Полный текст (2 398 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْمَجَازَ قَدْ يَكُونُ أَسْبَقَ إلَى الْقَلْبِ، كَقَوْلِ الإِنْسَانِ: "لِزَيْدٍ عَلَيَّ دِرْهَمٌ"، فَإِنَّهُ مَجَازٌ وَهُوَ أَسْبَقُ إلَى الْفَهْمِ مِنْ قَوْلِهِ: "يَلْزَمُنِي١ لِزَيْدٍ دِرْهَمٌ"٢.
"وَلا يُقَاسَ عَلَيْهِ" أَيْ عَلَى الْمَجَازِ. لأَنَّ عَلاقَتَهُ لَيْسَتْ مُطَّرِدَةً٣.
"وَيَسْتَلْزِمُ" الْمَجَازُ "الْحَقِيقَةَ" لأَنَّهُ فَرْعٌ وَالْحَقِيقَةُ أَصْلٌ، وَمَتَى وُجِدَ الْفَرْعُ وُجِدَ الأَصْلُ٤. وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْتَلْزِمْهَا لَعَرِيَ الْوَضْعُ عَنْ الْفَائِدَةِ٥.
"وَلا تَسْتَلْزِمُهُ" أَيْ وَلا تَسْتَلْزِمُ الْحَقِيقَةُ الْمَجَازَ، لأَنَّ اللُّغَةَ طَافِحَةٌ بِحَقَائِقَ لا مَجَازَاتٍ لَهَا٦.
"وَلَفْظَاهُمَا"٧ أَيْ لَفْظُ حَقِيقَةٍ، وَلَفْظُ مَجَازٍ "حَقِيقَتَانِ عُرْفًا" أَيْ فِي اصْطِلاحِ أَهْلِ الْعُرْفِ؛ لأَنَّ وَاضِعَ اللُّغَةِ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُمَا فِيمَا اسْتَعْمَلَهُمَا فِيهِ أَهْلُ
стр. 177
الْعُرْفِ وَ "مَجَازَانِ لُغَةً" أَيْ فِي اللُّغَةِ، لأَنَّهُمَا مَنْقُولانِ١ مِنْهَا٢. وَقَدْ تَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ نَقْلِهِمَا٣.
"وَهُمَا" أَيْ وَكَوْنُ اللَّفْظِ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا "مِنْ عَوَارِضِ الأَلْفَاظِ"٤. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَهَذَا التَّقْسِيمُ حَادِثٌ بَعْدَ الْقُرُونِ الثَّلاثَةِ، يَعْنِي تَقْسِيمَ اللَّفْظِ إلَى حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ.
"وَلَيْسَ مِنْهُمَا" أَيْ مِنْ الْحَقِيقَة، وَلا مِنْ الْمَجَازِ "لَفْظٌ قَبْلَ اسْتِعْمَالِهِ" لِعَدَمِ رُكْنِ تَعْرِيفِهِمَا٥، وَهُوَ الاسْتِعْمَالُ؛ لأَنَّ الاسْتِعْمَالَ جُزْءٌ مِنْ مَفْهُومِ كُلٍّ مِنْهُمَا٦.
"وَلا" مِنْ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ "عَلَمٌ مُتَجَدِّدٌ"٧. قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": اخْتَارَهُ الأَكْثَرُ، لأَنَّ الأَعْلامَ وُضِعَتْ لِلْفَرْقِ بَيْنَ ذَاتٍ وَذَاتٍ. فَلَوْ تُجُوِّزَ فِيهَا، لَبَطَلَ هَذَا الْغَرَضُ. وَأَيْضًا، فَنَقْلُهَا إلَى مُسَمًّى آخَرَ إنَّمَا هُوَ بِوَضْعٍ مُسْتَقِلٍّ لا لِعَلاقَةٍ.
стр. 178
فصل في وقوع المجاز وتعارضة مع الحقيقة
...
"فَصْلٌ" "الْمَجَازُ وَاقِعٌ" فِي اللُّغَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَاحْتُجَّ عَلَى ذَلِكَ بِالأَسَدِ لِلشُّجَاعِ، وَالْحِمَارِ لِلْبَلِيدِ، وَقَامَتْ الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ، وَشَابَتْ لَمَّةُ اللَّيْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لا يُحْصَرُ١.
"وَلَيْسَ" الْمَجَازُ "بِأَغْلَبَ"٢ مِنْ الْحَقِيقَةِ٣، خِلافًا لابْنِ جِنِّي٤ وَمَنْ تَبِعَهُ.
"وَهُوَ" أَيْ الْمَجَازُ "فِي الْحَدِيثِ" أَيْ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ "وَ" فِي "الْقُرْآنِ" لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ٥ وَ ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ ٦، ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ ٧، ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ ٨ ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ٩، ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ ١٠ وَغَيْرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ١١. وَهَذَا الصَّحِيحُ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ. وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ.
стр. 179
قَالَ الْقَاضِي: نَصَّ الإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ الْمَجَازَ فِي الْقُرْآنِ. فَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ ١ وَ "نَعْلَمُ" وَ "مُنْتَقِمُونَ": هَذَا مِنْ مَجَازِ اللُّغَةِ يَقُولُ الرَّجُلُ: إنَّا سَنُجْرِي عَلَيْكَ٢ رِزْقَك٣.
وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى: لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مِنْهُ شَيْءٌ. حَكَاهُ الْفَخْرُ إسْمَاعِيلُ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ٤.
"وَلَيْسَ فِيهِ" أَيْ فِي الْقُرْآنِ لَفْظٌ "غَيْرُ عَلَمٍ إلاَّ عَرَبِيٌّ" اخْتَارَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ٥، وَالْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَقِيلٍ،
стр. 180
وَالْمَجْدُ١، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ٢، وَأَبُو عُبَيْدٍة٣، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَالْبَاقِلاَّنِيّ، وَابْنُ فَارِسٍ٤، وَغَيْرُهُمْ، لِمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الآيَاتِ الْكَثِيرَةِ الْوَارِدَةِ فِي الْقُرْآنِ٥.
стр. 181
وَذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، وَعِكْرِمَةُ١ وَمُجَاهِد٢ٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ٣، وَعَطَاءٌ٤، وَغَيْرُهُمْ: إلَى أَنَّ فِيهِ أَلْفَاظًا بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ٥.
وَنُقِلَ٦ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ٧ أَنَّهُ قَالَ: الصَّوَابُ عِنْدِي مَذْهَبٌ فِيهِ
стр. 182
تَصْدِيقُ١ الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا. وَذَلِكَ: أَنَّ هَذِهِ [الأَحْرُفَ] ٢ أُصُولُهَا أَعْجَمِيَّةٌ - كَمَا قَالَ الْفُقَهَاءُ-، لَكِنَّهَا وَقَعَتْ لِلْعَرَبِ. فَعُرِّبَتْ٣ بِأَلْسِنَتِهَا، وَحَوَّلَتْهَا عَنْ أَلْفَاظِ الْعَجَمِ إلَى أَلْفَاظِهَا فَصَارَتْ عَرَبِيَّةً، ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآنُ - وَقَدْ اخْتَلَطَتْ هَذِهِ الْحُرُوفُ بِكَلامِ الْعَرَبِ- فَمَنْ قَالَ٤: إنَّهَا عَرَبِيَّةٌ فَهُوَ صَادِقٌ، [وَمَنْ قَالَ أَعْجَمِيَّةٌ فَصَادِقٌ] ٥.
"وَمَجَازٌ رَاجِحٌ" أَيْ وَالْعَمَلُ بِمَجَازٍ رَاجِحٍ "أَوْلَى" بِالْحُكْمِ "مِنْ ٦ حَقِيقَةٍ مَرْجُوحَةٍ٦ " وَقِيلَ: هِيَ مَا لَمْ تُهْجَرْ٧. وَتَنْقَسِمُ مَسْأَلَةُ تَعَارُضِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ٨:
الأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الْمَجَازُ مَرْجُوحًا لا يُفْهَمُ إلاَّ بِقَرِينَةٍ٩. - كَالأَسَدِ لِلشُّجَاعِ - فَيُقَدَّمُ فِي هَذَا الْقِسْمِ الْحَقِيقَةُ لِرُجْحَانِهَا.
стр. 183
الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَغْلِبَ اسْتِعْمَالُهُ، حَتَّى يُسَاوِيَ الْحَقِيقَةَ. فَتُقَدَّمُ الْحَقِيقَةُ أَيْضًا ١ عَدَمِ رُجْحَانِ الْمَجَازِ١.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمَجَازُ رَاجِحًا، وَالْحَقِيقَةُ مُمَاتَةً، لا تُرَادُ فِي الْعُرْفِ فَيُقَدَّمُ الْمَجَازُ؛ لأَنَّهُ إمَّا حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ كَالصَّلاةِ، أَوْ عُرْفِيَّةٌ كَالدَّابَّةِ. فَلا خِلافَ فِي تَقْدِيمِهِ٢ عَلَى الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ.
