← Язык

Язык · id 12017

سر صناعة الإعراب

ابن جني

Полный текст (761 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

ويدل على أنه حذفها تخفيفًا لا لإضافة تركه "عورة" منصوبة، ولو أراد الإضافة لجر العورة البتة. وقرأ بعضهم: "والمقيمي الصلاة" [الحج: ٣٥] ١ بنصب "الصلاة" على ما فسرنا. وحكى أبو الحسن عن أبي السمّال أنه قرأ: "وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهَ" [التوبة: ٢] ٢ وليس فيه ألف ولام فيشبه بالذين. وقرأ بعضهم أيضا "إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابَ الْأَلِيمَ" [الصافات: ٣٨] ٣ بالنصب كالذي قبله. وقال عبيد٤: ولقد يغنَى به جيرانك الـ ... ممسكو منك بأسباب الوصال٥ يريد: الممسكون. وأخبرنا أبو علي عن أبي بكر عن أبي العباس، قال: سمعت عمارة بن عقيل يقرأ: "وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارَ" [يس: ٤٠] ٦ بنصب "النهار" فقلت له: ما تريد؟ فقال: أريد: سابقٌ النهارَ، فقلت له: فهلا له: فهلا قلته؟ فقال: لو قلته لكان أوزن. فالأشبه في هذا أن يكون حذف التنوين لالتقاء الساكنين. وقد حذفوا تشبيها بهذا النون الأصلية لالتقاء الساكنين. قرأت على محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى لأبي صخر٧: كأنهما مِ الآنَ لم يتغيرا ... وقد مرَّ للدارين من بعدنا عصرُ٨

стр. 492

وأنشد أبو الحسن١: أبلغ أبا دختنوس مالكة ... غير الذي قد يقال مِ الكذب٢ يريد أبو صخر: مِنَ الآن، ويريد الآخر: مِنَ الكذب. وقد حذفوا في نحو هذا النون التي هي لام الفعل لالتقاء الساكنين. وأنشد قطرب، وقرأناه على بعض أصحابنا يرفعه إليه٣: لم يكُ الحقُّ سوى أنْ هاجَه ... رسمُ دارٍ قد تعفَّى بالسرَرْ٤ أي: لم يكن الحق، وكان حكمه إذا وقعت النون موقعًا تحرك فيه، فتقوى بالحركة، أن لا يحذفها، لأنها بحركتها قد فارقت شبه حروف اللين إذْ كُنّ لا يكُنّ إلا سواكن، وحذف النون من "يكن" أقبح من حذف التنوين ونون التثنية والجمع، لأن النون في يكن أصل، وهي لام الفعل، والتنوين والنون زائدتان فالحذف فيهما أسهل منه في لام الفعل، وحذف النون أيضًا من يكن أقبح من حذف نون مِنْ في قوله: ............ ... غير الذي قد يقال مِ الكذب لأن يكن أصله يكون، فقد حذفت منه الواو لالتقاء الساكنين فإذا حذفت منه النون أيضًا لالتقاء الساكنين أجحفت به لتوالي الحذفين لاسيما من وجه واحد عليه. ولك أيضًا أن تقول: إن "مِن" حرف، والحذف في الحروف ضعيف إلا مع التضعيف نحو: ربّ، وإنّ، وأنّ. هذا قول أصحابنا٥ في هذا البيت. وأرى أنا شيئًا آخر غير ذلك، وهو أن يكون جاء بالحق بعدما حذف النون من يكن، فصار يك مثل قوله : ﴿وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٧] ٦.

стр. 493

ونحو بيت الكتاب١: وكنتَ إذْ كنتَ إلهِي وحدَكا ... لم يكُ شيءٌ يا إلهي قبلَكا٢ فلما قدره يك جاء بالحق بعدما جاز الحذف في النون وهي ساكنة تخفيفًا، فبقي محذوفًا بحاله، فقال: لم يكُ الحقُّ، ولو كان قدره يكُنْ، فبقَّى النون، ثم جاء بالحق لوجب أن تكسر نونه لالتقاء الساكنين، فتقوى بالحركة، فلا تجد سبيلا إلى حذفها إلا مستكرَهًا، فكان يجب أن تقول: لم يكنِ الحقُّ. فأما ما لا بد من القضاء بحذفه لالتقاء الساكنين فبيت الكتاب٣: فلستُ بآتيه ولا أستطيعه ... ولاكِ اسقني إن كان ماؤكَ ذا فضلِ٤ فهذا أراد: ولكنْ اسقني، فحذف النون لالتقاء الساكنين البتة. ومثله قول الآخر٥: ولا تطلُبا لي أيِّمًا إن طلبتما ... فإن الأيماى لسنَ لي بشُكُول ولاكِ اطلبا لي ذات بعل محلها ... رواءٌ وخيمٌ بالعذَيبِ ظليلُ٦ أراد: ولكن اطلبا لي. وهو مع ذلك أقبح من حذف نون "مِنْ" من قبل أن أصل لكنِ المخففة لكنَّ المشددة، فحذفت إحدى النونين تخفيفًا، فإذا ذهبت تحذف النون الثانية أيضًا أجحفت بالكلمة، فلهذا كان أقبح من حذف نون "من".

стр. 494

ومثل قوله: "لم يك الحق" قول الخنجر بن صخر الأسدي١: فإلا تك المرآة أبدت وسامة ... فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم٢ يريد: فإلا تكن المرآة، والقول فيها واحد. ومما يسأل عنه من باب النون قول العرب في ما حكاه سيبويه "لدن غدوة"٣ فيقال: لم نصبت غدوة ولم تجر بإضافة لدن إليها؟ والجواب: أنهم شبهوا النون في لدن بالتنوين في ضارب، فنصبوا غدوة تشبيها بالمميز نحو: عندي راقودٌ خلا، وجبةٌ صوفًا، والمفعول في نحو: هذا ضاربٌ زيدًا وقاتلٌ بكرًا. ووجه الشبه بينهما اختلاف حركة الدال قبل النون، وذلك لأنه يقال: لَدُنْ ولَدَنْ بضم الدال وفتحها، فلما اختلفت الحركتان قبل النون شابهت النون التنوين، وشابهت الحركتان قبلها باختلافهما حركات الإعراب في نحو: هذا ضاربٌ زيدًا، ورأيت ضاربًا زيدًا، ولأنهم قد حذفوا النون، فقالوا: لَدُ غُدوة، كما يحذف التنوين تارة ويثبت أخرى، فلما أشبهت النون التنوين من حيث ذكرنا انتصبت غدوةٌ تشبيهًا بالمفعول، وكما جاز أن تشبه النون بالتنوين فتنصب غدوةٌ تشبيهًا بالمفعول، كذلك شبه بعضهم غدوةً بالفاعل، فرفعها، فقال: لدُنْ غُدوةٌ، كما تقول: أقائم زيد؟ ومنهم من يلزم القياس فيها، فيجر بها، فيقول: لدُنْ غُدوةٍ، ومن فعل ذلك فلا سؤال عليه، قال سيبويه: "ولا تنصب غدوة مع غير لدُن"٤ لكثرتها في كلامهم، فغيروها -يعني عن الجر- لكثرتها، فلا تقول على هذا: لدُن بكرةً، لأنه لم يكثر في كلامهم. فإن سأل سائل، فقال: غُدوةُ إنما وقعت في كلامهم معرفة، وإنما غَداةٌ هي النكرة، ألا تراك تقول: ﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام: ٥٢] فتعرفها باللام،

