← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12019

شرح الكوكب المنير = شرح مختصر التحرير

ابن النجار الفتوحي

Полный текст (2 398 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

مِثَالُ مَا أَسْنَدَهُ رَاوٍ وَأَرْسَلَهُ غَيْرُهُ: إسْنَادُ إسْرَائِيلَ بْنِ يُونُسَ١ عَنْ جَدِّهِ أَبِي٢ إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ٣ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ٤ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثُ: "لا نِكَاحَ إلاَّ بِوَلِيٍّ" ٥. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَشُعْبَةُ عَنْ أَبِي

стр. 1052

إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ١. فَقَضَى الْبُخَارِيُّ لِمَنْ وَصَلَهُ. وَقَالَ: زِيَادَةُ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ٢. وَمِثَالُ مَا رَفَعَهُ رَاوٍ وَوَقَفَهُ غَيْرُهُ: حَدِيثُ مَالِكٍ فِي "الْمُوَطَّإِ"٣ عَنْ أَبِي النَّضْرِ٤ عَنْ بُسْرِ٥ بْنِ سَعِيدٍ٦ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ٧: "أَفْضَلُ صَلاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلاَّ الْمَكْتُوبَةَ" ٨. وَخَالَفَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ٩

стр. 1053

وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنُ١ أَبِي هِنْدٍ٢ وَغَيْرُهُمَا. فَرَوَوْهُ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَرْفُوعًا، وَمِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ. "وَحَرُمَ نَقْصُ مَا تَعَلَّقَ بِبَاقٍ" يَعْنِي أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الرَّاوِي أَنْ يُنْقِصَ مِنَ٣ الْحَدِيثِ شَيْئًا يَتَعَلَّقُ بِبَاقِي الْحَدِيثِ إجْمَاعًا، لِبُطْلانِ الْمَقْصُودِ مِنْ الْحَدِيثِ نَحْوُ الْغَايَةِ وَالاسْتِثْنَاءِ وَنَحْوِهِمَا٤، كَنَهْيِهِ ﷺ : "عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ٥ حَتَّى يُزْهِيَ٦".

стр. 1054

فَيُتْرَكُ "حَتَّى يُزْهِيَ١" وَكَقَوْلِهِ ﷺ : "لا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، وَلا الْفِضَّةَ بِالْفِضَّةِ، إلاَّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ" ٢ فَيُتْرَكُ "إلاَّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ" وَكَذَلِكَ الصِّفَةُ فِي "فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ" ٣ فَيُتْرَكُ "السَّائِمَةِ" وَكَذَا مَا فِيهِ٤ تَغْيِيرٌ مَعْنَوِيٌّ، كَمَا فِي النُّسَخِ، نَحْوُ "كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا" ٥، وَكَذَا تَرْكُ بَيَانِ مُجْمَلٍ فِي الْحَدِيثِ، أَوْ تَخْصِيصِ عَامٍّ أَوْ تَقْيِيدِ

стр. 1055

مُطْلَقٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لا يَجُوزُ تَرْكُهُ إجْمَاعًا١. "وَيُسَنُّ أَنْ لا يُنْقِصَ" مِنْ الْحَدِيثِ "غَيْرَهُ" أَيْ غَيْرَ مَا تَعَلَّقَ بِبَاقِيهِ بِلا نِزَاعٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ٢. فَإِنْ نَقَصَهُ شَيْئًا لا يَتَعَلَّقُ بِبَاقِيهِ جَازَ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ. مِنْهُمْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ٣. وَقِيلَ: ٤لا يَجُوزُ٣ مُطْلَقًا٥.

стр. 1056

وَقِيلَ: إنْ نَقَلَهُ ١بِتَمَامِهِ مَرَّةً٥ جَازَ وَإِلاَّ فَلا٢. وَقِيلَ: إنْ كَانَ الْحَدِيثُ مَشْهُورًا بِتَمَامِهِ جَازَ وَإِلاَّ فَلا٣. "ويجب العمل٤ بحمْلِ صَحَابِيٍّ ما رَوَاه" من حديثٍ محتملِ المعْنَيَيْنِ "على أحد مَحْمَلَيْه تَنَافَيَا" أي المحملان٥ "أو لا يعني" أو٦ لم يَتَنَافَيَا٧. قَالَ ابن مفلح: عندنا وعند عامة العلماء. إن٨ هذه المسألة تعرف بما إذا قَالَ راوي الحديث فيه شيئا، هل يُقْبَلُ أو يُعْمَلُ بالحديث؟ ولها أحوال: منها: أن يكون الخبر عامًّا، فيحمله الراوي على بعض أفراده، ويأتي

стр. 1057

ذلك في تخصيص العام، أو يَدَّعِي تقييدًا في مطلَق، فكالعامِّ١ يُخَصِّصُهُ٢، أو يَدَّعِي نسخَه، و٣يأتي في النسخ، أو يخالفُه بترك نص الحديث، كرواية أبي هريرة في الولوغ سبعًا٤، وقولِهِ: "يُغْسَلُ ثلاثا" “٥ وبعضُهم يمثِّلُ ذلك لتخصيص العام، ولا يَصِحُّ، لأن العددَ نصٌّ فيه٦. ومنها: مسألةُ الكتابِ، وهي٧ أن يروي صحابي خبرا محتملا لمعنيين ويحمله على أحدهما، فإن تنافَيَا، كالقُرْء، يحمله٨ الراوي على الأطهار مثلا، وجبَ الرجوع إلى حملِهِ، عملا بالظاهر٩، كما قاله أصحابنا، وجمهور الشافعية كالأستاذين١٠ أبي إسحاق وأبي منصور وابن فورك والكيا الهراسي، وسُلَيم الرازي، ونقله أبو الطيب عن مذهب الشافعي١١، ولهذا رجع إلى تفسير ابن عمر ﵄ في التفرق في خيار

стр. 1058

المجلس١ بالأبدان٢، وإلى تفسيره٣: "حبل الحبلة"٤ ببيعه إلى نِتَاجِ النِّتاج، وإلى قول عمر ﵁ في: "هاءً وهاءً" ٥ أنه التقابُض في مجلس العقد٦.

