بدل من الحركة والتنوين جميعًا لوجودك إياهما في واحدهما، وهو زيد وعمرو، كما زعمت أنهما في رجلان وفرسان بدل من الحركة والتنوين في واحدهما، وذلك قولك رجل وفرس؟ فالجواب: أن قولك "الزيدان" كقولك "الرجلان"؛ لأن اللام عرفت زيدين كما عرفت رجلين، والنون في "زيدان" عوض من الحركة والتنوين جميعًا، وهي في "الزيدان" عوض من الحركة والتنوين جميعًا، وهي في الرجلان عوض من الحركة وحدها. واعلم أن قولك: "جاءني الزيدان" ليس تثنية زيد هذا المعروف العلم؛ وذلك أن المعرفة لا تصح تثنيتها من قبل أن حد المعرفة أنها ما خص الواجد من جنسه ولم يشع في أمته، فإذا شورك في اسمه؛ فقد خرج عن أن يكون علمًا معروفًا، وصار مشتركًا فيه شائعًا، وإذا كان الأمر كذلك؛ فلا تصح التثنية إذن إلا في النكرات دون المعارف. وإذا صح ما ذكرناه؛ فمعلوم أنك لم تثن زيدًا حتى سلبته تعريفه وأشعته في أمته؛ فجعلته من جماعة كل واحد منهم زيد؛ فجرى لذلك مجرى رجل وفرس في أن كل واحد منهما شائع لا يخص واحدًا بعينه، ولا تجد له في بعض المسمين به مزية ليست في غيره من المسمين به، وإذا جرى زيد بعد سلبه تعريفه مجرى رجل وفرس؛ لم يستنكر فيه أن يجوز دخول لام المعرفة عليه في التقدير وإن لم يخرج إلى اللفظ؛ فكأنه صار بعد نزع التعريف عنه يجوز أن تقول: الزيد والعمرو. وقد جاء شيء من ذلك في الشعر. قال ابن ميادة١:

стр. 420

وجدنا الوليد بن اليزيد مباركًا ... شديدًا بأعباء الخلافة كاهله١ يريد "يزيد". وبذلك على أن الاسم لا يثنى إلا بعد أن يخلع عنه ما كان فيه من التعريف جواز دخول اللام عليه بعد التثنية في قولك: "الزيدان والعمران"، ولو كان التعريف الذي كانا يدلان عليه ويفيدانه مفردين باقيًا فيهما؛ لما جاز دخول اللام عليهما بعد التثنية كما لا يجوز دخولها عليهما قبل التثنية في وجوه الاستعمال في غالب الأمر. ومما يوكد علمك بجواز خلع التعريف عن الاسم قول الشاعر٢: علا زيدنا يوم النقا رأس زيدكم ... بأبيض من ماء الحديد يمان٣ فإضافته الاسم تدل على أنه خلع عنه ما كان فيه من تعرفه، وكساه التعريف بإضافته إياه إلى الضمير؛ فجرى في تعرفه مجرى أخيك وصاحبك، وليس بمنزلة زيد إذا أردت العلم؛ فعلى هذا لو سألت عن زيد عمرو في قول من قال: رأيت زيد عمرو، ومررت بزيد عمرو لما جازت الحكاية، ولكان الاستفهام بالرفع لا غير: من زيد عمرو؟ ولا يجوز: من زيد عمرو؟ ولا: من زيد عمرو؟ على الحكاية، كما أنك لو قال: "مررت بصاحب جعفر"؛ لرفعت البتة، فقلت: من صاحب جعفر؟ لأن صاحب جعفر ليس علمًا كزيد وعمرو؛ فتجوز لك الحكاية وكذلك أيضًا "زيد عمرو"،

