← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12019

شرح الكوكب المنير = شرح مختصر التحرير

ابن النجار الفتوحي

Полный текст (2 398 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

"فَالأَوَّلُ": أَيْ١ الَّذِي هُوَ مَفْهُومُ الصِّفَةِ "أَنْ يَقْتَرِنَ٢ بِعَامٍّ صِفَةٌ خَاصَّةٌ٣ كَ "فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ" وَكَـ "فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ"، وَلِذَلِكَ قَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ: هُوَ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِإِحْدَى صِفَتَيْ الذَّاتِ٤، فَشَمَلَ الْمِثَالَيْنِ. وَمَثَّلَ بِهِمَا فِي الرَّوْضَةِ٥. وَبَيْنَ الصِّيغَتَيْنِ فَرْقٌ فِي الْمَعْنَى. فمُقْتَضَى الْعِبَارَةِ الأُولَى: عَدَمُ الْوُجُوبِ فِي الْغَنَمِ٦، الْمَعْلُوفَةِ الَّتِي لَوْلا الْقَيْدُ بِالسَّوْمِ لَشَمَلَهَا لَفْظُ "الْغَنَمِ". وَمُقْتَضَى الْعِبَارَةِ الثَّانِيَةِ: عَدَمُ الْوُجُوبِ فِي سَائِمَةِ غَيْرِ الْغَنَمِ، كَالْبَقَرِ مَثَلاً الَّتِي لَوْلا تَقْيِيدُ السَّائِمَةِ بِإِضَافَتِهَا إلَى الْغَنَمِ لَشَمَلَهَا لَفْظُ "السَّائِمَةِ". كَذَا٧ قَالَ٨ التَّاجُ السُّبْكِيُّ فِي مَنْعِ٩ الْمَوَانِعِ وَقَالَ: هُوَ التَّحْقِيقُ. قَالَ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ: وَالْحَقُّ عِنْدِي أَنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ قَوْلَنَا: سَائِمَةُ الْغَنَمِ، مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ إلَى مَوْصُوفِهَا، فَهِيَ فِي الْمَعْنَى كَالأُولَى، وَالْغَنَمُ مَوْصُوفَةٌ، وَالسَّائِمَةُ صِفَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ.

стр. 1577

وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالصِّفَةِ هُنَا النَّعْتَ، وَلِهَذَا مَثَّلُوا بِقَوْلِهِ ﷺ "مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ" ١ وَالتَّقَيُّدُ فِيهِ بِالإِضَافَةِ، لَكِنَّهُ فِي مَعْنَى الصِّفَةِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَطْلُ الْكَائِنُ مِنْ الْغَنِيِّ، لا مِنْ الْفَقِيرِ. وَقَدَّرَهُ الْبِرْمَاوِيُّ فَقَالَ٢: مَطْلُ الشَّخْصِ الْغَنِيِّ، وَرَدَّهُ بِنَحْوِ ذَلِكَ وَغَيْرِهِ. وَمَثَّلَهُ٣ أَصْحَابُنَا تَارَةً بِالْعِبَارَةِ الأُولَى، وَتَارَةً بِالثَّانِيَةِ٤, وَظَاهِرُ كَلامِهِمْ أَنَّ الْحُكْمَ فِيهِمَا وَاحِدٌ٥. وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ أَيْضًا "مَنْ بَاعَ نَخْلاً مُؤَبَّرَا٦ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ" ٧. وَمِثْلُهُ: تَعْلِيقُ نَفَقَةِ الْبَائِنِ عَلَى الْحَمْلِ. وَبَدَأَ الْمُصَنِّفُونَ بِمَفْهُومِ الصِّفَةِ؛ لأَنَّهُ رَأْسُ٨ الْمَفَاهِيمِ. قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: لَوْ عَبَّرَ مُعَبِّرٌ عَنْ جَمِيعِ الْمَفَاهِيمِ بِالصِّفَةِ لَكَانَ ذَلِكَ مُتَّجِهًا٩؛

стр. 1578

لأَنَّ الْمَعْدُودَ١ وَالْمَحْدُودَ٢ مَوْصُوفَانِ بِعَدَدِهَا٣ وَحَدِّهَا٤، وَكَذَا سَائِرُ الْمَفَاهِيمِ٥. اهـ. "وَهُوَ" أَيْ مَفْهُومُ الصِّفَةِ "حُجَّةٌ" عِنْدَ أَحْمَدَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ- وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِمْ "لُغَةً" أَيْ مِنْ حَيْثُ دَلالَةُ اللُّغَةِ وَ٦ وضْعُ اللِّسَانِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَأَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ٧. وَقِيلَ: عَقْلاً، أَيْ مِنْ حَيْثُ دَلالَةُ الْعَقْلِ٨، وَاخْتَارَهُ جَمْعٌ. وَقَالَ الرَّازِيّ فِي الْمَعَالِمِ: إنَّ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الْعُرْفِ الْعَامِّ. وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: إنَّ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الشَّرْعِ٩. "يَحْسُنُ الاسْتِفْهَامُ فِيهِ" أَيْ فِي مَفْهُومِ الصِّفَةِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَاضِحِ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ: لا تَشْرَبْ١٠ الْخَمْرَ؛ لأَنَّهُ يُوقِعُ الْعَدَاوَةَ، فَيُقَالُ لَهُ١١: فَهَلْ١٢

стр. 1579

أَشْرَبُ النَّبِيذَ؟ وَلا يُنْكِرُ أَحَدٌ اسْتِفْهَامَهُ١ هَذَا. "وَمَفْهُومُهُ" أَيْ مَفْهُومُ قَوْلِهِ: "فِي ٢ الْغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ؟ " أَنَّهُ "لا زَكَاةَ فِي مَعْلُوفَةِ الْغَنَمِ" عِنْدَ الْمُعْظَمِ٣ "فَالْغَنَمُ وَالسَّوْمُ عِلَّةٌ" لِتَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِهِمَا. وَظَاهِرُ كَلامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَأَبُو حَامِدٍ وَالرَّازِيُّ-: أَنَّ مَفْهُومَهُ٤ "لا زَكَاةَ" فِي٥ مَعْلُوفَةِ كُلِّ حَيَوَانٍ٦، فَعَلَى هَذَا: السَّوْمُ وَحْدَهُ عِلَّةٌ. "وَهُوَ" أَيْ مَفْهُومُ الصِّفَةِ "فِي بَحْثٍ عَمَّا يُعَارِضُهُ كَعَامٍّ" أَيْ كَاللَّفْظِ الْعَامِّ، ذَكَرَهُ فِي التَّمْهِيدِ وَغَيْرِهِ٧. "وَمِنْهَا" أَيْ مِنْ الصِّفَةِ "عِلَّةٌ"٨ نَحْوَ: حُرِّمَتْ الْخَمْرُ لِشِدَّتِهَا، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا لا شِدَّةَ فِيهِ لا يَحْرُمُ. وَهَذَا أَخَصُّ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ، فَإِنَّ الْوَصْفَ فِيهِ وَهُوَ "السَّوْمُ" تَتْمِيمٌ٩ لِلْمَعْنَى الَّذِي هُوَ

