← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12019

شرح الكوكب المنير = شرح مختصر التحرير

ابن النجار الفتوحي

Полный текст (2 398 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

حَرَامٌ" ١ وَجَعَلَهُ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ٢ وَمَنْظُومَةِ الْبِرْمَاوِيِّ فِي رُتْبَةِ الْمَالِ، لِعَطْفِهِ٣ بِالْوَاوِ. وَتَابَعْنَاهُ، فَيَكُونُ مِنْ أَدْنَى الْكُلِّيَّاتِ٤. "وَ" يَلْحَقُ بِالضَّرُورِيِّ مَا هُوَ "مُكَمِّلٌ لَهُ، كَحِفْظِ الْعَقْلِ بِالْحَدِّ بِقَلِيلٍ مُسْكِرٍ". وَمَعْنَى كَوْنِهِ مُكَمِّلاً٥ لَهُ: أَنَّهُ٦ لا يَسْتَقِلُّ ضَرُورِيًّا٧ بِنَفْسِهِ، بَلْ بِطَرِيقِ الانْضِمَامِ، فَلَهُ٨ تَأْثِيرٌ فِيهِ، لَكِنْ لا بِنَفْسِهِ؛ فَيَكُونُ فِي

стр. 1822

حُكْمِ الضَّرُورَةِ مُبَالَغَةً فِي١ مُرَاعَاتِهِ. فَالْمُبَالَغَةُ فِي حِفْظِ الْعَقْلِ: بِالْحَدِّ بِشُرْبِ قَلِيلِ الْمُسْكِرِ، وَتَقَدَّمَ. وَالْمُبَالَغَةُ فِي حِفْظِ الدِّينِ: بِتَحْرِيمِ الْبِدْعَةِ٢ وَعُقُوبَةِ الْمُبْتَدِعِ الدَّاعِي إلَيْهَا. وَالْمُبَالَغَةُ فِي حِفْظِ النَّفْسِ: بِإِجْرَاءِ الْقِصَاصِ فِي الْجِرَاحَاتِ. وَالْمُبَالَغَةُ فِي حِفْظِ النَّسَبِ٣: ٤ِبتحْرِيمِ النَّظَرِ وَاللَّمْسِ٥ وَالْخَلْوَةِ، وَالتَّعْزِيرِ عَلَيْهِ. وَالْمُبَالَغَةِ فِي حِفْظِ الْمَالِ بِتَعْزِيرِ الْغَاصِبِ وَنَحْوِهِ. وَالْمُبَالَغَةُ فِي حِفْظِ الْعِرْضِ٦: بِتَعْزِيرِ السَّابِّ بِغَيْرِ الْقَذْفِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ الأَقْسَامِ الثَّلاثَةِ: الْحَاجِيُّ٧ وَهُوَ الَّذِي

стр. 1823

لا يَكُونُ فِي مَحَلِّ الضَّرُورَةِ، بَلْ فِي مَحَلِّ الْحَاجَةِ١، وَهُوَ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "وَحَاجِيٌّ". "كَبَيْعٍ وَنَحْوِهِ" كَإِجَارَةٍ وَمُضَارَبَةٍ وَمُسَاقَاةٍ؛ لأَنَّ مَالِكَ الشَّيْءِ قَدْ لا يَهَبُهُ، فَيَحْتَاجُ إلَى شِرَائِهِ، وَلا يُعِيرُهُ فَيَحْتَاجُ إلَى اسْتِئْجَارِهِ، وَلَيْسَ كُلُّ ذِي مَالٍ يُحْسِنُ التِّجَارَةَ، فَيَحْتَاجُ إلَى مَنْ يَعْمَلُ لَهُ فِي مَالِهِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَالِكِ شَجَرٍ يُحْسِنُ الْقِيَامَ عَلَى شَجَرِهِ، فَيَحْتَاجُ إلَى مَنْ يُسَاقِيهِ عَلَيْهَا٢. فَهَذِهِ٣ الأَشْيَاءُ وَمَا أَشْبَهَهَا لا يَلْزَمُ مِنْ فَوَاتِهَا فَوَاتُ شَيْءٍ مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ. "وَبَعْضُهَا" أَيْ وَبَعْضُ صُوَرِ الْحَاجِيِّ "أَبْلَغُ" مِنْ بَعْضٍ. "وَقَدْ يَكُونُ" الْحَاجِيُّ "ضَرُورِيًّا" فِي بَعْضِ الصُّوَرِ "كَشِرَاءِ

стр. 1824

وَلِيِّ" طِفْلٍ "مَا يَحْتَاجُهُ طِفْلٌ" مِنْ مَطْعُومٍ وَمَلْبُوسٍ، حَيْثُ كَانَ فِي مَعْرِضٍ مِنْ الْجُوعِ وَالْبَرْدِ "وَنَحْوِهِ" أَيْ وَنَحْوِ مَا ذُكِرَ، كَاسْتِئْجَارِ الْوَلِيِّ لِحِفْظِ الطِّفْلِ مَنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، مَعَ اشْتِغَالِ الْوَلِيِّ عَنْ تَرْبِيَةِ الطِّفْلِ بِمَا هُوَ أَهَمُّ مِنْهَا١. "وَمُكَمِّلٍ لَهُ" أَيْ لِلْحَاجِيِّ "كَرِعَايَةِ كَفَاءَةٍ، وَ" كَرِعَايَةِ "مَهْرِ، مِثْلٍ فِي٢ تَزْوِيجِ صَغِيرَةٍ" وَكَإِثْبَاتِ خِيَارٍ فِي بَيْعٍ بِأَنْوَاعِهِ، لِمَا فِيهِ مِنْ التَّرَوِّي، وَإِنْ كَانَ أَصْلُ الْحَاجَةِ حَاصِلاً بِدُونِهِ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ الأَقْسَامِ الثَّلاثَةِ: التَّحْسِينِيُّ٣، وَهُوَ مَا لَيْسَ ضَرُورِيًّا وَلا حَاجِيًّا، وَلَكِنَّهُ فِي مَحَلِّ التَّحْسِينِ٤، وَهُوَ مَا أُشِيرَ

стр. 1825

إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "وَتَحْسِينِيٌّ"١. وَهُوَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: "غَيْرُ مُعَارِضٍ لِلْقَوَاعِدِ" أَيْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ. "كَتَحْرِيمِ النَّجَاسَةِ٢" فَإِنَّ نَفْرَةَ٣ الطِّبَاعِ مَعْنًى ٤يُنَاسِبُ تَحْرِيمَهَا حَتَّى٥ أَنَّهُ يَحْرُمُ التَّضَمُّخُ٦ بِالنَّجَاسَةِ بِلا عُذْرٍ٧. "وَ" كَـ "سَلْبِ الْمَرْأَةِ٨ عِبَارَةَ عَقْدِ النِّكَاحِ" لاسْتِحْيَاءِ النِّسَاءِ مِنْ مُبَاشَرَةِ الْعُقُودِ عَلَى فُرُوجِهِنَّ، لإِشْعَارِهِ بِتَوَقَانِ نُفُوسِهِنَّ إلَى

стр. 1826

الرِّجَالِ، وَهُوَ غَيْرُ لائِقٍ بِالْمُرُوءَةِ. وَكَذَا اعْتِبَارُ الشَّهَادَةِ فِي النِّكَاحِ لِتَعْظِيمِ شَأْنِهِ وَتَمْيِيزِهِ١ عَنْ السِّفَاحِ بِالإِعْلامِ٢ وَالإِظْهَارِ. "لا" سَلْبِ "الْعَبْدِ أَهْلِيَّةَ الشَّهَادَةِ٣ عَلَى أَصْلِنَا" لِقَبُولِهَا عِنْدَنَا فِي كُلِّ شَيْءٍ عَلَى الْمَذْهَبِ٤. الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ التَّحْسِينِيِّ٥: الْمُعَارِضُ لِقَوَاعِدِ الشَّرْعِ. وَهُوَ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "أَوْ مُعَارِضٍ".

