← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12019

شرح الكوكب المنير = شرح مختصر التحرير

ابن النجار الفتوحي

Полный текст (2 398 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَإِنْ قَالَ صَحَابِيٌّ: هَذِهِ١ الآيَةُ مَنْسُوخَةٌ لَمْ يُقْبَلْ حَتَّى يُخْبِرَ بِمَاذَا نُسِخَتْ. قَالَ الْقَاضِي: أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ، كَقَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ٢. قَالُوا: لأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ عَنْ اجْتِهَادٍ فَلا يُقْبَلُ. وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً أَنَّهُ يُقْبَلُ، كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ بِعِلْمِهِ٣، فَلا احْتِمَالَ؛ لأَنَّهُ٤ لا يَقُولُهُ غَالِبًا إلاَّ عَنْ نَقْلٍ. وَ٥ قَالَ الْمَجْدُ فِي الْمُسَوَّدَةِ: و٦ إنْ كَانَ هُنَاكَ نَصٌّ يُخَالِفُهَا عُمِلَ بِالظَّاهِرِ٧. وَ "لا" نَسْخَ "بِقَبَلِيَّةٍ فِي الْمُصْحَفِ"؛ لأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالنُّزُولِ لا بِالتَّرْتِيبِ فِي الْوَضْعِ؛ لأَنَّ النُّزُولَ بِحَسَبِ الْحُكْمِ وَالتَّرْتِيبُ لِلتِّلاوَةِ٨.

стр. 1647

"وَلا" نَسْخَ أَيْضًا١ "بِصِغَرِ صَحَابِيٍّ، أَوْ تَأَخُّرِ إسْلامِهِ" يَعْنِي إذَا رَوَى الْحَدِيثَ أَحَدٌ مِنْ صِغَارِ الصَّحَابَةِ أَوْ مِمَّنْ تَأَخَّرَ إسْلامُهُ٢ مِنْهُمْ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ؛ لأَنَّ تَأَخُّرَ رَاوِي أَحَدِ الدَّلِيلِينَ لا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا٣ رَوَاهُ نَاسِخٌ وَلِجَوَازِ أَنَّ مَنْ تَأَخَّرَ إسْلامُهُ تَحَمَّلَ الْحَدِيثَ قَبْلَ إسْلامِهِ٤. "وَلا" نَسْخَ "بِمُوَافَقَةِ أَصْلٍ"٥ يَعْنِي أَنَّهُ إذَا وَرَدَ نَصَّانِ فِي حُكْمٍ مُتَضَادَّانِ، وَلَمْ يُمْكِنْ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لَكِنَّ أَحَدَ النَّصَّيْنِ مُوَافِقٌ لِلْبَرَاءَةِ الأَصْلِيَّةِ، وَالآخَرَ مُخَالِفٌ، لَمْ يَكُنْ الْمُوَافِقُ لِلأَصْلِ مَنْسُوخًا بِمَا خَالَفَهُ٦. وَقِيلَ: بَلَى؛ لأَنَّ الانْتِقَالَ مِنْ الْبَرَاءَةِ لاشْتِغَالِ الذِّمَّةِ يَقِينٌ، وَالْعَوْدَ إلَى الإِبَاحَةِ ثَانِيًا شَكٌّ فَقُدِّمَ الَّذِي لَمْ يُوَافِق الأَصْلَ٧. "وَلا" نَسْخَ "بِعَقْلٍ وَقِيَاسٍ٨"؛ لأَنَّ النَّسْخَ لا يَكُونُ إلاَّ بِتَأَخُّرِ النَّاسِخِ عَنْ زَمَنِ الْمَنْسُوخِ، وَلا مَدْخَلَ لِلْعَقْلِ وَلا لِلْقِيَاسِ فِي مَعْرِفَةِ الْمُتَقَدِّمِ وَالْمُتَأَخِّرِ، وَإِنَّمَا

стр. 1648

يُعْرَفُ ذَلِكَ بِالنَّقْلِ الْمُجَرَّدِ١. "وَلا يُنْسَخُ إجْمَاعٌ"؛ لأَنَّهُ لا يَكُونُ إلاَّ فِي٢ حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، حَتَّى أَنَّهُ يَرُدُّ مَا يَنْسَخُهُ، وَإِذَا وَقَعَ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَلا يُمْكِنُ أَنْ يَأْتِيَ بَعْدَهُ نَاسِخٌ٣. "وَلا يُنْسَخُ" حُكْمٌ٤ "بِهِ" أَيْ بِالإِجْمَاعِ؛ لأَنَّهُ إذَا وُجِدَ إجْمَاعٌ عَلَى خِلافِ نَصٍّ فَيَكُونُ قَدْ تَضَمَّنَ نَاسِخًا لا أَنَّهُ هُوَ النَّاسِخُ. وَلأَنَّ الإِجْمَاعَ مَعْصُومٌ مِنْ مُخَالَفَةِ دَلِيلٍ٥ شَرْعِيٍّ، لا مُعَارِضَ لَهُ٦ وَلا مُزِيلَ٧ عَنْ دَلالَتِهِ فَتَعَيَّنَ إذَا وَجَدْنَاهُ خَالَفَ شَيْئًا، أَنَّ٨ ذَلِكَ إمَّا غَيْرُ صَحِيحٍ، إنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ، أَوْ أَنَّهُ مُؤَوَّلٌ، أَوْ نُسِخَ بِنَاسِخٍ٩؛ لأَنَّ إجْمَاعَهُمْ حَقٌّ. فَالإِجْمَاعُ دَلِيلٌ عَلَى النَّسْخِ، لا رَافِعٌ لِلْحُكْمِ، كَمَا قَرَّرَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى١٠ وَالصَّيْرَفِيُّ وَالأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ، وَغَيْرُهُمْ١١.

стр. 1649

"وَكَذَا الْقِيَاسُ" أَيْ وَكَالإِجْمَاعِ الْقِيَاسُ فِي كَوْنِهِ لا يُنْسَخُ وَلا يَنْسَخُ به١. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: أَمَّا الْقِيَاسُ فَلا يُنْسَخُ. ذَكَرَهُ٢ الْقَاضِي٣ وَذَكَرَهُ الآمِدِيُّ٤ عَنْ أَصْحَابِنَا لِبَقَائِهِ بِبَقَاءِ أَصْلِهِ. قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: مَنَعَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَعَبْدُ الْجَبَّارِ فِي قَوْلٍ، مُحْتَجِّينَ بِأَنَّ الْقِيَاسَ إذَا كَانَ مُسْتَنْبَطًا مِنْ أَصْلٍ فَالْقِيَاسُ بَاقٍ بِبَقَاءِ أَصْلِهِ فَلا يُتَصَوَّرُ رَفْعُ حُكْمِهِ مَعَ بَقَاءِ أَصْلِهِ, وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْحَاجِبِ٥ وَغَيْرِهِ, وَمِنْهُمْ٦ مَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ فِي الْقِيَاسِ الْمَوْجُودِ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ ، دُونَ مَا بَعْدَهُ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ وَابْنِ عَقِيلٍ وَأَبِي الْحُسَيْنِ البصري٧ وَابْنِ بُرْهَانٍ وَابْنِ الْخَطِيبِ٨.