стр. 1580

عِلَّتُهُ١، إلاَّ أَنَّ الْخِلافَ فِي أَحَدِهِمَا كَالْخِلافِ فِي الآخَرِ٢. "وَ" مِنْهَا "ظَرْفُ"٣ زَمَانٍ نَحْوَ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَات﴾ ٤ ﴿إذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ ٥ وَظَرْفُ مَكَان، وَهُوَ٦ نَحْوُ: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ ٧ وَكِلا الظَّرْفَيْنِ حُجَّةٌ. "وَ" مِنْهَا "حَالٌ"٨ نَحْوُ ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ ٩. ذَكَرَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيُّ١٠ فِي الْقَوَاطِعِ، وَقَالَ: إنَّهُ كَالصِّفَةِ. وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لأَنَّ الْحَالَ صِفَةٌ فِي الْمَعْنَى قُيِّدَ١١ بِهَا. وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ مَفْهُومَ الصِّفَةِ بِأَنْوَاعِهِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَابْنُ سُرَيْجٍ وَالْقَفَّالُ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ، وَكَثِيرٌ

стр. 1581

مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ، وَأَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا١. وَاخْتَلَفَ النَّقْلُ عَنْ الأَشْعَرِيِّ. وَاسْتُدِلَّ لِكَوْنِهِ حُجَّةً -وَهُوَ الصَّحِيحُ– بِأَنَّهُ لو٢ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ لُغَةً لِمَا فَهِمَهُ أَهْلُهَا, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ" حَدِيثٌ حَسَنٌ٣، رَوَاهُ أَحْمَدُ٤ وَأَبُو دَاوُد٥ وَالنَّسَائِيُّ٦ وَابْنُ مَاجَهْ٧، أَيْ مُطْلَقُ٨ الْغَنِيِّ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ٩ "مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ". وَفِيهِمَا١٠ "لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا". قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ١١ فِي الأَوَّلِ: يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَيَّ مَنْ لَيْسَ بِوَاجِدٍ لا يُحِلُّ عُقُوبَتَهُ وَعِرْضَهُ١٢ وَفِي الثَّانِي مِثْلُهُ، وَقِيلَ لَهُ فِي الثَّالِثِ: الْمُرَادُ

стр. 1582

الْهِجَاءُ١ أَوْ٢ هِجَاءُ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَقَالَ: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ الامْتِلاءِ٣ مَعْنًى؛ لأَنَّ قَلِيلَهُ كَذَلِكَ. فَأَلْزَمَ أَبُو عُبَيْدٍ٤ مِنْ تَقْدِيرِ الصِّفَةِ الْمَفْهُومَ قَدْرَ الامْتِلاءِ٥ صِفَةً لِلْهِجَاءِ, وَهُوَ وَالشَّافِعِيُّ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ، وَذَكَرَهُ الآمِدِيُّ٦ قَوْلَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ فَهِمُوا ذَلِكَ لُغَةً. فَثَبَتَتْ اللُّغَةُ بِهِ، وَاحْتِمَالُ الْبِنَاءِ عَلَى الاجْتِهَادِ مَرْجُوحٌ٧. "وَكَالأُولَى" وَهِيَ الصِّفَةُ الْمُقْتَرِنَةُ بِالْعَامِّ، كَقَوْلِهِمْ: "فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ"، الصِّفَةُ الْعَارِضَةُ الْمُجَرَّدَةُ، نَحْوَ قَوْلِهِمْ "فِي السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ". قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ. وَذَكَرَهُ الآمِدِيُّ٨ وَغَيْرُهُ وَذَلِكَ لأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّ الْمَوْصُوفَ فِيهَا مَحْذُوفٌ. "وَالأُولَى أَقْوَى دَلالَةً" فِي الْمَفْهُومِ؛ لأَنَّ الأُولَى وَهِيَ الَّتِي الْمِثَالُ فِيهَا مُقَيَّدٌ٩ بِالْعَامِّ كَالنَّصِّ، بِخِلافِ هَذَا. "وَالثَّانِي" مِنْ أَقْسَامِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ السِّتَّةِ: التَّقْسِيمُ: كَـ "الثَّيِّبِ أَحَقُّ

стр. 1583

بِنَفْسِهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ" ١. وَهُوَ "كَالأَوَّلِ قُوَّةً" أَيْ فِي الْقُوَّةِ ذَكَرَهُ الْمُوَفَّقُ٢ وَغَيْرُهُ٣. وَوَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّ تَقْسِيمَهُ إلَى قِسْمَيْنِ، وَتَخْصِيصَ كُلِّ وَاحِدٍ بِحُكْمٍ، يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ ذَلِكَ الْحُكْمِ عَنْ الْقِسْمِ الآخَرِ. إذْ لَوْ عَمَّهُمَا لَمْ يَكُنْ لِلتَّقْسِيمِ فَائِدَةٌ، فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ. "وَالثَّالِثُ" الشَّرْطُ٤. وَالْمُرَادُ بِهِ: مَا عُلِّقَ مِنْ الْحُكْمِ عَلَى شَيْءٍ بِأَدَاةِ٥ الشَّرْطِ، مِثْلَ "إنْ" وَ "إذَا" وَنَحْوِهِمَا، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالشَّرْطِ اللُّغَوِيِّ، لا الشَّرْطِ الَّذِي هُوَ قَسِيمُ السَّبَبِ وَالْمَانِعِ. وَذَلِكَ كَـ ﴿إنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ٦ فَإِنَّهُ يَدُلُّ بِمَنْطُوقِهِ عَلَى وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى أُولاتِ الْحَمْلِ، وَبِمَفْهُومِهِ

стр. 1584

عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِلْمُعْتَدَّةِ غَيْرِ الْحَامِلِ١. "وَهُوَ أَقْوَى مِنْهُمَا" أَيْ مِنْ الْقِسْمَيْنِ السَّابِقَيْنِ مِنْ جِهَةِ الدَّلالَةِ؛ لأَنَّ الشَّرْطَ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ عَدَمُ الْمَشْرُوطِ. فَإِنْ قِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ سَبَبٌ لِمُسَبِّبٍ فَلا تَلازُمَ, رُدَّ بِأَنَّهُ خِلافُ الظَّاهِرِ. وَيُرَدُّ الشَّرْطُ "لِتَعْلِيلٍ كَ" قَوْلِ الإِنْسَانِ لِوَلَدِهِ "أَطِعْنِي٢ إنْ كُنْتَ ابْنِي". وَمِنْ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى قَوْلُهُ : ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ٣ إنْ كُنْتُمْ إيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ٤. قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: لَفْظُ الشَّرْطِ أَصْلُهُ التَّعْلِيقُ، وَتَسْتَعْمِلُهُ الْعَرَبُ كَثِيرًا لِلتَّعْلِيلِ لا لِلتَّعْلِيقِ، فَهُوَ تَنْبِيهٌ عَلَى السَّبَبِ الْبَاعِثِ عَلَى٥ الْمَأْمُورِ٦ بِهِ، لا لِتَعْلِيقِ٧ الْمَأْمُورِ٨ بِهِ فَالْمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلَى الصِّفَةِ الْبَاعِثَةِ لا التَّعْلِيقُ. اهـ. "وَالرَّابِعُ" مِنْ أَقْسَامِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ السِّتَّةِ: الْغَايَةُ. وَهُوَ مَدُّ الْحُكْمِ بِأَدَاةِ الْغَايَةِ "كَـ" إلَى، وَحَتَّى، وَاللاَّمِ

стр. 1585

وَمِنْ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى قَوْلُهُ : ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ ١ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ ٢ وَحَدِيثُ "لا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ" ٣. وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ٤، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مُعْظَمُ نُفَاةِ الْمَفْهُومِ. "وَهُوَ أَقْوَى مِنْ" الْقِسْمِ "الثَّالِثِ" مِنْ جِهَةِ الدَّلالَةِ؛ لأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى تَسْمِيَتِهَا٥ حُرُوفَ الْغَايَةِ، وَغَايَةُ الشَّيْءِ نِهَايَتُهُ، فَلَوْ ثَبَتَ الْحُكْمُ بَعْدَهَا لَمْ يُفِدْ تَسْمِيَتُهَا غَايَةً. وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ إلَى الْمَنْعِ. "وَالْخَامِسُ" مِنْ أَقْسَامِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ الْعَدَدُ٦.

