← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12019

شرح الكوكب المنير = شرح مختصر التحرير

ابن النجار الفتوحي

Полный текст (2 398 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

اللَّفْظُ غَرِيبًا وَدَلَّتْ قَرِينَةٌ مَعَهُ عَلَى الْمُرَادِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: طَلَّةٌ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا فَلا يَصِحُّ. فَالطَّلَّةُ: الْمَرْأَةُ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: زَوَّجَتْ نَفْسَهَا، لا صِفَةُ الْخَمْرِ. "أَوْ" بِ١ "تَفْسِيرِهِ" يَعْنِي: أَوْ٢ يَكُونُ جَوَابُ الْمُعْتَرِضِ بِكَوْنِ اللَّفْظِ غَرِيبًا: تَفْسِيرَ الْمُسْتَدِلِّ لِلَفْظِهِ "إنْ تَعَذَّرَ" عَلَيْهِ "إبْطَالُ غَرَابَتِهِ" بِأَنْ يَقُولَ: مُرَادِي الْمَعْنَى الْفُلانِيُّ لَكِنْ لا بُدَّ أَنْ يُفَسِّرَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ وَإِنْ بَعُدَ، كَمَا يَقُولُ٣: يُخْرِجُ فِي الْفِطْرَةِ٤ الْبُرَّ٥، وَيُفَسِّرُهُ بِالْقِطْعَةِ مِنْ الأَقِطِ. قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ٦ وَابْنُ مُفْلِحٍ وَتَابَعَهُمَا صَاحِبُ التَّحْرِيرِ "وَلَوْ قَالَ" أَيْ الْمُسْتَدِلُّ "يَلْزَمُ ظُهُورُهُ ٧" أَيْ٨ ظُهُورُ اللَّفْظِ فِي أَحَدِ٩ الْمَعْنَيَيْنِ "دَفْعًا لِلإِجْمَالِ، وَفِيمَا قَصَدْتُهُ لِعَدَمِ١٠ ظُهُورِهِ فِي

стр. 1892

الآخَرِ" أَيْ فِي الْمَعْنَى الآخَرِ الَّذِي لَمْ أَقْصِدْهُ "اتِّفَاقًا" أَيْ بِاتِّفَاقٍ مِنِّي وَمِنْك، فَيَكُونُ ظَاهِرًا١ فِي مُرَادِي "كَفَى" ذَلِكَ بِنَاءً٢ عَلَى أَنَّ الْمَجَازَ أَوْلَى. وَلا يُعْتَدُّ بِتَفْسِيرِ الْمُسْتَدِلِّ بِشَيْءٍ لا تَحْتَمِلُهُ اللُّغَةُ؛ لأَنَّ ذَلِكَ لَعِبٌ. لَكِنْ٣ هَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ اللَّفْظُ الَّذِي يَطْلُبُ الْمُعْتَرِضُ تَفْسِيرَهُ ظَاهِرًا فِي مَعْنَاهُ. فَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا: فَالْحَزْمُ تَبْكِيتُ الْمُعْتَرِضِ بِأَنْ يُقَالَ لَهُ: امْضِ فَتَعَلَّمْ ٤ثُمَّ ارْجِعْ فَتَكَلَّمْ. الثَّانِي: مِنْ الْقَوَادِحِ "فَسَادُ الاعْتِبَارِ"٥. وَهُوَ "مُخَالَفَةُ" الْقِيَاسِ "نَصًّا أَوْ إجْمَاعًا"٦ بِأَنْ يَعْتَرِضَ بِكَوْنِ الْقِيَاسِ فَاسِدًا بِكَوْنِهِ مُخَالِفًا لِنَصٍّ، أَوْ مُخَالِفًا لِلإِجْمَاعِ:

стр. 1893

- سَوَاءٌ كَانَ النَّصُّ الْقُرْآنَ، كَمَا يُقَالُ فِي تَبْيِيتِ١ الصَّوْمِ: صَوْمٌ مَفْرُوضٌ، فَلا يَصِحُّ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ كَالْقَضَاءِ، فَيُقَالُ: هَذَا فَاسِدُ الاعْتِبَار٢ِ لِمُخَالَفَةِ٣ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾ ٤ فَإِنَّهُ يَدُلُّ٥ عَلَى٦ أَنَّ كُلَّ صَائِمٍ يَحْصُلُ لَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ الصِّحَّةَ. - أَوْ كَانَ النَّصُّ نَصَّ سُنَّةٍ، كَمَا يُقَالُ: لا يَصِحُّ السَّلَمُ فِي الْحَيَوَانِ؛ لأَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى غَرَرٍ، فَلا يَصِحُّ كَالسَّلَمِ فِي الْمُخْتَلِطِ. فَيُقَالُ: هَذَا فَاسِدُ الاعْتِبَارِ لِمُخَالَفَةِ ٧مَا فِي السُّنَّةِ٨ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ فِي السَّلَمِ"٧. ٩وَأَمَّا مِثَالُ مُخَالَفَةِ الإِجْمَاعِ، فَكَقَوْلِ حَنَفِيٍّ: "لا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُغَسِّلَ امْرَأَتَهُ إذَا مَاتَتْ؛ لأَنَّهُ يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهَا كَالأَجْنَبِيَّةِ". فَيُقَالُ: هَذَا فَاسِدُ الاعْتِبَارِ لِمُخَالَفَةِ الإِجْمَاعِ

стр. 1894

السُّكُوتِيِّ، وَهُوَ أَنَّ عَلِيًّا غَسَّلَ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا١، وَاشْتُهِرَ ذَلِكَ وَلَمْ يُنْكَرْ. وَفِي حُكْمِ مُخَالَفَةِ الْقِيَاسِ لِلنَّصِّ أَوْ٢ الإِجْمَاعِ: أَنْ تَكُونَ إحْدَى مُقَدِّمَاتِهِ هِيَ الْمُخَالِفَةُ لِلنَّصِّ أَوْ الإِجْمَاعِ، وَيَدَّعِي دُخُولَهُ٣ فِي إطْلاقِ مُخَالَفَةِ النَّصِّ أَوْ الإِجْمَاعِ. وَفِي٤ مَعْنَى ذَلِكَ: أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مِمَّا لا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ بِالْقِيَاسِ، كَإِلْحَاقِ الْمُصَرَّاةِ بِغَيْرِهَا مِنْ الْمَعِيبِ٥ فِي حُكْمِ الرَّدِّ وَعَدَمِهِ، وَوُجُوبِ بَدَلِ لَبَنِهَا الْمَوْجُودِ فِي الضَّرْعِ؛ لأَنَّ هَذَا الْقِيَاسَ مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ النَّصِّ الْوَارِدِ فِيهَا، أَوْ كَانَ تَرْكِيبُهُ مُشْعِرًا بِنَقِيضِ الْمَطْلُوبِ. وَإِنَّمَا سُمِّيَ هَذَا النَّوْعُ بِذَلِكَ؛ لأَنَّ اعْتِبَارَ الْقِيَاسِ مَعَ النَّصِّ

стр. 1895

و١َالإِجْمَاعِ اعْتِبَارٌ لَهُ مَعَ دَلِيلٍ أَقْوَى مِنْهُ، وَهُوَ اعْتِبَارٌ فَاسِدٌ لِحَدِيثِ مُعَاذٍ٢ فَإِنَّهُ أَخَّرَ الاجْتِهَادَ عَنْ النَّصِّ. "وَجَوَابُهُ" أَيْ وَجَوَابُ الْقَدْحِ بِفَسَادِ الاعْتِبَارِ: إمَّا "بِضَعْفِهِ" بِأَنْ يَمْنَعَ صِحَّةَ النَّصِّ بِالطَّعْنِ فِي سَنَدِهِ، بِأَنْ يَقُولَ: لا نُسَلِّمُ صِحَّةَ تَغْسِيلِ عَلِيٍّ لِفَاطِمَةَ. وَإِنْ سَلِمَ فَلا نُسَلِّمُ أَنَّ ذَلِكَ اُشْتُهِرَ، وَإِنْ سَلِمَ فَلا نُسَلِّمُ أَنَّ الإِجْمَاعَ السُّكُوتِيَّ حُجَّةٌ، وَإِنْ سَلِمَ٣. فَالْفَرْقُ بَيْنَ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ: أَنَّ فَاطِمَةَ زَوْجَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ بِإِخْبَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٤، فَالْمَوْتُ لا٥ يَقْطَعُ