стр. 1650

قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: مَا ثَبَتَ قِيَاسًا. فَإِمَّا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَصِّهِ عَلَى الْعِلَّةِ، أَوْ تَنْبِيهِهِ عَلَيْهَا فَيَجُوزُ نَسْخُهُ بِنَصِّهِ أَيْضًا. مِثَالُهُ: أَنْ يَنُصَّ عَلَى تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي الْبُرِّ، وَيَنُصَّ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِهِ الْكَيْلُ، ثُمَّ يَنُصَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى إبَاحَتِهِ فِي الأَرُزِّ، وَيَمْنَعَ مِنْ قِيَاسِهِ عَلَى الْبُرِّ فَيَكُونَ ذَلِكَ نَسْخًا. وَإِمَّا قِيَاسٌ مُسْتَفَادٌ بَعْدَ وَفَاتِهِ ﵊: فَلا يَصِحُّ نَسْخُهُ؛ لأَنَّهُ لا يَجُوزُ أَنْ يَتَجَدَّدَ١ بَعْدَ وَفَاتِهِ نَصٌّ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ. اهـ. وَأَمَّا كَوْنُ الْقِيَاسِ لا يُنْسَخُ بِهِ: فَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا٢ وَالْجُمْهُورُ٣ قَالَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ, وَاخْتَارَهُ الْبَاقِلاَّنِيُّ, وَنَقَلَهُ عَنْ الْفُقَهَاءِ وَالأُصُولِيِّينَ. قَالَ: لأَنَّ الْقِيَاسَ يُسْتَعْمَلُ مَعَ عَدَمِ النَّصِّ فَلا يَنْسَخُ النَّصَّ؛ وَلأَنَّهُ دَلِيلٌ مُحْتَمَلٌ٤، وَالنَّسْخُ إنَّمَا يَكُونُ بِغَيْرِ مُحْتَمَلٍ. وَأَيْضًا فَشَرْطُ صِحَّةِ الْقِيَاسِ: أَنْ لا يُخَالِفَ الأُصُولَ، فَإِنْ خَالَفَ فَسَدَ. قَالَ: بَلْ وَلا يَنْسَخُ قِيَاسًا آخَرَ؛ لأَنَّ التَّعَارُضَ إنْ كَانَ بَيْنَ أَصْلَيْ الْقِيَاسَيْنِ فَهُوَ نسخ٥ نَصٌّ بِنَصٍّ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْعِلَّتَيْنِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ الْمُعَارَضَةِ فِي الأَصْلِ وَالْفَرْعِ، لا مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ.

стр. 1651

قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ: أَنَّ الْمَنْسُوخَ إنْ كَانَ قَطْعِيًّا لَمْ يُنْسَخْ بِمَظْنُونٍ، وَإِنْ كَانَ ظَنِّيًّا فَالْعَمَلُ بِهِ مُقَيَّدٌ بِرُجْحَانِهِ عَلَى مُعَارِضِهِ، وَتَبَيَّنَ بِالْقِيَاسِ زَوَالُ الْعَمَلِ بِهِ، وَهُوَ رُجْحَانُهُ فَلا ثُبُوتَ لَهُ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إنْ كَانَتْ عِلَّتُهُ مَنْصُوصَةً جَازَ النَّسْخُ بِهِ، وَإِلاَّ فَلا. قَالَ الْبَاجِيُّ: هَذَا هُوَ الْحَقُّ١. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: قَالَهُ الآمِدِيُّ٢: إنْ كَانَتْ مَنْصُوصَةً جَازَ، وَإِلاَّ فإنْ٣ كَانَ الْقِيَاسُ قَطْعِيًّا، كَقِيَاسِ الأَمَةِ عَلَى الْعَبْدِ فِي السِّرَايَةِ٤ فهو مقدم, لَكِنْ لا مِنْ بَابِ النَّسْخِ، أَوْ كَانَ ظَنِّيًّا فَإِنَّ كانت٥ عِلَّتَهُ مُسْتَنْبَطَةٌ فَلا. وَفِي الْمَسْأَلَةِ سِتَّةُ أَقْوَالٍ٦ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا أَضْرَبْنَا عَنْهَا٧ خَشْيَةَ الإِطَالَةِ. "وَإِنْ نُسِخَ حُكْمُ أَصْلٍ تَبِعَهُ حُكْمُ فَرْعِهِ" يَعْنِي إذَا وَرَدَ النَّسْخُ عَلَى أَصْلٍ مَقِيسٍ عَلَيْهِ ارْتَفَعَ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ بِالتَّبَعِيَّةِ عِنْدَنَا٨

стр. 1652

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ١. وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْقَاضِي٢ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالْحَنَفِيَّةُ٣. قَالَ الْقَاضِي٤ فِي إثْبَاتِ الْقِيَاسِ عَقْلاً: لا يَمْتَنِعُ عِنْدَنَا بَقَاءُ حُكْمِ الْفَرْعِ مَعَ نَسْخِ حُكْمِ الأَصْلِ وَمِثْلُهُ أَصْحَابُنَا -وَذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ الْمُخَالِفِ أَيْضًا- بِبَقَاءِ حُكْمِ النَّبِيذِ الْمَطْبُوخِ فِي الْوُضُوءِ بَعْدَ نَسْخِ النِّيءِ٥، وَصَوْمِ رَمَضَانَ بِنِيَّة٦ مِنْ النَّهَارِ بَعْدَ نَسْخِ عَاشُورَاءَ