стр. 495

ولا تقول: "بالغُدْوَةِ والعَشِيّ" إلا في قراءة شاذة١، فإذا كان ذلك كذلك فما بالهم صرفوها مع لَدُن البتة، وأجمعوا على ترك الصرف الذي هو الشائع من أمرها مع غير لَدُن؟ فالجواب عندي أنهم إنما أجمعوا على صرفها لأمرين: أحدهما: كثرة الاستعمال، لأنهم لما كثر استعمالهم إياه أشد تغييرًا. والآخر: أنهم لو لم يصرفوها لقالوا: لَدُن غُدْوة، فتفتح الهاء، فلا يعلم أمنصوبة هي أم مجرورة، ألا ترى أن ما لا ينصرف نصبه وجره بلفظ واحد، نحو: رأيت عمرَ، ومررت بعمرَ، فلما اعتزموا نصب غدوة بعد لدن وإخراجها لكثرة الاستعمال عن حال نظائرها صرفوها ليكون ظهور التنوين مع الفتحة يحقق ما نووه واعتقدوه من النصب، ويزيل الشبهة عن المسامع، فلا يظن أنها مجرورة غير منصوبة. فإن قلت: فمن رفع فقال: لَدُن غُدْوةٌ، أو جر، فقال: لَدُن غُدْوةٍ، ما الذي دعاه إلى الصرف؟ ولو لم يصرف فقال: لَدُن غُدْوةُ، ولَدُن غُدْوةَ لعلم أنه قد جرَّ تارةً، ورفع أخرى؟ فالجواب: أنهم لما أوجبوا صرفها وهي منصوبة، وهو الأكثر من أحوالها، حملوا المرفوعة والمجرورة لقلة الرفع فيها والجر على النصب الذي قد شاع وكثر، كما حملوا أَعِدُ ونَعِدُ وتَعِدُ على يَعِدُ، هذا مع ما قدمناه من تغييرهم لما كثر استعماله عن حال نظائره. فإن قلت: وكيف يجوز لك أن تحمل الرفع على النصب وأنت تعلم أن الرفع في كل الأحوال أسبق في المرتبة من النصب؟ أفيحسن أن يحمل الأصل على الفرع؟ وما الفرق بينك وبين الفراء في حمله فتحة فَعَلَ الذي هو للواحد على فتحة فَعَلَا الذي هو للتثنية؟ فالجواب: أن الرفع بعد لدن في قول من قال: لَدُن غُدْوةٌ، إنما هو في الحقيقة فرع ههنا ودخيل على النصب، وإن كان في غير هذا الموضع متقدمًا في الرتبة للنصب والجر، وذلك أن قولنا: لَدُن غُدْوةٌ إنما هو ظرف وفضلة تتبع الجملة أبدًا، فهو من

стр. 496

مواضع النصب، وليس للرفع في الفضلة حظ، فالنصب إذن أمكن في هذا الموضع من الرفع، فلذلك جاز أن يحمل الرفع هنا على النصب. وشيء آخر، وهو أن اسم الفاعل إذا اختلفت حركاته، فعمل في اسم ظاهر غير مضاف إلى مضمر، فعمله أبدًا في غالب الأمر للنصب، وذلك نحو: هذا رجل ضارب زيدا، وإن عمرًا قاتلٌ بكرًا، وكان محمدٌ شاتمًا خالدًا. فلدن إذن باسم الفاعل الناصب لما بعده أشبه منها باسم الفاعل الرافع لما بعده، نحو: هذا رجل قائم أبوه، وضربت رجلا قائمًا غلامُه. ألا ترى أن الأب والغلام مضافان إلى ضمير الأول، وغدوة ليست مضافة إلى ضمير ولا إلى غيره، فهي بالمنصوب، نحو: هذا ضارب بكرًا، ولقيت شاتمًا جعفرًا أشبه، فاعرف ذلك، فإني قد أوضحته، وما علمت أحدًا استقصى هذا الموضع هكذا. فإن سأل سائل، فقال: من أين جاز أن تفتح الدال في لَدَنْ، وإنما هي لَدُنْ نحو قوله تعالى: ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦] و ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ [الكهف: ٧٦] و ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ [النساء: ٤٠] وغير ذلك مما يطول ذكره حتى لما اختلفت حركات الدال قبل النون أشبهت التنوين، فنصب ما بعدها تشبيها بالمفعول؟ فالجواب: أن الفتحة في لَدَنْ إنما جاءت من قبل أنهم أسكنوا الدال في لَدُنْ استثقالا للضمة فيها كما يسكن نحو عضُد وسبُع، فيقال: عضْد١ وسبْع، فلما سكنت الدال، وكانت النون بعدها ساكنة التقى ساكنان. ففتحت الدال لالتقائهما، وشبهت من طريق اللفظ بنحو قولك في الأمر والنهي: اضربَنْ زيدًا، ولا تضربَنْ عمرًا. هكذا حصلت عن أبي علي وقت قراءة الكتاب عليه. ويزيد عندك في شبه نون لَدُنْ بتنوين اسم الفاعل، أن العرب قد حذفتها في بعض المواضع تخفيفًا، فقالت: من لَدُ الحائط، و: لَدُ الصلاة. وحذفوها أيضًا ولا ساكن بعدها.

стр. 497

أنشد سيبويه١: من لَدُ شَوْلا فإلى إتلائها٢ فلما حذفت النون تارة، وثبتت أخرى، وضمت الدال تارة، وفتحت أخرى، قوي شبه النون بالتنوين الذي قد يحذف تارة، ويثبت أخرى، وتختلف الحركات التي قبله، وهذا واضح جلي. واعلم أن الشاعر له مع الضرورة أن يصرف ما لا ينصرف، وليس له ترك صرف ما ينصرف للضرورة. هذا مذهبنا، وذلك أن الصرف هو الأصل، فإذا اضطر الشاعر رجع إليه، وليس له أن يترك الأصل إلى الفرع. فأما ما رووه من قول الشاعر٣: فما كان حِصْنٌ ولا حابسٌ ... يفوقانِ مِرْداسَ في مَجْمَعِ٤ فإن أبا العباس رواه غير هذه الرواية، وهي قوله: ............ ... يفوقانِ شَيْخِيَ في مَجْمَعِ٥ فرواية برواية، والقياس في ما بعد معنا. على أن أبا الحسن قد حكى عنهم "سلامُ عليكم" غير منون، والقول فيه: إن اللفظة كثرت في كلامهم، فحذف تنوينها تخفيفًا، كما قالوا: لم يكُ، ولم يُبَلْ، ولا أدرِ. واعلم أن النون قد حذفت من الأسماء عينًا في قولهم "مُذْ" وأصله مُنْذُ. ولو صغرت مذ اسم رجل لقلت: مُنَيْذ، فرددت النون المحذوفة ليصح لك وزن فُعَيْل. وحذفت أيضًا لامًا في ددن، فقالوا: دد- وهو اللهو واللعب- قال رسول الله ﷺ : "لستُ من دَدٍ ولا دَدٌ مِنِّي".

стр. 498

وقد قالوا أيضًا في هذا المعنى: دَدَا مقصورًا. واعتقبت النون وحرف العلة على هذه اللفظة لاما، كما اعتقبت الهاء والواو في سنة لاما، فقال قوم سَنَوات، ومُساناة١، وسُنَيّة، وأسْنَتُوا٢. وقال آخرون٣: ليستْ بسَنْهاء..... ... ............ وسُنَيْهة، ومُسانهة. وكذلك أيضًا عضة، فمن قال: بعير عاضِةٌ٤، وعِضاهة، وبعير عِضاهيّ، كانت اللام عنده هاء. ومن قال٥: هذا طريق يأزِمُ المآزما ... وعِضَواتٌ تقطع اللَّهازِما٦ فاللام عنده واو، ونظائره كثيرة. وقد حذفت النون من "إنّ" و"أنّ" تخفيفًا، وذلك قوله عَزَّ اسْمُهُ: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [القلم: ٥١] ٧ و ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾ [الفرقان: ٤٢] ٨ و ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] ٩، وقول الشاعر١٠: شلت يمينك إن قتلتَ لَمُسْلِمًا ... وجبت عليك عقوبةُ المتعمِّدِ١١ ف "إنْ" في هذا ونحوه مخففةٌ من الثقيلة.

стр. 499

وكذلك قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ [المزمل: ٢٠] ١. وقول الشاعر٢: زعم الفرزدقُ أنْ سيقتلُ مَرْبَعًا ... أبشرْ بطولِ سلامةٍ يا مربعُ٣ وسألت أبا علي عن قول الشاعر٤: أنْ تقرآنِ على أسماءَ ويحكُما ... مني السلامُ وأنْ لا تُعْلِمَا أحدا٥ فقلت له: لم رفع تقرآن؟ فقال: أراد "أن" الثقيلة، أي: أنكما تقرآن، هذا مذهب أصحابنا٦. وقرأت على محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى في تفسير أن تقرآن، قال: "شبه أن بما"٧ فلم يعملها في صلتها، وهذا مذهب البغداديين. وفي هذا بعد، وذلك أنَّ "أنْ" لا تقع إذا وصلت حالا أبدًا، إنما هي للمضي أو الاستقبال، نحو: سرني أن قام زيد ويسرني أن يقوم غدًا، ولا تقول: يسرني أن يقوم وهو في حال قيام، و"ما" إذا وصلت بالفعل فكانت مصدرًا فهي للحال أبدًا، نحو قولك: ما تقوم حَسَنٌ، أي: قيامك الذي أنت عليه حسن، فيبعد تشبيه واحدة منها بالأخرى، وكل واحدة منها لا تقع موقع صاحبتها. قال أبو علي: وأولى أن المخففة من الثقيلة الفعلَ بلا عوض ضرورة. وهذا على كل حال وإن كان فيه بعض الصنعة أسهل مما ارتكبه الكوفيون.