стр. 1059

وخالف أبو بكر الرازي من الحنفية، فقال: لا يُعْمَل بحمل الصحابي١. وقيل: يجتهد أولا، فإن لم يظهر له شيء وجب العمل بحمل الصحابي٢. وعن الإمام أحمد ﵁ روايةٌ ثانيةٌ: أنه يجب العمل بحمل التابعي أيضا، وعند جَمْعٍ وبعضِ الأئمة٣. وحيث علمتَ أن الصحيح وجوب العمل بحمل ما رواه الصحابي على أحد مَحْمَلَيْه، فإنه يكون كما "لو أُجْمِعَ على جوازهما" أي جواز كل من المحملين "و" أجمع أيضًا على "إرادة أحدهما" كما في حديث ابن عمر في التفرق في خيار المجلس، هل هو التفرقُ بالأبدان، أو بالأقوال؟ فقد أجمعوا على٤ أن المرادَ أحدُهما، فكان ما صار إليه الراوي أولى.

стр. 1060

قَالَ ١ابن أبي١ هريرة٢: أحمله عليهما معا، فأجعل لهما الخيار في الحالين بالخبر. قَالَ الماوردي: هذا صحيح، لولا أن الإجماعَ منعقدٌ على أن المراد أحدهما. "أو قاله" أي وكما لو قاله الصحابي "تفسيرا" لمعنى الحديث٣. قَالَ في "شرح التحرير": واعلم أن الخلاف - كما قَالَ الهندي - فيما إذا ذكر ذلك الراوي، لا بطريق التفسير للفظة، وإلا فتفسيره٤ أولى بلا خلاف. اهـ ومحل ذلك إذا كان الحمل أو التفسير على أحد معنييه الظاهرين، أو الظاهر منهما. أما إذا حمله الصحابي بتفسيره، أو بأن المراد منه غير ظاهره، فإنه "لا" يقبل منه ما يذكره "على غير ظاهره" كما إذا حمل ما ظاهره٥ الوجوب على الندب، أو بالعكس، أو ما هو حقيقة على المجاز، ونحو

стр. 1061

ذلك، فإنه لا يلتفت إلى قوله "وعُمِل" في ذلك "بالظاهر١ ولو كانَ قولُه" أي قول٢ الصحابي "حجةً" في غير هذه الصورة. وعلى العمل بالظاهر في هذه الصورة أكثرُ الفقهاء٣، ولهذا قَالَ الشافعي ﵁: كيف أترك الخبرَ لأقوالِ أقوامٍ لو عاصرتُهم لحَجَجْتُهُمْ٤. وقيل: يعملُ بقولِ الصحابي، ويُتْرك الظاهرُ، وحكي عن الإمام أحمد ﵁ وأكثرِ الحَنَفِيَّةِ؛ لأن الصحابي لا يقولُ بما يخالفُ الظاهرَ إلا عن تَوْقِيفٍ، وللمالكيةِ خلافٌ٥. واختار ابن عقيل والآمدي وأبو الحسين٦ وعبد الجبار: يعمل بالظاهر إلا أن يُعْلَمَ مأخذُه، ويكون صالحًا، وهو أظهرُ٧.

стр. 1062

قَالَ ابن مفلح: لعله مرادُ مَنْ أَطْلَقَ."ولا يرد خبره"١ أي خبرُ الصَّحَابِيِّ عن النبي ﷺ "لمخالفته١ ما لا يحتمل تأويلا" أي بسببِ مخالفتِهِ نصًّا لا يحتملُ التأويلَ في الأصحِّ عندنا٢. "ولا يُنْسَخُ" النصُّ، وقالته الشافعية، لاحتمال نسيانه، ثم لو عُرِفَ ناسخُه لذَكَرَهُ، ورواه ولو مرَّةً، لئلا يكون كاتِمًا للعلم٣، كرواية أبي هريرة في "غسل الولوغ سبعا" وقولِهِ: "يغسل ثلاثا". وقالت الحنفية - وهو رواية عن أحمد٤ -: لا يُعْمَل بالخبر٥.

стр. 1063

وقال الآمدي: "يتعين ظهورُ ناسخ عنده، ١وقد لا يكون ناسخا٤ عند غيره، فلا يُتْرَك النصُّ باحتمال٢" وخالفه ابن الحاجب، وقال: "في العمل بالنص نظرٌ٣". وقال إمام الحرمين وابن٤ القشيري٥: إِنْ تحققنا نسيانَه للخبر، أو فرضنا مخالفتَه لخبر لم يروه، وجوزنا أنه ٦لم يبلُغْه٨، فالعملُ بالخبر، أو روى خبرًا يقتضي رفعَ الحرج، فيما سبقَ فيه حظْرٌ، ثم رأيْناه يتخرَّجُ، فالعملُ بالخبر أيضًا. "وَخَبَرُ الْوَاحِدِ وَإِنْ" فُرِضَ أَنَّهُ "خَالَفَ عَمَلَ أَكْثَرِ الأُمَّةِ أَوْ" أَنَّهُ خَالَفَ "الْقِيَاسَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ" فَالْخَبَرُ "مُقَدَّمٌ".

