← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12019

شرح الكوكب المنير = شرح مختصر التحرير

ابن النجار الفتوحي

Полный текст (2 398 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وَقِيلَ: لا تَثْبُتُ قِيَاسًا مُطْلَقًا. اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَالصَّيْرَفِيُّ١، وَأَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلاَّنِيُّ فِي "التَّقْرِيبِ". وَفَائِدَةُ الْخِلافِ: أَنَّ الْمُثْبِتَ لِلْقِيَاسِ فِي اللُّغَةِ يَسْتَغْنِي عَنْ٢ الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ. فَيَكُونُ إيجَابُ الْحَدِّ عَلَى شَارِبِ النَّبِيذِ، وَالْقَطْعِ عَلَى النَّبَّاشِ بِالنَّصِّ، وَمَنْ أَنْكَرَ الْقِيَاسَ فِي اللُّغَةِ جَعَلَ ثُبُوتَ ذَلِكَ بِالشَّرْعِ٣. "وَالإِجْمَاعُ عَلَى مَنْعِهِ" أَيْ: مَنْعِ الْقِيَاسِ "فِي عَلَمٍ وَلَقَبٍ وَصِفَةٍ. وَكَذَا مِثْلُ إنْسَانٍ وَرَجُلٍ٤، وَرَفْعِ فَاعِلٍ" ٥. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي "أُصُولِهِ": "الإِجْمَاعُ عَلَى مَنْعِهِ فِي الأَعْلامِ وَالأَلْقَابِ، وَذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ: ابْنُ عَقِيلٍ لِوَضْعِهِمَا لِغَيْرِ مَعْنًى جَامِعٍ وَالْقِيَاسُ فَرْعُهُ.

стр. 212

وَمِثْلُ١ هَذَا "سِيبَوَيْهِ زَمَانِهِ"، مَجَازٌ عَنْ حَافِظِ كِتَابِهِ٢. وَالإِجْمَاعُ عَلَى مَنْعِهِ فِي الصِّفَاتِ، لأَنَّ الْعَالِمَ مَنْ قَامَ بِهِ الْعِلْمُ فَيَجِبُ طَرْدُهُ، فَإِطْلاقُهُ بِوَضْعِ اللُّغَةِ٣، وَكَذَا مِثْلُ: إنْسَانٍ وَرَجُلٍ وَرَفْعِ الْفَاعِلِ٤، فَلا وَجْهَ لِجَعْلِهِ دَلِيلاً". انْتَهَى.

стр. 213

فصل في بيان معنى الحروف ... "الْحُرُوفُ" أَيْ هَذَا فَصْلُ بَيَانِ مَعْنَى الْحُرُوفِ. قَالَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ: "قَدْ قَالَ النُّحَاةُ: إنَّ الْحَرْفَ لا يَسْتَقِلُّ بِالْمَعْنَى١. وَعَلَيْهِ إشْكَالٌ. فَتَقَرَّرَ الْمُرَادُ أَوَّلاً، وَالإِشَارَةُ إلَى الإِشْكَالِ ثَانِيًا، وَحَلُّهُ ثَالِثًا. أَمَّا تَقْرِيرُهُ: فَهُوَ أَنَّ نَحْوَ "مِنْ" وَ "إلَى" مَشْرُوطٌ فِي وَضْعِهَا دَالَّةٌ٢ عَلَى مَعْنَاهَا الإِفْرَادِيِّ، وَهُوَ الابْتِدَاءُ وَالانْتِهَاءُ. وَذِكْرُ مُتَعَلَّقِهَا مِنْ دَارٍ أَوْ سُوقٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، مِمَّا يَدْخُلُ عَلَيْهِ الْحَرْفُ، وَمِنْهُ الابْتِدَاءُ، وَإِلَيْهِ الانْتِهَاءُ. وَالاسْمُ نَحْوُ "الابْتِدَاءِ" وَ "الانْتِهَاءِ"، وَالْفِعْلُ نَحْوُ "ابْتَدَأَ" وَ "انْتَهَى" غَيْرُ مَشْرُوطٍ فِيهِ ذَلِكَ. وَأَمَّا الإِشْكَالُ: فَهُوَ أَنَّ نَحْوَ: ذُو، وَأُولُو٣، وأُولاتُ٤، وَقَيْدٌ، وَقَيْسٌ٥، وَقَابَ، وَأَيْ، وَبَعْضُ، وَكُلُّ، وَفَوْقَ، وَتَحْتَ، وَأَمَامَ، وَقُدَّامَ، وَخَلْفَ، وَوَرَاءَ ... مِمَّا لا يُحْصَى كَذَلِكَ، إذْ لَمْ يُجَوِّزْ الْوَاضِعُ اسْتِعْمَالَهَا إلاَّ بِمُتَعَلِّقَاتِهَا. فَكَانَ يَجِبُ كَوْنُهَا حُرُوفًا. وَإِنَّهَا أَسْمَاءٌ. وَأَمَّا الْحَلُّ: فَهُوَ أَنَّهَا - وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقْ اسْتِعْمَالُهَا إلاَّ كَذَلِكَ، لأَمْرٍ مَا عَرَضَ-. فَغَيْرُ٦ مَشْرُوطٍ فِي وَضْعِهَا [دَالَّةٌ] ٧ ذَلِكَ لِمَا عُلِمَ أَنَّ "ذُو" بِمَعْنَى

стр. 214

صَاحِبٍ، وَيُفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ الإِفْرَادِ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ وَضْعَهُ لَهُ لِغَرَضٍ مَا، وَهُوَ التَّوَصُّلُ بِهِ إلَى الْوَصْفِ بِأَسْمَاءِ الأَجْنَاسِ، فِي نَحْوِ: زَيْدٌ ذُو مَالٍ، وَذُو فَرَسٍ، فَوَضْعُهُ لِيُتَوَصَّلَ بِهِ إلَى ذَلِكَ هُوَ الَّذِي اقْتَضَى ذِكْرَ الْمُضَافِ إلَيْهِ. لا أَنَّهُ١ لَوْ ذُكِرَ دُونَهُ لَمْ يَدُلَّ عَلَى مَعْنَاهُ نَعَمْ لَمْ يَحْصُلْ الْغَرَضُ مِنْ وَضْعِهِ! وَالْفَرْقُ بَيْنَ عَدَمِ فَهْمِ الْمَعْنَى، وَبَيْنَ عَدَمِ فَائِدَةِ٢ الْوَضْعِ مَعَ فَهْمِ الْمَعْنَى ظَاهِرٌ. وَكَذَلِكَ "فَوْقَ" وُضِعَ لِمَكَانٍ لَهُ عُلُوٌّ. وَيُفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ الانْفِرَادِ٣ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ وَضْعَهُ لَهُ لِيُتَوَصَّلَ [بِهِ] ٤ إلَى عُلْوٍ خَاصٍّ، اقْتَضَى ذِكْرَ الْمُضَافِ إلَيْهِ وَكَذَلِكَ بَاقِي٥ الأَلْفَاظِ"٦. "وَإِذْ قَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ فَنَقُولُ: الْحَرْفُ مَا٧ وُضِعَ بِاعْتِبَارِ مَعْنًى عَامٍّ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ النِّسْبَةِ كَالابْتِدَاءِ٨ وَالانْتِهَاءِ، لِكُلِّ ابْتِدَاءٍ أَوْ انْتِهَاءٍ مُعَيَّنٍ بِخُصُوصِهِ. وَالنِّسْبَةُ لا تَتَعَيَّنُ إلاَّ بِالْمَنْسُوبِ إلَيْهِ. فَالابْتِدَاءُ الَّذِي لِلْبَصْرَةِ يَتَعَيَّنُ٩ بِالْبَصْرَةِ. وَالانْتِهَاءُ الَّذِي لِلْكُوفَةِ يَتَعَيَّنُ١٠ بِالْكُوفَةِ، فَمَا١١ لَمْ يُذْكَرْ

