← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12019

شرح الكوكب المنير = شرح مختصر التحرير

ابن النجار الفتوحي

Полный текст (2 398 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

قَالَ: وَلا فَرْقَ عَقْلاً بَيْنَ أَنْ يَعْصِيَ أَوْ يُطِيعَ وَجَزَمَ بَعْضُهُمْ بِالْمَنْعِ لِعِصْيَانِهِ١. اهـ. "وَ" يَجُوزُ النَّسْخُ "عَقْلاً" بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الشَّرَائِعِ سِوَى الشمْعَثيَّةِ٢ مِنْ الْيَهُودِ. وَكَذَا يَجُوزُ سَمْعًا بِاتِّفَاقٍ أَهْلِ الشَّرَائِعِ سِوَى الْعَنَانِيَّةِ٣ مِنْ الْيَهُودِ, فَإِنَّهُمْ يُجَوِّزُونَهُ عَقْلاً لا سَمْعًا، وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَبُو مُسْلِمٍ الأَصْفَهَانِيُّ٤.

стр. 1612

قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي الْمُقْنِعِ: أَنْكَرَ طَائِفَةٌ ١مِنْ الْيَهُودِ وَهُمْ الْعَنَانِيَّةُ -أَتْبَاعُ عَنَانٍ- وُقُوعَهُ عَقْلاً لا شَرْعًا وَأَنْكَرَتْ الشَّمْعَثِيَّةُ٢ مِنْهُمْ أَتْبَاعُ شَمْعَثَا٣ الأَمْرَيْنِ٤. وَحَكَى ابْنُ الزَّاغُونِيِّ عَنْهُمْ عَكْسَهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ نَسْخُ عِبَادَةٍ بِأَثْقَلَ٥ مِنْهَا عُقُوبَةً. وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: تَجُوزُ شَرْعًا لا عَقْلاً " وَأَنَّ مُحَمَّدًا وَعِيسَى لَمْ يَأْتِيَا بِمُعْجِزَةٍ. وَقَالَ الْعِيسَوِيَّةُ٦ -أَتْبَاعُ غَيْرِ النَّبِيِّ-:

стр. 1613

إنَّهُمَا أَتَيَا١ بِالْمُعْجِزَةِ، وَبُعِثَا إلَى الْعَرَبِ وَالأُمِّيِّينَ، اهـ. وَأَبُو مُسْلِمٍ هَذَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ بَحْرٍ الأَصْفَهَانِيُّ٢. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ٣: وَهُوَ رَجُلٌ مَعْرُوفٌ بِالْعِلْمِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ انْتَسَبَ إلَى الْمُعْتَزِلَةِ، وَيُعَدُّ مِنْهُمْ وَلَهُ كِتَابٌ كَبِيرٌ فِي التَّفْسِيرِ، وَلَهُ كُتُبٌ كَثِيرَةٌ فَلا أَدْرِي كَيْفَ وَقَعَ هَذَا الْخِلافُ مِنْهُ!. اهـ. "وَوَقَعَ" النَّسْخُ "شَرْعًا"٤. قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَالْحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ وَلا شَكَّ فِيهِ: جَوَازُهُ عَقْلاً وَشَرْعًا.

стр. 1614

وَأَمَّا الْوُقُوعُ: فَوَاقِعٌ لا مَحَالَةَ، وَرَدَ١ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ قَطْعًا٢. وَأَيْضًا الْقَطْعُ بِعَدَمِ اسْتِحَالَةِ تَكْلِيفٍ فِي وَقْتٍ وَرَفْعِهِ. وَإِنْ قِيلَ: أَفْعَالُ اللَّهِ تَعَالَى تَابِعَةٌ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ كَالْمُعْتَزِلَةِ، فَالْمَصْلَحَةُ٣ قَدْ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأَوْقَاتِ. "وَلا يَجُوزُ الْبَدَاءُ عَلَى اللَّهِ٤" سُبْحَانَهُ وَ "تَعَالَى"، "وَهُوَ تَجَدُّدُ الْعِلْمِ". "وَهُوَ" أَيْ الْقَوْلُ بِتَجَدُّدِ عِلْمِهِ جَلَّ وَعَلا "كُفْرٌ" بِإِجْمَاعِ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀: مَنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ عَالِمًا حَتَّى خَلَقَ لِنَفْسِهِ عِلْمًا فَعَلِمَ٥ بِهِ فَهُوَ كَافِرٌ. وَقَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: الْبَدَاءُ: هُوَ أَنْ يُرِيدَ الشَّيْءَ دَائِمًا٦، ثُمَّ يَنْتَقِلَ عَنْ

стр. 1615

الدَّوَامِ لأَمْرٍ حَادِثٍ لا بِعِلْمٍ سَابِقٍ قَالَ: أَوْ يَكُونَ سَبَبُهُ دَالاً عَلَى إفْسَادِ الْمُوجِبِ لِصِحَّةِ الأَمْرِ الأَوَّلِ، بِأَنْ يَأْمُرَهُ١ لِمَصْلَحَةٍ لَمْ تَحْصُلْ فَيَبْدُو لَهُ مَا يُوجِبُ رُجُوعَهُ عَنْهُ. اهـ. "وَبَيَانُ غَايَةٍ مَجْهُولَةٍ" لِلْحُكْمِ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ ٢ "لَيْسَ" ذَلِكَ الْبَيَانُ "بِنَسْخٍ"٣. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: اخْتَلَفَ كَلامُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ: هَلْ هُوَ نَسْخٌ، أَمْ لا؟ وَالأَظْهَرُ النَّفْيُ. اهـ. وَلِلْقَاضِي الْقَوْلانِ، فَإِنَّهُ قَالَ٤: فِي مَوْضِعِ قَوْله تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ ٥ الآيَةَ؛ إنَّ٦ هَذِهِ الْغَايَةَ٧ مَشْرُوطَةٌ فِي حُكْمٍ مُطْلَقٍ؛ لأَنَّ غَايَةَ كُلِّ حُكْمٍ إلَى مَوْتِ الْمُكَلَّفِ، أَوْ إلَى النَّسْخِ. وَكَذَلِكَ ذَكَرَ فِي مَسْأَلَةِ الأَخَفِّ بِالأَثْقَلِ أَنَّ حَدَّ الزَّانِي فِي أَوَّلِ الإِسْلامِ كَانَ الْحَبْسَ ثُمَّ نُسِخَ، وَجُعِلَ حَدُّ الْبِكْرِ الْجَلْدَ وَالتَّغْرِيبَ، وَالثَّيِّبِ الْجَلْدَ

