Полный текст (2 398 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
الْمَوْضُوعِ لِلشَّيْءِ وَضِدِّهِ، كَالْقُرْءِ١ وَالْجَوْنِ٢ وَنَحْوِهِمَا وَلاخْتِلافِ الاسْمِ ٣ لاختلاف الأمم ٣ مَعَ اتِّحَادِ الْمُسَمَّى، وَإِنَّمَا اخْتَصَّ كُلُّ اسْمٍ بِمَعْنًى بِإِرَادَةِ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ٤.
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ عَبَّادُ بْنُ سُلَيْمَانَ٥ الْمُعْتَزِلِيُّ الصَّيْمَرِيُّ٦ - بِفَتْحِ الصَّادِ وَالْمِيمِ-.
"وَيَجِبُ حَمْلُ اللَّفْظِ" إذَا دَارَ بَيْنَ كَوْنِهِ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا، مَعَ٧ الاحْتِمَالِ ٨ "عَلَى حَقِيقَتِهِ" كَالأَسَدِ مَثَلاً فَإِنَّهُ لِلْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ حَقِيقَةً وَلِلرَّجُلِ الشُّجَاعِ مَجَازًا فَإِذَا أُطْلِقَ وَلا قَرِينَةَ كَانَ لِلْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ؛ لأَنَّ الأَصْلَ الْحَقِيقَةُ، وَالْمَجَازُ ٨ خِلافُ الأَصْلِ٩.
стр. 282
"وَ" كَذَلِكَ إذَا دَارَ الأَمْرُ فِي ١ اللَّفْظِ بَيْنَ ١ جَرَيَانِهِ عَلَى عُمُومِهِ أَوْ تَخْصِيصِهِ، فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى "عُمُومِهِ"؛ لأَنَّ الأَصْلَ بَقَاءُ الْعُمُومِ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ ٢ يُدْخِلُ فِي عُمُومِهِ الْحُرَّتَيْنِ وَالأَمَتَيْنِ. وَإِذَا كَانَتْ إحْدَاهُمَا أَمَةً وَالأُخْرَى حُرَّةً، وَلا يُخَصَّصُ٣ بِالْحُرَّتَيْنِ٤.
"وَ" كَذَا إذَا دَارَ اللَّفْظُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُشْتَرَكًا أَوْ مُفْرَدًا. فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى "إفْرَادِهِ" كَالنِّكَاحِ. فَإِنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْوَطْءِ وَسَبَبِهِ الَّذِي هُوَ الْعَقْدُ، فَيُحْمَلُ عَلَى الْوَطْءِ دُونَ الْعَقْدِ، أَوْ عَلَى الْعَقْدِ دُونَ الْوَطْءِ، لا عَلَى الاشْتِرَاكِ٥.
"وَ" كَذَا إذَا دَارَ اللَّفْظُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُضْمَرًا أَوْ مُسْتَقِلاًّ. فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى "اسْتِقْلالِهِ" وَهُوَ عَدَمُ التَّقْدِيرِ. نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الأَرْضِ﴾ ٦ فَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ يُقَدِّرُ لِيُقَتَّلُوا: "إنْ قَتَلُوا"؛ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ "إنْ سَرَقُوا"، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: الأَصْلُ الاسْتِقْلالُ. وَهُوَ عَدَمُ التَّقْدِيرِ٧.
стр. 283
"وَ" كَذَا إذَا١ دَارَ اللَّفْظُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا أَوْ مُطْلَقًا. فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى "إطْلاقِهِ" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْت لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُك﴾ ٢ فَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ يُقَيِّدُهُ بِالْمَوْتِ عَلَى الشِّرْكِ، وَبَعْضُهُمْ يَحْمِلُهُ عَلَى إطْلاقِهِ؛ لأَنَّهُ الأَصْلُ. فَيَكُونُ مُجَرَّدُ الشِّرْكِ مُحْبِطًا لِمَا سَبَقَهُ مِنْ الأَعْمَالِ٣.