стр. 1653

عِنْدَهُمْ١. وَقَالَ الْمَجْدُ فِي الْمُسَوَّدَةِ: وَعِنْدِي إنْ كَانَتْ الْعِلَّةُ مَنْصُوصًا عَلَيْهَا لَمْ يَتْبَعْهُ الْفَرْعُ٢، إلاَّ أَنْ يُعَلَّلَ فِي٣ نَسْخِهِ بِعِلَّةٍ فَيَثْبُتَ النَّسْخُ حَيْثُ وُجِدَتْ٤. اهـ. وَقِيلَ: إنْ نَصَّ عَلَى الْعِلَّةِ: لَمْ يَتْبَعْهُ الْفَرْعُ٥، إلاَّ أَنْ يُعَلَّلَ فِي نَسْخِهِ بِعِلَّةٍ، فَيَتْبَعَهَا النَّسْخُ. وَوَجْهُ الأَوَّلِ الَّذِي فِي الْمَتْنِ-: خُرُوجُ الْعِلَّةِ عَنْ اعْتِبَارِهَا فَلا فَرْعَ، وَإِلاَّ وُجِدَ الْمَعْلُولُ بِلا عِلَّةٍ. فَإِنْ قِيلَ: أَمَارَةٌ، فَلَمْ يُحْتَجْ إلَيْهَا دَوَامًا, رُدَّ بِأَنَّهَا بَاعِثَةٌ. قَالُوا: الْفَرْعُ تَابِعٌ لِلدَّلالَةِ، لا لِلْحُكْمِ, رُدَّ زَوَالُ٦ الْحُكْمِ بِزَوَالِ حكمتِهِ٧. وَفِي التَّمْهِيدِ أَيْضًا: لا يُسَمَّى نَصًّا٨ لِزَوَالِ٩ حُكْمٍ بِزَوَالِ عِلَّتِهِ وَمَعْنَاهُ فِي الْعُدَّةِ١٠

стр. 1654

قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: إذَا وَرَدَ النَّسْخُ عَلَى الأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ ارْتَفَعَ الْقِيَاسُ مَعَهُ بِالتَّبَعِيَّةِ. وَالْمُخَالِفُ فِيهِ الْحَنَفِيَّةُ. "وَيَجُوزُ النَّسْخُ بِالْفَحْوَى" عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَالْمُعْظَمِ١. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: الْفَحْوَى يُنْسَخُ وَيُنْسَخُ بِهِ ذكره٢ الآمِدِيُّ: اتِّفَاقًا٣. وَفِي التَّمْهِيدِ: الْمَنْعُ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، وَذَكَرَهُ فِي الْعُدَّةِ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ. قَالَ فِيمَا حَكَاهُ الإسْفَرايِينِيّ٤: وَاخْتَارَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا. لَنَا: أَنَّهُ كَالنَّصِّ، وَإِنْ قِيلَ: قِيَاسٌ فقَطْعِيٌّ٥. اهـ. "وَ" يَجُوزُ أَيْضًا "نَسْخُ أَصْلِ الْفَحْوَى" كالتَّأْفِيفُ٦، كَمَا لَوْ قَالَ: رَفَعْت تَحْرِيمَ التَّأْفِيفِ مَثَلاً أي دون باقي٧ أَنْوَاعِ الأَذَى وَهُوَ الْفَحْوَى؛ لأَنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنْ٨ إبَاحَةِ الْخَفِيفِ إبَاحَةُ الثَّقِيلِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَابْنِ عَقِيلٍ وَالْفَخْرِ إسْمَاعِيلِ الْبَغْدَادِيِّ, وَحُكِيَ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ٩

стр. 1655

وَغَيْرِهِمْ١. وَقَالَ الْمُوَفَّقُ فِي الرَّوْضَةِ٢، وَتَبِعَهُ الطُّوفِيُّ٣: بِالْمَنْعِ وَذَكَرَهُ الآمِدِيُّ٤ قَوْلُ الأَكْثَرِ؛ لأَنَّ الْفَرْعَ يَتْبَعُ الأَصْلَ فَإِذا٥ رُفِعَ الأَصْلُ فَكَيْفَ يَبْقَى الْفَرْعُ٦!! "وَعَكْسُهُ" يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُ الْفَحْوَى -وَهُوَ الضَّرْبُ مَثَلاً- دُونَ أَصْلِهِ وَهُوَ التَّأْفِيفُ، كَمَا لَوْ قَالَ: رَفَعْت تَحْرِيمَ كُلِّ إيذَاءٍ٧ غَيْرَ التَّأْفِيفِ فَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي ظَاهِرِ كَلامِ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا٨, وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ٩. قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ؛ لأَنَّ الْفَحْوَى وَأَصْلَهُ مَدْلُولانِ مُتَغَايِرَانِ فَجَازَ نَسْخُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى انْفِرَادِهِ. وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ الْمَجْدُ١٠ وَابْنُ مُفْلِحٍ وَابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ وَابْنُ الْحَاجِبِ١١ وَغَيْرُهُمْ١٢.

стр. 1656

وَقِيلَ: إنَّ نَسْخَ أَحَدِهِمَا يَسْتَلْزِمُ نَسْخَ١ الآخَرِ٢. قَالَ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ: وَالأَكْثَرُ أَنَّ نَسْخَ أَحَدِهِمَا يَسْتَلْزِمُ نَسْخَ الآخَرِ. ثُمَّ قَالَ الْمَحَلِّيُّ شَارِحُهُ: وَاعْلَمْ أَنَّ اسْتِلْزَامَ نَسْخِ كُلٍّ مِنْهُمَا الآخر٣ يُنَافِي مَا صَحَّحَهُ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ مِنْ جَوَازِ نَسْخِ كُلٍّ مِنْهُمَا دُونَ الآخَرِ، فَإِنَّ الامْتِنَاعَ مَبْنِيٌّ عَلَى الاسْتِلْزَامِ، وَالْجَوَازَ مَبْنِيٌّ٤ عَلَى عَدَمِهِ. وَقَدْ اقْتَصَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى الْجَوَازِ مَعَ مُقَابِلِهِ, وَالْبَيْضَاوِيُّ عَلَى الاسْتِلْزَامِ وَجَمَعَ الْمُصَنِّفُ -يَعْنِي صَاحِبَ جَمْعِ الْجَوَامِعِ- بَيْنَهُمَا٥. "وَ" يَجُوزُ أَيْضًا نَسْخُ "حُكْمِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ إنْ ثَبَتَ"٦، وَإِلاَّ فَلا. يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُ حُكْمِ الْمَسْكُوتِ الَّذِي هُوَ مُخَالِفٌ لِلْمَذْكُورِ، مَعَ نَسْخِ الأَصْلِ وَدُونَهُ. قَالَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ٧. وَقَدْ٨ قَالَت٩ الصَّحَابَةُ ﵃ إنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ : "الْمَاءُ ١٠ مِنْ