стр. 1896

النِّكَاحَ بَيْنَهُمَا، بِخِلافِ غَيْرِهِمَا. أَوْ يَقُولَ فِي مَسْأَلَةِ السَّلَمِ: لا نُسَلِّمُ صِحَّةَ التَّرْخِيصِ فِي السَّلَمِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا فَلا نُسَلِّمُ أَنَّ اللاَّمَ فِيهِ لِلاسْتِغْرَاقِ. فَلا يَتَنَاوَلُ الْحَيَوَانَ، وَإِنْ صَحَّ السَّلَمُ فِي غَيْرِهِ. "أَوْ" بِ "مَنْعِ ظُهُورِهِ" أَيْ ظُهُورِ النَّصِّ، بِأَنْ يَقُولَ فِي مَسْأَلَةِ الصَّوْمِ: لا نُسَلِّمُ أَنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الصَّوْمِ بِدُونِ تَبْيِيتِ النِّيَّةِ؛ لأَنَّهَا مُطْلَقَةٌ، وَقَيَّدْنَاهَا بِحَدِيثِ " لا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ". "أَوْ" بِـ "تَأْوِيلِهِ" أَيْ تَأْوِيلِ النَّصِّ، بِأَنْ يَقُولَ فِي مَسْأَلَةِ الصَّوْمِ: إنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلَى ثَوَابِ الصَّائِمِ، وَإِنَّا لا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُمْسِكَ بِدُونِ تَبْيِيتِ النِّيَّةِ صَائِمٌ، أَوْ يَقُولَ١: إنَّ النَّصَّ الْمُعَارِضَ لِلْقِيَاسِ مُؤَوَّلٌ بِدَلِيلٍ يُرَجِّحُهُ عَلَى الظَّاهِرِ. "أَوْ" بِـ "الْقَوْلِ بِمُوجَبِهِ" بِأَنْ يَقُولَ: أَنَا أَقُولُ بِمُوجَبِ النَّصِّ، إلاَّ أَنَّ مَدْلُولَهُ لا يُنَافِي قِيَاسِي، كَأَنْ يَقُولَ فِي مَسْأَلَةِ الصَّوْمِ: إنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الصَّائِمَ يُثَابُ وَأَنَا أَقُولُ بِمُوجَبِهِ. لَكِنَّهَا٢ لا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لا يَلْزَمُهُ٣ الْقَضَاءُ وَالنِّزَاعُ فِيهِ!

стр. 1897

- "أَوْ" بِـ "مُعَارَضَتِهِ" أَيْ مُعَارَضَةِ النَّصِّ "بِمِثْلِهِ" أَيْ بِنَصٍّ مِثْلِهِ. فَيَسْلَمُ الْقِيَاسُ حِينَئِذٍ لاعْتِضَادِهِ١ بِالنَّصِّ٢ الْمُوَافِقِ لَهُ. الثَّالِثُ: مِنْ الْقَوَادِحِ "فَسَادُ الْوَضْعِ"٣. "وَهُوَ أَخَصُّ مِمَّا تَلاهُ" أَيْ مِنْ فَسَادِ الاعْتِبَارِ. قَالَ الْجَدَلِيُّونَ فِي تَرْتِيبِ الأَسْئِلَةِ: إنَّ٤ فَسَادَ الاعْتِبَارِ مُقَدَّمٌ عَلَى فَسَادِ الْوَضْعِ؛ لأَنَّ فَسَادَ الاعْتِبَارِ نَظَرٌ فِي فَسَادِ الْقِيَاسِ٥ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَفَسَادُ الْوَضْعِ أَخَصُّ٦ لأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ اعْتِبَارِ الْقِيَاسِ؛ لأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِالنَّظَرِ إلَى أَمْرٍ خَارِجٍ عَنْهُ.

стр. 1898

وَمِمَّنْ قَالَ إنَّ فَسَادَ الاعْتِبَارِ أَعَمُّ: الْهِنْدِيُّ وَالتَّاجُ السُّبْكِيُّ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ١ وَجَمَاعَةٌ. قَالَ الْعَسْقَلانِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّ فَسَادَ الْوَضْعِ أَعَمُّ مِنْ فَسَادِ الاعْتِبَارِ؛ لأَنَّ الْقِيَاسَ قَدْ يَكُونُ صَحِيحَ الْوَضْعِ، وَإِنْ كَانَ اعْتِبَارُهُ فَاسِدًا بِالنَّظَرِ إلَى أَمْرٍ خَارِجٍ، فَكُلُّ٢ فَسَادِ الْوَضْعِ٣ فَسَادُ الاعْتِبَارِ وَلا عَكْسَ. وَهُوَ "كَوْنُ الْجَامِعِ" بَيْنَ الأَصْلِ وَالْفَرْعِ "ثَبَتَ اعْتِبَارُهُ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ فِي نَقِيضِ الْحُكْمِ. كَقَوْلِ شَافِعِيٍّ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ: مَسْحٌ فَسُنَّ تَكْرَارُهُ كَاسْتِجْمَارٍ. فَيُعْتَرَضُ" عَلَى الشَّافِعِيِّ "بِكَرَاهَةِ تَكْرَارِ مَسْحِ الْخُفِّ". قَالَ الطُّوفِيُّ وَغَيْرُهُ: إنَّمَا سُمِّيَ هَذَا فَسَادَ الْوَضْعِ؛ لأَنَّ وَضْعَ الشَّيْءِ جَعْلُهُ فِي مَحَلِّهِ عَلَى هَيْئَةٍ أَوْ كَيْفِيَّةٍ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الْمَحَلُّ أَوْ تِلْكَ الْهَيْئَةُ لا تُنَاسِبُهُ كَانَ وَضْعُهُ عَلَى خِلافِ الْحِكْمَةِ فَاسِدًا. فَإِذَا اقْتَضَتْ الْحِكْمَةُ نَقِيضَ الْحُكْمِ الْمُدَّعَى أَوْ خِلافَهُ: كَانَ ذَلِكَ مُخَالِفًا لِلْحِكْمَةِ، إذْ مِنْ شَأْنِ الْعِلَّةِ أَنْ تُنَاسِبَ مَعْلُولَهَا لا أَنَّهَا تُخَالِفُهُ، فَكَانَ ذَلِكَ فَاسِدَ الْوَضْعِ بِهَذَا الاعْتِبَارِ.

стр. 1899

وَمِنْ أَمْثِلَةِ١ ذِي النَّصِّ: قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ: الْهِرَّةُ سَبُعٌ ذُو نَابٍ، فَيَكُونُ سُؤْرُهُ نَجِسًا كَالْكَلْبِ. فَيُقَالُ: السَّبُعِيَّةُ٢ اعْتَبَرَهَا الشَّارِعُ عِلَّةً لِلطَّهَارَةِ، حَيْثُ دُعِيَ إلَى دَارٍ فِيهَا كَلْبٌ فَامْتَنَعَ. وَدُعِيَ إلَى أُخْرَى٣ فِيهَا سِنَّوْرٌ، فَأَجَابَ. فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: "السِّنَّوْرُ سَبُعٌ" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ٤. وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذِي الإِجْمَاعِ: قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ: مَا فِي الْمَتْنِ ... ٥وَجَوَابُ الْمُسْتَدِلِّ عَنْهُ بِبَيَانِ٦ الْمَانِعِ لِتَعَرُّضِ٧ الْمَسْحِ لِتَلَفِ٨ الْخُفِّ. وَسُؤَالُ فَسَادِ الْوَضْعِ نَقْضٌ خَاصٌّ لإِثْبَاتِهِ نَقِيضَ الْحُكْمِ فَإِنْ٩ ذَكَرَ الْمُعْتَرِضُ نَقِيضَ الْحُكْمِ مَعَ أَصْلِهِ، فَقَالَ: لا يُسَنُّ تَكْرَارُ مَسْحِ الرَّأْسِ كَالْخُفِّ فَهُوَ الْقَلْبُ. لَكِنْ اخْتَلَفَ أَصْلُهُمَا.

стр. 1900

"وَمِنْهُ" أَيْ وَمِنْ فَسَادِ الْوَضْعِ "كَوْنُ الدَّلِيلِ عَلَى هَيْئَةٍ غَيْرِ صَالِحَةٍ لاعْتِبَارِهِ" أَيْ غَيْرَ صَالِحَةٍ؛ لأَنْ يُعْتَبَرَ بِهَا الدَّلِيلُ "فِي تَرْتِيبِ الْحُكْمِ". وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ صَالِحًا لِضِدِّ ذَلِكَ الْحُكْمِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ صَالِحًا لِنَقِيضِ ذَلِكَ الْحُكْمِ. فَالأَوَّلُ "كَتَلَقِّي تَخْفِيفٍ مِنْ تَغْلِيظٍ كَقَوْلِ حَنَفِيٍّ: الْقَتْلُ جِنَايَةٌ عَظِيمَةٌ، فَلا يَجِبُ فِيهَا كَفَّارَةٌ كَبَقِيَّةِ الْكَبَائِرِ، فَجِنَايَةٌ عَظِيمَةٌ" فِي قَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ١ "تُنَاسِبُ التَّغْلِيظَ". "أَوْ٢" كَتَلَقِّي "تَوْسِيعٍ مِنْ تَضْيِيقٍ٣، كَ" قَوْلِ٤ الْمُسْتَدِلِّ "الزَّكَاةُ مَالٌ وَاجِبٌ إرْفَاقًا لِدَفْعِ الْحَاجَةِ، فَكَانَ عَلَى التَّرَاخِي كَالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، فَدَفْعُ الْحَاجَةِ" فِي قَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ "يَقْتَضِي الْفَوْرَ". وَالنَّوْعُ الثَّانِي: مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "أَوْ إثْبَاتٍ" أَيْ أَنْ يُتَلَقَّى إثْبَاتٌ "مِنْ نَفْيٍ، كَ" قَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ "الْمُعَاطَاةُ فِي الْيَسِيرِ بَيْعٌ٥ لَمْ

