← Язык

Язык · id 12017

سر صناعة الإعراب

ابن جني

Полный текст (761 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

إبدال الواو من الألف المبدلة: هذه الألف المبدلة التي أبدلت الواو عنها على ثلاثة أضرب: ألف مبدلة من همزة، وألف مبدلة من واو، وألف مبدلة من ياء. الأولى نحو قولك في تصغير "آدَمَ" و"آخَرَ" وجمعهما "أُوَيْدِم" و"أُوَيْخِر" و"أَوَادِم" و"أَوَاخِر" فالألف في "آدم" و"آخر" أصلها الهمزة، وكانت "أَأْدَم" و"أَأْخَر" لأنهما "أَفْعَل" من الأُدْمَة١ والتأخر، فلما اجتمعت همزتان في حرف واحد استثقلتا، فأبدلت الثانية ألفًا لسكونها وانفتاح الأولى قبلها، فصار "آدَمَ" و"آخَرَ" ثم جرت الألف فيهما مجرى ألف "فاعِل" الزائدة، فكما قلت في تحقير "ضاربة" وجمعها "ضُوَيْرِبة" و"ضَوَارِب" كذلك قلت "أُوَيْدِم" و"أُوَيْخِر" و"أَوَادِم" و"أَوَاخِر". فأما إبدال الواو من الألف المبدلة من واو فقولك في الإضافة إلى نحو "عَصَا" و"قَطَا" و"قَنَا": "عَصَوِيّ" و"قَطَوِيّ" و"قَنَوِيّ"، فالواو في "عَصَوَيْنِ" بدل من ألف "عَصَا" والألف في "عَصَا" بدل من الواو في "عصوين". وكذلك الواو في "قطوي" و"قنوي" لقولك "قطوات" و"قنوات". وأما إبدال الواو من الألف المبدلة من الياء فقولك في الإضافة إلى "فَتًى" و"سُرًى" و"رَحًى"٣: "فَتَوِيّ" و"سُرَوِيّ" و"رَحَوِيّ" فالواو هنا إنما هي بدل من ألف"فتى" و"سرى" و"رحى"، والألف هناك بدل من الياء في "فتيان" وفي "سريت" و"رحيت بالرحى"٤. فإن قلت: فَلِم أبدلت الألف في نحو "عصا" و"فتى" واوًا مع ياء الإضافة؟ فالجواب: أنهم لما احتاجوا إلى حركتها مع ياء الإضافة لسكونها وسكون الياء الأولى من ياءي الإضافة، قلبوها حرفًا يحتمل الحركة، وهو الواو، ولم يقلبوها ياء

стр. 527

فيقولوا "عَصَيِيّ" و"رَحَيِيّ" لئلا تجتمع ثلاث ياءات وكسرة، فهربوا إلى الواو لتختلف الأحرف. فإن قلت: فهلا قلبوها همزة كما قلبوا ألف "كساء" و"قضاء"، ألا ترى أن أصلهما "كساو" و"قضاي" فقلبت الواو والياء ألفين، فصارا "كساا" و"قضاا" ثم أبدلوا الألف الآخرة منهما همزة، فقالوا "كساء" و"قضاء" فهلا فعلوا مثل ذلك في "عصا" و"رحى" فقالوا "عصئي" و"رحئي"؟ فالجواب: أنهم إنما احتاجوا إلى حركة الحرف لا غير، ولم يقع طرفًا فيضعف، فتبدل منه همزة كما أبدلوها في "كساء" و"قضاء" ألا ترى أن الواو في "عصويّ" و"رحويّ" حشو، وليست بطرف فتضعف، فتبدل الألف في "عصا" و"رحى" همزة، وإذا كانوا قد احتملوا الواوين في نحو "نوويّ" و"طوويّ" و"لوويّ" لأنهما لم يتطرفا فيضعفا، فهم باحتمالهم الواحدة في نحو: "عصوي" و"رحوي" و"فتوي" أجدر. ورُوِّينا عن قطرب أن بعض أهل اليمن يقول "الصَّلَوْةُ" و"الزَّكَوْةُ" و"الحَيَوْةُ" بواو قبلها فتحة، فهذه الواو بدل من ألف "صلاة" و"زكاة" و"حياة" وليست بلام الفعل من "صَلوتُ" و"زَكَوتُ"، ألا ترى أن لام الفعل من "الحياة" ياء وقد قالوا "الحيوة".

стр. 528

إبدال الواو من الألف الزائدة: وذلك نحو ألف "فاعِل" و"فاعَل" و"فاعُول" و"فاعال" نحو "ضارِب" و"خاتَم" و"عاقُول"١ و"ساباط"٢ فمتى أردت تحقير شيء من ذلك أو تكسيره قلبت ألفه واوًا، وذلك نحو "ضُوَيْرِب" و"خُوَيْتِم" و"عُوِيْقِيل" و"سُوَيْبِيط" وكذلك "ضَوَارِب" و"خَوَاتِم" و"عَوَاقِيل" و"سَوَابِيط". فأما قلبها في التحقير فأمره واضح، وذلك أن الضمة لما وقعت قبل الألف قلبتها واوًا.

стр. 529

وأما التكسير فهو محمول في ذلك على التحقير، وذلك أنك إذا قلت "خَوَاتِم" و"ضَوَارِب" فلا ضمة في أول الحرف، ولكنك لما كنت تقول في التحقير "خُوَيْتِم" قلت في التكسير "خَوَاتِم" قال الأعشى: ................................... ... وتُتْرَكُ أمْوَالٌ عليها الخَوَاتِمُ١ وإنما حمل التكسير في هذا على التحقير لأنهما من واد واحد، وذلك أن هذا التكسير جارٍ مجرَى التحقير في كثير من أحكامه من قال أن علم التحقير ياء ثالثة ساكنة قبلها فتحة، وعلم التكسير ألف ثالثة ساكنة قبلها فتحة، والياء أخت الألف من الوجوه التي تقدم ذكرها، وما بعدها ياء التحقير حرف مكسور كما أن ما بعد ألف التكسير حرف مكسور، فلما تناسبا من هذه الوجوه حمل التكسير على التحقير، فقيل "خَوَالِد" كما قيل "خُوَيْلِد". وكما حمل التكسير في هذا الموضع على التحقير كذلك أيضًا حمل التحقير في غير هذا الموضع على التكسير، وذلك في قول من قال في تحقير "أَسْوَدَ" و"جَدْوَلٍ"٢: "أُسَيْوِدٌ" و"جُدَيْوِلٌ" فأظهر الواو ولم يُعلَّها لوقوع الياء الساكنة قبلها، وذلك أنه لما كان يقال التكسير "أساود" و"جداول" قال أيضًا في التحقير "أُسَيْوِد" و"جديول" وأجرى الواو في الصحة بعد ياء التحقير مجراها فيها بعد ألف التكسير، فكما جاز أن يشبه "ضَوَارِب" بـ "ضُوَيْرِب" وإن لم تكن في ضاد "ضوارب" ضمة كضمة ضاد "ضويرب". كذلك أيضًا جاز أن يشبه "أسيود" في تصحيح واوه بعد الياء بـ "أساود" في تصحيح واوه بعد الألف وإن كان في "أسيود" ما يبعث على القلب، وهو وقوع الياء ساكنة قبل الواو. ومن ذلك قولك في "قاتل" و"ضارب" ونحوهما: "قوتل" و"ضورب" انقلبت الألف الزائدة واوًا للضمة قبلها.

стр. 530

واعلم أن حذاق أصحابنا وذوي القياس القوي منهم يذهبون إلى أن الألف في "كتاب" و"غزال" و"غراب" إذا حقرتَ الاسم فقلت: "كُتَيِّب" و"غُزَيِّل" و"غُرَيِّب" فإنك لم تبد ألف "كتاب" و"غزال" و"غراب" في أول أحوالها لياء التحقير ياء، وإنما المذهب عندهم أنك قلبت الألف واوًا، فصار التقدير "كُتَيْوِبٌ" و"غُزَيْوِلٌ" و"غُرَيْوِبٌ" فلما اجتمعت الياء والواو، وسبقت الياء بالسكون قلبت الواو ياء، وأدغمت ياء التحقير فيها، فقلت: "كتيب" و"غزيل" و"غريب" فالياء إذن في "غزيل" إنما هي بدل من واوٍ بدلٍ من ألف المد، وكذلك ما أشبه ذلك. فإن قيل: ما الذي دعاهم إلى اعتقاد هذا الرأي؟ وهلا ذهبوا إلى أن الألف لما وقعت قبلها ياء التحقير قلبت في أول أحوالها ياء كما تقلب للكسرة تقع قبلها ياء، وذلك نحو "مِفْتاح" و"مَفاتِيح" و"دَينار" و"دَنانِير" و"قِرْطاس" و"قَراطِيس" و"حِمْلاق"١ و"حَمالِيق"؟ فالجواب: أنهم إنما حملهم على القول بما قدمناه أنهم رأوا الألف أكثر انقلابها إنما هو إلى الواو نحو "ضارب" و"ضوارب" و"ضويرب" فكما جاز أن تقلب في "ضوارب" ولا ضمة قبلها، وفي نحو: "رحوي" و"عصوي" و"فتوي" و"مغزوي" و"مهلوي" و"مدعوي" وفي قول يونس٢ في "مثنوي" و"معلوي" وأبدلت أيضًا من الألف المتحركة، وهي الهمزة في نحو "صفراوان، وحمراوان، وخبراوات، وخبراوي، وخنفساوي" وغير ذلك مما يطول ذكره، كذلك حكموا أيضًا بأنها في نحو "غزال" و"غراب" إنما قلبت في أول أحوالها واوًا، فصارت "غزيول" و"غريوب" ثم أبدلت الواو ياء على ما قدمناه. فهذا هو القول الذي لا معدل عنه. فأما "مُفَيْتِيحٌ" و"مَفَاتِيح" و"دُنَيْنِيرٌ" و"دَنَانِير" فلم يمكن قلب ألفها واوًا لأن الكسرة تمنع من ذلك، وليست قبل الياء الثانية في نحو "كُتَيِّب" و"حُسَيِّب" كسرة تمنع وقوع الواو بعدها، إنما قبلها ياء ساكنة، والياء الساكنة قد رأينا الواو المفردة

стр. 531

بعدها في نحو: "أُسَيْوِد" و"أُخَيْوِل" و"جُدَيْوِل" و"خُرَيْوِع"، وقالوا أيضًا: "دِيْوَان"١ و"اجْلِيوَاذ"٢ ونحو ذلك، فاعرف هذا فإنه مسفر واضح.