стр. 500

فأما قوله عَزَّ اسْمُهُ: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] و ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ [ق: ٤٣] ونحو ذلك فأصله "إنّنا" ولكن حذفت إحدى النونين من "إنّ" تخفيفًا، وينبغي أن تكون الثانية منها لأنها طرف، فهي أضعف، وهي التي حذفت في قوله: .... إنْ قتلتَ لَمسلما ... ................١ وقد حذفت مع اللام تشبيها بالنون، فقالوا: لَعَلِّي، وأصله لَعَلَّنِي، وحذفوها مع ليتَ لأنها أخت لعلّ، ومن أبيات الكتاب٢: كمُنْية جابرٍ إذ قال ليتي ... أصادفُه وأفقدُ جُلَّ مالي٣ وروينا عن قطرب لمُهلهِل: زعموا أنني ذَهَلتُ وليتي ... أستطيع الغداة عنها ذُهولا أي: ليتني. وإنما زيدت هذه النون في ضربني ويضربني ليسلم الفعل من الكسر، وتقع الكسرة على النون. وزادوها أيضًا مع "إنّ" وأخواتها لمشابهتهن الفعل. وزادوها أيضًا في نحو مني وعني لأنهما لما سكن آخرهما أشبهتا الفعل. وعلى هذا قالوا: قطني، وقد قالوا قِطي أيضًا. وقَدْني وقَدِي.

стр. 501

باب الهاء إبدال الهاء إبدال الهاء من الهمزة ... حرف الهاء: إبدال الهاء من الهمزة: الهاء حرف مهموس يكون أصلا وبدلا وزائدا. فإذا كان أصلا وقع فاءً وعينًا ولامًا، فالفاء نحو هند وهدم. والعين نحو عهد وشهد. واللام نحو شِبْه وبَدَهَ. وإذا كانت بدلا فمن خمسة أحرف، وهي: الهمزة، والألف، والياء، والواو، والتاء. قد أبدلت الهاء من الهمزة على ضربين: أحدهما أصل، والآخر: زائد. فالأصل نحو قولهم في "إيّاك": "هِيّاك" أنشد أبو الحسن١: فهِيّاك والأمر الذي إن توسعت ... موارده ضاقت عليك مصادره٢ وروينا عن قطرب أن بعضهم يقول "أيّاك" بفتح الهمزة، ثم يبدل الهاء منها وهي مفتوحة أيضًا، فيقول "هَيّاك" قال: وطيّئ تقول: "هِنْ فَعَلَ فَعلتُ" يريدون "إنْ" قال: وقال الراجز٣: هَيّاك أن تُمْنَى بِشَعْشَعانِ ... خَبِّ الفؤادِ مائل اليدانِ٤

стр. 502

وقال آخر١: يا خالِ هلا قلتَ إذا أعطيتَني: ... هَيّاك هَيّاك وحَنْوَاء العنقْ٢ وقالوا: "لَهِنَّكَ قائمٌ" والأصل "لَإِنَّكَ" فأبدلوا الهاء من همزة "إنّ". قال الشاعر٣: ألا يا سنا برق قلل الحمى ... لَهِنَّكَ من برق عليّ كريمُ٤ وقرأ بعضهم: ﴿طَهْ، مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ١، ٢] ٥

стр. 503

بتسكين الهاء، وقالوا: أراد "طَأِ الأرضَ بقدمَيكَ جميعًا" لأن النبي ﷺ كان يرفع إحدى رجليه في صلاته، فالهاء على هذا بدل من همزة "طأ". وقال بعضهم في قولهم "هات يا رجل": إن الهاء بدل من همزة "آتى يؤاتي"١، وقال٢: لله ما يعطي وما يهاتي أي: وما يأخذ. وقرأت على أبي عليّ قال: قال الأصمعي: يقال للصَّبا٣: هَيْر وهِير، وأَيْر وإير، وذكر ابن السكيت هذه اللفظة في باب الإبدال٤، ولم يقل أيهما الأصل وأيهما الفرع. والقول في ذلك عندي أن يقضى بكونهما أصلين غير مبدل أحدهما من الآخر حتى تقوم الدلالة على القلب. وقرأت٥ على أبي علي أيضًا: فانصرفتْ وهي حصانٌ مُغْضَبَهْ ... ورفعتْ بصوتها: هَيا أَبَهْ٦ قال ابن السكيت: "يريد: أَيَا أَبَهْ"٧ ثم أبدل الهمزة هاء. وهذا أشبه من الأول، لأن "أيا" في النداء أكثر من "هيا". وقالوا: "هَما والله لقد كان كذا" أي: أَما والله.

стр. 504

وأما إبدال الهاء من الهمزة الزائدة فقولهم في "أرقْتُ": "هرقْتُ"، وفي "أنرْتُ الثوب": "هنرْتُه"١ وفي "أرحْتُ الدابةَ": "هرحتُها". قرأت ذلك على أبي علي في كتاب ابن السكيت٢، وأخبرنا به أيضًا بإسناده عن قطرب. وعنه أيضًا قال: يقولون٣: "هَزيْدٌ منطلقٌ"؟ أي: "أزيد منطلقٌ"؟ وأنشد أبو الحسن٤: وأتى صواحبُها فقلنَ: هَذا الذي ... مَنَحَ المودةَ غيرَنا وجفانا؟ ٥ قال: يريد: أَذا الذي؟ وحكى اللحياتي: "هَرَدْتُ الشيءَ أُهْرِيدُه" أي: أَرَدْتُه.

стр. 505

إبدال الهاء من الألف: قال الراجز١: قد وردتْ من أمْكِنَهْ ... من ههنا ومن هُنَهْ إنْ لَم أُرَوِّها فَمَهْ٢ أي: ومن هُنا. وأما قوله "فَمَهْ" فيحتمل أن يكون أراد "فَمَا" أي: فما أصنع؟ أو: فما قدرتي؟ ونحو ذلك. ويجوز أن يكون قوله "فَمَهْ" زجرًا منه، أي: فاكففْ عني، فلست أهلا للعتاب، أو: فَمَهْ يا إنسان، يخاطب نفسه ويزجرها. وقد ذكرت هذين الوجهين فيما تقدم من هذا الكتاب. فأما قولهم في الوقف على "أنَ فَعلتُ": "أنا" و"أَنَهْ" فالوجه أن تكون الهاء في "أَنَهْ" بدلا من الألف في "أنا" لأن الأكثر في الاستعمال إنما هو "أنا" بالألف، والهاء قليلة جدًّا فهي بدل من الألف. ويجوز أن تكون الهاء أيضًا في "أَنَهْ" ألحقت لبيان الحركة، كما ألحقت الألف، ولا تكون بدلا منها بل قائمة بنفسها كالتي في قوله تعالى: ﴿كِتَابِيَهْ﴾ ٣ [الحاقة: ٢٥] و ﴿حِسَابِيَهْ﴾ ٤ [الحاقة: ٢٠] و ﴿سُلْطَانِيَهْ﴾ ٥ [الحاقة: ٢٩] و ﴿مَالِيَهْ﴾ ٦ [الحاقة: ٢٨] و ﴿مَا هِيَهْ﴾ ٧ [القارعة: ١٠] و ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ ٨ [البقرة: ٢٥٩] فيمن أخذه من "سنوات" و"مساناة"٩ و"أسنَتُوا"١٠.

стр. 506

إبدال الهاء من الياء: قولهم في "هذي هند": "هذه"، فالهاء في "هذه" بدل من ياء "هذي". الدلالة على ذلك دون أن تكون الياء في "هذي" بدلا من الهاء في "هذه" قولهم في تحقير "ذا": "ذيّا" و"ذي" إنما هي تأنيث "ذا" ومن لفظه، فكما لا تجد للهاء في المذكر أصلا فكذلك هي أيضًا في المؤنث بدلٌ غيرُ أصل، وليست الهاء في قولنا "هذه" وإن استفيد منها التأنيث بمنزلة هاء "طلحة، وحمزة، وجوزة، وبيضة" لأن الهاء في نحو "حمزة وبيضة" زائدة، والهاء في "هذه" ليست بزائدة، إنما هي بدل من الياء التي هي عين الفعل "في هذي". وأيضًا فإن الهاء في نحو: "طلحة، وجوزة" تجدها في الوصل تاء، نحو: "طلحتان" و"جوزتكم"، والهاء في "هذه" ثابتة في الوصل ثباتها في الوقف. فإن قال القائل: فإذا كانت الهاء في هذه إنما هي بدل من الياء في "هذي" فما الذي دعاهم إلى تحريكها وكسرها في الوصل في قولهم" هذه هند" وهلا تُركت ساكنة إذا كانت في اسم غير متمكن، وهي مع ذلك بعد حركة؟ فالجواب: أن الكسرة إنما أتتها من قبل أنها هاء في اسم غير متمكن، فشبهت بهاء الإضمار في نحو قولك: "مررت بِه" و"نظرت إلى غلامِهِ" ومن العرب أيضًا من يسكنها في الوصل، ويجريها على أصل القياس، فيقول: "هذه هند" و"نظرت إلى هذه يا فتى"، فإذا لقيها ساكن بعدها لم يكن بد من كسرها، وذلك قولك "هذه المرأة عاقلة". فإن قلت: فالكسرة في هاء "هذه المرأة عاقلة" هل هي لالتقاء الساكنين أو هي الكسرة في لغة من قال "هذهِ هند" فكسر؟ فالجواب: أن القياس أن تكون الكسرة في الهاء في قولك "ضربت هذه المرأة" هي حركة الهاء في قولك "هذه هند" لا حركة التقاء ساكنين، وأن يكون من يقول: "هذهْ هند" فيسكن الهاء إذا احتاج إلى حركتها وافق الذين يقولون: "هذهِ دعد" فيكسرون الهاء، يدل على ذلك أن من قال: "همْ قاموا" فأسكن الميم من "هم"