стр. 1616

وَالرَّجْمَ١. وَقَالَ فِي مَسْأَلَةِ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ: إنَّ الْحَبْسَ فِي الآيَةِ لَمْ يُنْسَخْ؛ لأَنَّ النَّسْخَ أَنْ يَرِدَ لَفْظٌ عَامٌّ يُتَوَهَّمُ دَوَامُهُ، ثُمَّ يَرِدَ مَا يَرْفَعُ بَعْضَهُ، وَالآيَةُ لَمْ تَرِدْ بِالْحَبْسِ عَلَى التَّأْبِيدِ، وَإِنَّمَا وَرَدَتْ بِهِ إلَى غَايَةٍ، هِيَ٢ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً فَأَثْبَتَتْ٣ الْغَايَةَ، فَوَجَبَ الْحَدُّ بَعْدَ الْغَايَةِ بِالْخَبَرِ٤. اهـ. "وَيُنْسَخُ" بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ "إنْشَاءٌ، وَلَوْ" كَانَ الإِنْشَاءُ "بِلَفْظِ قَضَاءٍ٥" فِي الأَصَحِّ نَحْوَ "قَضَى اللَّهُ بِصَوْمِ عَاشُورَاءَ٦" مَثَلاً، ثُمَّ يَنْسَخُهُ٧ وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ٨. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا يَجُوزُ نَسْخُهُ؛ لأَنَّ الْقَضَاءَ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِيمَا لا يَتَغَيَّرُ، نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَنْ لا تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ﴾ ٩ "أَوْ" كَانَ الإِنْشَاءُ "خَبَرًا" يَعْنِي أَنَّهُ يُنْسَخُ الإِنْشَاءُ وَلَوْ كَانَ بِلَفْظِ الْخَبَرِ

стр. 1617

سَوَاءٌ كَانَ بِمَعْنَى الأَمْرِ أَوْ النَّهْيِ، نَحْوَ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ ١ وَنَحْوَ: ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ ٢. قَالَ الْجُمْهُورُ: يَجُوزُ نَسْخُهُ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهُ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ الإِنْشَاءُ٣. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الدَّقَّاقُ٤: يَمْتَنِعُ نَسْخُهُ بِاعْتِبَارِ لَفْظِهِ٥. "أَوْ قُيِّدَ" بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ الإِنْشَاءُ٦ "بِتَأْبِيدٍ" أَيْ بِلَفْظِ تَأْبِيدٍ "أَوْ" بِلَفْظِ "حَتْمٍ" نَحْوَ "صُومُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ أَبَدًا، أَوْ دَائِمًا٧، أَوْ مُسْتَمِرًّا، أَوْ حَتْمًا". وَجَوَازُ نَسْخِهِ قَوْلُ الْجُمْهُورِ٨.

стр. 1618

وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ جَمْعٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْحَنَفِيَّةِ قَالُوا١ لِمُنَاقَضَتِهِ الأَبَدِيَّةِ٢، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى الْبَدَاءِ. وَجَوَابُهُ: أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمُبَالَغَةُ لا الدَّوَامُ، كَمَا تَقُولُ: لازِمْ غَرِيمَك أَبَدًا، وَإِنَّمَا تُرِيدُ لازِمْهُ إلَى وَقْتِ الْقَضَاءِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ هُنَا٣ لا تَخْلُ بِهِ إلَى أَنْ يَنْقَضِيَ وَقْتُهُ. وَكَمَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ عُمُومٍ مُؤَكَّدٍ بِكُلٍّ وَيَمْنَعُ التَّأْبِيدَ عُرْفًا، وَبِالإِلْزَامِ٤ بِتَخْصِيصِ٥ عُمُومٍ مُؤَكَّدٍ، وَالْجَوَابُ وَاحِدٌ. قَالُوا: إذَا كَانَ الْحُكْمُ لَوْ أُطْلِقَ الْخِطَابُ مُسْتَمِرًّا إلَى النَّسْخِ، فَمَا الْفَائِدَةُ فِي التَّقْيِيدِ بِالتَّأْبِيدِ؟ قُلْنَا: فَائِدَتُهُ التَّنْصِيصُ وَالتَّأْكِيدُ، وَأَيْضًا فَلَفْظُ٦ "الأَبَدِ" إنَّمَا مَدْلُولُهُ الزَّمَانُ الْمُتَطَاوِلُ. وَلا فَرْقَ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ بَيْنَ كَوْنِ الْجُمْلَةِ فِعْلِيَّةً، نَحْوَ صُومُوا أَبَدًا، أَوْ اسْمِيَّةً، نَحْوَ الصَّوْمُ وَاجِبٌ مُسْتَمِرٌّ أَبَدًا

стр. 1619

وَوَقَعَ فِي عِبَارَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ١ مَا يَحْتَمِلُ خِلافَ ذَلِكَ وَلَفْظُهُ: الْجُمْهُورُ عَلَى٢ جَوَازِ نَسْخِ مِثْلِ: صُومُوا أَبَدًا بِخِلافِ: الصَّوْمُ "وَاجِبٌ"٣ مُسْتَمِرٌّ أَبَدًا٤ اهـ. وَاخْتَلَفَ شَارِحَاهُ الأَصْفَهَانِيُّ وَالْعَضُدُ فِي حَلِّ لَفْظِهِ، وَوَافَقَ ابْنُ السُّبْكِيّ وَغَيْرُهُ عَلَى مَا قَالَهُ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ٥ من٦ احْتِمَالِ كَلامِهِ لِمَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ. "وَيَجُوزُ" "نَسْخُ إيقَاعِ الْخَبَرِ" الَّذِي أُمِرَ الْمُكَلَّفُ بِالإِخْبَارِ بِهِ "حَتَّى بِنَقِيضِهِ" أَيْ نَقِيضِ الْخَبَرِ الأَوَّلِ٧، خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ٨. قَالَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ، فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ: نَسْخُ الْخَبَرِ لَهُ صُورَتَانِ، إحْدَاهُمَا: نَسْخُ إيقَاعِ الْخَبَرِ، بِأَنْ يُكَلِّفَ الشَّارِعُ أَحَدًا بِأَنْ يُخْبِرَ بِشَيْءٍ٩ عَقْلِيٍّ أَوْ

стр. 1620

عَادِيٍّ، "أَوْ شَرْعِيٍّ"١ كَوُجُودِ الْبَارِي، وَإِحْرَاقِ النَّارِ، وَإِيمَانِ زَيْدٍ ثُمَّ يَنْسَخَهُ, فَهَذَا جَائِزٌ اتِّفَاقًا. وَهَلْ يَجُوزُ نَسْخُهُ بِنَقِيضِهِ "أَيْ بِأَنْ يُكَلِّفَهُ الإِخْبَارَ بِنَقِيضِهِ"٢؟ الْمُخْتَارُ جَوَازُهُ، خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، وَمَبْنَاهُ عَلَى٣ أَصْلِهِمْ فِي حُكْمِ الْعَقْلِ؛ لأَنَّ أَحَدَهُمَا كَذِبٌ، فَالتَّكْلِيفُ بِهِ قَبِيحٌ. وَقَدْ عَلِمْت فَسَادَهُ٤. قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: الثَّالِثُ: أَنْ يُرَادَ مَعَ نَسْخِهِ التَّكْلِيفُ بِالإِخْبَارِ بِضِدِّ الأَوَّلِ، إلاَّ أَنَّ الْمُخْبَرَ بِهِ مِمَّا لا يَتَغَيَّرُ كَالإِخْبَارِ بِكَوْنِ السَّمَاءِ فَوْقَ الأَرْضِ، يُنْسَخُ بِالإِخْبَارِ بِأَنَّ السَّمَاءَ تَحْتَ الأَرْضِ. وَذَلِكَ جَائِزٌ وَخَالَفَ الْمُعْتَزِلَةُ فِيهِ، كَمَا قَالَ الآمِدِيُّ٥، مُحْتَجِّينَ بِأَنَّ أَحَدَهُمَا٦ كَذِبٌ، وَالتَّكْلِيفُ بِهِ قَبِيحٌ، فَلا يَجُوزُ عَقْلاً. وَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى قَاعِدَتِهِمْ الْبَاطِلَةِ فِي التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيَّيْنِ. فَإِنْ قِيلَ: الْكَذِبُ نَقْصٌ، وَقَبَّحَهُ بِالْعَقْلِ بِاتِّفَاقٍ، فَلِمَ لا يَمْتَنِعُ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْقُبْحَ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ لِفَاعِلِهِ لا لاعْتِبَارِ٧ التَّكْلِيفِ بِهِ بَلْ إذَا كُلِّفَ بِهِ صَارَ جَائِرًا فَلا يَكُونُ قَبِيحًا٨، إذْ لا حُسْنَ وَلا قُبْحَ إلاَّ بِالشَّرْعِ، لا سِيَّمَا