стр. 1827

"كَالْكِتَابَةِ" وَهِيَ بَيْعُ سَيِّدٍ رَقِيقَهُ نَفْسَهُ بِمَالٍ فِي ذِمَّتِهِ يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ: مُبَاحٍ مَعْلُومٍ مُنَجَّمٍ نَجْمَيْنِ فَصَاعِدًا١، أَوْ مَنْفَعَةٍ مُؤَجَّلَةٍ. فَإِنَّ الْكِتَابَةَ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا مَكْرُمَةً فِي الْقَاعِدَةِ٢ مُسْتَحْسَنَةً٣ احْتَمَلَ الشَّرْعُ فِيهَا جَزْمَ٤ قَاعِدَةٍ مُمَهِّدَةٍ، وَهِيَ امْتِنَاعُ بَيْعِ الإِنْسَانِ مَالَ نَفْسِهِ بِمَالِ نَفْسِهِ وَمُعَامَلَةِ عَبْدِهِ. "وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْمَصْلَحَةُ بِحُجَّةٍ" عِنْدَ الأَكْثَرِ٥، خِلافًا لِمَالِكٍ٦ وَبَعْضِ٧ الشَّافِعِيَّةِ، وَتُسَمَّى٨ الْمَصْلَحَةَ الْمُرْسَلَةَ. قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ٩ اهـ.

стр. 1828

وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ: بِأَنَّا لا نَعْلَمُ مُحَافَظَةَ الشَّرْعِ عَلَيْهَا، وَلِذَلِكَ لَمْ يُشْرَعْ فِي زَوَاجِرِهَا أَبْلَغُ مِمَّا شُرِعَ، كَالْمُثْلَةِ فِي الْقِصَاصِ، فَإِنَّهَا أَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ عَنْ الْقَتْلِ، وَكَذَا الْقَتْلُ فِي السَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ، فَإِنَّهُ أَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ عَنْهُمَا، وَلَمْ يُشْرَعْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَصْلَحَةُ حُجَّةً لَحَافَظَ الشَّرْعُ عَلَى تَحْصِيلِهَا بِأَبْلَغِ الطُّرُقِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ بِفِعْلٍ، فَلا تَكُونُ حُجَّةً، فَإِذًا إثْبَاتُهَا حُجَّةٌ مِنْ بَابِ وَضْعِ الشَّرْعِ بِالرَّأْيِ١. وَاحْتَجَّ مَنْ اعْتَبَرَهَا بِأَنَّا قَدْ عَلِمْنَا أَنَّهَا مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرْعِ بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ، لا حَصْرَ٢ لَهَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَقَرَائِنِ الأَحْوَالِ وَالأَمَارَاتِ. وَسَمَّوْهَا مَصْلَحَةً مُرْسَلَةً، وَلَمْ يُسَمُّوهَا قِيَاسًا؛ لأَنَّ الْقِيَاسَ يَرْجِعُ إلَى أَصْلٍ مُعَيَّنٍ، بِخِلافِ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ، فَإِنَّهَا لا تَرْجِعُ إلَى أَصْلٍ مُعَيَّنٍ، بَلْ رَأَيْنَا الشَّارِعَ اعْتَبَرَهَا فِي مَوَاضِعَ مِنْ الشَّرِيعَةِ، فَاعْتَبَرْنَاهَا حَيْثُ وُجِدَتْ؛ لِعِلْمِنَا أَنَّ جِنْسَهَا مَقْصُودٌ لَهُ٣، وَبِأَنَّ الرُّسُلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ - بُعِثُوا٤ لِتَحْصِيلِ مَصَالِحِ الْعِبَادِ،

стр. 1829

فَيُعْلَمُ١ ذَلِكَ بِالاسْتِقْرَاءِ، فَمَهْمَا وَجَدْنَا مَصْلَحَةً غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهَا مَطْلُوبَةٌ لِلشَّرْعِ فَنَعْتَبِرُهَا؛ لأَنَّ الظَّنَّ مَنَاطُ الْعَمَلِ. "وَ" الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ أَضْرُبِ الْمُنَاسِبِ "أُخْرَوِيٌّ". وَذَلِكَ "كَتَزْكِيَةِ النَّفْسِ" عَنْ الرَّذَائِلِ "وَرِيَاضَتِهَا" وَتَهْذِيبِ الأَخْلاقِ، فَإِنَّ تَأْثِيرَ٢ مَنْفَعَةِ ذَلِكَ فِي٣ سَعَادَةِ الآخِرَةِ٤. "وَقَدْ يَتَعَلَّقُ" الْمُنَاسِبُ "بِهِمَا" أَيْ بِالدُّنْيَوِيِّ وَالأُخْرَوِيِّ٥ "كَإِيجَابِ الْكَفَّارَةِ" بِالْمَالِ فَتَعَلُّقُهُ الدُّنْيَوِيُّ٦: مَا يَعُودُ عَلَى الْفُقَرَاءِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ بِانْتِفَاعِهِمْ بِالْمَالِ، وَتَعَلُّقُهُ بِالأُخْرَوِيِّ٧: مَا يَحْصُلُ لِلْمُكَفِّرِ مِنْ الثَّوَابِ٨. "وَ" الضَّرْبُ الثَّالِثُ مِنْ أَضْرُبِ الْمُنَاسِبِ "إقْنَاعِيٌّ". وَهُوَ مَا "يَنْتَفِي ظَنُّ مُنَاسَبَتِهِ٩ بِتَأَمُّلِهِ" وَذَلِكَ بِأَنْ يُظَنَّ فِي بَادِئِ الرَّأْيِ أَنَّهُ مُنَاسِبٌ، ثُمَّ يَزُولُ ذَلِكَ الظَّنُّ بِالتَّأَمُّلِ وَإِمْعَانِ

стр. 1830

النَّظَرِ فِيهِ، كَتَعْلِيلِ الشَّافِعِيَّةِ تَحْرِيمَ بَيْعِ الْمَيْتَةِ بِنَجَاسَتِهَا، وَقِيَاسِ الْكَلْبِ عَلَيْهِ١. "وَإِذَا اشْتَمَلَ وَصْفٌ عَلَى مَصْلَحَةٍ وَمَفْسَدَةٍ رَاجِحَةٍ أَوْ مُسَاوِيَةٍ لَمْ تَنْجَرَّ٢ مُنَاسَبَتُهُ" عَلَى الأَرْجَحِ٣ "وَلِلْمُعَلِّلِ تَرْجِيحُ وَصْفِهِ بِطَرِيقٍ تَفْصِيلِيٍّ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الْمَسَائِلِ، وَإِجْمَالِيٍّ، وَهُوَ لَوْ لَمْ يُقَدَّرْ رُجْحَانُ الْمَصْلَحَةِ ثَبَتَ الْحُكْمُ تَعَبُّدًا" وَهُوَ عَلَى٤ خِلافِ الأَصْلِ؛ لأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ الأَحْكَامِ التَّعَقُّلُ٥ دُونَ التَّعَبُّدِ؛ وَلأَنَّهُ إذَا كَانَ

стр. 1831

الْحُكْمُ مَعْقُولَ الْمَعْنَى كَانَ أَقْرَبَ وَأَدْعَى إلَى الْقَبُولِ وَالانْقِيَادِ لَهُ. "وَالْمُنَاسِبُ" هُوَ الْوَصْفُ الْمُعَلَّلُ بِهِ، وَلا بُدَّ أَنْ يُعْلَمَ مِنْ الشَّارِعِ الْتِفَاتٌ إلَيْهِ، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ بِتَقْسِيمِ الْمُنَاسِبِ. وَهُوَ يَنْقَسِمُ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: مُؤَثِّرٌ. وَمُلائِمٌ. وَغَرِيبٌ. وَمُرْسَلٌ. وَهُوَ ثَلاثَةُ أَنْوَاعٍ: مُرْسَلٌ مُلائِمٌ، وَمُرْسَلٌ غَرِيبٌ، وَمُرْسَلٌ ثَبَتَ إلْغَاؤُهُ؛ لأَنَّ الْوَصْفَ الْمُنَاسِبَ إمَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الشَّرْعَ اعْتَبَرَهُ، أَوْ يُعْلَمَ أَنَّهُ أَلْغَاهُ، أَوْ لا يُعْلَمَ أَنَّهُ اعْتَبَرَهُ وَلا أَلْغَاهُ. وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ هُنَا: مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْيَقِينِ وَالظَّنِّ. إذَا تَقَرَّرَ هَذَا: فَالْقِسْمُ الأَوَّلُ: "مُؤَثِّرٌ إنْ اُعْتُبِرَ" مِنْ قِبَلِ الشَّرْعِ "بِنَصٍّ" كَتَعْلِيلِ الْحَدَثِ بِمَسِّ الذَّكَرِ "أَوْ" اُعْتُبِرَ بِ "إجْمَاعٍ" كَتَعْلِيلِ وِلايَةِ الْمَالِ بِالصِّغَرِ. فَالأَوَّلُ: اُعْتُبِرَ عَيْنُهُ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ، وَهُوَ الْحَدَثُ، لِحَدِيثِ١ "مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ".