стр. 507

متى احتاج إلى حركتها رد إليها الضمة التي في لغة من يقول: "هم قاموا" وعلى ذلك قراءة أبي عمرو وغيره ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ [المنافقون: ٧] ١ و ﴿أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون: ١١١] ٢. ألا تراه يقرأ ﴿وَهُمْ بَدَأُوكُمْ﴾ [التوبة: ١٣] ٣ و ﴿أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ [النحل: ٣٩﴾ وغير ذلك مسكن الميم. وكذلك من قال "مُذْ" فحذف النون من "منذ" وأزال الضمة عن الذال لزوال النون الساكنة من قبلها، إذا احتاج إلى حركة الذال ردها إلى الضم، فقال: "مُذُ اليومِ" و"مُذُ الليلةِ". وعلى هذا قولهم: "عَلْقاة"٤، فالألف في "علقاة" ليست للتأنيث، لمجيء هاء التأنيث بعدها، وإنما هي للإلحاق ببناء "جعفر" و"سلهب"٥ فإذا حذفوا الهاء من "علقاة" قالوا "علقَى" غير منون، قال العجاج٦: فَكَرَّ في علقَى وفي مُكُورِ٧

стр. 508

غير منوِّنٍ "علقى" فليست الألف في "علقى" إذن للإلحاق، لأنها لو كانت للإلحاق لنونت كما نونت "أرطى"١، وإنما هي للتأنيث، وهي في "علقاة" للإلحاق، أفلا ترى أن من ألحق الهاء في "علقاة" اعتقد فيها أن الألف للإلحاق ولغير التأنيث، فإذا نزع الهاء صار إلى لغة من اعتقد أن الألف للتأنيث، فلم ينونها كما لم ينونها، ووافقهم بعد نزعه الهاء من "علقاة" على ما يذهبون إليه من أن ألف "علقى" للتأنيث، فكذلك أيضًا من قال: "هذهْ دعدٌ" فسكن الهاء، إذا صار إلى موضع يحتاج فيه إلى حركة الهاء لئلا يجتمع ساكنان عاد إلى لغة من يقول: "هذهِ دعد"، فكسر الهاء، ولم يجعلها في قوله: "هذِهِ المرأةُ" حركة التقاء الساكنين، كما أن من قال: "هُمْ قاموا" فسكَّن الميم إذا احتاج إلى تحريكها راجَعَ لغة من ضمها في "هُمُ" فقال: ﴿هُمُ الذين يقولون﴾ [المنافقون: ٧] . فإن قلت: فقد أنشد قطرب٢: ألا إن أصحابَ الكنيفِ وجدتُهمْ ... هُمِ الناسُ لما أخصبُوا وتموَّلوا٣ وقد أنشد الكوفيون: فهم بطانَتُهم وهُمْ وزراؤهُمْ ... وهُمِ القضاةُ ومنهُمِ الحكامُ٤ ورويته عن الفراء: "ومنهُمِ الحجابُ".

стр. 509

وحكى الفراء هذه اللغة، وأنه سمعها من بعض بني سليم، وحكى أن العرب جميعًا تضم هذه الميم نحو ﴿هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ [البقرة: ١٢] ١ و ﴿هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون: ١١١] ٢. وحكى اللحياني٣ "مُذِ اليومِ" و"مُذِ الليلةِ" بكسر الذال. فالجواب: أن هذه اللغة، أعني "هُمِ القضاة" و"منهُمِ الحجاب" من القلة ومخالفة الجمهور على ما حكيناه عن الفراء، وما كانت هذه صفته وجب أن يلغى ويطرح ولا يقاس عليه غيره. وأما حكاية اللحياني فكذلك أيضًا، وتكون كغيرها مما دفعه أصحابنا وعجبوا منه. ووجه جواز ذلك -عندي- على ضعفه أنه شبه ميم "هم" وذال "مذ" بدال "قد" ولام "هل"، فكسرهما حين احتاج إلى حركتها كما يكسرهما ونحوهما إذا احتاج إلى ذلك نحو "قد انقطع" و"هل انطلق زيد"، وإن كان الذي قال: "هذه دعد" فسكن الميم هو الذي قال: "مذ اليوم" و"هم القضاة" فغير منكر أن تكون كسرة الهاء من "هذه ابنتك" و"هذه امرأتك" و"ضربت هذه المرأة" على لغته لالتقاء الساكنين، فليس ذلك بأشد من "هم القضاة" و"مذ اليوم" فاعرف ذلك. ومن إبدال الهاء من الياء قولهم في تصغير "هنة": "هنية" وأصلها الأول "هنيوة" لأن لام الفعل في تصريف هذه الكلمة واو لقولهم: ..................................... ... على هنوات شأنها متتابع وإبدالهم أيضًا التاء في "هنت" من الواو دون الياء، وقد تقدمت الدلالة على ذلك، فلما اجتمع في "هنيوة" الياء والواو، وسبقت الأولى بالسكون قبلت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، فصار "هنية"، وهو الدائر المستعمل في أيدي الناس.

стр. 510

فأما قول بعضهم: "هُنَيْهة" فإنما الهاء في "هُنَيْهة" بدل من الياء في "هُنَيّة"، والياء في "هُنَيّة" بدل من الواو في "هُنَيْوة". فأما قولهم في هاء "زنادقة" و"فرزانة"١ إنها بدل من الياء في "زناديق" و"فرازين" فليسوا يريدون بذلك البدل على حد إبدالهم الألف في "قام" و"باع" عن الواو والياء، وإنما يعنون أن الهاء لما طال الكلام بها صارت كالعوض من الياء، كما صار طول الكلام بين الفعل والفاعل في نحو "حضرَ القاضِيَ اليومَ امرأةٌ" عوضًا من تاء التأنيث في "حَضرتْ". وهذا باب واسع إلا أنه ليس مما قدمناه. ونحو من هذا قولهم في الهاء من "عِدة" و"زِنة" و"شِية" إنها صارت عوضًا من الواو التي هي فاء الفعل في "وَعَدْتُ" و"وَزَنْتُ" و"وَشَيْتُ" فافهم ذلك. إبدال الهاء من الواو: قد أبدلوها في حرف واحد، وهو قول امرئ القيس٢: وقد رابني قولهم: ياهنا ... هُ ويحك ألحقتَ شرًّا بشرٍّ فالهاء الآخرة في "هناة" بدل من الواو في "هَنُوك" و"هَنَوات" -وقد دللنا على ذلك في أول الكتاب- وكان أصله "هَناو" فأبدلت الواو هاء، فقالوا: "هَناه". هكذا قال أصحابنا٤. ولو قال قائل: إن الهاء في "هَناه" إنما هي بدل من الألف المنقلبة من الواو الواقعة بعد ألف "هَناه" إذ أصله "هَناو" ثم صار "هناا" كما أن أصل "عطاءٍ" "عطاوٌ"، ثم صار بعد القلب "عطاا"-وقد دللنا على ذلك في أول الكتاب- فلما صار "هَناا" والتقت ألفان كُرِهَ اجتماع الساكنين، فقلبت الألف

стр. 511

الآخرة هاء، فقالوا: "هناه" كما أبدل الجميع من ألف "عطاا" الثانية همزة لئلا يجتمع ساكنان، لكان قولا قويًّا، ولكان أيضًا أشبه من أن يكون قلبت الواو في أول أحوالها هاء من وجهين: أحدهما: أن من شريطة قلب الواو ألفا أن تقع طرفًا بعد ألف زائدة، وقد وقعت هنا كذلك. والآخر: أن الهاء إلى الألف أقرب منها إلى الواو، بل هما في الطرفين، ألا ترى أن أبا الحسن ذهب إلى أن الهاء مع الألف من موضع واحد لقرب ما بينهما، فقلبُ الألف إذن هاء أقرب من قلب الواو هاء. وكتب إليَّ أبو علي من حلب في جواب شيء سألته عنه، فقال: وقد ذهب أحد علمائنا إلى أن الهاء من "هناه" إنما لحقت في الوقف لخفاء الألف، كما تلحق بعد ألف الندبة في نحو "وازيداه" و"وابكراه" ثم إنها شبِّهت بالهاء الأصلية، فحركت، فقالوا: "يا هناهُ". ولم يسمِّ أبو علي هذا العالم من هو، فلما انحدرت إليه إلى مدينة السلام، وقرأت عليه نوادر أبي زيد، نظرت فإذا أبو زيد هو صاحب هذا القول. وهذا من أبي زيد غير مرضٍ عند الجماعة، وذلك أن الهاء التي تلحق لبيان الحركات وحروف اللين إنما تلحق في الوقف، فإذا صرت إلى الوصل حذفتها البته١، فلم توجد فيه ساكنة ولا متحركة، وقد استقصيت هذا الفصل في كتابي في شرح شعر المتنبي عند قوله: واحر قلباه ممن قلبه شبم ... ..............................٢ ودللت هناك على ضعف قول أبي زيد وبيت المتنبي جميعًا في هذا.

