← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12019

شرح الكوكب المنير = شرح مختصر التحرير

ابن النجار الفتوحي

Полный текст (2 398 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

النَّوْعُ الثَّالِثُ: مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "أَوْ غَيْرُ ضَرُورَةٍ١". يَعْنِي أَنْ يَكُونَ لِذِكْرِ مَا لا أَثَرَ لَهُ فِي الْقِيَاسِ فَائِدَةٌ، لَكِنَّ الْمُعَلِّلَ لَمْ يُضْطَرَّ إلَيْهَا فِي ذَلِكَ الْقِيَاسِ "كَـ" قَوْلِهِ "الْجُمُعَةُ صَلاةٌ مَفْرُوضَةٌ، فَلَمْ تَفْتَقِرْ إلَى إذْنِ" ٢الإِمَامِ فِي إقَامَتِهَا "كَغَيْرِهَا" مِنْ الصَّلَوَاتِ. "فَـ" قَوْلُ الْمُسْتَدِلِّ "مَفْرُوضَةٌ: حَشْوٌ" وَلِهَذَا يُسَمَّى٣ هَذَا النَّوْعُ بِالْحَشْوِ "إذْ لَوْ حُذِفَتْ" "مَفْرُوضَةٌ" "لَمْ يَنْتَقِضْ" قِيَاسُهُ؛ لأَنَّ النَّفَلَ٤ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ لِتَقْرِيبِ الْفَرْعِ مِنْ الأَصْلِ، وَتَقْوِيَةِ الشَّبَهِ٥ بَيْنَهُمَا إذْ الْفَرْضُ بِالْفَرْضِ أَشْبَهُ مِنْ غَيْرِهِ. قَالَ فِي التَّمْهِيدِ: فَمَفْرُوضَةٌ، قِيلَ: يَضُرُّ٦ دُخُولُهُ؛ لأَنَّهُ بَعْضُ الْعِلَّةِ، وَقِيلَ: لا. فَإِنَّ فِيهِ٧ تَنْبِيهًا٨ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْفَرْضِ٩ أَوْلَى أَنْ لا يَفْتَقِرَ؛ وَلأَنَّهُ يُزِيدُ تَقْرِيبَهُ١٠ مِنْ الأَصْلِ.

стр. 1927

فَالأَوْلَى ذِكْرُهُ. اهـ. "وَ" الْقِسْمُ الرَّابِعُ مِنْ أَقْسَامِ عَدَمِ التَّأْثِيرِ "عَدَمُهُ" أَيْ عَدَمُ التَّأْثِيرِ "فِي الْفَرْعِ" وَإِنْ كَانَ الْوَصْفُ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي الْجُمْلَةِ، لَكِنْ لا يَطَّرِدُ التَّأْثِيرُ فِي ذَلِكَ الْفَرْعِ وَنَحْوِهِ مِنْ مَحَالِّ النِّزَاعِ١. مِثَالُ ذَلِكَ فِي وِلايَةِ الْمَرْأَةِ "كَ" قَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ: امْرَأَةٌ "زَوَّجَتْ نَفْسَهَا فَلا يَصِحُّ" تَزْوِيجُهَا "كَمَا لَوْ زُوِّجَتْ" أَيْ زَوَّجَهَا وَلِيُّهَا "بِغَيْرِ كُفْءٍ". فَالتَّزْوِيجُ مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ، وَإِنْ نَاسَبَ الْبُطْلانَ، إلاَّ أَنَّهُ لا اطِّرَادَ لَهُ فِي صُورَةِ النِّزَاعِ الَّتِي هِيَ تَزْوِيجُهَا نَفْسَهَا مُطْلَقًا. فَبَانَ أَنَّ الْوَصْفَ لا أَثَرَ لَهُ فِي الْفَرْعِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ٢. "وَهُوَ" أَيْ٣ وَهَذَا الْقِسْمُ "كَالثَّانِي" أَيْ كَالْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ حَيْثُ إنَّ حُكْمَ الْفَرْعِ هُنَا٤ مُضَافٌ إلَى غَيْرِ الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ، قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ٥ وَابْنُ مُفْلِحٍ وَالتَّاجُ السُّبْكِيُّ٦.

стр. 1928

وَقِيلَ: إنَّهُ كَالْقِسْمِ الثَّالِثِ، وَصَوَّبَهُ بَعْضُهُمْ. قَالَ الآمِدِيُّ: عَدَمُ التَّأْثِيرِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ رَدَّهُ قَوْمٌ لِمَنْعِهِمْ جَوَازَ الْفَرْضِ فِي الدَّلِيلِ. وَقَبِلَهُ مَنْ لَمْ يَمْنَعْهُ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ١. "وَيَجُوزُ الْفَرْضُ فِي بَعْضِ صُوَرِ الْمَسْأَلَةِ" عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ٢، وَبِهِ قَالَ الْمُوَفَّقُ وَالْمَجْدُ وَالْفَخْرُ إسْمَاعِيلُ. قَالَ الْمُوَفَّقُ فِي الرَّوْضَةِ: لَهُ أَنْ يَخُصَّ الدَّلِيلَ فَيُفِيدُ٣ لِغَرَضِ الْفَرْضِ بِبَعْضِ صُوَرِ الْخِلافِ، إلاَّ أَنْ يَعُمَّ٤ الْفُتْيَا، فَلا٥. وَقَالَ الْمَجْدُ: يَجُوزُ الْفَرْضُ فِي بَعْضِ صُوَرِ الْمَسْأَلَةِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا٦ عِنْدَ عَامَّةِ الأُصُولِيِّينَ٧. وَقَالَ الْفَخْرُ إسْمَاعِيلُ: وَالْمُخْتَارُ جَوَازُ الْفَرْضِ مِنْ غَيْرِ بِنَاءٍ٨،

стр. 1929

وَعَلَيْهِ الاصْطِلاحُ لإِرْفَاقِ١ الْمُسْتَدِلِّ، وَتَقْرِيبِ الْفَائِدَةِ. وَاسْتُدِلَّ لِلْجَوَازِ بِأَنَّهُ قَدْ لا يُسَاعِدُهُ الدَّلِيلُ عَلَى الْكُلِّ، أَوْ يُسَاعِدُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ لا يُعَلَّلُ٢ عَلَى دَفْعِ كَلامِ الْخَصْمِ، بِأَنْ يَكُونَ كَلامُهُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ أَشْكَلَ. فَيَسْتَفِيدُ بِالْفَرْضِ غَرَضًا صَحِيحًا، وَلا يَفْسُدُ بِذَلِكَ جَوَابُهُ؛ لأَنَّ مَنْ سَأَلَ٣ عَنْ الْكُلِّ فَقَدْ سَأَلَ٤ عَنْ الْبَعْضِ. وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الأَوَّلُ فِي الْمَسْأَلَةِ. مِثَالُ ذَلِكَ: لَوْ قَالَ الْمُسْتَدِلُّ٥ عَنْ نُفُوذِ عِتْقِ الرَّاهِنِ: أَفْرُضُ الْكَلامَ فِي الْمُعْسِرِ، أَوْ عَنْ مَنْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا، أَوْ٦ أَفْرُضُهُ٧ فِي مَنْ زُوِّجَتْ٨ بِغَيْرِ كُفْءٍ. فَإِذَا خَصَّ الْمُسْتَدِلُّ تَزْوِيجَهَا٩ نَفْسَهَا مِنْ غَيْرِ الْكُفْءِ بِالدَّلِيلِ فَقَدْ فَرَضَ دَلِيلَهُ فِي بَعْضِ صُورَةِ النِّزَاعِ. الْمَذْهَبُ الثَّانِي: الْجَوَازُ بِشَرْطِ بِنَاءِ مَا خَرَجَ عَنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ

стр. 1930

إلَى مَحَلِّ الْفَرْضِ، أَيْ يَنْبَنِي١ غَيْرُ مَا فَرَضَهُ وَأَقَامَ الدَّلِيلَ عَلَيْهِ عَلَى مَا٢ فَرَضَهُ، اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ. الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: الْمَنْعُ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ فُورَكٍ، فَشَرَطَ أَنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ عَامًّا لِجَمِيعِ مَوَاقِعِ النِّزَاعِ؛ لِيَكُونَ مُطَابِقًا لِلسُّؤَالِ، وَدَافِعًا٣ لاعْتِرَاضِ الْخَصْمِ. الْمَذْهَبُ الرَّابِعُ: وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ٤ الْمَنْعُ إنْ كَانَ الْوَصْفُ الْمَجْعُولُ فِي الْفَرْضِ طَرْدًا، وَإِلاَّ قُبِلَ. وَعَلَى الْجَوَازِ وَهُوَ الصَّحِيحُ "يَكْفِي قَوْلُهُ" أَيْ قَوْلُ الْمُسْتَدِلِّ "ثَبَتَ الْحُكْمُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، فَلَزِمَ ثُبُوتُهُ فِي الْبَاقِي" ضَرُورَةً إذْ٥ لا قَائِلَ بِالْفَرْقِ. وَقِيلَ: لا يَكْفِيهِ ذَلِكَ، بَلْ يَحْتَاجُ إلَى رَدِّ مَا خَرَجَ عَنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ إلَى مَحَلِّ الْفَرْضِ بِجَامِعٍ صَحِيحٍ، كَمَا هُوَ قَاعِدَةُ الْقِيَاسِ.