стр. 1901

يُوجَدْ فِيهِ سِوَى الرِّضَا، فَوَجَبَ أَنْ يَبْطُلَ كَغَيْرِهِ. "فَالرِّضَا" فِي قَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ "يُنَاسِبُ الانْعِقَادَ". وَإِنَّمَا سُمِّيَ هَذَا فَسَادَ الْوَضْعِ؛ لأَنَّ وَضْعَ الْقِيَاسِ أَنْ يَكُونَ عَلَى هَيْئَةٍ صَالِحَةٍ؛ لأَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ إثْبَاتُهُ. فَمَتَى خَلا عَنْ١ ذَلِكَ فَسَدَ وَضْعُهُ. "وَجَوَابُهُمَا" أَيْ جَوَابُ النَّوْعَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ "بِتَقْرِيرِ٢ كَوْنِهِمَا كَذَلِكَ" أَيْ بِتَقْرِيرِ٣ كَوْنِ الدَّلِيلِ صَالِحًا لاعْتِبَارِهِ فِي تَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، كَأَنْ يَكُونَ لِلدَّلِيلِ٤ جِهَتَانِ، يَنْظُرُ الْمُسْتَدِلُّ فِيهِ مِنْ إحْدَاهُمَا٥، وَالْمُعْتَرِضُ مِنْ الأُخْرَى، كَالارْتِفَاقِ وَدَفْعِ الْحَاجَةِ فِي مَسْأَلَةِ الزَّكَاةِ. وَيُجَابُ عَنْ الْكَفَّارَةِ فِي الْقَتْلِ: بِأَنْ غُلِّظَ فِيهِ بِالْقِصَاصِ٦ فَلا يُغَلَّظُ فِيهِ بِالْكَفَّارَةِ. وَيُجَابُ عَنْ الْمُعَاطَاةِ بِأَنَّ عَدَمَ الانْعِقَادِ بِهَا مُرَتَّبٌ عَلَى عَدَمِ الصِّيغَةِ، لا عَلَى الرِّضَى.

стр. 1902

الرَّابِعُ: مِنْ الْقَوَادِحِ: "مَنْعُ حُكْمِ الأَصْلِ"١. أَيْ مَنْعُ الْمُعْتَرِضِ حُكْمَ أَصْلِ الْمُسْتَدِلِّ. كَأَنْ يَقُولَ حَنْبَلِيٌّ: الْخَلُّ مَائِعٌ لا يَرْفَعُ الْحَدَثَ، فَلا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ كَالدُّهْنِ. فَيَقُولَ حَنَفِيٌّ: لا أُسَلِّمُ الْحُكْمَ فِي الأَصْلِ، فَإِنَّ الدُّهْنَ عِنْدِي يُزِيلُ النَّجَاسَةَ، فَهَلْ يُسْمَعُ مِنْهُ مَنْعُ حُكْمِ الأَصْلِ أَمْ لا؟ فَالْجُمْهُورُ قَالُوا "يُسْمَعُ". وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ: لا يُسْمَعُ أَصْلاً٢. "وَ٣" عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ "لا ي٤َنْقَطِعُ" الْمُسْتَدِلُّ "بِمُجَرَّدِهِ"

стр. 1903

أَيْ بِمُجَرَّدِ مَنْعِ حُكْمِ الأَصْلِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالأَكْثَرِ؛ لأَنَّهُ مَنْعُ١ مُقَدِّمَةٍ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الْقِيَاسِ. "فَيَدُلُّ عَلَيْهِ" يَعْنِي أَنَّ لِلْمُسْتَدِلِّ أَنْ يَدُلَّ عَلَى إثْبَاتِ أَصْلٍ يَقِيسُ٢ عَلَيْهِ"كَمَنْعِ الْعِلَّةِ، أَوْ وُجُودِهَا" يَعْنِي كَمَا لَوْ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِمَنْعِ الْعِلَّةِ أَوْ وُجُودِهَا، فَإِنَّهُ٣ لا يَنْقَطِعُ بِذَلِكَ. وَلَهُ أَنْ يَدُلَّ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: يَنْقَطِعُ. وَقِيلَ: لا يَنْقَطِعُ، إلاَّ إذَا كَانَ الْمَنْعُ ظَاهِرًا يَعْرِفُهُ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ. "فَـ" عَلَى الأَوَّلِ "إنْ دَلَّ" الْمُسْتَدِلُّ عَلَى إثْبَاتِ حُكْمِ الأَصْلِ "لَمْ يَنْقَطِعْ الْمُعْتَرِضُ" عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ "فَلَهُ" أَيْ لِلْمُعْتَرِضِ "الاعْتِرَاضُ" عَلَى ذَلِكَ الدَّلِيلِ الَّذِي دَلَّ بِهِ الْمُسْتَدِلُّ عَلَى إثْبَاتِ حُكْمِ الأَصْلِ بِطَرِيقِهِ، إذْ لا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ صُورَةِ دَلِيلٍ٤ صِحَّتُهُ. "وَلَيْسَ" اعْتِرَاضُهُ٥ عَلَى دَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ "بِخَارِجٍ عَنْ الْمَقْصُودِ، فَيَتَوَجَّهُ لَهُ" أَيْ لِلْمُعْتَرِضِ٦ "سَبْعُ مَنُوعٍ مُرَتَّبَةٍ٧"

стр. 1904

ثَلاثَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالأَصْلِ، وَثَلاثَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْعِلَّةِ، وَوَاحِدٌ يَتَعَلَّقُ بِالْفَرْعِ. فَيُقَالُ فِي الإِثْبَاتِ بِمَنُوعٍ مُرَتَّبَةٍ: لا نُسَلِّمُ حُكْمَ الأَصْلِ. سَلَّمْنَا ذَلِكَ، وَلا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مِمَّا يُقَاسُ فِيهِ. لِمَ لا يَكُونُ مِمَّا اُخْتُلِفَ فِي جَوَازِ الْقِيَاسِ فِيهِ؟ سَلَّمْنَا ذَلِكَ، وَلا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مُعَلَّلٌ؛ لِمَ لا يُقَالُ: إنَّهُ تَعَبُّدِيٌّ؟. سَلَّمْنَا ذَلِكَ، وَلا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ عِلَّتُهُ١؛ لِمَ لا يُقَالُ: إنَّ الْعِلَّةَ غَيْرُهُ؟ سَلَّمْنَا ذَلِكَ، وَلا نُسَلِّمُ وُجُودَ الْوَصْفِ فِي الأَصْلِ. سَلَّمْنَا ذَلِكَ، وَلا نُسَلِّمُ أَنَّ٢ هَذَا الْوَصْفَ مُتَعَدٍّ؛ لِمَ لا يُقَالُ: إنَّهُ قَاصِرٌ؟. سَلَّمْنَا ذَلِكَ، وَلا نُسَلِّمُ وُجُودَهُ فِي٣ الْفَرْعِ. وَظَاهِرُ إيرَادِهَا عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ وُجُوبُهُ، لِمُنَاسَبَةِ ذَلِكَ التَّرْتِيبِ٤ الطَّبِيعِيِّ. فَيُقَدَّمُ مِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالأَصْلِ مِنْ مَنْعِ حُكْمِهِ، أَوْ كَوْنِهِ مِمَّا لا يُقَاسُ عَلَيْهِ، أَوْ كَوْنِهِ غَيْرَ مُعَلَّلٍ، ثُمَّ مَا

стр. 1905

يَتَعَلَّقُ بِالْعِلَّةِ؛ لأَنَّهَا فَرْعُهُ، لاسْتِنْبَاطِهَا مِنْهُ مِنْ مَنْعِ كَوْنِ ذَلِكَ الْوَصْفِ عِلَّةً، أَوْ مَنْعِ وُجُودِهِ فِي الأَصْلِ، أَوْ مَنْعِ كَوْنِهِ مُتَعَدِّيًا، ثُمَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْفَرْعِ لابْتِنَائِهِ عَلَيْهِمَا١. كَمَنْعِ وُجُودِ الْوَصْفِ الْمُدَّعَى عِلِّيَّتُهُ٢ فِي الْفَرْعِ. وَجَوَابُ هَذِهِ الاعْتِرَاضَاتِ بِدَفْعِ مَا يُرَادُ دَفْعُهُ مِنْهَا بِطَرِيقِهِ الْمَفْهُومَةِ٣. "وَإِنْ اعْتَرَضَ" الْمُعْتَرِضُ "عَلَى حُكْمِ الأَصْلِ بِ" قَوْلِهِ "إنِّي لا أَعْرِفُ مَذْهَبِي فِيهِ" أَيْ فِي الأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ "فَإِنْ أَمْكَنَ الْمُسْتَدِلَّ بَيَانُهُ" بَيَّنَهُ "وَإِلاَّ ٤" أَيْ٥ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ بَيَانُهُ "دَلَّ" أَيْ أَقَامَ الدَّلِيلَ "عَلَى إثْبَاتِهِ" قَالَهُ٦ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْوَاضِحِ. "وَلِلْمُسْتَدِلِّ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِدَلِيلٍ عِنْدَهُ فَقَطْ" أَيْ دُونَ الْمُعْتَرِضِ "كَمَفْهُومٍ وَقِيَاسٍ فَإِنْ اعْتَرَضَ" بِأَنْ٧ مَنَعَهُ خَصْمُهُ "دَلَّ عَلَيْهِ" الْمُسْتَدِلُّ "وَلَمْ يَنْقَطِعْ" بِذَلِكَ.