стр. 512

إبدال الهاء من التاء: وذلك في التأنيث نحو قولك في "جَوْزَةٍ" في الوصل: "جَوْزَهْ" في الوقف، وفي "حَمْزَةٍ": "حَمْزَهْ"، وقد ذكرنا قديما قول من أجرى الوصل مجرى الوقف، فقال: "ثلاثَهَرْبَعَهْ" وقول من أجرى الوقف مجرى الوصل، فقال: بلْ جَوْزِ تَيْهَاءَ كظهْرِ الحَجَفَتْ١ وقول الآخر: الله أنجاك بِكَفَّيْ مَسْلَمَتْ وحكى قطرب٢ عن طيئ أنهم يقولون: "كيف البنون والبناهْ، وكيف الإخوةُ والأخواهْ" قال: وذلك شاذ. فأما "التابوه" فلغة في "التابوت". ووقف بعضهم٣ على "اللات" بالهاء، فقال: "اللاهْ". زيادة الهاء أما أبو العباس٤ فكان يخرج الهاءَ من حروف الزيادة، ويذهب إلى أنها إنما تلحق للوقف في نحو: "اخْشَهْ" و"ارْمِهْ" و"هُنَّهْ" و"لكنَّهْ" وتأتي بعد تمام الكلمة. وهذا مخالفة منه للجماعة، وغير مرضٍ عندنا، وذلك أن الدلالة قد قامت على صحة زيادة الهاء في غير ما ذكره أبو العباس، فمما زيدت فيه الهاء قولهم: "أُمَّهات" وزنه "فُعْلَهات" والهاء زائدة لأنه بمعنى الأم، والواحدة "أُمَّهة"، قال:

стр. 513

أمهتي خندفُ والياسُ أبي١ أي: أمي. وقولهم: "أمٌّ بينةُ الأمومةِ" قد صح لنا منه أن الهمزة فيه فاء الفعل، والميم الأولى عين الفعل، والميم الآخرة لام الفعل، ف "أمّ" بمنزلة "دُرّ" و"حَبّ" و"جُلّ" مما جاء على "فُعْلٍ" وعينه ولامه من موضع واحد. وأجاز أبو بكر في قول من قال: "أُمَّهة" في الواحد أن تكون الهاء أصلية، وتكون "فُعَّلة"، فهي في هذا القول الذي أجازه أبو بكر بمنزلة "تُرَّهة"٢ و"أُبَّهة" و"عُلَّفة"٣ و"قُبَّرة"٤. ويقوي هذا القولَ قولُ صاحب كتاب العين "تأمَّهْتُ أُمًّا"، فـ "تأمَّهْتُ"٥ بين أنه "تَفَعَّلْتُ" بمنزلة "تَفَوَّهتُ" و"تَنَبَّهتُ"، إلا أن قولهم في المصدر الذي هو الأصل "أمومة" يقوي زيادة الهاء في "أُمَّهَة" وأن وزنها "فُعْلَهَة". ويزيد في قوة ذلك أيضًا قوله: إذا الأمهات قَبَحْنَ الوجوهَ ... فَرَجْتَ الظلامَ بأُمَّاتِكا٦

стр. 514

وقرأت على أبي سهل أحمد بن محمد القطان، وأنشدَناه عن أبي العباس محمد بن يزيد١: قَوّالِ معروفٍ وفَعّالِهِ ... عقّارِ مثنى أمهات الرِّباعْ٢ فهذا فيمن أثبت الهاء في غير الآدميين، وقال الآخر٣: لقد وَلَدَ الأُخَيْطِلَ أُمُّ سوءٍ ... مُقَلَّدَة من الأمّاتِ عارا فجاء به بلا هاء فيمن يعقل. وقال الراعي٤: كانت نجائبَ مُنذِرٍ ومحرِّقٍ ... أُمّاتُهُنَّ وطرْقُهُنَّ فَحِيلا٥ فجاء به بغير هاء، إلا أنه في غالب الأمر فيمن يعقل بالهاء، وفيما لا يعقل بغير هاء، زادوا الهاء فرقا بين من يعقل وما لا يعقل.

стр. 515

فإن قال قائل: ما الفرق بينك وبين من عكس عليك الأمر، فقال: ما تنكر أن تكون الهاء إنما حذفت في غالب الأمر مما لا يعقل، وأثبتت فيمن يعقل وهي أصل فيه للفرق؟ فالجواب: أن الهاء أحد الحروف العشرة التي تسمى حروف الزيادة لا حروف النقص، وإنما سميت حروف الزيادة لأن زيادتها في الكلام هو الباب المعروف، وأما الحذف فإنما جاء في بعضها، وقليل ما ذلك. ألا ترى إلى كثرة زيادة الواو والياء في الكلام وأن ذلك أضعاف حذفها إذا كانتا أصلين نحو "يَدٍ" و"دَمٍ" و"غَدٍ" و"أبٍ" و"أخٍ" و"هَنٍ" فهذه ونحوها أسماء يسيرة محدودة محتقرة في جنب الأسماء المزيد فيها الياء والواو نحو "يِرْمِعٍ"١ و"يَعْمَلةٍ"٢ و"يُسْرُوعٍ"٣ و"يَلْمَعٍ"٤ و"يَعْضِيدٍ"٥ و"خَيْفَقٍ"٦ و"صَيْرَفٍ"٧ و"هَيْدَبٍ"٨ و"حَوْقَلٍ"٩ و"جَوْهَرٍ" و"جَدْوَلٍ" و"خَرْوَعٍ" ١٠ و"عِثْيَرٍ"١١ و"حِثْيَلٍ"١٢ و"حِذْيَمٍ"١٣ و"سَعِيدٍ" و"قَضِيبٍ" و"عَجُوزٍ" و"عَمْودٍ" و"دَهْلِيزٍ" و"جُرْمُوقٍ"١٤ و"كِنْثَأْوٍ"١٥ و"قِنْدَأْوٍ"١٦ و"عَضْرَفُوطٍ"١٧ و"عَنْدَلِيبٍ" و"خَرْبَصِيصٍ"١٨

стр. 516

و "جَلْفَزِيزٍ"١ و"عَنْتَرِيسٍ"٢ ونحو ذلك مما لا يحصى كثرة. وكذلك الهاء أيضًا إنما حذفت في نحو "شَفة" و"اسْتٍ" و"عِضة" فيمن قال "عَاضِهٌ" و"سَنةٍ" فيمن قال "سانَهْتُ" وما يقلّ جدًّا. وقد نراها تزاد للتأنيث فيما لا يحاط به نحو: "جَوْزة" و"لَوْزة"، ولبيان الحركة في نحو ﴿مالِيَهْ﴾ و ﴿كِتَابِيَهْ﴾ و ﴿حِسَابِيَهْ﴾ و ﴿اقْتَدِهْ﴾ و ﴿عَمَّهْ﴾ ٣ و ﴿فِيمَهْ﴾ ٤ و ﴿لِمَهْ﴾ ٥، ولبيان حرف المد نحو "وازِيْدَاهْ" و"واعَمْرَاه" و"واغُلامَهُمُوهْ" و"وا انقطاعَ ظَهْرِهيهْ". ونحو قول الراجز٦: اُكْسُ بُنَيّاتِي وأُمَّهُنَّهْ ... أُقْسِمُ باللهِ لَتَفْعَلَنَّهْ وما أشبه ذلك، ألا ترى أن من حروف الزيادة ما يزاد ولا يحذف في شيء من الكلام البتة، وذلك اللام والسين والميم، ولا تجد فيها شيئًا حذف ولم يزد البتة. فقد علمت أن الزيادة في هذه الحروف العشرة أفشى من الحذف، فعلى هذا القياس ينبغي أن تكون الهاء في "أُمَّهة" زيادة على "أُمّ" وتكون "أُمّ" الأصل، ولا ينبغي أن يعتقد أن الهاء هي الأصل، وأن "أُمًّا محذوفة من "أُمَّهة". وقالوا أيضًا "هَرَقْتُ" فزادوا الهاء عوضًا من سكون عين الفعل، وقد تقدم قولنا على صحة ذلك. فأما قول من قال: "تَأَمَّهتُ أُمًّا" وإثباته الهاء فنظيره مما يعارضه قولهم: "أُمٌّ بينةُ الأمومة" بحذف الهاء، فروايةٌ بروايةٍ، وبقي النظر الذي قدمناه حاكمًا بين القولين، وقاضيًا بأن زيادة الهاء أولى من اعتقاد حذفها، على أن الأمومة قد حكاها ثعلب٧ -وحسبك به ثقة- وغيره من الفريقين، وأما "تَأَمَّهتُ أُمًّا"