стр. 1931

وَقِيلَ: إنْ كَانَ الْفَرْضُ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ فَلا يَحْتَاجُ إلَى الْبِنَاءِ، وَإِنْ عَدَلَ١ عَنْ الْفَرْضِ إلَى غَيْرِ مَحَلِّ السُّؤَالِ، فَلا بُدَّ حِينَئِذٍ مِنْ بِنَاءِ السُّؤَالِ عَلَى مَحَلِّ الْفَرْضِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ. "وَإِنْ أَتَى" الْمُسْتَدِلُّ "بِمَا لا أَثَرَ لَهُ فِي الأَصْلِ لِدَفْعِ٢ النَّقْضِ، لَمْ٣ يَجُزْ" عِنْدَنَا وَعِنْدَ الأَكْثَرِ. وَفِي٤ مُقَدِّمَةِ "الْمُجَرِّدِ٥"، وَيُحْتَمَلُ٦ أَنْ لا يَجُوزَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجُوزَ؛ لأَنَّهُ يُحْتَاجُ٧ إلَيْهِ لِتَعْلِيقِ٨ الْحُكْمِ بِالْوَصْفِ الْمُؤَثِّرِ. وَكَلامُ ابْنِ عَقِيلٍ: يَقْتَضِي أَنَّ لَهُ ذِكْرَهُ تَأْكِيدًا، أَوْ لِتَأْكِيدِ الْعِلَّةِ، فَيَتَأَكَّدُ الْحُكْمُ، وَلِلْبَيَانِ٩ وَلِتَقْرِيبِهِ مِنْ الأَصْلِ١٠. وَقَالَ: إنْ جَعَلَ الْوَصْفَ مُخَصِّصًا لِحُكْمِ الْعِلَّةِ، كَتَخْلِيلِ١١ الْخَمْرِ "مَائِعٌ لا يَطْهُرُ بِكَثْرَةٍ. فَكَذَا بِصَنْعَةِ آدَمِيٍّ؛ كَخَلٍّ نَجِسٍ، فَلا يَطْهُرُ

стр. 1932

الأَصْلُ مُطْلَقًا"١. التَّاسِعُ مِنْ الْقَوَادِحِ: "الْقَدْحُ فِي مُنَاسَبَةِ الْوَصْفِ" لِلْحُكْمِ الْمُسْتَدَلِّ عَلَيْهِ "بِمَا يَلْزَمُ" فِيهِ "مِنْ مَفْسَدَةٍ رَاجِحَةٍ" عَلَى الْمَصْلَحَةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا قُضِيَ عَلَيْهِ بِالْمُنَاسَبَةِ٢ "أَوْ مُسَاوِيَةٍ٣" لَهَا٤. وَذَلِكَ لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْمُنَاسَبَةَ تَنْخَرِمُ بِالْمُعَارَضَةِ. "وَجَوَابُهُ" أَيْ جَوَابُ هَذَا الْقَدْحِ "بِالتَّرْجِيحِ" أَيْ بِبَيَانِ تَرْجِيحِ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ الَّتِي هِيَ فِي الْعِلَّةِ عَلَى تِلْكَ الْمَفْسَدَةِ الَّتِي يُعْتَرَضُ بِهَا تَفْصِيلاً أَوْ٥ إجْمَالاً.

стр. 1933

أَمَّا تَفْصِيلاً: فَبِخُصُوصِ الْمَسْأَلَةِ بِأَنَّ هَذَا ضَرُورِيٌّ، وَذَاكَ حَاجِيٌّ، أَوْ بِأَنَّ هَذَا إفْضَاءٌ١ قَطْعِيٌّ أَوْ أَكْثَرِيٌّ، وَذَاكَ ظَنِّيٌّ أَوْ أَقَلِّيٌّ٢، أَوْ أَنَّ هَذَا اُعْتُبِرَ نَوْعُهُ فِي نَوْعِ الْحُكْمِ. وَذَاكَ اُعْتُبِرَ نَوْعُهُ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَأَمَّا إجْمَالاً: فَبِلُزُومِ٣ التَّعَبُّدِ لَوْلا اعْتِبَارُ الْمَصْلَحَةِ، وَقَدْ أَبْطَلْنَاهُ. مِثَالُهُ أَنْ يُقَالَ فِي الْفَسْخِ فِي الْمَجْلِسِ: وُجِدَ سَبَبُ الْفَسْخِ فَيُوجَدُ٤ الْفَسْخُ. وَذَاكَ دَفْعُ ضَرَرِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ. فَيُقَالَ: مُعَارَضٌ بِضَرَرِ٥ الآخَرِ. فَيُقَالُ٦: الآخَرُ يَجْلِبُ نَفْعًا وَهَذَا يَدْفَعُ ضَرَرًا، وَدَفْعُ الضَّرَرِ أَهَمُّ عِنْدَ الْعُقَلاءِ، وَلِذَلِكَ يُدْفَعُ كُلُّ ضَرَرٍ. وَلا يُجْلَبُ٧ كُلُّ نَفْعٍ. مِثَالٌ آخَرُ: إذَا قُلْنَا: التَّخَلِّي لِلْعِبَادَةِ أَفْضَلُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ. فَيُقَالُ: لَكِنَّهُ٨ يُفَوِّتُ أَضْعَافَ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ. مِنْهَا:

стр. 1934

إيجَادُ الْوَلَدِ، وَكَفُّ النَّظَرِ، وَكَسْرُ الشَّهْوَةِ، وَهَذِهِ أَرْجَحُ مِنْ مَصَالِحِ١ الْعِبَادَةِ. فَيُقَالُ: بَلْ مَصْلَحَةُ الْعِبَادَةِ أَرْجَحُ؛ لأَنَّهَا لِحِفْظِ الدِّينِ، وَمَا ذَكَرْتُمْ٢ لِحِفْظِ النَّسْلِ. الْعَاشِرُ مِنْ الْقَوَادِحِ: "الْقَدْحُ فِي إفْضَاءِ الْحُكْمِ" أَيْ فِي صَلاحِيَّةِ٣ إفْضَائِهِ "إلَى الْمَقْصُودِ" وَهُوَ الْمَصْلَحَةُ الْمَقْصُودَة مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ٤. "كَتَعْلِيلِ" أَيْ كَأَنْ يُعَلِّلَ الْمُسْتَدِلُّ٥ "حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ أَبَدًا" أَيْ عَلَى التَّأْبِيدِ٦ فِي حَقِّ الْمَحَارِمِ "بِالْحَاجَةِ إلَى رَفْعِ الْحِجَابِ" بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ الْمُؤَدِّي إلَى الْفُجُورِ "فَإِذَا تَأَبَّدَ٧" التَّحْرِيمُ انْسَدَّ بَابُ الطَّمَعِ الْمُفْضِي إلَى مُقَدِّمَاتِ الْهَمِّ وَالنَّظَرِ الْمُفْضِي إلَى الْفُجُورِ.

стр. 1935

"فَيَعْتَرِضُ" الْمُعْتَرِضُ "بِأَنَّ سَدَّهُ" أَيْ سَدَّ بَابِ النِّكَاحِ بِالتَّحْرِيمِ الْمُؤَبَّدِ "يُفْضِي إلَى الْفُجُورِ" بَلْ هُوَ أَشَدُّ إفْضَاءً؛ لأَنَّ النَّفْسَ تَمِيلُ إلَى الْمَمْنُوعِ، كَمَا١ قَالَ الشَّاعِرُ: وَالْقَلْبُ يَطْلُبُ مَنْ٢ يَجُورُ وَيَعْتَدِي وَالنَّفْسُ مَائِلَةٌ إلَى الْمَمْنُوعِ٣. "وَجَوَابُهُ" أَيْ جَوَابُ هَذَا الْقَدْحِ "أَنَّ التَّأْبِيدَ يَمْنَعُ عَادَةً" مِنْ ذَلِكَ بِانْسِدَادِ بَابِ الطَّمَعِ "فَيَصِيرُ" ذَلِكَ بِتَمَادِي الأَيَّامِ وَتَطَاوُلِ الأَمْرِ "طَبْعًا" أَيْ كَالطَّبِيعِيِّ٤ بِحَيْثُ لا يَبْقَى الْمَحَلُّ مُشْتَهًى، وَيَصِيرُ بِانْقِطَاعِ الطَّمَعِ فِيهِ "كَرَحِمِ مَحْرَمٍ". الْحَادِيَ عَشَرَ مِنْ الْقَوَادِحِ: "كَوْنُ الْوَصْفِ" الْمُعَلَّلِ بِهِ "خَفِيًّا٥.