стр. 1586

وَهُوَ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ "كَـ" نَحْوِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ ١ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَمَالِكٌ وَدَاوُد، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ٢. قَالَ سُلَيْمٌ مِنْهُمْ: وَهُوَ دَلِيلُنَا فِي نِصَابِ الزَّكَاةِ، وَالتَّحْرِيمِ بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ. وَنَقَلَهُ أَبُو حَامِدٍ وَأَبُو الْمَعَالِي٣ وَالْمَاوَرْدِيُّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ٤: الْقَوْلُ بِمَفْهُومِ الْعَدَدِ هُوَ الْعُمْدَةُ عِنْدَنَا فِي تَنْقِيصِ الْحِجَارَةِ فِي الاسْتِنْجَاءِ مِنْ٥ الثَّلاثَةِ، وَنَفَاهُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَالأَشْعَرِيَّةُ, وَالْقَوْلُ بِهِ أَصَحُّ؛ لِئَلاَّ يَعْرَى التَّحْدِيدُ بِهِ عَنْ فَائِدَةٍ. وَمَحِلُّ الْخِلافِ: فِي عَدَدٍ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ التَّكْثِيرُ كَالأَلْفِ وَالسَّبْعِينَ، وَكُلِّ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ لِلْمُبَالَغَةِ، نَحْوَ جِئْتُك أَلْفَ مَرَّةٍ فَلَمْ أَجِدْك، وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا نَزَلَ عَلَيْهِ ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ ٦: "لأَزِيدَنَّ عَلَى

стр. 1587

السَّبْعِينَ" ١ اسْتِمَالَةٌ لِلأَحْيَاءِ٢. وَجَعَلَ أَبُو الْمَعَالِي٣ وَأَبُو الطَّيِّبِ وَجَمْعٌ مَفْهُومَ الْعَدَدِ مِنْ قِسْمِ الصِّفَاتِ؛ لأَنَّ قَدْرَ الشَّيْءِ صِفَتُهُ. "وَالسَّادِسُ" مِنْ أَقْسَامِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ "اللَّقَبُ". وَهُوَ "تَخْصِيصُ اسْمٍ بِحُكْمٍ". "وَهُوَ حُجَّةٌ" عِنْدَ أَحْمَدَ وَمَالِكٍ وَدَاوُد رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَالصَّيْرَفِيِّ وَالدَّقَّاقِ وَابْنِ فُورَكٍ وَابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ وَابْنِ الْقَصَّارِ. وَنَفَاهُ٤ الْقَاضِي

стр. 1588

أَبُو يَعْلَى١ وَابْنُ عَقِيلٍ وَالْمُوَفَّقُ٢، وَقَالَ: وَلَوْ كَانَ مُشْتَقًّا٣ كَالطَّعَامِ٤. وَقَالَ الْمَجْدُ٥ وَمَنْ وَافَقَهُ: إنَّهُ حُجَّةٌ بَعْدَ سَابِقَةِ مَا يَعُمُّهُ، كَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ "وَتُرَابُهَا طَهُورٌ" ٦ بَعْدَ قَوْلِهِ: "جُعِلَتْ ٧ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا". وَ٨ كَمَا لَوْ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفِي بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ زَكَاةٌ؟ فَقَالَ: "فِي الإِبِلِ زَكَاةٌ " ٩ أَوْ١٠ هَلْ نَبِيعُ الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ؟ فَقَالَ: "لا تَبِيعُوا الْبُرَّ بِالْبُرِّ" تَقْوِيَةً لِلْخَاصِّ بِالْعَامِّ، كَالصِّفَةِ بِالْمَوْصُوفِ

стр. 1589

قَالَ١: وَأَكْثَرُ مَا جَاءَ٢ عَنْ أَحْمَدَ فِي مَفْهُومِ اللَّقَبِ لا يَخْرُجُ عَنْ هَذَا. وَجْهُ الْقَوْلِ الأَوَّلِ: أَنَّهُ لَوْ تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِالْعَامِّ لَمْ يَتَعَلَّقْ٣ بِالْخَاصِّ؛ لأَنَّهُ أَخَصُّ وَأَعَمُّ، وَلأَنَّهُ يُمَيِّزُ مُسَمَّاهُ، كَالصِّفَةِ.

стр. 1590

فصل إذا خص نوع بالذكر مما لا يصح لمسكوت عنه فله مفهوم: إذَا" "خُصَّ نَوْعٌ" مِنْ جِنْسٍ "بِالذِّكْرِ بِمَدْحٍ أَوْ ذَمٍّ أَوْ غَيْرِهِمَا" أَيْ بِشَيْءٍ غَيْرِ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ "مِمَّا١ لا يَصْلُحُ لِمَسْكُوتٍ٢ عَنْهُ" "فَلَهُ" أَيْ فَلِذَلِكَ الذِّكْرِ "مَفْهُومٌ". وَمِنْ٣ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿كَلاًّ إنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ٤ فَالْحِجَابُ عَذَابٌ فَلا يُحْجَبُ مِنْ لا يُعَذَّبُ، وَلَوْ حُجِبَ الْجَمِيعُ لَمْ يَكُنْ عَذَابًا٥. قَالَ الإِمَامُ مَالِكٌ ﵀: لَمَّا حَجَبَ ٦أَعْدَاءَهُ تَجَلَّى لأَوْلِيَائِهِ حَتَّى رَأَوْهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: لَمَّا حَجَبَ هَؤُلاءِ فِي السُّخْطِ كَانَ فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَوْلِيَاءَهُ يَرَوْنَهُ٧ فِي الرِّضَا٨. وَقَالَ أَيْضًا: فِي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلَى أَنَّ أَوْلِيَاءَهُ يَرَوْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَبْصَارِ وُجُوهِهِمْ.