стр. 1657

الْمَاءِ" ١: مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ ﷺ : "إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ" ٢ مَعَ أَنَّ الأَصْلَ بَاقٍ. وَهُوَ وُجُوبُ الْغُسْلِ بِالإِنْزَالِ. "وَيَبْطُلُ" حُكْمُ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ "بِنَسْخِ أَصْلِهِ" عَلَى الصَّحِيحِ٣، اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَجَزَمَ بِهِ الْمُوَفَّقُ فِي الرَّوْضَةِ٤، كَذَلِكَ الطُّوفِيُّ٥؛ لأَنَّ فَرْعَهُ وَعَدَمَهُ كَالْخِطَابَيْنِ, وَاخْتَارَهُ ابْنُ فُورَكٍ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لا يَبْطُلُ بِنَسْخِ أَصْلِهِ, وَهُوَ وَجْهٌ لأَصْحَابِنَا، ذَكَرَهُ الْقَاضِي. قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَأَمَّا نَسْخُ الأَصْلِ بِدُونِ مَفْهُومِهِ الَّذِي هُوَ مُخَالِفٌ لَهُ حُكْمًا: فَذَكَرَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ فِيهِ احْتِمَالَيْنِ، قَالَ: وَأَظْهَرُهُمَا أَنَّهُ لا يَجُوزُ؛ لأَنَّهُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى ضِدِّ الْحُكْمِ بِاعْتِبَارِ الْقَيْدِ الْمَذْكُورِ، فَإِذَا بَطَلَ تَأْثِيرُ ذَلِكَ الْقَيْدِ بَطَلَ مَا يَنْبَنِي٦ عَلَيْهِ. اهـ.

стр. 1658

وَعَلَى هَذَا: فَنَسْخُ الأَصْلِ نَسْخٌ لِلْمَفْهُومِ مِنْهُ وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يَرْتَفِعُ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي حُكِمَ بِهِ عَلَى الْمَسْكُوتِ بِضِدِّ١ حُكْمِ٢ الْمَذْكُورِ. "وَلا يُنْسَخُ بِهِ" أَيْ بِمَفْهُومِ٣ الْمُخَالَفَةِ عَلَى الصَّحِيحِ٤ قَطَعَ بِهِ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ٥ وَصَرَّحَ بِهِ السَّمْعَانِيُّ، لِضَعْفِهِ عَنْ مُقَاوَمَةِ النَّصِّ. وَقِيلَ: بَلَى؛ لأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَنْطُوقِ٦. "وَلا حُكْمَ لِلنَّاسِخِ مَعَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ٧ اتِّفَاقًا" قَبْلَ أَنْ يُبَلِّغَهُ جِبْرِيلُ إلَى٨ النَّبِيِّ ﷺ "فَإِذَا بَلَّغَهُ" لِلنَّبِيِّ ﷺ "لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ٩" عِنْدَ أَصْحَابِنَا١٠ وَالأَكْثَرُ١١ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلامِ أَحْمَدَ ﵀؛ لأَنَّهُ

стр. 1659

أَخَذَ بِقِصَّةِ أَهْلِ قُبَاءَ وَالْقِبْلَةِ١. وَقِيلَ: يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ٢، كَالنَّائِمِ وَقْتَ الصَّلاةِ. وَاسْتُدِلَّ لِلأَوَّلِ -وَهُوَ الصَّحِيحُ- بِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ لَزِمَ وُجُوبُ الشَّيْءِ وَتَحْرِيمُهُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ؛ لأَنَّهُ لَوْ نُسِخَ وَاجِبٌ بِمُحَرَّمٍ أَثِمَ بِتَرْكِ الْوَاجِبِ اتفاقاً٣ وَأَيْضًا يَأْثَمُ بِعَمَلِهِ٤ بِالثَّانِي اتِّفَاقًا. "وَلَيْسَتْ زِيَادَةُ جُزْءٍ مُشْتَرَطٍ، أَوْ شَرْطٍ٥ أَوْ زِيَادَةُ عِبَادَةٍ ٦مُسْتَقِلَّةٍ مِنْ الْجِنْسِ أَوْ غَيْرِهِ: نَسْخًا" فإذَا٧ زِيدَ فِي الْمَاهِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ جُزْءٌ مُشْتَرَطٌ، أَوْ شَرْطٌ، أَوْ زِيَادَةٌ تَرْفَعُ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَسْخًا عَلَى الرَّاجِحِ٨, وَعَلَيْهِ الأَكْثَرُ٩، مِنْهُمْ أَصْحَابُنَا وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْجُبَّائِيَّةُ.

стр. 1660

وَخَالَفَتْ الْحَنَفِيَّةُ. وتواصلوا١ بِقَوْلِهِمْ: إنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى المنُّصُوصِ٢ نَسْخٌ٣ لِمَسَائِلَ٤ كَثِيرَةٍ، كَرَدِّ أَحَادِيثِ وُجُوبِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلاةِ٥، وَأَحَادِيثِ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ٦، وَاشْتِرَاطِ الإِيمَانِ فِي الرَّقَبَةِ٧، وَالنِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ٨ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

стр. 1661

وَخَالَفُوا أُصُولَهُمْ فِي اشْتِرَاطِهِمْ فِي ذَوِي الْقُرْبَى الْحَاجَةَ, وَهُوَ زِيَادَةٌ عَلَى الْقُرْآنِ، وَمُخَالَفَةٌ لِلْمَعْنَى١ الْمَقْصُودِ فِيهِ٢، وَفِي أَنَّ الْقَهْقَهَةَ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ، مُسْتَنِدِينَ لأَخْبَارٍ٣ ضَعِيفَةٍ٤، وَهِيَ زِيَادَةٌ عَلَى نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ. وَقَالَ الرَّازِيّ فِي مَسْأَلَةِ الزِّيَادَةِ الَّتِي تَرْفَعُ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ: إنَّهَا إنْ أَفَادَتْ خِلافَ مَا أُسْتنِدَ٥ مِنْ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ كَانَتْ نَسْخًا، كَإِيجَابِ الزَّكَاةِ فِي مَعْلُوفَةِ الْغَنَمِ، فَإِنَّهُ يُفِيدُ خِلافَ مَفْهُومِ٦ "فِي السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ"، وَإِلاَّ فَلا٧. وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ غَيْرُ هَذِهِ٨ أَضْرَبْنَا عَنْ ذِكْرِهَا خَشْيَةَ الإِطَالَةِ. وَأَمَّا مَسْأَلَةُ زِيَادَةِ الْعِبَادَةِ الْمُسْتَقِلَّةِ: فَإِنْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، كَزِيَادَةِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، أو٩ َوُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَى وُجُوبِ الصَّلاةِ، أَوْ عَلَى وُجُوبِ الْحَجِّ. فَلَيْسَتْ نَسْخًا إجْمَاعًا، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْجِنْسِ، كَزِيَادَةِ صَلاةٍ زَائِدَةٍ عَلَى الْخمسِ١٠: فَلَيْسَتْ بِنَسْخٍ أَيْضًا عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ١١ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ.