"وَ" كَذَا إذَا دَارَ اللَّفْظُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ زَائِدًا أَوْ مُتَأَصِّلاً فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى "تَأْصِيلِهِ" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ ٤. قِيلَ٥: "لا" زَائِدَةٌ، وَأَصْلُ الْكَلامِ: "أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ". وَقِيلَ: لَيْسَتْ بِزَائِدَةٍ؛ لأَنَّ الأَصْلَ فِي الْكَلامِ التَّأْصِيلُ، وَيَكُونُ الْمَعْنَى: لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ وَأَنْتَ لَسْت فِيهِ، بَلْ لا يُعَظَّمُ وَلا يَصْلُحُ لِلْقَسَمِ إلاَّ إذَا كُنْت فِيهِ٦.
"وَ" كَذَا إذَا دَارَ الأَمْرُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مُؤَخَّرًا أَوْ مُقَدَّمًا. فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى "تَقْدِيمِهِ" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ ٧. فَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ: إنَّ فِي الآيَةِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا تَقْدِيرُهُ: "وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا كَانُوا٨ قَبْلَ الظِّهَارِ سَالِمِينَ مِنْ الإِثْمِ بِسَبَبِ الْكَفَّارَةِ". وَعَلَى هَذَا: فَلا يَكُونُ الْعَوْدُ شَرْطًا فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ. وَبَعْضُهُمْ
стр. 284
يَحْمِلُهَا عَلَى الأَصْلِ، وَهُوَ التَّرْتِيبُ. وَعَلَى هَذَا: فَلا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ إلاَّ بِالظِّهَارِ وَالْعَوْدِ١.
"وَ" كَذَا إذَا دَارَ اللَّفْظُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُؤَكَّدًا أَوْ مُؤَسَّسًا. فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى "تَأْسِيسِهِ" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الرَّحْمَنِ إلَى آخِرِهَا فَإِنْ جُعِلَ تَأْكِيدًا لَزِمَ تَكْرَارُ التَّأْكِيدِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثِ مَرَّاتٍ. وَالْعَرَبُ لا تَزِيدُ فِي التَّأْكِيدِ عَلَى ثَلاثٍ، فَيُحْمَلُ فِي كُلِّ مَحَلٍّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ التَّكْذِيبُ٢.
وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ فِي سُورَةِ الْمُرْسَلاتِ. فَيَكُونُ الْجَمْعُ٣ تَأْسِيسًا لا تَأْكِيدًا٤.
"وَ" كَذَا إذَا دَارَ اللَّفْظُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُتَرَادِفًا أَوْ مُتَبَايِنًا. نَحْوُ قَوْلِهِ ﷺ : "لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الأَحْلامِ وَالنُّهَى" ٥. فَالنُّهَى: جَمْعُ نُهْيَةٍ - بِالضَّمِّ- وَهِيَ الْعَقْلُ، فَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ فَسَّرَ "أُولُو الأَحْلامِ" بِالْعُقَلاءِ. فَيَكُونُ اللَّفْظَانِ مُتَرَادِفَيْنِ. وَبَعْضُهُمْ فَسَّرَ "أُولُو الأَحْلامِ" بِالْبَالِغِينَ. فَيَكُونُ اللَّفْظَانِ مُتَبَايِنَيْنِ. فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى "تَبَايُنِهِ".
стр. 285
فَيُحْمَلُ اللَّفْظُ مَعَ احْتِمَالِ١ حَقِيقَتِهِ عَلَيْهَا "دُونَ مَجَازِهِ، وَ" عَلَى عُمُومِهِ دُونَ "تَخْصِيصِهِ، وَ" عَلَى إفْرَادِهِ دُونَ "اشْتِرَاكِهِ، وَ" عَلَى اسْتِقْلالِهِ دُونَ "إضْمَارِهِ، وَ" عَلَى إطْلاقِهِ دُونَ "تَقْيِيدِهِ، وَ" عَلَى تَأْصِيلِهِ دُونَ "زِيَادَتِهِ، وَ" عَلَى تَقْدِيمِهِ دُونَ "تَأْخِيرِهِ، وَ" كَذَا إذَا دَارَ الأَمْرُ بَيْنَ كَوْنِ اللَّفْظِ مُؤَكِّدًا أَوْ مُؤَسِّسًا. فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى تَأْسِيسِهِ دُونَ "تَوْكِيدِهِ. وَ" عَلَى تَبَايُنِهِ دُونَ "تَرَادُفِهِ".