стр. 1591

وَبِهَذِهِ الآيَةِ اسْتَدَلَّ الإِمَامُ أَحْمَدُ١ وَغَيْرُهُ مِنْ الأَئِمَّةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ عَلَى الرُّؤْيَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ. قَالَ الزَّجَّاجُ: لَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا فَائِدَةٌ، وَلا حَسُنَتْ مَنْزِلَتُهُمْ بِحَجْبِهِمْ. "وَإِذَا اقْتَضَى حَالٌ أَوْ" اقْتَضَى٢ "لَفْظٌ عُمُومَ الْحُكْمِ لَوْ عَمَّ، فَتَخْصِيصُ بَعْضٍ بِالذِّكْرِ لَهُ مَفْهُومٌ" ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ٣ وَغَيْرُهُ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا٤﴾ ٥ وقَوْله تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ﴾ ٦. "وَفِعْلُهُ" أَيْ فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ "لَهُ دَلِيلٌ كَدَلِيلِ الْخِطَابِ" عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا٧. وَأَخَذُوهُ مِنْ قَوْلِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: لا يُصَلَّى عَلَى مَيِّتٍ بَعْدَ شَهْرٍ٨؛ لِحَدِيثِ أُمِّ سَعْدٍ٩ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ١٠ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ

стр. 1592

أَنَّ أُمَّ سَعْدٍ مَاتَتْ، وَالنَّبِيُّ ﷺ غَائِبٌ، فَلَمَّا قَدِمَ صَلَّى عَلَيْهَا وَقَدْ مَضَى لِذَلِكَ شَهْرٌ. وَضَعَّفَ هَذِهِ الدَّلالَةَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا١ وَغَيْرُهُمْ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَيْسَ لِلْفعَلِ صِيغَةٌ تَعُمُّ وَلا تَخُصُّ٢، فَضْلاً عَنْ أَنْ يُجْعَلَ لَهَا دَلِيلُ خِطَابٍ "وَدَلالَةُ الْمَفْهُومِ كُلُّهَا بِالالْتِزَامِ"٣ بِمَعْنَى أَنَّ النَّفْيَ فِي الْمَسْكُوتِ لازِمٌ لِلثُّبُوتِ٤ فِي الْمَنْطُوقِ مُلازَمَةً ظَنِّيَّةً لا قَطْعِيَّةً.

стр. 1593

فَصْلٌ: كَلِمَةُ إنَّمَا: "بِكَسْرٍ وَفَتْحٍ" أَيْ بِكَسْرِ هَمْزَتِهَا وَفَتْحِهَا١ "تُفِيدُ٢ الْحَصْرَ" "نُطْقًا" أَيْ مِنْ جِهَةِ النُّطْقِ٣ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ وَابْنِ الْمُنَى وَالْمُوَفَّقِ٤ وَالْفَخْرِ مِنَّا٥ وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ. وَعِنْدَ الْقَاضِي٦ وَابْنِ عَقِيلٍ وَالْحَلْوَانِيِّ وَالأَكْثَرُ فَهْمًا يُعْنَى بِالْمَفْهُومِ٧. وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ٨ وَالآمِدِيِّ٩ وَالطُّوفِيِّ١٠ -مِنْ أَصْحَابِنَا- وَمَنْ وَافَقَهُمْ: لا تُفِيدُ الْحَصْرَ نُطْقًا وَلا فَهْمًا، بَلْ تُؤَكِّدُ الإِثْبَاتَ

стр. 1594

وَاخْتَارَهُ أَبُو حَيَّانِ, وَقَالَ: كَمَا١ لا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ أَخَوَاتِهَا الْمَكْفُوفَةِ٢ بِمَا٣ مِثْلَ: لَيْتَمَا، وَلَعَلَّمَا، وَإِذَا فُهِمَ مِنْ "إنَّمَا" حَصْرٌ، فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ السِّيَاقِ، لا أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَيْهِ بِالْوَضْعِ وَنَقَلَهُ عَنْ الْبَصْرِيِّينَ. قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ إمَامَ اللُّغَةِ ٤نَقَلَ عَنْ٥ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّهَا تُفِيدُهُ لِجَوَازِ "إنَّمَا الْمَرْءُ بِأَصْغَرَيْهِ" ٦ يَعْنِي٧ قَلْبَهُ وَلِسَانَهُ أَيْ كَمَالُهُ بِهَذَيْنِ الْعُضْوَيْنِ٨ لا بِهَيْئَتِهِ وَمَنْظَرِهِ. ثُمَّ قَالَ نَعَمْ٩ لَهُمْ طُرُقٌ فِي إفَادَتِهَا الْحَصْرَ أَقْوَاهَا نَقْلُ أَهْلِ١٠ اللُّغَةِ واسْتِقْرَاءَ١١ اسْتِعْمَالاتِ الْعَرَبِ إيَّاهَا فِي ذَلِكَ، وَأَضعَفُهَا١٢ طَرِيقَةً الرَّازِيّ وَأَتْبَاعُهُ: أَنَّ "إنَّ" لِلإِثْبَاتِ وَ "مَا" لِلنَّفْيِ١٣, وَلا يَجْتَمِعَانِ، فَيُجْعَلُ الإِثْبَاتُ لِلْمَذْكُورِ وَالنَّفْيُ لِلْمَسْكُوتِ١٤

стр. 1595

وَرُدَّ بِمَنْعِ كُلٍّ مِنْ الأَمْرَيْنِ؛ لأَنَّ "إنَّ" لِتَوْكِيدِ النِّسْبَةِ، نَفْيًا كَانَ أَوْ إثْبَاتًا نَحْوَ إنَّ زَيْدًا قَامَ، وَإِنَّ زَيْدًا لَمْ يَقُمْ، وَ "مَا" كَافَّةٌ لا نَافِيَةٌ عَلَى الْمُرَجَّحِ١, وَبِتَقْدِيرِ التَّسَلُّمِ: فَلا يَلْزَمُ اسْتِمْرَارُ الْمَعْنَى فِي حَالَةِ الإِفْرَادِ أَوْ٢ حَالَةِ التَّرْكِيبِ. قَالَ السَّكَّاكِيُّ: لَيْسَ الْحَصْرُ فِي "إنَّمَا" لِكَوْنِ "مَا" لِلنَّفْيِ، كَمَا يَفْهَمُهُ٣ مَنْ لا وُقُوفَ لَهُ عَلَى النَّحْوِ؛ لأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِلنَّفْيِ لَكَانَ لَهَا الصَّدْرُ٤. ثُمَّ حَكَى عَنْ الرَّبَعِيِّ٥: "أَنَّ"٦ إنَّ لِتَأْكِيدِ٧ إثْبَاتِ الْمُسْنَدِ لِلْمُسْنَدِ إلَيْهِ، وَ "مَا" مُؤَكِّدَةٌ فَنَاسَبَ مَعْنَى الْحَصْرِ٨. دلِيلُ الْقَائِلِ بِالْحَصْرِ: تَبَادُرُ الْفَهْمِ بِلا دَلِيلٍ. وَاحْتَجَّ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَلَى إبَاحَةِ رِبَا الْفَضْلِ بِقَوْلِهِ ﷺ : "إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ" وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ٩ وَشَاعَ فِي الصَّحَابَةِ

стр. 1596

وَلَمْ١ يُنْكَرْ، وَعَدَلَ إلَى دَلِيلٍ. لَكِنْ قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَوَاهُ عَنْ أُسَامَةَ بِلَفْظِ: "لَيْسَ الرِّبَا إلاَّ فِي النَّسِيئَةِ" كَمَا فِي مُسْلِمٍ٢. فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مُسْتَنَدُ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُمْ قَدْ رَوَوْا أَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ، وَأَنَّهُمْ لَمَّا وَافَقُوهُ كَانَ كَالإِجْمَاعِ. "وَقَدْ" "تَرِدُ" إنَّمَا "لِتَحْقِيقِ مَنْصُوصٍ، لا لِنَفْيِ غَيْرِهِ" نَحْوُ "إنَّمَا الْكَرِيمُ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ". "وَ" لَفْظُ "تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ" يُفِيدُ الْحَصْرَ نُطْقًا٣؛ لأَنَّهُ مُضَافٌ إلَى ضَمِيرٍ٤ عَائِدٍ إلَى الصَّلاةِ، وَفِيهَا السَّلامُ٥. وَبِهِ احْتَجَّ أَصْحَابُنَا، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَلَى تَعْيِينِ لَفْظَيْ٦ التَّكْبِيرِ وَالتَّسْلِيمِ بِقَوْلِهِ ﷺ : "تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ٧" وَمَنَعَهُ الْحَنَفِيَّةُ لِمَنْعِهِمْ الْمَفَاهِيمَ