стр. 1064

أَمَّا كَوْنُ خَبَرِ الْوَاحِدِ مُقَدَّمًا عَلَى مَا عَلَيْهِ عَمَلُ أَكْثَرِ الأُمَّةِ: فَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ. وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ إجْمَاعًا١. وَأَمَّا كَوْنُهُ مُقَدَّمًا مَعَ مُخَالَفَتِهِ الْقِيَاسَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ: فَلِنَصِّ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا وَأَصْحَابِهِمَا٢ وَالْكَرْخِيِّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالأَكْثَرِ مِنْ الْعُلَمَاءِ٣. وَاسْتُدِلَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِ عُمَرَ ﵁ "لَوْلا هَذَا لَقَضَيْنَا فِيهِ٤ بِرَأْيِنَا"٥ وَبِرُجُوعِهِ إلَى تَوْرِيثِ الْمَرْأَةِ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا٦، وَلِعَمَلِ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ بِذَلِكَ٧.

стр. 1065

قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: أَكْثَرُهُمْ يَنْهَى عَنْ الْوُضُوءِ بِفَضْلِ وُضُوءِ الْمَرْأَةِ١، وَالْقُرْعَةِ فِي عِتْقِ جَمَاعَةٍ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَشَاعَ وَلَمْ يُنْكَرْ. وَقَدَّمَ الْمَالِكِيَّةُ الْقِيَاسَ٢، وَقَالَهُ٣ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ: إنْ خَالَفَ الأُصُولَ أَوْ مَعْنَى الأُصُولِ لا قِيَاسَ الأُصُولِ. وَأَجَازُوا الْوُضُوءَ بِالنَّبِيذِ سَفَرًا، وَأَبْطَلُوهُ٤ بِالْقَهْقَهَةِ دَاخِلَ الصَّلاةِ٥. وَاحْتَجَّتْ الْمَالِكِيَّةُ لِتَقْدِيمِهِمْ الْقِيَاسَ بِاحْتِمَالِ كَذِبِ الرَّاوِي وَفِسْقِهِ وَكُفْرِهِ وَخَطَئِهِ، وَالإِجْمَالِ فِي الدَّلالَةِ وَالتَّجَوُّزِ وَالإِضْمَارِ وَالنَّسْخِ مِمَّا٦ لا يَحْتَمِلُهُ الْقِيَاسُ٧. وَرُدَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُ بَعِيدٌ، وَبِتَطَرُّقِهِ إلَى أَصْلٍ ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَبِتَقْدِيمِ

стр. 1066

ظَاهِرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ مَعَ التَّطَرُّقِ فِي الدَّلالَةِ١. قَالُوا٢ ظَنُّهُ فِي الْخَبَرِ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ، وَفِي الْقِيَاسِ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ، وَهُوَ بِهَا أَوْثَقُ٣. رُدَّ ذَلِكَ بِأَنَّ الْخَطَأَ إلَيْهِ أَقْرَبُ مِنْ الْخَطَإِ فِي الْخَبَرِ، وَالْخَبَرُ مُسْتَنِدٌ إلَى الْمَعْصُومِ. وَيَصِيرُ ضَرُورِيًّا بِضَمِّ أَخْبَارٍ إلَيْهِ، وَلا يَفْتَقِرُ إلَى قِيَاسٍ وَلا إجْمَاعٍ كَمَا٤ فِي لَبَنِ الْمُصَرَّاةِ. وَهُوَ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ، أَوْ مُسْتَثْنًى لِلْمَصْلَحَةِ، وَقَطْعِ النِّزَاعِ لاخْتِلاطِهِ٥. وَاعْتُرِضَ بِمِثْلِ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ لأَبِي هُرَيْرَةَ - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ "تَوَضَّؤُوا مِمَّا٦ مَسَّتْ النَّارُ ٧" فَقَالَ٨: "أَفَنَتَوَضَّأُ٩ من

стр. 1067

مِنْ الْحَمِيمِ١" أَيْ مِنْ٢ الْمَاءِ الْحَارِّ٣. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ " يَا ابْنَ أَخِي إذَا سَمِعْت حَدِيثًا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَلا تَضْرِبْ لَهُ مَثَلاً " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ٤. رُدَّ بِأَنَّ ذَلِكَ اسْتِبْعَادٌ لِمُخَالَفَتِهِ٥ الظَّاهِرَ٦. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَكَلَ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ. وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ"٧ وَأَيْضًا خَبَرُ مُعَاذٍ سَبَقَ فِي أَنَّ الإِجْمَاعَ حُجَّةٌ، وَلأَنَّ الْخَبَرَ أَقْوَى فِي غَلَبَةِ الظَّنِّ؛ لأَنَّهُ يُجْتَهَدُ فِيهِ فِي الْعَدَالَةِ وَالدَّلالَةِ، وَيُجْتَهَدُ فِي الْقِيَاسِ فِي ثُبُوتِ حُكْمِ الأَصْلِ، وَكَوْنِهِ مُعَلَّلاً وَصَلاحِيَةِ