стр. 1621

إذَا تَعَلَّقَ بِهِ غَرَضٌ شَرْعِيٌّ، فَإِنَّهُ مِنْ حَيْثُ ذَلِكَ يَكُونُ حَسَنًا. اهـ. "وَ" لا يَجُوزُ نَسْخُ "مَدْلُولِ خَبَرٍ" إجْمَاعًا حَكَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ١. وَابْنُ بُرْهَانٍ إذَا كَانَ ذَلِكَ الْحُكْمُ "لا يَتَغَيَّرُ كَصِفَاتِ اللَّهِ" سُبْحَانَهُ وَ "تَعَالَى، وَخَبَرِ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ" وَأَخْبَارِ الأَنْبِيَاءِ ﵈، وَأَخْبَارِ الأُمَمِ السَّالفةِ٢ وَالإِخْبَارِ عَنْ السَّاعَةِ وَأَمَارَاتِهَا٣. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَنَسْخُ مَدْلُولِ خَبَرٍ لا يَتَغَيَّرُ مُحَالٌ٤ إجْمَاعًا. "أَوْ" مَدْلُولِ "خَبَرٍ" يَتَغَيَّرُ "كَإِيمَانِ زَيْدٍ وَكُفْرِهِ مَثَلاً" يَعْنِي فَإِنَّهُ لا يَجُوزُ نَسْخُهُ أَيْضًا عَلَى الأَصَحِّ. وَعَلَيْهِ الأَكْثَرُ٥. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: مَنَعَهُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَالأُصُولِيِّينَ. اهـ.

стр. 1622

وَقِيلَ: يَجُوزُ ذَلِكَ. وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ١ وَجَمْعٌ مِنْ أَصْحَابِنَا٢ وَغَيْرِهِمْ٣. وَيَخْرُجُ عَلَيْهِ نَسْخُ الْمُحَاسَبَةِ بِمَا فِي النُّفُوسِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ ٤ كَقَوْلِ٥ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ٦، فَهُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ٧ وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ٨. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: النَّسْخُ يَجْرِي فِيمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يَفْعَلُهُ؛ لأَنَّهُ يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ، بِخِلافِ إخْبَارِهِ عَمَّا لا يَفْعَلُهُ، إذْ لا يَجُوزُ دُخُولُ الشَّرْطِ فِيهِ. قَالَ: وَعَلَى هَذَا تَأَوَّلَ٩ ابْنُ عُمَرَ النَّسْخَ، فِي قَوْله تَعَالَى١٠: ﴿إنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ فَإِنَّهُ نَسَخَهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِرَفْعِ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَى١١ حَدِيثِ النَّفْسِ اهـ.

стр. 1623

وَقِيلَ: يَجُوزُ نَسْخُ مَدْلُولِ خَبَرٍ يَتَغَيَّرُ إنْ كَانَ مُسْتَقْبَلاً١؛ لأَنَّ نَسْخَ الْمَاضِي يَكُونُ تَكْذِيبًا. وَهَذَا التَّفْصِيلُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْكَذِبَ لا يَكُونُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ٢. وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ﵀ أَنَّ الْكَذِبَ يَكُونُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَالْمَاضِي. "إلاَّ خَبَرٍ عَنْ حُكْمٍ" نَحْوَ: هَذَا الْفِعْلُ جَائِزٌ، وَهَذَا الْفِعْلُ حَرَامٌ فَهَذَا يَجُوزُ نَسْخُهُ بِلا خِلافٍ؛ لأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ إنْشَاءٌ قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ وَغَيْرُهُ٣. "وَيَجُوزُ" "نَسْخٌ بِلا بَدَلٍ" عَنْ الْمَنْسُوخِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ٤. وَمَنَعَهُ جَمْعٌ وَنُقِلَ عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ. وَمَنَعَهُ بَعْضُ٥ الْعُلَمَاءِ فِي الْعِبَادَةِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّسْخَ يَجْمَعُ٦ مَعْنَى الرَّفْعِ وَالنَّقْلِ

стр. 1624

وَاسْتُدِلَّ لِلأَوَّلِ -الَّذِي هُوَ الصَّحِيحُ- بِأَنَّهُ نَسْخُ تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ أَمَامَ الْمُنَاجَاةِ، وَتَحْرِيمِ ادِّخَارِ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ وَفِي الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ١ كَانَ إذَا دَخَلَ وَقْتُ الْفِطْرِ، فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرْ حَرِّمُ٢ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، وَإِتْيَانَ النِّسَاءِ إلَى اللَّيْلَةِ الآتِيَةِ ثُمَّ نُسِخَ٣. وَاحْتَجَّ الآمِدِيُّ أَنَّهُ لَوْ٤ فُرِضَ وُقُوعُهُ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ مُحَالٌ٥. وَرَدَّهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ بِأَنَّهُ مُجَرَّدُ دَعْوَى٦ قَالُوا: قَالَ تَعَالَى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ ٧ رُدَّ الْخِلافُ فِي الْحُكْمِ لا فِي اللَّفْظِ٨. ثُمَّ لَيْسَ عَامٍّا٩ فِي كُلِّ حُكْمٍ. ثُمَّ مُخَصَّصٌ١٠ بِمَا سَبَقَ ثُمَّ يَكُونُ نَسْخُهُ بِغَيْرِ بَدَلِ١١ خَيْرًا، لِمَصْلَحَةٍ عَلِمَهَا. ثُمَّ إنَّمَا تَدُلُّ

стр. 1625

الآيَةُ١ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ، لا أَنَّهُ٢ لا يَجُوزُ. وَأَيْضًا الْمَصْلَحَةُ قَدْ تَكُونُ فِيمَا نُسِخَ، ثُمَّ تَصِيرُ الْمَصْلَحَةُ فِي عَدَمِهِ. هَذَا عِنْدَ مَنْ يَعْتَبِرُ الْمَصَالِحَ. وَأَمَّا عِنْدَ٣ مَنْ لا يَعْتَبِرُهَا فَلا إشْكَالَ فِيهِ وَبِالْجُمْلَةِ٤: قَالَ اللَّهُ٥ تَعَالَى: ﴿يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ . قَالَ الْبَاقِلاَّنِيُّ٦: كَمَا يَجُوزُ أَنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ التَّكَالِيفَ كُلَّهَا, فَرَفْعُ٧ بَعْضِهَا بِلا بَدَلٍ مِنْ بَابِ أَوْلَى. "وَوَقَعَ" فِي قَوْلِ الأَكْثَرِ٨. وَخَالَفَ الشَّافِعِيُّ ﵀ وَأَوَّلَ٩. وَالدَّلِيلُ١٠ عَلَى الْوُقُوعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الآيَاتِ.