стр. 1597

وَرُدَّ بِأَنَّ التَّعْيِينَ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْحَصْرِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ، فَإِنَّ التَّحْرِيمَ مُنْحَصِرٌ فِي التَّكْبِيرِ كَانْحِصَارِ زَيْدٍ فِي صَدَاقَتِك، إذَا قُلْت: صَدِيقِي زَيْدٌ١. أَمَّا إذَا كَانَ الْخَبَرُ نَكِرَةً، نَحْوَ زَيْدٌ قَائِمٌ، فَالأَصَحُّ أَنَّهَا لا تُفِيدُ الْحَصْرَ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ: "الصِّيَامُ جُنَّةٌ" ٢ فَإِنَّهُ لا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ أَيْضًا جُنَّةً٣. "وَ"لَفْظُ "صَدِيقِي" زَيْدٌ "أَوْ الْعَالِمُ زَيْدٌ، وَنَحْوُ ذَلِكَ" كَقَوْلِك: الْقَائِمُ زَيْدٌ "وَلا قَرِينَةَ عَهْدٍ يفِيدُ٤ الْحَصْرَ نُطْقًا" مِنْ صِيَغِ الْحَصْرِ الْمُعْتَبَرِ، مَفْهُومُهُ حَصْرُ الْمُبْتَدَأِ فِي الْخَبَرِ٥. وَلَهُ َصِيغَتَانِ٦: إحْدَاهُمَا: نَحْوُ صَدِيقِي زَيْدٌ قَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ، مُسْتَدِلِّينَ بِأَنَّ "صَدِيقِي" عَامٌّ، فَإِذَا أُخْبِرَ٧ عَنْهُ بِخَاصٍّ -وَهُوَ زَيْدٌ- كَانَ حَصْرًا لِذَلِكَ الْعَامِّ، وَهُوَ الأَصْدِقَاءُ كُلُّهُمْ فِي الْخَبَرِ، وَهُوَ زَيْدٌ، إذْ لَوْ بَقِيَ مِنْ أَفْرَادِ الْعُمُومِ مَا لَمْ يَدْخُلْ فِي الْخَبَرِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْمُبْتَدَأُ أَعَمَّ مِنْ الْخَبَرِ، وَذَلِكَ لا يَجُوزُ. قَالَ الْغَزَالِيُّ: لا لُغَةً وَلا عَقْلاً، فَلا تَقُولُ: الْحَيَوَانُ إنْسَانٌ٨، وَلا الزَّوْجُ

стр. 1598

عَشَرَةٌ، بَلْ أَنْ يَكُونَ الْمُبْتَدَأُ أَخَصَّ أَوْ مُسَاوِيًا١. وَالصِّيغَةُ الثَّانِيَةُ: الْعَالِمُ زَيْدٌ وَنَحْوُهُ، كَالْقَائِمِ زَيْدٌ، إذَا جُعِلَتْ اللاَّمُ لِلْحَقِيقَةِ أَوْ لِلاسْتِغْرَاقِ لا لِلْعَهْدِ، وَالْحُكْمُ فِيهِمَا كَالصِّيَغِ الَّتِي قَبْلَهُمَا٢. "وَيَحْصُلُ حَصْرٌ" أَيْضًا "بِنَفْيٍ"٣ سَوَاءٌ كَانَ النَّفْيُ بِمَا أَوْ بِغَيْرِهَا٤، كَلا، وَلَمْ، وَإِنْ، وَلَيْسَ "وَنَحْوُهُ" أَيْ نَحْوُ النَّفْيِ، كَالاسْتِفْهَامِ "وَاسْتِثْنَاءٌ تَامٌّ وَمُفَرَّغٌ٥، وَفَصْلُ مُبْتَدَأٍ مِنْ خَبَرٍ بِضَمِيرِ الْفَصْلِ"٦. فَمِثَالُ النَّفْيِ: "لا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ٧ يُبَيَّتُ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ٨ ". وَمِثَالُ نَحْوِ النَّفْيِ، وَهُوَ الاسْتِفْهَامُ ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إلاَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ٩﴾ ١٠. وَمِثَالُ الاسْتِثْنَاءِ: لا إلَه إلاَّ اللَّهُ، وَمَا لِي سِوَى١١ اللَّهِ، وَقَوْلُ الشَّاعِرِ:

стр. 1599

رَضِيت بِك اللَّهُمَّ رَبًّا فَلَنْ أُرَى ... أَدِينُ إلَهًا غَيْرَك اللَّهَ وَاحِدًا وَمِثَالُ فَصْلِ الْمُبْتَدَأِ مِنْ الْخَبَرِ بِضَمِيرِ الْفَصْلِ: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمْ الْغَالِبُونَ﴾ ١ فَإِنَّهُ لَمْ يُسْقَ إلاَّ لِلإِعْلامِ بِأَنَّهُمْ الْغَالِبُونَ دُونَ غَيْرِهِمْ٢. وَكَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ ٣ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ ٤ ﴿إنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٥ وَلأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُوضَعْ إلاَّ لِلإِفَادَةِ، وَلا فَائِدَةَ فِي مِثْلِ قَوْله تَعَالَى:٦ ﴿وَلَكِنْ كَانُوا هُمْ الظَّالِمِينَ﴾ ٧ سِوَى الْحَصْرِ. "وَيُفِيدُ الاخْتِصَاصَ" بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ٨ مُقَدَّمٌ لِيُفِيدَ "وَهُوَ الْحَصْرُ" جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ وَقَعَتْ بَيْنَ الْفِعْلِ وَفَاعِلِهِ٩ "تَقْدِيمُ" بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلُ يُفِيدُ "الْمَعْمُولِ"١٠ بِالْجَرِّ عَلَى أَنَّهُ مُضَافٌ إلَيْهِ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ١١ أَيْ نَخُصُّك بِالْعِبَادَةِ وَالاسْتِعَانَةِ، وَهَذَا١٢ مَعْنَى الْحَصْرِ.

стр. 1600

وَسَوَاءٌ فِي الْمَعْمُولِ الْمَفْعُولُ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وَالْحَالُ وَالظَّرْفُ وَالْخَبَرُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُبْتَدَأِ، نَحْوُ تَمِيمِيٌّ أَنَا وَبِهِ صَرَّحَ صَاحِبُ١ الْمَثَلِ السَّائِرِ٢. وَأَنْكَرَهُ صَاحِبُ٣ الْفَلَكِ الدَّائِرِ، وَقَالَ: لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ٤. وَإِنْكَارُهُ عَجِيبٌ، فَكَلامُ الْبَيَانِيِّينَ طَافِحٌ بِهِ، وَبِهِ احْتَجَّ أَصْحَابُنَا٥ وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ٦ عَلَى تَعْيِينِ لَفْظَيْ التَّكْبِيرِ وَالتَّسْلِيمِ، بِقَوْلِهِ ﷺ : "تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ" وَهُوَ يُفِيدُ الاخْتِصَاصَ قَالَهُ الْبَيَانِيُّونَ. وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَأَبُو حَيَّانَ، فَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي شَرْحِ الْمُفَصَّلِ: إنَّ تَوَهُّمَ النَّاسِ لِذَلِكَ وَهَمٌ، وَتَمَسُّكَهُمْ بِنَحْوِ ﴿بَلْ ٧ اللَّهَ