стр. 1662

وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِرَاقِ: يَكُونُ نَسْخًا بِزِيَادَةِ صَلاةٍ سَادِسَةٍ لِتَغَيُّرِ الْوَسَطِ مِنْ الْخَمْسِ١. "ونسخُ جزءٍ أو شرطٍ عبادةٍ٢ له" أي فالنسخُ لذلك الجزءِ أو الشرطِ "فَقَط" دون أصل تلك العبادة على الصحيح عند أصحابنا٣ وأكثر الشافعية٤. نقله عنهم ابن مفلح وابن السمعاني وهو مذهب الكرخي وأبي الحسين البصري٥. وعن بعض المتكلمين والغزالي٦ وحُكِي عن الحنفية٧ أنه

стр. 1663

نسخٌ١ لأصلِ٢ العبادة. وقال المجْد في المسودة: محلُّ الخِلافِ في شرطٍٍ متصلٍ كالتَّوَجُّهِ، ومنفصلٍ كوضوءٍ ليس نسخًا لها إجماعا٣. ووافق الهنديُّ المجدَ. واستدَلَّ للأولِّ -الذي هو الصحيح-: بأن وجوبَ أصلِ العبادة باقٍ، ولا يفتقرُ٤ إلى دليلٍ ثانٍ إجماعًا، ولم يتجددْ وجوبٌ، وكنسخِ سنَّتِها اتفاقًا.

стр. 1664

فَصْلٌ يَسْتَحِيلُ تَحْرِيمُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى: إلاَّ عَلَى تَكْلِيفِ١ الْمُحَالِ وَذَلِكَ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى مَعْرِفَتِهِ وَهُوَ دَوْرٌ٢. "وَمَا حَسُنَ" لِذَاتِهِ، كَمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى: "أَوْ قَبُحَ لِذَاتِهِ" كَالْكُفْرِ "يَجُوزُ نَسْخُ وُجُوبِهِ" أَيْ وُجُوبِ٣ مَا حَسُنَ لِذَاتِهِ. "وَ٤" يَجُوزُ نَسْخُ "تَحْرِيمِهِ" أَيْ تَحْرِيمِ مَا قَبُحَ لِذَاتِهِ عِنْدَ مَنْ نَفَى الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ، وَنَفَى رِعَايَةَ الْحِكْمَةِ فِي أَفْعَالِهِ وَمَنْ أَثْبَتَ ذَلِكَ مَنَعَهُ٥. "وَكَذَا" قَالُوا "يَجُوزُ نَسْخُ جَمِيعِ التَّكَالِيفِ٦ سِوَى مَعْرِفَتِهِ تَعَالَى", قَالَ

стр. 1665

الْمَجْدُ: على١ أَصْلِ أَصْحَابِنَا "وسائر"٢ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ خِلافًا لِلْقَدَرِيَّةِ٣. "وَلَمْ يَقَعَا إجْمَاعًا" أَيْ لَمْ٤ يَقَعْ نَسْخُ وُجُوبِ مَا حَسُنَ لِذَاتِهِ، وَلا نَسْخُ تَحْرِيمِ مَا قَبُحَ لِذَاتِهِ بِلا خِلافٍ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْخِلافُ فِي الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ٥. "انتهى المجلد الثالث من "شرح الكوكب المنير" ويليه إن شاء الله المجلد الرابع والأخير، وأوله "باب القياس" "والحمد لله رب العالمين"

стр. 1666

المجلد الرابع باب القياس ... باب القياس "القياس لغة: التقدير والمساواة"١ ٢ لما فرغنا من المباحث المتعلقة بالكتاب والسنة والإجماع شرعنا في القياس ومباحثه، وهو ميزان العقول، قَالَ الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ ٣ فالقياس في اللغة يدل على معنى التسوية على العموم؛ لأنه نسبة وإضافة بين شيئين، ولهذا يقال: فلان يقاس بفلان، ولا يقاس بفلان، أي يساوي فلانا، ولا يساوي فلانا.

стр. 1667

"و" أما القياس "شرعا" أي في عرف الشرع١ فهو: "تسوية فرع بأصل في حكم. من باب تخصيص الشيء ببعض مسمياته" فهو حقيقةٌ عرفية، مجازٌ لغويٌّ. قاله الطوفي في شرحه وغيرُه. "و" القياس "اصطلاحا" أي في اصطلاح الأصوليين٢ علماءِ الشريعة: "ردُّ فرع إلى أصل٣ بعلة جامعة"٤. قاله القاضي٥ وأبو الخطاب وابن البنَّاء. وفي التمهيد أيضا: تحصيل حكم الأصل في الفرع لاشتباههما في علة الحكم. واختاره أبو الحسين البصري ٦. قَالَ ابن مفلح: ومرادُه تحصيلُ مثل حكم الأصل. ومعناه في "الواضح" وقال: إنه أَسَدُّ ما رآه. قَالَ ابن مفلح: لكنْ هو نتيجةُ القياس لا نفسُه. اهـ. وذلك كردِّ النبيذ على الخمر في التحريم بعلة الإسكار، ونعني بالرد: الإلحاقَ والتسويةَ بينهما في الحكم.

стр. 1668

وللقياس تعاريفُ أخرى غيرُ ما ذُكِرَ أضربْنا عن ذكرها خشية الإطالة١. "ولم يَرِدْ بالحدِّ قياسُ الدلالة وهو: الجمعُ بين أصل وفرع بدليل العلة"٢ كالجمع بين الخمر والنبيذ بالرائحة الدالة على الشدَّة الْمُطْرِبَةِ.