"وَ" كَذَا إذَا دَارَ الأَمْرُ بَيْنَ نَسْخِ٢ الْحُكْمِ وَبَقَائِهِ. نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ ٣. فَحَصْرُ الْمُحَرَّمِ فِي هَذِهِ الأَرْبَعَةِ يَقْتَضِي إبَاحَةَ مَا عَدَاهَا وَمِنْ جُمْلَتِهِ٤ السِّبَاعُ. وَقَدْ وَرَدَ نَهْيُهُ ﷺ "عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي٥ نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ، وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ" ٦. فَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ نَاسِخٌ لِلإِبَاحَةِ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: لَيْسَ بِنَاسِخٍ، وَالأَكْلُ مَصْدَرٌ مُضَافٌ إلَى الْفَاعِلِ، وَهُوَ الأَصْلُ فِي
стр. 286
إضَافَةِ الْمَصْدَرِ بِنَصِّ النُّحَاةِ. فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ ١ فَيَكُونُ حُكْمُهُمَا وَاحِدًا٢.
وَإِذَا كَانَ الأَمْرُ كَذَلِكَ فَيُحْمَلُ "عَلَى بَقَائِهِ دُونَ نَسْخِهِ، إلاَّ لِدَلِيلٍ رَاجِحٍ" يَدُلُّ عَلَى خِلافِ مَا قُلْنَا، أَنَّ اللَّفْظَ يُحْمَلُ عَلَيْهِ، فَيُعْمَلُ بِهِ وَيُتْرَكُ مَا ذَكَرْنَاهُ.
"وَيُحْمَلُ" اللَّفْظُ الصَّادِرُ مِنْ مُتَكَلِّمٍ لَهُ عُرْفٌ "عَلَى عُرْفِ مُتَكَلِّمٍ" كَالْفَقِيهِ مَثَلاً. فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى ٣عُرْفِهِ فِي ٣ كَلامِهِ وَمُصْطَلَحَاتِهِ وَكَذَا الأُصُولِيُّ وَالْمُحَدِّثُ وَالْمُفَسِّرُ وَاللُّغَوِيُّ، وَنَحْوُهُمْ مِنْ أَرْبَابِ الْعُلُومِ.
وَكَذَلِكَ إذَا سُمِعَ مِنْ الشَّارِعِ شَيْءٌ لَهُ مَدْلُولٌ شَرْعِيٌّ٤ وَمَدْلُولٌ لُغَوِيٌّ. فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى مَدْلُولِهِ الشَّرْعِيِّ. كَقَوْلِهِ ﷺ : "لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ" ٥. فَإِنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، - وَهُوَ الدُّعَاءُ-، لَزِمَ أَنْ لا يَقْبَلَ اللَّهُ تَعَالَى دُعَاءً بِغَيْرِ طَهُورٍ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ. فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى الصَّلاةِ الْمَعْهُودَةِ فِي الشَّرْعِ. وَهِيَ الْعِبَادَةُ الْمَخْصُوصَةُ٦، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 287
فصل في الأحكام
...
فصل:"الأَحْكَامُ"
أَيْ: هَذَا فَصْلٌ نَذْكَرُ١ فِيهِ هُنَا نُبْذَةً مِنْ مَعَانِي الأَحْكَامِ. وَحَيْثُ انْتَهَى الْكَلامُ عَلَى مَا يُسْتَمَدُّ مِنْهُ هَذَا الْعِلْمُ مِنْ اللُّغَةِ، شَرَعْنَا فِي ذِكْرِ مَا يُسْتَمَدُّ مِنْهُ مِنْ الأَحْكَامِ، إذْ لا بُدَّ مِنْ حُكْمٍ، وَحَاكِمٍ، وَمَحْكُومٍ فِيهِ، وَمَحْكُومٍ عَلَيْهِ.