стр. 532

إبدال الواو من الياء: هذه الياء التي أبدلت منها الواو على ثلاثة أضرب: أصل، وبدل، وزائدة. فالأصل قولك من "أَيْقَنَ" و"أَيْسَرَ" و"أَيْدَيْتُ إليه يدًا"١: "مُوْقِن" و"مُوْسِر" و"مُودٍ" وهو "يُوقِن" و"يُوسِر" و"يُودِي" و"قد أَوْسَرَ في هذا المكان" و"أَوقِنَ فيه" و"أُودِيَ إلى زيد فيه" وهو "مُوسَرٌ فيه" و"مُوقَنٌ فيه" و"مُودًى إلى زيد فيه". وكذلك "أَيْأَسْتُهُ فأنا مُوئِسُهُ، وهو مُوأَسٌ مما طلبه". وكذلك كل ياء مفردة ساكنة قبلها ضمة، وإنما قلبت الياء الساكنة واوًا للضمة قبلها من قبل أن الياء والواو أختان بمنزلة ما تدانت مخارجه من الحروف نحو الدال والتاء والطاء، والذال والثاء والظاء، وقد رأيناهم قالوا "وتد"٢ فبينوا التاء لقوتها بالحركة، ثم إنهم لما أسكنوا التاء تخفيفًا ضعفت بالسكون، فاجترؤوا عليها بأن قلبوها إلى لفظ ما بعدها ليدغموها فيه، فيكون العمل والصوت من وجه واحد وجنس واحد، فقالوا"ودٌّ"٣. وكذلك الواو والياء في نحو "لَيِّة" و"طَيَّة" وأصلهما "لَوْيَة"٤ و"طَوْيَة"٥ قلبوا الواو ياء، وأدغموا الياء المنقلبة في الثانية، فقالوا "لية" و"طية". وكذلك "سَيِّد" و"مَيِّت" إنما أصلهما "سَيْوِد" و"مَيْوِت" فقلبت الواو ياء ليكون العمل أيضًا من وجه واحد، وأدغمت الياء، فصار "سيد" و"ميت".

стр. 533

فإن قلت: فإن "ودًّا" إنما قلبوا فيه الأول إلى لفظ ما أدغموه فيه وهو الدال، فقالوا "ودٌّ" وأنت في "سَيِّد" و"مَيِّت" إنما قلبت الثاني إلى لفظ الأول، فكيف هذا؟ فالجواب: أنهم إنما فعلوا ذلك بالواو لغلبة الياء عليها، وإنما غلبت الياء على الواو لخفة الياء وثقل الواو، فهربوا إلى الأخف، فلما وجبت هذه القضية في الواو والياء أجريت الضمة مجرى الواو، والكسرة مجرى الياء، لأنهما بعضان ونائبتان في كثير من المواضع عنهما، فقلبت الواو الساكنة للكسرة قبلها ياء، فقالوا: "ميزان" و"ميقات" والياء الساكنة للضمة قبلها واوًا، فقالوا "مُوسِرٌ" و"مُوقِنٌ" وقويت الحركتان وإن كانتا ضعيفتين على قلب الياء والواو من قبل أنهما لما سكنتا قويت الحركة على إعلالهما وقلبهما. فكما تقلب الياء الواو المتحركة في نحو "سَيِّد" و"قَيِّم" لأن أصلما "سَيْوِد" و"قَيْوِم" كذلك قلبت الكسرة الواو الساكنة في نحو "ميقات" و"ميعاد" والضمة الياء الساكنة في نحو "موسر" و"موقن" وذلك أن الحرف أقوى من الحركة، فكما قلبت الياء بقوتها الواو المتحركة، كذلك قلبت الكسرة والضمة الواو والياء الساكنتين دون المتحركتين لضعفهما. فإن قلت: فما بالهم قالوا "سائلٌ" و"سُيَّلٌ" و"عائلٌ" و"عُيَّلٌ". قال أبو النجم١: كأن ريح المسك والقرنفل ... نباته بين التلاع السُيَّلِ٢

стр. 534

وقال الآخر: فَتَرَكْنَ نَهْدًا عُيَّلًا أَبْنَاؤها ... وبَنِي فَزارة كاللصوص المْرَّدِ١ وهلا قلبوا الياء الأولى من "السيل" و"العيل" لسكونهما وضم ما قبلهما؟ وقالوا أيضًا: "اعْلَوَّطَ اعْلِوِّاطًا"٢ و"اخْرَوِّطَ اخْرِوَّاطًا"٣ فلم يقلبوا الواو الأولى منهما ياء وإن كانت ساكنة مكسورًا ما قبلها!. فالجواب: أنهم إنما فعلوا ذلك من قبل أن الياء والواو إذا أدغمتا بعدتا عن الاعتلال وعن شبه الألف؛ لأن الألف لا تدغم أبدا، فإذا قويتا بالإدغام لم تتسلط الحركتان قبلهما على قبلهما، على أن منهم من يقلب الواو الأولى من هذا للكسرة قبلها ياء، فيقول: "اجْلِوَّذَ اجْلِيوَذًا" و"اخْرَوَّطَ اخْرِيوَطًا" ولم يقلب الواو الآخرة وإن كانت قبلها ياء ساكنة ياء فيقول "اجْلِيَّاذًا" و"اخْرِيِّاطًا"، من قبل أن قلب الأولى منهما عارض ليس بلازم ولا واجب، فجرى ذلك مجرى ياء "دِيوَان" في أن لم تقلب لها الواو الآخرة فيقولوا: "دِيَّان" إذ لم تكن الأولى لازمة ولا واجبة، وإنما قلبت لضرب من التخفيف. ومن قال: "اجْلِيوذا" و"دِيوان" فجعل للكسرة تأثيرا لم يقل في "سُيَّل": "سُويَلٌ" ولا في "عُيَّل"٤: "عُويَلٌ" لأن قلب الواو ياء أخف من قلب الياء واوًا، ولو كان القلب هنا واجبًا لقيل: "سُويَلٌ" و"عُويَلٌ" كما قالوا: "موسر" و"موقن". وكذلك أيضًا إن تحركت الياء والواو قويتا بالحركة، فلم تقلبا للحركتين قبلهما، وذلك نحو "غُيُرٍ" جمع "غَيُور" و"دجاج بُيُض" جمع "بَيُوض" وكذلك "حِوَلٌ" و"عِوَض" و"رجل عُيَبة".

стр. 535

فأما قولهم "ثَوْر" و"ثِيرَة" فشاذ، وكأنهم١ فرقوا بالقلب بين جمع "ثور" من الحيوان وجمع "ثور" من الأقط٢، لأنهم يقولون في "ثور" الأقط: "ثورة" على القياس فأما "حِيَلٌ" و"قِيَمٌ" فإن الواو فيهما لما انقلبت في الواحدة ضرورة لانكسار ما قبلها قلبت أيضًا في الجمع، فقيل "قِيَمٌ" و"حِيَلٌ". وأما "حِيَاض" و"رِيَاض"٣ و"ثِيَاب" ونحو ذلك فإنما قلبت واوه ياء لسكونها في الواحد، ومجيئها في الجمع بعد كسرة، وقبل ألف، ولام الفعل فيها صحيح، لا بد في هذا الموضع من ذكر هذه الأربعة الأشياء وإلا فسدت العلة ونقصت. فإن قلت: فأنت تعلم أن أصل "غازية"٤ و"مَحْنِية"٥: "غازِوة" و"مَحْنِوة" لأنهما من "غزوتُ" و"حنوتُ" وقد قلبت الواو فيهما للكسرة قبلها، وهما مع ذلك متحركتان. وكذلك "داعية" و"قاصية" و"عافية" و"راجية" لأن الأصل "داعوة" و"قاصوة" و"عافوة" و"راجوة" لأنها من "دعوت" و"قصوت" و"عفوت" و"رجوت". فالجواب: أنه إنما أعل ذلك وإن كان متحركًا من قبل أنه لام الفعل، فضعف، وأما الفاء والعين فقويتان، فسلمتا لقوتهما، وإذا كان القلب في العين قد جاء في نحو "ثِيرة" و"سِياط" فهو في اللام أجوز وأسوغ. فأما قولهم "الفُتُوّة" و"النُّدُوّة" و"الفُتُوّ"، قال٦: في فُتُوٍّ أنا رابئُهُم ... من كلالِ غَزْوَةٍ ماتُوا