стр. 1832

وَأَمَّا الثَّانِي: فَإِنَّهُ اُعْتُبِرَ عَيْنُ الصِّغَرِ فِي عَيْنِ الْوِلايَةِ فِي الْمَالِ بِالإِجْمَاعِ. وَسُمِّيَ١ هَذَا الْقِسْمُ مُؤَثِّرًا؛ لِحُصُولِ التَّأْثِيرِ فِيهِ عَيْنًا وَجِنْسًا، فَظَهَرَ تَأْثِيرُهُ فِي الْحُكْمِ. "وَ" الْقِسْمُ الثَّانِي: "مُلائِمٌ إنْ اُعْتُبِرَ بِتَرَتُّبِ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ فَقَطْ، إنْ ثَبَتَ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ اعْتِبَارُ عَيْنِهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ، أَوْ بِالْعَكْسِ، أَوْ جِنْسِهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ". وَسُمِّيَ مُلائِمًا لِكَوْنِهِ مُوَافِقًا لِمَا اعْتَبَرَهُ٢ الشَّارِعُ، وَهُوَ ثَلاثَةُ أَنْوَاعٍ. مِثَالُ مَا اعْتَبَرَ٣ الشَّارِعُ عَيْنَ الْوَصْفِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ مِنْ الْمُلائِمِ: امْتِزَاجُ النَّسَبَيْنِ فِي الأَخِ مِنْ الأَبَوَيْنِ، اعْتَبَرَ تَقْدِيمَهُ عَلَى الأَخِ مِنْ الأَبِ فِي الإِرْثِ، وَقِسْنَا عَلَيْهِ تَقْدِيمَهُ فِي وِلايَةِ النِّكَاحِ وَغَيْرِهَا مِنْ الأَحْكَامِ الَّتِي٤ قُدِّمَ عَلَيْهِ فِيهَا؛ فَإِنَّهُ - وَإِنْ لَمْ يَعْتَبِرْهُ الشَّارِعُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الأَحْكَامِ - لَكِنْ اعْتَبَرَهُ فِي جِنْسِهَا، وَهُوَ التَّقَدُّمُ فِي الْجُمْلَةِ.

стр. 1833

وَمِثَالُ مَا اعْتَبَرَ فِيهِ جِنْسَ الْوَصْفِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ، عَكْسُ الَّذِي قَبْلَهُ: مِنْهُ١ الْمَشَقَّةُ الْمُشْتَرَكَةُ بَيْنَ الْحَائِضِ وَالْمُسَافِرِ فِي سُقُوطِ الْقَضَاءِ، فَإِنَّ الشَّارِعَ اعْتَبَرَهَا فِي عَيْنِ سُقُوطِ الْقَضَاءِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ، فَسَقَطَ بِهَا الْقَضَاءُ فِي صَلاةِ الْحَائِضِ قِيَاسًا. وَإِنَّمَا جُعِلَ الْوَصْفُ هُنَا جِنْسًا، وَالإِسْقَاطُ نَوْعًا؛ لأَنَّ مَشَقَّةَ السَّفَرِ نَوْعٌ مُخَالِفٌ لِمَشَقَّةِ الْحَيْضِ. وَأَمَّا السُّقُوطُ: فَأَمْرٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ٢ مَحَالُّهُ٣. وَمِثَالُ مَا اُعْتُبِرَ جِنْسُ الْوَصْفِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ مِنْهُ: مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ فِي شَارِبِ الْخَمْرِ أَنَّهُ إذَا شَرِبَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، فَيَكُونُ عَلَيْهِ حَدُّ الْمُفْتَرِي٤ أَيْ الْقَاذِفَ.

стр. 1834

وَوَافَقَهُ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ، فَأَوْجَبُوا حَدَّ الْقَذْفِ عَلَى الشَّارِبِ، لا لِكَوْنِهِ شَرِبَ١، بَلْ لِكَوْنِ الشُّرْبِ مَظِنَّةَ الْقَذْفِ، فَأَقَامُوهُ مَقَامَ الْقَذْفِ قِيَاسًا عَلَى إقَامَةِ الْخَلْوَةِ بِالأَجْنَبِيَّةِ مَقَامَ الْوَطْءِ فِي التَّحْرِيمِ، لِكَوْنِ الْخَلْوَةِ مَظِنَّةً لَهُ، فَظَهَرَ أَنَّ الشَّارِعَ إنَّمَا اعْتَبَرَ الْمَظِنَّةَ الَّتِي هِيَ جِنْسٌ لِمَظِنَّةِ الْوَطْءِ، وَمَظِنَّةِ الْقَذْفِ فِي الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ جِنْسٌ لإِيجَابِ حَدِّ الْقَذْفِ وَحُرْمَةِ الْوَطْءِ. وَقَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ وَغَيْرُهُ: الأَوَّلُ كَالتَّعْلِيلِ بِالصِّغَرِ فِي قِيَاسِ النِّكَاحِ عَلَى الْمَالِ فِي الْوِلايَةِ، فَإِنَّ الشَّرْعَ اعْتَبَرَ عَيْنَ الصِّغَرِ فِي عَيْنِ وِلايَةِ الْمَالِ بِهِ، مُنَبِّهًا عَلَى الصِّغَرِ، وَثَبَتَ اعْتِبَارُ عَيْنِ الصِّغَرِ فِي جِنْسِ حُكْمِ الْوِلايَةِ إجْمَاعًا. وَالثَّانِي: كَالتَّعْلِيلِ بِعُذْرِ الْحَرَجِ فِي قِيَاسِ الْحَضَرِ٢ بِعُذْرِ٣ الْمَطَرِ عَلَى السَّفَرِ فِي الْجَمْعِ. فَجِنْسُ الْحَرَجِ مُعْتَبَرٌ فِي عَيْنِ رُخْصَةِ الْجَمْعِ إجْمَاعًا. وَالثَّالِثُ: كَالتَّعْلِيلِ بِجِنَايَةِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ فِي قِيَاسِ الْمُثْقَلِ٤ عَلَى الْمُحَدَّدِ فِي الْقِصَاصِ، فَجِنْسُ الْجِنَايَةِ مُعْتَبَرٌ٥ فِي

стр. 1835

جِنْسِ قِصَاصِ النَّفْسِ؛ لاشْتِمَالِهِ عَلَى قِصَاصِ النَّفْسِ وَغَيْرِهَا كَالأَطْرَافِ اهـ. وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: الْغَرِيبُ، وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "وَإِلاَّ فَغَرِيبٌ" يَعْنِي وَإِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ تَرَتُّبُ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ، فَيُسَمَّى غَرِيبًا. مِثَالُ ذَلِكَ: التَّعْلِيلُ بِالإِسْكَارِ فِي قِيَاسِ النَّبِيذِ عَلَى الْخَمْرِ بِتَقْدِيرِ عَدَمِ نَصٍّ بِعِلِّيَّةِ الإِسْكَارِ، فَعَيْنُ الإِسْكَارِ مُعْتَبَرٌ فِي عَيْنِ التَّحْرِيمِ بِتَرْتِيبِ١ الْحُكْمِ عَلَيْهِ فَقَطْ، كَاعْتِبَارِ جِنْسِ الْمَشَقَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ الْحَائِضِ وَالْمُسَافِرِ فِي جِنْسِ التَّخْفِيفِ. وَهَذَا الْمِثَالُ دُونَ مَا قَبْلَهُ؛ لِرُجْحَانِ النَّظَرِ بِاعْتِبَارِ الْخُصُوصِ، لِكَثْرَةِ مَا بِهِ الاخْتِصَاصُ. قَالَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ وَالأَصْفَهَانِيّ. وَسُمِّيَ غَرِيبًا؛ لأَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ غَيْرُ أَصْلِهِ بِالاعْتِبَارِ، كَالطُّعْمِ فِي الرِّبَا، فَإِنَّ نَوْعَ الطُّعْمِ مُؤَثِّرٌ فِي حُرْمَةِ الرِّبَا، وَلَيْسَ جِنْسُهُ مُؤَثِّرًا فِي جِنْسِهِ. قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ. وَهَذَا التَّشْبِيهُ إنَّمَا يَجْرِي عَلَى قَوَاعِدِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ عِلَّةَ الرِّبَا الطُّعْمُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1836