стр. 215

مُتَعَلَّقُهُ، لا يَتَحَصَّلُ فَرْدٌ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ الَّذِي١ هُوَ مَدْلُولُ الْحَرْفِ، لا فِي الْعَقْلِ وَلا فِي الْخَارِجِ، وَإِنَّمَا يَتَحَصَّلُ بِالْمَنْسُوبِ إلَيْهِ، فَيَتَعَقَّلُ بِتَعَقُّلِهِ٢، بِخِلافِ مَا وُضِعَ لِلنَّوْعِ بِعَيْنِهِ٣ كَالابْتِدَاءِ وَالانْتِهَاءِ. [وَ] ٤ بِخِلافِ مَا وُضِعَ لِذَاتٍ مَا بِاعْتِبَارِ نِسْبَةٍ. نَحْوُ "ذُو" وَ "فَوْقَ" وَ "عَلَى"، وَ "عَنْ"، وَ "الْكَافِ" إذَا أُرِيدَ بِهَا٥ عُلُوٌّ وَتَجَاوُزٌ وَشَبَهٌ٦ مُطْلَقًا. فَهُوَ كَالابْتِدَاءِ [وَالانْتِهَاءِ] ٧ ... ٨". اهـ. وَالْمُرَادُ بِالْحُرُوفِ هُنَا: "مَا يَحْتَاجُ الْفَقِيهُ إلَى مَعْرِفَتِهِ مِنْ مَعَانِي الأَلْفَاظِ الْمُفْرَدَةِ"، لا الْحَرْفِ الَّذِي هُوَ قَسِيمُ الاسْمِ وَالْفِعْلِ، لأَنَّهُ قَدْ ذُكِرَ مَعَهَا أَسْمَاءٌ. كَـ "إِذَا" وَ "إِذْ"، وَأُطْلِقَ عَلَيْهَا لَفْظُ الْحُرُوفِ تَغْلِيبًا بِاعْتِبَارِ الأَكْثَرِ.

стр. 216

"الْوَاوُ" "الْوَاوُ الْعَاطِفَةُ" تَكُونُ "لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ" أَيْ: الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ التَّرْتِيبِ وَالْمَعِيَّةِ. عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَأَكْثَرِ النُّحَاةِ١. وَهِيَ تَارَةً تَعْطِفُ الشَّيْءَ عَلَى صَاحِبِهِ٢، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ ٣ وَعَلَى سَابِقِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ﴾ ٤ وَعَلَى٥ لاحِقِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿٦ كَذَلِكَ يُوحِي ٦ إلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِك﴾ ٧. فَعَلَى هَذَا إذَا قِيلَ "قَامَ٨ زَيْدٌ وَعَمْرٌو" احْتَمَلَ ثَلاثَةَ٩ مَعَانٍ:

стр. 217

الْمَعِيَّةَ – ١ عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَأَكْثَرِ النُّحَاةِ ١ - وَالتَّرْتِيبَ، وَعَدَمَهُ. قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: "وَكَوْنُهَا لِلْمَعِيَّةِ رَاجِحٌ، وَلِلتَّرْتِيبِ كَثِيرٌ، وَلِعَكْسِهِ قَلِيلٌ"٢. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ مُتَعَاطِفَيْهَا تَفَاوُتٌ أَوْ تَرَاخٍ نَحْوَ ﴿إنَّا رَادُّوهُ إلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٣. وَالتَّعْبِيرُ بِكَوْنِهَا لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ، - كَمَا فِي الْمَتْنِ-: هُوَ الصَّحِيحُ. وَأَمَّا مَنْ عَبَّرَ بِكَوْنِهَا لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ٤، فَلَيْسَ بِوَافٍ بِالْمُرَادِ؛ لأَنَّ الْمُطْلَقَ هُوَ الَّذِي لَمْ يُقَيَّدْ بِشَيْءٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ قَوْلُنَا مَثَلاً: "قَامَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو" فَلا يَدْخُلُ فِيهِ الْقَيْدُ بِالْمَعِيَّةِ، وَلا بِالتَّقْدِيمِ، وَلا بِالتَّأْخِيرِ لِخُرُوجِهَا بِالتَّقْيِيدِ عَنْ الإِطْلاقِ. وَأَمَّا مُطْلَقُ الْجَمْعِ: فَمَعْنَاهُ: أَيُّ جَمْعٍ كَانَ. فَحِينَئِذٍ تَدْخُلُ فِيهِ الصُّوَرُ كُلُّهَا. وَمِمَّا يُشْبِهُ ذَلِكَ: مُطْلَقُ الأَمْرِ، وَالأَمْرُ الْمُطْلَقُ، فَإِذَا قُلْت "الأَمْرُ الْمُطْلَقُ" فَقَدْ أَدْخَلْت اللاَّمَ عَلَى الأَمْرِ، وَهِيَ تُفِيدُ الْعُمُومَ وَالشُّمُولَ، ثُمَّ وَصَفْته بَعْدَ ذَلِكَ بِالإِطْلاقِ٥، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يُقَيَّدْ بِقَيْدٍ يُوجِبُ تَخْصِيصَهُ مِنْ شَرْطٍ أَوْ صِفَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا. فَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ فَرْدٍ مِنْ الأَفْرَادِ الَّتِي هَذَا شَأْنُهَا. وَأَمَّا مُطْلَقُ الأَمْرِ: فَالإِضَافَةُ فِيهِ لَيْسَتْ لِلْعُمُومِ، بَلْ لِلتَّمْيِيزِ. فَهُوَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ مُطْلَقٍ لا عَامٌّ، فَيَصْدُقُ بِفَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ.