стр. 1936

كَتَعْلِيلِهِ" أَيْ تَعْلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ "صِحَّةَ النِّكَاحِ بِالرِّضَى" وَتَعْلِيلِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ بِالْقَصْدِ١ فِي٢ الأَفْعَالِ الدَّالَّةِ عَلَى إزْهَاقِ النَّفْسِ. "فَيُعْتَرَضُ" عَلَى الْمُسْتَدِلِّ "بِأَنَّهُ" أَيْ الرِّضَى "خَفِيٌّ" وَالْحُكْمُ٣ الشَّرْعِيُّ خَفِيٌّ لاحْتِيَاجِهِ إلَى التَّعْرِيفِ بِالدَّلِيلِ "وَالْخَفِيُّ لا يُعَرِّفُ الْخَفِيَّ". "وَجَوَابُهُ" بِأَنْ يُبَيِّنَ٤ ظُهُورَهُ بِصِفَةٍ ظَاهِرَةٍ، وَهُوَ "ضَبْطُهُ" أَيْ ضَبْطُ الْوَصْفِ الَّذِي هُوَ الرِّضَى "بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ صِيغَةٍ، كَإِيجَابٍ وَقَبُولٍ، أَوْ" ضَبْطِ الْقَصْدِ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ عَادَةً مِنْ "فِعْلٍ" كَاسْتِعْمَالِ الْجَارِحِ أَوْ غَيْرِهِ فِي إزْهَاقِ النَّفْسِ. الثَّانِي عَشَرَ مِنْ الْقَوَادِحِ: "كَوْنُهُ" أَيْ كَوْنُ الْوَصْفِ "غَيْرَ مُنْضَبِطٍ" بِأَنْ كَانَ مُضْطَرِبًا٥.

стр. 1937

"كَتَعْلِيلِهِ" أَيْ تَعْلِيلِ١ الْمُسْتَدِلِّ "بِالْحِكَمِ" جَمْعُ حِكْمَةٍ "وَالْمَقَاصِدِ" جَمْعُ مَقْصِدٍ "كَ" تَعْلِيلِ "رُخَصِ السَّفَرِ" وَهِيَ إبَاحَةُ الْفِطْرِ فِيهِ، وَالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ وَغَيْرِهِمَا "بِالْمَشَقَّةِ". "فَيُعْتَرَضُ" عَلَيْهِ "بِاخْتِلافِهَا" أَيْ اخْتِلافِ٢ الْمَشَقَّةِ "بِالأَشْخَاصِ وَالأَزْمَانِ وَالأَحْوَالِ" فَلا يُمْكِنُ تَعْيِينُ الْقَدْرِ الْمَقْصُودِ مِنْهَا. "وَجَوَابُهُ" أَيْ جَوَابُ هَذَا الاعْتِرَاضِ "بِأَنَّهُ" أَيْ الْوَصْفَ "مُنْضَبِطٌ بِنَفْسِهِ" كَمَا تَقُولُ فِي الْمَشَقَّةِ وَالْمَضَرَّةِ: إنَّ ذَلِكَ مُنْضَبِطٌ عُرْفًا، بِنَاءً عَلَى جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِالْحِكْمَةِ إذَا انْضَبَطَتْ "أَوْ" مُنْضَبِطٌ٣ "بِضَابِطٍ لِلْحِكْمَةِ" بِأَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ هِيَ٤ الْوَصْفُ الْمُنْضَبِطُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى الْحِكْمَةِ، كَالْمَشَقَّةِ فِي السَّفَرِ وَالزَّجْرِ بِالْحَدِّ. الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ الْقَوَادِحِ: "النَّقْضُ٥.

стр. 1938

كَـ" قَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ "الْحُلِيُّ مَالٌ غَيْرُ نَامٍ فَلا زَكَاةَ فِيهِ، كَثِيَابِ الْبِذْلَةِ. فَيُعْتَرَضُ" عَلَيْهِ "بِالْحُلِيِّ الْمُحَرَّمِ". "وَجَوَابُهُ" أَيْ جَوَابُ هَذَا الاعْتِرَاضِ: إمَّا "بِمَنْعِ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ" لأَنَّ النَّقْضَ إنَّمَا١ يَتَحَقَّقُ بِوُجُودِ الْعِلَّةِ وَتَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنْهَا. فَإِذَا مُنِعَ وُجُودُ الْعِلَّةِ لَمْ يَتَحَقَّقْ النَّقْضُ. وَإِنَّمَا تَخَلَّفَ الْحُكْمُ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ لِعَدَمِ عِلَّتِهِ، فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ عِلَّتِهِ عَكْسًا٢، وَهُوَ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ لانْتِفَائِهَا، كَقَوْلِهِ: لا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحُلِيَّ كَثِيَابِ الْبِذْلَةِ. وَيُبَرْهِنُ عَلَى ذَلِكَ. "أَوْ" يَكُونَ جَوَابُهُ "بِمَنْعِ وُجُودِ الْحُكْمِ فِيهَا" أَيْ فِي صُورَةِ النَّقْضِ. فَيَقُولُ: حُكْمُ ثِيَابِ الْبِذْلَةِ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الْحُلِيِّ، وَيُبَيِّنُ

стр. 1939

الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا. "وَ" إذَا مَنَعَ الْمُسْتَدِلُّ وُجُودَ الْعِلَّةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ، فَ١ "لَيْسَ لِلْمُعْتَرِضِ الدَّلالَةُ عَلَى وُجُودِ الْعِلَّةِ فِيهَا" أَيْ فِي صُورَةِ النَّقْضِ. وَهَذَا الصَّحِيحُ، وَعَلَيْهِ الأَكْثَرُ٢. وَذَلِكَ؛ لأَنَّهَا انْتِقَالٌ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ الْمُعْتَرِضُ مُسْتَدِلاًّ، فَهُوَ قَلْبٌ لِقَاعِدَةِ الْمُصْطَلَحِ؛ لِكَوْنِهِ يَبْقَى مُسْتَدِلاًّ وَالْمُسْتَدِلُّ مُعْتَرِضًا. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الشَّافِعِيُّ: إلاَّ أَنْ يُبَيِّنَ٣ مَذْهَبَ الْمَانِعِ. وَقِيلَ: لَهُ ذَلِكَ وَيُمْكِنُ؛ لأَنَّ فِيهِ تَحْقِيقًا لاعْتِرَاضِهِ بِالنَّقْضِ. وَاخْتَارَهُ الآمِدِيُّ٤ إنْ تَعَذَّرَ الاعْتِرَاضُ بِغَيْرِهِ. وَاخْتَارَهُ بَعْضُهُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ٥ طَرِيقٌ أَوْلَى بِالْقَدْحِ٦ مِنْ النَّقْضِ، تَحْقِيقًا لِفَائِدَةِ الْمُنَاظَرَةِ.

стр. 1940

"وَ" قَالَ أَهْلُ الْجَدَلِ١ وَجَمْعٌ مِنْهُمْ الآمِدِيُّ٢ "لَوْ دَلَّ الْمُسْتَدِلُّ عَلَى وُجُودِهَا" أَيْ وُجُودِ الْعِلَّةِ "بِدَلِيلٍ مَوْجُودٍ فِي صُورَةِ النَّقْضِ" فَنَقَضَ الْمُعْتَرِضُ الْعِلَّةَ، فَمَنَعَ الْمُسْتَدِلُّ وُجُودَ٣ الْعِلَّةِ فِي مَحَلِّ النَّقْضِ "فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ: يَنْتَقِضُ دَلِيلُك" حِينَئِذٍ؛ لأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي مَحَلِّ النَّقْضِ، وَالْعِلَّةُ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِيهِ عَلَى زَعْمِك "فَقَدْ انْتَقَلَ" الْمُعْتَرِضُ "مِنْ نَقْضِهَا" أَيْ نَقْضِ الْعِلَّةِ "إلَى نَقْضِ دَلِيلِهَا فَلا يُقْبَلُ". "وَيَكْفِي الْمُسْتَدِلَّ دَلِيلٌ يَلِيقُ بِأَصْلِهِ" وَمَثَّلُوا لِذَلِكَ٤ بِقَوْلِ الْحَنَفِيِّ فِي مَسْأَلَةِ تَبْيِيتِ النِّيَّةِ: أَتَى بِمُسَمَّى٥ الصَّوْمِ. فَيَصِحُّ كَمَا فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ. وَاسْتُدِلَّ عَلَى وُجُودِ الصَّوْمِ بِأَنَّهُ إمْسَاكٌ مَعَ النِّيَّةِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ. فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: تَنْتَقِضُ الْعِلَّةُ بِمَا إذَا نَوَى بَعْدَ الزَّوَالِ، فَيَقُولُ الْمُسْتَدِلُّ: لا نُسَلِّمُ وُجُودَ الْعِلَّةِ فِيمَا إذَا نَوَى بَعْدَ الزَّوَالِ، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: يَنْتَقِضُ دَلِيلُك الَّذِي اسْتَدْلَلْت بِهِ عَلَى وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي مَحَلِّ التَّعْلِيلِ.