"وَكُلُّ" قِسْمٍ "مِنْ١" هَؤُلاءِ الأَقْسَامِ "الثَّلاثَةِ٢ حُجَّةٌ"٣. وَمَنَعَ أَبُو الْخَطَّابِ وَالْحَنَفِيَّةُ٤ كَوْنَ الْغَرِيبِ حُجَّةً. "وَإِنْ اعْتَبَرَ الشَّارِعُ جِنْسَهُ" أَيْ جِنْسَ الْوَصْفِ "الْبَعِيدَ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ فَ "مُرْسَلٌ مُلائِمٌ". مِثَالُ ذَلِكَ: تَعْلِيلُ تَحْرِيمِ قَلِيلِ الْخَمْرِ بِأَنَّهُ يَدْعُو إلَى كَثِيرِهَا. فَجِنْسُهُ الْبَعِيدُ مُعْتَبَرٌ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ، كَتَحْرِيمِ الْخَلْوَةِ بِتَحْرِيمِ الزِّنَا. "وَلَيْسَ" الْمُرْسَلُ الْمُلائِمُ "بِحُجَّةٍ"٥. "وَإِلاَّ" أَيْ وَإِنْ لَمْ يَعْتَبِرْ الشَّارِعُ٦ جِنْسَ الْوَصْفِ الْبَعِيدِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ فَنَوْعَانِ:

стр. 1837

أَحَدُهُمَا: مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "فَمُرْسَلٌ غَرِيبٌ". مِثَالُ ذَلِكَ: التَّعْلِيلُ بِالْفِعْلِ الْمُحَرَّمِ لِغَرَضٍ فَاسِدٍ فِي قِيَاسِ بَاتِّ الطَّلاقِ فِي مَرَضِهِ عَلَى الْقَاتِلِ فِي الْحُكْمِ بِالْمُعَارَضَةِ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ، فَصَارَ١ تَوْرِيثُ الْمَبْتُوتَةِ كَحِرْمَانِ٢ الْقَاتِلِ. وَإِنَّمَا كَانَ "غَرِيبًا مُرْسَلاً"؛ لأَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْ الشَّارِعُ عَيْنَ الْفِعْلِ الْمُحَرَّمِ لِغَرَضٍ فَاسِدٍ فِي عَيْنِ الْمُعَارَضَةِ بِنَقِيضِ الْمَقْصُودِ٣، ٤بِتَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ اعْتِبَارُ عَيْنِهِ فِي جِنْسِ الْمُعَارَضَةِ بِنَقِيضِ الْمَقْصُودِ وَلا جِنْسِهِ فِي عَيْنِهَا، وَلا جِنْسِهِ فِي جِنْسِهَا. وَالْجُمْهُورُ عَلَى مَنْعِهِ٥. وَالنَّوْعُ الثَّانِي: مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "أَوْ مُرْسَلٌ ثَبَتَ إلْغَاؤُهُ" وَهُوَ الَّذِي عُلِمَ مِنْ الشَّارِعِ إلْغَاؤُهُ، مَعَ أَنَّهُ مُسْتَحِيلُ الْمُنَاسَبَةِ. وَلا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ٦ بِهِ٧.

стр. 1838

وَذَلِكَ كَإِيجَابِ صَوْمِ شَهْرَيْنِ ابْتِدَاءً فِي الظِّهَارِ، أَوْ الْوَطْءِ فِي رَمَضَانَ عَلَى مَنْ يَسْهُلُ عَلَيْهِ الْعِتْقُ، كَمَا أَفْتَى بِهِ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى بْنِ كَثِيرٍ اللَّيْثِيُّ١ صَاحِبُ الإِمَامِ مَالِكٍ إمَامُ أَهْلِ الأَنْدَلُسِ٢ الأَمِيرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَكَمِ الأُمَوِيَّ، الْمَعْرُوفَ بِالْمُرْتَضَى صَاحِبَ الأَنْدَلُسِ٣.

стр. 1839

"وَهُمَا" أَيْ الْمُرْسَلُ الْغَرِيبُ١، وَالْمُرْسَلُ الَّذِي ثَبَتَ إلْغَاؤُهُ "مَرْدُودَانِ" أَمَّا الأَوَّلُ: فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَبِالاتِّفَاقِ.

стр. 1840

" فَائِدَةٌ" "أَعَمُّ الْجِنْسِيَّةِ فِي الْوَصْفِ: كَوْنُهُ وَصْفًا، فَمَنَاطًا، فَمَصْلَحَةً خَاصَّةً". وَ" أَعَمُّ الْجِنْسِيَّةِ "فِي الْحُكْمِ١: كَوْنُهُ حُكْمًا، فَوَاجِبًا، وَنَحْوَهُ" كَحَرَامٍ وَمَنْدُوبٍ وَمَكْرُوهٍ "فَعِبَادَةً فَصَلاةً، فَظُهْرًا" وَنَحْوَهُ كَعَصْرٍ وَمَغْرِبٍ وَعِشَاءٍ وَفَجْرٍ٢. "وَتَأْثِيرُ الأَخَصِّ فِي الأَخَصِّ أَقْوَى". "وَ" تَأْثِيرُ "الأَعَمِّ فِي الأَعَمِّ يُقَابِلُهُ" فِي كَوْنِهِ أَضْعَفَ مِنْ جِهَةِ التَّأْثِيرِ. "وَ" تَأْثِيرُ "الأَخَصِّ فِي الأَعَمِّ وَعَكْسُهُ" وَهُوَ تَأْثِيرُ الأَعَمِّ فِي الأَخَصِّ "وَاسِطَتَانِ" بَيْنَ الأَقْوَى وَالأَضْعَفِ. قَالَ الطُّوفِيُّ فِي شَرْحِهِ: لَمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ الْوَصْفَ مُؤَثِّرٌ فِي الْحُكْمِ، وَالْحُكْمُ ثَابِتٌ بِالْوَصْفِ، وَمُسَمَّى٣ الْوَصْفِ وَالْحُكْمِ جِنْسٌ