стр. 1669

"ولا قياسُ العكس، وهو: تحصيلُ نقيضِ حكمِ المعلوم في غيره، لافتراقهما في علةِ الحكم"١ مثل أن يقال: لما وجب الصوم في الاعتكاف بالنذر وجب بغير نذر، عكسه الصلاة، لما لم تجب فيه بالنذر لم تجب بغير نذر. وقيل: بلى. وقيل: ليس بقياسٍ. قَالَ ابن حمدان في "المقنع" وغيرُه: المحدودُ هنا هو قياس الطرد فقط. وقال القاضي عضدُ الدين وغيرُه: القياس المحدود هو قياس العلة ٢. وقال البرماوي: في حجية ٣ قياس العكس خلاف، وكلام الشيخ أبي حامد يقتضي المنعَ، لكنَّ الجمهورَ على خلافه. قَالَ٤ أبو إسحاق الشيرازي في "الملخص": اختلف أصحابنا في الاستدلال به على وجهين، أصحهما - وهو المذهب -

стр. 1670

أنه يصحُّ، استدل به الشافعي في عدة مواضع. والدليل عَلَيْهِ١ أن الاستدلال بالعكس استدلالٌ٢ بقياسٍ مدلولٌ على صحتِهِ بالعكس. وإذا صح القياسُ٣ في الطرد - وهو غيرُ مدلول على صحته - فلأَنْ يصحَّ الاستدلالُ بالعكس - وهو قياس مدلول على صحته - أولى. قَالَ البرماوي: ويدل عَلَيْهِ أن الاستدلال به وقع في القرآن والسنة وفعل الصحابة: فأما القرآنُ، فنحو قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ٤ فدل على أنه ليس إلهٌ إلا اللهُ، لعدم فسادِ السماوات والأرض. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ ٥ ولا اختلافَ فيه فدل على أن القرآن من عند الله بمقتضى قياسِ العكس. وأما السنة، فكحديث: يأتي أحدُنا شهوته ويؤجر٦؟ قَالَ:

стр. 1671

"أرأيتم لو وضعها في حرام؟ يعني أكان يعاقب؟ قالوا: نعم، قَالَ: فمه! ١". فقياس وضعها في حلال فيؤجر٢ على وضعها في حرا م فيؤزر بنقيض العلة ٣. وأما الصحابة ففي "الصحيحين"٤ عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قَالَ: " من مات يشرك بالله شيئا دخل النار". وقلت أنا: ومن مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. وفي بعض أصول مسلم روي عن النبي ﷺ ٥: "من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة". قَالَ: وقلت أنا: من٦ مات يشرك بالله شيئا دخل النار٧. ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة عَلَيْهِ.

стр. 1672

لكن رواهما مسلم عن جابر مرفوعا١، فلا حاجة إلى القياس. ويُجْمَعُ بين الروايتين أنه٢ عند ذكر كل لفظ كان ناسيا للآخَر٣، كما جمع به النووي ٤. وظهر بذلك٥ كلِّه أنه حجة، إلا أنَّه هل يُسمَّى قياسا حقيقةً٦ أو مجازًا، أو لا يُسَمَّى قياسًا أصْلا؟ ثلاثةُ أقوالٍ، أرجحُها الثاني ٧. "وَأَرْكَانُهُ"٨ أَيْ الْقِيَاسِ أَرْبَعَةٌ "أَصْلٌ، وَفَرْعٌ، وَعِلَّةٌ،

стр. 1673

وَحُكْمٌ"١ وَالْمُرَادُ بِالأَرْكَانِ هُنَا: مَا لا يَتِمُّ الْقِيَاسُ إلاَّ بِهِ، فَتَكُونُ٢ مَجَازًا؛ لأَنَّ أَرْكَانَ الشَّيْءِ حَقِيقَةً: هِيَ أَجْزَاؤُهُ الَّتِي يَتَأَلَّفُ مِنْهَا، كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الصَّلاةِ إلاَّ أَنْ يَعْنِيَ بِالْقِيَاسِ مَجْمُوعَ هَذِهِ الأُمُورِ الأَرْبَعَةِ مَعَ الْحَمْلِ٣ تَغْلِيبًا فَتَصِيرُ الأَرْبَعَةُ شَطْرًا لِلْقِيَاسِ٤. وَأَمَّا مَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ مِنْ أَنَّ الْقِيَاسَ يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ، فَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: هُوَ قَوْلُ مَنْ خَلَطَ الاجْتِهَادَ بِالْقِيَاسِ وَالْحَقُّ أَنَّ الْقِيَاسَ نَوْعٌ مِنْ الاجْتِهَادِ وَاَلَّذِي لا يَحْتَاجُ إلَى أَصْلٍ: هُوَ مَا سِوَاهُ مِنْ أَنْوَاعِ الاجْتِهَادِ وَأَمَّا الْقِيَاسُ: فَلا بُدَّ لَهُ مِنْ أَصْلٍ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْقِيَاسَ الشَّرْعِيَّ رَاجِعٌ فِي الْحَقِيقَةِ إلَى الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ الْمَنْطِقِيِّ الْمُؤَلَّفِ مِنْ الْمُقَدِّمَتَيْنِ؛ لأَنَّ قَوْلَنَا: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ، فَكَانَ حَرَامًا كَالْخَمْرِ مُخْتَصَرٌ مِنْ قَوْلِنَا: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ وَلَيْسَ فِي الأَوَّلِ زِيَادَةٌ عَلَى الثَّانِي، إلاَّ ذِكْرَ الأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ عَلَى جِهَةِ التَّنْظِيرِ بِهِ وَالتَّأَنُّسِ.

стр. 1674

وَلِهَذَا لَوْ قُلْنَا: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ فَهُوَ حَرَامٌ، لَحَصَلَ الْمَقْصُودُ، وَإِذَا ثَبَتَ١ أَنَّ الْقِيَاسَ الشَّرْعِيَّ رَاجِعٌ إلَى الْعَقْلِيِّ، لَزِمَ٢ فِيهِ مَا يَلْزَمُ فِي الْعَقْلِيِّ، مِنْ كَوْنِهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ. وَبَيَانُهُ: أَنَّ الْمُقَدِّمَتَيْنِ وَالنَّتِيجَةَ تَشْتَمِلُ عَلَى سِتَّةِ أَجْزَاءٍ، مِنْ بَيْنِ مَوْضُوعٍ وَمَحْمُولٍ فَسَقَطَ مِنْهَا بِالتَّكْرَارِ جُزْآنِ، وَهُوَ الْحَدُّ الأَوْسَطُ، يَبْقَى أَرْبَعَةُ أَجْزَاءٍ هِيَ أَرْكَانُ الْمَقْصُودِ. وَهِيَ الَّتِي يَقْتَصِرُ عَلَيْهَا الْفُقَهَاءُ فِي أَقْيِسَتِهِمْ. مِثَالُهُ: قَوْلُنَا النَّبِيذُ مُسْكِرٌ، جُزْآنِ: مَوْضُوعٌ وَهُوَ النَّبِيذُ، وَمَحْمُولٌ وَهُوَ مُسْكِرٌ ثُمَّ نَقُولُ٣: وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ. فَهَذَانِ جُزْآنِ. وَيَلْزَمُ عَنْ ٤ ذَلِكَ: النَّبِيذُ حَرَامٌ وَهُمَا٥ جُزْآنِ آخَرَانِ صَارَتْ سِتَّةَ أَجْزَاءٍ، هَكَذَا: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، فَالنَّبِيذُ حَرَامٌ، يَسْقُطُ مِنْهَا لَفْظُ "مُسْكِرٍ" مَرَّتَيْنِ؛ لأَنَّهُ مَحْمُولٌ فِي الْمُقَدِّمَةِ الأُولَى مَوْضُوعٌ فِي الثَّانِيَةِ، يَبْقَى هَكَذَا: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ، فَهُوَ ٦حَرَامٌ، وَهُوَ صُورَةُ قِيَاسِ الْفُقَهَاءِ.