مِثَالُهُ: لَوْ حَلَفَ لا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ. فَأَكَلَ مِنْ ثَمَرِهَا حَنِثَ، وَإِنْ أَكَلَ مِنْ خَشَبِهَا لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ كَانَ الْخَشَبُ هُوَ الْحَقِيقَةُ.
الْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْمَجَازُ رَاجِحًا، وَالْحَقِيقَةُ تَتَعَاهَدُ فِي بَعْضِ الأَوْقَاتِ. فَهَذِهِ مَحَلُّ٣ الْخِلافِ عِنْدَ الأَكْثَرِ. كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَشْرَبَنَّ مِنْ هَذَا النَّهْرِ. فَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْكَرْعِ مِنْهُ بِفِيهِ، وَلَوْ اغْتَرَفَ بِكُوزٍ وَشَرِبَ فَهُوَ مَجَازٌ؛ لأَنَّهُ شَرِبَ مِنْ الْكُوزِ، لا مِنْ النَّهْرِ، لَكِنَّهُ مَجَازٌ رَاجِحٌ يَتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ. فَيَكُونُ٤ أَوْلَى مِنْ الْحَقِيقَةِ، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ تُرَادُ؛ لأَنَّ كَثِيرًا٥ مِنْ الرِّعَاءِ٦ وَغَيْرِهِمْ يَكْرَعُ ٥ بِفِيهِ.
"وَلَوْ لَمْ يَنْتَظِمْ كَلامٌ" أَيْ لَوْ لَمْ يَصِحَّ الْكَلامُ "إلاَّ بِارْتِكَابِ مَجَازِ زِيَادَةٍ أَوْ" بِارْتِكَابِ مَجَازِ "نَقْصٍ، فَنَقْصٌ" أَيْ فَارْتِكَابُ مَجَازِ نَقْصٍ "أَوْلَى" لأَنَّ الْحَذْفَ فِي كَلامِ الْعَرَبِ أَكْثَرُ مِنْ الزِّيَادَةِ. قَالَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ٧.
стр. 184
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ١ مَسْأَلَةٌ فِقْهِيَّةٌ. وَهِيَ مَا إذَا قَالَ لِزَوْجَتَيْهِ: "إنْ حِضْتُمَا حَيْضَةً فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ"، إذْ لا شَكَّ فِي اسْتِحَالَةِ اشْتِرَاكِهِمَا فِي حَيْضَةٍ، وَتَصْحِيحُ الْكَلامِ هُنَا إمَّا بِدَعْوَى زِيَادَةِ لَفْظِ٢ "حَيْضَةٍ" فَكَأَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى "إنْ٣ حِضْتُمَا"، وَإِمَّا بِدَعْوَى الإِضْمَارِ. وَتَقْدِيرُهُ: "إنْ حَاضَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا حَيْضَةً".
وَفِي الْمَسْأَلَةِ لأَصْحَابِنَا أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: سُلُوكُ الزِّيَادَةِ، وَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: "إنْ حِضْتُمَا فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ"، فَإِذَا طَعَنَتَا٤ فِي الْحَيْضِ طَلَقَتَا. وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: سُلُوكُ النَّقْصِ، - وَهُوَ الإِضْمَارُ-، فَلا تَطْلُقُ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا حَتَّى تَحِيضَ كُلُّ وَاحِدَةٍ حَيْضَةً، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ كَمَا تَقَدَّمَ: "إنْ حَاضَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا حَيْضَةً فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ". نَظِيرُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ ٥ ٦ أَيْ اجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا٧ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ٦ وَهُوَ قَوْلُ الْمُوَفَّقِ، وَالْمَجْدِ وَالشَّارِحِ وَابْنِ حَمْدَانَ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْقَاعِدَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: يُطَلَّقَانِ بِحَيْضَةٍ مِنْ إحْدَاهُمَا، لأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ وُجُودُ الْفِعْلِ مِنْهُمَا وَجَبَ إضَافَتُهُ إلَى إحْدَاهُمَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ
стр. 185
وَالْمَرْجَانُ﴾ ١ وَإِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ أَحَدِهِمَا.
وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ: لا يُطَلَّقَانِ بِحَالٍ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لا يَقَعُ الطَّلاقُ الْمُعَلَّقُ "عَلَى الْمُحَالِ"٢.
стр. 186
" فَصْلٌ": فِي الْكِنَايَةِ وَالتَّعْرِيضِ
وَالْبَحْثُ فِيهِمَا مِنْ وَظِيفَةِ عُلَمَاءِ الْمَعَانِي وَالْبَيَانِ، لَكِنْ لَمَّا اُخْتُلِفَ فِي الْكِنَايَةِ، هَلْ هِيَ حَقِيقَةٌ أَوْ مَجَازٌ؟. أَوْ مِنْهَا حَقِيقَةٌ وَمِنْهَا مَجَازٌ: ذُكِرَتْ لِيُعْرَفَ١ ذَلِكَ، وَذُكِرَ مَعَهَا التَّعْرِيضُ اسْتِطْرَادًا.
ثُمَّ "الْكِنَايَةُ حَقِيقَةٌ٢ إنْ اُسْتُعْمِلَ اللَّفْظُ فِي مَعْنَاهُ" الْمَوْضُوعِ لَهُ أَوْ لا "وَأُرِيدَ٣ لازِمُ الْمَعْنَى" الْمَوْضُوعِ لَهُ، كَقَوْلِهِمْ "كَثِيرُ الرَّمَادِ" يُكَنُّونَ بِهِ عَنْ كَرَمِهِ. فَكَثْرَةُ الرَّمَادِ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ، وَلَكِنْ أُرِيدَ بِهِ لازِمُهُ، - وَهُوَ الْكَرَمُ -، وَإِنْ كَانَ بِوَاسِطَةِ لازِمٍ آخَرَ، لأَنَّ لازِمَ كَثْرَةِ الرَّمَادِ كَثْرَةُ الطَّبْخِ، وَلازِمَ كَثْرَةِ الطَّبْخِ كَثْرَةُ الضَّيْفَانِ، وَلازِمَ كَثْرَةِ الضَّيْفَانِ الْكَرَمُ، وَكُلُّ ذَلِكَ عَادَةٌ.
فَالدَّلالَةُ عَلَى الْمَعْنَى الأَصْلِيِّ بِالْوَضْعِ، وَعَلَى اللاَّزِمِ بِانْتِقَالِ٤ الذِّهْنِ مِنْ الْمَلْزُومِ إلَى اللاَّزِمِ.
وَمِثْلُهُ٥ قَوْلُهُمْ: "طَوِيلُ النِّجَادِ" كِنَايَةً عَنْ طُولِ الْقَامَةِ، لأَنَّ نِجَادَ
стр. 187
الطَّوِيلِ يَكُونُ طَوِيلاً بِحَسَبِ الْعَادَةِ، وَعَلَى هَذَا فَهُوَ حَقِيقَةٌ، لأَنَّهُ اُسْتُعْمِلَ فِي مَعْنَاهُ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ اللاَّزِمُ فَلا تَنَافِي بَيْنَهُمَا.
"وَمَجَازٌ" يَعْنِي وَتَكُونُ الْكِنَايَةُ مَجَازًا "إنْ لَمْ يُرِدْ الْمَعْنَى" الْحَقِيقِيَّ وَعَبَّرَ بِالْمَلْزُومِ عَنْ اللاَّزِمِ، بِأَنْ يُطْلِقَ الْمُتَكَلِّمُ كَثْرَةَ الرَّمَادِ عَلَى اللاَّزِمِ، - وَهُوَ الْكَرَمُ -وَطُولَ النِّجَادِ عَلَى اللاَّزِمِ، - وَهُوَ طُولُ الْقَامَةِ-، مِنْ غَيْرِ مُلاحَظَةِ الْحَقِيقَةِ أَصْلاً فَهَذَا يَكُونُ مَجَازًا، لأَنَّهُ اُسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِ مَعْنَاهُ. وَالْعَلاقَةُ فِيهِ: إطْلاقُ الْمَلْزُومِ عَلَى اللاَّزِمِ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ: هُوَ أَحَدُ الأَقْوَالِ فِي الْكِنَايَةِ، وَهُوَ الَّذِي قَدَّمَهُ فِي "التَّحْرِيرِ".
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ لَفْظَ الْكِنَايَةِ حَقِيقَةٌ مُطْلَقًا. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهُوَ الأَصَحُّ.
قَالَ الْكُورَانِيُّ١: الْجُمْهُورُ أَنَّهَا مِنْ الْحَقِيقَةِ، وَتَبِعَهُمْ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ فِي كِتَابِ "الْمَجَازِ"٢. فَقَالَ: "وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْكِنَايَةَ لَيْسَتْ مِنْ الْمَجَازِ؛ لأَنَّهَا٣ وَإِنْ اُسْتُعْمِلَتْ [اللَّفْظُ] ٤ فِيمَا وُضِعَ لَهُ، لَكِنْ أُرِيدَ بِهِ الدَّلالَةُ عَلَى
стр. 188
غَيْرِهِ. كَدَلِيلِ١ الْخِطَابِ٢ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ ٣ وَكَذَا نَهْيُهُ ﷺ عَنْ التَّضْحِيَةِ بِالْعَوْرَاءِ وَالْعَرْجَاءِ٤".