стр. 218

وَعَلَى هَذَا: فَمُطْلَقُ الْبَيْعِ يَنْقَسِمُ إلَى جَائِزٍ وَغَيْرِهِ. وَالْبَيْعُ الْمُطْلَقُ لِلْجَائِزِ فَقَطْ، وَالأَمْرُ الْمُطْلَقُ لِلْوُجُوبِ، وَمُطْلَقُ الأَمْرِ يَنْقَسِمُ إلَى وَاجِبٍ وَمَنْدُوبٍ، وَالْمَاءُ الْمُطْلَقُ طَهُورٌ، وَمُطْلَقُ الْمَاءِ يَنْقَسِمُ إلَى طَهُورٍ وَغَيْرِهِ. وَالْمِلْكُ الْمُطْلَقُ هُوَ الَّذِي يَثْبُتُ لِلْحُرِّ، وَمُطْلَقُ الْمِلْكِ يَثْبُتُ لِلْحُرِّ وَالْعَبْدِ. فَإِذَا قِيلَ: الْعَبْدُ هَلْ يَمْلِكُ أَوْ لا؟ كَانَ الصَّوَابُ إثْبَاتَ مُطْلَقِ الْمِلْكِ لَهُ دُونَ الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ. وَإِذَا قِيلَ: الْفَاسِقُ مُؤْمِنٌ أَوْ غَيْرُ مُؤْمِنٍ؟ فَهُوَ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ. وَبِهَذَا التَّحْقِيقِ يَزُولُ الإِشْكَالُ فِي مَسْأَلَةِ الْمَنْدُوبِ. هَلْ هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ أَمْ لا؟ وَفِي مَسْأَلَةِ الْفَاسِقِ: الْمُسْلِمِ١ هَلْ هُوَ مُؤْمِنٌ أَمْ لا؟ "وَتَأْتِي" الْوَاوُ "بِمَعْنَى مَعَ" كَقَوْلِهِمْ: "جَاءَ الْبَرْدُ وَالطَّيَالِسَةَ"، وَنَحْوِهِ مِنْ الْمَفْعُولِ مَعَهُ٢. "وَ" تَأْتِي بِمَعْنَى "أَوْ" كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ ٣ وَقَوْلِهِ: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ ٤. "وَ" تَأْتِي بِمَعْنَى "رُبَّ" كَقَوْلِهِ٥: وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ

стр. 219

وَقَوْلِ الآخَرِ: وَنَارٍ لَوْ نَفَخَتْ بِهَا أَضَاءَتْ ... وَلَكِنْ أَنْتَ تَنْفُخُ فِي رَمَادِ "وَ" تَأْتِي الْوَاوُ "لِقَسَمٍ" كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيْلِ إذَا يَسْرِ﴾ ١. "وَ" تَأْتِي "لاسْتِئْنَافٍ" وَهُوَ كَثِيرٌ٢. "وَ" تَأْتِي لِ "حَالٍ" أَيْ: بِمَعْنَى الْحَالِ. نَحْوُ "جَاءَ زَيْدٌ٣ وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ"، "جَاءَ زَيْدٌ وَهُوَ يَضْحَكُ".

стр. 220

"الْفَاءُ" "الْفَاءُ الْعَاطِفَةُ"١ تَكُونُ "لِتَرْتِيبٍ" وَهُوَ قِسْمَانِ: - مَعْنَوِيٌّ كَـ "قَامَ زَيْدٌ فَعَمْرٌو". - وَذِكْرِيٌّ: وَهُوَ عَطْفُ مُفَصَّلٍ عَلَى مُجْمَلٍ هُوَ هُوَ فِي الْمَعْنَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ ٢ ﴿فَتُوبُوا إلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ٣ ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ ٤ ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ ٥ ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ ٦ وَتَقُولُ: "تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ". وَتَقُول: "قَالَ فَأَحْسَنَ"، "وَخَطَبَ فَأَوْجَزَ"، "وَأَعْطَى فَأَجْزَلَ". "وَ" تَأْتِي الْفَاءُ أَيْضًا لِـ "تَعْقِيبٍ" وَهُوَ كَوْنُ الثَّانِي بَعْدَ الأَوَّلِ بِغَيْرِ٧ مُهْلَةٍ. فَكَأَنَّ الثَّانِيَ أَخَذَ بِعَقِبِ الأَوَّلِ فِي الْجُمْلَةِ "كُلٌّ بِحَسَبِهِ عُرْفًا" يَعْنِي أَنَّ التَّعْقِيبَ يَكُونُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ. تَقُولُ: "تَزَوَّجَ فُلانٌ فَوُلِدَ لَهُ"

стр. 221

إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إلاَّ مُدَّةُ الْحَمْلِ وَإِنْ طَالَتْ. وَقَطَعَ بِهِ ابْنُ هِشَامٍ١ فِي "مُغْنِي اللَّبِيبِ"٢. وَنَقَلَ الرَّازِيّ وَأَتْبَاعُهُ. الإِجْمَاعَ: أَنَّهَا لِلتَّرْتِيبِ وَالتَّعْقِيبِ، لَكِنْ قَالَ الْفَرَّاءُ: إنَّهَا لا تَدُلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ، بَلْ تُسْتَعْمَلُ فِي انْتِفَائِهِ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا﴾ ٣ ٤ مَعَ أَنَّ مَجِيءَ الْبَأْسِ مُقَدَّمٌ عَلَى الإِهْلاكِ٥. وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ، أَوْ فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: "أَرَدْنَا إهْلاكَهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا" ٤. وَمِثْلُهُ: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ﴾ ٦. "وَتَأْتِي" الْفَاءُ أَيْضًا "سَبَبِيَّةٌ" وَهُوَ كَثِيرٌ ٧ فِي عَطْفِ الْجُمَلِ ٧، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ ٨ ﴿فَتَلَقَّى آدَم مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ ٩، وَكَذَا فِي عَطْفِ الصِّفَاتِ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَمِيمِ﴾ ١٠.

стр. 222

"وَ" تَأْتِي أَيْضًا "رَابِطَةً" لِلْجَوَابِ. وَذَلِكَ فِي سِتِّ مَسَائِلَ: الأُولَى١: أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ جُمْلَةً اسْمِيَّةً. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْك بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٢ وَقَوْلِهِ: ﴿إنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُك وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّك أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٣. الثَّانِيَةُ: أَنْ تَكُونَ فِعْلِيَّةً، وَهِيَ الَّتِي فِعْلُهَا جَامِدٌ نَحْوُ: ﴿إنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْك مَالاً وَوَلَدًا فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ﴾ ٤ ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ ٥ ﴿وَمَنْ يَكُنْ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ ٦ ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ ٧. الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ فِعْلُهَا إنْشَاءً نَحْوُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ ٨ ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ ٩ ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ ١٠ فِيهِ أَمْرَانِ: الاسْمِيَّةُ، وَالإِنْشَاءُ. الرَّابِعَةُ: أَنْ يَكُونَ فِعْلُهَا مَاضِيًا لَفْظًا وَمَعْنًى. إمَّا حَقِيقَةً نَحْوَ: ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ ١١، ﴿إنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ

стр. 223

وَهُوَ مِنْ الْكَاذِبِينَ﴾ ١، وَإِمَّا مَجَازًا نَحْوَ: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ ٢، نَزَلَ هَذَا الْفِعْلُ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ مَنْزِلَةَ مَا قَدْ وَقَعَ. الْخَامِسَةُ: أَنْ تَقْتَرِنَ بِحَرْفِ اسْتِقْبَالٍ نَحْوُ: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دَيْنِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ ٣ ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ ٤. السَّادِسَةُ: أَنْ تَقْتَرِنَ بِحَرْفٍ لَهُ الصَّدْرُ، كَقَوْلِهِ: فَإِنْ أَهْلَكْ فَذِي لَهَبٍ لَظَاهُ ... عَلَيَّ يَكَادُ يَلْتَهِبُ الْتِهَابَا٥ لِمَا عُرِفَ مِنْ أَنَّ "رُبَّ" مُقَدَّرَةٌ وَأَنَّ لَهَا الصَّدْرَ. وَأَمَّا إتْيَانُهَا زَائِدَةً فَاخْتَلَفُوا فِيهِ٦: فَذَهَبَ سِيبَوَيْهِ وَمَنْ تَبِعَهُ٧ أَنَّهَا لا تَكُونُ زَائِدَةً. وَأَجَازَهُ الأَخْفَشُ٨ فِي الْخَبَرِ مُطْلَقًا. وَحُكِيَ: "أَخُوك فَوَجَدَ".

стр. 224

"ثُمَّ" "ثُمَّ" حَرْفُ عَطْفٍ١ تَكُونُ "لِتَشْرِيكٍ" فِي الأَصَحِّ بَيْنَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا فِي الْحُكْمِ "وَ" تَكُونُ أَيْضًا لِـ "تَرْتِيبٍ بِمُهْلَةٍ" أَيْ بِتَرَاخٍ عِنْدَ الأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ، لَكِنَّهُ فِي الْمُفْرَدَاتِ مَعْنَوِيٌّ وَفِي الْجُمَلِ٢ "ذِكْرِيٌّ"٣ نَحْوُ: إنَّ مَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ ... ثُمَّ سَادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدُّهُ٤ فَهُوَ تَرْتِيبٌ فِي الإِخْبَارِ لا فِي الْمَوْجُودِ٥.

стр. 225

"حتّى" "حَتَّى، الْعَاطِفَةُ لِلْغَايَةِ"١ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ ٢، فَلا يَكُونُ الْمَعْطُوفُ بِهَا إلاَّ غَايَةً لِمَا قَبْلَهَا - مِنْ زِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ٣- نَحْوُ: "مَاتَ النَّاسُ حَتَّى الأَنْبِيَاءُ" وَ "قَدِمَ الْحُجَّاجُ٤ حَتَّى الْمُشَاةُ". "وَلا تَرْتِيبَ فِيهَا" فَهِيَ كَالْوَاوِ، فَإِنَّك تَقُولُ: "حَفِظْت الْقُرْآنَ حَتَّى سُورَةَ الْبَقَرَةِ"، وَإِنْ كَانَتْ أَوَّلَ مَا حَفِظْت أَوْ مُتَوَسِّطًا وَقِيلَ: هِيَ كَالْفَاءِ. وَقِيلَ: كَـ "ثُمَّ". "وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ مَعْطُوفِهَا جُزْءًا مِنْ مَتْبُوعِهِ" نَحْوَ "قَدِمَ الْحُجَّاجُ٥ حَتَّى الْمُشَاةُ٦" "أَوْ كَجُزْئِهِ" نَحْوَ "أَعْجَبَتْنِي٧ الْجَارِيَةُ حَتَّى حَدِيثُهَا". فَإِنَّ حَدِيثَهَا لَيْسَ بَعْضًا مِنْهَا، وَلَكِنَّهُ كَالْبَعْضِ، لأَنَّهُ مَعْنًى، مِنْ مَعَانِيهَا.

стр. 226

وَقَدْ يَكُونُ الْمَعْطُوفُ بِحَتَّى مُبَايِنًا لِمَتْبُوعِهِ فِي الْجِنْسِ مُوَافِقًا لَهُ فِي الْمَعْنَى فَتُقَدَّرُ بَعْضِيَّتُهُ١ كَقَوْلِهِ: أَلْقَى الصَّحِيفَةَ كَيْ يُخَفِّفَ رَحْلَهُ ... وَالزَّادَ، حَتَّى نَعْلَهُ أَلْقَاهَا٢ لأَنَّ الْمَعْنَى: أَلْقَى مَا يَثْقُلُهُ٣ حَتَّى نَعْلَهُ. "وَتَأْتِي" حَتَّى "لِتَعْلِيلٍ" كَقَوْلِهِ: "كَلَّمْته حَتَّى يَأْمُرَ لِي بِشَيْءٍ"، وَعَلامَتُهَا: أَنْ يَصْلُحَ مَوْضِعَهَا "كَيْ"، وَمِنْهُ: "أَسْلِمْ حَتَّى تَدْخُلَ الْجَنَّةَ". "وَقَلَّ" أَنْ تَأْتِيَ "لاسْتِثْنَاءٍ مُنْقَطِعٍ" كَقَوْلِهِ: لَيْسَ الْعَطَاءُ مِنْ الْفُضُولِ سَمَاحَةً ... حَتَّى تَجُودَ وَمَا لَدَيْكَ قَلِيلُ٤ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ فِي "الْمُغْنِي": "حَتَّى تَأْتِي لأَحَدِ ثَلاثَةِ مَعَانٍ: "انْتِهَاءُ الْغَايَةِ"، وَهُوَ الْغَالِبُ، وَ "التَّعْلِيلُ"، وَ "بِمَعْنَى "إلاَّ" فِي الاسْتِثْنَاءِ"، وَهُوَ أَقَلُّهَا.

стр. 227

وَتُسْتَعْمَلُ عَلَى ثَلاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ حَرْفَ جَرٍّ بِمَنْزِلِهِ "إلَى" فِي الْمَعْنَى [وَالْعَمَلِ] ١. الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ عَاطِفَةً بِمَنْزِلَةِ الْوَاوِ، إلاَّ أَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا مِنْ ثَلاثَةِ أَوْجُهٍ. وَذَكَرَهَا. الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ حَرْفَ ابْتِدَاءٍ، أَيْ حَرْفًا تُبْتَدَأُ بَعْدَهُ الْجُمَلُ، أَيْ تُسْتَأْنَفُ"٢.