стр. 1906

"وَلَيْسَ لِلْمُعْتَرِضِ أَنْ يُلْزِمَهُ" أَيْ يُلْزِمَ الْمُسْتَدِلَّ "مَا يَعْتَقِدُهُ هُوَ" أَيْ الْمُعْتَرِضُ "وَلا أَنْ يَقُولَ" الْمُعْتَرِضُ لِلْمُسْتَدِلِّ "إنْ سَلَّمْت" مَا أَعْتَقِدُهُ "وَإِلاَّ دَلَّلْت عَلَيْهِ". قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: قَالَ أَصْحَابُنَا وَالشَّافِعِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ: لِلْمُسْتَدِلِّ أَنْ يَحْتَجَّ بِدَلِيلٍ عِنْدَهُ فَقَطْ، كَمَفْهُومٍ وَقِيَاسٍ. فَإِنْ مَنَعَهُ خَصْمُهُ دَلَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَنْقَطِعْ١ خِلافًا لأَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ الشَّافِعِيِّ، إنْ كَانَ الأَصْلُ خَفِيًّا٢. وَأَطْلَقَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ الْمَنْعَ عَنْ قَوْمٍ. وَلَيْسَ لِلْمُعْتَرِضِ أَنْ يُلْزِمَهُ مَا يَعْتَقِدُهُ هُوَ فَقَطْ، وَلا أَنْ يَقُولَ: إنْ سَلَّمْته وَإِلاَّ دَلَّلْت عَلَيْهِ، خِلافًا لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ. قَالَ: لأَنَّهُ بِالْمُعَارَضَةِ كَالْمُسْتَدِلِّ. وَعَنَى بِهِ إلْكِيَا. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا - وَعَنَى بِهِ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ - لا يَنْقَطِعُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا. فَيَكُونُ الاسْتِدْلال فِي مُهْلَةِ النَّظَرِ فِي الْمُعَارِضِ٣ اهـ. الْخَامِسُ: مِنْ الْقَوَادِحِ "التَّقْسِيمُ"٤.

стр. 1907

وَهُوَ "احْتِمَالُ لَفْظِ الْمُسْتَدِلِّ لأَمْرَيْنِ فَأَكْثَرَ عَلَى السَّوَاءِ بَعْضُهَا" أَيْ بَعْضُ الاحْتِمَالاتِ، أَوْ الاحْتِمَالَيْنِ "مَمْنُوعٌ" وَذَلِكَ الْمَمْنُوعُ هُوَ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ، وَإِلاَّ لَمْ يَكُنْ لِلتَّقْسِيمِ مَعْنًى. "وَهُوَ" أَيْ الْقَدَحُ بِذَلِكَ "وَارِدٌ" عِنْدَنَا وَعِنْدَ الأَكْثَرِ. "وَبَيَانُهُ" أَيْ بَيَانُ١ كَوْنِ مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ مَمْنُوعًا "عَلَى الْمُعْتَرِضِ" وَذَلِكَ "كَ" قَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ "الصَّحِيحُ فِي الْحَضَرِ وَجَدَ٢ السَّبَبَ٣ بِتَعَذُّرِ الْمَاءِ" عَلَيْهِ٤ "فَجَازَ" لَهُ "أَنْ يَتَيَمَّمَ". "فَيَقُولَ" الْمُعْتَرِضُ "السَّبَبُ" الْمُبِيحُ لِلتَّيَمُّمِ "تَعَذُّرُهُ٥" أَيْ تَعَذُّرُ الْمَاءِ "مُطْلَقًا، أَوْ" تَعَذُّرُهُ "فِي سَفَرٍ، أَوْ" تَعَذُّرُهُ فِي "مَرَضٍ". "فَالأَوَّلُ٦" الَّذِي هُوَ تَعَذُّرُهُ مُطْلَقًا "مَمْنُوعٌ، فَهُوَ مَنْعٌ بَعْدَ تَقْسِيمٍ" وَجَوَابُهُ كَالاسْتِفْسَارِ٧.

стр. 1908

قَالَ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ: وَقَوْلُنَا " عَلَى السَّوَاءِ "؛ لأَنَّهُ لَوْ كَانَ ظَاهِرًا فِي أَحَدِهِمَا لَوَجَبَ تَنْزِيلُهُ عَلَيْهِ. وَمِثَالُهُ فِي أَكْثَرِ مِنْ اثْنَيْنِ لَوْ قِيلَ: امْرَأَةٌ بَالِغَةٌ عَاقِلَةٌ يَصِحُّ١ مِنْهَا النِّكَاحُ كَالرَّجُلِ. فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: إمَّا بِمَعْنَى أَنَّ لَهَا تَجْرِبَةً، أَوْ أَنَّ لَهَا حُسْنَ رَأْيٍ وَتَدْبِيرٍ، أَوْ أَنَّ لَهَا عَقْلاً غَرِيزِيًّا. فَالأَوَّلُ وَالثَّانِي: مَمْنُوعَانِ. وَالثَّالِثُ: مُسَلَّمٌ، لَكِنْ لا يَكْفِي؛ لأَنَّ الصَّغِيرَةَ لَهَا عَقْلٌ غَرِيزِيٌّ٢، وَلا يَصِحُّ مِنْهَا النِّكَاحُ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَبُولِ هَذَا السُّؤَالِ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يُقْبَلُ٣، لَكِنْ بَعْدَ مَا يُبَيِّنُ٤ الْمُعْتَرِضُ مَحَلَّ التَّرَدُّدِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ سُؤَالَ الاسْتِفْسَارِ يُغْنِي عَنْهُ، فَلا حَاجَةَ إلَيْهِ. "وَجَوَابُهُ" أَيْ جَوَابُ٥ هَذَا الاعْتِرَاضِ "كَالاسْتِفْسَارِ" أَنْ٦ يَقُولَ الْمُسْتَدِلُّ٧: لَفْظِي الَّذِي ذَكَرْته مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي

стр. 1909

يُؤَدِّي لِلدَّلالَةِ١، وَالدَّالُّ٢ عَلَى حَمْلِهِ عَلَى ذَلِكَ٣: اللُّغَةُ أَوْ الْعُرْفُ الشَّرْعِيُّ، أَوْ الْعُرْفُ الْعَامُّ، أَوْ كَوْنُهُ مَجَازًا رَاجِحًا بِعُرْفِ الاسْتِعْمَالِ، أَوْ بِكَوْنِ٤ أَحَدِ الاحْتِمَالاتِ ظَاهِرًا٥ بِسَبَبِ مَا انْضَمَّ إلَيْهِ مِنْ الْقَرِينَةِ مِنْ لَفْظِ الْمُسْتَدِلِّ، إنْ كَانَ هُنَاكَ قَرِينَةٌ لَفْظِيَّةٌ، أَوْ حَالِيَّةٌ أَوْ عَقْلِيَّةٌ بِحَيْثُ لا يُحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِهِ لُغَةً وَلا عُرْفًا. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ بَعْدَ ذَلِكَ: وَلَوْ ذَكَرَ الْمُعْتَرِضُ احْتِمَالَيْنِ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِمَا لَفْظُ الْمُسْتَدِلِّ، كَقَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ: وُجِدَ سَبَبُ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ فَيَجِبُ، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ٦: مَتَى مَنَعَ٧ مَانِعُ الالْتِجَاءِ إلَى الْحَرَمِ٨، أَوْ عَدَمُهُ؟، الأَوَّلُ مَمْنُوعٌ. فَإِنْ أَوْرَدَهُ عَلَى٩ لَفْظِ الْمُسْتَدِلِّ لَمْ يُقْبَلْ لِعَدَمِ تَرَدُّدِ لَفْظِ السَّبَبِ بَيْنَ الاحْتِمَالَيْنِ١٠. وَإِنْ أَوْرَدَهُ عَلَى دَعْوَاهُ الْمُلازَمَةَ١١ بَيْنَ