стр. 1626

وَعِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ فِي الرِّسَالَةِ فِي ابْتِدَاءِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ١: وَلَيْسَ يُنْسَخُ فَرْضٌ أَبَدًا، إلاَّ٢ أُثْبِتَ مَكَانَهُ فَرْضٌ، كَمَا نُسِخَتْ قِبْلَةُ بَيْتِ٣ الْمَقْدِسِ, فَأُثْبِتَ مَكَانَهَا الْكَعْبَةُ٤. قَالَ الصَّيْرَفِيُّ فِي شَرْحِهِ: مُرَادُهُ أَنْ يُنْقَلَ مِنْ حَظْرٍ إلَى إبَاحَةٍ، أَوْ مِنْ إبَاحَةٍ إلَى حَظْرٍ أَوْ تَخْيِيرٍ عَلَى حَسَبِ أَحْوَالِ الْمَفْرُوضِ. قَالَ: كَنَسْخِ الْمُنَاجَاةِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا فَرَضَ تَقْدِيمَ الصَّدَقَةِ، أَزَالَ ذَلِكَ بِرَدِّهِمْ إلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ، فَإِنْ شَاءُوا تَقَرَّبُوا إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالصَّدَقَةِ، وَإِنْ شَاءُوا نَاجَوْهُ مِنْ غَيْرِ صَدَقَةٍ. قَالَ: فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: فَرْضٌ٥ مَكَانَ فَرْضٍ فَتَفَهَّمْهُ٦. اهـ. فَظَهَرَ أَنَّ مُرَادَ الشَّافِعِيِّ بِالْبَدَلِ أَعَمُّ مِنْ حُكْمٍ آخَرَ ضِدِّ الْمَنْسُوخِ كَالْقِبْلَةِ أَوْ الرَّدِّ لِمَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ شَرْعِ الْمَنْسُوخِ كَالْمُنَاجَاةِ، فَالْمَدَارُ عَلَى ثُبُوتِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ فِي٧ الْمَنْسُوخِ فِي الْجُمْلَةِ، حَتَّى لا يُتْرَكُوا هَمْلاً بِلا حُكْمٍ فِي ذَلِكَ الْمَنْسُوخِ بِالْكُلِّيَّةِ، إذْ مَا فِي الشَّرِيعَةِ مَنْسُوخٌ إلاَّ وَقَدْ انْتَقَلَ عَنْهُ٨ إلَى أَمْرٍ آخَرَ، وَلَوْ أَنَّهُ إلَى مَا٩ كَانَ

стр. 1627

عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَمْ١ يَتْرُكْ٢ الرَّبُّ عِبَادَهُ هَمْلاً. "وَ" َجُوزُ النَّسْخُ "بِأَثْقَلَ" مِنْ الْمَنْسُوخِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ. قَدْ تَقَدَّمَ جَوَازُ النَّسْخِ إلَى غَيْرِ بَدَلٍ، وَإِلَى بَدَلٍ فَإِذَا كَانَ إلَى بَدَلٍ، فَالْبَدَلُ: إمَّا مُسَاوٍ، أَوْ أَخَفُّ، أَوْ أَثْقَلُ، وَالأَوَّلانِ جَائِزَانِ بِاتِّفَاقٍ. فَمِثَالُ الْمُسَاوِي: نَسْخُ اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ. وَمِثَالُ الأَخَفِّ: وُجُوبُ مُصَابَرَةِ الْعِشْرِينَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِمِائَتَيْنِ مِنْ الْكُفَّارِ، وَالْمِائَةِ أَلْفًا فِي الآيَةِ٣. نُسِخَ بِقَوْلِهِ : ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ ٤. فَأَوْجَبَ مُصَابَرَةَ الضِّعْفِ، وَهُوَ أَخَفُّ مِنْ الأَوَّلِ٥. وَمِثْلُهُ نَسْخُ الْعِدَّةِ بِالْحَوْلِ فِي الْوَفَاةِ بِالْعِدَّةِ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا. وَأَمَّا النَّسْخُ بِالأَثْقَلِ: فَهُوَ مَحَلُّ الْخِلافِ٦، وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْجَوَازِ٧.

стр. 1628

وَدَلِيلُ وُقُوعِهِ: أَنَّ الْكَفَّ عَنْ الْكُفَّارِ كَانَ وَاجِبًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ ١ فَنُسِخَ بِإِيجَابِ الْقِتَالِ وَهُوَ أَثْقَلُ٢، أَيْ أَكْثَرُ مَشَقَّةً. وَكَذَا٣ نَسْخُ وُجُوبِ٤ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ بِصَوْمِ رَمَضَانَ٥، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا٦. وَظَاهِرُ كَلامِ أَحْمَدَ ﵀ وَصَاحِبِهِ الأَثْرَمِ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵀: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا، وَإِنَّمَا كَانَ مُتَأَكِّدَ الاسْتِحْبَابِ، وَبِهِ قَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ٧.

стр. 1629

"وَ" يَجُوزُ "تَأْبِيدُ تَكْلِيفٍ بِلا غَايَةٍ" وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى وُجُوبِ الْجَزَاءِ وَجَوَّزَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ، وَأَنَّهُ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ وَالأَشْعَرِيَّةِ، وَخَالَفَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَالْمُعْتَزِلَةُ١. قَالَ الْمَجْدُ فِي الْمُسَوَّدَةِ، وَتَبِعَهُ مَنْ بَعْدَهُ: يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ الأَمْرُ وَالنَّهْيُ دَائِمًا إلَى غَيْرِ غَايَةٍ فَيَقُولُ: صَلُّوا مَا بَقِيتُمْ أَبَدًا, وَصُومُوا رَمَضَانَ مَا حَيِيتُمْ "أَبَدًا"٢، فَيَقْضِي الدَّوَامَ مَعَ بَقَاءِ التَّكْلِيفِ وَبِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ وَالأَشَاعِرَةُ مِنْ الأُصُولِيِّينَ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِهِ٣. قَالَ الْمَجْدُ: وَمَنَعَتْ الْمُعْتَزِلَةُ مِنْهُ٤، وَقَالُوا: مَتَى وَرَدَ اللَّفْظُ بِذَلِكَ لَمْ يَقْتَضِ الدَّوَامَ، وَإِنَّمَا هُوَ حَثٌّ عَلَى التَّمَسُّكِ بِالْفِعْلِ٥. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَحَرْفُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُمْ "لا يَمْنَعُونَ الدَّوَامَ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّمَا"٦ يَمْنَعُونَ٧ الدَّوَامَ مُطْلَقًا وَيَقُولُونَ: لا بُدَّ٨ مِنْ دَارِ ثَوَابٍ غَيْرِ دَارِ التَّكْلِيفِ وُجُوبًا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَيَكُونُ قَوْلُهُ " أَبَدًا٩ " مَجَازًا، وَمُوجَبُ١٠ قَوْلِهِمْ: أَنَّ الْمَلائِكَةَ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ وَقَدْ اسْتَدَلَّ ابْنُ عَقِيلٍ بِاسْتِعْبَادِ١١ الْمَلائِكَةِ،

стр. 1630

وَإِبْلِيسَ١. "تَنْبِيهٌ": "لَمْ تُنْسَخْ إبَاحَةٌ إلَى إيجَابٍ وَلا إلَى كَرَاهَةٍ" قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: رَأَيْت ذَلِكَ فِي بَعْضِ كُتِبَ أَصْحَابِنَا.