стр. 536

فأصله "الفُتُوية" و"النُّدُوية" و"الفُتُوي" ولكنهم أبدلوا الياء واوًا للضمة قبلها، ولم يعتدوا بالواو الساكنة حاجزًا لضعفها، فلما قلبوا الياء واوًا أدغموا الأولى فيها، فصحت لأن الأولى حصنتها بإدغامها إياها فيها، ولولا أن الأولى أدغمت في الآخرة لما جاز أن تقع واوٌ في اسم طرفًا بعد ضمة، وهذا واضح. ويدل على أن "الندوة" من الياء قولهم: "لفلان تكرم ونَدًى" بالإمالة فدلت الإمالة على أنه من الياء. فأما قولهم: "النداوة" فالواو فيه بدل من ياء، وأصله "نداية" لما ذكرنا من الإمالة في "الندى" ولكن الياء قلبت واوًا لضرب من التوسع، وسنذكر أمثال هذا. اعلم أنهم قد قلبوا الياء واوًا لا لعلة سوى تعويض الواو قلبها ياء لكثرة دخول الياء عليها، وذلك قولهم: "جبيتُ الخراجَ جِباوَة" وأصلها "جِباية"٣. وقالوا: "رجاء بن حَيْوَة" وأصلها "حَيَّة"٤ فقلت الياء التي هي لام واوًا. وقالوا: "هذا أَمْرٌ مَمْضُوٌّ عليه" أي "ممضيٌّ". وقالوا: "هي المُضواء"٥ وأصلها "مضياء". وقالوا: "هو أَمُورٌ بالمعروفِ نَهُوٌّ عن المنكرِ" وهي من "نَهَيْتُ". وقالوا: "شَرِبتُ مَشُوًّا" وهو من "مشيت" لأنه الدواء الذي يُمْشَى عنه٦، وكأنهم أبدلوا الياء واوًا في "نَهُوٌّ" و"مَشْوٌّ" ولم يقولوا "نهي" و"مشي" لأنهم أرادوا بناء "فَعُول" فكرهوا أن يلتبس بـ "فَعِيل". و"الحَيَوَان" أصله "الحَيَيَان" فقلبت الياء التي هي لام واوًا استكراها لتوالي الياءين ليختلف الحرفان، هذا مذهب الخليل٧ وسيبويه٨ وأصحابهما٩ إلا أبا عثمان

стр. 537

فإنه ذهب١ إلى أن "الحيوان" غيرُ مبدل الواو، وأن الواو فيه أصل وإن لم يكن منه فعلٌ، وشبه هذا بقولهم: "فاظَ الميتُ يفيظُ فَيْظًا وفَوْظًا"٢ ولا يستعملون من "فوظ" فعلا، وكذلك "الحيوان" عنده مصدر لم يشتق منه فعل بمنزلة "فوظ" ألا ترى أنهم لا يقولون: "فاظ يفوظ" كما قالوا: "فاظ يفيظ". ويدلك على أنهم لم يستعملوا من "الحيوان" فعلا قول سيبويه٣: "ليس في الكلام مثل حيوت" أي: ليس في كلامهم "حيوت" ولا ما جرى مجراها مما يعنه ياء ولامه واو. وهذا الذي رآه أبو عثمان وخالف فيه الخليل وسيبويه غير مرضٍ عندنا منه، قال لي أبو علي وقت قراءتي كتاب أبي عثمان عليه: هذا الذي أجازه أبو عثمان فاسد من قبل أنه لا يمتنع أن يكون في الكلام مصدر عينه واو وفاؤه ولامه صحيحتان مثل "فَوْظ" و"صَوْغ" و"قَوْل" و"مَوْت" وأشباه ذلك، فأما أن يوجد في الكلام كلمة عينها ياء ولامها واو فلا، فحمله "الحَيَوَان" على "فَوْظ" خطأ، لأنه شبه ما لا يوجد في الكلام بما هو موجود مطرد. وبهذا علمنا أن "حَيْوَة" أصلها "حَيَّة" وأن اللام إنما قلبت واوًا لضرب من التوسع وكراهة لتضعيف الياء، ولأن الكلمة أيضًا عَلَمٌ، والأعلام قد يعرض فيها ما لا يوجد في غيرها نحو: "مَوْهَبٍ" و"مَوْرَقٍ" و"مَوْظَبٍ" و"مَعْدِي كَرِب" و"تَهْلَلٍ" و"مَزْيَدَ" و"مَكْوَزة وغير ذلك مما يطول تعداده. وحكى اللحياني: "اشْتَر من الحَيَوَان والحَيَوَاتِ، ولا تَشْتَر من المَوَتان"٤ فالواو أيضًا في "الحيوات" بدل من ياء، وأصلها "حَيَيات" لأنهما "فَعَلات" من "حَيِيْتُ" و"حَيِيتَ" من مضاعف الياء بلا خلاف، ويدل على أنه لا خلاف في "حييت" في أن لامه ياء بمنزلة "خَشِيتُ" , "وعَيِيتُ" وأنه ليس كـ "شَقِيتُ"

стр. 538

و "غَبِيت" قولُ أبي عثمان إنهم لم يشتقوا من "الحيوان" فعلا؛ أي: لم يستعملوا منه فعلا عينه ياء ولامه واو والعلة في قلب "الحيوات" هي العلة في قلب "الحيوان". ومما قلبت ياؤه واوًا للتصرف وتعويض الواو من كثرة دخول الياء عليها، وللفرق أيضًا بين الاسم والصفة قولهم: "الشَّرْوَى"١ و"الفَتْوَى" و"البَقْوَى"٢ و"الرَّعْوَى"٣ و"الثَّنْوَى"٤ و"التَّقْوَى" قال٥: فما بَقْوى عليَّ تَرَكْتُمَانِي ... ولكنْ خِفْتُمَا صَرَدَ النِّبالِ٦ ويرويه "بُقْيا" وقال الآخر٧: أُذَكَّرُ بِالْبَقْوَى على مَنْ أَصَابَنِي ... وَبَقْوَايَ أني جاهدٌ غيرُ مُؤْتَلٍ وأصل هذا كله "شَرْيا" و"فَتْيا" و"بَقْيا" و"رَعْيا" و"ثَنْيا" و"وَقْيا" لأن "الشَّرْوَى" من "شريتُ" و"الفَتْوَى" من معنى "الفَتَى" و"البَقْوَى" من "بَقَيْتُ الشيء" إذا انتظرته، و"الرَّعْوَى" من "رعيْتُ" و"الثَّنْوَى" من "ثنيْتُ" و"التَّقْوَى" من "وَقَيْتُ". وقد تقصيتُ الأدلة على صحةِ هذه الدعاوى في كتابي٨ في شرح تصريف أبي عثمان. فإن كانت "فَعْلَى" صفة لم تغير الياء منها إذا وقعت لاما، وذلك نحو "صَدْيا" و"رَيّا" و"خَزْيَا" وقد ذكرت هذا في صدر هذا الكتاب في باب الهمزة.

стр. 539

وما قلبت فيه الياء واوًا ما حكاه أبو علي أن أبا الحسن حكاه من قولهم: "مَضَى إنْوٌ من الليل"١ أي: إنْيٌ. وأخبرنا قال٢: قال أحمد بن يحيى: قال ابن الأعرابي: يقال: "إنْيٌ" و"إنًى" و"مِعْيٌ" و"حِسْيٌ"٣ و"حِسًى" قال الهذلي٤: حُلْوٌ ومُرٌّ كعطف القِدْح مرَّتُهُ ... بكلِّ إنْيٍ حَذَاهُ الليلُ ينتعِلُ٥ إبدال الواو من الياء المبدلة: وذلك أنك لو أخرجت مصدر "ضارَبْتُ" و"قاتَلْتُ" على أصلهما لقلت: "ضِيراب" و"قِيتال" فقلبت ألف "ضاربت" و"قاتلت" ياء لانكسار ما قبلها، ثم إنك لو سميت بهذين المصدرين، ثم صغرتهما لوجب أن تقول: "ضُوَيْرِيب" و"قُوَيْتِيل" فتقلب الياء واوًا، وتزيل الياء لزوال الكسرة التي كانت قبلها. فإن قلت: فأنت تعلم أن هذه الياء ليس أصلها واوًا، وإنما هي بدل من ألف "فاعلت" فلم قلبتها واوًا وليست منقلبة عن الواو؟ فالجواب: أنا قد علمنا أن أصل هذه الياء في "فِيعال" ألف في "فاعلت" وأنها إنما صارت ياء لانكسار ما قبلها، فلما زالت الكسرة من قبلها بضمة التصغير لم يمكنك ردها إلى الألف لأجل الضمة قبلها، ولم يبق هناك غير الواو، فقلبت إليها، فقلت: "ضويريب" و"قويتيل" فاعرف ذلك، وقس عليه ما شاكله.