стр. 1841

تَخْتَلِفُ١ أَنْوَاعُ مَدْلُولِهِ بِالْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ، كَاخْتِلافِ أَنْوَاعِ مَدْلُولِ الْجِسْمِ وَالْحَيَوَانِ؛ وَلِهَذَا٢ اخْتَلَفَ تَأْثِيرُ الْوَصْفِ فِي الْحُكْمِ تَارَةً بِالْجِنْسِ، وَتَارَةً بِالنَّوْعِ: احْتَجْنَا إلَى بَيَانِ مَرَاتِبِ جِنْسِ الْوَصْفِ وَالْحُكْمِ، وَمَعْرِفَةِ الأَخَصِّ مِنْهُمَا٣ مِنْ الأَعَمِّ؛ لِيَتَحَقَّقَ لَنَا مَعْرِفَةُ أَنْوَاعِ تَأْثِيرِ الأَوْصَافِ فِي الأَحْكَامِ. فَأَعَمُّ مَرَاتِبِ الْوَصْفِ: كَوْنُهُ وَصْفًا؛ لأَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَنَاطًا لِلْحُكْمِ أَوْ لا يَكُونَ، إذْ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ طَرْدِيًّا غَيْرَ مُنَاسِبٍ لا يَصْلُحُ أَنْ يُنَاطَ بِهِ حُكْمٌ، فَكُلُّ مَنَاطٍ وَصْفٌ، وَلَيْسَ كُلُّ وَصْفٍ مَنَاطًا٤، ثُمَّ كَوْنُهُ مَنَاطًا: أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَصْلَحَةً أَوْ لا. فَكُلُّ مَصْلَحَةٍ مَنَاطُ الْحُكْمِ٥، وَلَيْسَ كُلُّ مَنَاطٍ مَصْلَحَةً، لِجَوَازِ أَنْ يُنَاطَ الْحُكْمُ بِوَصْفٍ تَعَبُّدِيٍّ، لا يَظْهَرُ وَجْهُ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ، ثُمَّ كَوْنُ الْوَصْفِ مَصْلَحَةً: لأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ عَامَّةً، بِمَعْنَى أَنَّهَا مُتَضَمِّنَةٌ لِمُطْلَقِ النَّفْعِ. وَقَدْ تَكُونُ خَاصَّةً، بِمَعْنَى كَوْنِهَا مِنْ بَابِ الضَّرُورَاتِ٦ وَالْحَاجَاتِ وَالتَّكَمُّلاتِ٧. وَأَمَّا الْحُكْمُ: فَأَعَمُّ مَرَاتِبِهِ كَوْنُهُ حُكْمًا؛ لأَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ

стр. 1842

وُجُوبًا، أَوْ تَحْرِيمًا، أَوْ صِحَّةً، أَوْ فَسَادًا، ثُمَّ كَوْنُهُ وَاجِبًا وَنَحْوَهُ - أَيْ مِنْ الأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ - وَهِيَ الْوَاجِبُ، وَالْحَرَامُ، وَالْمَنْدُوبُ، وَالْمَكْرُوهُ، وَالْمُبَاحُ، وَمَا يَلْحَقُ بِذَلِكَ مِنْ الأَحْكَامِ الْوَضْعِيَّةِ١، إذْ الْوَاجِبُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ عِبَادَةً اصْطِلاحِيَّةً أَوْ غَيْرَهَا، ثُمَّ كَوْنُهُ عِبَادَةً؛ لأَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ الصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْعِبَادَاتِ، ثُمَّ كَوْنُهَا صَلاةً، إذْ كُلُّ صَلاةٍ عِبَادَةٌ، وَلَيْسَ كُلُّ عِبَادَةٍ صَلاةً، ثُمَّ كَوْنُهَا ظُهْرًا؛ لأَنَّ الصَّلاةَ أَعَمُّ مِنْ الظُّهْرِ، إذْ كُلُّ ظُهْرٍ صَلاةٌ، وَلَيْسَ كُلُّ صَلاةٍ ظُهْرًا. إذَا عُلِمَ ذَلِكَ - أَعْنِي الأَعَمَّ وَالأَخَصَّ مِنْ الأَوْصَافِ وَالأَحْكَامِ - فَلْيُعْلَمْ أَنَّ تَأْثِيرَ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ يَتَفَاوَتُ فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، فَتَأْثِيرُ الأَخَصِّ فِي الأَخَصِّ أَقْوَى أَنْوَاعِ التَّأْثِيرِ، ٢كَمَشَقَّةِ التَّكْرَارِ فِي سُقُوطِ الصَّلاةِ٣، وَالصِّغَرِ فِي وِلايَةِ النِّكَاحِ٤.

стр. 1843

وَتَأْثِيرُ الأَعَمِّ فِي الأَعَمِّ يُقَابِلُ ذَلِكَ فَهُوَ أَضْعَفُ أَنْوَاعِ التَّأْثِيرِ. وَتَأْثِيرُ الأَخَصِّ فِي الأَعَمِّ، وَعَكْسُهُ -وَهُوَ تَأْثِيرُ الأَعَمِّ فِي الأَخَصِّ- بَيْنَ ذَيْنِك الطَّرَفَيْنِ، إذْ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قُوَّةٌ مِنْ جِهَةِ الأَخَصِّيَّةِ، وَضَعْفٌ مِنْ جِهَةِ الأَعَمِّيَّةِ، بِخِلافِ الطَّرَفَيْنِ إذْ الأَوَّلُ تَمَحَّضَتْ فِيهِ الأَخَصِّيَّةُ فَتَمَحَّضَتْ لَهُ الْقُوَّةُ. وَالثَّانِي تَمَحَّضَتْ فِيهِ الأَعَمِّيَّةُ، فَتَمَحَّضَ لَهُ الضَّعْفُ. قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: فَمَا١ ظَهَرَ تَأْثِيرُهُ٢ فِي الصَّلاةِ الْوَاجِبَةِ أَخَصُّ مِمَّا ظَهَرَ فِي الْعِبَادَةِ. وَمَا ظَهَرَ فِي الْعِبَادَةِ أَخَصُّ مِمَّا ظَهَرَ فِي الْوَاجِبِ، وَمَا ظَهَرَ فِي الْوَاجِبِ أَخَصُّ مِمَّا ظَهَرَ فِي الأَحْكَامِ٣. ثُمَّ قَالَ: فَلأَجَلْ تَفَاوُتِ دَرَجَاتِ الْجِنْسِيَّةِ فِي الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ تَتَفَاوَتُ٤ دَرَجَاتُ الظَّنِّ. وَالأَعْلَى مُقَدَّمٌ عَلَى مَا دُونَهُ٥ اهـ.

стр. 1844

" الْخَامِسُ " مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ "إثْبَاتُهَا بِالشَّبَهِ" بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ. يُقَالُ: هَذَا شَبَهُ هَذَا وَشَبِيهُهُ، كَمَا يُقَالُ: مَثَلُهُ وَمَثِيلُهُ. وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ قِيَاسٍ؛ لأَنَّ الْفَرْعَ لا بُدَّ أَنْ يُشْبِهَ الأَصْلَ، لَكِنْ غَلَبَ١ إطْلاقُهُ عَلَى هَذَا النَّوْعِ الْخَامِسِ مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ. "وَهُوَ" أَيْ قِيَاسُ الشَّبَهِ فِي الاصْطِلاحِ "تَرَدُّدُ فَرْعٍ٢ بَيْنَ أَصْلَيْنِ شَبَهُهُ" أَيْ الْفَرْعِ "بِأَحَدِهِمَا" أَيْ بِأَحَدِ الأَصْلَيْنِ "فِي الأَوْصَافِ" الْمُعْتَبَرَةِ فِي الشَّرْعِ "أَكْثَرُ" مِنْ الآخَرِ. فَإِلْحَاقُ الْفَرْعِ بِأَحَدِ الأَصْلَيْنِ الَّذِي شَبَهُهُ بِهِ أَكْثَرُ: هُوَ قِيَاسُ الشَّبَهِ٣. وَلا يَكُونَانِ أَصْلَيْنِ لِهَذَا الْفَرْعِ، حَتَّى يَكُونَ فِيهِ مَنَاطُ كُلٍّ