стр. 1910

الْحُكْمِ وَدَلِيلِهِ فَهُوَ مُطَالَبَةٌ بِنَفْيِ الْمَانِعِ، وَلا يَلْزَمُ الْمُسْتَدِلَّ. فَإِنْ اسْتَدَلَّ الْمُعْتَرِضُ مَعَ١ ذَلِكَ عَلَى وُجُودِ الْمُعَارِضِ فَيُعَارِضُهُ. السَّادِسُ: مِنْ الْقَوَادِحِ "مَنْعُ وُجُودِ الْمُدَّعَى عِلَّةً فِي الأَصْلِ"٢. وَذَلِكَ "كَ" قَوْلِ الْمُعْتَرِضِ "الْكَلْبُ حَيَوَانٌ يُغْسَلُ مِنْ وُلُوغِهِ سَبْعًا فَلا يَطْهُرُ" جِلْدُهُ "بِدَبْغٍ كَ" جِلْدِ "خِنْزِيرٍ فَيُمْنَعُ٣" بِأَنْ يَقُولَ الْمُعْتَرِضُ: لا نُسَلِّمُ أَنَّ الْخِنْزِيرَ يُغْسَلُ مِنْ وُلُوغِهِ سَبْعًا. "وَجَوَابُهُ" أَيْ جَوَابُ هَذَا الاعْتِرَاضِ "بِبَيَانِهِ٤" أَيْ بِبَيَانِ٥ وُجُودِ الْوَصْفِ فِي الأَصْلِ بِأَحَدِ مَسَالِكِهَا٦ "بِدَلِيلٍ" أَيْ بِمَا هُوَ طَرِيقُ ثُبُوتِ٧ مِثْلِهِ "مِنْ عَقْلٍ" إنْ كَانَ عَقْلِيًّا "أَوْ حِسٍّ" إنْ كَانَ حِسِّيًّا "أَوْ شَرْعٍ" إنْ كَانَ شَرْعِيًّا "بِحَسَبِ حَالِ الْوَصْفِ".

стр. 1911

مِثَالٌ يَجْمَعُ١ الثَّلاثَةَ، إذَا قَالَ فِي الْقَتْلِ بِالْمُثَقَّلِ: قَتْلٌ عَمْدٌ عُدْوَانٌ، فَلَوْ قَالَ: لا نُسَلِّمُ أَنَّهُ قَتْلٌ. قَالَ: بِالْحِسِّ، وَلَوْ قِيلَ٢: لا نُسَلِّمُ أَنَّهُ عَمْدٌ. قَالَ: مَعْلُومٌ عَقْلاً بِأَمَارَتِهِ، وَلَوْ قِيلَ٣: لا نُسَلِّمُ أَنَّهُ عُدْوَانٌ. قَالَ: لأَنَّ الشَّرْعَ حَرَّمَهُ. "وَلَهُ" أَيْ لِلْمُسْتَدِلِّ "تَفْسِيرُ لَفْظِهِ بِمُحْتَمَلٍ" أَيْ بِمَعْنًى مُحْتَمَلٍ. السَّابِعُ: مِنْ الْقَوَادِحِ "مَنْعُ كَوْنِهِ" أَيْ كَوْنِ الْوَصْفِ "عِلَّةً" وَالْمُطَالَبَةُ بِتَصْحِيحِ ذَلِكَ٤. قَالَ الآمِدِيُّ٥ وَمَنْ تَبِعَهُ٦: هُوَ "أَعْظَمُ الأَسْئِلَةِ" لِعُمُومِ وُرُودِهِ وَتَشَعُّبِ مَسَالِكِهِ. "وَيُقْبَلُ" لِئَلاَّ يَحْتَجَّ الْمُسْتَدِلُّ بِكُلِّ طَرْدٍ، وَهُوَ لَعِبٌ؛ وَلأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ دَلِيلِ الْقِيَاسِ.

стр. 1912

خُولِفَ فِي مَا نُقِلَ عَنْ الصَّحَابَةِ١، أَوْ أَفَادَ الظَّنَّ. وَلَيْسَ الْقِيَاسُ رَدَّ فَرْعٍ إلَى أَصْلٍ بِأَيِّ٢ جَامِعٍ كَانَ، بَلْ بِجَامِعٍ مَظْنُونٍ، وَلَيْسَ عَجْزُ الْمُعَارِضِ عَنْ إبْطَالِهَا دَلِيلَ صِحَّتِهَا لِلُزُومِ صِحَّةِ كُلِّ صُورَةِ دَلِيلٍ لِعَجْزِهِ. فَهَذَا السُّؤَالُ يَعُمُّ كُلَّ مَا يُدَّعَى أَنَّهُ عِلَّةٌ. وَطُرُقُهُ كَثِيرَةٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَيُقَالُ لَهُ: سُؤَالُ الْمُطَالَبَةِ٣، وَحَيْثُ أُطْلِقَتْ الْمُطَالَبَةُ٤ فَلا يُقْصَدُ٥ فِي الْعُرْفِ سِوَى ذَلِكَ، وَمَتَى أُرِيدَ غَيْرُهُ ذُكِرَ مُقَيَّدًا، فَيُقَالُ: الْمُطَالَبَةُ بِكَذَا. وَلَوْ لَمْ يُقْبَلْ لأَدَّى الْحَالُ إلَى اللَّعِبِ فِي التَّمَسُّكِ بِكُلِّ طَرْدٍ مِنْ الأَوْصَافِ، كَالطُّولِ وَالْقِصَرِ. فَإِنَّ الْمُسْتَدِلَّ يَأْمَنُ الْمَنْعَ، وَيَتَعَلَّقُ بِمَا شَاءَ مِنْ الأَوْصَافِ٦. وَقِيلَ: لا يُقْبَلُ؛ لأَنَّ الْقِيَاسَ رَدُّ فَرْعٍ إلَى أَصْلٍ بِجَامِعٍ. وَقَدْ وُجِدَ. فَفِيمَ٧ الْمَنْعُ؟

стр. 1913

وَرَدُّهُ: أَنَّ ذَلِكَ مَظْنُونُ الصِّحَّةِ، وَالْوَصْفُ الطَّرْدِيُّ مَظْنُونُ الْفَسَادِ. "وَجَوَابُهُ" أَيْ جَوَابُ مَنْعِ كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً "بِبَيَانِهِ١ بِأَحَدِ مَسَالِكِهَا" أَيْ بِأَنْ٢ يُثْبِتَ الْمُسْتَدِلُّ عِلِّيَّةَ٣ الْوَصْفِ بِأَحَدِ الطُّرُقِ الْمُفِيدَةِ لِلْعِلَّةِ، مِنْ إجْمَاعٍ أَوْ نَصٍّ أَوْ مُنَاسَبَةٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ. قَالَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ: وَكُلُّ٤ مَسْلَكٍ تَمَسَّكَ بِهَا٥ فَيَرِدُ عَلَيْهِ مَا هُوَ شَرْطُهُ، أَيْ مَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ الأَسْئِلَةِ الْمَخْصُوصَةِ بِهِ. وَقَدْ نَبَّهَ - أَيْ٦ ابْنُ الْحَاجِبِ - هَاهُنَا٧ عَلَى اعْتِرَاضَاتِ الأَدِلَّةِ الأُخْرَى بِتَبَعِيَّةِ٨ اعْتِرَاضَاتِ الْقِيَاسِ عَلَى سَبِيلِ الإِيجَازِ، وَلا بَأْسَ أَنْ٩ نَبْسُطَ فِيهِ الْكَلامَ بَعْضَ الْبَسْطِ١٠؛ لأَنَّ الْبَحْثَ كَمَا يَقَعُ فِي١١

стр. 1914

الْقِيَاسِ يَقَعُ فِي سَائِرِ الأَدِلَّةِ. وَمَعْرِفَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَافِعَةٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. فَنَقُولُ: الأَسْئِلَةُ بِحَسَبِ مَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ الإِجْمَاعِ وَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَتَخْرِيجُ الْمَنَاطِ: أَرْبَعَةُ أَصْنَافٍ: الصِّنْفُ الأَوَّلُ: عَلَى الإِجْمَاعِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ الْحَاجِبِ لِقِلَّتِهِ. وَمِثَالُهُ: مَا قَالَتْ١ الْحَنَفِيَّةُ فِي وَطْءِ الثَّيِّبِ: الإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لا يَجُوزُ الرَّدُّ مَجَّانًا. فَإِنَّ عُمَرَ وَزَيْدًا أَوْجَبَا نِصْفَ عُشْرِ الْقِيمَةِ، وَفِي الْبِكْرِ عُشْرَهَا، وَعَلِيُّ مَنَعَ الرَّدَّ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَهُوَ ظَنِّيٌّ فِي دَلالَتِهِ وَفِي نَقْلِهِ، وَلَوْلا أَحَدُهُمَا لَمَا تُصَوِّرَ فِي مَحَلِّ٢ الْخِلافِ. وَالاعْتِرَاضُ عَلَى٣ وُجُوهٍ: الأَوَّلُ: مَنْعُ وُجُودِ الإِجْمَاعِ لِصَرِيحِ الْمُخَالَفَةِ، أَوْ مَنْعُ دَلالَةِ السُّكُوتِ عَلَى الْمُوَافَقَةِ. الثَّانِي: الطَّعْنُ فِي السَّنَدِ، بِأَنْ نَقَلَهُ فُلانٌ، وَهُوَ ضَعِيفٌ إنْ أَمْكَنَهُ. الثَّالِثُ: الْمُعَارَضَةُ، وَلا تَجُوزُ٤ بِالْقِيَاسِ، مِثْلَ: الْعَيْبُ