стр. 540

وأما قولك في تصغير "قِيمَة" و"دِيمَة": "قُوَيْمَة" و"دُوَيْمَة" فليست الضمة هي التي اجتلبت الواو، وإنما أصل الياء فيهما واو من "الدوام" و"قَوَّمْتُ"، فلما فقدت الكسرة من القاف والدال رجعت الواو التي كانت قلبت للكسرة، ألا ترى أنك تقول في "فَعْلَة" منهما: "قَوْمَة" و"دَوْمَة" فتجد الواو فيهما ثابتة وإن لم تكن هناك ضمة، وهذا مُنْجَلٌ. إبدال الواو من الياء الزائدة: وذلك قولك في "بَيْطَرَ" و"سَيْطَرَ" و"هَيْنَمَ"١ و"بَيْقَرَ"٢ إذا لم تسم الفاعل وجعلت الفاعل مسندًا إلى المفعول "بُوطِرَ" و"هُونِمَ" و"بُوقِرَ" فتقلب الياء الزائدة في "فَيْعَلَ" واوًا لسكونها وانضمام ما قبلها.

стр. 541

زيادة الواو: قد زيدت الواو ثانية في نحو: "كَوْثَرَ" و"جَوْهَرَ" و"تَوْرَابَ"٣ و"طُومَار"٤ و"دُواسِر"٥ و"حَوْقَلَ"٦ و"صَوْمَعَ"٧، وثالثة في نحو "جَدْوَلَ" و"قَسْوَرَ"٨ و"خَرْوَعَ"٩ و"بَرْوَعَ"١٠ و"قِرْواش"١١ و"دِرْوَاس"١٢ و"عَمُود" و"عَجُوز" و"جَهْوَرَ"١٣ و"رَهْوَكَ"١٤ ورابعة في نحو "كَنَهْوَرَ"١٥ و"بَلَهْوَرَ"١٦ و"جَرَمْوَقَ"١٧ و"زَرَنْوَقَ"١٨

стр. 542

و "عَطْوَّدٍ"١ و"سَنَوَّرٍ"٢ و"اخْرَوَّطَ"٣ و"اعْلَوَّطَ"٤. وخامسة نحو "قِنْدَأو"٥ و"سِنْدَأْوٍ"٦ و"كِنْثَأْوٍ"٧ و"عَضْرَفُوط"٨ و"مَنْجَنُون"٩ و"حَيْزَبُون"١٠ قال القطامي١١: إذا حَيْزَبُونٌ تُوقِدُ النارَ بعدما ... تَلَفَّعَتِ الظلماءُ من كلِّ جانبِ١٢ ولم تزد الواو أولا البتة، وذلك أنها لو زيدت لم تخل من أن تكون مفتوحة أو مكسورة أو مضمومة، فلو زيدت أولا لاطرد فيها الهمز كما همز نحو ﴿أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١] و"أُعِدَ زيدٌ" ولو زيدت مكسورة لكان قلبها أيضًا جائزًا وإن لم يكن في كثرة همز المضمومة، وذلك نحو "إسادة" و"إعادة" و"إفادة"١٣ في "وِسادة" و"وعاء" و"وِفَادَة". وكذلك قولهم "إِشاح" في "وِشاح"١٤. ولو زيدت أولا مفتوحة لم تخل من أن تزاد في أول اسم أو فعل إذ الحروف ليست من محتمل الزيادة، فلو زيدت في أول الاسم مفتوحة لكنت متى صغرت ذلك الاسم فضممتها ممكنا من همزها، كما تقول في "وْجَيْه" تضغير "وجه":

стр. 543

"أُجَيْه" وفي "وَعِيد" تصغير"وَعْد": "أُعَيْد". ولو كانت في أول فعل لكنت متى بنيته للمفعول ولم تسم فاعله وجب أن تضمها، ولو ضممتها لجاز أيضًا همزها. على أن منهم من همز المفتوحة وإن كان قليلا، وذلك قولهم: "أَحَدٌ" و"أَنَاةٌ"١ و"أَجَم" وأصله "وَحَد" و"وَنَاة" و"وَجَم". وقالوا في الفعل أيضًا "أَقَّتَ" في "وَقَّتَ" فلما كانت زيادتهم الواو أولا تدعو إلى همزها وزوال لفظها والإشكال هل هي همزة غير مبدلة من واو، رفض ذلك فيها، فلم تزد أولا البتة. فأما الواو في "وَرَنْتَلٍ"٢ فأصل، والكلمة رباعية، ولا نون زائدة كنون "عَقَنْقَل"٣ و"جَحَنْفَل"٤ و"عَبَنْقَس"٥. ولا تجعلها زائدة لما قدمناه من أن الواو لا تزاد أولا البتة. واعلم أن الواو لم تأت في كلام العرب فاء ولاما، وليست في كلامهم لفظة فاؤها واو ولامها واو حرف واحد، وهو قولنا "واو" ولذلك قال سيبويه: "ليس في الكلام وَعَوْتُ"٦. واعلم أن سيبويه ذكر أنهم إنما امتنعوا من أن يكون في كلامهم مثل "وَعَوْت" استثقالا للواوين، ولم يزد في الاعتلال لهذا أكثر من هذا الظاهر، وقد أوجز في هذا القول، وأشار إلى العلة الصريحة اللطيفة، ولم يصرح بها، وأنا أذكر الموضع قفوًا له، وكشفًا لغرضه، وزيادة في البيان، وتقوية للعلة. اعلم أنه لم يأت عنهم مثل "وَعَوْت" من قبل أنهم لو فعلوا ذلك لاكتنف٧ الحال أمران ضدان، فتركوا ذلك لذلك، وذلك أن ما ماضيه "فَعَلَ" وفاؤه واو فعين مستقبله مكسورة، وفاؤه محذوفة، وذلك نحو "وَعَدَ" و"وَزَنَ" و"وَرَدَ" تقول "يَعِدُ" و"يَزِنُ" و"يَرِدُ" فهذا أصل مستمر.

стр. 544

فأما قول بعضهم١: لو شئت قد نَقَعَ الفؤادُ بشربةٍ ... تدعُ الحوائمَ لا يجُدن غليلا٢ بضم الجيم فلغة شاذة غير معتد بها لضعفها وعدم نظيرها ومخالفتها لما عليه الكافة مما هو بخلاف وضعها ورأيناهم مع ذلك إذا كان الماضي على "فَعَلَ" ولامه واو فعين مضارعه أبدًا مضمومة، وذلك نحو "غَزَوْتُ أَغْزُو" و"دَعَوْتُ أَدْعُو". وهذا أيضًا أصل مستمر غير منكسر، فلو صاغوا مثل "وَعَوْتُ" لوجب عليهم في المضارع أن يكسروا العين كما كسروا عين "يعد" وأن يضموها أيضًا كما يضمون عين "يغزو" فلما كان بناؤهم مثل "وعوت" يدعوهم إلى أن تكون العين في المضارع مضمومة مكسورة في حال واحد رفضوه البتة فلم يبنوه مخافة أن يصيروا إلى التزام جمع بين حركتين ضدين في حرف واحد. فإن قلت: فهلا بنوه على "فعُلت" بضم العين، فقالوا: "وَعُوتُ أَوْعُو" وأجروه في ضم عينه بعد الفاء التي هي واو مجرى "وَضُؤَتْ تَوْضُؤُ" و"وَطُؤَ الدابةَ يَوْطُؤُ"؟ فالجواب: أن "فعَلت" أكثر في الكلام من "فعُلت" ألا ترى أن "فعُلت" لا يكون إلا لتنقل الهيئة والحال نحو: ما كان كريمًا ولقد كَرُمَ، وما كان ظريفًا ولقد ظَرُفَ، وما كان جميلا ولقد جَمُلَ، وما كان صبيحا ولقد صَبُحَ، وهي أيضًا غير

стр. 545

متعدية، و"فَعَلت" تكون متعدية وغير متعدية، وهي أخف وأسير في الكلام من "فَعُلت" فلما وجب رفض ذلك في الأكثر الشائع حمل الأقل -وهو "فَعُلْتُ"- عليه. هذا مع ما كان يلزمهم من اكتناف الواوين والضمة للكلمة، وهو الثقل الذي أومأ إليه سيبويه، أعني قولهم لو قالوا: "وَعَوْتَ تَوْعُو"، فلما وجب اطراح هذا التركيب في "فَعَلت" وتبعه "فَعُلت" حملوا أيضًا عليه "فَعِلْتُ" فلم يقولوا مثل "وَعِيت تَوْعَى" كما قالوا: "وَجِيت تَوْجَى"١ وأتبعوا "فَعِلْتُ" في الامتناع "فَعَلْتُ" و"فَعُلْتُ" فاعرف ذلك، فإنه لطيف حسن. فأما الألف من "واو" فحملها أبو الحسن على أنها منقلبة من واو، واستدل على ذلك بتفخيم العرب إياها وأنه لم تسمع منهم الإمالة فيها، فقضى لذلك بأنها من الواو، وجعل أحرف الكلمة كلها واوات. ورأيت أبا علي ينكر هذا القول، ويذهب إلى أن الألف فيها منقلبة عن ياء، واعتمد في ذلك على أنه إذا جعلها من الواو كانت الفاء والعين واللام كلها لفظًا واحدًا، قال: وهذا غير موجود، فعدل عنه إلى القضاء بأنها من ياء. ولست أرى بما أنكره أبو علي على أبي الحسن بأسًا، وذلك أن أبا علي إن كان كره ذلك لئلا تصير حروف الكلمة كلها واوات فإنه إذا قضى بأن الألف منقلبة من ياء لتختلف الحروف فقد حصل معه بعد ذلك لفظ لا نظير له. ألا ترى أنه ليس في الكلام حرف فاؤه واو ولامه واو إلا قولنا "واو" فإذا كان قضاؤه بأن الألف من الياء لا يخرجه من أن يكون الحرف بكون فائه واوين فذا لا نظير له، فقضاؤه بأن العين واو أيضًا ليس بمنكر، ويعضد ذلك أيضًا شيئان: أحدهما: ما قضى به سيبويه٢ من أن الألف إذا كانت في موضع العين فأن تكون منقلبة عن الواو أكثر من أن تكون منقلبة عن الياء. والآخر: ماحكاه أبو الحسن من أنه لم تسمع عنهم فيها الإمالة. وهذا أيضًا يؤكد أنها من الواو.