стр. 1941

قَالَ١ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي مُخْتَصَرِهِ: وَفِيهِ نَظَرٌ٢؛ لأَنَّ الْمُعْتَرِضَ فِي مَعْرِضِ الْقَدْحِ فِي الْعِلَّةِ، فَتَارَةً يَقْدَحُ فِيهَا، وَتَارَةً يَقْدَحُ فِي دَلِيلِهَا، وَالانْتِقَالُ مِنْ الْقَدْحِ فِي الْعِلَّةِ إلَى الْقَدْحِ فِي دَلِيلِهَا جَائِزٌ، وَالانْتِقَالُ الَّذِي لا يَكُونُ جَائِزًا: هُوَ الانْتِقَالُ مِنْ الاعْتِرَاضِ إلَى الاسْتِدْلالِ. "وَلَوْ قَالَ" الْمُعْتَرِضُ "ابْتِدَاءً: يَلْزَمُك انْتِقَاضُ عِلَّتِك، أَوْ" انْتِقَاضُ "دَلِيلِهَا: قُبِلَ" مِنْهُ ذَلِكَ. لأَنَّ هَذَا٣ دَعْوَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ فَكَأَنَّهُ٤ قَالَ٥: يَلْزَمُك أَحَدُ أَمْرَيْنِ٦: إمَّا انْتِقَاضُ عِلَّتِك، وَإِمَّا انْتِقَاضُ دَلِيلِهَا. وَكَيْفَ٧ كَانَ فَلا تَثْبُتُ الْعِلَّةُ كَانَ٨ مَسْمُوعًا بِاتِّفَاقٍ٩. قَالَ الأَصْفَهَانِيُّ: أَمَّا إذَا قَالَ ابْتِدَاءً: يَلْزَمُك إمَّا انْتِقَاضُ عِلَّتِك، أَوْ انْتِقَاضُ دَلِيلِ عِلَّتِك؛ لأَنَّك إنْ١٠ اعْتَقَدْت وُجُودَ

стр. 1942

الْعِلَّةِ فِي مَحَلِّ النَّقْضِ١ انْتَقَضَتْ عِلَّتُك٢. وَإِنْ اعْتَقَدْت عَدَمَ الْعِلَّةِ فِي مَحَلِّ النَّقْضِ: انْتَقَضَ دَلِيلُك. كَانَ مُتَّجَهًا مَسْمُوعًا. "وَلَوْ مَنَعَ الْمُسْتَدِلُّ تَخَلُّفَ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ" فَعَلَى الأَصَحِّ "لَمْ يُمْكِنْ الْمُعْتَرِضُ أَنْ يَدُلَّ عَلَيْهِ" أَيْ عَلَى تَخَلُّفِ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ. وَقِيلَ: يُمْكِنُ مُطْلَقًا. وَقِيلَ: يُمْكِنُ٣ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ أَوْلَى بِالْقَدْحِ مِنْ النَّقْضِ. مِثَالُ ذَلِكَ: قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي مَسْأَلَةِ الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ: ثَيِّبٌ فَلا تُجْبَرُ، كَالثَّيِّبِ الْكَبِيرَةِ، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: يَنْتَقِضُ بِالثَّيِّبِ الْمَجْنُونَةِ. فَيَقُولُ الْمُسْتَدِلُّ: لا نُسَلِّمُ جَوَازَ٤ إجْبَارِ الثَّيِّبِ الْمَجْنُونَةِ. وَقَالَ ابْنُ بُرْهَانٍ: إنْ مَنَعَ الْحُكْمَ انْقَطَعَ النَّاقِضُ، وَإِنْ مَنَعَ الْوَصْفَ فَلا يَنْقَطِعُ٥ فَيَدُلُّ٦ عَلَيْهِ. وَحَكَاهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا٧

стр. 1943

عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ وَابْنِ عَقِيلٍ. وَعَلَّلَهُ فِي التَّمْهِيدِ بِأَنَّهُ بَيَانٌ لِلنَّقْضِ لا مِنْ جِهَةِ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ، فَجَازَ. "وَيَكْفِي الْمُسْتَدِلَّ" فِي دَفْعِ النَّقْضِ أَنْ يَقُولَ "لا أَعْرِفُ الرِّوَايَةَ فِيهَا" ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا١، لِلشَّكِّ فِي كَوْنِهَا مِنْ مَذْهَبِهِ؛ إذْ دَلِيلُهُ صَحِيحٌ. فَلا يَبْطُلُ بِمَشْكُوكٍ فِيهِ. "وَإِنْ قَالَ" الْمُسْتَدِلُّ: "أَنَا أَحْمِلُهَا عَلَى مُقْتَضَى الْقِيَاسِ، وَأَقُولُ فِيهَا كَمَسْأَلَةِ الْخِلافِ. مُنِعَ٢"؛ لأَنَّهُ إثْبَاتُ مَذْهَبٍ بِالْقِيَاسِ "إلاَّ إنْ نَقَلَ عَنْ إمَامِهِ" أَيْ إمَامِ الْمُسْتَدِلِّ "أَنَّهُ عَلَّلَ بِهَا٣، فَيُجْرِيهَا" عَلَى حُكْمِ تَعْلِيلِ إمَامِهِ٤. "وَإِنْ فَسَّرَ الْمُسْتَدِلُّ لَفْظَهُ بِدَافِعٍ" أَيْ بِمَعْنًى دَافِعٍ "لِلنَّقْضِ غَيْرِ ظَاهِرِهِ" أَيْ ظَاهِرِ اللَّفْظِ "كَـ" تَفْسِيرِ لَفْظٍ "عَامٍّ بِـ" مَعْنًى "خَاصٍّ لَمْ يُقْبَلْ" ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَقِيلٍ٥ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ٦؛ لأَنَّهُ يُزِيدُ وَصَفًّا لَمْ

стр. 1944

يَكُنْ، وَذِكْرُهُ لِلْعِلَّةِ وَقْتَ حَاجَتِهِ، فَلا يُؤَخَّرُ عَنْهُ، بِخِلافِ تَأْخِيرِ الشَّارِعِ الْبَيَانَ عَنْ وَقْتِ خِطَابِهِ١. وَظَاهِرُ كَلامِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا: يُقْبَلُ. "وَلَوْ أَجَابَ" الْمُسْتَدِلُّ "بِتَسْوِيَةٍ بَيْنَ أَصْلٍ وَفَرْعٍ لِدَفْعِهِ" أَيْ لأَجْلِ دَفْعِ٢ النَّقْضِ٣ "قُبِلَ" عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا٤ وَالْحَنَفِيَّةِ. وَمَنَعَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَابْنُ عَقِيلٍ. وَذَكَرَهُ عَنْ الْمُحَقِّقِينَ٥. وَأَجَازَهُ أَبُو الْخَطَّابِ إنْ جَازَ تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ؛ لأَنَّ الطَّرْدَ لَيْسَ شَرْطًا لْعِلَّةِ إذًا. فَإِنْ قِيلَ: مِنْ شَرْطِ الْقِيَاسِ أَنْ لا يَسْتَوِيَ الأَصْلُ وَالْفَرْعُ، رُدَّ بِأَنَّهُ بَاطِلٌ. مِثَالُهُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ: عُضْوٌ يَسْقُطُ فِي التَّيَمُّمِ، فَمَسَحَ حَائِلَهُ كَالْقَدَمِ، فَيَنْتَقِضُ٦ بِالرَّأْسِ فِي الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى، فَيُجِيبُهُ٧: يَسْتَوِي فِيهَا الأَصْلُ وَالْفَرْعُ.

стр. 1945

وَمِثْلُ ذَلِكَ: بَائِنٌ مُعْتَدَّةٌ فَلَزِمَهَا الإِحْدَادُ، كَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، فَيَنْتَقِضُ بِالذِّمِّيَّةِ وَالصَّغِيرَةِ، فَيُجِيبُهُ بِالتَّسْوِيَةِ. "وَلا يُلْزِمُ" الْمُسْتَدِلَّ "بِمَا لا يَقُولُ بِهِ" أَيْ بِشَيْءٍ لا يَعْتَقِدُ صِحَّتَهُ "الْمُعْتَرِضُ كَمَفْهُومٍ، وَقِيَاسٍ، وَقَوْلِ" أَيْ مَذْهَبِ "صَحَابِيٍّ"؛ لأَنَّهُ احْتَجَّ وَأَثْبَتَ الْحُكْمَ بِلا دَلِيلٍ، وَلاتِّفَاقِهِمَا عَلَى تَرْكِهِ؛ لأَنَّ أَحَدَهُمَا لا يَرَاهُ دَلِيلاً. وَالآخَرُ لَمَّا خَالَفَهُ دَلَّ عَلَى دَلِيلٍ أَقْوَى مِنْهُ "إلاَّ النَّقْضَ وَالْكَسْرَ عَلَى قَوْلِ مَنْ الْتَزَمَهُمَا١"؛ لأَنَّ النَّاقِضَ لَمْ يَحْتَجَّ بِالنَّقْضِ، وَلا أَثْبَتَ الْحُكْمَ بِهِ، وَلاتِّفَاقِهِمَا عَلَى فَسَادِ الْعِلَّةِ٢ عَلَى أَصْلِ الْمُسْتَدِلِّ بِصُورَةِ الإِلْزَامِ، وَعَلَى أَصْلِ الْمُعْتَرِضِ بِمَحَلِّ النِّزَاعِ. ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا٣ وَالشَّافِعِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ. وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ مُعَارَضَتَهُ بِعِلَّةٍ مُنْتَقَضَةٍ عَلَى أَصْلِ الْمُعْتَرِضِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إنْ احْتَجَّ بِمَا لا يَرَاهُ، كَحَنَفِيٍّ بِخَبَرٍ وَاحِدٍ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى. فَقَالَ: أَنْتَ لا تَقُولُ بِهِ، فَأَجَابَ: أَنْتَ تَقُولُ بِهِ، فَيَلْزَمُك. فَهَذَا٤ قَدْ اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَعِنْدِي لا يَحْسُنُ مِثْلُ هَذَا؛ لأَنَّهُ إذًا إنَّمَا هُوَ مُسْتَدِلٌّ صُورَةً.