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ مَجَازٌ مُطْلَقًا، نَظَرًا إلَى الْمُرَادِ مِنْهُ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ صَاحِبِ "الْكَشَّافِ" عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ ٥ حَيْثُ فَسَّرَ الْكِنَايَةَ "بِأَنْ يَذْكُرَ الشَّيْءَ بِغَيْرِ لَفْظِهِ الْمَوْضُوعِ لَهُ"٦.
وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّهَا لَيْسَتْ بِحَقِيقَةٍ وَلا مَجَازٍ. وَهُوَ قَوْلُ
стр. 189
السَّكَّاكِيِّ١ وَتَبِعَهُ فِي "التَّخْلِيصِ"٢.
"وَالتَّعْرِيضُ حَقِيقَةٌ، وَهُوَ لَفْظٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَاهُ مَعَ التَّلْوِيحِ بِغَيْرِهِ" أَيْ بِغَيْرِ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُسْتَعْمَلِ فِيهِ، مَأْخُوذٌ مِنْ الْعُرْضِ – بِالضَّمِّ -، وَهُوَ الْجَانِبُ. فَكَأَنَّ اللَّفْظَ وَاقِعٌ فِي جَانِبٍ٣ عَنْ الْمَعْنَى الَّذِي لَوَّحَ بِهِ٤.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ سَيِّدِنَا إبْرَاهِيمَ ﷺ وَعَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ ٥ [أَيْ] غَضِبَ أَنْ عُبِدَتْ هَذِهِ الأَصْنَامُ مَعَهُ فَكَسَّرَهَا، وَإِنَّمَا قَصْدُهُ التَّلْوِيحُ أَنَّ اللَّهَ يَغْضَبُ أَنْ يُعْبَدَ غَيْرُهُ مِمَّنْ لَيْسَ بِإِلَهٍ مِنْ طَرِيقِ الأَوْلَى.
وَبِذَلِكَ يُعْلَمُ أَنَّ اللَّفْظَ - وَإِنْ لَمْ يُطَابِقْ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيَّ فِي الْخَارِجِ - لا يَكُونُ كَذِبًا إذَا كَانَ الْمُرَادُ بِهِ التَّوَصُّلَ إلَى غَيْرِهِ بِكِنَايَةٍ كَمَا سَبَقَ، وَتَعْرِيضٍ
стр. 190
كَمَا هُنَا، وَإِنْ سُمِّيَ كَذِبًا فَمَجَازٌ بِاعْتِبَارِ الصُّورَةِ، كَمَا جَاءَ [فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ] "لَمْ يَكْذِبْ إبْرَاهِيمُ إلاَّ ثَلاثَ كَذَبَاتٍ"١. الْمُرَادُ: صُورَةُ ذَلِكَ، وَهُوَ فِي نَفْسِهِ حَقٌّ وَصِدْقٌ.
стр. 191
فصل في الأشتقاق
...
"فَصْلٌ":الاشْتِقَاقُ: مِنْ أَشْرَفِ عُلُومِ الْعَرَبِيَّةِ وَأَدَقِّهَا وَأَنْفَعِهَا، وَأَكْثَرِهَا رَدًّا إلَى أَبْوَابِهَا، أَلا تَرَى أَنَّ مَدَارَ عِلْمِ التَّصْرِيفِ فِي مَعْرِفَةِ الزَّائِدِ مِنْ الأَصْلِيِّ عَلَيْهِ، حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ حُذِفَتْ الْمَصَادِرُ، وَارْتَفَعَ الاشْتِقَاقُ مِنْ كُلِّ كَلامٍ: لَمْ تُوجَدْ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ، وَلا فِعْلٌ لِفَاعِلٍ١.
وَجَمِيعُ النُّحَاةِ إذَا أَرَادُوا أَنْ يَعْلَمُوا الزَّائِدَ مِنْ الأَصْلِيِّ فِي الْكَلامِ، نَظَرُوا فِي الاشْتِقَاقِ.
وَهُوَ افْتِعَالٌ مِنْ قَوْلِك: "اشْتَقَقْت" كَذَا ٢ مِنْ كَذَا ٢، أَيْ اقْتَطَعْته مِنْهُ. وَمِنْهُ قَوْلُ الْفَرَزْدَقِ٣:
مُشْتَقَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ نَبْعَتُهُ٤
стр. 192
وَحُكِيَ فِي الاشْتِقَاقِ فِي اللُّغَةِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ١.
أَحَدُهَا: - وَهُوَ الصَّحِيحُ - أَنَّ اللَّفْظَ يَنْقَسِمُ إلَى مُشْتَقٍّ وَجَامِدٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْخَلِيلِ٢ وَسِيبَوَيْهِ، وَالأَصْمَعِيِّ٣ وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَقُطْرُبٍ٤، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الأَلْفَاظَ كُلَّهَا جَامِدَةٌ مَوْضُوعَةٌ، وَبِهِ قَالَ نِفْطَوَيْهِ٥ مِنْ الظَّاهِرِيَّةِ. وَاسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ٦.
стр. 193
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ الأَلْفَاظَ كُلَّهَا مُشْتَقَّةٌ، وَهُوَ قَوْلُ الزَّجَّاجِ١، وَابْنِ دُرُسْتَوَيْهِ٢. وَغَيْرِهِمَا، حَتَّى قَالَ ابْنُ جِنِّي: "الاشْتِقَاقُ يَقَعُ فِي الْحُرُوفِ فَإِنَّ "نَعَمْ" حَرْفُ جَوَابٍ، وَالنِّعَمُ وَالنَّعِيمُ وَالنَّعْمَاءُ وَنَحْوُهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْهُ"٣.
وَسَيَأْتِي فِي الْمَتْنِ انْقِسَامُهُ إلَى أَصْغَرَ وَأَكْبَرَ وَأَوْسَطَ.
إذَا عَلِمْت ذَلِكَ: فَحَدُّ الأَصْغَرِ "رَدُّ لَفْظٍ إلَى آخَرَ" فَدَخَلَ الاسْمُ وَالْفِعْلُ "لِمُوَافَقَتِهِ" أَيْ الْمَرْدُودِ "لَهُ" أَيْ لِلْمَرْدُودِ إلَيْهِ "فِي الْحُرُوفِ الأَصْلِيَّةِ" سَوَاءٌ كَانَتْ مَوْجُودَةً أَوْ مُقَدَّرَةً، لِيَدْخُلَ الأَمْرُ مِنْ نَحْوِ: الأَكْلِ وَالْخَوْفِ وَالْوِقَايَةِ "وَ" لِوُجُودِ٤ "مُنَاسَبَتِهِ" أَيْ مُنَاسَبَةِ الْمُشْتَقِّ لِلْمُشْتَقِّ مِنْهُ "فِي الْمَعْنَى" احْتِرَازًا مِنْ مِثْلِ اللَّحْمِ وَالْمِلْحِ وَالْحِلْمِ، فَإِنَّ كُلاًّ مِنْهَا٥ يُوَافِقُ الآخَرَيْنِ٦ فِي حُرُوفِهِ الأَصْلِيَّةِ. وَمَعَ ذَلِكَ فَلا اشْتِقَاقَ بَيْنهَا، لانْتِفَاءِ الْمُنَاسَبَةِ فِي الْمَعْنَى
стр. 194
لاخْتِلافِ مَدْلُولاتِهَا١.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ لِلاشْتِقَاقِ أَرْبَعَةَ أَرْكَانٍ٢. الأَوَّلُ: الْمُشْتَقُّ. وَالثَّانِي: الْمُشْتَقُّ مِنْهُ. وَالثَّالِثُ: الْمُوَافَقَةُ فِي الْحُرُوفِ الأَصْلِيَّةِ. وَالرَّابِعُ: الْمُنَاسَبَةُ فِي الْمَعْنَى مَعَ التَّغْيِيرِ، لأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ تَغْيِيرٌ لَمْ يَصْدُقْ٣ كَوْنُ الْمُشْتَقِّ غَيْرَ الْمُشْتَقِّ مِنْهُ. وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ٤ بِقَوْلِهِ "وَلا بُدَّ مِنْ تَغْيِيرٍ".
وَهُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ نَوْعًا٥؛ لأَنَّهُ إمَّا بِزِيَادَةِ حَرْفٍ، أَوْ حَرَكَةٍ. أَوْ هُمَا مَعًا، أَوْ نُقْصَانِ حَرْفٍ، أَوْ حَرَكَةٍ، أَوْ هُمَا مَعًا، أَوْ زِيَادَةِ حَرْفٍ وَنُقْصَانِهِ، أَوْ زِيَادَةِ حَرَكَةٍ وَنُقْصَانِهَا، أَوْ زِيَادَةِ حَرْفٍ وَنُقْصَانِ حَرَكَةٍ. أَوْ زِيَادَةِ حَرَكَةٍ وَنُقْصَانِ حَرْفٍ، - عَكْسُ الَّذِي قَبْلَهُ -، أَوْ زِيَادَةِ حَرْفٍ مَعَ زِيَادَةِ حَرَكَةٍ وَنُقْصَانِهَا، أَوْ زِيَادَةِ حَرَكَةٍ مَعَ زِيَادَةِ حَرْفٍ وَنُقْصَانِهِ، - عَكْسُ الَّذِي قَبْلَهُ -، أَوْ نُقْصَانِ حَرْفٍ مَعَ زِيَادَةِ حَرَكَةٍ وَنُقْصَانِهَا، أَوْ نُقْصَانِ٦ حَرَكَةٍ مَعَ زِيَادَةِ حَرْفٍ وَنُقْصَانِهِ. [أَوْ زِيَادَةِ حَرْفٍ وَحَرَكَةٍ مَعًا مَعَ نُقْصَانِ حَرْفٍ وَحَرَكَةٍ مَعًا] ٧، وَذَلِكَ: لأَنَّ التَّغْيِيرَ: إمَّا تَغْيِيرٌ وَاحِدٌ، أَوْ تَغْيِيرَانِ٨، أَوْ ثَلاثَةٌ، أَوْ أَرْبَعَةٌ.
стр. 195
فَالتَّغْيِيرُ الْوَاحِدُ: فِي أَرْبَعَةِ أَمَاكِنَ:
الأَوَّلُ: زِيَادَةُ حَرْفٍ. نَحْوُ: كَاذِبٍ١ - مِنْ الْكَذِبِ - زِيدَتْ الأَلِفُ بَعْدَ الْكَافِ.
وَالثَّانِي: زِيَادَةُ حَرَكَةٍ. نَحْوُ: نَصَرَ – مَاضٍ -. مَأْخَذُهُ٢ مِنْ النَّصْرِ.
وَالثَّالِثُ: نُقْصَانُ حَرْفٍ. كَصَهَلَ - مِنْ الصَّهِيلِ - نَقَصَتْ الْيَاءُ.
وَالرَّابِعُ: نُقْصَانُ الْحَرَكَةِ، كَسَفْرٍ - بِسُكُونِ الْفَاءِ - جَمْعُ مُسَافِرٍ، مِنْ سَفَرَ.
وَأَمَّا التَّغْيِيرَانِ: فَسِتَّةُ أَنْوَاعٍ:
الأَوَّلُ: زِيَادَةُ حَرْفٍ وَنُقْصَانُهُ. كَصَاهِلٍ - مِنْ الصَّهِيلِ -، زِيدَتْ الأَلِفُ وَنَقَصَ الْيَاءُ.
الثَّانِي: زِيَادَةُ الْحَرَكَةِ وَالْحَرْفِ، كَضَارِبٍ - مِنْ الضَّرْبِ -. زِيدَتْ الأَلِفُ وَحُرِّكَتْ الرَّاءُ.
الثَّالِثُ: نُقْصَانُ الْحَرَكَةِ وَالْحَرْفِ، كَغَلْيٍ٣ - مِنْ الْغَلَيَانِ -. نَقْصُ الأَلِفِ وَالنُّونِ وَنَقَصَتْ فَتْحَةُ الْيَاءِ.
الرَّابِعُ: زِيَادَةُ الْحَرَكَةِ وَنُقْصَانُهَا، نَحْوُ: حَذِرٍ٤، اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ الْحَذَرِ - بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ - حُذِفَتْ فَتْحَةُ الذَّالِ وَزِيدَتْ كَسْرَتُهَا.
стр. 196
الْخَامِسُ: زِيَادَةُ الْحَرْفِ وَنُقْصَانُ الْحَرَكَةِ، كَعَادٍّ - بِتَشْدِيدِ الدَّالِ - اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ الْعَدَدِ١، زِيدَتْ الأَلِفُ وَنَقَصَتْ حَرَكَةُ الدَّالِ.
السَّادِسُ: زِيَادَةُ حَرَكَةٍ وَنُقْصَانُ حَرْفٍ، كَرَجْعٍ مِنْ الرُّجْعَى.
وَأَمَّا التَّغْيِيرَاتُ الثَّلاثَةُ: فَفِي أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ٢:
الأَوَّلُ: زِيَادَةُ الْحَرْفِ مَعَ زِيَادَةِ الْحَرَكَةِ وَنُقْصَانِهَا. كَمَوْعِدٍ - مِنْ الْوَعْدِ -. زِيدَتْ الْمِيمُ وَكُسِرَتْ الْعَيْنُ، وَنَقَصَ مِنْهُ فَتحة٣ الْوَاوِ.
الثَّانِي: زِيَادَةُ الْحَرَكَةِ مَعَ زِيَادَةِ الْحَرْفِ وَنُقْصَانِهِ، كَمُكْمِلٍ٤ - اسْمُ فَاعِلٍ أَوْ مَفْعُولٍ - مِنْ الْكَمَالِ، زِيدَتْ فِيهِ الْمِيمُ وَضَمَّتُهَا٥، وَنَقَصَتْ الأَلِفُ.
الثَّالِثُ: نُقْصَانُ حَرْفٍ مَعَ زِيَادَةِ حَرَكَةٍ وَنُقْصَانِهَا. كَقَنِطٍ - اسْمُ فَاعِلٍ - مِنْ الْقُنُوطِ.
الرَّابِعُ: نُقْصَانُ الْحَرَكَةِ مَعَ زِيَادَةِ الْحَرْفِ وَنُقْصَانِه. كَكَالٍّ - بِتَشْدِيدِ اللاَّمِ - اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ الْكَلالِ، نَقَصَتْ حَرَكَةُ اللاَّمِ الأُولَى لِلإِدْغَامِ. وَنَقَصَتْ الأَلِفُ الَّتِي بَيْنَ اللاَّمَيْنِ وَزِيدَتْ الأَلِفُ قَبْلَ اللاَّمَيْنِ.
وَأَمَّا التَّغْيِيرَاتُ الأَرْبَعَةُ فَفِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ: زِيَادَةُ الْحَرْفِ وَالْحَرَكَةِ مَعًا، وَنُقْصَانُهُمَا مَعًا، كَكَامِلٍ٦، مِنْ الْكَمَالِ، وَمَثَّلُوهُ أَيْضًا بِـ "ارْمِ" - "أَمْرٌ - مِنْ الرَّمْيِ"٧. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 197
ثُمَّ التَّغْيِيرُ تَارَةً ١ يَكُونُ ظَاهِرًا - كَمَا تَقَدَّمَ – وَتَارَةً ١ يَكُونُ مُقَدَّرًا، وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "وَلَوْ" "أَيْ وَلَوْ"٢ كَانَ التَّغْيِيرُ "تَقْدِيرًا" وَذَلِكَ: كَفُلْكٍ وَجُنُبٍ، - مُفْرَدًا وَجَمْعًا -، فَإِذَا أُرِيدَ الْجَمْعُ فِي الْفُلْكِ يُؤَنَّثُ، وَإِذَا أُرِيدَ الْوَاحِدُ٣ يُذَكَّرُ.
فَالْوَاحِدُ مِنْهُ، كَقَوْلِهِ٤ تَعَالَى: ﴿إذْ أَبَقَ إلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ ٥، وَالْجَمْعُ كَقَوْلِهِ٦ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ ٧.
وَطَلَبَ طَلَبًا، وَهَرَبَ هَرَبًا وَجَلَبَ جَلْبًا وَنَحْوِهَا. فَالتَّغْيِيرُ حَاصِلٌ، وَلَكِنَّهُ مُقَدَّرٌ، فَإِنَّ سِيبَوَيْهِ قَدَّرَ زَوَالَ النُّونِ الَّتِي فِي "جُنُبٍ" حَالَ إطْلاقِهِ عَلَى الْمُفْرَدِ فِي قَوْلِكَ: "رَجُلٌ جُنُبٌ"، وَقَدَّرَ الإِتْيَانَ بِغَيْرِهَا حَالَ إطْلاقِهِ عَلَى الْجَمْعِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ ٨، وَأَنَّ ضَمَّةَ النُّونِ فِي الْمُفْرَدِ غَيْرُ ضَمَّةِ النُّونِ الَّتِي فِي الْجَمْعِ تَقْدِيرًا.
"وَ" اللَّفْظُ "الْمُشْتَقُّ فَرْعٌ وَافَقَ أَصْلاً" وَالأَصْلُ هُنَا "هُوَ اللَّفْظُ الْمُشْتَقُّ مِنْهُ الْفَرْعُ"، وَكَانَتْ الْمُوَافَقَةُ "بِحُرُوفِهِ الأُصُولِ وَمَعْنَاهُ".
فَقَوْلُنَا "بِحُرُوفِهِ الأُصُولِ" لِتَخْرُجَ الْكَلِمَاتُ٩ الَّتِي تُوَافِقُ أَصْلاً بِمَعْنَاهُ، دُونَ حُرُوفِهِ كَالْحَبْسِ وَالْمَنْعِ. وَقَوْلُنَا "وَمَعْنَاهُ" لِيُحْتَرَزَ بِهِ عَنْ مِثْلِ
стр. 198
الذَّهَبِ، فَإِنَّهُ يُوَافِقُ أَصْلاً. - وَهُوَ الذَّهَابُ - فِي حُرُوفِهِ الأُصُولِ، وَلَكِنْ غَيْرُ مُوَافِقٍ لَهُ١ فِي مَعْنَاهُ.