стр. 1068

الْوَصْفِ١ لِلتَّعْلِيلِ، وَوُجُودِهِ فِي الْفُرُوعِ، وَنَفْيِ٢ الْمُعَارِضِ فِي الأَصْلِ وَالْفَرْعِ٣. وَلَمَّا تَعَارَضَتْ الأَدِلَّةُ عِنْدَ ابْنِ الْبَاقِلاَّنِيِّ: تَوَقَّفَ فِي الْمَسْأَلَةِ٤. وَعِنْدَ أَبِي الْحُسَيْنِ: إنْ كَانَتْ٥ الْعِلَّةُ بِنَصٍّ قَطْعِيٍّ فَالْقِيَاسُ كَالنَّصِّ عَلَى حُكْمِهَا، وَإِنْ كَانَ الأَصْلُ مَقْطُوعًا بِهِ فَقَطْ، فَالاجْتِهَادُ وَالتَّرْجِيحُ٦. وَعِنْدَ صَاحِبِ "الْمَحْصُولِ" يُقَدَّمُ الْخَبَرُ مَا لَمْ تُوجِبْ الضَّرُورَةُ تَرْكَهُ. كَخَبَرِ الْمُصَرَّاةِ لِمُعَارَضَتِهِ الإِجْمَاعَ فِي ضَمَانِ الْمِثْلِ أَوْ الْقِيمَةِ. وَعِنْدَ الآمِدِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ إنْ ثَبَتَتْ الْعِلَّةُ بِنَصٍّ رَاجِحٍ عَلَى الْخَبَرِ، وَهِيَ قَطْعِيَّةٌ فِي الْفَرْعِ فَالْقِيَاسُ، أَوْ ظَنِّيَّةٌ فَالْوَقْفُ، وَإِلاَّ فَالْخَبَرُ٧، وَمَعْنَى كَلامِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا يَقْتَضِيهِ٨.

стр. 1069

"وَيُعْمَلُ بِـ" الْحَدِيثِ "الضَّعِيفِ فِي الْفَضَائِلِ" عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ وَالْمُوَفَّقِ وَالأَكْثَرِ١. قَالَ أَحْمَدُ: إذَا رَوَيْنَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحَلالِ وَالْحَرَامِ شَدَّدْنَا٢ فِي الأَسَانِيدِ. وَإِذَا رَوَيْنَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي فَضَائِلِ الأَعْمَالِ، وَمَا لا يَضَعُ٣ حُكْمًا وَلا يَرْفَعُهُ تَسَاهَلْنَا فِي الأَسَانِيدِ٤. وَاسْتَحَبَّ الإِمَامُ أَحْمَدُ الاجْتِمَاعَ لَيْلَةَ٥ الْعِيدِ فِي رِوَايَةٍ. فَدَلَّ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ لَوْ كَانَ شِعَارًا. وَفِي "الْمُغْنِي" فِي صَلاةِ التَّسْبِيحِ: "الْفَضَائِلُ لا يُشْتَرَطُ لَهَا صِحَّةُ الْخَبَرِ"٦، وَاسْتَحَبَّهَا جَمَاعَةٌ لَيْلَةَ الْعِيدِ. فَدَلَّ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الشِّعَارِ وَغَيْرِهِ. قَالَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي "أُصُولِهِ". وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى. لا يُعْمَلُ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ فِي الْفَضَائِلِ. وَلِهَذَا لَمْ يَسْتَحِبَّ صَلاةَ التَّسْبِيحِ لِضَعْفِ خَبَرِهَا عِنْدَهُ٧، مَعَ أَنَّهُ خَبَرٌ مَشْهُورٌ عُمِلَ

стр. 1070

بِهِ وَصَحَّحَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الأَئِمَّةِ١. وَلَمْ يَسْتَحِبَّ أَيْضًا التَّيَمُّمَ بِضَرْبَتَيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ عَنْهُ٢، مَعَ أَنَّ فِيهِ أَخْبَارًا وَآثَارًا٣، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ مَسَائِلِ الْفُرُوعِ٤.

стр. 1071

قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يُعْمَلُ بِهِ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، لا فِي إثْبَاتِ مُسْتَحَبٍّ وَلا غَيْرِهِ١. قَالَ٢ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَنْ قَوْلِ أَحْمَدَ وَقَوْلِ الْعُلَمَاءِ فِي الْحَدِيثِ الضَّعِيفِ فِي فَضَائِلِ الأَعْمَالِ. قَالَ الْعَمَلُ بِهِ بِمَعْنَى أَنَّ النَّفْسَ تَرْجُو ذَلِكَ الثَّوَابَ، وَ٣تَخَافُ ذَلِكَ الْعِقَابَ. وَمِثَالُ ذَلِكَ: التَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ بِالإِسْرَائِيلِيَّاتِ وَالْمَنَامَاتِ وَكَلِمَاتِ السَّلَفِ وَالْعُلَمَاءِ وَوَقَائِعِ الْعَالِمِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لا يَجُوزُ بِمُجَرَّدِهِ إثْبَاتُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، لا اسْتِحْبَابٍ وَلا غَيْرِهِ. لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ فِيمَا عُلِمَ حُسْنُهُ أَوْ قُبْحُهُ بِأَدِلَّةِ الشَّرْعِ. فَإِنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُ وَلا يَضُرُّ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ٤ فِي نَفْسِ الأَمْرِ حَقًّا أَوْ بَاطِلاً. وَقَالَ فِي "شَرْحِ الْعُمْدَةِ" فِي التَّيَمُّمِ بِضَرْبَتَيْنِ: وَالْعَمَلُ بِالضِّعَافِ إنَّمَا يَسُوغُ فِي عَمَلٍ قَدْ عُلِمَ أَنَّهُ مَشْرُوعٌ فِي الْجُمْلَةِ. فَإِذَا رُغِّبَ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِهِ بِحَدِيثٍ ضَعِيفٍ عُمِلَ بِهِ. أَمَّا، إثْبَاتُ سُنَّةٍ فَلا. وَنَقَلَ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ حَدِيثَ الرَّجُلِ الضَّعِيفِ، كَابْنِ