стр. 1946

قَالَ: وَمَنْ نَصَرَ الأَوَّلَ قَالَ: عَلَى هَذَا لا يَحْسُنُ بِنَا أَنْ نَحْتَجَّ عَلَى نُبُوَّةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ بِالتَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ الْمُبَدَّلَيْنِ، لَكِنْ نَحْتَجُّ بِهِ١ عَلَى٢ أَهْلِ الْكِتَابِ لِتَصْدِيقِهِمْ بِهِ٣ اهـ. "وَإِنْ نَقَضَ أَحَدُهُمَا" أَيْ الْمُسْتَدِلُّ وَالْمُعْتَرِضُ "عِلَّةَ الآخَرِ بِأَصْلِ نَفْسِهِ" لَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَصْحَابِنَا٤ وَالشَّافِعِيَّةِ. "أَوْ زَادَ الْمُسْتَدِلُّ وَصْفًا مَعْهُودًا مَعْرُوفًا فِي الْعِلَّةِ لَمْ يَجُزْ" ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي التَّمْهِيدِ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْوَاضِحِ٥. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ، وِفَاقًا لِبَعْضِ الْجَدَلِيِّينَ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ.

стр. 1947

"وَإِنْ نَقَضَ" الْمُعْتَرِضُ دَلِيلَ الْمُسْتَدِلِّ "بِ" نَاقِضٍ "مَنْسُوخٍ، أَوْ بِ" حُكْمٍ "خَاصٍّ بِهِ" أَيْ بِالنَّبِيِّ " ﷺ أَوْ" نَقَضَهُ "بِرُخْصَةٍ ثَابِتَةٍ عَلَى خِلافِ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ، أَوْ" نَقَضَهُ "بِمَوْضِعِ اسْتِحْسَانٍ رُدَّ" نَقْضُهُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا١ وَالشَّافِعِيَّةِ. إلاَّ أَنَّ أَبَا الْخَطَّابِ قَالَ فِي نَقْضِ الْعِلَّةِ بِمَوْضِعِ الاسْتِحْسَانِ: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ. وَمَثَّلَهُ بِمَا إذَا سَوَّى بَيْنَ الْعَمْدِ وَالسَّهْوِ فِيمَا يُبْطِلُ الْعِبَادَةَ، فَيَنْتَقِضُ٢ بِأَكْلِ الصَّائِمِ سَهْوًا. وَفِي الْوَاضِحِ لابْنِ عَقِيلٍ عَنْ٣ أَصْحَابِنَا وَالشَّافِعِيَّةِ لا نَقْضَ بِمَوْضِعِ اسْتِحْسَانٍ٤. وَمَثَّلَ٥ بِهَذَا ثُمَّ قَالَ: يَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: النَّصُّ دَلَّ عَلَى انْتِقَاضِهِ، فَيَكُونُ آكَدَ لِلنَّقْضِ. وَعِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ٦: تَنْتَقِضُ الْمُسْتَنْبَطَةُ إنْ لَمْ يُبَيِّنْ مَانِعًا، كَالنَّقْضِ بِالْعَرَايَا فِي الرِّبَا، وَإِيجَابِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ؛ لاقْتِضَاءِ الْمَصْلَحَةِ الْخَاصَّةِ ذَلِكَ٧، أَوْ لِدَفْعِ مَفْسَدَةٍ آكَدَ، كَحِلِّ

стр. 1948

الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ إذَا نَقَضَ بِهَا عِلَّةَ تَحْرِيمِ النَّجَاسَةِ. "وَيَجِبُ أَنْ يَحْتَرِزَ الْمُسْتَدِلُّ فِي دَلِيلِهِ عَنْ النَّقْضِ"١ اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْوَاضِحِ، وَالْمُوَفَّقُ فِي الرَّوْضَةِ٢، وَالطُّوفِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ٣ وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ، وَذَكَرَهُ عَنْ مُعْظَمِ الْجَدَلِيِّينَ، لِقُرْبِهِ مِنْ الضَّبْطِ، وَدَفْعِ انْتِشَارِ الْكَلامِ وَسَدِّ بَابِهِ فَكَانَ وَاجِبًا لِمَا فِيهِ مِنْ صِيَانَةِ الْكَلامِ عَنْ التَّبْدِيلِ. وَقِيلَ: لا يَجِبُ مُطْلَقًا. وَقِيلَ: يَجِبُ إلاَّ فِي نَقْضٍ وَطَرْدٍ بِطَرِيقِ الاسْتِثْنَاءِ، وَهِيَ مَا يَرِدُ عَلَى كُلِّ عِلَّةً. "وَإِنْ احْتَرَزَ عَنْهُ" أَيْ عَنْ النَّقْضِ "بِشَرْطٍ ذَكَرَهُ فِي الْحُكْمِ" نَحْوُ: حُرَّانِ مُكَلَّفَانِ مَحْقُونَا الدَّمِ، فَيَجِبُ الْقَوَدُ بَيْنَهُمَا كَالْمُسْلِمِينَ "صَحَّ" ذَلِكَ فِي الأَصَحِّ٤؛ لأَنَّ الشَّرْطَ الْمُتَأَخِّرَ مُتَقَدِّمٌ فِي الْمَعْنَى كَتَقْدِيمِ الْمَفْعُولِ عَلَى الْفَاعِلِ. وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ. وَقِيلَ: لا يَصِحُّ؛ لاعْتِرَافِهِ بِالنَّقْضِ، فَإِنَّ الْحُكْمَ يَتَخَلَّفُ عَنْ الأَوْصَافِ فِي الْخَطَأ.

стр. 1949

"وَإِنْ احْتَرَزَ" الْمُسْتَدِلُّ "بِحَذْفِ الْحُكْمِ لَمْ يَصِحَّ" قَالَهُ١ أَبُو الْخَطَّابِ. كَقَوْلِ حَنَفِيٍّ فِي الإِحْدَادِ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ: بَائِنٌ كَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا. فَيَنْتَقِضُ٢ بِصَغِيرَةٍ وَذِمِّيَّةٍ. فَيَقُولُ: قَصَدْتُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا. فَيُقَالُ: التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا حُكْمٌ، فَيَحْتَاجُ إلَى أَصْلٍ يُقَاسُ عَلَيْهِ. الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ الْقَوَادِحِ: "الْكَسْرُ"٣. وَهُوَ "كَالنَّقْضِ". قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: الْكَسْرُ: نَقْضُ الْمَعْنَى. وَالْكَلامُ فِيهِ كَالنَّقْضِ، وَقَدْ سَبَقَ. قَالَ فِي التَّمْهِيدِ: يُشْبِهُ الْكَسْرُ مِنْ الأَسْئِلَةِ الْفَاسِدَةِ قَوْلَهُمْ: لَوْ كَانَ هَذَا عِلَّةً فِي كَذَا لَكَانَ عِلَّةً فِي كَذَا، نَحْوَ: لَوْ مَنَعَ عَدَمُ الرُّؤْيَةِ صِحَّةَ الْبَيْعِ مَنَعَ النِّكَاحَ.

стр. 1950

وَيُشْبِهُ ذَلِكَ قَوْلَهُمْ١ أَخَذْت النَّفْيَ مِنْ الإِثْبَاتِ أَوْ بِالْعَكْسِ، فَلَمْ يَجُزْ كَالْقَوْلِ فِي الْمَوْطُوءَةِ مَغْلُوبَةٌ مَا فَطَّرَهَا مَعَ الْعَمْدِ؟ لَمْ يُفْطِرْهَا مَغْلُوبَةً كَالْقَيْءِ٢. وَجَوَابُهُ: يَجُوزُ لِتَضَادِّ حُكْمِهِمَا٣ لِلاخْتِيَارِ وَعَدَمِهِ. وَلِهَذَا٤ لِلشَّارِعِ تَفْرِيقُ الْحُكْمِ بِهِمَا. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: هَذَا اسْتِدْلالٌ بِالتَّابِعِ عَلَى الْمَتْبُوعِ، فَلَمْ يَجُزْ بِخِلافِ الْعَكْسِ. كَقَوْلِنَا فِي نِكَاحٍ٥ مَوْقُوفٍ: نِكَاحٌ لا تَتَعَلَّقُ٦ بِهِ أَحْكَامُهُ الْمُخْتَصَّةُ بِهِ كَالْمُتْعَةِ. فَيُقَالُ: الأَحْكَامُ تَابِعَةٌ وَالْعَقْدُ مَتْبُوعٌ، فَهَذَا فَاسِدٌ بِدَلِيلِ بَقِيَّةِ الأَنْكِحَةِ. وَتَنَاقَضُوا فَأَبْطَلُوا ظِهَارَ الذِّمِّيِّ وَيَمِينَهُ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامُهُ الْمُخْتَصَّةُ٧؛ لِبُطْلانِ تَكْفِيرِهِ، وَهُوَ فَرْعُ يَمِينِهِ. الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ الْقَوَادِحِ: "الْمُعَارَضَةُ فِي الأَصْلِ" ٨.