стр. 546

ولأبي علي أن يقول منتصرًا لكون الألف منقلبة عن ياء: إن الذي ذهبت أنا إليه أسوغ وأقل فحشًا مما ذهب إليه أبو الحسن، وذلك أني وإن قضيت بأن الفاء واللام واوان وكان هذا أيضًا لا نظير له، فإني قد رأيت العرب جعلت الفاء واللام من لفظ واحد كثيرًا، نحو "سَلِسَ"١ و"قَلِقَ" و"حَرْحٍ"٢ و"دَعْدٍ" و"فَيْفٍ"٣ فهذا وإن لم يكن فيه واو فإنا قد وجدنا فاءه ولامه من لفظ واحد. وقالوا أيضًا في الياء التي هي أخت الواو "يَدَيْتُ إليه يدًا" ولم نرهم جعلوا الفاء والعين واللام جميعًا من موضع واحد لا من واو ولا من غيرها، فقد دخل أبو الحسن معي في أن اعترف بأن الفاء واللام واوان إذ لم يجد بُدًّا من الاعتراف بذلك، كما لم أجده أنا، ثم إنه زاد على ما ذهبنا إليه جميعًا شيئًا لا نظير له في حرف من الكلام البتة، وهو جعله الفاء والعين واللام من لفظ واحد. فأما ما أنشَدَناه أبو علي من قول هند بنت أبي سفيان لابنها عبد الله بن الحارث٤: لأنكحن بَبَّهْ ... جارية خِدَبَّهْ مُكْرَمًة محبَّهْ ... تَجُبُّ أهلَ الكعْبَة٥ فإنما "بَبَّه" حكاية الصوت الذي كانت ترقصه عليه، وليس باسم، وإنما هو كـ "قَبْ" لصوت وقع السيف، و"طِيخ" للضحك، ومثله صوت الشيء إذا

стр. 547

تدحرج "دَدَدْ" فإنما هذه أصوات ليست تُوزَنُ، ولا تمثل بالفعل، بمنزلة "صه"١ و"مه" ونحوهما. فلما ذكرناه من الاحتجاج لمذهب أبي علي ما تعادل عندنا المذهبان أو قربا من التعادل. وقد جاءت الفاء والعين واوين، وذلك قولهم "أوَّل" ووزنه "أَفْعَل" ويدل على ذلك اتصال "من" به على حد اتصالها بـ "أَفْعَل" الذي للتفضيل، وذلك قولهم: "ما لقيتك مذ أول من أمس" فجرى هذا مجرى قولك: "هو أفضل من زيد وأكرم من عمرو". ولقولهم في مؤنثه "الأولى" فجرى ذلك مجرى قولك "الأفضل" و"الفضلى". فأما قولهم: "أوائل" بالهمز فأصله "أَوَاوِل" لكن لما اكتنفت الألف واوان، وليست الآخرة منهما الطرف، فضعفت، وكانت الكلمة جمعًا، والجمع مستثقل، قلبت الآخرة منهما همزة، وقد أشبعنا القول في الرد على من خالفنا٣ من البغداديين في هذا الموضع في كتابنا٤ في شرح "التصريف"٥، وهذا الكتاب كأنه لاحق بذلك ومتصل به لاشتراكهما واشتباه أجزائهما، فلذلك تركنا إعادة القول هنا، وأحلنا على ذلك الكتاب في عدة مواضع من هذا. وقد زيدت الواو أيضًا في جماعة المذكرين ممن يعقل، وذلك قولهم "الزيدون" و"البكرون". فإن قلت: فما تقول في قولهم في جماع "ثُبة" و"ظُبة"٦ و"مائة" و"رِئة" و"سَنة": "ثُبُون" و"ظُبُون" و"مِئُون" و"رِئُون" و"سِنُون". أنشد أبو زيد، وأنشدَناه أبو علي٧:

стр. 548

فغِظناهُمُ حتى أَتَى الغيظُ منهمُ ... قلوبًا وأكبادًا لهم ورِئينا١ وكل واحد من هذه الأسماء مؤنث، وليس واقعا على ذي عقل. وكذلك "بُرة"٢ و"بُرُون" و"عِضة"٣ و"عِضُون" و"قُلة"٤ و"قُلُون" فكيف جاز جمع هذا بالواو؟ فالجواب: أن هذه أسماء مجهودة منتقصة، وذلك أن لامها قد حذفت، وأنا أذكر أصولها: أما "ثبة" فالمحذوف منها اللام دون الفاء والعين، يدل على ذلك أن الثبة: الجماعة من الناس وغيرهم، قال الله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً﴾ [النساء: ٧١] فـ "ثبات" كقولك: جماعات متفرقة، أو اجتمعوا كلكم. أنشد أبو علي للهذلي٥: فلما جلاها بالإيام تَحَيَّزَتْ ... ثُبات عليها ذُلُّها واكتئابُها٦ ورأيناهم يقولون: "ثَبَّيْتُ الشيءَ" إذا جمعته.

стр. 549

قال لبيد١: يُثَبِّي ثناء من كريم وقوله ... ألا انعمْ على حسن التحية واشربِ٢ وقال الآخر٣: كَمْ لِيَ مِن ذِي تُدْرَأٍ مِذَبِّ ... أشْوَسَ أَبّاءٍ على المُثَبِّي٤ أي: الذي يعذله، ويكثر لومه، ويجمع له العذل من هنا ومن هنا. وذهب أبو إسحاق٥ في "ثُبة الحوض" -وهي وسطه- إلى أنها من "ثابَ الماءُ إليها" وأن الكلمة محذوفة العين، وقال: "تقول في تصغيرها ثُوَيْبَة". وهذا غير لازم، لأنه يجوز أن تكون من "ثَبَّيْتُ" أي: جمعت، وذلك أن الماء إنما مجتمعه من الحوض في وسطه. وقال الآخر٦: هلْ يصلحُ السيفُ بغيرِ غَمْدِ ... فَثَبِّ ما سَلَّفْتَه مِن شُكْدِ٧

стр. 550

أي: فأضف إليه غيره، واجمعه مع سواه. فـ "يثبي" أي: يجمع، وقولهم "يثبي" يدل على أن اللام معتلة، وأن الثاء والباء فاء وعين، وقولهم "ثَبَّيْتُ" لا يدل على أن اللام ياء دون الواو، لقولهم "عَدَّيْتُ" و"خَلَّيْتُ" كما قالوا "قَضَيْتُ" و"سَقَيْتُ"، فالقبيلان إذا صارا إلى هذا متساويان، ولكن الذي ينبغي أن يقضى به في ذلك أن تكون من الواو، وأن يكون أصلها "ثُبْوة" وذلك أن أكثر ما حذفت لامه إنما هو من الواو، نحو "أبٍ" و"أخٍ" و"غدٍ" و"هَنٍ" و"حَمٍ" و"سَنَةٍ" فيمن قال "سَنَوَات" و"عِضةٍ" فيمن قال "عَضَوَات" و"ضَعة"١ لقولهم "ضَعَوَات" و"ابن" لقولهم "بِنْتٌ" و"بُنُوَّةٌ" و"قُلةٍ" لقولهم "قَلَوْتُ بالقُلة"٢. فهذا أكثر مما حذفت لامه ياء، فعليه ينبغي أن يكون العمل، وبه أيضًا وصى أبو الحسن٣، فقد ثبت أن أصل "ثبة" "ثبوة". والقول في "ظُبة" أيضًا كالقول في "ثُبة" ولا يجوز أن يكون المحذوف منها فاء ولا عينًا، أما امتناع الفاء فلأن الفاء لم يطرد حذفها إلا في مصادر بنات الواو، نحو "عِدة" و"زِنة" و"جِدة" وليست "ظُبة" من ذلك، وأوائل تلك المصادر أيضًا مكسورة، وأول "ظُبة" كما ترى مضموم، ولم تحذف الواو فاء من "فُعْلة" إلا في حرف شاذ حكاه أبو الحسن، ولا نظير له، وهو قولهم في "الصِّلة": "صُلة" ولولا المعنى وأنا قد وجدناهم يقولون في معناه "صلة" وهي محذوفة الفاء بلا محالة لأنها من "وَصَلْتُ" لما أجزنا أن تكون "صُلة" محذوفة الفاء، فقد بطل إذن أن تكون "ظبة" محذوفة الفاء، ولا تكون أيضًا محذوفة العين، لأن ذلك لم يأت إلا في "سَهٍ" و"مُذْ" وهما حرفان نادران لا يقاس عليهما غيرهما.