إذَا عَلِمْت ذَلِكَ: "فَفِي" الاشْتِقَاقِ "الأَصْغَرِ، وَهُوَ الْمَحْدُودُ" يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمُشْتَقِّ وَالْمُشْتَقِّ مِنْهُ "يَتَّفِقَانِ فِي الْحُرُوفِ٢ وَالتَّرْتِيبِ، كَنَصَرَ مِنْ النَّصْرِ" وَهَذَا٣ الَّذِي يَنْصَرِفُ إلَيْهِ إطْلاقُ الاشْتِقَاقِ، مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ.
"وَ" يُشْتَرَطُ "فِي" الاشْتِقَاقِ "الأَوْسَطِ" كَوْنُ الْمُشْتَقِّ وَالْمُشْتَقِّ مِنْهُ يَتَّفِقَانِ "فِي الْحُرُوفِ" دُونَ التَّرْتِيبِ، كَجَبَذَ مِنْ الْجَذْبِ، فَإِنَّ الْبَاءَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الذَّالِ فِي جَبَذَ، مُؤَخَّرَةٌ عَنْ الذَّالِ فِي الْجَذْبِ.
"وَ" يَكْفِي "فِي" الاشْتِقَاقِ "الأَكْبَرِ" أَنْ يَتَّفِقَ الْمُشْتَقُّ وَالْمُشْتَقُّ مِنْهُ "فِي مَخْرَجِ حُرُوفِ٤ الْحَلْقِ أَوْ الشَّفَةِ، كَنَعَقَ وَثَلَمَ مِنْ النَّهِيقِ وَالثَّلْبِ".
فَصُورَةُ اتِّفَاقِهِمَا فِي مَخْرَجِ٥ حُرُوفِ الْحَلْقِ. "نَعَقَ مِنْ النَّهِيقِ". فَإِنَّ الْهَاءَ وَالْعَيْنَ مِنْ حُرُوفِ الْحَلْقِ، وَصُورَةُ اتِّفَاقِهِمَا فِي مَخْرَجِ "حُرُوفِ الشَّفَةِ"٦ "ثَلَمَ مِنْ الثَّلْبِ"، فَإِنَّ الْمِيمَ وَالْبَاءَ مِنْ حُرُوفِ الشَّفَةِ٧.
وَالأَكْثَرُ لَمْ يُثْبِتُوا الاشْتِقَاقَ الأَكْبَرَ. قَالَ أَبُو حَيَّانَ٨: "وَلَمْ يَقُلْ
стр. 199
بِهِ١ مِنْ النُّحَاةِ إلاَّ أَبُو الْفَتْحِ٢". وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ غَيْرُ مُعَوَّلٍ عَلَيْهِ لِعَدَمِ اطِّرَادِهِ.
"وَيَطَّرِدُ" الاشْتِقَاقُ فِيمَا هُوَ "كَاسْمِ الْفَاعِلِ" كَضَارِبٍ "وَنَحْوِهِ" كَاسْمِ ٣ الْمَفْعُولِ كَمَضْرُوبٍ ٣. وَالصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ، كَالْحَسَنِ الْوَجْهِ، وَأَفْعَلَ التَّفْضِيلِ: كَأَكْبَرَ، وَاسْمِ الْمَكَانِ: كَمَلْعَبٍ٤، وَاسْمِ الزَّمَانِ: كَالْمَوْسِمِ، وَاسْمِ الآلَةِ: كَالْمِيزَانِ.
"وَقَدْ يَخْتَصُّ" فَلا يَطَّرِدُ "كَالْقَارُورَةِ" فَإِنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِالزُّجَاجَةِ، وَإِنْ كَانَتْ مَأْخُوذَةً٥ مِنْ الْقَرِّ فِي الشَّيْءِ، وَلَمْ يُطْرِدُوا ذَلِكَ إلَى كُلِّ٦ مَا يُقَرُّ فِيهِ الشَّيْءُ مِنْ خَشَبٍ أَوْ خَزَفٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
وَكَالدَّبَرَانِ - مَنْزِلَةٌ لِلْقَمَرِ -، وَإِنْ ٧ كَانَ مِنْ الدَّبُورِ ٧، فَلا يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ مَا هُوَ مَوْصُوفٌ بِالدَّبُورِ، بَلْ يَخْتَصُّ بِمَجْمُوعِ خَمْسَةِ كَوَاكِبَ مِنْ الثَّوْرِ، وَهُوَ الْمَنْزِلُ الرَّابِعُ مِنْ مَنَازِلِ الْقَمَرِ الْمُعَاقِبِ٨ لِلثُّرَيَّا.
стр. 200
وَكَذَلِكَ الْعَيُّوقُ١ وَالسَّمَّاكُ٢. قَالَهُ الْعَضُدُ٣.
وَكَأَنَّ عَدَمُ الاطِّرَادِ، لِكَوْنِ التَّسْمِيَةِ لا لِهَذَا الْمَعْنَى فَقَطْ، بَلْ لِمُصَاحَبَتِهِ٤ لَهُ، وَفَرْقٌ بَيْنَ تَسْمِيَةِ الْعَيْنِ٥ لِوُجُودِ الْمُشْتَقِّ مِنْهُ فِيهِ، - وَهُوَ الاطِّرَادِيُّ -، أَوْ لِوُجُودِهِ فِيهِ. وَهُوَ مَا لا يَطَّرِدُ٦.
"وَإِطْلاقُهُ" أَيْ: إطْلاقُ الْوَصْفِ الْمُشْتَقِّ عَلَى شَيْءٍ "قَبْلَ وُجُودِ الصِّفَةِ" أَيْ قَبْلَ قِيَامِ الْوَصْفِ "الْمُشْتَقِّ مِنْهَا" بِذَلِكَ الشَّيْءِ "مَجَازٌ" وَحُكِيَ إجْمَاعًا "إنْ أُرِيدَ الْفِعْلُ"٧ كَقَوْلِنَا مَثَلاً: "زَيْدٌ بَائِعٌ"، قَبْلَ وُجُودِ الْبَيْعِ مِنْهُ.
وَهُوَ "حَقِيقَةٌ إنْ أُرِيدَتْ٨ الصِّفَةُ" الْمُشَبَّهَةُ بِاسْمِ الْفَاعِلِ "كَسَيْفٍ قَطُوعٍ
стр. 201
وَنَحْوِهِ١"، كَخُبْزٍ مُشْبِعٍ، وَخَمْرٍ مُسْكِرٍ وَمَاءٍ مُرْوٍ٢.
"فَأَمَّا صِفَاتُ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدِيمَةٌ وَحَقِيقَةٌ" عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ. وَأَكْثَرِ أَهْلِ السُّنَّةِ٣.
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ حَجَرٍ٤ فِي "شَرْحِ الْبُخَارِيِّ": "اخْتَلَفُوا هَلْ صِفَةُ الْفِعْلِ قَدِيمَةٌ أَوْ حَادِثَةٌ؟ فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ، - مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ-: هِيَ قَدِيمَةٌ. وَقَالَ آخَرُونَ، - مِنْهُمْ ابْنُ كُلاَّبٍ وَالأَشْعَرِيُّ-: هِيَ حَادِثَةٌ، لِئَلاَّ [يَلْزَمَ أَنْ] ٥ يَكُونَ الْمَخْلُوقُ قَدِيمًا.
وَأَجَابَ الأَوَّلُونَ٦: بِأَنَّهُ يُوجَدُ فِي الأَزَلِ صِفَةُ الْخَلْقِ، وَلا مَخْلُوقَ. فَأَجَابَ الأَشْعَرِيُّ: بِأَنَّهُ لا يَكُونُ خَلْقٌ وَلا مَخْلُوقٌ، كَمَا لا يَكُونُ ضَارِبٌ وَلا مَضْرُوبٌ. فَأَلْزَمُوهُ بِحُدُوثِ صِفَاتِهِ، فَيَلْزَمُ حُلُولُ الْحَوَادِثِ بِاَللَّهِ تَعَالَى. فَأَجَابَ: بِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ لا تُحْدِثُ فِي الذَّاتِ شَيْئًا جَدِيدًا.
فَتُعُقِّبَ٧ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ لا يُسَمَّى فِي الأَزَلِ خَالِقًا وَلا رَازِقًا. وَكَلامُ اللَّهِ قَدِيمٌ وَقَدْ ثَبَتَ فِيهِ أَنَّهُ الْخَالِقُ الرَّازِقُ.
стр. 202
فَانْفَصَلَ بَعْضُ الأَشْعَرِيَّةِ بِأَنَّ إطْلاقَ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِعَدَمِ التَّسْمِيَةِ عَدَمَهَا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ. وَلَمْ يَرْتَضِهِ بَعْضُهُمْ، بَلْ قَالَ - وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ الأَشْعَرِيِّ نَفْسِهِ-: إنَّ الأَسَامِيَ جَارِيَةٌ مَجْرَى الأَعْلامِ، وَالْعَلَمُ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ وَلا مَجَازٍ فِي اللُّغَةِ، وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ: فَلَفْظُ الْخَالِقِ وَالرَّازِقِ صَادِقٌ عَلَيْهِ تَعَالَى بِالْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالْبَحْثُ إنَّمَا هُوَ فِيهَا، لا فِي الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ.