стр. 1601

فَاعْبُدْ﴾ ١ ضَعِيفٌ لِوُرُودِ ﴿فَاعْبُدْ اللَّهَ﴾ ٢ فَيَلْزَمُ أَنَّ الْمُؤَخَّرَ يُفِيدُ عَدَمَ الْحَصْرِ، لكَوْنِهِ٣ يَقْتَضِيهِ. وَأُجِيبَ: لا يَسْتَلْزِمُ حَصْرًا وَلا ٤عَدَمَهُ وَلا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ إفَادَةِ٥ الْحَصْرِ إفَادَةُ نَفْيِهِ لا سِيَّمَا وَ "مُخْلِصًا" فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصًا﴾ ٦ مُغْنٍ عَنْ إفَادَةِ الْحَصْرِ٧. وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ فِي أَوَّلِ٨ تَفْسِيرِهِ٩ فِي رَدِّ دَعْوَى الاخْتِصَاصِ: إنَّ سِيبَوَيْهِ قَالَ: إنَّ التَّقْدِيمَ لِلاهْتِمَامِ وَالْعِنَايَةِ١٠، فَهُوَ فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ كَمَا فِي ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا وَضَرَبَ عَمْرًا زَيْدٌ، فَكَمَا أَنَّ هَذَا لا يَدُلُّ عَلَى الاخْتِصَاصِ، فَكَذَلِكَ مِثَالُنَا. وَأُجِيبُ بِأَنَّ تَشْبِيهَ سِيبَوَيْهِ إنَّمَا هُوَ١١ فِي أَصْلِ الإِسْنَادِ، وَأَنَّ التَّقْدِيمَ يُشْعِرُ بِالاهْتِمَامِ وَالاعْتِنَاءِ وَلا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ نَفْيُ الاخْتِصَاصِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْفَلَكِ الدَّائِرِ١٢: الْحَقُّ أَنَّهُ لا يَدُلُّ عَلَى الاخْتِصَاصِ إلاَّ

стр. 1602

بِالْقَرَائِنِ، وَالأَكْثَرُ فِي الْقُرْآنِ التَّصْرِيحُ بِهِ مَعَ عَدَمِ الاخْتِصَاصِ نَحْوَ: ﴿إنَّ لَك أَنْ لا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى﴾ ١ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ خَاصًّا بِهِ، فَإِنَّ حَوَّاءَ كَذَلِكَ. وَكَوْنُ الاخْتِصَاصِ هُوَ الْحَصْرَ -كَمَا فِي الْمَتْنِ- هُوَ رَأْيُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. وَخَالَفَ السُّبْكِيُّ٢، فَقَالَ: لَيْسَ مَعْنَى الاخْتِصَاصِ الْحَصْرَ، خِلافًا لِمَا يَفْهَمُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ؛ لأَنَّ الْفُضَلاءَ -كَالزَّمَخْشَرِيِّ٣- لَمْ يُعَبِّرُوا فِي نَحْوِ ذَلِكَ إلاَّ بِالاخْتِصَاصِ. اهـ. "وَأَقْوَاهَا" أَيْ أَقْوَى الْمَفَاهِيمِ "اسْتِثْنَاءٌ، فَ٤" يَلِيهِ "حَصْرٌ بِنَفْيٍ، فَ٥" يَلِيهِ "مَا قِيلَ: إنَّهُ مَنْطُوقٌ، فَ٦" يَلِيهِ "حَصْرُ مُبْتَدَأٍ" فِي خَبَرٍ "فَ٧" يَلِيهِ "شَرْطٌ، فَصِفَةٌ مُنَاسِبَةٌ، فَ" صِفَةٌ هِيَ "عِلَّةٌ، فَغَيْرُهَا" أَيْ فَصِفَةٌ غَيْرُ عِلَّةٍ "فَعَدَدٌ، فَتَقْدِيمُ مَعْمُولٍ" وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1603

بَابٌ النسخ: النَّسْخُ لُغَةً: الإِزَالَةُ" وَهُوَ الرَّفْعُ١ "حَقِيقَةً" يُقَالُ: نَسَخَتْ الشَّمْسُ الظِّلَّ: أَيْ٢ أَزَالَتْهُ وَرَفَعَتْهُ، وَنَسَخَتْ الرِّيحُ الأَثَرَ كَذَلِكَ٣. "وَ"يُرَادُ بِهِ "النَّقْلُ مَجَازًا" وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: النَّقْلُ مَعَ عَدَمِ ٤بَقَاءِ الأَوَّلِ، كَالْمُنَاسَخَاتِ فِي الْمَوَارِيثِ، فَإِنَّهَا تَنْتَقِلُ مِنْ قَوْمٍ إلَى قَوْمٍ، مَعَ بَقَاءِ الْمَوَارِيثِ فِي نَفْسِهَا. وَالثَّانِي: النَّقْلُ مَعَ بَقَاءِ الأَوَّلِ كَنَسْخِ الْكِتَابِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿إنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٥. وَمَا تَقَدَّمَ هُوَ قَوْلُ الأَكْثَرِ. وَقِيلَ٦: إنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي النَّقْلِ مَجَازٌ فِي الرَّفْعِ وَالإِزَالَةِ عَكْسُ الأَوَّلِ.

стр. 1604

وَقِيلَ: مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الإِزَالَةِ وَالنَّقْلِ. "وَ" النَّسْخُ "شَرْعًا" أَيْ فِي اصْطِلاحِ الأُصُولِيِّينَ "رَفْعُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ مُتَرَاخٍ" أَيْ الدَّلِيلُ عَنْ الْحُكْمِ ذَكَرَ مَعْنَى ذَلِكَ ابْنُ الْحَاجِبِ١ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ قَوْلُ الأَكْثَرِ٢. وَقَوْلُ مَنْ قَالَ "بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ" أَوْلَى مِمَّنْ قَالَ "بِخِطَابٍ شَرْعِيٍّ" لِدُخُولِ٣ الْفِعْلِ فِي الدَّلِيلِ دُونَ الْخِطَابِ. وَعَبَّرَ الْبَيْضَاوِيُّ بِطَرِيقٍ شَرْعِيٍّ٤، وَهُوَ حَسَنٌ أَيْضًا. وَمِنْ النَّسْخِ بِالْفِعْلِ: نَسْخُ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ بِأَكْلِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ الشَّاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ٥.

стр. 1605

قَوْلُهُ "مُتَرَاخٍ" لِتَخْرُجَ١ الْمُخَصِّصَاتُ الْمُتَّصِلَةُ. وَالْمُرَادُ بِالْحُكْمِ: مَا تَعَلَّقَ بِالْمُكَلَّفِ بَعْدَ٢ وُجُودِهِ أَهْلاً. وَقُيلْ: إنَّ النَّسْخَ بَيَانُ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْحُكْمِ لا رَفْعِهِ٣. قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَمَعْنَى الرَّفْعِ٤: إزَالَةُ الشَّيْءِ عَلَى وَجْهٍ لَوْلاهُ لَبَقِيَ ثَابِتًا، عَلَى مِثَالِ رَفْعِ حُكْمِ الإِجَارَةِ بِالْفَسْخِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُفَارِقُ زَوَالَ حُكْمِهَا بِانْقِضَاءِ مُدَّتِهَا٥. قَالَ: وَقَيَّدْنَا الْحَدَّ٦ بِالْخِطَابِ الْمُتَقَدِّمِ؛ لأَنَّ ابْتِدَاءَ الْعِبَادَاتِ فِي الشَّرْعِ مُزِيلٌ لِحُكْمِ الْعَقْلِ٧ مِنْ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، وَلَيْسَ بِنَسْخٍ. وَقَيَّدْنَاهُ بِالْخِطَابِ الثَّانِي؛ لأَنَّ زَوَالَ الْحُكْمِ بِالْمَوْتِ وَالْجُنُونِ لَيْسَ بِنَسْخٍ.