стр. 1845

مِنْهُمَا١. مِثَالُ ذَلِكَ: الْعَبْدُ فَإِنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْبَهِيمَةِ، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ ذَلِكَ فِي التَّمْلِيكِ لَهُ. فَمَنْ قَالَ: يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ، قَالَ: هُوَ إنْسَانٌ يُثَابُ وَيُعَاقَبُ، وَيَنْكِحُ وَيُطَلِّقُ، وَيُكَلَّفُ بِأَنْوَاعٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ، وَيَفْهَمُ وَيَعْقِلُ، وَ٢هُوَ ذُو نَفْسٍ نَاطِقَةٍ٣، فَأَشْبَهَ الْحُرَّ. وَمَنْ قَالَ: لا يَمْلِكُ٤، قَالَ: هُوَ حَيَوَانٌ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَرَهْنُهُ وَهِبَتُهُ وَإِجَارَتُهُ وَإِرْثُهُ وَنَحْوُهَا، أَشْبَهَ الدَّابَّةَ. وَكَذَا الْمَذْيُ، فَإِنَّهُ مُتَرَدِّدٌ٥ بَيْنَ الْبَوْلِ وَالْمَنِيِّ، فَمَنْ قَالَ بِنَجَاسَتِهِ قَالَ: هُوَ خَارِجٌ مِنْ الْفَرْجِ لا يُخْلَقُ مِنْهُ الْوَلَدُ، وَلا ٦يَجِبُ بِهِ الْغُسْلُ، أَشْبَهَ الْبَوْلَ. وَمَنْ قَالَ بِطَهَارَتِهِ قَالَ: هُوَ خَارِجٌ تُحَلِّلُهُ الشَّهْوَةُ وَيَخْرُجُ أَمَامَهَا، أَشْبَهَ الْمَنِيَّ. "وَيُعْتَبَرُ الشَّبَهُ حُكْمًا لا حَقِيقَةً" أَيْ فِي الْحُكْمِ لا فِي الْحَقِيقَةِ عِنْدَ الأَكْثَرِ مِنْ أَصْحَابِنَا٧ وَالشَّافِعِيَّةِ٨، وَلِهَذَا أَلْحَقُوا الْعَبْدَ

стр. 1846

الْمَقْتُولَ بِسَائِرِ الأَمْوَالِ الْمَمْلُوكَةِ فِي لُزُومِ قِيمَتِهِ عَلَى الْقَاتِلِ، بِجَامِعِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا١ يُبَاعُ وَيُشْتَرَى. وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنْ يُقَالَ فِي التَّرْتِيبِ فِي الْوُضُوءِ: عِبَادَةٌ يُبْطِلُهَا الْحَدَثُ. فَكَانَ التَّرْتِيبُ فِيهَا مُسْتَحَبًّا، أَصْلُهُ الصَّلاةُ. فَالْمُشَابَهَةُ فِي الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ الْبُطْلانُ بِالْحَدَثِ، وَلا تَعَلُّقَ لَهُ بِالتَّرْتِيبِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ شَبَهٍ٢. وَاعْتَبَرَ أَبُو بِشْرٍ إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ابْنِ عُلَيَّةَ الْمُشَابَهَةَ فِي الصُّورَةِ دُونَ الْحُكْمِ، كَقِيَاسِ الْخَيْلِ عَلَى الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ فِي سُقُوطِ٣ الزَّكَاةِ وَقِيَاسِ الْحَنَفِيَّةِ فِي حُرْمَةِ اللَّحْمِ - أَيْ لَحْمِ الْخَيْلِ - عَلَى لَحْمِ الْحَمِيرِ، وَكَرَدِّ وَطْءِ الشُّبْهَةِ إلَى النِّكَاحِ فِي سُقُوطِ الْحَدِّ، وَوُجُوبِ الْمَهْرِ لِشَبَهِهِ٤ فِي الْوَطْءِ بِالنِّكَاحِ فِي الأَحْكَامِ. وَمُقْتَضَى ذَلِكَ: قَتْلُ الْحُرِّ بِالْعَبْدِ، كَمَا يَقُولُهُ أَبُو حَنِيفَةَ. وَلِهَذَا٥ نَقَلَ عَنْهُ٦ أَبُو٧ الْمَعَالِي فِي الْبُرْهَانِ، كَابْنِ عُلَيَّةَ وَقَالَ: إنَّهُ أَلْحَقَ التَّشَهُّدَ الثَّانِيَ بِالأَوَّلِ فِي عَدَمِ الْوُجُوبِ. فَقَالَ:

стр. 1847

تَشَهُّدٌ فَلا يَجِبُ، كَالتَّشَهُّدِ الأَوَّلِ١. وَنَحْوُ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ، إذْ قَالَ بِوُجُوبِ الْجُلُوسِ فِي التَّشَهُّدِ الأَوَّلِ؛ لأَنَّهُ أَحَدُ الْجُلُوسَيْنِ فِي تَشَهُّدِ الصَّلاةِ، فَوَجَبَ كَالتَّشَهُّدِ الأَخِيرِ. "وَلا يُصَارُ إلَيْهِ" أَيْ إلَى قِيَاسِ الشَّبَهِ "مَعَ" إمْكَانِ "قِيَاسِ الْعِلَّةِ" حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلاَّنِيُّ فِي التَّقْرِيبِ إجْمَاعًا. "فَإِنْ عُدِمَ" إمْكَانُ قِيَاسِ الْعِلَّةِ "فَحُجَّةٌ" أَيْ فَقِيَاسُ الشَّبَهِ حُجَّةٌ٢ عِنْدَنَا٣ وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ٤، حَتَّى قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لا عِبْرَةَ بِالْمُخَالِفِ لِمَا سَبَقَ فِي السَّبْرِ، وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ. وَقِيلَ: لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَالتَّعْلِيلُ بِهِ فَاسِدٌ٥. اخْتَارَهُ الْقَاضِي

стр. 1848

مِنْ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ١ وَالصَّيْرَفِيِّ وَالْبَاقِلاَّنِيّ وَأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وَأَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ٢ لَكِنَّهُ عِنْدَ الْبَاقِلاَّنِيِّ صَالِحٌ؛ لأَنْ٣ يُرَجَّحَ بِهِ. وَقِيلَ: إنَّمَا يُحْتَجُّ بِهِ فِي التَّعْلِيلِ إذَا كَانَ فِي قِيَاسِ فَرْعٍ قَدْ اجْتَذَبَهُ أَصْلانِ، فَيَلْحَقُ٤ بِأَحَدِهِمَا بِغَلَبَةِ٥ الاشْتِبَاهِ، وَيُسَمُّونَهُ قِيَاسَ غَلَبَةِ ٦الاشْتِبَاهِ٧. " السَّادِسُ " مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ "الدَّوَرَانُ". وَسَمَّاهُ الآمِدِيُّ٨ وَابْنُ الْحَاجِبِ٩: الطَّرْدُ١٠ وَالْعَكْسُ لِكَوْنِهِ بِمَعْنَاهُ.

стр. 1849

"وَهُوَ تَرَتُّبُ حُكْمٍ عَلَى وَصْفٍ وُجُودًا وَعَدَمًا١". ثُمَّ الدَّوَرَانُ: إمَّا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، كَالإِسْكَارِ فِي الْعَصِيرِ. فَإِنَّ الْعَصِيرَ قَبْلَ أَنْ يُوجَدَ الإِسْكَارُ كَانَ حَلالاً، فَلَمَّا حَدَثَ الإِسْكَارُ حَرُمَ، فَلَمَّا زَالَ الإِسْكَارُ وَصَارَ خَلاًّ صَارَ حَلالاً، فَدَارَ التَّحْرِيمُ مَعَ الإِسْكَارِ وُجُودًا وَعَدَمًا. وَإِمَّا فِي مَحَلَّيْنِ، كَالطُّعْمِ مَعَ تَحْرِيمِ الرِّبَا فَإِنَّهُ لَمَّا وُجِدَ الطُّعْمُ فِي التُّفَّاحِ كَانَ رِبَوِيًّا، وَلَمَّا لَمْ يُوجَدْ ٢فِي الْحَرِيرِ مَثَلاً لَمْ يَكُنْ رِبَوِيًّا، فَدَارَ جَرَيَانُ الرِّبَا مَعَ الطُّعْمِ، وَهَذَا الْمِثَالُ: إنَّمَا يَجْرِي عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ عِلَّةَ الرِّبَا الطُّعْمُ. قَالَ الطُّوفِيُّ: لَكِنَّ الدَّوَرَانَ فِي صُورَةٍ أَقْوَى مِنْهُ فِي صُورَتَيْنِ، عَلَى مَا هُوَ مُدْرَكٌ ضَرُورَةً، أَوْ نَظَرًا ظَاهِرًا.