стр. 228

"مِنْ" "مِنْ" الْجَارَّةُ١ "لابْتِدَاءِ الْغَايَةِ" فِي الْمَكَانِ اتِّفَاقًا. نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ٢، وَفِي الزَّمَانِ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ وَالْمُبَرِّدِ٣، وَابْنِ دُرُسْتَوَيْهِ. نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ ٤ ﴿وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ﴾ ٥ ﴿لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ ٦ وَصَحَّحَهُ ابْنُ مَالِكٍ٧، وَأَبُو حَيَّانَ لِكَثْرَةِ شَوَاهِدِهِ. فَتَكُونُ فِي ابْتِدَاءِ الْغَايَةِ حَقِيقَةً. وَتَكُونُ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْمَعَانِي مَجَازًا، هَذَا

стр. 229

قَوْلُ الأَكْثَرِ. وَقِيلَ: حَقِيقَةٌ فِي التَّبْعِيضِ١، مَجَازٌ فِي غَيْرِهِ. وَقِيلَ: حَقِيقَةٌ فِي التَّبَيُّنِ٢، مَجَازٌ فِي غَيْرِهِ. "وَلَهَا" أَيْ وَلِمَنْ "مَعَانٍ" غَيْرِ ذَلِكَ: - مِنْهَا: التَّعْلِيلُ، نَحْوُ ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنْ الصَّوَاعِقِ﴾ ٣ أَيْ لأَجْلِ الصَّوَاعِقِ. - وَمِنْهَا: الْبَدَلُ، [نَحْوُ] : ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ﴾ ٤ ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ ٥ أَيْ بَدَلَكُمْ. - وَمِنْهَا: انْتِهَاءُ الْغَايَةِ، - مِثْلَ "إلَى"- فَتَكُونُ لابْتِدَاءِ الْغَايَةِ مِنْ الْفَاعِلِ٦، وَلانْتِهَاءِ٧ غَايَةِ الْفِعْلِ مِنْ الْمَفْعُولِ، نَحْوُ "رَأَيْت الْهِلالَ مِنْ دَارِي مِنْ خَلَلِ السَّحَابِ" ٨ أَيْ مِنْ مَكَانِي إلَى خَلَلِ السَّحَابِ ٨. فَابْتِدَاءُ الرُّؤْيَةِ وَقَعَ مِنْ٩ الدَّارِ، وَانْتِهَاؤُهَا١٠ فِي خَلَلِ السَّحَابِ.

стр. 230

ذَكَرَ ابْنُ مَالِكٍ: أَنَّ سِيبَوَيْهِ أَشَارَ إلَى هَذَا الْمَعْنَى. وَأَنْكَرَهُ جَمَاعَةٌ وَقَالُوا: هِيَ لابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، لَكِنْ فِي حَقِّ١ الْمَفْعُولِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا فِي هَذَا الْمِثَالِ لابْتِدَاءِ الْغَايَةِ فِي حَقِّ الْفَاعِلِ، بِتَقْدِيرِ: "رَأَيْت الْهِلالَ مِنْ دَارِي ظَاهِرًا مِنْ خَلَلِ السَّحَابِ". - وَمِنْهَا تَنْصِيصُ الْعُمُومِ، وَهِيَ الدَّاخِلَةُ عَلَى نَكِرَةٍ لا تَخْتَصُّ بِالنَّفْيِ، نَحْوُ "مَا جَاءَنِي مِنْ رَجُلٍ" فَإِنَّهُ كَانَ قَبْلَ دُخُولِهَا مُحْتَمِلاً لِنَفْيِ الْجِنْسِ وَلِنَفْيِ الْوَحْدَةِ٢. وَلِهَذَا يَصِحُّ أَنْ، يَقُولَ٣: بَلْ رَجُلانِ. [وَيَمْتَنِعُ ذَلِكَ بَعْدَ دُخُولِ "مِنْ"] ٤. - وَمِنْهَا: الْفَصْلُ، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاَللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ﴾ ٥ وَتُعْرَفُ بِدُخُولِهَا عَلَى ثَانِي الْمُتَضَادَّيْنِ. - وَمِنْهَا: مَجِيئُهَا بِمَعْنَى "الْبَاءِ". نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ ٦. قَالَ يُونُسُ٧: أَيْ بِطَرْفٍ. - وَمِنْهَا مَجِيئُهَا بِمَعْنَى "فِي" نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ

стр. 231

الأَرْضِ﴾ ١. أَيْ فِي الأَرْضِ. وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ ٢ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: " ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ "٣. - "وَمِنْهَا: مَجِيئُهَا بِمَعْنَى "عِنْدَ" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى:"٤ ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا﴾ ٥ وَمِثْلُهُ [قَوْلُهُ ﷺ ] "وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْك الْجَدُّ" ٦. - وَمِنْهَا: مَجِيئُهَا بِمَعْنَى "عَلَى"، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنْ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ ٧ أَيْ عَلَى الْقَوْمِ. - وَمِنْهَا: مَجِيئُهَا بِمَعْنَى "عَنْ" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ٨.

стр. 232

"إلَى" "إلَى١: لانْتِهَائِهَا" أَيْ انْتِهَاءِ الْغَايَةِ ٢ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ٢. "وَ" تَأْتِي "بِمَعْنَى "مَعَ" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إلَى اللَّهِ﴾ ٣ أَيْ مَعَ اللَّهِ٤، وَنَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ ٥ أَيْ مَعَ أَمْوَالِكُمْ٦. وَقَوْلُ الْعَرَبِ "الذَّوْدُ إلَى الذَّوْدِ إبِلٌ"٧ أَيْ مَعَ الذَّوْدِ.

стр. 233

وَقَالَ الْحَسَنُ١ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: "إلَى" فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إلَى اللَّهِ﴾ بِمَعْنَى "فِي"، أَيْ: مَنْ أَعْوَانِي فِي ذَاتِ اللَّهِ وَسَبِيلِهِ٢. "وَابْتِدَاؤُهَا" أَيْ ابْتِدَاءُ الْغَايَةِ "دَاخِلٌ" فِي الْمُغَيَّا٣ "لا انْتِهَاؤُهَا" وَهُوَ مَا بَعْدَ "إلَى" فَلَوْ قَالَ: "لَهُ مِنْ دِرْهَمٍ إلَى عَشَرَةٍ". لَزِمَهُ٤ تِسْعَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ، لِدُخُولِ الأَوَّلِ وَعَدَمِ دُخُولِ الْعَاشِرِ. وَقِيلَ: لا يَدْخُلانِ فَيَلْزَمُهُ ثَمَانِيَةٌ. وَقِيلَ: إنْ كَانَتْ الْغَايَةُ مِنْ جِنْسِ الْمَحْدُودِ، "كَالْمَرَافِقِ"٥ دَخَلَتْ، وَإِلاَّ فَلا تَدْخُلُ كَـ ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ﴾ ٦.