فَأَلْزَمُوهُ١: بِتَجْوِيزِ إطْلاقِ اسْمِ الْفَاعِلِ عَلَى مَنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ الْفِعْلُ فَأَجَابَ: بِأَنَّ الإِطْلاقَ هُنَا شَرْعِيٌّ لا لُغَوِيٌّ"٢. انْتَهَى كَلامُ الْحَافِظِ.
وَقَالَ: "تَصَرُّفُ الْبُخَارِيِّ٣ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ٤ يَقْتَضِي ٥ مُوَافَقَةَ الْقَوْلِ ٥ الأَوَّلِ. وَالصَّائِرُ إلَيْهِ يَسْلَمُ٦ مِنْ الْوُقُوعِ فِي مَسْأَلَةِ حَوَادِثَ لا أَوَّلَ لَهَا"٧.
стр. 203
وَنَفَتْ١ الْمُعْتَزِلَةُ جَمِيعَ الصِّفَاتِ وَقَالُوا: إمَّا أَنْ تَكُونَ حَادِثَةً. فَيَلْزَمُ قِيَامُ الْحَوَادِثِ بِذَاتِهِ تَعَالَى، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ قَدِيمَةً فَيَلْزَمُ تَعَدُّدُ الْقُدَمَاءِ. وَهُوَ كُفْرٌ٢.
"وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّا لا نُسَلِّمُ تَغَايُرَ الذَّاتِ مَعَ الصِّفَاتِ، وَلا الصِّفَاتِ بَعْضِهَا مَعَ الْبَعْضِ، لِيَثْبُتَ التَّعَدُّدُ. فَإِنَّ الْغَيْرَيْنِ هُمَا اللَّذَانِ يُمْكِنُ انْفِكَاكُ أَحَدِهِمَا عَنْ الآخَرِ بِمَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ٣، أَوْ بِوُجُودٍ٤ وَعَدَمٍ، أَوْهَمَا ذَاتَانِ لَيْسَتْ إحْدَاهُمَا الأُخْرَى ٥ وَتَفْسِيرُهُمَا بِالشَّيْئَيْنِ، أَوْ ٥ الْمَوْجُودَيْنِ، أَوْ الاثْنَيْنِ فَاسِدٌ، لأَنَّ "الْغَيْرَ" مِنْ الأَسْمَاءِ الإِضَافِيَّةِ، وَلا إشْعَارَ فِي هَذَا التَّفْسِيرِ بِذَلِكَ". قَالَهُ فِي "شَرْحِ الْمَقَاصِدِ"٦.
"وَ" اللَّفْظُ "الْمُشْتَقُّ حَالَ وُجُودِ الصِّفَةِ" أَيْ قِيَامِهَا بِالْمَوْصُوفِ. كَقَوْلِنَا لِمَنْ يَضْرِبُ حَالَ وُجُودِ الضَّرْبِ مِنْهُ: ضَارِبٌ "حَقِيقَةً" إجْمَاعًا.
"وَبَعْدَ انْقِضَائِهَا" أَيْ انْقِضَاءِ وُجُودِ الصِّفَةِ، وَهُوَ الْفَرَاغُ مِنْ الضَّرْبِ "مَجَازٌ" عِنْدَ الْقَاضِي، وَابْنِ عَقِيلٍ، وَالْحَنَفِيَّةِ، وَالرَّازِيِّ وَأَتْبَاعِهِ، بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ.
وَعِنْدَ ابْنِ حَمْدَانَ وَغَيْرِهِ وَحُكِيَ عَنْ أَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ٧، - وَاخْتَارَهُ أَبُو الطَّيِّبِ٨- أَنَّهُ حَقِيقَةٌ عَقِبَ الْفِعْلِ.
стр. 204
وَقَالَ الْقَاضِي أَيْضًا وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَجَمْعٌ: إنْ لَمْ يُمْكِنْ بَقَاءُ الْمَعْنَى، كَالْمَصَادِرِ السَّيَّالَةِ، - كَالْكَلامِ وَالتَّحَرُّكِ وَنَحْوِهِمَا-، فَحَقِيقَةٌ، وَإِلاَّ فَمَجَازٌ، كَالْقِيَامِ وَنَحْوِهِ١.
وَاحْتَجَّ لِمَا فِي الْمَتْنِ، بِأَنَّهُ٢ يَصِحُّ نَفْيُهُ، فَيَصْدُقُ بَعْدَ انْقِضَائِهَا: أَنَّهُ٣ لَيْسَ بِضَارِبٍ فِي الْحَالِ٤، وَالسَّلْبُ الْمُطْلَقُ جُزْءُ الْمُقَيَّدِ٥.
وَأَمَّا إطْلاقُ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْمَيِّتِ فَحَقِيقَةٌ؛ لأَنَّ الإِيمَانَ لا يُفَارِقُهُ بِالْمَوْتِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "وَهَذِهِ هِيَ مَسْأَلَةُ النُّبُوَّةِ٦، وَلا تَزُولُ بِالْمَوْتِ. وَبِسَبَبِهَا جَرَتْ الْمِحْنَةُ عَلَى الأَشْعَرِيَّةِ فِي زَمَنِ مَلِكِ خُرَاسَانَ مَحْمُودِ٧ بْنِ سُبُكْتِكِينَ٨ [وَالْقَاضِي وَسَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنْكَرُوا عَلَيْهِمْ
стр. 205
هَذَا] ١، حَتَّى صَنَّفَ الْبَيْهَقِيُّ٢ "حَيَاةَ الأَنْبِيَاءِ فِي قُبُورِهِمْ"..٣".
وَيُسْتَثْنَى مِنْ مَحَلِّ الْخِلافِ ثَلاثُ مَسَائِلَ٤:
الأُولَى: لَوْ طَرَأَ عَلَى الْمَحَلِّ وَصْفٌ وُجُودِيٌّ يُنَاقِضُ الأَوَّلَ، كَتَسْمِيَةِ الْيَقْظَانِ نَائِمًا - بِاعْتِبَارِ٥ نَوْمٍ سَابِقٍ-، فَمَجَازٌ إجْمَاعًا.
الثَّانِيَةُ: لَوْ مَنَعَ مَانِعٌ مِنْ خَارِجٍ مِنْ إطْلاقِهِ، فَلا حَقِيقَةَ وَلا مَجَازَ، كَإِطْلاقِ الْكَافِرِ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ بِاعْتِبَارِ كُفْرٍ سَابِقٍ، وَالْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ، لِمَا فِيهِ مِنْ إهَانَةِ الْمُسْلِمِ وَالإِخْلالِ بِتَعْظِيمِهِ.
الثَّالِثَةُ٦: قَالَ الْقَرَافِيُّ٧: "مَحَلُّ الْخِلافِ: إذَا كَانَ الْمُشْتَقُّ مَحْكُومًا بِهِ كَزَيْدٍ مُشْرِكٌ٨، أَوْ سَارِقٌ، أَمَّا إذَا ٩ كَانَ تَعَلُّقُ ٩ الْحُكْمِ، - وَهُوَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ - كَـ ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ ١٠ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ
стр. 206
فَاقْطَعُوا﴾ ١ فَهُوَ٢ حَقِيقَةٌ مُطْلَقَاً٣ فِيمَنْ اتَّصَفَ٤ بِهِ فِي الْمَاضِي وَالْحَالِ وَالاسْتِقْبَالِ، إذَا لَوْ كَانَ مَجَازًا: لَكَانَ مَنْ زَنَى، أَوْ سَرَقَ بَعْدَ زَمَانِ نُزُولِ الآيَةِ "زَانِيًا مَجَازًا"٥، وَالْخِطَابُ لا يَكُونُ مَجَازًا فَلا يَدْخُلُ فِيهَا؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ٦ الْمَجَازِ، وَلا قَائِلَ بِذَلِكَ٧".
"وَشَرْطُهُ" أَيْ: شَرْطُ الْمُشْتَقِّ، سَوَاءٌ كَانَ اسْمًا أَوْ فِعْلاً "صِدْقُ أَصْلِهِ" وَهُوَ الْمُشْتَقُّ مِنْهُ [عَلَيْهِ] خِلافًا لِلْجُبَّائِيَّةِ، لإِطْلاقِهِمْ الْعَالِمَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْكَارِ حُصُولِ الْعِلْمِ لَهُ.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ ذَكَرَهَا الأُصُولِيُّونَ لِيَرُدُّوا عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ، فَإِنَّهُمْ ذَهَبُوا٨ إلَى مَسْأَلَةٍ خَالَفَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ. فَإِنَّ أَبَا عَلِيٍّ الْجُبَّائِيَّ٩ وَابْنَهُ أَبَا هَاشِمٍ١٠ ذَهَبُوا١١ إلَى نَفْيِ الْعِلْمِ عَنْهُ تَعَالَى. وَكَذَلِكَ الصِّفَاتُ الَّتِي أَثْبَتَهَا أَئِمَّةُ الإِسْلامِ.