وَالْكَلامُ الآنَ فِي الْحُكْمِ٢ فَنَقُولُ:
"الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ" يُطْلَقُ بِثَلاثَةِ٣ اعْتِبَارَاتٍ:
أَحَدُهَا: "بِمَعْنَى مُلاءَمَةِ الطَّبْعِ وَمُنَافَرَتِهِ٤". كَقَوْلِنَا: إنْقَاذُ الْغَرِيقِ حَسَنٌ، وَاتِّهَامُ الْبَرِيءِ قَبِيحٌ.
الثَّانِي: مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: "أَوْ" بِمَعْنَى "صِفَةِ كَمَالٍ وَنَقْصٍ" كَقَوْلِنَا: الْعِلْمُ حَسَنٌ، وَالْجَهْلُ قَبِيحٌ.
стр. 288
وَكُلٌّ مِنْهُمَا١ "عَقْلِيٌّ" أَيْ إنَّ الْعَقْلَ يَسْتَقِلُّ بِإِدْرَاكِهِمَا مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى الشَّرْعِ٢.
"وَ" الثَّالِثُ: إطْلاقُ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ "بِمَعْنَى الْمَدْحِ وَالثَّوَابِ، وَ" بِمَعْنَى "الذَّمِّ وَالْعِقَابِ: شَرْعِيٌّ، فَلا حَاكِمَ إلاَّ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْعَقْلُ لا يُحَسِّنُ وَلا يُقَبِّحُ وَلا يُوجِبُ وَلا يُحَرِّمُ٣" عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ وَالأَشْعَرِيَّةِ٤.٥ قَالَهُ٦ ابْنُ عَقِيلٍ وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْفُقَهَاءِ٧.
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ٥: لَيْسَ فِي السُّنَّةِ قِيَاسٌ، وَلا يُضْرَبُ لَهَا الأَمْثَالُ، وَلا تُدْرَكُ بِالْعَقْلِ، وَإِنَّمَا هُوَ الاتِّبَاعُ.
стр. 289
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ١، مِنْ أَصْحَابِنَا، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَابْنُ الْقَيِّمِ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمُعْتَزِلَةُ، وَالْكَرَّامِيَّةُ: الْعَقْلُ يُحَسِّنُ وَيُقَبِّحُ، وَيُوجِبُ وَيُحَرِّمُ٢.
وَنُقِلَ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ قَوْلانِ٣.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: قَالَ شَيْخُنَا - يَعْنِي٤ الشَّيْخَ٥ تَقِيَّ الدِّينِ- وَغَيْرُهُ: الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ ثَابِتَانِ، وَالإِيجَابُ وَالتَّحْرِيمُ بِالْخِطَابِ وَالتَّعْذِيبُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الإِرْسَالِ وَرَدُّ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الشَّرْعِيَّيْنِ إلَى الْمُلاءَمَةِ وَالْمُنَافَرَةِ؛ لأَنَّ الْحُسْنَ الشَّرْعِيَّ: يَتَضَمَّنُ الْمَدْحَ وَالثَّوَابَ الْمُلائِمَيْنِ. وَالْقُبْحُ الشَّرْعِيُّ: يَتَضَمَّنُ الذَّمَّ وَالْعِقَابَ الْمُنَافِرَيْنِ.
وَاخْتَارَ ابْنُ الْخَطِيبِ٦ فِي آخِرِ كُتُبِهِ: أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ الْعَقْلِيَّيْنِ ثَابِتَانِ فِي أَفْعَالِ الْعِبَادِ. انْتَهَى.
стр. 290
وَقَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ أَيْضًا: لَيْسَ مُرَادُ الْمُعْتَزِلَةِ بِأَنَّ الأَحْكَامَ عَقْلِيَّةٌ: ١ أَنَّ الأَوْصَافَ ١ مُسْتَقِلَّةٌ بِالأَحْكَامِ، ٢ وَلا أَنَّ "٢ الْعَقْلَ هُوَ الْمُوجِبُ، أَوْ الْمُحَرِّمُ٣، بَلْ مَعْنَاهُ عِنْدَهُمْ: أَنَّ الْعَقْلَ أَدْرَكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِحِكْمَتِهِ الْبَالِغَةِ كَلَّفَ٤ بِتَرْكِ الْمَفَاسِدِ٥ وَتَحْصِيلِ٦ الْمَصَالِحِ. فَالْعَقْلُ أَدْرَكَ الإِيجَابَ وَالتَّحْرِيمَ٧، ٨ لا أَنَّهُ ٨ أَوْجَبَ وَحَرَّمَ فَالنِّزَاعُ ٩ مَعَهُمْ: فِي ٩ أَنَّ الْعَقْلَ أَدْرَكَ ذَلِكَ أَمْ لا؟
فَخُصُومُهُمْ يَقُولُونَ١٠: ذَلِكَ جَائِزٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلا يَلْزَمُ مِنْ الْجَوَازِ الْوُقُوعُ.