стр. 517

فإنما حكاها صاحب العين، وفي كتاب العين من الخَطَل والاضطراب ما لا يدفعه نظّارٌ جَلْدٌ، وإنما يخلد إليه من ضاق عَطَنُه، واستروحَ مِن كُلْفَةِ الحفظ إلى دَعة النسيان والترك. وذاكرت بكتاب العين يوما شيخنا أبا علي فأعرض عنه، ولم يرضه لما فيه من القول المرذول والتصريف الفاسد، فقلت له كالمحتج عليه: فإن في تصنيفه راحة لطالب الحرف. فقال: أرأيت لو أن رجلا صنف لغة بالتركية تصنيفًا حسنًا، هل كنا نقبلها منه ونستعملها؟ أو كلامًا هذا نحوه قد بعد عهدي به. ورأيت أبا محمد بن درستويه قد أنحى على أحمد بن يحيى في هذا الموضع من كتابه الموسوم بشرح الفصيح١، وظلمه، وغصبه حقه، والأمر عندي بخلاف ما ذهب إليه ابن درستويه في كثير مما ألزمه إياه، وما كنت أراه بهذه المنزلة، ولقد كنت أعتقد فيه الترفع عنها وإن كان من أصحابي وقائلا بقول مشيخة البصريين في غالب أمره، وكان أحمد بن يحيى كوفيًّا قلبًا، فالحق أحق أن يتبع أين حل وحيث صَقَعَ. ولو أن إنسانًا تتبع كتاب العين، فأصلح ما فيه من الزيغ والاضطراب لم أُعَنِّفْهُ في ذلك، ولرأيته مصيبًا فيه مأجورًا على عمله، وإن وجدت فسحة أصلحت ذلك وما في كتاب الجمهرة مما سها فيه مُصَنِّفُهُ ﵀. وذهب أبو الحسن إلى أن الهاء في "هِجْرَعٍ" و"هِبْلَعٍ" زائدتان، لأنهما عنده من "الجَرَع" و"البَلْع" وذلك أن "الهِجْرَع" هو الطويل، و"الجَرَع": المكان السهد المنقاد، و"الهِلْبَع": الأكول، فهذا من البَلْع، فمثالهما على هذا "هِفْعَل". وذهب الخليل فيما حكى عنه أبو الحسن إلى أن "هِرْكَوْلة": "هِفْعَوْلَة" وأن الهاء زائدة، قال: لأنها التي تركل في مشيتها. وسمعت بعض بني عقيل يقول في "هِرْكَوْلة ": "هِرَّكْلة"، قال: هِرَّكْلةٌ فُنُقٌ نِيافٌ طَلّةٌ ... لم تَعْدُ عن عَشْرٍ وحَوْلٍ خَرْعَبُ٢

стр. 518

فإن كان هذا ثبتًا عندهم فقياس قول الخليل أن تكون "هِرَّكْلة": "هَفَّعْلة" فتكون الفاء هنا مضعفة، فيضاف هذا الحرف إلى "مَرْمَرِيس"١ لأنه لم تُكررِ الفاء إلا هناك وفي "هِرَّكْلة" إن صحت، على قول الخليل. ويجيء على قياس هذا القول أن يكون قول الراجز٢: باتت بليلٍ ساهرٍ وقد سَهِدْ ... هُلَقِمٌ يأكلُ أطرافَ النُّجُد٣ وزنه "هُفَعِلٌ"، لأنه من "اللَّقْمِ"٤. ونحو منه قول العجاج٥: بِسَلْهَبَيْنِ فوقَ أنفٍ أَذْلَفا٦ ويجوز لقائل أن يقول: إن "سَلْهَبًا": "فَعْهَلٌ" لأنه من معنى السَّلَب، وهو الطويل. وقال أبو عثمان: رأيت أبا عبيدة محمومًا يهذي، ويقول: دينار كذا وكذا، فقلت للطبيب: سَلْهُ عن "الهِرْكَوْلة" ما هي؟ فقال: يا أبا عبيدة. قال: ما لك؟ قال: ما الهِرْكَوْلة؟ قال: الضخمة الأوراك. وحكى فيها أبو زيد: "هِرَكْلة" و"هُرَكْلة". فأما ما عليه أكثر الناس فإنما الهاء في "هِبْلَع" و"هِجْرَع" و"هِرْكَوْلة" أصل.

стр. 519

وحكى أحمد بن يحيى١: "هذا أهجر من هذا، أي: أطول" فهذا يثبت كون الهاء أصلا. ولست أرى بما ذهب إليه أبو الحسن والخليل من زيادتها في هذه الأسماء الثلاثة بأسًا، ألا ترى أن الدلالة إذا قامت على الشيء فسبيله أن يقضي به ولا يلتفت إلى خلاف ولا وفاق، فإن سبيلك إذا صحت لك الدلالة أن تتعجب من عدول من عدل عن القول بها، ولا تستوحش أنت من مخالفته إذا ثبتت الدلالة بضد مذهبه، ألا ترى أنهم قضوا بزيادة اللام في "ذلك" و"هنالك" و"عَبْدَلٍ" وإن لم تكثر نظائر هذا، فكذلك يقضي بزيادة الهاء في "هِجْرَعٍ" و"هِرْكَوْلة" و"أُمَّهات" لقيام الدلالة على ذلك. ولعمري إن كثرة النظير مما يؤنس، ولكن ليس إيجاد ذلك بواجب، فاعرف هذا، وقسه. فأما الهاء في "إياه" فهي على مذهب أبي الحسن حرف جر لمعنى الغَيْبَة، كما أن الكاف في "إياك" عنده حرف جاء لمعنى الخطاب، وقد تقدم القول على صحة ذلك في حرف الكاف٢، فارجع إليه تَرَه.

стр. 520

باب الواو إبدال الواو مدخل ... حرف الواو: اعلم أن الواو حرف مجهور يكون في الكلام على ثلاثة أضرب١: أصلًا، وبدلًا، وزائدًا. فإذا كان أصلًا وقع فاءً وعينًا ولامًا، فالفاء نحو "وَرَلٍ"٢ و"وَعَدَ"، والعين نحو "سَوْطٍ"٣ و"اسْتَرْوَحَ"٤، واللام نحو "دَلْوٍ" و"سَخُوَ"٥. إبدال الواو: وإذا كانت بدلا فمن ثلاثة أحرف، وهي الهمزة والألف والياء. فأما إبدالها من الهمزة فعلى ثلاثة أضرب: أحدها أن تكون الهمزة أصلا، والآخر أن تكون بدلا، والآخر أن تكون زائدة. إبدالها منها والهمزة أصل: وذلك أن تكون الهمزة مفتوحة وقبلها ضمة، فمتى آثرت تخفيف الهمزة قلبتها واوًا، وذلك قولك في "جُؤَنٍ"٦: "جُوَنٌ" وفي "رجل سُؤَلة: سُوَلة" وفي "بُؤَرً: بُوَرٌ" وفي "لُؤَمٍ: لُوَمٌ"٨، وفي تخفيف "هو يضرب أباك: هو يضرب وَبَاك" وفي تخفيف "يقتلُ أخاك: يقتل وَخَاك" فالواو هنا مخلصة، وليس فيها من بقية الهمزة. ومثل ذلك قولك في "هذا أَفْعَلُ من هذا" من "أَمَمْتُ" في قول أبي الحسن٩: "هذا أَوَمُّ من هذا" وفي قول أبي عثمان١٠ "هذا أَيَمُّ من هذا" بالياء.