стр. 1675

"فَالأَصْلُ١ مَحَلُّ الْحُكْمِ الْمُشَبَّهِ بِهِ٢" عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ، كَالْخَمْرِ فِي الْمِثَالِ السَّابِقِ، لافْتِقَارِ الْحُكْمِ وَالنَّصِّ إلَيْهِ٣. وَقِيلَ:٤ إنَّ الأَصْلَ دَلِيلُ الْحُكْمِ، وَحُكِيَ عَنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْمُعْتَزِلَةِ. فَيَكُونُ فِي الْمِثَالِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ ٥ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِجْمَاعِ. وَقِيلَ: إنَّ الأَصْلَ نَفْسُ حُكْمِ الْمَحَلِّ، فَهُوَ نَفْسُ الْحُكْمِ الَّذِي فِي الأَصْلِ، كَالتَّحْرِيمِ فِي الْمِثَالِ؛ لأَنَّهُ الَّذِي يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ فِي الْفَرْعِ. قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ وَغَيْرُهُ: وَالنِّزَاعُ لَفْظِيٌّ، لِصِحَّةِ إطْلاقِ

стр. 1676

الأَصْلِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا١. وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ: أَنَّهُ الْحُكْمُ وَالْعِلَّةُ ٢. "وَالْفَرْعُ الْمَحَلُّ الْمُشَبَّهُ" كَالنَّبِيذِ فِي الْمِثَالِ السَّابِقِ، وَبِهِ قَالَ الْفُقَهَاءُ، حَكَاهُ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ عَنْهُمْ ٣ وَقِيلَ: إنَّهُ حُكْمُ الْمُشَبَّهِ بِهِ، وَهُوَ التَّحْرِيمُ، وَبِهِ قَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ. قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: وَهُوَ الأَصَحُّ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ تَعْرِيفَ الْفَرْعِ عَلَى الْحُكْمِ وَالْعِلَّةِ لِمُقَابَلَتِهِ لِلأَصْلِ، فَنَاسَبَ ذِكْرُهُ٤ لِمَا بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، مِنْ اللُّزُومِ الذِّهْنِيِّ، "وَالْعِلَّةُ فَرْعٌ لِلأَصْلِ ٥وَأَصْلٌ لِلْفَرْعِ٦" اتِّفَاقًا، لِبِنَاءِ

стр. 1677

حُكْمِهِ عَلَيْهِ١. "وَالْحُكْمُ" الْمُسْتَفَادُ مِنْ الْقِيَاسِ هُوَ "الْمُعَلَّلُ" لا الْمَحْكُومُ فِيهِ٢،

стр. 1678

خِلافًا١ لأَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ٢ الشَّافِعِيِّ٣. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ تَعْرِيفِ أَرْكَانِهِ شَرَعَ فِي شُرُوطِ صِحَّتِهِ، فَقَالَ: "وَشَرْطُ حُكْمِ الأَصْلِ: كَوْنُهُ شَرْعِيًّا إنْ اسْتَلْحَقَ شَرْعِيًّا"٤ وَذَلِكَ؛ لأَنَّهُ الْقَصْدُ مِنْ الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ. وَلأَنَّ الْقِيَاسَ لا يَجْرِي فِي اللُّغَاتِ وَالْعَقْلِيَّاتِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ذَلِكَ فَلا يَكُونُ قِيَاسًا. وَالْكَلامُ إنَّمَا هُوَ فِي الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ، مَعَ أَنَّ الْقِيَاسَ فِيهِمَا صَحِيحٌ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، كَقِيَاسِ تَسْمِيَةِ

стр. 1679

اللاَّئِطِ زَانِيًا، وَالنَّبَّاشِ سَارِقًا، وَالنَّبِيذِ خَمْرًا، لِيَثْبُتَ الْحَدُّ وَالْقَطْعُ وَالتَّحْرِيمُ. فَإِذَا قِيلَ: بِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فِي اسْتِلْحَاقِ نَفْسِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، فَلا بُدَّ مِنْ اشْتِرَاطِ كَوْنِهِ شَرْعِيًّا. "وَ" مِنْ شَرْطِ حُكْمِ الأَصْلِ: كَوْنُهُ "غَيْرَ مَنْسُوخٍ"١؛ لأَنَّ الْمَنْسُوخَ لَمْ يَبْقَ لَهُ وُجُودٌ فِي الشَّرْعِ٢، فَيُلْحِقَ بِهِ الأَحْكَامَ بِقِيَاسٍ وَلا غَيْرِهِ "وَ" يُشْتَرَطُ فِيهِ أَيْضًا أَنْ "لا" يَكُونَ٣ "شَامِلاً لِحُكْمِ الْفَرْعِ"٤ إذْ لَوْ كَانَ شَامِلاً لِحُكْمِ الْفَرْعِ لَمْ يَكُنْ٥ جَعْلُ