стр. 1631

فصل يجوز نسخ التلاوة دون الحكم ونسخ الحكم دون التلاوة ونسخهما معا: "يَجُوزُ نَسْخُ١ التِّلاوَةِ" أَيْ تِلاوَةِ كَلِمَاتِ الْقُرْآنِ "دُونَ الْحُكْمِ" الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْكَلِمَاتُ الْمَنْسُوخَةُ "وَعَكْسِهِ" أَيْ نَسْخِ الْحُكْمِ دُونَ التِّلاوَةِ، خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي الصُّورَتَيْنِ "وَهُمَا" أَيْ التِّلاوَةُ وَالْحُكْمُ مَعًا٢. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَلَمْ تُخَالِفْ٣ الْمُعْتَزِلَةُ فِي نَسْخِهِمَا مَعًا٤، خِلافًا لِمَا حَكَاهُ الآمِدِيُّ٥ عَنْهُمْ. اهـ. وَأَمَّا نَسْخُ جَمِيعِ الْقُرْآنِ: فَمُمْتَنِعٌ بِالإِجْمَاعِ؛ لأَنَّهُ مُعْجِزَةُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ

стр. 1632

الْمُسْتَمِرَّةُ عَلَى التَّأْبِيدِ١. قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ ٢ أَيْ لا يَأْتِيه مَا يُبْطِلُهُ. ثُمَّ فِي كَيْفِيَّةِ وُقُوعِ النَّسْخِ فِي بَعْضِهِ ثَلاثَةُ أَنْوَاعٍ: مَا نُسِخَتْ تِلاوَتُهُ، وَحُكْمُهُ بَاقٍ. وَمَا نُسِخَ حُكْمُهُ فَقَطْ, وَتِلاوَتُهُ بَاقِيَةٌ. وَمَا جُمِعَ فِيهِ نَسْخُ التِّلاوَةِ وَالْحُكْمِ. مِثَالُ الأَوَّلِ: مَا رَوَاهُ مَالِكٌ٣ وَالشَّافِعِيُّ٤ وَابْنُ مَاجَهْ٥ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إيَّاكُمْ أَنْ تَهْلِكُوا عَنْ آيَةِ الرَّجْمِ، أَوْ٦ يَقُولَ قَائِلٌ: لا نَجِدُ حَدَّيْنِ٧ فِي كِتَابِ اللَّهِ؛ فَلَقَدْ٨ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "وَرَجَمْنَا"٩ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ: زَادَ عُمَرُ فِي كِتَابِ اللَّهِ، لأَثْبَتُّهَا١٠: "الشَّيْخُ

стр. 1633

وَالشَّيْخَةُ١ إذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ فَإِنَّا قَدْ قَرَأْنَاهَا". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ٢ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ: آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَرَأْنَاهَا "وَوَعَيْنَاهَا"٣ وَعَقَلْنَاهَا، وَرَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْوَاضِحِ فِي قَوْلِهِ: "الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ": الْمُحْصَنَانِ حَدُّهُمَا الرَّجْمُ بِالإِجْمَاعِ. وَقَدْ تَابَعَ عُمَرَ جَمْعٌ مِنْ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ، كَأَبِي ذَرٍّ، فِيمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَابْنِ حِبَّانَ "أَنَّهَا كَانَتْ فِي سُورَةِ الأَحْزَابِ" وَالْمُرَادُ: بِمَا قَضَيَا مِنْ اللَّذَّةِ. فَهَذَا الْحُكْمُ فِيهِ بَاقٍ، وَاللَّفْظُ مُرْتَفِعٌ، لِرَجْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَاعِزًا٤ وَالْغَامِدِيَّةِ٥ وَالْيَهُودِيِّينَ٦. وَمِثَالُ الثَّانِي: -وَهُوَ مَا نُسِخَ حُكْمُهُ وَبَقِيَ لَفْظُهُ، عَكْسُ٧ الَّذِي قَبْلَهُ- آيَةُ الْمُنَاجَاةِ وَالصَّدَقَةِ بَيْنَ يَدَيْهَا، وَلَمْ يَعْمَلْ بِهَذِهِ الآيَةِ إلاَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ

стр. 1634

رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ١. فَفِي التِّرْمِذِيِّ: عَنْهُ٢ أَنَّهَا لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا تَرَى، دِينَارًا" ٣؟ قَالَ: لا يُطِيقُونَهُ، قَالَ: "نِصْفُ دِينَارٍ"؟ قَالَ: لا يُطِيقُونَهُ، قَالَ "مَا تَرَى"؟ قَالَ شَعِيرَةٌ: قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "إنَّك لَزَهِيدٌ". قَالَ عَلِيٌّ: حَتَّى٤ خَفَّفَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ بِتَرْكِ الصَّدَقَةِ٥. وَمَعْنَى قَوْلِهِ "شَعِيرَةٌ" أَيْ "وَزْنُ شَعِيرَةٍ"٦ مِنْ ذَهَبٍ. وَرَوَى الْبَزَّارُ٧ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ٨ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ "مَا عَمِلَ بِهَا

стр. 1635

أَحَدٌ غَيْرِي حَتَّى نُسِخَتْ" وَأَحْسَبُهُ قَالَ "وَمَا كَانَتْ إلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ"١. وَمِثَالٌ آخَرُ لِهَذَا الْقِسْمِ: الاعْتِدَادُ فِي الْوَفَاةِ بِالْحَوْلِ٢، نُسِخَ بِقَوْله تَعَالَى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ ٣ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ٤. وَمِثَالُ الثَّالِثِ: -وَهُوَ مَا نُسِخَ لَفْظُهُ وَحُكْمُهُ مَعًا- مَا٥ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: "كَانَ مِمَّا أُنْزِلَ مِنْ الْقُرْآنِ٦ "عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ مُحَرِّمَاتٍ٧" فَنُسِخَتْ٨ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ"٩ فَلَمْ يَبْقَ لِهَذَا اللَّفْظِ حُكْمُ الْقُرْآنِ، لا فِي الاسْتِدْلالِ وَلا فِي غَيْرِهِ١٠.