стр. 1951

وَهُوَ١ أَنْ يُبْدِيَ الْمُعْتَرِضُ مَعْنًى آخَرَ يَصْلُحُ لِلْعِلِّيَّةِ غَيْرَ مَا عَلَّلَ بِهِ الْمُسْتَدِلُّ. وَهُوَ٢ إمَّا أَنْ يَكُونَ٣ "بِمَعْنًى آخَرَ مُسْتَقِلٍّ" بِالتَّعْلِيلِ. كَمَا لَوْ عَلَّلَ الشَّافِعِيُّ تَحْرِيمَ رِبَا الْفَضْلِ فِي الْبُرِّ بِالطُّعْمِ، فَعَارَضَهُ الْحَنَفِيُّ بِتَعْلِيلِ تَحْرِيمِهِ بِالْكَيْلِ أَوْ الْجِنْسِ أَوْ الْقُوتِ. "أَوْ" تَكُونُ الْمُعَارَضَةُ بِمَعْنًى آخَرَ "غَيْرِ مُسْتَقِلٍّ" بِالتَّعْلِيلِ. وَلَكِنَّهُ دَاخِلٌ فِيهِ وَصَالِحٌ لَهُ كَمَا لَوْ عَلَّلَ الشَّافِعِيُّ وُجُوبَ الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ بِالْمُثَقَّلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ. فَعَارَضَهُ الْحَنَفِيُّ بِتَعْلِيلِ وُجُوبِهِ بِالْجَارِحِ. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْجَدَلِيُّونَ فِي قَبُولِ هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ. "وَالثَّانِي" وَهُوَ كَوْنُ الْمُعَارَضَةِ بِمَعْنًى غَيْرِ مُسْتَقِلٍّ بِالتَّعْلِيلِ "مَقْبُولٌ" عِنْدَ الْجُمْهُورِ؛ لِئَلاَّ يَلْزَمَ التَّحَكُّمُ؛ لأَنَّ وَصْفَ٤ الْمُسْتَدِلِّ٥ لَيْسَ بِأَوْلَى بِكَوْنِهِ جُزْءًا أَوْ مُسْتَقِلاًّ.

стр. 1952

فَإِنْ رَجَحَ اسْتِقْلالُهُ بِتَوْسِعَةِ الْحُكْمِ فِي الأَصْلِ وَالْفَرْعِ فَتَكْثُرُ الْفَائِدَةُ. فَلِلْمُعْتَرِضِ مَنْعُ دَلالَةِ الاسْتِقْلالِ عَلَيْهَا، ثُمَّ لَهُ مُعَارَضَتُهُ بِأَنَّ الأَصْلَ انْتِفَاءُ الأَحْكَامِ١، وَبِاعْتِبَارِهِمَا مَعًا فَهُوَ أَوْلَى. قَالُوا: يَلْزَمُ مِنْهُ اسْتِقْلالُهُمَا بِالْعِلِّيَّةِ فَيَلْزَمُ تَعَدُّدُ الْعِلَّةِ الْمُسْتَقِلَّةِ٢. رُدَّ بِالْمَنْعِ لِجَوَازِ اعْتِبَارِهِمَا مَعًا٣، كَمَا لَوْ أَعْطَى قَرِيبًا عَالِمًا. "وَلا يَلْزَمُ الْمُعْتَرِضَ بَيَانُ نَفْيِ وَصْفِ الْمُعَارَضَةِ عَنْ٤ الْفَرْعِ". هَذَا بَحْثٌ يَتَفَرَّعُ٥ عَلَى قَبُولِ الْمُعَارَضَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ هَلْ يَلْزَمُ الْمُعْتَرِضَ بَيَانُ أَنَّ٦ الْوَصْفَ الَّذِي أَبْدَيْته مُنْتَفٍ فِي الْفَرْعِ أَوْ لا؟ فَاَلَّذِي قَدَّمَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ وَتَبِعَهُ فِي التَّحْرِيرِ: أَنَّهُ لا يَلْزَمُهُ؛ لأَنَّ غَرَضَهُ عَدَمُ اسْتِقْلالِ مَا ادَّعَى الْمُسْتَدِلُّ أَنَّهُ مُسْتَقِلٌّ، وَهَذَا الْقَدْرُ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ إبْدَائِهِ. وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ؛ لأَنَّهُ قَصَدَ الْفَرْقَ، وَلا يَتِمُّ إلاَّ بِهِ.

стр. 1953

قَالَ الْعَضُدُ: وَقِيلَ: إنْ تَعَرَّضَ لِعَدَمِهِ فِي الْفَرْعِ صَرِيحًا لَزِمَهُ بَيَانُهُ وَإِلاَّ فَلا، وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ. أَمَّا إنَّهُ إذَا لَمْ يُصَرِّحْ [بِهِ] ١ فَلَيْسَ عَلَيْهِ بَيَانُهُ: فَلأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِمَا لا يَتِمُّ الدَّلِيلُ مَعَهُ، وَهَذَا غَرَضُهُ، لا بَيَانُ عَدَمِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ، حَتَّى لَوْ ثَبَتَ٢ بِدَلِيلٍ آخَرَ لَمْ يَكُنْ إلْزَامًا لَهُ، وَرُبَّمَا سَلَّمَهُ. وَأَمَّا أَنَّهُ إذَا صَرَّحَ بِهِ [لَزِمَهُ] ٣: فَلأَنَّهُ الْتَزَمَ أَمْرًا وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً، فَيَلْزَمُهُ بِالْتِزَامِهِ٤، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِمَا الْتَزَمَهُ٥ ٦ "وَلا يَحْتَاجُ وَصْفُهَا" أَيْ الْمُعَارَضَةَ "إلَى أَصْلٍ". هَذَا بَحْثٌ آخَرُ يَتَفَرَّعُ٧ عَلَى قَبُولِ الْمُعَارَضَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ: هَلْ يَحْتَاجُ الْمُعَارِضُ إلَى أَصْلٍ يُبَيِّنُ تَأْثِيرَ وَصْفِهِ الَّذِي أَبْدَاهُ فِي٨ ذَلِكَ الأَصْلِ، حَتَّى يُقْبَلَ مِنْهُ، بِأَنْ يَقُولَ: الْعِلَّةُ الطُّعْمُ دُونَ الْقُوتِ - كَمَا فِي الْمِلْحِ - أَمْ٩ لا؟.

стр. 1954

وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: أَنَّهُ لا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ؛ لأَنَّ حَاصِلَ١ هَذَا الاعْتِرَاضِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إمَّا نَفْيُ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ بِعِلَّةِ الْمُسْتَدِلِّ، وَيَكْفِيهِ أَنَّهُ٢ لا يُثْبِتُ عِلِّيَّتَهَا بِالاسْتِقْلالِ٣، وَلا يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إلَى٤ أَنْ يُثْبِتَ عِلِّيَّةَ مَا أَبْدَاهُ بِالاسْتِقْلالِ. فَإِنَّ كَوْنَهُ جُزْءَ الْعِلَّةِ يُحَصِّلُ مَقْصُودَهُ فَقَدْ لا يَكُونُ عِلَّةً فَلا يُؤَثِّرُ فِي أَصْلٍ أَصْلاً. وَإِمَّا صَدُّ٥ الْمُسْتَدِلِّ عَنْ التَّعْلِيلِ بِذَلِكَ الْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ لِجَوَازِ أَنَّ تَأْثِيرَ هَذَا و٦َالاحْتِمَالِ كَافٍ، فَهُوَ لا يَدَّعِي عِلِّيَّتَهُ٧، حَتَّى يَحْتَاجَ شَهَادَةَ أَصْلٍ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ أَصْلَ الْمُسْتَدِلِّ أَصْلُهُ؛ لأَنَّهُ كَمَا يَشْهَدُ لِوَصْفِ الْمُسْتَدِلِّ بِالاعْتِبَارِ؛ كَذَلِكَ يَشْهَدُ لِوَصْفِ الْمُعْتَرِضِ بِالاعْتِبَارِ٨؛ لأَنَّ الْوَصْفَيْنِ مَوْجُودَانِ٩ فِيهِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ مَوْجُودٌ، بِأَنْ

стр. 1955

يَقُولَ: الْعِلَّةُ الطُّعْمُ أَوْ الْكَيْلُ أَوْ كِلاهُمَا. كَمَا فِي الْبُرِّ بِعَيْنِهِ، فَإِذًا مُطَالَبَتُهُ بِأَصْلٍ مُطَالَبَةٌ١ لَهُ٢ بِمَا قَدْ تَحَقَّقَ حُصُولُهُ فَلا فَائِدَةَ فِيهِ. "وَجَوَابُهَا٣" أَيْ جَوَابُ الْمُعَارَضَةِ٤ لَهُ وُجُوهٌ: الأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ "بِمَنْعِ وُجُودِ الْوَصْفِ" مِثْلَ أَنْ يُعَارِضَ الْقُوتَ بِالْكَيْلِ. فَيَقُولَ٥: لا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مَكِيلٌ؛ لأَنَّ الْعِبْرَةَ بِعَادَةِ زَمَنِ الرَّسُولِ ﷺ وَكَانَ حِينَئِذٍ مَوْزُونًا. " وَالثَّانِي " مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "أَوْ الْمُطَالَبَةُ" أَيْ مُطَالَبَةُ الْمُسْتَدِلِّ الْمُعَارِضَ "بِتَأْثِيرِهِ" أَيْ يَكُونُ٦ وَصْفُ الْمُعَارِضِ٧ مُؤَثِّرًا. وَمَحَلُّهُ٨ "إنْ أَثْبَتَ" الْمُسْتَدِلُّ الْوَصْفَ "بِمُنَاسَبَةٍ أَوْ بِشَبَهٍ٩" حَتَّى يَحْتَاجَ الْمُعَارِضُ فِي مُعَارَضَتِهِ إلَى بَيَانِ ١٠مُنَاسَبَةٍ أَوْ شَبَهٍ "لا" إنْ أَثْبَتَ الْمُسْتَدِلُّ١١ الْوَصْفَ "بِسَبْرٍ" فَإِنَّ الْوَصْفَ يَدْخُلُ فِي السَّبْرِ بِدُونِ ثُبُوتِ الْمُنَاسَبَةِ بِمُجَرَّدِ