стр. 1850

"وَيُفِيدُ" الدَّوَرَانُ "الْعِلَّةَ ظَنًّا" عِنْدَ الأَكْثَرِ مِنْ أَصْحَابِنَا١، وَالْمَالِكِيَّةِ٢ وَالشَّافِعِيَّةِ٣ وَغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: إنَّهُ يُفِيدُ الْعِلَّةَ قَطْعًا وَعَلَيْهِ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ٤. وَقِيلَ: وَلَعَلَّ مَنْ يَدَّعِي الْقَطْعَ إنَّمَا هُوَ مَنْ يَشْتَرِطُ ظُهُورَ الْمُنَاسَبَةِ فِي قِيَاسِ الْعِلَلِ مُطْلَقًا. وَلا يَكْتَفِي بِالسَّبْرِ وَلا بِالدَّوَرَانِ بِمُجَرَّدِهِ٥، فَإِذَا٦ انْضَمَّ٧ الدَّوَرَانُ إلَى الْمُنَاسَبَةِ ارْتَقَى بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ إلَى الْيَقِينِ. . وَقِيلَ: إنَّهُ لا يُفِيدُ بِمُجَرَّدِهِ الْعِلَّةَ٨ قَطْعًا وَلا ظَنًّا.

стр. 1851

وَاسْتُدِلَّ لِلأَوَّلِ - الَّذِي هُوَ الصَّحِيحُ، بِأَنَّهُ لَوْ دُعِيَ رَجُلٌ بِاسْمٍ فَغَضِبَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ١ يَغْضَبْ، وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَلا مَانِعَ: دَلَّ٢ أَنَّهُ سَبَبُ الْغَضَبِ. "وَ" حَيْثُ تَقَرَّرَ أَنَّ الدَّوَرَانَ يُفِيدُ الْعِلَّةَ ظَنًّا "لا يَلْزَمُ الْمُسْتَدِلَّ نَفْيُ مَا هُوَ أَوْلَى مِنْهُ" أَيْ مِمَّا أَبْدَأَهُ عِلَّةً؛ لأَنَّهُ لَوْ لَزِمَهُ٣ ذَلِكَ لَلَزِمَ٤ نَفْيُ سَائِرِ الْقَوَادِحِ، وَيَنْتَشِرُ٥ الْبَحْثُ، وَيَخْرُجُ الْكَلامُ عَنْ الضَّبْطِ٦. وَمَنْ ادَّعَى وَصْفًا آخَرَ لَزِمَهُ إبْدَاؤُهُ. أَطْبَقَ٧ عَلَى ذَلِكَ الْجَدَلِيُّونَ. وَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ إلَى أَنَّهُ لا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ. قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَهُوَ بَعِيدٌ فِي حَقِّ الْمُنَاظِرِ، مُتَّجَهٌ فِي حَقِّ الْمُجْتَهِدِ، فَإِنَّ عَلَيْهِ تَمَامَ النَّظَرِ؛ لِتَحِلَّ لَهُ٨ الْفَتْوَى٩.

стр. 1852

"فَإِنْ أَبْدَى الْمُعْتَرِضُ وَصْفًا آخَرَ" أَيْ غَيْرَ مَا أَبْدَاهُ الْمُسْتَدِلُّ، فَإِنْ كَانَ مَا أَبْدَاهُ الْمُعْتَرِضُ قَاصِرًا "تَرَجَّحَ جَانِبُ الْمُسْتَدِلِّ بِالتَّعْدِيَةِ" أَيْ بِكَوْنِ١ وَصْفِهِ مُتَعَدِّيًا. وَهَذَا بِنَاءً عَلَى تَرْجِيحِ الْمُتَعَدِّيَةِ٢ عَلَى٣ الْقَاصِرَةِ. "فَإِنْ تَعَدَّى إلَى الْفَرْعِ" الْمُتَنَازَعِ فِيهِ بُنِيَ عَلَى جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِعِلَّتَيْنِ، وَ "لَمْ يَضُرَّ" إلاَّ عِنْدَ مَانِعِ عِلَّتَيْنِ. "وَإِنْ تَعَدَّى" مَا أَبْدَاهُ الْمُعْتَرِضُ "إلَى فَرْعٍ آخَرَ" أَيْ٤ غَيْرِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ "طُلِبَ التَّرْجِيحُ" أَيْ تَرْجِيحُ أَحَدِ الْوَصْفَيْنِ عَلَى الآخَرِ، بِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ، فَلَوْ كَانَ وَصْفُ الْمُسْتَدِلِّ غَيْرَ مُنَاسِبٍ، وَوَصْفُ الْمُعْتَرِضِ مُنَاسِبًا٥: قُدِّمَ قَطْعًا. "وَالطَّرْدُ: مُقَارَنَةُ الْحُكْمِ لِلْوَصْفِ بِلا مُنَاسَبَةٍ" لا بِالذَّاتِ وَلا بِالتَّبَعِ٦.

стр. 1853

مِثَالُهُ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِالْخَلِّ وَنَحْوِهِ: الْخَلُّ مَائِعٌ لا يُبْنَى عَلَى جِنْسِهِ الْقَنَاطِرُ، وَلا يُصَادُ مِنْهُ السَّمَكُ، وَلا تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ، أَوْ١ لا يَنْبُتُ فِيهِ الْقَصَبُ، أَوْ٢ لا تَعُومُ٣ فِيهِ الْجَوَامِيسُ، أَوْ٤ لا يُزْرَعُ عَلَيْهِ الزَّرْعُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَلا تُزَالُ٥ بِهِ النَّجَاسَةُ. كَالدُّهْنِ. وَقَوْلِ بَعْضِهِمْ فِي٦ مَسِّ الذَّكَرِ طَوِيلٌ مَمْشُوقٌ. فَلا يَجِبُ بِمَسِّهِ الْوُضُوءُ كَالْبُوقِ. وَقَوْلِ بَعْضِهِمْ فِي طَهَارَةِ الْكَلْبِ: حَيَوَانٌ مَأْلُوفٌ لَهُ شَعْرٌ كَالصُّوفِ، فَكَانَ طَاهِرًا كَالْخَرُوفِ. وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْمُقَارَنَةِ ثَلاثَةَ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ وَعَلَيْهِ جَرَى جَمْعٌ، مِنْهُمْ صَاحِبُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ٧ فِيهِ، وَيُشْعِرُ بِهِ كَلامُ جَمَاعَةٍ أَيْضًا، حَيْثُ قَالُوا: إنَّهُ وُجُودُ الْحُكْمِ عِنْدَ وُجُودِ الْوَصْفِ.

стр. 1854

الثَّانِيَةُ: الْمُقَارَنَةُ١ فِيمَا سِوَى صُورَةِ النِّزَاعِ، وَهُوَ الَّذِي عَزَاهُ فِي الْمَحْصُولِ٢ لِلأَكْثَرِينَ. وَجَرَى عَلَيْهِ الْبَيْضَاوِيُّ٣، فَيَثْبُتُ حِينَئِذٍ الْحُكْمُ فِي صُورَةِ النِّزَاعِ إلْحَاقًا لِلْفَرْدِ٤ بِالأَعَمِّ الأَغْلَبِ. فَإِنَّ الاسْتِقْرَاءَ٥ يَدُلُّ عَلَى إلْحَاقِ النَّادِرِ بِالْغَالِبِ. وَهَذَا٦ ضَعِيفٌ؛ لأَنَّهُ٧ لَيْسَ كُلُّ نَادِرٍ يُلْحَقُ بِالْغَالِبِ لِمَا يَرِدُ عَلَيْهِ ٨مِنْ النُّقُوضِ. وَأَيْضًا فَلا يَلْزَمُ مِنْ عِلِّيَّةِ الاقْتِرَانِ كَوْنُهُ عِلَّةً لِلْحُكْمِ. الثَّالِثَةُ: الْمُقَارَنَةُ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا. لأَنَّ٩ مُسْتَنَدَ الْقَائِلِ بِالطَّرْدِ: غَلَبَةُ الظَّنِّ عِنْدَ التَّكَرُّرِ١٠، وَالْفَرْضُ عَدَمُهُ.