وَهُمْ يَقُولُونَ: بَلْ هَذَا عِنْدَ الْعَقْلِ مِنْ قِبَلِ الْوَاجِبَاتِ. فَكَمَا١١ يُوجِبُ الْعَقْلُ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ عَلِيمًا١٢ قَدِيرًا مُتَّصِفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، كَذَلِكَ أَدْرَكَ وُجُوبَ مُرَاعَاةِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْمَصَالِحِ وَلِلْمَفَاسِدِ. فَهَذَا مَحَلُّ النِّزَاعِ١٣. انْتَهَى.
стр. 291
وَمِنْ قَوَاعِدِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ١ "لا حَاكِمَ إلاَّ اللَّهُ تَعَالَى": أَنَّ حُسْنَ الْفِعْلِ وَقُبْحَهُ لَيْسَا لِذَاتِ الْفِعْلِ، وَلا لأَمْرٍ دَاخِلٍ فِي ذَاتِهِ٢، وَلا خَارِجٍ٣ لازِمٍ لِذَاتِهِ، حَتَّى يَحْكُمَ الْعَقْلُ بِحُسْنِ الْفِعْلِ، أَوْ قُبْحِهِ بِنَاءً عَلَى تَحَقُّقِ٤ مَا بِهِ مِنْ٥ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ٦.
وَالْحَنَفِيَّةُ وَإِنْ لَمْ يَجْعَلُوا الْعَقْلَ حَاكِمًا صَرِيحًا فَقَدْ قَالُوا: حُسْنُ بَعْضِ الأَشْيَاءِ وَقُبْحُهَا لا يَتَوَقَّفُ عَلَى الشَّرْعِ، بِمَعْنَى أَنَّ الْعَقْلَ يَحْكُمُ فِي بَعْضِ الأَشْيَاءِ بِأَنَّهَا مَنَاطٌ لِلثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ نَبِيٌّ وَلا كِتَابٌ٧.
وَبَعْضُ تِلْكَ الأَحْكَامِ بَدِيهِيٌّ٨، وَبَعْضُهَا كَسْبِيٌّ٩، "وَلا يَرِدُ الشَّرْعُ
стр. 292
بِمَا يُخَالِفُ مَا يُعْرَفُ بِبَدَاهَةِ١ الْعُقُولِ وَضَرُورِيَّاتِهَا٢".
قَالَ الْقَاضِي وَالْحَلْوَانِيُّ٣ وَغَيْرُهُمَا: مَا يُعْرَفُ بِبَدَاهَةِ٤ الْعُقُولِ وَضَرُورِيَّاتِهَا٥ - كَالتَّوْحِيدِ وَشُكْرِ الْمُنْعِمِ وَقُبْحِ الظُّلْمِ- لا يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ الشَّرْعُ بِخِلافِهِ. وَمَا يُعْرَفُ بِتَوْلِيدِ الْعَقْلِ اسْتِنْبَاطًا أَوْ اسْتِدْلالاً، فَلا يُمْتَنَعُ أَنْ يَرِدَ بِخِلافِهِ٦.
وَمَعْنَاهُ لأَبِي الْخَطَّابِ. فَإِنَّهُ قَالَ: مَا ثَبَتَ بِالْعَقْلِ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ٧:
- فَمَا كَانَ مِنْهُ وَاجِبًا لِعَيْنِهِ - كَشُكْرِ الْمُنْعِمِ وَالإِنْصَافِ وَقُبْحِ الظُّلْمِ- فَلا يَصِحُّ أَنْ يَرِدَ الشَّرْعُ بِخِلافِ ذَلِكَ.