стр. 551

ودليل آخر يدل على أن "ظُبة" ليست محذوفة العين، وهو جمعهم إياها بالواو والنون نحو "ظُبُون" و"ظُبِين" ولم نرهم جمعوا شيئًا مما حذفت عينه بالواو والنون، إنما ذلك فيما حذفت لامه، نحو "سِنُون" و"عِضُون" أو فاؤه نحو "لِدُون"١. ولا يجوز أيضًا أن تكون الفاء محذوفة لما قدمناه، فثبت أن اللام هي المحذوفة دون غيرها. ومن أقوى دليل على حذف لامها قولهم في جمعها "ظُبًا" فاللام كما ترى هي المعتلة، ونظيرها "لُغَة ولُغًى" و"بُرَة وبُرًا" وأصلها "ظُبْوة" بالواو لما ذكرناه في "ثُبة". وأما "مائة" فيدل على أنها محذوفة اللام قولهم: "أَمْأَيْتُ الدراهمَ"٢ وليس في قولهم "أَمْأَيْتُ" ما يدل على أن اللام ياء دون الواو لقولهم "أَدْنَيْتُ" و"أَعْطَيْتُ" وهما "دَنَوْتُ" و"عَطَوْتُ" كقولك: "أَرْمَيْتُهُ" و"أَسْقَيْتُهُ" وهما من "رَمَيْتُ" و"سَقَيْتُ" ولكن الذي يدل على أن اللام من "مائة" ياء ما حكاه أبو الحسن من قولهم: "رأيت مِئْيًا" في معنى "مائة" فهذه دلالة قاطعة على كون اللام ياء. ورأيت ابن الأعرابي قد ذهب إلى ذلك أيضًا، فقال في بعض أماليه: إن أصل "مائة": "مئية". فذكرت ذلك لأبي علي، فعجب منه أن يكون ابن الأعرابي ينظر من هذه الصناعة في مثله؛ لأن علمه كان أكثف من هذا، ولم ينظر من اللطيف الدقيق في هذه الأماكن، وإن كان بحمد الله والاعتراف بموضعه جبلا في الرواية وقدوة في الثقة، ولعله أن يكون وصل ذلك منها إلى أبي الحسن. وأما "رئة" فمن الياء لا محالة، لأن أبا زيد حكى عنهم "رَأَيْتُ الرجلَ" إذا أصبتَ رئتَهُ. فهذه أيضًا دلالة قاطعة، وأصلها "رَئْية" كما ترى. وأما "سنة" فقد تقدمت الدلالة على حذف لامها في عدة مواضع من هذا الكتاب، وأنه يجوز أن تكون واوًا، وأن تكون هاء.

стр. 552

وأما "بُرة" فحالها أيضًا حال "ثُبة" و"ظُبة" والمحذوف منها اللام، وهو حرف علة لقولهم: "أَبْرَيْتُ الناقةَ"١ و"هي مُبْراة" ولا دليل في "أَبْرَيْتُ" على أن اللام ياء كما لم يكن ذلك في "ثَبَّيْتُ" ولا في "أَدْنَيْتُ" والوجه أن تكون واوًا لما قدمناه، فيكون الأصل "بُرْوة" وقد حكيت أيضًا في بعض نسخ الكتاب "بَرْوة" في معنى "بُرة". وأيضًا فقد قالوا: "بَرَوْتُ الناقةَ" في معنى "أَبْرَيْتُها". ويؤكد أن المحذوف منها اللام دون غيرها قولهم في الجمع "البُرا" قال٢: ذَكرتُ والأهواءُ تدعو للصِّبا ... والعِيسُ بالركبِ يُجاذبنَ البُرا٣ وأما "عِضة" فمن الواو أيضًا، وأصلها "عضوة" ألا ترى أنهم فسروا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١] أي: فرقوه، وجعلوه أعضاء، قال ابن عباس ﵀ أي: آمنوا ببعضه وكفروا ببعضه، فهو لفظ العضو ومعناه، وقال الكسائي: "العضة" و"العضون" من "العضيهة" وهي الكذب. واللام على هذا هاء بمنزلة "است"٤ و"سنة"٥ فيمن قال "سنهاء". وأما قولهم: "قلة" فأمرها بينٌ لقولهم "قلوت بالقلة" إذا ضربت بها، وأصلها لما ذكرناه "قُلْوة". وكذلك "عِزة" و"عِزُون" قياسها أن تكون في الأصل "عزوة" لأنها الجماعة، فهي من معنى "عزوت الرجل إلى أبيه" إذا نسبته إليه، وألحقته به، فهذا هو معنى الجماعة.

стр. 553

ألا ترى أن بعضها مضموم إلى بعض ملحق به، أنشدنا أبو علي١: اطلب أبا نخلة مَن يأبوكا ... فقد سألنا عنك مَن يعزوكا إلى أبٍ فكُلُّهُمْ ينفِيكا٢ على أنهم قد قالوا أيضًا: "عَزَيْتُهُ إلى أبيه" فالأصل في "عِزة" على هذا "عِزْية". وإن وجدت فسحة، وأمكن الوقت عملت بإذن الله تعالى كتابًا أذكر فيه جميع المعتلات في كلام العرب، وأميز ذوات الهمز من ذوات الواو ومن ذوات الياء، وأعطي كل جزء منها حظه من القول مستقصًى إن شاء الله تعالى. وذكر شيخنا أبو علي أن بعض إخوانه سأله بفارس إملاء شيء من ذلك، فأملَّ منه صدرًا كبيرًا، وتقصى٣ القول فيه، وأنه هلك في جملة ما فقده وأصيب به من كتبه، وحدثني أبو علي أنه وقع حريق بمدينة السلام، فذهب له جميع علم البصريين، قال: وكنت كتبت ذلك كله بخطي، وقرأته على أصحابنا، فلم أجد في الصندوق الذي احترق شيئًا البتة إلا نصف كتاب الطلاق عن محمد بن الحسن، فسألته عن سلوته وعزائه عن ذلك، فنظر إلى متعجبًا، ثم قال: بقيت شهرين لا أكلم أحدًا حزنًا وهمًّا، وانحدرت إلى البصرة لغلبة الفكر علي، وأقمت مدة ذاهلا متحيرًا.

стр. 554

فإذا ثبت بما قدمناه أن هذه الأسماء محذوفة اللامات فكأنهم إنما عوضوها الجمع بالواو والنون مما لحقها من الجهد والحذف ليكون ذلك عوضًا لها، وذلك أن التكسير ضرب من التوهين١ والتبديل والإشكال يلحق الكلمة، والجمع بالواو والنون إنما هو للأسماء الأعلام التي هم ببيانها معنيون، ولتصحيح ألفاظها لفرط اهتمامهم بها مؤثرون، فقد علمت بذلك غلبتها على غيرها من الأجناس التي تأتي مكسرة نحو: "رجل ورجال" و"كلب وأكلب" فإذا ألحقوا غيرها فذلك تقوية منهم له ورفع منه. ومعنى الإشكال في التكسير أنك تجد المثال المكسر عليه تخرج آحاد كثيرة إليه، ألا ترى أن "أَفْعَالا" قد خرج إليه "فَعَلٌ" نحو "جَمَل وأَجْمال" وخرج إليه "فِعْل" و"فُعْل" و"فِعِلٌ" و"فُعُلٌ" و"فَعِلٌ" و"فُعَلٌ" و"فِعَلٌ" و"فَعُلٌ" وذلك نحو "ضِرْس وأَضْراس" و"بُرْد وأَبْراد" و"إِبِل وآبال" و"عُنُق وأَعْناق" و"كَبِد وأَكْباد" و"رُبَع وأَرْباع" و"ضِلَع وأَضْلاع" و"عَضْد وأَعْضاد"٢. وخرج إليه أيضًا "فَعْلٌ" وإن لم يكن في كثرة ما قبله، قالوا: "زَنْدٌ٣ وأَزُناد" و"فَرْخٌ وأَفُراخ". وخرج إليه أيضًا ما لحقته الزيادة من ذوات الثلاثة، وذلك نحو "شاهد وأشهاد" و"شريف٤ وأشراف". كذلك أيضًا "أَفْعُل" يخرج إليه أمثلة جماعة نحو: "كَعُبٌ وأَكْعُب" و"زَمَنٌ وأَزْمُن" و"قُفْل وأَقْفُل" قرأ بعضهم: "أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفُلُها" [محمد: ٢٤] و"ضِرْس وأَضْرُس" قال٥: ................................. ... وقَرَعْنَ نَابَكَ قَرْعَةً بِالأَضْرُسِ٦

стр. 555

و "ضِلْع وأضَلْع" و"ضَبُع وأَضْبُع" قال١: يا أضْبُعًا أَكَلَتْ آيارَ أَحْمِرَةٍ ... ففي البطونِ وقدْ راحتْ قَراقِيرُ٢ و"كَبِد وأَكْبُد" وقد خرج إليه أيضًا ما لحقته الزوائد من ذوات الثلاثة، وقالوا: "عُقاب وأَعْقُب" و"أتان وآتُن" و"ذِراع وأَذْرُع". وكذلك غير هذين المثالين من أمثلة الجموع. وقد تخرج إليه آحاد مختلفة الصيغ والأبنية، فقد يجوز أن يعرض الإشكال في الواحد منها، فلا يدرى ما مثاله، ولهذا ما يتفق العلماء في مثال الجمع، وتراهم مختلفين في الواحد، ألا ترى إلى قوله : ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأحقاف: ١٥] فمذهب سيبويه٣ فيه أنه جمع "شدة" قال: "ومثاله نعمة وأنعم". وحدثنا أبو علي أن أبا عبيدة ذهب إلى أنه جمع "أشد" على حذف الزيادة. قال: وقال أبو عبيدة: وربما استكرهوا في الشعر على حذف الزيادة. وأنشد لعنترة٤: عهدي به شَدَّ النهار كأنما ... خُضِبَ اللُّبانُ ورأسه بالعظلم٥