стр. 1915

١يُثْبِتُ الرَّدَّ، وَتَثْبُتُ٢ عِلِّيَّةُ الْعَيْبِ لِلرَّدِّ بِالْمُنَاسَبَةِ أَوْ غَيْرِهَا، وَلا بِخَبَرٍ٣ وَاحِدٍ٤، إلاَّ إذَا كَانَتْ دَلالَتُهُ٥ قَاطِعَةً٦، وَلَكِنْ٧ بِإِجْمَاعٍ آخَرَ أَوْ بِمُتَوَاتِرٍ. الصِّنْفُ الثَّانِي: عَلَى ظَاهِرِ الْكِتَابِ. كَمَا إذَا اُسْتُدِلَّ فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْغَائِبِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ٨﴾ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ كُلِّ بَيْعٍ. وَالاعْتِرَاضُ عَلَى وُجُوهٍ٩: الأَوَّلُ: الاسْتِفْسَارُ. وَقَدْ عَرَّفْتَهُ. الثَّانِي: مَنْعُ ظُهُورِهِ فِي الدَّلالَةِ، فَإِنَّهُ خَرَجَ صُوَرٌ١٠ لا تُحْصَى١١، أَوْ١٢ لا نُسَلِّمُ أَنَّ اللاَّمَ لِلْعُمُومِ، فَإِنَّهُ يَجِيءُ

стр. 1916

لِلْعُمُومِ١ وَالْخُصُوصِ٢. الثَّالِثُ: التَّأْوِيلُ، وَهُوَ أَنَّهُ - وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا فِيمَا ذَكَرْت - لَكِنْ يَجِبُ صَرْفُهُ عَنْهُ إلَى مَحْمَلٍ مَرْجُوحٍ، بِدَلِيلٍ يُصَيِّرُهُ٣ رَاجِحًا. نَحْوَ قَوْلِهِ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ وَهَذَا أَقْوَى؛ لأَنَّهُ عَامٌّ٤ لَمْ٥ يَتَطَرَّقْ إلَيْهِ تَخْصِيصٌ، أَوْ التَّخْصِيصُ فِيمَا قَلَّ٦. الرَّابِعُ: الإِجْمَالُ فَإِنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ وَجْهِ التَّرْجِيحِ وَإِنْ لَمْ٧ يُصَيِّرْهُ رَاجِحًا فَإِنَّهُ يُعَارِضُ الظُّهُورَ، فَيَبْقَى مُجْمَلاً. الْخَامِسُ: الْمُعَارَضَةُ بِآيَةٍ أُخْرَى، نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ٨﴾ وَهَذَا [مَا٩] لَمْ يَتَحَقَّقْ فِيهِ الرِّضَى، فَيَكُونُ بَاطِلاً، أَوْ بِحَدِيثٍ١٠ مُتَوَاتِرٍ كَمَا ذَكَرْنَا.

стр. 1917

السَّادِسُ: مَنْعُ١ الْقَوْلِ بِمُوجِبِهِ، وَهُوَ تَسْلِيمُ مُقْتَضَى النَّصِّ مَعَ بَقَاءِ الْخِلافِ. مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: سَلَّمْنَا حِلَّ الْبَيْعِ، وَالْخِلافُ فِي صِحَّتِهِ بَاقٍ. فَإِنَّهُ مَا أُثْبِتُهُ. الصِّنْفُ٢ الثَّالِثُ٣: مَا يَرِدُ عَلَى ظَاهِرِ السُّنَّةِ، كَمَا إذَا اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ٤ "أَمْسِكْ أَرْبَعًا، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ" عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ لا يَنْفَسِخُ. وَالاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ بِالْوُجُوهِ٥ السِّتَّةِ الْمَذْكُورَةِ. الأَوَّلُ: الاسْتِفْسَارُ. الثَّانِي: مَنْعُ الظُّهُورِ إذْ لَيْسَ فِيمَا ذَكَرْت مِنْ الْخَبَرِ صِيغَةُ٦ عُمُومٍ، أَوْ؛ لأَنَّهُ٧ خِطَابٌ لِخَاصٍّ٨، أَوْ؛ لأَنَّهُ وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ. الثَّالِثُ: التَّأْوِيلُ بِأَنَّ٩ الْمُرَادَ: تَزَوَّجْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا بِعَقْدٍ

стр. 1918

جَدِيدٍ. فَإِنَّ الطَّارِئَ كَالْمُبْتَدَإِ فِي إفْسَادِ النِّكَاحِ كَالرَّضَاعِ. الرَّابِعُ: الإِجْمَالُ كَمَا ذَكَرْنَا. الْخَامِسُ: الْمُعَارَضَةُ بِنَصٍّ آخَرَ. السَّادِسُ: الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ. وَهَاهُنَا١ أَسْئِلَةٌ تَخْتَصُّ بِأَخْبَارِ الآحَادِ، وَهُوَ الطَّعْنُ فِي السَّنَدِ، بِأَنْ يَقُولَ: هَذَا الْخَبَرُ مُرْسَلٌ، أَوْ ضَعِيفٌ٢، أَوْ فِي رَاوِيَتِهِ٣ قَدْحٌ. فَإِنَّ رَاوِيَهُ ضَعِيفٌ لِخَلَلٍ٤ فِي عَدَالَتِهِ أَوْ ضَبْطِهِ، أَوْ بِأَنَّهُ٥ كَذَّبَهُ الشَّيْخُ، فَقَالَ: لَمْ يَرْوِ عَنِّي. مِثَالُهُ: إذَا قَالَ الأَصْحَابُ "الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا٦" قَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ رَاوِيَهُ مَالِكٌ. وَقَدْ خَالَفَهُ. وَإِذَا قُلْنَا "أَيُّمَا امْرَأَةٍ٧ نَكَحَتْ٨ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا،

стр. 1919

فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ" قَالُوا١: لا يَصِحُّ؛ لأَنَّهُ يَرْوِيهِ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى الدِّمَشْقِيُّ٢ عَنْ الزُّهْرِيِّ. فَسُئِلَ الزُّهْرِيُّ؟ فَقَالَ: لا أَعْرِفُهُ. الصِّنْفُ الرَّابِعُ: مَا يَرِدُ عَلَى تَخْرِيجِ الْمَنَاطِ. وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ٣ مِنْ عَدَمِ الإِفْضَاءِ، أَوْ الْمُعَارَضَةِ، أَوْ عَدَمِ الظُّهُورِ٤ أَوْ عَدَمِ الانْضِبَاطِ٥، وَمَا٦ تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ مُرْسَلٌ أَوْ غَرِيبٌ أَوْ٧ شَبَهٌ٨، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْعَضُدُ بِعَيْنِهِ فِي الإِيضَاحِ لأَبِي مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيِّ.

стр. 1920

الثَّامِنُ: مِنْ الْقَوَادِحِ "عَدَمُ التَّأْثِيرِ"١ وَهُوَ دَعْوَى الْمُعْتَرِضِ "بِأَنَّ الْوَصْفَ لا مُنَاسَبَةَ لَهُ" وَ "لا يَرِدُ" هَذَا "عَلَى قِيَاسِ الدَّلالَةِ" قَالَهُ٢ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ٣ وَابْنُ عَقِيلٍ٤؛ لأَنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الدَّلِيلِ عَدَمُ الْمَدْلُولِ. وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الانْتِصَارِ فِي مَسْأَلَةِ عَدَالَةِ الشُّهُودِ وَالنِّكَاحِ بِلَفْظِ الْهِبَةِ. "وَ" قَالَ أَيْضًا "لا" يَرِدُ عَلَى "قِيَاسٍ نَافٍ لِلْحُكْمِ" لِتَعَدُّدِ سَبَبِ انْتِفَائِهِ؛ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ أَوْ جُزْئِهَا أَوْ وُجُودِ مَانِعٍ، أَوْ فَوَاتِ شَرْطٍ