стр. 1072

لَهِيعَةَ١ وَجَابِرٍ الْجُعْفِيِّ وَابْنِ أَبِي مَرْيَمَ٢. فَيُقَالُ لَهُ. فَيَقُولُ أَعْرِفُهُ أَعْتَبِرُ بِهِ، كَأَنِّي أَسْتَدِلُّ بِهِ مَعَ غَيْرِهِ، لا أَنَّهُ حُجَّةٌ إذَا انْفَرَدَ٣. وَيَقُولُ: يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا. وَيَقُولُ: الْحَدِيثُ عَنْ الْجُعْفِيِّ قَدْ يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي وَقْتٍ. وَقَالَ: كُنْت لا أَكْتُبُ حَدِيثَ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، ثُمَّ كَتَبْته أَعْتَبِرُ بِهِ٤. وَقَالَ أَيْضًا: مَا أَعْجَبَ أَمْرَ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ. وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ٥ مِنْ أَعْجَبِهُمْ، يَكْتُبُ عَنْ

стр. 1073

الرَّجُلِ مَعَ عِلْمِهِ بِضَعْفِهِ١. وَفِي "جَامِعِ" الْقَاضِي: أَنَّ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ لا يُحْتَجُّ بِهِ فِي الْمَآثِمِ٢. وَقَالَ الْخَلاَّلُ: مَذْهَبُهُ - يَعْنِي: الإِمَامَ أَحْمَدَ - أَنَّ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مُعَارِضٌ قَالَ بِهِ٣. وَقَالَ فِي كَفَّارَةِ وَطْءِ الْحَائِضِ: مَذْهَبُهُ فِي الأَحَادِيثِ، إنْ٤ كَانَتْ مُضْطَرِبَةً وَلَمْ يَكُنْ لَهَا مُعَارِضٌ قَالَ بِهَا. وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ: طَرِيقِي لَسْت أُخَالِفُ مَا ضَعُفَ مِنْ الْحَدِيثِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَابِ مَا يَدْفَعُهُ.

стр. 1074

" فَصْلٌ": "الْمُرْسَلُ " فِي اصْطِلاحِ الْفُقَهَاءِ١ هُوَ "قَوْلُ غَيْرِ صَحَابِيٍّ فِي كُلِّ عَصْرٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ " وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَالْكَرْخِيِّ وَالْجُرْجَانِيِّ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمُحَدِّثِينَ٢. وَخَصَّهُ أَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ وَكَثِيرٌ مِنْ الأُصُولِيِّينَ بِالتَّابِعِيِّ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ كِبَارِهِمْ، وَهُوَ مَنْ لَقِيَ جَمَاعَةً كَثِيرَةً مِنْ الصَّحَابَةِ، كَعُبَيْدِ اللَّهِ٣ بْنِ عَدِيِّ بْنِ٤ الْخِيَارِ٥ وَكَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ النَّخَعِيِّ،

стр. 1075

وَكَأَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلانِيِّ١ حَكِيمِ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَكَمَسْرُوقٍ٢، وَكَعْبِ الأَحْبَارِ وَأَشْبَاهِهِمْ. أَوْ مِنْ صِغَارِهِمْ، وَهُوَ مَنْ لَمْ يَلْقَ مِنْ الصَّحَابَةِ إلاَّ الْقَلِيلَ. كَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ وَأَبِي حَازِمٍ وَابْنِ شِهَابٍ لَقِيَ عَشَرَةً مِنْ الصَّحَابَةِ٣.

стр. 1076

وَقِيلَ: مَا كَانَ مِنْ١ صِغَارِ التَّابِعِينَ لا يُسَمَّى مُرْسَلاً، بَلْ مُنْقَطِعًا لِكَثْرَةِ الْوَسَائِطِ لِغَلَبَةِ رِوَايَتِهِمْ عَنْ التَّابِعِينَ. وَقِيلَ: يُسَمَّى مُرْسَلاً إذَا سَقَطَ مِنْ الإِسْنَادِ وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرُ، سَوَاءٌ الصَّحَابِيُّ وَغَيْرُهُ. فَيَتَّحِدُ مَعَ الْمُسَمَّى بِالْمُنْقَطِعِ بِالْمَعْنَى الأَعَمِّ٢. قَالَ ابْنُ الصَّلاحِ: "فَفِي الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ: أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ يُسَمَّى٣ مُرْسَلاً. قَالَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ وَقَطَعَ بِهِ إلاَّ أَنَّ أَكْثَرَ مَا يُوصَفُ بِالإِرْسَالِ مِنْ حَيْثُ الاسْتِعْمَالُ: مَا رَوَاهُ التَّابِعِيُّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا رَوَاهُ تَابِعُ التَّابِعِيِّ فَيُسَمُّونَهُ مُعْضَلاً٤".اهـ. وَعَلَى هَذَا: لَوْ سَقَطَ بَيْنَ الرَّاوِيَيْنِ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ٥ يُسَمَّى مُعْضَلاً أَيْضًا. "وَهُوَ" أَيْ الْمُرْسَلُ "حُجَّةٌ كَمَرَاسِيلِ٦ الصَّحَابَةِ" عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ، وَالْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ. وَحَكَاهُ الرَّازِيّ فِي "الْمَحْصُولِ" عَنْ الْجُمْهُورِ.