стр. 556

وكذلك "أبابيل"١ ذهب بعضهم إلى أنها جمع "إبّالة"٢. وذهب آخرون إلى أن واحدها "إبِّيل"٣ ز وأجاز آخرون٤ أن يكون واحدها "إبَّوْل" مثل "عِجَّوْل". وذهب أبو الحسن٥ إلى أنه جمع لا واحد له بمنزلة "عَبَادِيد" و"شَعَالِيل"٦. وكذلك "أَسَاطِير" قال قوم٧: واحدها "أُسْطُورة". وقال آخرون٨: "إِسْطَارة". وقال آخرون" أَسَاطِير" جمع "أَسْطَار" و"أسطار" جمع "سَطْر" وقيل: "إِسْطِير". وقال أبو عبيدة \١٠: جمع "سطر" على "أَسْطُر" ثم جمعت "أَسْطُر" على "أساطِير". وقال أبو الحسن١١: "لا واحد لها". وقرأت على أبي علي عن أبي بكر عن بعض أصحاب يعقوب عنه، قال: قال الأصمعي: قال الحارث بن مُصَرِّف: سابَّ جَحْلُ١٢ بن نَضْلة معاويةَ بن شَكْلٍ عند المنذرِ أو النعمانِ -شك فيه الأصمعي- فقال جحل: إنه قتالُ ظِباء، تَبّاعُ إماء، مشَّاءٌ بأقْراء،

стр. 557

قَعُوّ الألْيَتَيْنِ١، أفحَج الفَخِذَيْن٢، مُفَجّ الساقَيْنِ٣، وفي غير هذه الرواية "مُقْبَل النَّعْلَيْن. فقال: أردت أن تُذِيمَه فَمَدَهْتَهُ. قال يعقوب: واحد الأقراء: قَرِيٌّ، وهو مَسِيلُ الماء إلى الرِّياض٤. وقال أبو جعفر الرستمي: الأقراء: جمع القَرْو، وهو الذي يُتَّخَذُ من أصولِ النخل يُنْبَذُ فيه. قال أبو علي: القول ما قاله يعقوب، وليس ما أنكره عليه أبو جعفر بمنكرٍ. قال: ونظير ما ذهب إليه يعقوب في أنه وصفه بالتغريب ولزوم الأماكن الموحشة المقفرة قول الهذلي٥: السالكُ الثغرةَ اليقظانَ كالئُها ... مَشْيَ الهلوكِ عليها الخَيْعَلُ الفُضُلُ٦

стр. 558

وهذا الخلاف بين العلماء في آحاد الجموع سائر عنهم مطرد من مذاهبهم، وإنما سببه وعلة وقوعه بينهم أن مثال جمع التكسير تفقد فيه صيغة الواحد فيحتمل الأمرين والثلاثة ونحو ذلك، وليس كذلك مثال جمع التصحيح. ألا ترى أنك إذا سمعت "زَيُدُون" و"عَمْرُون" و"خالِدُون" و"محمدُون" لم يعرض لك شك في الواحد من هذه الأسماء، فهذا يدلك على أنهم بتصحيح هذه الأسماء في الجموع معنيون، ولبقاء ألفاظ آحادها فيها لإدارة الإيضاح والبيان مؤثرون، وأنهم بجمع التكسير غير حافلين، ولصحة واحده غير مراعين، فإذا أدخل في جمع الواو والنون شيء مما ليس مذكرًا عاقلا فهو حظ ناله، وفضيلة خص بها، فلهذا صار جمع "قلة" و"ثبة" و"مائة" و"سنة" ونحو ذلك بالواو والنون تعويضًا لها من الجهد والحذف اللاحقها. ويؤكد عندك أن العناية بواحد جمع التكسير غير واقعة منهم وجودك جموعًا كسرت الآحاد عليها واللفظ فيهما جميعًا واحد، وذلك نحو ما حكاه سيبويه١ من قولهم: "ناقةٌ هِجان٢، ونوقٌ هِجان" و"دِرْعٌ دلاص٣، وأدرعٌ دلاص" وقالوا أيضًا في جمع "شِمال" وهي الخليقة والطبع: "شِمالٌ". قال عبد يغوث٤: .............................. ... وما لَوْمي أخي من شِمالِيا٥ أي: من شَمائلي.

стр. 559

وقالوا أيضًا في تكسير "الفُلْكِ": "الفُلْكُ" فكسروا "فُعْلا" على "فُعْلٍ" وله نظائر، فمجيء الجمع على لفظ الواحد يدل على قلة حفلهم بالفرق بينهما من طريق اللفظ، وأنهم اعتمدوا في الفرق على دلالة الحال ومتقدم ومتأخر الكلام. فإن قلت: فهلا اقتصروا في تصحيح جمع "برة" و"ظبة" ونحوهما على الألف والتاء، فقالوا: "برات" و"ظبات" و"قلات" فأوضحوا عن الواحد بوجود لفظه في الجمع، ولم يقدموا على الجمع ذلك بالواو والنون وإدخال المؤنث غير العاقل على جمع المذكر العاقل؟ فالجواب: أنهم لو فعلوا ذلك وهم يريدون به التعويض من المحذوف لم تكن فيه دلالة على ما أرادوه، ولا شاهد لما قصدوه، وذلك أن كل مؤنث بالهاء فَلَكَ أن تجمعه بالتاء، نحو "ثمرة وثمرات" و"سفرجلة وسفرجلات" محذوفة كانت أو تامة، فلو اقتصروا في تعويض "ثبة" و"قلة" ونحوهما على أن يقولوا "ثبات" و"قلات" لما علم أن ذلك للتعويض، ولظن أنه كغيره من الجمع بالألف والتاء مما لم يحذف منه شيء، ولكن لما أرادوا إعلام التعويض أخرجوه عن بابه، وألحقوه بجمع المذكر العاقل ليعلم أن الذي عرض له وتجدد من حاله، إنما هو لأمر أرادوه فيه ليس في غيره مما لم يجمع بالواو والنون من المؤنث، وهو ما لم يحذف منه شيء، نحو "جوزة" و"رطبة". ويؤكد ذلك عندك أنهم إذا جمعوا بالتاء قالوا في جمع "سنة": "سنوات" وإذا حذفوا قالوا: "سنون" فكانت الواو في "سنون" عوضًا منها في "سنوات"، وهذا واضح، وذلك عادة منهم متى أرادوا أن يعلموا اهتمامهم بأمر وعنايتهم به أخرجوه عن بابه، وأزالوه عما عليه نظائره. من ذلك منعهم فعل التعجب و"حبذا" و"نعم" و"بئس" و"عسى" من التصرف، وتذكيرهم نحو "نِعْمَ المرأةُ هند" وإن كانوا لا يقولون: "قام ذا المرأة" وقد حملهم اعتمادهم هذا الباب وعنايتهم به أن سموا ما فاق في جنسه وفارق نظائره خارجيًّا، قال طفيل١:

стр. 560

وعارضْتُها رَهْوًا على متتابعٍ ... شديدِ القُصَيْرَى خارجيٍّ محنَّبِ١ فسّرُوه أنه الفرس الفائق في جنسه. فإن قلت: فإذا كان جمعهم المؤنث بالواو والنون إنما هو تعويض منهم لما حذف منه، فما بالهم قالوا في "أرض": "أَرْضُون" ولم يحذف من "أرض" شيء، فيعوضوها منه الجمع بالواو والنون؟ فالجواب عن ذلك: أن "أرضًا" اسم مؤنث، وقد كان من القياس في كل اسم مؤنث أن يقع فيه الفرق بين المذكر بالتاء نحو "قائم وقائمة" و"ظريف وظريفة" و"رجل ورجلة" و"ثور وثورة" و"كوكب وكوكبة" و"بياض وبياضة" و"دم ودمة" و"ريح وريحة" و"ماء وماءة" وغير ذلك مما يطول ذكره، فأما ما تُرِكَتْ فيه العلامة من المؤنث فإنما ذلك اختصارٌ لَحِقَهُ لاعتمادهم في الدلالة على تأنيثه على ما يليه من الكلام قبله وبعده، نحو "هذه ريح طَيِّبَة" و"كانت لهم عُرُسٌ مُبَارَكَة" و"لم أَرَ قوسًا أحسنَ من هذه الأقواس" ونحو ذلك. فإذا كان القياسُ في المؤنث والمذكر الفرق بينهما كما يفرق بين التصغير والتكبير، والواحد والاثنين والجماعة، وكانت "أرض" مؤنثة، فكأن فيها هاء مرادة، وكأن تقديرها "أرْضَةٌ" فلما حذفت الهاء التي كان القياس يوجبها عوضوا منها الجمع بالواو والنون، فقالوا: "أرضون"، وفتحوا الراء في الجمع ليدخل الكلمة ضرب من التكسير استيحاشًا من أن يوفوه لفظ التصحيح البتة، وليعلموا أيضًا أن "أرضًا" مما كان سبيله لو جمع بالتاء أن تفتح راؤه، فيقال: "أرَضات". فإن قلت: فأقصى أحوال "أرض" على ما توصلت إليه أن تكون الهاء قد حذفت منها والهاء فيها بعد زائدة، وأنت إنما تعوض من المحذوف إذا كان أصلا لاما أو فاء، فكيف جاز التعويض من الزائد؟