стр. 234

"عَلَى" "عَلَى"١ أَشْهَرُ مَعَانِيهَا أَنْ تَكُونَ "لاسْتِعْلاءٍ" سَوَاءٌ كَانَ ذَاتِيًّا٢. نَحْوُ: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ ٣ أَوْ مَعْنَوِيًّا نَحْوُ: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ ٤. "وَ" تَكُونُ أَيْضًا "هِيَ لِلإِيجَابِ" عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي "فُرُوعِهِ" - فِي بَابِ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ -: "وَ "عَلَى" ظَاهِرَةٌ فِي الْوُجُوبِ"٥. "وَلَهَا مَعَانٍ" غَيْرُ ذَلِكَ. - أَحَدُهَا: التَّفْوِيضُ. قَالَ أَبُو حَيَّانَ فِي "النَّهْرِ" فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ٦: "إذَا عَقَدْت قَلْبَك عَلَى أَمْرٍ بَعْدَ الاسْتِشَارَةِ، فَاجْعَلْ تَفْوِيضَك فِيهِ إلَى اللَّهِ"٧. - الثَّانِي: الْمُصَاحَبَةُ٨: نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ ٩.

стр. 235

الثَّالِثُ: الْمُجَاوَزَةُ١ نَحْوُ قَوْلِ الشَّاعِرِ: إذَا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ ... لَعَمْرُ اللَّهِ أَعْجَبَنِي رِضَاهَا٢ أَيْ: إذَا رَضِيَتْ عَنِّي. الرَّابِعُ: التَّعْلِيلُ، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ ٣ أَيْ: لِهِدَايَتِكُمْ. الْخَامِسُ: الظَّرْفِيَّةُ٤، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ ٥ ٦ أَيْ فِي مُلْكِ سُلَيْمَانَ ٦. السَّادِسُ: الاسْتِدْرَاكُ، كَقَوْلِك٧: "فُلانٌ لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لِسُوءِ صُنْعِهِ، عَلَى أَنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ" أَيْ لَكِنْ لا يَيْأَسُ. السَّابِعُ: الزِّيَادَةُ، نَحْوُ قَوْلِهِ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ٨".

стр. 236

أَيْ١ يَمِينًا. إذَا عَلِمْت ذَلِكَ: فَفِي "عَلَى" أَرْبَعَةُ مَذَاهِبُ٢. أَحَدُهَا - وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ -: أَنَّهَا حَرْفٌ، إلاَّ إذَا دَخَلَ عَلَيْهَا حَرْفُ جَرٍّ. فَتَكُونُ اسْمًا كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: غَدَتْ مِنْ عَلَيْهِ بَعْدَ مَا تَمَّ ظَمَؤُهَا٣ الثَّانِي - وَبِهِ قَالَ الأَخْفَشُ -: أَنها٤ تَكُونَ اسْمًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ. وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَجْرُورُهَا وَفَاعِلُ مُتَعَلَّقِهَا ضَمِيرَيْنِ لِمُسَمًّى وَاحِدٍ. نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْك زَوْجَك﴾ ٥. الثَّالِثُ: أَنَّهَا اسْمٌ دَائِمًا عِنْدَ ابْنِ طَاهِرٍ٦ وَابْنِ خَرُوفٍ٧ وَابْنِ

стр. 237

الطَّرَاوَةِ١ وَالشَّلُوبِينَ٢ وَالآمِدِيِّ وَحُكِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ٣. وَالرَّابِعُ: أَنَّهَا حَرْفٌ دَائِمًا. وَبِهِ قَالَ السِّيرَافِيُّ٤: وَتُقَدَّرُ٥ بِحَرْفِ جَرٍّ يَدْخُلُ عَلَيْهَا مَجْرُورٌ مَحْذُوفٌ.

стр. 238

"فِي" "فِي"١ تَكُونُ "لِظَرْفٍ" زَمَانًا وَمَكَانًا مِثَالُهُمَا قَوْله تَعَالَى: ﴿الم غُلِبَتْ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ ٢، فَالأُولَى: لِلْمَكَانِ، وَالثَّانِيَةُ: لِلزَّمَانِ. وَقَدْ يَكُونُ الظَّرْفُ وَمَظْرُوفُهُ جِسْمَيْنِ، كَقَوْلِك "زَيْدٌ فِي الدَّارِ". وَقَدْ يَكُونَانِ مَعْنَيَيْنِ، كَقَوْلِك: "الْبَرَكَةُ فِي الْقَنَاعَةِ". وَقَدْ يَكُونُ الظَّرْفُ جِسْمًا، وَالْمَظْرُوفُ مَعْنًى كَقَوْلِك: "الإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ"، وَعَكْسُهُ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ﴾ ٣. "وَهِيَ بِمَعْنَاهُ" أَيْ وَهِيَ لِلظَّرْفِيَّةِ "عَلَى قَوْلٍ" أَبِي٤ الْبَقَاءِ٥. وَأَكْثَرِ الْبَصْرِيِّينَ٦ "فِي" قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلأَصْلُبَنكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ ٧.

стр. 239

وَجَعَلَهَا الزَّمَخْشَرِيُّ١ وَالْبَيْضَاوِيُّ: لِلظَّرْفِ مَجَازًا٢. كَأَنَّ الْجِذْعَ صَارَ ظَرْفًا لِلْمَصْلُوبِ. لَمَّا تَمَكَّنَ عَلَيْهِ تَمَكَّنَ٣ الْمَظْرُوفُ مِنْ الظَّرْفِ٤. وَقَالَ أَكْثَرُ الأَصْحَابِ: هِيَ بِمَعْنَى "عَلَى"، كَقَوْلِ الْكُوفِيِّينَ وَابْنِ مَالِكٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ ٥ أَيْ عَلَيْهِ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ ٦ أَيْ: عَلَيْهَا. وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ ٧ أَيْ عَلَى السَّمَاءِ. "وَ" تَأْتِي "فِي" "لاسْتِعْلاءٍ" وَتَقَدَّمَ تَمْثِيلُهُ٨. "وَتَعْلِيلٍ" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ ٩ أَيْ لأَجْلِهِ.

стр. 240

وَمِنْهُ: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١. وَأَنْكَرَهُ الرَّازِيّ وَالْبَيْضَاوِيُّ٢. "وَ" تَأْتِي "فِي" أَيْضًا "سَبَبِيَّةً" كَقَوْلِهِ [ ﷺ ] : "فِي النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ٣ مِائَةٌ" ٤ وَ "دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ" ٥ أَيْ بِسَبَبِ هِرَّةٍ٦. "وَ" تَأْتِي أَيْضًا لِـ "مُصَاحَبَةٍ" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ ٧ ﴿اُدْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ﴾ ٨ أَيْ مَعَهُمْ مُصَاحِبِينَ. "وَ" تَأْتِي أَيْضًا لِـ "تَوْكِيدٍ" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا﴾ ٩ إذْ الرُّكُوبُ يُسْتَعْمَلُ بِدُونِ "فِي" فَهِيَ مَزِيدَةٌ تَوْكِيدًا.