стр. 521

وكذلك قراءة أبي عمرو: "السُّفَهَاءُ وَلا إِنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاء" [البقرة: ١٣] ١ ومن ذلك قولهم في "آخيتُ زيدًا: وَاخَيْتُهُ" فهذه الواو بدل من الهمزة لا محالة، ولا يجوز أن يكونا أصلين مثل "أكدت" و"وَكَّدت" و"أَرَّخْتُ"٢ و"وَرَّخْتُ" وذلك أن لام الفعل من "وَاخَيْتُ" في الأصل إنما هي واو لقولك "أخوانِ" و"إخوة" وإنما قلبت في "واخيتُ" كما انقلبت في "غازيتُ"، فإذا كانت اللام كما ذكرنا واوًا لم يجُزْ أن تكون الواو في "واخيتُ" أصلا، لأنه ليس في كلامهم كلمة فاؤها واو ولامها واو غير قولهم "واو" فاعرف ذلك. وأما إبدال الواو من الهمزة المبدلة فقولك في تخفيف "يملك أحد عشر: وهو يملك وَحَدَ عَشَرَ" وفي "يضربُ أناةً٣: هو يضربُ وناةً" وذلك أن الهمزة في "أحد" و"أناة" بدل من واو، وأصله "وَحَدٌ" لأنه هو الواحد، و"امرأة وَناة" من "الوُنِيّ" وهو الفتور، وذلك أن المرأة توصف بأنها كسول. ألا ترى إلى قول حسان٤: وتكاد تَكْسَلُ أن تجيء فراشَها ... في جسم خَرْعَبَةٍ وحُسْنِ قوامِ٥

стр. 522

وقال الفرزدق١: إذا القُنْبُصاتُ السودُ طَوَّفْنَ بالضحى ... رَقَدْنَ عليهن الحِجالُ المُسَجَّفُ٢ وقال الكندي٣: وتُضحي فَتِيتُ المسكِ فوقَ فِراشها ... نَؤُومُ الضحى لم تَنْتَطِقْ عن تفضُّلِ٤

стр. 523

ونحو من هذا قول الأعشى١: هِرْكَوْلة فُنُقٌ دُرْمٌ مرافِقُها ... كأنّ أَخْمَصَها بالشوْك مُنْتَعِلْ٢ وقد أبدلت الواو من همزة التأنيث المبدلة من الألف على ما قدمناه في باب الهمزة في ثلاثة مواضع: وهي: التثنية، والجمع بالتاء، والنسب، فالتثنية نحو قولك في "حمراء، وصفراء، وخُنْفُساء: حمراوان، وصفراوان، وخُنْفُساوان" والجمع نحو قولك في: "صحراء: صحراوات" وفي "خَبْراء٣: خَبْراوات" وفي "خنفساء: خنفساوات" والنسب نحو قولك: "صفراويّ" و"حمراويّ" و"صحراويّ" و"خبراويّ" و"خنفساويّ". وأما إبدال الواو من الهمزة الزائدة فقولك في تخفيف "هذا غلامُ أَحْمَدَ": "هذا غلامُ وَحْمَدَ" وفي خفيف "يكرمُ أصرمَ": "هو يكرمُ وَصْرَمَ".

стр. 524

إبدال الواو من الألف: وهو على ثلاثة أضرب: أحدها: أن تبدل الواو من الألف والألف أصل. والآخر: إبدالها منها وهي بدل. والثالث: إبدالها منها وهي زائدة. فأما إبدال الواو من الألف والألف أصل فقولك في تثنية "إلى" و"لدى" اسمي رجلين: "إلَوَانِ" و"لَدَوَانِ" وكذلك "إذا" التي هي ظرف زمان، و"إذ" التي للمفاجأة وهي ظرف مكان، فلو سميت بها رجلا لقلت في التثنية "إذَوَانِ"، ولو جعلت شيئًا من ذلك اسم امرأةٌ، فجمعت بالألف والتاء لقلت: "إَلَوَات" و"لَدَوَات" و"إِذَوَات". وكذلك "ألا" تقول فيها في التثنية "أَلَوَان" وفي الجمع "أَلَوَات". وإنما قلبت هذه الألفاتُ واوًا من قبل أنها أصول غير زوائدَ ولا مبدلة بما قد أوضحناه، ودللنا عليه في كتب المنصف في شرح تصريف أبي عثمان، ولما لم يكن لهذه الألفات أصل ترد إليه إذا حركت، ولم تكن الإمالة مسموعة فيها، حكم عليها بالواو، فقلبت إليها عند الحاجة إلى تحريكها. فإن قلت: فقد سبق من قولك إنها غير مبدلة، فهلا لم يجز قلبها واوًا إذ ليس لها أصل في ياء ولا واو؟ فالجواب: أن الأمر كذلك إلا أنها لما سمي بها انتقلت إلى حكم الأسماء، فَحُكِمَ على ألفها بما يحكم على ألفاتِ الأسماء التي لا تحسن إمالتها مثل "عَصا" و"قَطا"١، فكما تقول: "عَصَوَان" و"قَطَوَات" كذلك قلت أيضًا "إلوان" و"لدوان" و"إلوات". ونحو ذلك أنك لو سميت رجلا بـ "ضَرَبَ" لأعربته، فقلت: "هذا ضَرَبٌ" وإن كان قبل التسمية لا يدخله الإعراب، فكما أن "ضَرَبَ" لما سمي به انتقل إلى حكم الأسماء فأُعْرِبَ كذلك أيضًا "إلى" و"لدى" و"إذا" و"ألا" إذا سمي بها انتقلت إلى حكم الأسماء، فقضي على ألفها بأنها من الواو إذ لم تجز فيها الإمالة. وهذا حصلته عن أبي علي وقت قراءة الكتاب.

стр. 525

فأما "على" فإن معناها يدل على أنها من "علوْتُ" فأمرها ظاهرٌ. وكذلك ألف "ما" و"لا" إذا سميتَ بهما زدت عليهما ألفًا أخرى، فإذا التقى ساكنان همزت الآخرة لما حركتها لالتقاء الساكنين، فصارت "ماءٌ" و"لاءٌ" فإن بنيت من هذين الاسمين اللذين هما "ماءٌ" و"لاءٌ" مثل "حَجَرٍ" و"عَمَلٍ" قلت: "مَوَىً" و"لَوَى ً" فقضيت على الألف الأولى أنها منقلبة من واو، وعلى الألف الآخرة التي كانت قلبت همزة بأنها منقلبة من ياء، فخرجت اللفظتان إلى باب "شويْتُ" و"طويْتُ"، ولم تقض على الألف الآخرة أنها من الواو كالألف الأولى من قبل أن العين قد ثبت أنها واو، واللام بعدها حرف علة، فالوجه أن تكون مما لامه ياء، ولا تكون مما لامه واو، وذلك أن باب "طويْتُ، ولويْتُ، وحويْتُ، وشويْتُ، ورويْتُ، ونويْتُ، وخويْتُ، وذويْتُ١، وصويْتُ٢، وغويْتُ، وعويْتُ، وثويْتُ٣، وهويْتُ" أكثر من باب "قَوِيتُ٤، وحَوِيتُ، والقوةُ، والحوةُ٥، والصوةُ٦" مما عينه ولامه واوان. هذا هو القانون، وبه وصى التصريفيون. وجاز أن يقضى على الألفينِ أنهما منقلبتان عن حرفي العلة وإن كانتا قبل التسمية غير منقلبتين، لأنك لما سميت بهما ألحقتهما بما عليه عامة الأسماء، وأخرجتهما من الحرفية التي كانا عليها للاسمية التي صارا إليها، فاعرفه.

стр. 526

إبدال الواو من الألف المبدلة: هذه الألف المبدلة التي أبدلت الواو عنها على ثلاثة أضرب: ألف مبدلة من همزة، وألف مبدلة من واو، وألف مبدلة من ياء. الأولى نحو قولك في تصغير "آدَمَ" و"آخَرَ" وجمعهما "أُوَيْدِم" و"أُوَيْخِر" و"أَوَادِم" و"أَوَاخِر" فالألف في "آدم" و"آخر" أصلها الهمزة، وكانت "أَأْدَم" و"أَأْخَر" لأنهما "أَفْعَل" من الأُدْمَة١ والتأخر، فلما اجتمعت همزتان في حرف واحد استثقلتا، فأبدلت الثانية ألفًا لسكونها وانفتاح الأولى قبلها، فصار "آدَمَ" و"آخَرَ" ثم جرت الألف فيهما مجرى ألف "فاعِل" الزائدة، فكما قلت في تحقير "ضاربة" وجمعها "ضُوَيْرِبة" و"ضَوَارِب" كذلك قلت "أُوَيْدِم" و"أُوَيْخِر" و"أَوَادِم" و"أَوَاخِر". فأما إبدال الواو من الألف المبدلة من واو فقولك في الإضافة إلى نحو "عَصَا" و"قَطَا" و"قَنَا": "عَصَوِيّ" و"قَطَوِيّ" و"قَنَوِيّ"، فالواو في "عَصَوَيْنِ" بدل من ألف "عَصَا" والألف في "عَصَا" بدل من الواو في "عصوين". وكذلك الواو في "قطوي" و"قنوي" لقولك "قطوات" و"قنوات". وأما إبدال الواو من الألف المبدلة من الياء فقولك في الإضافة إلى "فَتًى" و"سُرًى" و"رَحًى"٣: "فَتَوِيّ" و"سُرَوِيّ" و"رَحَوِيّ" فالواو هنا إنما هي بدل من ألف"فتى" و"سرى" و"رحى"، والألف هناك بدل من الياء في "فتيان" وفي "سريت" و"رحيت بالرحى"٤. فإن قلت: فَلِم أبدلت الألف في نحو "عصا" و"فتى" واوًا مع ياء الإضافة؟ فالجواب: أنهم لما احتاجوا إلى حركتها مع ياء الإضافة لسكونها وسكون الياء الأولى من ياءي الإضافة، قلبوها حرفًا يحتمل الحركة، وهو الواو، ولم يقلبوها ياء