стр. 1077

وَاخْتَارَهُ الآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ١. وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ أَنَّ التَّابِعِينَ أَجْمَعُوا بِأَسْرِهِمْ عَلَى قَبُولِ الْمَرَاسِيلِ، وَلَمْ يَأْتِ عَنْ أَحَدٍ إنْكَارُهَا إلَى رَأْسِ الْمِائَتَيْنِ٢. وَكَذَا قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ: إنْكَارُ كَوْنِهِ حُجَّةً بِدْعَةٌ حَدَثَتْ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ. وَذَلِكَ لِقَبُولِهِمْ مَرَاسِيلَ الأَئِمَّةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ٣. وَعَنْ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ: أَنَّ الْمُرْسَلَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْحَدِيثِ٤.

стр. 1078

قَالَ ابْنُ الصَّلاحِ: "هُوَ الْمَذْهَبُ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ رَأْيُ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَنُقَّادِ الأَثَرِ١"، كَمَا قَالَ الْخَطِيبُ فِي "الْكِفَايَةِ"٢. وَحَكَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالأَخْبَارِ٣. وَهَذَا وَإِنْ قَالَهُ مُسْلِمٌ عَلَى لِسَانِ غَيْرِهِ، لَكِنْ أَقَرَّهُ. وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ فِيهِ جَهْلاً بِعَيْنِ الرَّاوِي وَضَعْفِهِ٤. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَتْبَاعُهُ: إنْ كَانَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَلَمْ يُرْسِلْ إلاَّ عَنْ عُذْرٍ، وَأَسْنَدَهُ غَيْرُهُ أَوْ أَرْسَلَهُ، وَشُيُوخُهُمَا مُخْتَلِفَةٌ أَوْ عَضَّدَهُ عَمَلُ صَحَابِيٍّ، أَوْ الأَكْثَرُ أَوْ قِيَاسٌ، أَوْ انْتِشَارٌ، أَوْ عَمَلُ الْعَصْرِ: قُبِلَ، وَإِلاَّ فَلا٥.

стр. 1079

"وَيَشْمَلُ"١ اسْمُ الْمُرْسَلِ مَا سَمَّوْهُ "مُعْضَلاً وَ" مَا سَمَّوْهُ "مُنْقَطِعًا" ٢. قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ سَمَّوْا مَا رَوَاهُ تَابِعُ٣ التَّابِعِيِّ وَمَا سَقَطَ بَيْنَ رَاوِيَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ مُعْضَلاً٤. وَقَالَ الْقَاضِي٥ وَكَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ لَوْ انْقَطَعَ فِي الإِسْنَادِ وَاحِدٌ، كَرِوَايَةِ تَابِعِ التَّابِعِيِّ عَنْ صَحَابِيٍّ. فَهُوَ مُرْسَلٌ، وَالأَشْهَرُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ: أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ. اهـ.

стр. 1080

وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ: مَنْ رَوَى عَمَّنْ لَمْ يَلْقَهُ وَوَقَفَهُ عَلَيْهِ فَمُرْسَلٌ١ أَوْ مُنْقَطِعٌ، وَيُسَمَّى مَوْقُوفًا، وَالْمُنْقَطِعُ سُقُوطُ رَاوٍ فَأَكْثَرَ مِمَّنْ٢ هُوَ دُونَ الصَّحَابِيِّ٣. وَالانْقِطَاعُ: إمَّا فِي الْحَدِيثِ أَوْ الإِسْنَادِ، عَلَى مَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلامِهِمْ مِنْ الإِطْلاقَيْنِ؛ إذْ مَرَّةً يَقُولُونَ فِي الْحَدِيثِ: مُنْقَطِعٌ، وَمَرَّةً فِي الإِسْنَادِ مُنْقَطِعٌ. فَالْمُنْقَطِعُ بِهَذَا الاعْتِبَارِ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ الْمُنْقَطِعِ الْمُقَابِلِ لِلْمُتَّصِلِ الَّذِي هُوَ مَوْرِدُ التَّقْسِيمِ. فَإِنْ كَانَ السَّاقِطُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ بِاعْتِبَارِ طَبَقَتَيْنِ فَصَاعِدًا، إنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ سُمِّيَ٤ مُعْضَلاً، وَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعَيْنِ سُمِّيَ٥ مُنْقَطِعًا مِنْ مَوْضِعَيْنِ٦. إذَا عُلِمَ ذَلِكَ: فَإِذَا رَوَى عَمَّنْ لَمْ يَلْقَهُ، فَهُوَ مُرْسَلٌ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ انْقَطَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ٧ رَوَى عَنْهُ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا عَلَى رَأْيِ الْقَاضِي وَكَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ، وَمُنْقَطِعٌ عَلَى رَأْيِ الْمُحَدِّثِينَ، كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُمْ فِي أَصْلِ الْمُرْسَلِ. وَمَوْقُوفٌ لِكَوْنِهِ وَقَفَهُ٨ عَلَى شَخْصٍ. فَهُوَ بِهَذِهِ الاعْتِبَارَاتِ لَهُ ثَلاثُ