стр. 1855

"وَلَيْسَ" الطَّرْدُ "دَلِيلاً وَحْدَهُ" عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ؛ لأَنَّهُ لا يُفِيدُ عِلْمًا وَلا ظَنًّا فَهُوَ تَحَكُّمٌ١. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُ: قِيَاسُ٢ الْمَعْنَى تَحْقِيقٌ وَالشَّبَهُ: تَقْرِيبٌ، وَالطَّرْدُ: تَحَكُّمٌ. وَبَالَغَ الْبَاقِلاَّنِيُّ فَقَالَ: مَنْ طَرَدَ عَنْ٣ غَرَرٍ فَجَاهِلٌ. وَمَنْ مَارَسَ الشَّرِيعَةَ وَاسْتَجَازَهُ فَهَازِئٌ بِالشَّرِيعَةِ. وَقِيلَ: إنَّهُ حُجَّةٌ مُطْلَقًا، وَتَكْفِي الْمُقَارَنَةُ وَلَوْ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ ٤وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا. "وَتَنْقَسِمُ الْعِلَّةُ" سَوَاءٌ كَانَتْ "عَقْلِيَّةً أَوْ شَرْعِيَّةً إلَى مَا تُؤَثِّرُ فِي مَعْلُولِهَا كَوُجُودِ عِلَّةِ الأَصْلِ فِي الْفَرْعِ" مُؤَثِّرٌ فِي نَقْلِ حُكْمِهِ "وَإِلَى مَا يُؤَثِّرُ فِيهَا مَعْلُولُهَا كَالدَّوَرَانِ" الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ.

стр. 1856

" فَوَائِدُ" تَتَعَلَّقُ بِتَفْسِيرِ بَعْضِ أَلْفَاظٍ اصْطَلَحَ عَلَيْهَا أَهْلُ الأُصُولِ وَالْجَدَلِ الأُولَى "الْمَنَاطُ": وَهُوَ مَفْعَلٌ مِنْ نَاطَ نِيَاطًا١، أَيْ عَلَّقَ، فَهُوَ٢ مَا نِيطَ٣ بِهِ الْحُكْمُ٤، أَيْ عُلِّقَ بِهِ، وَهُوَ٥ الْعِلَّةُ الَّتِي رُتِّبَ٦ عَلَيْهَا الْحُكْمُ فِي الأَصْلِ. يُقَالُ: نُطْت الْحَبْلَ بِالْوَتَدِ أَنُوطُهُ نَوْطًا: إذَا عَلَّقْته٧، وَمِنْهُ: " ذَاتُ أَنْوَاطٍ "، شَجَرَةٌ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُعَلِّقُونَ٨ فِيهَا سِلاحَهُمْ وَقَدْ ذُكِرَتْ فِي الْحَدِيثِ٩.

стр. 1857

إذَا تَقَرَّرَ هَذَا: فَالْمَنَاطُ "مُتَعَلِّقُ الْحُكْمِ"١. وَتَنْقِيحُهُ: تَخْلِيصُهُ وَتَهْذِيبُهُ، يُقَالُ: نَقَّحْت الْعَظْمَ: إذَا اسْتَخْرَجْت مُخَّهُ٢. وَتَخْرِيجُهُ: اسْتِنْبَاطُهُ، أَيْ اسْتِخْرَاجُ مُتَعَلِّقِ الْحُكْمِ. وَهُوَ إضَافَةُ حُكْمٍ لَمْ يَتَعَرَّضْ الشَّرْعُ لِعِلَّتِهِ إلَى وَصْفٍ مُنَاسِبٍ٣ فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ٤ بِالسَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ. "وَتَحْقِيقُهُ": أَيْ تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ "إثْبَاتُ الْعِلَّةِ فِي آحَادِ صُوَرِهَا" بِالنَّظَرِ وَالاجْتِهَادِ فِي مَعْرِفَةِ وُجُودِهَا فِي آحَادِ الصُّوَرِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهَا فِي نَفْسِهَا. "فَإِنْ عُلِمَتْ الْعِلَّةُ بِنَصٍّ" كَجِهَةِ الْقِبْلَةِ الَّتِي هِيَ مَنَاطُ وُجُوبِ اسْتِقْبَالِهَا الْمُشَارِ إلَيْهِ. بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ

стр. 1858

شَطْرَهُ﴾ ١ وَكَالإِشْهَادِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ٢ "أَوْ" عُلِمَتْ الْعِلَّةُ بِـ "إجْمَاعٍ" كَتَحْقِيقِ الْمِثْلِ٣ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ٤ النَّعَمِ﴾ ٥ فَجِهَةُ الْقِبْلَةِ: مَنَاطُ وُجُوبِ اسْتِقْبَالِهَا وَمَعْرِفَتُهَا عِنْدَ الاشْتِبَاهِ: مَظْنُونٌ، وَالْعَدَالَةُ: مَنَاطُ قَبُولِ الشَّهَادَةِ، وَمَعْرِفَتُهَا فِي الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ: مَظْنُونَةٌ، وَكَالْمِثْلِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ، أَوْ اسْتِنْبَاطٍ كَالشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ الَّتِي هِيَ مَنَاطُ تَحْرِيمِ شُرْبِ الْخَمْرِ "اُحْتُجَّ بِهِ". قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ وَغَيْرُهُ: وَلا نَعْرِفُ خِلافًا فِي صِحَّةِ الاحْتِجَاجِ بِهِ، إذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ مَعْلُومَةً بِالنَّصِّ أَوْ الإِجْمَاعِ، إنَّمَا الْخِلافُ فِيمَا إذَا كَانَ مَدْرَكُ٦ مَعْرِفَتِهَا الاسْتِنْبَاطَ٧. وَذَكَرَ الْمُوَفَّقُ وَالْفَخْرُ وَالطُّوفِيُّ مِنْ جُمْلَةِ تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ: اعْتِبَارَ الْعِلَّةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا فِي أَمَاكِنِهَا، كَقَوْلِهِ ﷺ "إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ" فَيُعْتَبَرُ الأَمْرُ فِي كُلِّ طَائِفٍ٨.

стр. 1859

قَالَ الْمُوَفَّقُ١: وَهُوَ قِيَاسٌ جَلِيٌّ، أَقَرَّ بِهِ جَمَاعَةٌ [مِمَّنْ يُنْكِرُ الْقِيَاسَ٢] . قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: وَلَيْسَ ذَلِكَ قِيَاسًا لِلاتِّفَاقِ عَلَيْهِ مِنْ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ٣. قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: نَعَمْ، هَلْ يُشْتَرَطُ الْقَطْعُ بِتَحْقِيقِ الْمَنَاطِ. أَمْ يُكْتَفَى بِالظَّنِّ؟ فِيهِ أَقْوَالٌ. ثَالِثُهَا: الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ وَصْفًا شَرْعِيًّا، فَيُكْتَفَى فِيهِ بِالظَّنِّ. أَوْ حَقِيقِيًّا أَوْ٤ عُرْفِيًّا فَيُشْتَرَطَ الْقَطْعُ بِوُجُودِهِ. قَالَ: وَهَذَا أَعْدَلُ الأَقْوَالِ اهـ. إذَا تَقَرَّرَ هَذَا: فَتَخْرِيجُ٥ الْمَنَاطِ: اسْتِخْرَاجُ وَصْفٍ مُنَاسِبٍ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ عِلَّةُ ذَلِكَ الْحُكْمِ٦.

стр. 1860

وَتَنْقِيحُهُ: أَنْ يَبْقَى مِنْ الأَوْصَافِ١ مَا يَصْلُحُ، وَيُلْغَى بِالدَّلِيلِ٢ مَا لا يَصْلُحُ٣. وَتَحْقِيقُهُ: أَنْ يَجِيءَ إلَى وَصْفٍ دَلَّ عَلَى عِلِّيَّتِهِ٤ نَصٌّ أَوْ إجْمَاعٌ أَوْ غَيْرُهُمَا مِنْ الطُّرُقِ، وَلَكِنْ يَقَعُ الاخْتِلافُ فِي وُجُودِهِ فِي صُورَةِ٥ النِّزَاعِ فَيُحَقَّقُ٦ وُجُودُهَا فِيهِ٧. وَمُنَاسَبَةُ التَّسْمِيَةِ فِي الثَّلاثَةِ ظَاهِرَةٌ؛ لأَنَّهُ أَوَّلاً اسْتَخْرَجَهَا مِنْ
следующие страницы →