стр. 1680

أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ١ أَصْلاً وَالآخَرِ فَرْعًا أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ، وَلَكَانَ الْقِيَاسُ ضَائِعًا٢ وَتَطْوِيلاً بِلا طَائِلٍ. مِثَالُهُ فِي الذُّرَةِ مَطْعُومٌ فَلا يَجُوزُ٣ بَيْعُهُ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلاً قِيَاسًا عَلَى الْبُرِّ، فَيُمْنَعَ٤ فِي الْبُرِّ فَنَقُولُ٥ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ "لا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ إلاَّ يَدًا بِيَدٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ" ٦ فَإِنَّ الطَّعَامَ يَتَنَاوَلُ الذُّرَةَ كَمَا يَتَنَاوَلُ الْبُرَّ. وَأَنْتَ تَعْلَمُ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّ دَلِيلَ الْعِلَّةِ إذَا كَانَ نَصًّا وَجَبَ أَلاَّ يَتَنَاوَلَ الْفَرْعَ بِلَفْظِهِ، مِثْلَ أَنْ تَقُولَ٧: النَّبَّاشُ يُقْطَعُ؛ لأَنَّهُ سَارِقٌ كَالسَّارِقِ مِنْ الْحَيِّ [فَيُقَالَ: وَلِمَ قُلْتَ إنَّ السَّارِقَ مِنْ الْحَيِّ] ٨ إنَّمَا يُقْطَعُ؛ لأَنَّهُ سَارِقٌ؟ فَنَقُولَ٩ لِقَوْلِهِ تَعَالَى

стр. 1681

﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ ١ رَتَّبَ الْقَطْعَ عَلَى السَّرِقَةِ بِفَاءِ التَّعْقِيبِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ الْمُقْتَضِي٢ لِلْقَطْعِ. فَيُقَالُ: [فَهَذَا] ٣ يُوجِبُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ بِالنَّصِّ. فَإِنَّ ثُبُوتَ الْعِلَّةِ بَعْدَ ثُبُوتِ الْحُكْمِ وَلا مُخَلِّصَ لِلْمُسْتَدِلِّ إلاَّ مَنْعُ كَوْنِهِ عَامًّا٤. "وَ" مِنْ شَرْطِ حُكْمِ الأَصْلِ أَيْضًا: أَنْ "لا" يَكُونَ "مَعْدُولاً بِهِ عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ" ٥أَيْ عَنْ طَرِيقِهِ الْمُعْتَبَرِ فِيهِ، لِتَعَذُّرِ التَّعْدِيَةِ حِينَئِذٍ.

стр. 1682

وَذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لِكَوْنِهِ لَمْ يُعْقَلْ مَعْنَاهُ، إمَّا لِكَوْنِهِ اُسْتُثْنِيَ مِنْ قَاعِدَةٍ عَامَّةٍ كَالْعَمَلِ بِشَهَادَةِ خُزَيْمَةَ وَحْدَهُ فِيمَا لا١ تُقْبَلُ٢ فِيهِ٣ شَهَادَةُ الْوَاحِدِ، أَوْ لَمْ يُسْتَثْنَ "كَعَدَدِ الرَّكَعَاتِ" وَتَقْدِيرِ نِصَابِ الزَّكَاةِ٤ وَمَقَادِيرِ الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ. وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا عُقِلَ مَعْنَاهُ، وَلَكِنْ لا نَظِيرَ لَهُ، وَإِلَى ذَلِكَ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ "أَوْ لا نَظِيرَ لَهُ" وَسَوَاءٌ كَانَ "لَهُ مَعْنًى ظَاهِرٌ" كَرُخَصِ السَّفَرِ٥ "أَوْ لا" مَعْنَى لَهُ ظَاهِرٌ، كَالْقَسَامَةِ٦. كَذَا مَثَّلَ بِهِ ابْنُ مُفْلِحٍ تَبَعًا لابْنِ الْحَاجِبِ٧ وَغَيْرِهِ ٨.

стр. 1683

قَالَ١ الْبِرْمَاوِيُّ: لَكِنْ٢ فِي جَعْلِهِ الْقَسَامَةَ غَيْرَ٣ مَعْقُولَةِ الْمَعْنَى، وَهُوَ خَفِيٌّ بِخِلافِ شَهَادَةِ خُزَيْمَةَ وَمَقَادِيرِ الْحُدُودِ: نَظَرٌ ظَاهِرٌ. "وَمَا خُصَّ مِنْ الْقِيَاسِ يَجُوزُ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ وَ" يَجُوزُ "قِيَاسُهُ عَلَى غَيْرِهِ"٤ قَالَ أَبُو يَعْلَى: الْمَخْصُوصُ مِنْ جُمْلَةِ الْقِيَاسِ يُقَاسُ عَلَيْهِ وَيُقَاسُ عَلَى غَيْرِهِ. أَمَّا الأَوَّلُ: فَلأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ فِيمَنْ نَذَرَ ذَبْحَ نَفْسِهِ: يَفْدِي نَفْسَهُ بِكَبْشٍ٥ فَقَاسَ مَنْ نَذَرَ ذَبْحَ نَفْسِهِ عَلَى٦ مَنْ نَذَرَ ذَبْحَ وَلَدِهِ. انْتَهَى. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَالشَّافِعِيَّةِ، وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ

стр. 1684

وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ الْمَالِكِيِّ١؛ لأَنَّ الظَّنَّ الْخَاصَّ أَرْجَحُ. وَمَنَعَ ذَلِكَ٢ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ، إلاَّ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّلاً، كَقَوْلِهِ ﷺ "إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ" ٣ أَوْ مُجْمَعًا عَلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ، كَالتَّحَالُفِ٤ فِي الإِجَارَةِ ٥ كَالْبَيْعِ. وَلَنَا وَجْهٌ، كَأَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ قَالَ: وَلِهَذَا لا نَقِيسُ عَلَى لَحْمِ الإِبِلِ فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُصُولِنَا. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: كَذَا قَالَ. ثُمَّ ٦ قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ، لِعَدَمِ فَهْمِ الْمَعْنَى، أَوْ مُسَاوَاتِهِ وَلِهَذَا

стр. 1685

نَقِيسُ١ فِي الأَشْهَرِ الْعِنَبَ عَلَى الْعَرَايَا٢. وَقَدْ قَاسَ الْحَنَفِيَّةُ الْمُقَدَّرَ، كَالْمُوضِحَةِ٣ عَلَى٤ دِيَةِ النَّفْسِ فِي حَمْلِ الْعَاقِلَةِ قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: لَنَا أَنَّ الاعْتِبَارَ بِوُجُودِ: الْقِيَاسِ بِشُرُوطِهِ، وَكَوْنِهِ مَخْصُوصًا لا يَمْنَعُ إلْحَاقَ مَا فِي مَعْنَاهُ قَالُوا: لا نَظِيرَ. قُلْنَا: لا يَخْلُو مِنْ نَظِيرٍ. "وَ" مِنْ شَرْطِ حُكْمِ الأَصْلِ أَيْضًا "كَوْنُهُ غَيْرَ فَرْعٍ"٥ قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي أُصُولِهِ: وَمِنْهُ كَوْنُهُ غَيْرَ فَرْعٍ، اخْتَارَهُ
следующие страницы →