стр. 1956

الاحْتِمَالِ. وَالثَّالِثُ: مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "أَوْ بِخَفَائِهِ" أَيْ خَفَاءِ وَصْفِ الْمُعَارَضَةِ. وَالرَّابِعُ: مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "أَوْ لَيْسَ مُنْضَبِطًا" أَيْ كَوْنُ وَصْفِ الْمُعَارَضَةِ لَيْسَ مُنْضَبِطًا. وَالْخَامِسُ: مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "أَوْ مَنْعِ ظُهُورِهِ" بِأَنْ١ يَمْنَعَ٢ الْمُسْتَدِلُّ ظُهُورَ وَصْفِ الْمُعَارَضَةِ. وَالسَّادِسُ: مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "أَوْ انْضِبَاطِهِ" بِأَنْ يَمْنَعَ٣ الْمُسْتَدِلُّ انْضِبَاطَ٤ وَصْفِ الْمُعَارَضَةِ. فَإِنَّ وَصْفَ٥ الْمُعَارِضِ إذَا كَانَ خَفِيًّا أَوْ ظَاهِرًا غَيْرَ مُنْضَبِطٍ، أَوْ مَنَعَ الْمُسْتَدِلُّ ظُهُورَهُ٦ أَوْ مَنَعَ انْضِبَاطَهُ لا٧ يُثْبِتُ٨ عِلِّيَّةَ وَصْفِ الْمُعَارِضِ لِوُجُوبِ ظُهُورِ الْوَصْفِ وَانْضِبَاطِهِ.

стр. 1957

وَالسَّابِعُ: مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "أَوْ بَيَانُ" أَيْ أَنْ١ يُبَيِّنَ الْمُسْتَدِلُّ "أَنَّهُ٢" أَيْ أَنَّ وَصْفَ الْمُعَارِضِ "غَيْرُ مَانِعٍ" عَنْ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ. كَمَا لَوْ قَالَ الْمُسْتَدِلُّ: يُقْتَلُ٣ الْقَاتِلُ الْمُكْرَهُ: قِيَاسًا عَلَى الْمُخْتَارِ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا الْقَتْلُ الْعَمْدُ الْعُدْوَانُ. فَيَعْتَرِضُ الْمُعْتَرِضُ بِالاخْتِيَارِ، أَيْ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الأَصْلِ الْقَتْلُ الْعَمْدُ الْعُدْوَانُ بِالاخْتِيَارِ، وَهِيَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِي الْفَرْعِ. فَيُجِيبُ الْمُسْتَدِلُّ بِأَنَّ وَصْفَ الْمُعَارِضِ غَيْرُ مَانِعٍ عَنْ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ؛ لأَنَّ الاخْتِيَارَ عَدَمُ الإِكْرَاهِ الْمُنَاسِبِ لِنَقِيضِ الْحُكْمِ، وَ٤٥عَدَمِ الإِكْرَاهِ طَرْدٌ لا يَصْلُحُ لِلْعِلِّيَّةِ٦، فَالإِكْرَاهُ مُنَاسِبٌ لِنَقِيضِ الْحُكْمِ وَهُوَ عَدَمُ الاقْتِصَاصِ، لَكِنَّ عَدَمَ الإِكْرَاهِ طَرْدِيٌّ لا يَصْلُحُ لِلْعِلِّيَّةِ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْبَاعِثِ فِي شَيْءٍ. وَالثَّامِنُ: مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "أَوْ مُلْغًى، أَوْ أَنَّ مَا عَدَاهُ مُسْتَقِلٌّ"

стр. 1958

بِالْعِلِّيَّةِ١ "فِي صُورَةٍ مَا٢ بِظَاهِرِ نَصٍّ، أَوْ إجْمَاعٍ" يَعْنِي أَنْ يُبَيِّنَ٣ الْمُسْتَدِلُّ كَوْنَ الْوَصْفِ الَّذِي عَارَضَ بِهِ الْمُعَارِضُ مُلْغًى. فَإِذَا بَيَّنَ ذَلِكَ الْمُسْتَدِلُّ: فَقَدْ تَبَيَّنَ اسْتِقْلالُ الْبَاقِي بِالْعِلِّيَّةِ فِي صُورَةٍ مَا بِظَاهِرِ نَصٍّ، أَوْ إجْمَاعٍ. مِثَالُهُ: إذَا عَارَضَ فِي الرِّبَا الطُّعْمَ بِالْكَيْلِ. فَيُجِيبُ بِأَنَّ النَّصَّ دَلَّ عَلَى اعْتِبَارِ الطُّعْمِ فِي صُورَةٍ مَا، وَهُوَ قَوْلُهُ "لا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ إلاَّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ". وَمِثَالٌ آخَرُ: أَنْ يَقُولَ فِي يَهُودِيٍّ صَارَ نَصْرَانِيًّا أَوْ بِالْعَكْسِ: بَدَّلَ دِينَهُ. فَيُقْتَلُ٤ كَالْمُرْتَدِّ، فَيُعَارِضُ٥ بِالْكُفْرِ بَعْدَ الإِيمَانِ. فَيُجِيبُ بِأَنَّ التَّبْدِيلَ مُعْتَبَرٌ فِي صُورَةٍ مَا، كَقَوْلِهِ "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ". وَهَذَا إذَا٦ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلتَّعْمِيمِ، فَلَوْ عَمَّمَ وَقَالَ: فَثَبَتَ٧ رِبَوِيَّةُ كُلِّ مَطْعُومٍ أَوْ اعْتِبَارُ كُلِّ تَبْدِيلٍ٨؛ لِلْحَدِيثِ. لَمْ

стр. 1959

يُسْمَعْ؛ لأَنَّ ذَلِكَ إثْبَاتٌ لِلْحُكْمِ١ بِالنَّصِّ دُونَ الْقِيَاسِ، وَلا تَعْمِيمَ٢ لِلْقِيَاسِ٣ بِالإِلْغَاءِ، وَالْمَقْصُودُ ذَلِكَ، وَلأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الْعُمُومُ لَكَانَ الْقِيَاسُ ضَائِعًا. وَلا يَضُرُّ كَوْنُهُ عَامًّا إذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْعُمُومِ وَلَمْ يَسْتَدِلُّ بِهِ. "وَيَكْفِي فِي اسْتِقْلالِهِ" أَيْ اسْتِقْلالِ الْوَصْفِ "إثْبَاتُ" الْمُسْتَدِلِّ "الْحُكْمَ فِي صُورَةٍ دُونَهُ" أَيْ: دُونَ الْوَصْفِ؛ لأَنَّ الأَصْلَ٤ عَدَمُ غَيْرِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ عَجَزُ٥ الْمُعَارِضِ عَنْهُ. ذَكَرَهُ الْمُوَفَّقُ فِي الرَّوْضَةِ٦. وَقِيلَ: لا؛ لِجَوَازِ عِلَّةٍ أُخْرَى قَطَعَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي مُخْتَصَرِهِ٧. ٨وَالْقَادِحُ السَّادِسَ عَشَرَ: هُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ٨ "وَلَوْ أَبْدَى الْمُعْتَرِضُ" وَصْفًا "آخَرَ يَقُومُ مَقَامَ" الْوَصْفِ "الْمُلْغَى" أَيْ الَّذِي

стр. 1960

أَلْغَاهُ١ الْمُسْتَدِلّ٢ُ "بِثُبُوتِ٣ الْحُكْمِ دُونَهُ" أَيْ مَعَ عَدَمِ وُجُودِ الْوَصْفِ الْمُلْغَى "فَسَدَ الإِلْغَاءُ. وَيُسَمَّى" هَذَا "تَعَدُّدُ٤ الْوَضْعِ، لِتَعَدُّدِ أَصْلَيْهِمَا" أَيْ أَصْلِ الْمُسْتَدِلِّ وَأَصْلِ الْمُعْتَرِضِ٥. "وَجَوَابُ فَسَادِ الإِلْغَاءِ: الإِلْغَاءُ٦، إلَى أَنْ يَقِفَ أَحَدُهُمَا". قَالَ الْعَضُدُ: وَرُبَّمَا يُظَنُّ٧ أَنَّ إثْبَاتَ الْحُكْمِ فِي صُورَةٍ دُونَ وَصْفِ الْمُعَارِضِ كَافٍ فِي إلْغَائِهِ. وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِكَافٍ، لِجَوَازِ وُجُودِ عِلَّةٍ أُخْرَى ٨لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ جَوَازِ٩ تَعَدُّدِ الْعِلَّةِ، وَعَدَمِ وُجُوبِ الْعَكْسِ. وَلأَجْلِ ذَلِكَ لَوْ أَبْدَى الْمُعْتَرِضُ١٠ فِي صُورَةٍ عَدَمَ وَصْفِ الْمُعَارَضَةِ١١ وَصْفًا آخَرَ يَقُومُ مَقَامَ مَا أَلْغَاهُ الْمُسْتَدِلُّ بِثُبُوتِ الْحُكْمِ دُونَهُ١٢،