стр. 241

"وَ" تَأْتِي أَيْضًا لِـ "تَعْوِيضٍ" وَهِيَ الزَّائِدَةُ عِوَضًا عَنْ أُخْرَى مَحْذُوفَةٍ. كَقَوْلِهِ: "رَغِبْتُ فِيمَنْ رَغِبْتُ"، أَيْ فِيهِ. "وَ" تَأْتِي "فِي" "بِمَعْنَى الْبَاءِ" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ ١ أَيْ يُلْزِمُكُمْ٢ بِهِ. "وَ" تَأْتِي أَيْضًا بِمَعْنَى "إلَى" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ ٣ أَيْ إلَيْهَا غَيْظًا. "وَ" بِمَعْنَى "مِنْ" الْجَارَّةِ، كَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ٤: وَهَلْ يَعِمَنْ مَنْ كَانَ أَحْدَثُ عَهْدِهِ ... ثَلاثِينَ شَهْرًا٥ فِي ثَلاثَةِ أَحْوَالِ٦ أَيْ مِنْ ثَلاثَةِ أَحْوَالٍ.

стр. 242

"اللاَّمُ" "وَ" تَأْتِي "اللاَّمُ" الْجَارَّةُ١ "لِلْمِلْكِ حَقِيقَةً، لا يُعْدَلُ عَنْهُ" أَيْ عَنْ الْمِلْكِ إلاَّ بِدَلِيلٍ. قَالَهُ أَبُو٢ الْخَطَّابِ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي "التَّمْهِيدِ". "وَلَهَا مَعَانٍ كَثِيرَةٌ٣": أَحَدُهَا: التَّعْلِيلُ٤. نَحْوُ "زُرْتُك لِشَرَفِكَ"، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ ٥، وَقَوْلِهِ: "أَنْتِ طَالِقٌ لِرِضَى زَيْدٍ"، فَتَطْلُقُ فِي الْحَالِ، رَضِيَ زَيْدٌ أَوْ لَمْ يَرْضَ، لأَنَّهُ تَعْلِيلٌ لا تَعْلِيقٌ. الثَّانِي: الاسْتِحْقَاقُ٦، نَحْوُ: "النَّارُ لِلْكَافِرِينَ". الثَّالِثُ: الاخْتِصَاصُ٧، نَحْوُ "الْجَنَّةُ لِلْمُؤْمِنِينَ". وَفَرَّقَ الْقَرَافِيُّ بَيْنَ الاسْتِحْقَاقِ وَالاخْتِصَاصِ، بِأَنَّ الاسْتِحْقَاقَ٨ أَخَصُّ. فَإِنَّ

стр. 243

ضَابِطَهُ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْعَادَةُ، كَمَا شَهِدَتْ لِلْفَرَسِ بِالسَّرْجِ، وَبِالْبَابِ١ لِلدَّارِ. وَقَدْ يَخْتَصُّ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ شَهَادَةٍ عَادَةً، نَحْوُ: "هَذَا ابْنٌ لِزَيْدٍ". فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ لَوَازِمِ الإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ٢. الرَّابِعُ: لامُ الْعَاقِبَةِ، وَيُعَبَّرُ عَنْهَا فَاللاَّمُ الصَّيْرُورَةِ، وَبِلامِ الْمَآلِ نَحْوُ: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ ٣. الْخَامِسُ: التَّمْلِيكُ. نَحْوُ: "وَهَبْت لِزَيْدٍ دِينَارًا". وَمِنْهُ: ﴿إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ ٤. السَّادِسُ: شِبْهُ الْمِلْكِ. نَحْوُ: ﴿وَاَللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ ٥. السَّابِعُ: تَوْكِيدُ النَّفْيِ، أَيُّ نَفْيٍ كَانَ، نَحْوُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ ٦، وَيُعَبَّرُ عَنْهَا فَاللاَّمُ الْجُحُودِ، لِمَجِيئِهَا بَعْدَ نَفْيٍ؛ لأَنَّ الْجَحْدَ هُوَ نَفْيُ مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ٧. الثَّامِنُ: لِمُطْلَقِ التَّوْكِيدِ. وَهِيَ الدَّاخِلَةُ لِتَقْوِيَةِ عَامِلٍ ضَعِيفٍ بِالتَّأْخِيرِ. نَحْوُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ ٨ الأَصْلُ: تَعْبُرُونَ الرُّؤْيَا، أَوْ لِكَوْنِهِ فَرْعًا فِي الْعَمَلِ نَحْوُ: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ ٩ وَهَذَانِ مَقِيسَانِ.

стр. 244

وَرُبَّمَا أَكَّدَ بِهَا١ بِدُخُولِهَا عَلَى الْمَفْعُولِ "نَحْوُ ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ " ٢. وَلَمْ يَذْكُرْ سِيبَوَيْهِ زِيَادَةَ اللاَّمِ، وَتَابَعَهُ الْفَارِسِيُّ٣. التَّاسِعُ: أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى "إلَى" نَحْوُ: ﴿سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ ٤ ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ ٥. الْعَاشِرُ: التَّعْدِيَةُ، نَحْوُ "مَا أَضْرِبَ زَيْدًا لِعَمْرٍو". وَجَعَلَ مِنْهُ ابْنُ مَالِكٍ: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْك وَلِيًّا﴾ ٦. وَقِيلَ: إنَّهَا تُشْبِهُ الْمِلْكَ. الْحَادِيَ عَشَرَ: بِمَعْنَى "عَلَى" نَحْوُ: ﴿يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ﴾ ٧، وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ حَرْمَلَةَ٨ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ ﷺ : " وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلاءَ" ٩ أَنَّ الْمُرَادَ: عَلَيْهِمْ.

стр. 245

الثَّانِي عَشَرَ: بِمَعْنَى "فِي" نَحْوُ قَوْلِهِ : ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ١. الثَّالِثَ عَشَرَ: بِمَعْنَى "عِنْدَ" أَيْ الْوَقْتِيَّةِ، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهَا، كَقَوْلِهِ ﷺ : "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ" ٢. وَمِنْهُ قَوْلُهُ٣: "كَتَبْتُهُ لِخَمْسِ لَيَالٍ مِنْ كَذَا" أَيْ عِنْدَ انْقِضَائِهَا. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ٤: وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ ٥، ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْت لِحَيَاتِي﴾ ٦. الرَّابِعَ عَشَرَ: بِمَعْنَى "مِنْ" نَحْوُ "سَمِعْت لَهُ صُرَاخًا" أَيْ مِنْهُ.