стр. 421

فإضافته إلى عمرو تدل على أنه قد سلب تعريفه، وعرف من جهة الإضافة لاستغنائه بما فيه من تعريف العلمية. ويزيد ذلك وضوحًا لك أن ما كان من الأسماء لا يمكن تنكيره وخلع تعريفه عنه؛ فإضافته غير جائزة البتة؛ لأنه إذا كان لا يضاف الاسم إلا وهو نكرة فما لا يمكن تنكيره؛ فهو من الإضافة أبعد، إذ كانت حال الإضافة إنما هي في المرتبة بعد التنكير، لا بد من ذلك، وتلك الأسماء الأسماء المضمرة، والأسماء المشار بها، فلأجل ما ذكرنا لم توجد الإضافة في شيء منها لاستغنائها بتعرفها عن أن تكسى تعريفًا آخر؛ ألا ترى أنك لا تجد في الكلام ضربت هؤلاء زيد، كما تقول ضربت أصحاب زيد، لأن "هؤلاء" لا يكون إلا معرفة، ولا تقول أيضًا جائني هو بكر، على أن تضيف "هو" إلى "بكر" كما تقول جاءني غلام بكر. ويزيد عندك في وضوح هذا أن العرب إذا لقبت الاسم العلم أضافته إلى لقبه بعد أن تسلبه ما كان فيه من التعريف، وتبزه إياه، وتنقله إلى اللقب لتعرف به الاسم الملقب به، وهو الذي كان علمًا قبل السلب، وذلك قولهم "قيس قفة"، و"سعيد كرز"؛ وإنما أصل هذين الاسمين قيس، وسعيد، ثم لقب "قيس" بقفة، و"سعيد" بكرز، فسلبوهما تعريفهما، وأن يكونا بعد الإضافة معرفتين، كما كانا قبلها معرفتين، وإن اختلفت جهتا التعريف؛ فكان الأول تعريفًا علميًا، والآخر تعريفًا إضافيًا. وقريب من هذا قولهم مررت برجل حسن الوجه، واختيارهم أن يكون الوجه معرفًا وإن كان قد يمكن أن تقول: "مررت برجل حسن وجه"، و"حسن وجهًا"؛ وإنما اختاروا هنا تعريف الوجه لأنه منقول من قولهم مررت برجل حسن وجهه، هذا أصل الكلام؛ فلما سلبوه تعريف الإضافة؛ عوضوه منه تعريف اللام، فقالوا: مررت برجل حسن الوجه. ويدلك على أن "كرزًا" و"قفة" معرفتان علمان تركهم إجراء "قفة"، ولو كانت نكرة لانصرفت، وإذا كان العلم متى سلب تعريفه جرى مجرى النكرات الأجناس؛ فإن أضيف إلى معرفة تعرف بها؛ فمعلوم أنه متى تكلفت إضافته بعد سلبه تعريفه إلى النكرة أنه نكرة، وذلك نحو "مررت بزيد رجل وعمرو امرأة"، كما تقول: "مررت بجار رجل"، و"دخلت حمام امرأة"، ويكون في ذلك من الفائدة أنه ليس بزيد من الزيدين فقط؛ لأن كل واحد من أولئك يجوز أن يكون زيد امرأة وزيد رجل؛ فإذا قلت

стр. 422

ضربت زيد رجل فقد أفدت أنه ليس بزيد امرأة؛ فهذه فائدة هذه الإضافة إن قلت ونزرت كما أن قولك لقيت غلام امرأة قد أفدنا منه أنه لامرأة دون رجل. فإن قلت: فإذا كان الزيدان والعمران إنما تعريفهما عندك كتعريف الرجلين والغلامين بما أوردته من الأدلة في ذلك؛ فهلا جاء عنهم وكثر في كلامهم: مررت بالزيد، وضربت البكر، كما كثر عنهم مررت بالغلام، وضربت الرجل؟ فالجواب: أن زيدًا وعمرًا ونحوهما من الأعلام إذا انتزع ما فيهما في بعض الأحوال من التعريف، فحصلا نكرتين، ثم أريد بعد ذلك تعريفهما؛ فأخلق أحوالهما بهما أن يردا إلى ما كانا عليه من العملية الأصلية؛ فيقال: جاءني زيد، ومررت بعمرو، وليس بالحسن إدخال اللام عليهما؛ لئلا يصيرا في قولك مررت بالعمرو، وجاءني الزيد بصورة ما عرف باللام من الأجناس البتة، ولم يكن له أصل في العلمية؛ فيرد عند تعريفه إليها، وذلك نحو الغلام والجارية والثوب والدار؛ فلهذا استنكروا في كلامهم أن يقولوا الزيد والبكر، فاعرفه. على أن أبا العباس قال: إذ قيل: جاءني زيد وزيد وزيد تريد جماعة اسم كل واحد منهم زيد، فيقول المجيب: فما بين الزيد الأول والزيد الآخر؟ وهذا الزيد أشرف من ذلك الزيد؛ إلا أنه قليل. فإن قلت: فقد أضافوا هذه الأسماء بعد تنكيرهم إياها كما تضاف الأجناس، فقالوا١: ياعمر الخير جزيت الجنة٢ وقالوا: فلان من ربيعة الفرس، وفلان من تميم جوثة، وقال الآخر: يزيد سليم سالم المال والفتى ... فتى الأزد للأموال غير مسالم٣