стр. 1961

فَسَدَ الإِلْغَاءُ؛ لابْتِنَائِهِ عَلَى اسْتِقْلالِ الْبَاقِي فِي تِلْكَ الصُّورَةِ. وَقَدْ بَطَلَ١. وَتُسَمَّى هَذِهِ الْحَالَةُ تَعَدُّدَ الْوَضْعِ لِتَعَدُّدِ أَصْلَيْهِمَا٢، وَالتَّعْلِيلُ فِي أَحَدِهِمَا بِالْبَاقِي عَلَى وَضْعٍ، أَيْ مَعَ قَيْدٍ، وَفِي الآخَرِ٣ عَلَى وَضْعٍ آخَرَ، أَيْ٤ مَعَ قَيْدٍ آخَرَ. مِثَالُهُ: أَنْ يُقَالَ فِي مَسْأَلَةِ أَمَانِ الْعَبْدِ لِلْحَرْبِيِّ أَمَانٌ مِنْ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ، فَيُقْبَلُ كَالْحُرِّ؛ لأَنَّ٥ الإِسْلامَ وَالْعَقْلَ مَظِنَّتَانِ لإِظْهَارِ مَصْلَحَةِ الإِيمَانِ أَيْ بَذْلِ٦ الأَمَانِ٧ وَجَعْلِهِ آمِنًا. فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: هُوَ مُعَارَضٌ بِكَوْنِهِ حُرًّا، أَيْ الْعِلَّةُ كَوْنُهُ مُسْلِمًا عَاقِلاً حُرًّا. فَإِنَّ الْحُرِّيَّةَ مَظِنَّةُ فَرَاغِ قَلْبِهِ لِلنَّظَرِ لِعَدَمِ٨ اشْتِغَالِهِ بِخِدْمَةِ السَّيِّدِ فَيَكُونُ إظْهَارُ مَصَالِحِ الإِيمَانِ مَعَهُ أَكْمَلَ. فَيَقُولُ الْمُسْتَدِلُّ: الْحُرِّيَّةُ مُلْغَاةٌ لاسْتِقْلالِ الإِسْلامِ وَالْعَقْلِ بِهِ٩ فِي صُورَةِ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ مِنْ قِبَلِ سَيِّدِهِ فِي أَنْ يُقَاتِلَ.

стр. 1962

فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: إذْنُ السَّيِّدِ لَهُ خَلَفٌ١ عَنْ الْحُرِّيَّةِ٢. فَإِنَّهُ مَظِنَّةٌ لِبَذْلِ الْوُسْعِ فِيمَا تَصَدَّى لَهُ مِنْ مَصَالِحِ٣ الْقِتَالِ، أَوْ لِعِلْمِ٤ السَّيِّدِ صَلاحَهُ٥ لإِظْهَارِ مَصَالِحِ الإِيمَانِ. وَجَوَابُ٦ تَعَدُّدِ الْوَضْعِ: أَنْ يُلْغِيَ٧ الْمُسْتَدِلُّ ذَلِكَ الْخَلَفَ٨ بِإِبْدَاءِ صُورَةٍ لا يُوجَدُ فِيهَا الْخَلَفُ. فَإِنْ أَبْدَى الْمُعْتَرِضُ خَلَفًا آخَرَ٩ فَجَوَابُهُ إلْغَاؤُهُ. وَعَلَى هَذَا، إلَى أَنْ يَقِفَ أَحَدُهُمَا. فَتَكُونُ١٠ الدَّبْرَةُ١١ عَلَيْهِ. فَإِنْ ظَهَرَ١٢ صُورَةٌ لا خَلَفَ فِيهَا١٣ تَمَّ الإِلْغَاءُ، وَبَطَلَ الاعْتِرَاضُ، وَإِلاَّ ظَهَرَ عَجْزُ١٤ الْمُسْتَدِلِّ١٥.

стр. 1963

"وَلا يُفِيدُ الإِلْغَاءَ لِضَعْفِ الْمَظِنَّةِ" الْمُتَضَمِّنَةِ لِذَلِكَ الْمَعْنَى "بَعْدَ تَسْلِيمِهَا". مِثَالُهُ: أَنْ يَقُولَ١ الْمُسْتَدِلُّ: الرِّدَّةُ عِلَّةُ الْقَتْلِ. فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: بَلْ مَعَ الرُّجُولِيَّةِ؛ لأَنَّهُ مَظِنَّةُ الإِقْدَامِ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، إذْ يُعْتَادُ ذَلِكَ مِنْ الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ. فَيُجِيبُ الْمُسْتَدِلُّ: بِأَنَّ الرُّجُولِيَّةَ وَكَوْنَهَا٢ مَظِنَّةَ الإِقْدَامِ لا تُعْتَبَرُ٣، وَإِلاَّ لَمْ يُقْتَلْ مَقْطُوعُ الْيَدَيْنِ؛ لأَنَّ احْتِمَالَ الإِقْدَامِ فِيهِ ضَعِيفٌ، بَلْ أَضْعَفُ مِنْ احْتِمَالِهِ فِي النِّسَاءِ. ٤ وَهَذَا لا ٥ يُقْبَلُ مِنْهُ، حَيْثُ سَلَّمَ أَنَّ الرُّجُولِيَّةَ مَظِنَّةٌ اعْتَبَرَهَا الشَّارِعُ٦. وَذَلِكَ كَتَرَفُّهِ الْمَلِكِ فِي السَّفَرِ لا يَمْنَعُ رُخَصَ السَّفَرِ فِي حَقِّهِ لِعِلَّةِ الْمَشَقَّةِ، إذْ الْمُعْتَبَرُ الْمَظِنَّةُ٧ وَقَدْ وُجِدَتْ، لا مِقْدَارُ

стр. 1964

الْحِكْمَةِ لِعَدَمِ انْضِبَاطِهَا١. "وَلا يَكْفِي الْمُسْتَدِلَّ رُجْحَانُ وَصْفِهِ" قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: لا يَكْفِي الْمُسْتَدِلَّ رُجْحَانُ وَصْفِهِ خِلافًا لِلآمِدِيِّ٢؛ لِقُوَّةِ بَعْضِ أَجْزَاءِ الْعِلَّةِ٣، كَالْقَتْلِ عَلَى الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ. "أَمَّا إنْ اتَّفَقَا عَلَى كَوْنِ الْحُكْمِ مُعَلَّلاً بِأَحَدِهِمَا" أَيْ أَحَدِ الْوَصْفَيْنِ "قُدِّمَ الرَّاجِحُ وَلا يَكْفِي كَوْنُهُ مُتَعَدِّيًا" لاحْتِمَالِ تَرْجِيحِ٤ الْقَاصِرِ. قَالَ الْعَضُدُ: هَذَانِ وَجْهَانِ تُوُهِّمَا جَوَابًا لِلْمُعَارَضَةِ وَلا يَكْفِيَانِ. الأَوَّلُ: رُجْحَانُ الْمُعَيَّنِ٥ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الْمُسْتَدِلُّ فِي جَوَابِ الْمُعَارَضَةِ: مَا عَيَّنْته٦ مِنْ الْوَصْفِ رَاجِحٌ٧ عَلَى مَا عَارَضْت بِهِ، ثُمَّ يُظْهِرُ وَجْهًا مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ. وَهَذَا الْقَدْرُ غَيْرُ كَافٍ؛ لأَنَّهُ إنَّمَا

стр. 1965

يَدُلُّ عَلَى١ أَنَّ اسْتِقْلالَ وَصْفِهِ٢ أَوْلَى مِنْ اسْتِقْلالِ وَصْفِ الْمُعَارَضَةِ؛ إذْ لا يُعَلَّلُ بِالْمَرْجُوحِ مَعَ وُجُودِ الرَّاجِحِ، لَكِنَّ احْتِمَالَ الْجُزْئِيَّةِ بَاقٍ، وَلا بُعْدَ٣ فِي تَرْجِيحِ٤ بَعْضِ الأَجْزَاءِ عَلَى بَعْضٍ فَيَجِيءُ التَّحَكُّمُ. الثَّانِي: كَوْنُ مَا عَيَّنَهُ الْمُسْتَدِلُّ مُتَعَدِّيًا وَالآخَرُ قَاصِرًا غَيْرُ كَافٍ فِي جَوَابِ الْمُعَارَضَةِ، إذْ٥ مَرْجِعُهُ التَّرْجِيحُ بِذَلِكَ، فَيَجِيءُ التَّحَكُّمُ. هَذَا وَالشَّأْنُ فِي التَّرْجِيحِ٦ فَإِنَّهُ إنْ رُجِّحَتْ الْمُتَعَدِّيَةُ٧ بِأَنَّ اعْتِبَارَهُ يُوجِبُ الاتِّسَاعَ فِي الأَحْكَامِ، وَبِأَنَّهَا مُتَّفَقٌ عَلَى اعْتِبَارِهَا بِخِلافِ الْقَاصِرَةِ رُجِّحَتْ الْقَاصِرَةُ بِأَنَّهَا مُوَافِقَةٌ٨ لِلأَصْلِ. إذْ الأَصْلُ عَدَمُ الأَحْكَامِ، وَبِأَنَّ اعْتِبَارَهَا إعْمَالٌ٩ لِلدَّلِيلَيْنِ مَعًا١٠-
следующие страницы →