стр. 561

فالجواب: أن العرب قد أجرت هاء التأنيث مجرى لام الفعل في أماكن: منها: أنهم حقروا ما كان من المؤنث على أربعة حروف، نحو: "عَقْرَب" و"عَناق" و"سُعاد" و"زَيْنَب" بلا هاء، وذلك قولهم: "عُقَيْرِب" و"عُنَيِّق" و"سُعَيِّد" و"زُيَيْنِب". إنما فعلوا، ذلك ولم يلحقوا الهاء كما ألحقوا الثلاثي، نحو "قِدْر وقُدَيْرَة" و"شَمْس وشُمَيْسَة" و"هِنْد وهُنَيْدَة" من أن قبل أنهم شبهوا باء "عقرب" وقاف "عناق" ودال "سعاد" وباء "زينب" وإن كنّ لامات أصولا بهاء التأنيث في نحو "طلحة" و"حمزة" إذ كانت الباء والقاف والدال متجاوزة للثلاثة التي هي أول الأصول وأعدلها وأخفها وأعمها تصرفًا كتجاوز الهاء في "طلحة" و"حمزة" للثلاثة. فكما أن هاء التأنيث لا تدخل عليها هاء أخرى كذلك منعوا الباء في "عقرب" ونحوها أن يقولوا "عقيربة" كما امتنعوا أن يقولوا في "حمزة": "حميزتة" فيدخلوا تأنيثًا على تأنيث، فلولا أنهم قد أحلوا الباء من "عقرب" وهي أصل محل الهاء الزائدة في نحو "طلحة" و"بيضة" و"تمرة" لما امتنعوا أن يقولوا "عقيربة". فهذا حد ما ضارعت فيه هاء التأنيث لام الفعل. ومنها: أنهم قد عاقبوا بين هاء التأنيث وبين اللام، وذلك نحو قولهم "بُرة وبرًا" و"لُغة ولُغًى" و"ظُبة وظبًى" و"لِثة ولِثًى" أفلا تراهم كيف عاقبوا بينهما، حتى إنهم إذا فقدوا اللام جاءوا بالهاء، فقالوا "برة" و"ظبة" وقالوا: "رأيت مئيا" في معنى "مائة" فلما حذفوا اللام جاءوا بالهاء، ولما جاءوا باللام لم يأتوا بالهاء، وهذا أيضًا مما يقرب ما بينهما، ويشهد بتضارعهما. ومنها: أن الهاء وإن كانت أبدًا في تقدير الانفصال فإن العرب قد أحلتها أيضًا محل اللام وما هو من الأصل أو جار مجرى الأصل، وذلك نحو قولهم "تَرْقُوة"١ و"عَرْقُوة"٢ و"قَمَحْدُوة"٣ فلولا أن الهاء في هذه الحال في تقدير الاتصال لوجب أن تقلب الواو ياء لأنها كانت تقدر طرفًا، فتقلب ياء كما تقلب في نحو "أحْقٍ"

стр. 562

جمع "حَقْو"١ و"أدْلٍ" جمع "دلو" فيقال: "عَرْقِية" و"تَرْقِية" و"قَمَحْدِية" كما قالوا: "أحقٍ" و"أدلٍ" و"أجرٍ" فلولا أنهم قد أجروا الهاء في "ترقوة" و"قمحدوة" مجرى الراء في "منصور" والطاء في "عضرفوط" فصحت الواو قبلها كما صحت قبل الراء والطاء، لوجب أن تقلب ياء على ما قدمناه من أمرهما، فكما جاز أن تشبه هاء التأنيث في هذا كله وغيره باللام الأصلية كذلك أيضًا أن تجرى الهاء المقدرة في "أرض" مجرى اللام الأصلية، فيعوض من حذفها من "أرض" أن يجمع الاسم بالواو والنون في "أرْضُون" كما عوِّض من حذف لام "برة" و"مائة" و"سنة" أن تجمع بالواو والنون في "برون" و"مئون" و"سنون"، كما كسرت سين "سنة" في قولك "سِنون" كذلك فتحت راء "أرض" في قولهم "أرَضون" ليدخل الكلمة ضرب من التغيير، ولذلك أجازوا أيضًا في نحو "قلة" و"برة" أن يكسروا أوائلها في "بِرون" و"قِلون" ليدخل المثال أيضًا جزء من التغيير. فإن قلت: فإذا كان الأمر كذلك فما بالهم قالوا في جمع "حَرَّة"٢ "حَرُّون" وفي "إِحَرَّة": "إِحَرُّون"، وفي "إِوَزَّة": "إِوَزُّون". وقال الراجز٣: لا خَمْسَ إلا جَنْدَلُ الإحَرِّين٤

стр. 563

وقال الآخر١: فما حَوَتْ نُقْدةُ ذاتُ الحرين ... إلى كَرِيبٍ فنخيل يَبْرِين٢ وليست "حرة" ولا "إحرة" ولا "إوزة" مما حذف شيء من أصوله، ولا هو بمنزلة "أرض" في أنه مؤنث بغير هاء. فالجواب: أن الأصل في "إحرة: إحررة" وفي "إوزة: إوززة" وكلتاهما "إفعلة" ثم إنهم كرهوا اجتماع حرفين متحركين من جنس واحد، فأسكنوا الأول منهما، ونقلوا حركته إلى ما قبله، وأدغموه في الذي بعده، فلما دخل الكلمة هذا الإعلال والتوهين عوضوها منه أن جمعوها بالواو والنون، فقالوا: "إحَرُّون" و"إوَزُّون" ولما فعلوا ذلك في "إحرة" أجروا عليها "حرّة" فقالوا: "حرُّون وإن لم يكن لحقها تغيير ولا حذف، لأنها أخت "إحرة" من لفظها ومعناها، وإن شئت فقل: لأنهم قد أدغموا عين "حرة" في لامها، وذلك ضرب من الإعلال لحقها. فإن قلت: فما بالهم قالوا٣: قد رَوِيَتْ إلا دُهَيْدِهِينا ... قُلَيِّصاتٍ وأُبَيْكِرِينا٤ فجمعوا تصغير "دَهْداهٍ" وهو الحاشية من الإبل و"أبيكرا" تصغير "أبكر" بالواو والنون، وليسا من جنس ما ذكرت؟

стр. 564

فالجواب: أن "أبْكُرًا" جمع "بَكْر"، وكل جمع فتأنيثه سائغ مستمر لأنه جماعة في المعنى، فكأنه قد كان ينبغي أن يكون في "أبْكُر" و"أكْلُب" و"أعْبُد" هاء فيكون تقديره "أكلبه" و"أبكرة" و"أعبدة" كما قالوا في غير هذا "فِحالة" جمع "فَحْل" و"ذِكارة" جمع "ذَكَر" و"عُيُورة" و"سُيُورة" و"خُيُوطة" جمع "عَيْر" و"سَيْر" و"خَيْط" و"أعْمِدة" و"أحْمِرة" و"أرْدِية" و"أجْرِبة"١ جمع "عمُود" و"حِمار" و"رِداء" و"جَرِيب". وقالوا "صَيَاقِلة"٢ و"مَلائِكَة" جمع "صَيْقَل" و"مَلَك" فكما جاز أن تأتي الهاءُ في هذه الجموع وغيرها، كذلك جاز أيضًا أن تقدر في "أبْكُر" الهاء، فيصير كأنه "أبْكُرة" وقد جاءت الهاء في "أَفْعُلٍ" نفسها. قال الشاعر٣: بأَجْرِيةٍ بُقْعٍ عِظامٍ رؤوسها ... لَهُنّ إذا حركن في البطن أَزْمَلُ٤ فهذا جمع "جرو" و"أجرية" أفْعُلَة فألحق الهاء في "أَفْعُلٍ". ويدلك على أنه أراد "أفعل" قول الآخر٥: وتَجُرُّ مُجْرِية لها ... لَحْمي إلى أجْرٍ حواشب٦

стр. 565

وجاز أن تجمع "فِعْلا" على "أفعُل" و"أفعُل" على "فَعْل" مفتوحة الفاء، من حيث كان "فَعْل" و"فِعْل" ثلاثيين ساكني العينين. وقد اعتقبا أيضًا على المعنى الواحد نحو "حَجَّ وحِجٍّ" و"فَضّ وفِضّ" و"نَفْط ونِفْط" و"بَرْز وبِرز" و"جَصّ وجِصّ" كما قال الآخر١: ................................... ... وقَرَعْنَ نابَكَ قَرْعَةً بالأَضْرُس٢ يريد جمع "ضِرْس". وقال أبو ذؤيب٣: .................................. ... في كفه جَشْءٌ أَجَشُّ وأَقْطُعُ٤ يريد جمع "قِطْع" وقالوا أيضًا "ذِئْبٌ وأَذْؤُب" على أن بعضهم قد قال٥: إن "أجْرِية" جمع "جِرَاء" و"جِرَاء" جمع "جِرْو". وإنما حمله على هذا المذهب -فيما أحسب- لطف ما ذكرناه عنه. وإذا كان ما ذهبنا إليه في ذلك -وهو مذهب أصحابنا كافة- سائغًا مطردًا جاز أن يكون قول مُرَّة بن مَحْكَان٦: في ليلةٍ من جُمادى ذاتِ أنديةٍ ... لا يُبصرُ الكلبُ من ظَلمائها الطُّنُبا٧
следующие страницы →