стр. 1081

صِفَاتٍ. يُسَمَّى مُرْسَلاً بِاعْتِبَارٍ، وَمُنْقَطِعًا عَلَى رَأْيِ الْمُحَدِّثِينَ، وَمَوْقُوفًا بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ وَقَفَهُ عَلَى شَخْصٍ١. وَأَمَّا مُرْسَلُ الصَّحَابَةِ: فَحُجِّيَّةُ غَيْرِ الصَّحَابَةِ٢ مَقِيسَةٌ عَلَى حُجِّيَّةِ مُرْسَلِهِمْ، وَعَلَى حُجِّيَّةِ مُرْسَلِ الصَّحَابَةِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ؛ لأَنَّ رِوَايَتَهُمْ عَنْ الصَّحَابَةِ، وَالْجَهَالَةُ بِالصَّحَابِيِّ٣ غَيْرُ قَادِحَةٍ لأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ عُدُولٌ. وَهَذَا فِي الْغَالِبِ وَإِلاَّ فَقَدْ يَرْوِي عَنْ التَّابِعِيِّ٤. وَأَمَّا صِغَارُ الصَّحَابَةِ - كَمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ٥، فَإِنَّهُ وُلِدَ قَبْلَ وَفَاةِ

стр. 1082

النَّبِيِّ ﷺ بِثَلاثَةِ أَشْهُرٍ وَأَيَّامٍ - فَإِنَّ مَرَاسِيلَهُمْ كَمَرَاسِيلِ كِبَارِ التَّابِعِينَ، لا مِنْ قَبِيلِ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ. وَهَذَا مِمَّا١ يُلْغَزُ بِهِ. فَيُقَالُ: صَحَابِيٌّ حَدِيثُهُ مُرْسَلٌ لا يَقْبَلُهُ مَنْ يَقْبَلُ مَرَاسِيلَ الصَّحَابَةِ.

стр. 1083

المجلد الثالث باب الأمر ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بَابٌ الأمر: "الأَمْرُ حَقِيقَةٌ فِي الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ١" لَمَّا كَانَ مِمَّا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِجْمَاعُ: السَّنَدُ، وَالْمَتْنُ٢. وَتَقَدَّمَ الْكَلامُ عَلَى السَّنَدِ٣ أَخَذَ فِي الْكَلامِ عَلَى الْمَتْنِ. وَلَمَّا كَانَ الْمَتْنُ مِنْهُ أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَعَامٌّ وَخَاصٌّ وَمُطْلَقٌ وَمُقَيَّدٌ وَمُجْمَلٌ وَمُبَيَّنٌ وَظَاهِرٌ وَمُؤَوَّلٌ وَمَنْطُوقٌ وَمَفْهُومٌ. بَدَأَ مِنْ ذَلِكَ بِالأَمْرِ ثُمَّ بِالنَّهْيِ، لانْقِسَامِ الْكَلامِ إلَيْهِمَا بِالذَّاتِ، لا بِاعْتِبَارِ الدَّلالَةِ وَالْمَدْلُولِ. فَالأَمْرُ لا يَعْنِي بِهِ مُسَمَّاهُ، كَمَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ فِي الأَخْبَارِ عَنْ الأَلْفَاظِ: أَنْ يَلْفِظَ بِهَا وَالْمُرَادُ مُسَمَّيَاتُهَا، بَلْ لَفْظَةُ الأَمْرِ هُوَ أَمْرٌ٤، كَمَا يُقَالُ: زَيْدٌ مُبْتَدَأٌ، وَضَرَبَ فِعْلٌ مَاضٍ، وَفِي حَرْفُ جَرٍّ. وَلِهَذَا قُلْنَا: إنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ. وَهَذَا بِالاتِّفَاقِ٥.

стр. 1084

"وَ"هُوَ أَيْضًا "نَوْعٌ مِنْ" أَنْوَاعِ "الْكَلامِ" لأَنَّ الْكَلامَ هُوَ الأَلْفَاظُ الدَّالَّةُ بِالإِسْنَادِ عَلَى إفَادَةِ مَعَانِيهَا. فَنَوْعٌ مِنْهُ يَكُونُ مِنْ الأَسْمَاءِ فَقَطْ، وَنَوْعٌ مِنْ الْفِعْلِ الْمَاضِي١ وَفَاعِلِهِ، وَنَوْعٌ مِنْ الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ وَفَاعِلِهِ، وَنَوْعٌ مِنْ فِعْلِ الأَمْرِ وَفَاعِلِهِ٢. ثُمَّ الأَمْرُ قَدْ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْفِعْلُ وَلَكِنْ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ٣ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَصْحَابِهِ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ٤. وَإِلَى ذَلِكَ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ: "وَمَجَازٌ فِي الْفِعْلِ" وَمِنْهُ قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ ٥ أَيْ فِي الْفِعْلِ

стр. 1085

وَنَحْوِهِ١. وقوله تعالى: ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ ٣. وَيُطْلَقُ أَيْضًا٤ وَيُرَادُ بِهِ الشَّأْنُ٥. وَمِنْهُ قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ ٦ أَيْ: شَأْنُهُ، وَالْمَعْنَى الَّذِي هُوَ مُبَاشِرٌ لَهُ. وَقَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ كَقوله تعالى: ﴿إنَّمَا قَوْلُنَا ٧ لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ﴾ ٨ وَيُطْلَقُ أَيْضًا وَيُرَادُ بِهِ الصِّفَةُ٩، نَحْوَ قَوْلِ الشَّاعِرِ: "لأَمْرٍ مَا يَسُودُ مَنْ يَسُودُ"١٠ أَيْ بِصِفَةِ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ.