стр. 1636

فَلِذَلِكَ١ كَانَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا جَوَازَ مَسِّ الْمُحْدِثِ مَا نُسِخَ لَفْظُهُ، سَوَاءٌ نُسِخَ حُكْمُهُ أَوْ لا. وَوَجْهُ ابْنِ عَقِيلٍ الْمَنْعُ لِبَقَاءِ٢ حُرْمَتِهِ، كَبَيْتِ الْمَقْدِسِ نُسِخَ كَوْنُهُ قِبْلَةً، وَحُرْمَتُهُ بَاقِيَةٌ. وَالْجَوَازُ لِعَدَمِ حُرْمَةِ كَتْبِهِ فِي الْمُصْحَفِ. وَوَجْهُ٣ الْجَوَازِ فِي الْكُلِّ: أَنَّ التِّلاوَةَ حُكْمٌ، وَمَا تَعَلَّقَ بِهَا مِنْ الأَحْكَامِ: حُكْمٌ آخَرُ، فَجَازَ نَسْخُهُمَا، وَنَسْخُ أَحَدِهِمَا كَغَيْرِهِمَا٤. وَقَالَ الْمَانِعُونَ: التِّلاوَةُ مَعَ حُكْمِهَا مُتَلازِمَانِ، كَالْعِلْمِ مَعَ الْعَالَمِيَّةِ، وَالْحَرَكَةِ مَعَ التَّحْرِيكِيَّةِ٥، وَالْمَنْطُوقِ مَعَ الْمَفْهُومِ٦. ٧رُدَّ ذَلِكَ بِأَنَّ الْعِلْمَ هُوَ الْعَالَمِيَّةُ وَالْحَرَكَةَ هِيَ التَّحْرِيكِيَّةُ٨ وَمُنِعَ أَنَّ الْمَنْطُوقَ لا يَنْفَكُّ عَنْ الْمَفْهُومِ. سَلَّمْنَا الْمُغَايَرَةَ، وَأَنَّ الْمَنْطُوقَ لا يَنْفَكُّ٩، فَالتِّلاوَةُ أَمَارَةُ الْحُكْمِ ابْتِدَاءً لا دَوَامًا١٠، فَلا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِهَا نَفْيُهُ، وَبِالْعَكْسِ.

стр. 1637

قَالُوا: بَقَاءُ التِّلاوَةِ١ يُوهِمُ بَقَاءَ الْحُكْمِ، فَيُؤَدِّي إلَى التَّجْهِيلِ٢، وَإِبْطَالِ فَائِدَةِ الْقُرْآنِ٣. رُدَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّحْسِينِ الْعَقْلِيِّ٤ ثُمَّ لا جَهْلَ مَعَ الدَّلِيلِ لِلْمُجْتَهِدِ, وَفَرْضُ الْمُقَلِّدِ التَّقْلِيدُ٥، وَالْفَائِدَةُ الإِعْجَازُ وَصِحَّةُ الصَّلاةِ٦ بِهِ٧. "وَ" يَجُوزُ نَسْخُ "قُرْآنٍ، وَ" نَسْخُ "سُنَّةٍ مُتَوَاتِرَةٍ بِمِثْلِهِمَا٨، وَ" نَسْخُ "سُنَّةٍ بِقُرْآنٍ، وَ" نَسْخُ "آحَادٍ" مِنْ السُّنَّةِ، وَهِيَ الْحَدِيثُ غَيْرُ الْمُتَوَاتِرِ "بِمِثْلِهِ" أَيْ بِحَدِيثٍ غَيْرِ مُتَوَاتِرٍ "وَ" نَسْخُ آحَادٍ "بِمُتَوَاتِرٍ"٩.

стр. 1638

أَمَّا مِثَالُ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ: فَنَسْخُ١ الاعْتِدَادِ بِالْحَوْلِ فِي الْوَفَاةِ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ٢ كَمَا سَبَقَ. وَأَمَّا مِثَالُ نَسْخِ مُتَوَاتِرِ السُّنَّةِ بِمُتَوَاتَرِهَا: فَلا يَكَادُ يُوجَدُ؛ لأَنَّ كُلَّهَا آحَادٌ: وإمَّا٣ فِي٤ أَوَّلِهَا، وَإِمَّا٥ فِي آخِرِهَا، وَإِمَّا مِنْ أَوَّلِ إسْنَادِهَا إلَى آخِرِهِ، مَعَ أَنَّ٦ حُكْمَ نَسْخِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ جَائِزٌ عَقْلاً وَشَرْعًا. ٧وَمِثَالُ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ مَا كَانَ مِنْ تَحْرِيمِ مُبَاشَرَةِ الصَّائِمِ أَهْلَهُ لَيْلاً نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى٨: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلَى نِسَائِكُمْ﴾

стр. 1639

وَأَمَّا نَسْخُ الآحَادِ مِنْ السُّنَّةِ بِمِثْلِهَا فَكَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ بُرَيْدَةَ١، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا" ٢. رَوَاهُ٣ التِّرْمِذِيُّ بِزِيَادَةٍ: "فَإِنَّهَا٤ تُذَكِّرُكُمْ٥ الآخِرَةَ" وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ٦. وَوَجْهُ الشَّاهِدِ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّهُ ﷺ قَالَ: "كُنْت نَهَيْتُكُمْ" فَصَرَّحَ بِأَنَّ النَّهْيَ مِنْ السُّنَّةِ، وَلَهُ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ. وَأَمَّا نَسْخُ الآحَادِ مِنْ السُّنَّةِ بِالْمُتَوَاتِرِ مِنْهَا: فَجَائِزٌ، وَلَكِنْ لَمْ يَقَعْ. "وَ" يَجُوزُ "عَقْلاً لا شَرْعًا" نَسْخُ سُنَّةٍ "مُتَوَاتِرَةٍ بِآحَادٍ" عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ إجْمَاعًا. وَقَالَ الطُّوفِيُّ٧ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالظَّاهِرِيَّةُ٨: يَجُوزُ.

стр. 1640

وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ الْبَاجِيُّ، وَلَكِنْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَالَ: لا يَجُوزُ بَعْدَهُ إجْمَاعًا١؛ لأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَبْعَثُ الآحَادَ بِالنَّاسِخِ إلَى أَطْرَافِ الْبِلادِ. قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: وَاخْتَارَهُ أَيْضًا الْقُرْطُبِيُّ الْمَالِكِيُّ. "وَ" يَجُوزُ أَيْضًا٢ عَقْلاً لا شَرْعًا نَسْخُ "قُرْآنٍ بِمُتَوَاتِرٍ" مِنْ السُّنَّةِ، قَالَهُ الْقَاضِي٣ وَغَيْرُهُ٤. وَقِيلَ: لا يَجُوزُ عَقْلاً. قَالَ ابْنُ الْبَاقِلاَّنِيِّ مِنْهُمْ٥ مَنْ مَنَعَهُ تَبَعًا لِلْقَدَرِيَّةِ فِي الأَصَحِّ. اهـ. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: ظَاهِرُ كَلامِ أَحْمَدَ مَنْعُهُ. وَهَذَا٦ ٧الْخِلافُ فِي الْجَوَازِ عَقْلاً. وَأَمَّا الْجَوَازُ شَرْعًا: فَالْمَشْهُورُ عَنْ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ مَنْعُهُ٨، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ٩ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ١٠، وَالظَّاهِرِيَّةُ١١ وَغَيْرُهُمْ.