стр. 527

فيقولوا "عَصَيِيّ" و"رَحَيِيّ" لئلا تجتمع ثلاث ياءات وكسرة، فهربوا إلى الواو لتختلف الأحرف. فإن قلت: فهلا قلبوها همزة كما قلبوا ألف "كساء" و"قضاء"، ألا ترى أن أصلهما "كساو" و"قضاي" فقلبت الواو والياء ألفين، فصارا "كساا" و"قضاا" ثم أبدلوا الألف الآخرة منهما همزة، فقالوا "كساء" و"قضاء" فهلا فعلوا مثل ذلك في "عصا" و"رحى" فقالوا "عصئي" و"رحئي"؟ فالجواب: أنهم إنما احتاجوا إلى حركة الحرف لا غير، ولم يقع طرفًا فيضعف، فتبدل منه همزة كما أبدلوها في "كساء" و"قضاء" ألا ترى أن الواو في "عصويّ" و"رحويّ" حشو، وليست بطرف فتضعف، فتبدل الألف في "عصا" و"رحى" همزة، وإذا كانوا قد احتملوا الواوين في نحو "نوويّ" و"طوويّ" و"لوويّ" لأنهما لم يتطرفا فيضعفا، فهم باحتمالهم الواحدة في نحو: "عصوي" و"رحوي" و"فتوي" أجدر. ورُوِّينا عن قطرب أن بعض أهل اليمن يقول "الصَّلَوْةُ" و"الزَّكَوْةُ" و"الحَيَوْةُ" بواو قبلها فتحة، فهذه الواو بدل من ألف "صلاة" و"زكاة" و"حياة" وليست بلام الفعل من "صَلوتُ" و"زَكَوتُ"، ألا ترى أن لام الفعل من "الحياة" ياء وقد قالوا "الحيوة".

стр. 528

إبدال الواو من الألف الزائدة: وذلك نحو ألف "فاعِل" و"فاعَل" و"فاعُول" و"فاعال" نحو "ضارِب" و"خاتَم" و"عاقُول"١ و"ساباط"٢ فمتى أردت تحقير شيء من ذلك أو تكسيره قلبت ألفه واوًا، وذلك نحو "ضُوَيْرِب" و"خُوَيْتِم" و"عُوِيْقِيل" و"سُوَيْبِيط" وكذلك "ضَوَارِب" و"خَوَاتِم" و"عَوَاقِيل" و"سَوَابِيط". فأما قلبها في التحقير فأمره واضح، وذلك أن الضمة لما وقعت قبل الألف قلبتها واوًا.

стр. 529

وأما التكسير فهو محمول في ذلك على التحقير، وذلك أنك إذا قلت "خَوَاتِم" و"ضَوَارِب" فلا ضمة في أول الحرف، ولكنك لما كنت تقول في التحقير "خُوَيْتِم" قلت في التكسير "خَوَاتِم" قال الأعشى: ................................... ... وتُتْرَكُ أمْوَالٌ عليها الخَوَاتِمُ١ وإنما حمل التكسير في هذا على التحقير لأنهما من واد واحد، وذلك أن هذا التكسير جارٍ مجرَى التحقير في كثير من أحكامه من قال أن علم التحقير ياء ثالثة ساكنة قبلها فتحة، وعلم التكسير ألف ثالثة ساكنة قبلها فتحة، والياء أخت الألف من الوجوه التي تقدم ذكرها، وما بعدها ياء التحقير حرف مكسور كما أن ما بعد ألف التكسير حرف مكسور، فلما تناسبا من هذه الوجوه حمل التكسير على التحقير، فقيل "خَوَالِد" كما قيل "خُوَيْلِد". وكما حمل التكسير في هذا الموضع على التحقير كذلك أيضًا حمل التحقير في غير هذا الموضع على التكسير، وذلك في قول من قال في تحقير "أَسْوَدَ" و"جَدْوَلٍ"٢: "أُسَيْوِدٌ" و"جُدَيْوِلٌ" فأظهر الواو ولم يُعلَّها لوقوع الياء الساكنة قبلها، وذلك أنه لما كان يقال التكسير "أساود" و"جداول" قال أيضًا في التحقير "أُسَيْوِد" و"جديول" وأجرى الواو في الصحة بعد ياء التحقير مجراها فيها بعد ألف التكسير، فكما جاز أن يشبه "ضَوَارِب" بـ "ضُوَيْرِب" وإن لم تكن في ضاد "ضوارب" ضمة كضمة ضاد "ضويرب". كذلك أيضًا جاز أن يشبه "أسيود" في تصحيح واوه بعد الياء بـ "أساود" في تصحيح واوه بعد الألف وإن كان في "أسيود" ما يبعث على القلب، وهو وقوع الياء ساكنة قبل الواو. ومن ذلك قولك في "قاتل" و"ضارب" ونحوهما: "قوتل" و"ضورب" انقلبت الألف الزائدة واوًا للضمة قبلها.

стр. 530

واعلم أن حذاق أصحابنا وذوي القياس القوي منهم يذهبون إلى أن الألف في "كتاب" و"غزال" و"غراب" إذا حقرتَ الاسم فقلت: "كُتَيِّب" و"غُزَيِّل" و"غُرَيِّب" فإنك لم تبد ألف "كتاب" و"غزال" و"غراب" في أول أحوالها لياء التحقير ياء، وإنما المذهب عندهم أنك قلبت الألف واوًا، فصار التقدير "كُتَيْوِبٌ" و"غُزَيْوِلٌ" و"غُرَيْوِبٌ" فلما اجتمعت الياء والواو، وسبقت الياء بالسكون قلبت الواو ياء، وأدغمت ياء التحقير فيها، فقلت: "كتيب" و"غزيل" و"غريب" فالياء إذن في "غزيل" إنما هي بدل من واوٍ بدلٍ من ألف المد، وكذلك ما أشبه ذلك. فإن قيل: ما الذي دعاهم إلى اعتقاد هذا الرأي؟ وهلا ذهبوا إلى أن الألف لما وقعت قبلها ياء التحقير قلبت في أول أحوالها ياء كما تقلب للكسرة تقع قبلها ياء، وذلك نحو "مِفْتاح" و"مَفاتِيح" و"دَينار" و"دَنانِير" و"قِرْطاس" و"قَراطِيس" و"حِمْلاق"١ و"حَمالِيق"؟ فالجواب: أنهم إنما حملهم على القول بما قدمناه أنهم رأوا الألف أكثر انقلابها إنما هو إلى الواو نحو "ضارب" و"ضوارب" و"ضويرب" فكما جاز أن تقلب في "ضوارب" ولا ضمة قبلها، وفي نحو: "رحوي" و"عصوي" و"فتوي" و"مغزوي" و"مهلوي" و"مدعوي" وفي قول يونس٢ في "مثنوي" و"معلوي" وأبدلت أيضًا من الألف المتحركة، وهي الهمزة في نحو "صفراوان، وحمراوان، وخبراوات، وخبراوي، وخنفساوي" وغير ذلك مما يطول ذكره، كذلك حكموا أيضًا بأنها في نحو "غزال" و"غراب" إنما قلبت في أول أحوالها واوًا، فصارت "غزيول" و"غريوب" ثم أبدلت الواو ياء على ما قدمناه. فهذا هو القول الذي لا معدل عنه. فأما "مُفَيْتِيحٌ" و"مَفَاتِيح" و"دُنَيْنِيرٌ" و"دَنَانِير" فلم يمكن قلب ألفها واوًا لأن الكسرة تمنع من ذلك، وليست قبل الياء الثانية في نحو "كُتَيِّب" و"حُسَيِّب" كسرة تمنع وقوع الواو بعدها، إنما قبلها ياء ساكنة، والياء الساكنة قد رأينا الواو المفردة
следующие страницы →