стр. 1921

بِخِلافِ سَبَبِ ثُبُوتِهِ؛ لأَنَّ عَدَمَ التَّأْثِيرِ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا لَمْ تَخْلُفْ الْعِلَّةَ عِلَّةٌ أُخْرَى، وَلأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى قِيَاسِ الدَّلالَةِ. وَقَالَ الْبِرْمَاوِيُّ وَغَيْرُهُ: مِنْ الْقَوَادِحِ فِي الْعِلَّةِ: عَدَمُ التَّأْثِيرِ، كَأَنْ يَقُولَ الْمُعْتَرِضُ: هَذَا١ الَّذِي عَلَّلَ بِهِ غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِلتَّعْلِيلِ، لِكَوْنِهِ طَرْدِيًّا، أَوْ لاخْتِلالِ٢ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الْعِلَّةِ فِيهِ. فَلا يُكْتَفَى بِهِ فِي التَّعْلِيلِ. وَوَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّأْثِيرِ هُنَا اقْتِضَاؤُهُ، إمَّا بِمَعْنَى الْمُعَرِّفِ٣ أَوْ الْمُؤَثِّرِ، عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ الْخِلافِ. فَإِذَا لَمْ يُفِدْ٤ أَثَرًا فَلا تَأْثِيرَ لَهُ. "وَأَقْسَامُهُ" أَيْ أَقْسَامُ عَدَمِ التَّأْثِيرِ "أَرْبَعَةٌ": الأَوَّلُ "عَدَمُهُ" أَيْ عَدَمُ التَّأْثِيرِ "فِي الْوَصْفِ" أَيْ لا تَأْثِيرَ لَهُ أَصْلاً؛ لِكَوْنِ الْوَصْفِ طَرْدِيًّا. "كَـ" قَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ: صَلاةُ الصُّبْحِ "صَلاةٌ لا تُقْصَرُ، فَلا يُقَدَّمُ أَذَانُهَا عَلَى وَقْتِهَا كَالْمَغْرِبِ، فَعَدَمُ الْقَصْرِ هُنَا" بِالنِّسْبَةِ لِعَدَمِ تَقْدِيمِ٥ الأَذَانِ "طَرْدِيٌّ" فَكَأَنَّهُ قَالَ: لا يُقَدَّمُ أَذَانُ الْفَجْرِ عَلَيْهَا؛

стр. 1922

لأَنَّهَا لا تُقْصَرُ، وَاطَّرَدَ ذَلِكَ فِي الْمَغْرِبِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَنْعَكِسْ فِي بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ إذْ مُقْتَضَى هَذَا الْقِيَاسِ: أَنَّ مَا يُقْصَرُ مِنْ الصَّلَوَاتِ يَجُوزُ تَقْدِيمُ أَذَانِهِ عَلَى وَقْتِهِ مِنْ حَيْثُ انْعِكَاسُ الْعِلَّةِ "فَيَرْجِعُ" حَاصِلُهُ "إلَى سُؤَالِ الْمُطَالَبَةِ١" بِصَلاحِيَّةِ٢ كَوْنِهِ عِلَّةً كَمَا سَبَقَ. "وَ" الْقَسَمُ الثَّانِي مِنْ أَقْسَامِ عَدَمِ التَّأْثِيرِ "عَدَمُهُ فِي الأَصْلِ" بِأَنْ يُسْتَغْنَى٣ عَنْهُ بِوَصْفٍ آخَرَ لِثُبُوتِ حُكْمِهِ بِدُونِهِ. "كَـ" قَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ "مَبِيعٌ٤ غَيْرُ مَرْئِيٍّ، فَبَطَلَ٥ كَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ". فَيُعْتَرَضُ بِأَنَّ الْعِلَّةَ الْعَجْزُ عَنْ التَّسْلِيمِ، وَهُوَ كَافٍ فِي الْبُطْلانِ. وَعَدَمُ التَّأْثِيرِ هُنَا: جِهَةُ الْعَكْسِ؛ لأَنَّ تَعْلِيلَ عَدَمِ صِحَّةِ بَيْعِ الْغَائِبِ؛ بِكَوْنِهِ٦ غَيْرَ مَرْئِيٍّ يَقْتَضِي٧ أَنَّ كُلَّ مَرْئِيٍّ يَجُوزُ بَيْعُهُ. وَقَدْ

стр. 1923

بَطَلَ بَيْعُ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ١ "فَالْعَجْزُ عَنْ التَّسْلِيمِ" وَصْفٌ٢ "مُسْتَقِلٌّ"، يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ وَحْدَهُ عِلَّةً؛ لِعَدَمِ الصِّحَّةِ. "وَيُقْبَلُ" الْقَدْحُ بِعَدَمِ التَّأْثِيرِ فِي الأَصْلِ "فِي وَجْهٍ". قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ وَغَيْرُهُ: وَقَبُولُهُ وَرَدُّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ. وَلَمْ يَقْبَلْهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْفَخْرُ إسْمَاعِيلُ، بِنَاءً عَلَى هَذَا٣. وَقَبِلَهُ الْمُوَفَّقُ فِي الرَّوْضَةِ٤ وَغَيْرُهُ. "وَهُوَ مُعَارَضٌ٥ فِي الأَصْلِ". "وَ"٦ الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ أَقْسَامِ عَدَمِ التَّأْثِيرِ "عَدَمُهُ٧" أَيْ عَدَمُ التَّأْثِيرِ٨ "فِي الْحُكْمِ" فَيَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ مَا عُلِّلَ بِهِ قَيْدٌ لا تَأْثِيرَ لَهُ فِي حُكْمِ الأَصْلِ الَّذِي قَدْ عُلِّلَ لَهُ٩.

стр. 1924

وَهُوَ ثَلاثَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهُمَا: مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "وَهُوَ مَا لا فَائِدَةَ لِذِكْرِهِ". "كَـ" قَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ "الْمُرْتَدُّ مُشْرِكٌ أَتْلَفَ مَالاً١ فِي دَارِ الْحَرْبِ٢. فَلا ضَمَانَ" عَلَيْهِ "كَحَرْبِيٍّ". "فَـ ٣" قَوْلُهُ "دَارُ الْحَرْبِ: طَرْدِيٌّ" لا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهِ "إذْ مَنْ أَوْجَبَهُ" أَيْ أَوْجَبَ الضَّمَانَ "أَوْ نَفَاهُ: أَطْلَقَ" الْقَوْلَ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِدَارِ الْحَرْبِ٤. فَيَرْجِعُ إلَى مَا رَجَعَ إلَيْهِ الْقِسْمُ الأَوَّلُ، وَهُوَ الْمُطَالَبَةُ بِتَأْثِيرِ كَوْنِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ. وَمَثَّلَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِقَوْلِنَا فِي تَخْلِيلِ٥ الْخَمْرِ: مَائِعٌ لا يَطْهُرُ بِالْكَثْرَةِ، فَلا يَطْهُرُ بِالصَّنْعَةِ٦ كَالدُّهْنِ وَاللَّبَنِ. فَقِيلَ٧ لِلْقَاضِي٨ فَقَوْلُك٩ "لا يَطْهُرُ بِالصَّنْعَةِ١٠" لا أَثَرَ

стр. 1925

لَهُ فِي الأَصْلِ. فَقَالَ١: هَذَا حُكْمُ الْعِلَّةِ، وَالتَّأْثِيرُ يُعْتَبَرُ فِي الْعِلَّةِ دُونَ الْحُكْمِ. قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: هَذَا ضَعِيفٌ. وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهِ مَذْهَبَيْنِ. النَّوْعُ الثَّانِي: مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "أَوْ لَهُ فَائِدَةٌ ضَرُورِيَّةٌ". "كَقَوْلِ مُعْتَبِرِ" أَيْ مُشْتَرِطِ٢ "عَدَدَ الأَحْجَارِ" أَيْ عَدَدَ الْمَسَحَاتِ٣ "فِي الاسْتِجْمَارِ" أَنَّهَا "عِبَادَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالأَحْجَارِ لَمْ يَتَقَدَّمْهَا مَعْصِيَةٌ، فَاعْتُبِرَ فِيهَا الْعَدَدُ كَالْجِمَارِ" أَيْ كَرَمْيِ الْجِمَارِ٤ فِي الْحَجِّ. "فَقَوْلُهُ" أَيْ قَوْلُ الْمُسْتَدِلِّ "لَمْ يَتَقَدَّمْهَا٥ مَعْصِيَةٌ لا أَثَرَ لَهُ" فِي الاسْتِدْلالِ "لَكِنَّهُ" أَيْ الْمُسْتَدِلَّ "مُضْطَرٌّ إلَى ذِكْرِهِ لِئَلاَّ يَنْتَقِضَ" عَلَيْهِ الاسْتِدْلال "بِـ" حَدِّ "الرَّجْمِ"؛ لأَنَّهُ أَيْضًا عِبَادَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالأَحْجَارِ، لَكِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهَا عَدَدٌ. وَحُكْمُ هَذَا النَّوْعِ حُكْمُ الَّذِي قَبْلَهُ.