стр. 1641

وَقِيلَ: يَجُوزُ١، وَهُوَ رِوَايَةٌ٢ عَنْ أَحْمَدَ٣، وَاخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ، وَابْنِ عَقِيلٍ، وَأَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ٤. وَالْمَالِكِيَّةِ٥ وَغَيْرِهِمْ٦ وَهُوَ الَّذِي نَصَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَحَكَاهُ عَنْ الْجُمْهُورِ٧. "وَيُعْتَبَرُ" لِصِحَّةِ النَّسْخِ "تَأَخُّرُ٨ نَاسِخٍ" عَنْ مَنْسُوخٍ، وَإِلاَّ لَمْ يَصْدُقْ عَلَيْهِ اسْمُ نَاسِخٍ. "وَطَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ" أَيْ مَعْرِفَةِ تَأَخُّرِ النَّاسِخِ مِنْ وُجُوهٍ. أَحَدُهَا: "الإِجْمَاعُ" عَلَى أَنَّ هَذَا نَاسِخٌ٩ لِهَذَا، كَالنَّسْخِ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ سَائِرَ

стр. 1642

الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ١. وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ٢: أَنَّ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ٣ قَالَ لِحُذَيْفَةَ أَيُّ سَاعَةٍ تَسَحَّرْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: هُوَ النَّهَارُ، إلاَّ أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَطْلُعْ٤ وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ طُلُوعَ الْفَجْرِ يُحَرِّمُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، مَعَ بَيَانِ ذَلِكَ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ الآيَةَ٥. قَالَ الْعُلَمَاءُ فِي مِثْلِ هَذَا: إنَّ الإِجْمَاعَ مُبَيِّنٌ لِلْمُتَأَخِّرِ، وَإِنَّهُ نَاسِخٌ لا٦ إنَّ الإِجْمَاعَ هُوَ النَّاسِخُ.

стр. 1643

"وَ" الْوَجْهُ الثَّانِي: مِنْ طَرِيقِ مَعْرِفَةِ تَأَخُّرِ النَّاسِخِ١ قَوْلُهُ ﷺ نَحْوَ: "كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا" ٢. وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا: أَنْ يَنُصَّ الشَّارِعُ عَلَى خِلافِ مَا كَانَ مُقَرَّرًا بِدَلِيلٍ، بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ عَلَى٣ تَأَخُّرِ أَحَدِهِمَا، فَيَكُونُ نَاسِخًا لِلْمُتَقَدِّمِ. "وَ" الْوَجْهُ الثَّالِثُ: ٤ "فِعْلُهُ" صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٥ فِي ظَاهِرِ كَلامِ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ٦ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي٧ وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ٨.

стр. 1644

وَقَدْ جَعَلَ الْعُلَمَاءُ مِنْ ذَلِكَ نَسْخَ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ بِأَكْلِهِ ﷺ مِنْ الشَّاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ١ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ٢ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ. وَمَنَعَ ابْنُ عَقِيلٍ الْقَوْلَ بِفِعْلِهِ ﷺ ، وَحُكِيَ عَنْ التَّمِيمِيِّ، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي الْمُسَوَّدَةِ٣, لأَنَّ دَلالَتَهُ دُونَهُ٤. "وَ" الْوَجْهُ الرَّابِعُ: مِنْ طُرُقِ مَعْرِفَةِ تَأَخُّرِ النَّاسِخِ "قَوْلُ الرَّاوِي" لِلنَّاسِخِ "كَانَ كَذَا وَنُسِخَ، أَوْ رُخِّصَ فِي كَذَا ثُمَّ نُهِيَ عَنْهُ وَنَحْوِهِمَا"٥ كَقَوْلِ جَابِرٍ ﵁ كَانَ آخِرُ الأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَرْكَ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ٦ وَكَقَوْلِ عَلِيٍّ ﵁ أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِالْقِيَامِ لِلْجِنَازَةِ، ثُمَّ قَعَدَ٧ وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ كَثِيرٌ.

стр. 1645

فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُ الرَّاوِي يُنْسَخُ بِهِ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ الْمُتَوَاتِرَةُ، عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِهَا، مَعَ أَنَّهُ خَبَرُ آحَادٍ، وَالآحَادُ١ لا يُنْسَخُ بِهِ الْمُتَوَاتِرُ؟ قِيلَ: هَذَا حِكَايَةٌ لِلنَّسْخِ٢، لا نَسْخٌ، وَالْحِكَايَةُ بِالآحَادِ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا كَسَائِرِ أَخْبَارِ الآحَادِ. وَأَيْضًا: فَاسْتِفَادَةُ النَّسْخِ مِنْ قَوْلِهِ: إنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ التَّضَمُّنِ، وَالضِّمْنِيُّ٣: يُغْتَفَرُ٤ فِيهِ مَا لا يُغْتَفَرُ٥ فِيمَا إذَا كَانَ أَصْلاً، كَثُبُوتِ الشُّفْعَةِ فِي الشَّجَرِ تَبَعًا لِلْعَقَارِ وَنَحْوِهِ. "لا" قَوْلُ الرَّاوِي "ذِي الآيَةِ" مَنْسُوخَةٌ "أَوْ ذَا الْخَبَرُ مَنْسُوخٌ، حَتَّى يُبَيِّنَ النَّاسِخَ" لِلآيَةِ أَوْ للْخَبَرِ٦.

стр. 1646

قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَإِنْ قَالَ صَحَابِيٌّ: هَذِهِ١ الآيَةُ مَنْسُوخَةٌ لَمْ يُقْبَلْ حَتَّى يُخْبِرَ بِمَاذَا نُسِخَتْ. قَالَ الْقَاضِي: أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ، كَقَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ٢. قَالُوا: لأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ عَنْ اجْتِهَادٍ فَلا يُقْبَلُ. وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً أَنَّهُ يُقْبَلُ، كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ بِعِلْمِهِ٣، فَلا احْتِمَالَ؛ لأَنَّهُ٤ لا يَقُولُهُ غَالِبًا إلاَّ عَنْ نَقْلٍ. وَ٥ قَالَ الْمَجْدُ فِي الْمُسَوَّدَةِ: و٦ إنْ كَانَ هُنَاكَ نَصٌّ يُخَالِفُهَا عُمِلَ بِالظَّاهِرِ٧. وَ "لا" نَسْخَ "بِقَبَلِيَّةٍ فِي الْمُصْحَفِ"؛ لأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالنُّزُولِ لا بِالتَّرْتِيبِ فِي الْوَضْعِ؛ لأَنَّ النُّزُولَ بِحَسَبِ الْحُكْمِ وَالتَّرْتِيبُ لِلتِّلاوَةِ٨.