стр. 207
لَكِنْ قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: تَحْرِيرُ النَّقْلِ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ وَابْنِهِ - كَمَا صَرَّحَا بِهِ فِي كُتُبِهِمَا الأُصُولِيَّةِ- أَنَّهُمَا يَقُولانِ: إنَّ الْعَالَمِيَّةَ بِعِلْمٍ، لَكِنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعَالَى عَيْنُ ذَاتِهِ، لا أَنَّهُ عَالِمٌ بِدُونِ عِلْمٍ، كَمَا اُشْتُهِرَ فِي النَّقْلِ عَنْهُمَا وَكَذَا الْقَوْلُ فِي بَقِيَّةِ الصِّفَاتِ. وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَيُعَلِّلُونَ الْعَالِمَ بِوُجُودِ عِلْمٍ قَدِيمٍ قَائِمٍ بِذَاتِهِ، وَكَذَا فِي الْبَاقِي١.
"وَكُلُّ اسْمِ مَعْنًى قَائِمٌ بِمَحَلٍّ يَجِبُ أَنْ يُشْتَقَّ لِمَحَلِّهِ مِنْهُ" أَيْ مِنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى "اسْمُ فَاعِلٍ"٢.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ أُصُولِ حُجَجِ السَّلَفِ وَالأَئِمَّةِ. فَإِنَّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ فِي فِطَرِ٣ الْخَلْقِ: أَنَّ الصِّفَةَ إذَا قَامَتْ بِمَحَلٍّ اتَّصَفَ بِهَا ذَلِكَ الْمَحَلُّ لا غَيْرُهُ فَإِذَا قَامَ الْعِلْمُ بِمَحَلٍّ كَانَ هُوَ الْعَالِمُ بِهِ لا غَيْرُهُ، وَكَذَلِكَ إذَا قَامَتْ الْقُدْرَةُ أَوْ الْحَيَاةُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الصِّفَاتِ، وَلا خِلافَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ.
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْمُعْتَزِلَةُ، فَسَمَّوْا اللَّهَ تَعَالَى مُتَكَلِّمًا بِكَلامِ خَلْقِهِ فِي جِسْمٍ. وَلَمْ يُسَمُّوا ذَلِكَ الْجِسْمَ مُتَكَلِّمًا.
دَلِيلُ أَهْلِ السُّنَّةِ: الاسْتِقْرَاءُ، فَإِنَّ لُغَةَ الْعَرَبَ اُسْتُقْرِئَتْ فَلَمْ يُوجَدْ فِيهَا اسْمُ فَاعِلٍ مُطْلَقٌ عَلَى شَيْءٍ إلاَّ وَالْمَعْنَى الْمُشْتَقُّ مِنْهُ قَائِمٌ بِهِ، وَهُوَ يُفِيدُ الْقَطْعَ بِذَلِكَ.
"وَ" الْمُشْتَقُّ مِثْلُ "أَبْيَضَ وَنَحْوِهِ" كَأَسْوَدَ وَضَارِبٍ وَمَضْرُوبٍ "يَدُلُّ عَلَى
стр. 208
ذَاتٍ مُتَّصِفَةٍ بِبَيَاضٍ" أَوْ سَوَادٍ أَوْ وُجُودِ ضَرْبٍ "لا" عَلَى ١ خُصُوصِيَّتِهَا بِهِ ١ أَيْ لا عَلَى أَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِذَلِكَ الْوَصْفِ٢.
ثُمَّ إنْ عُلِمَ مِنْهُ شَيْءٌ فَهُوَ عَلَى طَرِيقِ الالْتِزَامِ، لا بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ جُزْءًا مِنْ مُسَمَّاهُ. وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ: أَنَّ قَوْلَنَا "إنَّ الأَبْيَضَ جِسْمٌ" مُسْتَقِيمٌ، وَلَوْ دَلَّ الأَسْوَدُ عَلَى خُصُوصِ الاسْمِ، لَكَانَ غَيْرَ مُسْتَقِيمٍ؛ لأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مَعْنَاهُ: "الْجِسْمُ ذُو السَّوَادِ" جِسْمٌ، وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، لِلُّزُومِ التَّكْرَارِ بِلا فَائِدَةٍ.
وَمَا أَحْسَنَ مَا قَرَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ: "الْمُشْتَقُّ لا إشْعَارَ لَهُ بِخُصُوصِيَّةِ الذَّاتِ". فَالأَسْوَدُ - مَثَلاً- ذَاتٌ لَهَا سَوَادٌ، وَلا يَدُلُّ عَلَى حَيَوَانٍ، وَلا غَيْرِهِ. وَالْحَيَوَانُ: ذَاتٌ لَهَا حَيَاةٌ، لا خُصُوصُ إنْسَانٍ وَلا غَيْرِهِ.
"وَالْخَلْقُ غَيْرُ الْمَخْلُوقِ، وَهُوَ" أَيْ الْخَلْقُ "فِعْلُ الرَّبِّ تَعَالَى قَائِمٌ بِهِ، مُغَايِرٌ لِصِفَةِ الْقُدْرَةِ" وَهَذَا الصَّحِيحُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَالْقَاضِي أَخِيرًا، وَأَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ وَأَهْلِ الأَثَرِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: "الْخَلْقُ فِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى الْقَائِمُ بِهِ، وَالْمَخْلُوقَاتُ الْمُنْفَصِلَةُ عَنْهُ، وَحَكَاهُ الْبَغَوِيّ٣ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَنَقَلَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ الْعُلَمَاءِ مُطْلَقًا، فَقَالَ: قَالَ عُلَمَاءُ السَّلَفِ: إنَّ خَلْقَ الرَّبِّ تَعَالَى لِلْعَالَمِ لَيْسَ هُوَ
стр. 209
الْمَخْلُوقُ، بَلْ فِعْلُهُ الْقَائِمُ بِهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. انْتَهَى. ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ "خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ"١، وَهُوَ قَوْلُ الْكَرَّامِيَّةِ، وَكَثِيرٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ"٢.
وَعِنْدَ الْقَاضِي أَوَّلاً٣ وَابْنِ عَقِيلٍ، وَابْنِ الزَّاغُونِيِّ٤، وَالأَشْعَرِيَّةِ، وَأَكْثَرِ الْمُعْتَزِلَةِ: أَنَّ الْخَلْقَ الْمَخْلُوقُ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: "ذَهَبَ هَؤُلاءِ إلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ لَهُ صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ مِنْ أَفْعَالِهِ وَإِنَّمَا الْخَلْقُ هُوَ الْمَخْلُوقُ، أَوْ مُجَرَّدُ نِسْبَةٍ، أَوْ إضَافَةٍ، وَعِنْدَ هَؤُلاءِ: حَالُ الذَّاتِ الَّتِي تَخْلُقُ وَتَرْزُقُ وَلا تَخْلُقُ وَلا تَرْزُقُ سَوَاءٌ٥". انْتَهَى.
وَالرَّبُّ لا يُوصَفُ بِمَا هُوَ مَخْلُوقٌ لَهُ، وَإِنَّمَا يُوصَفُ بِمَا هُوَ قَائِمٌ بِهِ.
стр. 210
"فَائِدَةٌ"
"تَثْبُتُ اللُّغَةُ قِيَاسًا فِيمَا" أَيْ فِي لَفْظٍ "وُضِعَ لِمَعْنًى دَارَ مَعَهُ" أَيْ مَعَ اللَّفْظِ "وُجُودًا وَعَدَمًا"، "كَخَمْرٍ لِنَبِيذٍ" لِتَخْمِيرِ الْعَقْلِ "وَنَحْوِهِ" كَسَارِقٍ لِنَبَّاشٍ، لأَخْذٍ١ خُفْيَةً، وَزَانٍ لِلاَّئِطِ، لِلْوَطْءِ الْمُحَرَّمِ، وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا، وَابْنُ سُرَيْجٍ٢، وَأَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ وَالْفَخْرُ الرَّازِيّ، وَغَيْرُهُمْ.
وَنَقَلَهُ الأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ٣ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الشُّفْعَةِ: إنَّ الشَّرِيكَ جَارٌ قِيَاسًا عَلَى تَسْمِيَةِ امْرَأَةِ الرَّجُلِ جَارُهُ٤. وَكَذَا قَالَ ابْنُ فُورَكٍ٥: إنَّهُ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ٦ قَالَ: الشَّرِيكُ جَارٌ.
стр. 211
وَقِيلَ: لا تَثْبُتُ قِيَاسًا مُطْلَقًا. اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَالصَّيْرَفِيُّ١، وَأَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلاَّنِيُّ فِي "التَّقْرِيبِ".
وَفَائِدَةُ الْخِلافِ: أَنَّ الْمُثْبِتَ لِلْقِيَاسِ فِي اللُّغَةِ يَسْتَغْنِي عَنْ٢ الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ. فَيَكُونُ إيجَابُ الْحَدِّ عَلَى شَارِبِ النَّبِيذِ، وَالْقَطْعِ عَلَى النَّبَّاشِ بِالنَّصِّ، وَمَنْ أَنْكَرَ الْقِيَاسَ فِي اللُّغَةِ جَعَلَ ثُبُوتَ ذَلِكَ بِالشَّرْعِ٣.