стр. 246

الْخَامِسَ عَشَرَ: بِمَعْنَى "عَنْ" كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إلَيْهِ﴾ ١ أَيْ قَالُوا عَنْهُمْ ذَلِكَ. وَضَابِطُهَا: أَنْ تَجُرَّ اسْمَ مَنْ غَابَ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا عَنْ قَوْلِ قَائِلٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَلَمْ يَخُصَّهُ بَعْضُهُمْ بِمَا بَعْدَ الْقَوْلِ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ دَلالَةَ حَرْفٍ عَلَى مَعْنَى حَرْفٍ: هُوَ طَرِيقُ الْكُوفِيِّينَ. وَأَمَّا الْبَصْرِيُّونَ: فَهُوَ عِنْدَهُمْ عَلَى تَضْمِينِ٢ الْفِعْلِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ ذَلِكَ الْحَرْفُ ٣ مَا يَصْلُحُ مَعَهُ مَعْنَى ذَلِكَ الْحَرْفِ ٣ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَيَرَوْنَ التَّجَوُّزَ فِي الْفِعْلِ أَسْهَلَ مِنْ التَّجَوُّزِ فِي الْحَرْفِ.

стр. 247

"بَلْ" "بَلْ"١ تَأْتِي "لِعَطْفٍ وَإِضْرَابٍ، إنْ وَلِيَهَا مُفْرَدٌ فِي إثْبَاتٍ" نَحْوُ: "جَاءَ زَيْدٌ بَلْ عَمْرٌو"، وَ "أَكْرِمْ زَيْدًا بَلْ عَمْرًا" "فَتُعْطَى حُكْمَ مَا قَبْلَهَا" وَهِيَ مَجِيءُ زَيْدٍ فِي الْمِثَالِ الأَوَّلِ، وَإِكْرَامُ زَيْدٍ فِي الْمِثَالِ الثَّانِي "لِمَا بَعْدَهَا" أَيْ٢ بَعْدَ "بَلْ" فِي الْمِثَالَيْنِ، وَهُوَ عَمْرٌو. "وَ" إنْ وَلِيَهَا مُفْرَدٌ "فِي نَفْيٍ" نَحْوُ "مَا قَامَ زَيْدٌ بَلْ عَمْرٌو"، وَ "لا تَضْرِبْ زَيْدًا بَلْ عَمْرًا" "فَـ" إنَّهَا "تُقَرِّرُ" حُكْمَ "مَا قَبْلَهَا" وَهُوَ نَفْيُ قِيَامِ زَيْدٍ فِي الْمِثَالِ الأَوَّلِ، وَالنَّهْيُ عَنْ ضَرْبِ زَيْدٍ فِي الْمِثَالِ الثَّانِي "وَ" تُقَرِّرُ "ضِدَّهُ" أَيْ ضِدَّ حُكْمِ مَا قَبْلَهَا "لِمَا بَعْدَهَا". هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَأَجَازَ الْمُبَرِّدُ [وَابْنُ] عَبْدِ الْوَارِثِ٣، وَتِلْمِيذُهُ٤

стр. 248

الْجُرْجَانِيُّ١ - مَعَ ذَلِكَ- أَنْ تَكُونَ نَاقِلَةً الْحُكْمَ٢ الأَوَّلِ لِمَا بَعْدَهَا، كَمَا فِي الإِثْبَاتِ وَمَا فِي حُكْمِهِ. فَيُحْتَمَلُ عِنْدَهُمْ فِي نَحْوِ: "مَا قَامَ عَمْرٌو، بَلْ زَيْدٌ"، وَفِي: "لا تَضْرِبْ زَيْدًا، بَلْ عَمْرًا" أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ "لا تَضْرِبْ عَمْرًا" أَيْضًا. "وَ" لا تَكُونُ "بَلْ" عَاطِفَةً إنْ وَقَعَتْ "قَبْلَ جُمْلَةٍ" وَإِنَّمَا تَكُونُ "لابْتِدَاءٍ وَإِضْرَابٍ" وَهُوَ ضَرْبَانِ: - ضَرْبٌ "لإِبْطَالِ" الْحُكْمِ السَّابِقِ فِي نَحْوِ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ ٣. وَنَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ٤. - وَالضَّرْبُ الثَّانِي: وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "أَوْ انْتِقَالٍ" أَيْ إضْرَابٌ لانْتِقَالٍ مِنْ حُكْمٍ إلَى حُكْمٍ مِنْ غَيْرِ إبْطَالِ الأَوَّلِ، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ، بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ﴾ ٥ وقَوْله٦ تَعَالَى: ﴿بَلْ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا

стр. 249

عَمُونَ﴾ ١. فَفِي هَذِهِ الأَمْثِلَةِ لَمْ تُبْطِلْ شَيْئًا مِمَّا سَبَقَ، وَإِنَّمَا فِيهِ انْتِقَالٌ ٢ مِنْ خَبَرٍ عَنْهُمْ ٢ إلَى خَبَرٍ آخَرَ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الإِضْرَابَ الانْتِقَالِيَّ قَطْعٌ لِلْخَبَرِ لا لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ. وَظَاهِرُ كَلامِ ابْنِ مَالِكٍ: أَنَّ هَذِهِ عَاطِفَةٌ أَيْضًا، لَكِنْ جُمْلَةٌ عَلَى جُمْلَةٍ٣ وَصَرَّحَ بِهِ وَلَدُهُ٤ فِي "شَرْحِ الأَلْفِيَّةِ".

стр. 250

"أَوْ" "أَوْ"١ حَرْفُ عَطْفٍ، وَتَأْتِي "لِشَكٍّ" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ ٢ وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ "إمَّا" الَّتِي لِلشَّكِّ: أَنَّ الْكَلامَ مَعَ "إمَّا" لا يَكُونُ إلاَّ مَبْنِيًّا عَلَى الشَّكِّ، بِخِلافِ "أَوْ" فَقَدْ يَبْنِي الْمُتَكَلِّمُ كَلامَهُ عَلَى الْيَقِينِ، ثُمَّ يُدْرِكُهُ الشَّكُّ. "وَ" تَأْتِي لِـ "إبْهَامٍ" وَيُعَبَّرُ عَنْهُ٣ أَيْضًا بِالتَّشْكِيكِ، نَحْوُ "قَامَ زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو". إذَا عَلِمْت الْقَائِمَ مِنْهُمَا. وَلَكِنْ قَصَدْت الإِيهَامَ عَلَى الْمُخَاطَبِ. فَهَذَا تَشْكِيكٌ مِنْ جِهَةِ الْمُتَكَلِّمِ، وَإِبْهَامٌ مِنْ جِهَةِ السَّامِعِ. "وَ" تَأْتِي "أَوْ"٤ أَيْضًا٥ لِـ "إبَاحَةٍ" نَحْوُ "جَالِسْ الْحَسَنَ، أَوْ ابْنَ سِيرِينَ". "وَ" تَأْتِي أَيْضًا لِـ "تَخْيِيرٍ" نَحْوُ٦ "خُذْ دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا". وَمِنْهُ "تَزَوَّجْ هِنْدًا أَوْ أُخْتَهَا". وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ
следующие страницы →