стр. 1926

النَّوْعُ الثَّالِثُ: مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "أَوْ غَيْرُ ضَرُورَةٍ١". يَعْنِي أَنْ يَكُونَ لِذِكْرِ مَا لا أَثَرَ لَهُ فِي الْقِيَاسِ فَائِدَةٌ، لَكِنَّ الْمُعَلِّلَ لَمْ يُضْطَرَّ إلَيْهَا فِي ذَلِكَ الْقِيَاسِ "كَـ" قَوْلِهِ "الْجُمُعَةُ صَلاةٌ مَفْرُوضَةٌ، فَلَمْ تَفْتَقِرْ إلَى إذْنِ" ٢الإِمَامِ فِي إقَامَتِهَا "كَغَيْرِهَا" مِنْ الصَّلَوَاتِ. "فَـ" قَوْلُ الْمُسْتَدِلِّ "مَفْرُوضَةٌ: حَشْوٌ" وَلِهَذَا يُسَمَّى٣ هَذَا النَّوْعُ بِالْحَشْوِ "إذْ لَوْ حُذِفَتْ" "مَفْرُوضَةٌ" "لَمْ يَنْتَقِضْ" قِيَاسُهُ؛ لأَنَّ النَّفَلَ٤ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ لِتَقْرِيبِ الْفَرْعِ مِنْ الأَصْلِ، وَتَقْوِيَةِ الشَّبَهِ٥ بَيْنَهُمَا إذْ الْفَرْضُ بِالْفَرْضِ أَشْبَهُ مِنْ غَيْرِهِ. قَالَ فِي التَّمْهِيدِ: فَمَفْرُوضَةٌ، قِيلَ: يَضُرُّ٦ دُخُولُهُ؛ لأَنَّهُ بَعْضُ الْعِلَّةِ، وَقِيلَ: لا. فَإِنَّ فِيهِ٧ تَنْبِيهًا٨ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْفَرْضِ٩ أَوْلَى أَنْ لا يَفْتَقِرَ؛ وَلأَنَّهُ يُزِيدُ تَقْرِيبَهُ١٠ مِنْ الأَصْلِ.

стр. 1927

فَالأَوْلَى ذِكْرُهُ. اهـ. "وَ" الْقِسْمُ الرَّابِعُ مِنْ أَقْسَامِ عَدَمِ التَّأْثِيرِ "عَدَمُهُ" أَيْ عَدَمُ التَّأْثِيرِ "فِي الْفَرْعِ" وَإِنْ كَانَ الْوَصْفُ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي الْجُمْلَةِ، لَكِنْ لا يَطَّرِدُ التَّأْثِيرُ فِي ذَلِكَ الْفَرْعِ وَنَحْوِهِ مِنْ مَحَالِّ النِّزَاعِ١. مِثَالُ ذَلِكَ فِي وِلايَةِ الْمَرْأَةِ "كَ" قَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ: امْرَأَةٌ "زَوَّجَتْ نَفْسَهَا فَلا يَصِحُّ" تَزْوِيجُهَا "كَمَا لَوْ زُوِّجَتْ" أَيْ زَوَّجَهَا وَلِيُّهَا "بِغَيْرِ كُفْءٍ". فَالتَّزْوِيجُ مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ، وَإِنْ نَاسَبَ الْبُطْلانَ، إلاَّ أَنَّهُ لا اطِّرَادَ لَهُ فِي صُورَةِ النِّزَاعِ الَّتِي هِيَ تَزْوِيجُهَا نَفْسَهَا مُطْلَقًا. فَبَانَ أَنَّ الْوَصْفَ لا أَثَرَ لَهُ فِي الْفَرْعِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ٢. "وَهُوَ" أَيْ٣ وَهَذَا الْقِسْمُ "كَالثَّانِي" أَيْ كَالْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ حَيْثُ إنَّ حُكْمَ الْفَرْعِ هُنَا٤ مُضَافٌ إلَى غَيْرِ الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ، قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ٥ وَابْنُ مُفْلِحٍ وَالتَّاجُ السُّبْكِيُّ٦.

стр. 1928

وَقِيلَ: إنَّهُ كَالْقِسْمِ الثَّالِثِ، وَصَوَّبَهُ بَعْضُهُمْ. قَالَ الآمِدِيُّ: عَدَمُ التَّأْثِيرِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ رَدَّهُ قَوْمٌ لِمَنْعِهِمْ جَوَازَ الْفَرْضِ فِي الدَّلِيلِ. وَقَبِلَهُ مَنْ لَمْ يَمْنَعْهُ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ١. "وَيَجُوزُ الْفَرْضُ فِي بَعْضِ صُوَرِ الْمَسْأَلَةِ" عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ٢، وَبِهِ قَالَ الْمُوَفَّقُ وَالْمَجْدُ وَالْفَخْرُ إسْمَاعِيلُ. قَالَ الْمُوَفَّقُ فِي الرَّوْضَةِ: لَهُ أَنْ يَخُصَّ الدَّلِيلَ فَيُفِيدُ٣ لِغَرَضِ الْفَرْضِ بِبَعْضِ صُوَرِ الْخِلافِ، إلاَّ أَنْ يَعُمَّ٤ الْفُتْيَا، فَلا٥. وَقَالَ الْمَجْدُ: يَجُوزُ الْفَرْضُ فِي بَعْضِ صُوَرِ الْمَسْأَلَةِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا٦ عِنْدَ عَامَّةِ الأُصُولِيِّينَ٧. وَقَالَ الْفَخْرُ إسْمَاعِيلُ: وَالْمُخْتَارُ جَوَازُ الْفَرْضِ مِنْ غَيْرِ بِنَاءٍ٨،

стр. 1929

وَعَلَيْهِ الاصْطِلاحُ لإِرْفَاقِ١ الْمُسْتَدِلِّ، وَتَقْرِيبِ الْفَائِدَةِ. وَاسْتُدِلَّ لِلْجَوَازِ بِأَنَّهُ قَدْ لا يُسَاعِدُهُ الدَّلِيلُ عَلَى الْكُلِّ، أَوْ يُسَاعِدُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ لا يُعَلَّلُ٢ عَلَى دَفْعِ كَلامِ الْخَصْمِ، بِأَنْ يَكُونَ كَلامُهُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ أَشْكَلَ. فَيَسْتَفِيدُ بِالْفَرْضِ غَرَضًا صَحِيحًا، وَلا يَفْسُدُ بِذَلِكَ جَوَابُهُ؛ لأَنَّ مَنْ سَأَلَ٣ عَنْ الْكُلِّ فَقَدْ سَأَلَ٤ عَنْ الْبَعْضِ. وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الأَوَّلُ فِي الْمَسْأَلَةِ. مِثَالُ ذَلِكَ: لَوْ قَالَ الْمُسْتَدِلُّ٥ عَنْ نُفُوذِ عِتْقِ الرَّاهِنِ: أَفْرُضُ الْكَلامَ فِي الْمُعْسِرِ، أَوْ عَنْ مَنْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا، أَوْ٦ أَفْرُضُهُ٧ فِي مَنْ زُوِّجَتْ٨ بِغَيْرِ كُفْءٍ. فَإِذَا خَصَّ الْمُسْتَدِلُّ تَزْوِيجَهَا٩ نَفْسَهَا مِنْ غَيْرِ الْكُفْءِ بِالدَّلِيلِ فَقَدْ فَرَضَ دَلِيلَهُ فِي بَعْضِ صُورَةِ النِّزَاعِ. الْمَذْهَبُ الثَّانِي: الْجَوَازُ بِشَرْطِ بِنَاءِ مَا خَرَجَ عَنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ

стр. 1930

إلَى مَحَلِّ الْفَرْضِ، أَيْ يَنْبَنِي١ غَيْرُ مَا فَرَضَهُ وَأَقَامَ الدَّلِيلَ عَلَيْهِ عَلَى مَا٢ فَرَضَهُ، اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ. الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: الْمَنْعُ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ فُورَكٍ، فَشَرَطَ أَنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ عَامًّا لِجَمِيعِ مَوَاقِعِ النِّزَاعِ؛ لِيَكُونَ مُطَابِقًا لِلسُّؤَالِ، وَدَافِعًا٣ لاعْتِرَاضِ الْخَصْمِ. الْمَذْهَبُ الرَّابِعُ: وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ٤ الْمَنْعُ إنْ كَانَ الْوَصْفُ الْمَجْعُولُ فِي الْفَرْضِ طَرْدًا، وَإِلاَّ قُبِلَ. وَعَلَى الْجَوَازِ وَهُوَ الصَّحِيحُ "يَكْفِي قَوْلُهُ" أَيْ قَوْلُ الْمُسْتَدِلِّ "ثَبَتَ الْحُكْمُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، فَلَزِمَ ثُبُوتُهُ فِي الْبَاقِي" ضَرُورَةً إذْ٥ لا قَائِلَ بِالْفَرْقِ. وَقِيلَ: لا يَكْفِيهِ ذَلِكَ، بَلْ يَحْتَاجُ إلَى رَدِّ مَا خَرَجَ عَنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ إلَى مَحَلِّ الْفَرْضِ بِجَامِعٍ صَحِيحٍ، كَمَا هُوَ قَاعِدَةُ الْقِيَاسِ.
следующие страницы →