"وَالإِجْمَاعُ عَلَى مَنْعِهِ" أَيْ: مَنْعِ الْقِيَاسِ "فِي عَلَمٍ وَلَقَبٍ وَصِفَةٍ. وَكَذَا مِثْلُ إنْسَانٍ وَرَجُلٍ٤، وَرَفْعِ فَاعِلٍ" ٥.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي "أُصُولِهِ": "الإِجْمَاعُ عَلَى مَنْعِهِ فِي الأَعْلامِ وَالأَلْقَابِ، وَذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ: ابْنُ عَقِيلٍ لِوَضْعِهِمَا لِغَيْرِ مَعْنًى جَامِعٍ وَالْقِيَاسُ فَرْعُهُ.
стр. 212
وَمِثْلُ١ هَذَا "سِيبَوَيْهِ زَمَانِهِ"، مَجَازٌ عَنْ حَافِظِ كِتَابِهِ٢.
وَالإِجْمَاعُ عَلَى مَنْعِهِ فِي الصِّفَاتِ، لأَنَّ الْعَالِمَ مَنْ قَامَ بِهِ الْعِلْمُ فَيَجِبُ طَرْدُهُ، فَإِطْلاقُهُ بِوَضْعِ اللُّغَةِ٣، وَكَذَا مِثْلُ: إنْسَانٍ وَرَجُلٍ وَرَفْعِ الْفَاعِلِ٤، فَلا وَجْهَ لِجَعْلِهِ دَلِيلاً". انْتَهَى.
стр. 213
فصل في بيان معنى الحروف
...
"الْحُرُوفُ" أَيْ هَذَا فَصْلُ بَيَانِ مَعْنَى الْحُرُوفِ.
قَالَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ: "قَدْ قَالَ النُّحَاةُ: إنَّ الْحَرْفَ لا يَسْتَقِلُّ بِالْمَعْنَى١. وَعَلَيْهِ إشْكَالٌ. فَتَقَرَّرَ الْمُرَادُ أَوَّلاً، وَالإِشَارَةُ إلَى الإِشْكَالِ ثَانِيًا، وَحَلُّهُ ثَالِثًا.
أَمَّا تَقْرِيرُهُ: فَهُوَ أَنَّ نَحْوَ "مِنْ" وَ "إلَى" مَشْرُوطٌ فِي وَضْعِهَا دَالَّةٌ٢ عَلَى مَعْنَاهَا الإِفْرَادِيِّ، وَهُوَ الابْتِدَاءُ وَالانْتِهَاءُ. وَذِكْرُ مُتَعَلَّقِهَا مِنْ دَارٍ أَوْ سُوقٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، مِمَّا يَدْخُلُ عَلَيْهِ الْحَرْفُ، وَمِنْهُ الابْتِدَاءُ، وَإِلَيْهِ الانْتِهَاءُ. وَالاسْمُ نَحْوُ "الابْتِدَاءِ" وَ "الانْتِهَاءِ"، وَالْفِعْلُ نَحْوُ "ابْتَدَأَ" وَ "انْتَهَى" غَيْرُ مَشْرُوطٍ فِيهِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الإِشْكَالُ: فَهُوَ أَنَّ نَحْوَ: ذُو، وَأُولُو٣، وأُولاتُ٤، وَقَيْدٌ، وَقَيْسٌ٥، وَقَابَ، وَأَيْ، وَبَعْضُ، وَكُلُّ، وَفَوْقَ، وَتَحْتَ، وَأَمَامَ، وَقُدَّامَ، وَخَلْفَ، وَوَرَاءَ ... مِمَّا لا يُحْصَى كَذَلِكَ، إذْ لَمْ يُجَوِّزْ الْوَاضِعُ اسْتِعْمَالَهَا إلاَّ بِمُتَعَلِّقَاتِهَا. فَكَانَ يَجِبُ كَوْنُهَا حُرُوفًا. وَإِنَّهَا أَسْمَاءٌ.
وَأَمَّا الْحَلُّ: فَهُوَ أَنَّهَا - وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقْ اسْتِعْمَالُهَا إلاَّ كَذَلِكَ، لأَمْرٍ مَا عَرَضَ-. فَغَيْرُ٦ مَشْرُوطٍ فِي وَضْعِهَا [دَالَّةٌ] ٧ ذَلِكَ لِمَا عُلِمَ أَنَّ "ذُو" بِمَعْنَى
стр. 214
صَاحِبٍ، وَيُفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ الإِفْرَادِ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ وَضْعَهُ لَهُ لِغَرَضٍ مَا، وَهُوَ التَّوَصُّلُ بِهِ إلَى الْوَصْفِ بِأَسْمَاءِ الأَجْنَاسِ، فِي نَحْوِ: زَيْدٌ ذُو مَالٍ، وَذُو فَرَسٍ، فَوَضْعُهُ لِيُتَوَصَّلَ بِهِ إلَى ذَلِكَ هُوَ الَّذِي اقْتَضَى ذِكْرَ الْمُضَافِ إلَيْهِ. لا أَنَّهُ١ لَوْ ذُكِرَ دُونَهُ لَمْ يَدُلَّ عَلَى مَعْنَاهُ نَعَمْ لَمْ يَحْصُلْ الْغَرَضُ مِنْ وَضْعِهِ! وَالْفَرْقُ بَيْنَ عَدَمِ فَهْمِ الْمَعْنَى، وَبَيْنَ عَدَمِ فَائِدَةِ٢ الْوَضْعِ مَعَ فَهْمِ الْمَعْنَى ظَاهِرٌ.
وَكَذَلِكَ "فَوْقَ" وُضِعَ لِمَكَانٍ لَهُ عُلُوٌّ. وَيُفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ الانْفِرَادِ٣ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ وَضْعَهُ لَهُ لِيُتَوَصَّلَ [بِهِ] ٤ إلَى عُلْوٍ خَاصٍّ، اقْتَضَى ذِكْرَ الْمُضَافِ إلَيْهِ وَكَذَلِكَ بَاقِي٥ الأَلْفَاظِ"٦.
"وَإِذْ قَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ فَنَقُولُ: الْحَرْفُ مَا٧ وُضِعَ بِاعْتِبَارِ مَعْنًى عَامٍّ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ النِّسْبَةِ كَالابْتِدَاءِ٨ وَالانْتِهَاءِ، لِكُلِّ ابْتِدَاءٍ أَوْ انْتِهَاءٍ مُعَيَّنٍ بِخُصُوصِهِ.
وَالنِّسْبَةُ لا تَتَعَيَّنُ إلاَّ بِالْمَنْسُوبِ إلَيْهِ. فَالابْتِدَاءُ الَّذِي لِلْبَصْرَةِ يَتَعَيَّنُ٩ بِالْبَصْرَةِ. وَالانْتِهَاءُ الَّذِي لِلْكُوفَةِ يَتَعَيَّنُ١٠ بِالْكُوفَةِ، فَمَا١١ لَمْ يُذْكَرْ
стр. 215
مُتَعَلَّقُهُ، لا يَتَحَصَّلُ فَرْدٌ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ الَّذِي١ هُوَ مَدْلُولُ الْحَرْفِ، لا فِي الْعَقْلِ وَلا فِي الْخَارِجِ، وَإِنَّمَا يَتَحَصَّلُ بِالْمَنْسُوبِ إلَيْهِ، فَيَتَعَقَّلُ بِتَعَقُّلِهِ٢، بِخِلافِ مَا وُضِعَ لِلنَّوْعِ بِعَيْنِهِ٣ كَالابْتِدَاءِ وَالانْتِهَاءِ.
[وَ] ٤ بِخِلافِ مَا وُضِعَ لِذَاتٍ مَا بِاعْتِبَارِ نِسْبَةٍ. نَحْوُ "ذُو" وَ "فَوْقَ" وَ "عَلَى"، وَ "عَنْ"، وَ "الْكَافِ" إذَا أُرِيدَ بِهَا٥ عُلُوٌّ وَتَجَاوُزٌ وَشَبَهٌ٦ مُطْلَقًا. فَهُوَ كَالابْتِدَاءِ [وَالانْتِهَاءِ] ٧ ... ٨". اهـ.
وَالْمُرَادُ بِالْحُرُوفِ هُنَا: "مَا يَحْتَاجُ الْفَقِيهُ إلَى مَعْرِفَتِهِ مِنْ مَعَانِي الأَلْفَاظِ الْمُفْرَدَةِ"، لا الْحَرْفِ الَّذِي هُوَ قَسِيمُ الاسْمِ وَالْفِعْلِ، لأَنَّهُ قَدْ ذُكِرَ مَعَهَا أَسْمَاءٌ. كَـ "إِذَا" وَ "إِذْ"، وَأُطْلِقَ عَلَيْهَا لَفْظُ الْحُرُوفِ تَغْلِيبًا بِاعْتِبَارِ الأَكْثَرِ.
следующие страницы →