стр. 1606

وَقَوْلُنَا "مَعَ تَرَاخِيهِ عَنْهُ١"؛ لأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُتَّصِلاً بِهِ كَانَ بَيَانًا، وَإِتْمَامًا لِمَعْنَى٢ الْكَلامِ، وَتَقْدِيرًا لَهُ بِمُدَّةٍ وَشَرْطٍ٣. اهـ. "وَالنَّاسِخُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى حَقِيقَةً". قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ وَغَيْرُهُ: النَّاسِخُ يُطْلَقُ عَلَى اللَّهِ يُقَالُ: نَسَخَ فَهُوَ نَاسِخٌ، قَالَ٤ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ ٥. وَيُطْلَقُ عَلَى الطَّرِيقِ الْمُعَرِّفَةِ لارْتِفَاعِ الْحُكْمِ مِنْ الآيَةِ، وَخَبَرِ الرَّسُولِ ﷺ وَفِعْلِهِ وَتَقْرِيرِهِ وَالإِجْمَاعِ عَلَى الْحُكْمِ، كَقَوْلِنَا: وُجُوبُ صَوْمِ٦ رَمَضَانَ نَسَخَ صَوْمَ٧ يَوْمِ٨ عَاشُورَاءَ, وَعَلَى مَنْ يَعْتَقِدُ نَسْخَ الْحُكْمِ، كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَنْسَخُ الْقُرْآنَ بِالسُّنَّةِ، أَيْ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ فَهُوَ نَاسِخٌ٩. وَالاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ إطْلاقَهُ عَلَى الأَخِيرَيْنِ١٠ مَجَازٌ، وَإِنَّمَا الْخِلافُ فِي الأَوَّلَيْنِ١١:

стр. 1607

فَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ: حَقِيقَةٌ فِي الطَّرِيقِ لا فِيهِ١ تَعَالَى٢. وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ: حَقِيقَةٌ فِي اللَّهِ تَعَالَى مَجَازٌ فِي الطَّرِيقِ. وَالنِّزَاعُ لَفْظِيٌّ. اهـ. "وَالْمَنْسُوخُ: الْحُكْمُ الْمُرْتَفِعُ بِنَاسِخٍ" كَالْمُرْتَفِعِ مِنْ وُجُوبِ تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ بَيْنَ يَدَيْ مُنَاجَاةِ النَّبِيِّ ﷺ . "وَلا يَكُونُ" "النَّاسِخُ أَضْعَفَ" يَعْنِي٣ مِنْ الْمَنْسُوخِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَالأَكْثَرِ٤. قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ يُشْتَرَطُ فِي النَّاسِخِ عِنْدَ الأَكْثَرِ٥ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى مِنْ الْمَنْسُوخِ أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ٦، وَلِذَلِكَ٧ ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ أَصْحَابِنَا. اهـ. "وَلا" "نَسْخَ مَعَ إمْكَانِ الْجَمْعِ" بَيْنَ٨ الدَّلِيلَيْنِ؛ لأَنَّا إنَّمَا نَحْكُمُ بِأَنَّ الأَوَّلَ مِنْهُمَا مَنْسُوخٌ إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْنَا الْجَمْعُ فَإِذَا لَمْ يَتَعَذَّرْ وَجَمَعْنَا بَيْنَهُمَا بِكَلامٍ مَقْبُولٍ، أَوْ بِمَعْنًى

стр. 1608

مَقْبُولٍ فَلا نَسْخَ١. قَالَ الْمَجْدُ فِي الْمُسَوَّدَةِ وَغَيْرُهُ: لا يَتَحَقَّقُ٢ النَّسْخُ إلاَّ مَعَ التَّعَارُضِ فَأَمَّا مَعَ إمْكَانِ الْجَمْعِ فَلا، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: نُسِخَ صَوْمُ عَاشُورَاءَ بِرَمَضَانَ، وَ٣ نَسَخَتْ الزَّكَاةُ كُلَّ صَدَقَةٍ سِوَاهَا فَلَيْسَ يَصِحُّ٤ إذَا٥ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ؛ لأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا لا مُنَافَاةَ فِيهِ، وَإِنَّمَا وَافَقَ نَسْخُ عَاشُورَاءَ فَرْضَ٦ رَمَضَانَ، وَنَسْخُ سَائِرِ الصَّدَقَاتِ فَرْضَ الزَّكَاةِ فَحَصَلَ النَّسْخُ مَعَهُ لا بِهِ، وَهُوَ٧ قَوْلُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ٨. انْتَهَى. "وَلا" نَسْخَ "قَبْلَ عِلْمِ مُكَلَّفٍ" بِالْمَأْمُورٍ٩ "بِهِ"؛ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ بِاعْتِقَادِ الْوُجُوبِ وَالْعَزْمِ عَلَى الْفِعْلِ١٠.

стр. 1609

وَجَوَّزَهُ الآمِدِيُّ، لِعَدَمِ مُرَاعَاةِ الْحُكْمِ فِي أَفْعَالِهِ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ١. "وَيَجُوزُ" النَّسْخُ "فِي السَّمَاءِ وَالنَّبِيُّ ﷺ هُنَاكَ" ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَالْمَجْدُ٢، وَكَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَذَلِكَ؛ لأَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ بَعْضَ الْمُكَلَّفِينَ، وَهُوَ سَيِّدُ الْبَشَرِ، فَإِنَّهُ قَدْ اعْتَقَدَ٣ هُوَ وُجُوبَهُ وَعِلْمَهُ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلامُ السَّمْعَانِيِّ حَيْثُ قَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ عَلِمَهُ وَاعْتَقَدَ وُجُوبَهُ، فَلَمْ يَقَع النَّسْخُ لَهُ إلاَّ بَعْدَ عِلْمِهِ وَاعْتِقَادِهِ. ١هـ "وَ" يَجُوزُ النَّسْخُ أَيْضًا "قَبْلَ وَقْتِ الْفِعْلِ" أَيْ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الْفِعْلِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالأَشْعَرِيَّةِ وَأَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ٤. وَذَكَرَهُ الآمِدِيُّ٥، قَوْلُ٦ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ.