стр. 1086

وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الشَّيْءُ كَقَوْلِهِمْ: تَحَرَّكَ الْجِسْمُ لأَمْرٍ، أَيْ لِشَيْءٍ١. وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الطَّرِيقَةِ ٢بِمَعْنَى الشَّأْنِ وَعَلَى الْقَصْدِ وَالْمَقْصُودِ. وَقِيلَ إنَّ الأَمْرَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْفِعْلِ والْقَوْلِ بِالاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ لأَنَّهُ أُطْلِقَ عَلَيْهِمَا٣ وَقِيلَ مُتَوَاطٍ فَهُوَ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا مِنْ بَابِ التَّوَاطُؤِ دَفْعًا لِلاشْتِرَاكِ وَالْمَجَاز٤ِ وَقَالَ الْقَاضِي فِي " الْكِفَايَةِ" إنَّ الأَمْرَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالشَّأْنِ وَالطَّرِيقَةِ وَنَحْوِهِ٥.

стр. 1087

قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْحَلِيمِ١،وَالِدُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: "هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ لِمَنْ أَنْصَفَ"٢.اهـ. وَاسْتَدَلَّ لَلْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ-وَهُوَ كَوْنُ الأَمْرِ مَجَازًا فِي غَيْرِ الْقَوْلِ الْمَخْصُوص- بِأَنَّ الْقَوْلَ يَسْبِقُ إلَى الْفَهْمِ عِنْدَ الإِطْلاقِ، وَلَوْ كَانَ مُتَوَاطِئًا لَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ الأَخَصُّ، لأَنَّ الأَعَمَّ لا يَدُلُّ عَلَى الأَخَصِّ، وَبِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَقِيقَةً فِي الْفِعْلِ لَزِمَ الاشْتِرَاكُ٣ وَالاطِّرَادُ؛ لأَنَّهُ مِنْ لَوَازِمِ الْحَقِيقَةِ، وَلا يُقَالُ لِلآكِلِ آمِرٌ، وَلا يُشْتَقُّ لَهُ مِنْهُ أَمْرٌ٤، وَلا مَانِعَ،

стр. 1088

وَلاتَّحَدَ١ جَمْعَاهُمَا٢، وَلَوُصِفَ بِكَوْنِهِ مُطَاعًا وَمُخَالِفًا، وَلِمَا صَحَّ نَفْيُهُ٣. "وَ"أَمَّا "حَدُّهُ" أَيْ حَدُّ الأَمْرِ فِي الاصْطِلاحِ فَهُوَ "اقْتِضَاءُ" مُسْتَعْلٍ مِمَّنْ دُونَهُ فِعْلاً بِقَوْلٍ "أَوْ اسْتِدْعَاءِ مُسْتَعْلٍ" أَيْ عَلَى جِهَةِ الاسْتِعْلاءِ "مِمَّنْ" أَيْ مِنْ شَخْصٍ "دُونَهُ فِعْلاً" مَعْمُولُ اسْتِدْعَاءِ "بِقَوْلٍ" مُتَعَلِّقٌ بِاسْتِدْعَاءِ٤.

стр. 1089

فَعَلَى هَذَا يُعْتَبَرُ الاسْتِعْلاءُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ وَالْمُوَفَّقِ١وَأَبِي مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيِّ وَالطُّوفِيِّ وَابْنِ مُفْلِحٍ وَابْنِ قَاضِي الْجَبَلِ وَابْنِ بُرْهَانٍ فِي الأَوْسَطِ وَالْفَخْرِ الرَّازِيِّ٢، وَالآمِدِيِّ وَغَيْرِهِمْ وَأَبِي الْحُسَيْنِ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ٣. قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَاعْتَبَرَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا، مِنْهُمْ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْبَنَّاءِ وَالْفَخْرُ إسْمَاعِيلُ وَالْمَجْدُ بْنُ تَيْمِيَّةَ وَابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُمْ، وَنَسَبَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْوَاضِحِ إلَى الْمُحَقِّقِينَ، وَأَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ وَأَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ

стр. 1090

وَالْمُعْتَزِلَةُ: الْعُلُوَّ. فَأَمْرُ الْمُسَاوِي ِغَيْرِهِ يُسَمَّى عِنْدَهُمْ الْتِمَاسًا، وَالأَدْوَنِ سُؤَالا١ً. وَاعْتَبَرَ الاسْتِعْلاءَ وَالْعُلُوَّ مَعًا ابْنُ الْقُشَيْرِيِّ وَالْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ الْمَالِكِيُّ٢. وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: لا تُشْتَرَطُ الرُّتْبَةُ٣. فَتَلَخَّصَ فِي الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: الاسْتِعْلاءُ وَالْعُلُوُّ٤ مَعًا. وَالثَّانِي: عَكْسُهُ. وَالثَّالِثُ: اعْتِبَارُ الاسْتِعْلاءِ فَقَطْ. وَالرَّابِعُ: اعْتِبَارُ الْعُلُوِّ فَقَطْ٥. "وَتُعْتَبَرُ إرَادَةُ النُّطْقِ بِالصِّيغَةِ٦"
следующие страницы →