стр. 423

وقال الآخر: علا زيدنا يوم النقا رأس زيدكم ... بأبيض من ماء الحديد يمان١ هذا كثير عنهم؛ فهلا استقبحوا في اللفظ الإضافة في هذه الأسماء التي هي في الأمر الشائع أعلام، كما استنكروا فيها تعريفها باللام؛ فلم يقولوا الزيد ولا العمرو إلا في الشاذ وضرورة الشعر؟ وما الفرق بين الموضوعين؟ فالجواب: أن بين تعريف اللام وتعريف الإضافة فرقًا وذلك أن اللام في هذا الموضع أشنع في اللفظ من الإضافة، من قبل أن الإضافة قد تجدها في أنفس الأعلام كثيرًا واسعًا، وذلك نحو عبد الله، وعبد الصمد، وعبد الواحد، وعبد الرحمن، وذي النون، ذي الرمة، وذي الخرق، وعلى هذا عامة المنى لأنها أعلام أيضًا، نحو أبي محمد، وأبي القاسم، وأبي علي. ويدلك على أنها أعلام قول الفرزدق٢: ما زلت أفتح أبوابًا وأغلقها ... حتى أتيت أبا عمرو بن عمار٣ فحذف التنوين من عمرو بمنزلة حذفه من جعفر في قولك: حتى أتيت جعفر بن عمار. وعلى هذا قول الآخر٤: فلم أجبن، ولم أنكل، ولكن ... يممت بها أبا صخر بن عمرو٥

стр. 424

فحذف التنوين من "صخر" إنما هو بمنزلة حذفه من محمد في قولك يممت بها محمد بن عمرو. وإنما كثرت هذه الإضافة في أنفس الأعلام، وفي ما نزع عنه تعريفه، ثم عرف بالإضافة إلى المعرفة؛ من قبل أن الإضافة في كثير من كلامهم في تقدير الانفصال والانفكاك؛ ألا ترى أن باب الحسن الوجه، والكريم الأب؛ كله منوي فيه الانفصال؛ وإنما تقديره الحسن وجهه، والكريم أبوه. وكذلك اسم الفاعل إذا أريد به الحال أو الاستقبال؛ فهو وإن أضيف في اللفظ مفصول في المعنى. وذلك نحو قوله تعالى: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤] ١، و ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] ، و ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ١] ٢ و ﴿ثَانِيَ عِطْفِه﴾ [الحج: ٩] ٣، و ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ﴾ [القمر: ٢٧] ٤، و ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ [إبراهيم: ٤٧] ٥. وعلى هذا قول جرير٦: يا رب غابطنا لو كان يطلبكم ... لاقى مباعدةً منكم وحرمانا٧ إنما هو: "ممطر لنا"، و"هديًا بالغًا الكعبة"، و"ثانيًا عطفه٨ لنا"؛ ولولا ذلك لم تدخل "رب" عليه، ولا جرى ممطرنا وصفًا على النكرة التي هي عارض، ولا نصب: ﴿ثَانِيَ عِطْفِه﴾ على الحال.

стр. 425

ونحوه قول الآخر١: يارب مثلك في النساء غريزة ... بيضاء قد متعتها بطلاق٢ أي: مثل لك، لأن "رب" لا تباشر المعارف المظهرة، وعلى هذا قالوا: ناقة عبر الهواجر٣، وفرس قيد الأوابد٤، أي: عابرة للهواجر، ومقيدة للأوابد٤. فلما كثر في كلامهم أن تكون الإضافة لفظية غير معنوية؛ تسامحوا في الأسماء المخلوع عنها تعريف العلم بتعريف الإضافة فقالوا: "ضربت زيدك"، و"كلمت عمرك"، ولم يقولوا: "جاءني العمرو"، و"لا كلمت الزيد" إلا في قلة من الكلام؛ لأن اللام لا ينوى فيها الانفصال كما ينوى في الإضافة معنى الانفصال في كثير من الأحوال؛ فلا تجد اللام معرفة للأعلام كما تعرفها الإضافة في نحو عبد الله وبابه، وأبي محمد ونحوه؛ فيعلم بهذا أن التعريف باللام ألزم في اللفظ عندهم مما تعرف بالإضافة لما قدما ذكره، فلذلك احتملوا أن يقولوا زيدنا ومحمدكم، ولم يقولوا البكر ولا العمرو إلا شاذًا. فإن قلت: فقد قالوا العباس والحارث والعلاء والفضل، وقد نراهم عرفوا العلم باللام كما عرفوه بالإضافة في نحو "عبد الله" و"أبي بكر"! فالجواب: أن العباس والحارث والعلاء والفضل ونحو ذلك من الأوصاف الغالبة والمصادر المقدر فيها جريانها أوصافًا إنما تعرفت بالوضع دون اللام؛ وإنما أقرت اللام فيها بعد النقل وكونها علمًا مراعاة لمذهب الوصف فيها قبل النقل، وقد تقدم تفسيرنا ذلك في صدر هذا الكتاب وغيره.
следующие страницы →