стр. 1610

وَمَنَعَهُ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةُ، وَالصَّيْرَفِيُّ وَابْنُ بُرْهَانٍ. وَاسْتُدِلَّ لِلأَوَّلِ -وَهُوَ الصَّحِيحُ- بِمَا تَوَاتَرَ فِي ذَلِكَ١، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ٢ وَغَيْرِهِمَا فِي نَسْخِ فَرْضِ خَمْسِينَ صَلاةً فِي السَّمَاءِ لَيْلَةَ الإِسْرَاءِ بِخَمْسٍ قَبْلَ تَمَكُّنِهِ ﷺ ٣مِنْ الْفِعْلِ. وَفِي الْبُخَارِيِّ٤ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ فِي بَعْثٍ٥، وَقَالَ: " إنْ وَجَدْتُمْ فُلانًا وَفُلانًا فَأَحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ" ثُمَّ قَالَ حِينَ أَرَدْنَا الْخُرُوجَ: "إنَّ النَّارَ لا يُعَذِّبُ بِهَا إلاَّ اللَّهُ، فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا". وَأَمَرَ ﷺ بِكَسْرِ قُدُورٍ مِنْ لَحْمِ حُمُرٍ إنْسِيَّةٍ فَقَالَ رَجُلٌ: أَوْ نَغْسِلُهَا؟ فَقَالَ: "اغْسِلُوهَا" ٦ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ٧. وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ. أَنَّ النَّسْخَ٨ قَبْلَ الْفِعْلِ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهِ: جَائِزٌ بِلا خِلافٍ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي التَّمْهِيدِ: لا أَعْلَمُ فِيهِ خِلافًا

стр. 1611

قَالَ: وَلا فَرْقَ عَقْلاً بَيْنَ أَنْ يَعْصِيَ أَوْ يُطِيعَ وَجَزَمَ بَعْضُهُمْ بِالْمَنْعِ لِعِصْيَانِهِ١. اهـ. "وَ" يَجُوزُ النَّسْخُ "عَقْلاً" بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الشَّرَائِعِ سِوَى الشمْعَثيَّةِ٢ مِنْ الْيَهُودِ. وَكَذَا يَجُوزُ سَمْعًا بِاتِّفَاقٍ أَهْلِ الشَّرَائِعِ سِوَى الْعَنَانِيَّةِ٣ مِنْ الْيَهُودِ, فَإِنَّهُمْ يُجَوِّزُونَهُ عَقْلاً لا سَمْعًا، وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَبُو مُسْلِمٍ الأَصْفَهَانِيُّ٤.

стр. 1612

قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي الْمُقْنِعِ: أَنْكَرَ طَائِفَةٌ ١مِنْ الْيَهُودِ وَهُمْ الْعَنَانِيَّةُ -أَتْبَاعُ عَنَانٍ- وُقُوعَهُ عَقْلاً لا شَرْعًا وَأَنْكَرَتْ الشَّمْعَثِيَّةُ٢ مِنْهُمْ أَتْبَاعُ شَمْعَثَا٣ الأَمْرَيْنِ٤. وَحَكَى ابْنُ الزَّاغُونِيِّ عَنْهُمْ عَكْسَهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ نَسْخُ عِبَادَةٍ بِأَثْقَلَ٥ مِنْهَا عُقُوبَةً. وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: تَجُوزُ شَرْعًا لا عَقْلاً " وَأَنَّ مُحَمَّدًا وَعِيسَى لَمْ يَأْتِيَا بِمُعْجِزَةٍ. وَقَالَ الْعِيسَوِيَّةُ٦ -أَتْبَاعُ غَيْرِ النَّبِيِّ-:

стр. 1613

إنَّهُمَا أَتَيَا١ بِالْمُعْجِزَةِ، وَبُعِثَا إلَى الْعَرَبِ وَالأُمِّيِّينَ، اهـ. وَأَبُو مُسْلِمٍ هَذَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ بَحْرٍ الأَصْفَهَانِيُّ٢. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ٣: وَهُوَ رَجُلٌ مَعْرُوفٌ بِالْعِلْمِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ انْتَسَبَ إلَى الْمُعْتَزِلَةِ، وَيُعَدُّ مِنْهُمْ وَلَهُ كِتَابٌ كَبِيرٌ فِي التَّفْسِيرِ، وَلَهُ كُتُبٌ كَثِيرَةٌ فَلا أَدْرِي كَيْفَ وَقَعَ هَذَا الْخِلافُ مِنْهُ!. اهـ. "وَوَقَعَ" النَّسْخُ "شَرْعًا"٤. قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَالْحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ وَلا شَكَّ فِيهِ: جَوَازُهُ عَقْلاً وَشَرْعًا.

стр. 1614

وَأَمَّا الْوُقُوعُ: فَوَاقِعٌ لا مَحَالَةَ، وَرَدَ١ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ قَطْعًا٢. وَأَيْضًا الْقَطْعُ بِعَدَمِ اسْتِحَالَةِ تَكْلِيفٍ فِي وَقْتٍ وَرَفْعِهِ. وَإِنْ قِيلَ: أَفْعَالُ اللَّهِ تَعَالَى تَابِعَةٌ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ كَالْمُعْتَزِلَةِ، فَالْمَصْلَحَةُ٣ قَدْ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأَوْقَاتِ. "وَلا يَجُوزُ الْبَدَاءُ عَلَى اللَّهِ٤" سُبْحَانَهُ وَ "تَعَالَى"، "وَهُوَ تَجَدُّدُ الْعِلْمِ". "وَهُوَ" أَيْ الْقَوْلُ بِتَجَدُّدِ عِلْمِهِ جَلَّ وَعَلا "كُفْرٌ" بِإِجْمَاعِ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀: مَنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ عَالِمًا حَتَّى خَلَقَ لِنَفْسِهِ عِلْمًا فَعَلِمَ٥ بِهِ فَهُوَ كَافِرٌ. وَقَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: الْبَدَاءُ: هُوَ أَنْ يُرِيدَ الشَّيْءَ دَائِمًا٦، ثُمَّ يَنْتَقِلَ عَنْ

стр. 1615

الدَّوَامِ لأَمْرٍ حَادِثٍ لا بِعِلْمٍ سَابِقٍ قَالَ: أَوْ يَكُونَ سَبَبُهُ دَالاً عَلَى إفْسَادِ الْمُوجِبِ لِصِحَّةِ الأَمْرِ الأَوَّلِ، بِأَنْ يَأْمُرَهُ١ لِمَصْلَحَةٍ لَمْ تَحْصُلْ فَيَبْدُو لَهُ مَا يُوجِبُ رُجُوعَهُ عَنْهُ. اهـ. "وَبَيَانُ غَايَةٍ مَجْهُولَةٍ" لِلْحُكْمِ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ ٢ "لَيْسَ" ذَلِكَ الْبَيَانُ "بِنَسْخٍ"٣. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: اخْتَلَفَ كَلامُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ: هَلْ هُوَ نَسْخٌ، أَمْ لا؟ وَالأَظْهَرُ النَّفْيُ. اهـ. وَلِلْقَاضِي الْقَوْلانِ، فَإِنَّهُ قَالَ٤: فِي مَوْضِعِ قَوْله تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ ٥ الآيَةَ؛ إنَّ٦ هَذِهِ الْغَايَةَ٧ مَشْرُوطَةٌ فِي حُكْمٍ مُطْلَقٍ؛ لأَنَّ غَايَةَ كُلِّ حُكْمٍ إلَى مَوْتِ الْمُكَلَّفِ، أَوْ إلَى النَّسْخِ. وَكَذَلِكَ ذَكَرَ فِي مَسْأَلَةِ الأَخَفِّ بِالأَثْقَلِ أَنَّ حَدَّ الزَّانِي فِي أَوَّلِ الإِسْلامِ كَانَ الْحَبْسَ ثُمَّ نُسِخَ، وَجُعِلَ حَدُّ الْبِكْرِ الْجَلْدَ وَالتَّغْرِيبَ، وَالثَّيِّبِ الْجَلْدَ
следующие страницы →