стр. 1647

"وَلا" نَسْخَ أَيْضًا١ "بِصِغَرِ صَحَابِيٍّ، أَوْ تَأَخُّرِ إسْلامِهِ" يَعْنِي إذَا رَوَى الْحَدِيثَ أَحَدٌ مِنْ صِغَارِ الصَّحَابَةِ أَوْ مِمَّنْ تَأَخَّرَ إسْلامُهُ٢ مِنْهُمْ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ؛ لأَنَّ تَأَخُّرَ رَاوِي أَحَدِ الدَّلِيلِينَ لا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا٣ رَوَاهُ نَاسِخٌ وَلِجَوَازِ أَنَّ مَنْ تَأَخَّرَ إسْلامُهُ تَحَمَّلَ الْحَدِيثَ قَبْلَ إسْلامِهِ٤. "وَلا" نَسْخَ "بِمُوَافَقَةِ أَصْلٍ"٥ يَعْنِي أَنَّهُ إذَا وَرَدَ نَصَّانِ فِي حُكْمٍ مُتَضَادَّانِ، وَلَمْ يُمْكِنْ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لَكِنَّ أَحَدَ النَّصَّيْنِ مُوَافِقٌ لِلْبَرَاءَةِ الأَصْلِيَّةِ، وَالآخَرَ مُخَالِفٌ، لَمْ يَكُنْ الْمُوَافِقُ لِلأَصْلِ مَنْسُوخًا بِمَا خَالَفَهُ٦. وَقِيلَ: بَلَى؛ لأَنَّ الانْتِقَالَ مِنْ الْبَرَاءَةِ لاشْتِغَالِ الذِّمَّةِ يَقِينٌ، وَالْعَوْدَ إلَى الإِبَاحَةِ ثَانِيًا شَكٌّ فَقُدِّمَ الَّذِي لَمْ يُوَافِق الأَصْلَ٧. "وَلا" نَسْخَ "بِعَقْلٍ وَقِيَاسٍ٨"؛ لأَنَّ النَّسْخَ لا يَكُونُ إلاَّ بِتَأَخُّرِ النَّاسِخِ عَنْ زَمَنِ الْمَنْسُوخِ، وَلا مَدْخَلَ لِلْعَقْلِ وَلا لِلْقِيَاسِ فِي مَعْرِفَةِ الْمُتَقَدِّمِ وَالْمُتَأَخِّرِ، وَإِنَّمَا

стр. 1648

يُعْرَفُ ذَلِكَ بِالنَّقْلِ الْمُجَرَّدِ١. "وَلا يُنْسَخُ إجْمَاعٌ"؛ لأَنَّهُ لا يَكُونُ إلاَّ فِي٢ حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، حَتَّى أَنَّهُ يَرُدُّ مَا يَنْسَخُهُ، وَإِذَا وَقَعَ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَلا يُمْكِنُ أَنْ يَأْتِيَ بَعْدَهُ نَاسِخٌ٣. "وَلا يُنْسَخُ" حُكْمٌ٤ "بِهِ" أَيْ بِالإِجْمَاعِ؛ لأَنَّهُ إذَا وُجِدَ إجْمَاعٌ عَلَى خِلافِ نَصٍّ فَيَكُونُ قَدْ تَضَمَّنَ نَاسِخًا لا أَنَّهُ هُوَ النَّاسِخُ. وَلأَنَّ الإِجْمَاعَ مَعْصُومٌ مِنْ مُخَالَفَةِ دَلِيلٍ٥ شَرْعِيٍّ، لا مُعَارِضَ لَهُ٦ وَلا مُزِيلَ٧ عَنْ دَلالَتِهِ فَتَعَيَّنَ إذَا وَجَدْنَاهُ خَالَفَ شَيْئًا، أَنَّ٨ ذَلِكَ إمَّا غَيْرُ صَحِيحٍ، إنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ، أَوْ أَنَّهُ مُؤَوَّلٌ، أَوْ نُسِخَ بِنَاسِخٍ٩؛ لأَنَّ إجْمَاعَهُمْ حَقٌّ. فَالإِجْمَاعُ دَلِيلٌ عَلَى النَّسْخِ، لا رَافِعٌ لِلْحُكْمِ، كَمَا قَرَّرَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى١٠ وَالصَّيْرَفِيُّ وَالأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ، وَغَيْرُهُمْ١١.

стр. 1649

"وَكَذَا الْقِيَاسُ" أَيْ وَكَالإِجْمَاعِ الْقِيَاسُ فِي كَوْنِهِ لا يُنْسَخُ وَلا يَنْسَخُ به١. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: أَمَّا الْقِيَاسُ فَلا يُنْسَخُ. ذَكَرَهُ٢ الْقَاضِي٣ وَذَكَرَهُ الآمِدِيُّ٤ عَنْ أَصْحَابِنَا لِبَقَائِهِ بِبَقَاءِ أَصْلِهِ. قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: مَنَعَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَعَبْدُ الْجَبَّارِ فِي قَوْلٍ، مُحْتَجِّينَ بِأَنَّ الْقِيَاسَ إذَا كَانَ مُسْتَنْبَطًا مِنْ أَصْلٍ فَالْقِيَاسُ بَاقٍ بِبَقَاءِ أَصْلِهِ فَلا يُتَصَوَّرُ رَفْعُ حُكْمِهِ مَعَ بَقَاءِ أَصْلِهِ, وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْحَاجِبِ٥ وَغَيْرِهِ, وَمِنْهُمْ٦ مَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ فِي الْقِيَاسِ الْمَوْجُودِ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ ، دُونَ مَا بَعْدَهُ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ وَابْنِ عَقِيلٍ وَأَبِي الْحُسَيْنِ البصري٧ وَابْنِ بُرْهَانٍ وَابْنِ الْخَطِيبِ٨.

стр. 1650

قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: مَا ثَبَتَ قِيَاسًا. فَإِمَّا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَصِّهِ عَلَى الْعِلَّةِ، أَوْ تَنْبِيهِهِ عَلَيْهَا فَيَجُوزُ نَسْخُهُ بِنَصِّهِ أَيْضًا. مِثَالُهُ: أَنْ يَنُصَّ عَلَى تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي الْبُرِّ، وَيَنُصَّ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِهِ الْكَيْلُ، ثُمَّ يَنُصَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى إبَاحَتِهِ فِي الأَرُزِّ، وَيَمْنَعَ مِنْ قِيَاسِهِ عَلَى الْبُرِّ فَيَكُونَ ذَلِكَ نَسْخًا. وَإِمَّا قِيَاسٌ مُسْتَفَادٌ بَعْدَ وَفَاتِهِ ﵊: فَلا يَصِحُّ نَسْخُهُ؛ لأَنَّهُ لا يَجُوزُ أَنْ يَتَجَدَّدَ١ بَعْدَ وَفَاتِهِ نَصٌّ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ. اهـ. وَأَمَّا كَوْنُ الْقِيَاسِ لا يُنْسَخُ بِهِ: فَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا٢ وَالْجُمْهُورُ٣ قَالَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ, وَاخْتَارَهُ الْبَاقِلاَّنِيُّ, وَنَقَلَهُ عَنْ الْفُقَهَاءِ وَالأُصُولِيِّينَ. قَالَ: لأَنَّ الْقِيَاسَ يُسْتَعْمَلُ مَعَ عَدَمِ النَّصِّ فَلا يَنْسَخُ النَّصَّ؛ وَلأَنَّهُ دَلِيلٌ مُحْتَمَلٌ٤، وَالنَّسْخُ إنَّمَا يَكُونُ بِغَيْرِ مُحْتَمَلٍ. وَأَيْضًا فَشَرْطُ صِحَّةِ الْقِيَاسِ: أَنْ لا يُخَالِفَ الأُصُولَ، فَإِنْ خَالَفَ فَسَدَ. قَالَ: بَلْ وَلا يَنْسَخُ قِيَاسًا آخَرَ؛ لأَنَّ التَّعَارُضَ إنْ كَانَ بَيْنَ أَصْلَيْ الْقِيَاسَيْنِ فَهُوَ نسخ٥ نَصٌّ بِنَصٍّ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْعِلَّتَيْنِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ الْمُعَارَضَةِ فِي الأَصْلِ وَالْفَرْعِ، لا مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ.
следующие страницы →