- وَمَا كَانَ وَاجِبًا٨ لِعِلَّةٍ أَوْ دَلِيلٍ، مِثْلِ: الأَعْيَانِ الْمُنْتَفَعِ بِهَا الَّتِي فِيهَا الْخِلافُ. فَيَصِحُّ أَنْ يَرْتَفِعَ الدَّلِيلُ وَالْعِلَّةُ، فَيَرْتَفِعَ٩ ذَلِكَ الْحُكْمُ. وَهَذَا غَيْرُ
стр. 293
مُمْتَنِعٍ. كَفُرُوعِ الدِّينِ كُلِّهَا. تَثْبُتُ بِأَدِلَّةٍ ثُمَّ تُنْسَخُ الأَدِلَّةُ فَيَرْتَفِعُ الْحُكْمُ١.
وَقَالَ: وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الشَّرْعَ يَرِدُ بِمَا لا يَقْتَضِيهِ الْعَقْلُ إذَا كَانَ الْعَقْلُ لا يُحِيلُهُ كَتَكْلِيفِ مَا لا يُطَاقُ٢، وَإِنَّ اللَّهَ يُرِيدُ جَمِيعَ أَفْعَالِ الْعِبَادِ حَسَنِهَا وَقَبِيحِهَا وَيُعَاقِبُهُمْ عَلَى الْقَبِيحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
"وَالْحُسْنُ" شَرْعًا "وَالْقُبْحُ شَرْعًا: مَا أَمَرَ بِهِ" اللَّهُ ، وَهَذَا رَاجِعٌ لِلْحُسْنِ "وَمَا نَهَى عَنْهُ" اللَّهُ ، وَهَذَا٣ رَاجِعٌ لِلْقَبِيحِ٤.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: إذَا أَمَرَ اللَّهُ بِفِعْلٍ، فَهُوَ حَسَنٌ بِالاتِّفَاقِ. وَإِذَا نَهَى عَنْ فِعْلٍ ٥ فَهُوَ قَبِيحٌ ٥ بِالاتِّفَاقِ، وَلَكِنَّ٦ حُسْنَهُ وَقُبْحَهُ ٧ إمَّا أَنْ ٧ يَنْشَأَ عَنْ نَفْسِ الْفِعْلِ وَالأَمْرِ وَالنَّهْيِ، كَمَا يُقَالُ، أَوْ٨ يَنْشَأَ
стр. 294
عَنْ تَعَلُّقِ الأَمْرِ وَالنَّهْيِ١، أَوْ مِنْ الْمَجْمُوعِ.
فَالأَوَّلُ: قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَلِهَذَا لا يَجُوزُ نَسْخُ الْعِبَادَةِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا٢.
وَالثَّانِي: قَوْلُ الأَشْعَرِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ الطَّوَائِفِ٣.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَنْشَأُ عَنْ الأَمْرَيْنِ. فَتَارَةً يَأْمُرُ بِالْفِعْلِ لِحِكْمَةٍ تَنْشَأُ مِنْ نَفْسِ الأَمْرِ، دُونَ الْمَأْمُورِ بِهِ. وَهُوَ٤ الَّذِي يَجُوزُ نَسْخُهُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ٥، كَنَسْخِ الصَّلاةِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ إلَى خَمْسٍ٦. وَكَمَا نُسِخَ أَمْرُ إبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٧ بِذَبْحِ وَلَدِهِ، وَتَارَةً لِحِكْمَةٍ تَنْشَأُ مِنْ٨ الْفِعْلِ نَفْسِهِ، وَتَارَةً لِحِكْمَةٍ مِنْ الْفِعْلِ حَصَلَتْ بِالأَمْرِ٩.
"وَ" الْحَسَنُ "عُرْفًا" أَيْ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ "مَا لِفَاعِلِهِ فِعْلُهُ" أَيْ أَنْ يَفْعَلَهُ، "وَعَكْسُهُ" أَيْ: وَالْقَبِيحُ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ مَا لَيْسَ لِفَاعِله١٠ أَنْ يَفْعَلَهُ١١.
стр. 295
"وَلا١ يُوصَفُ فِعْلُ غَيْرِ مُكَلَّفٍ" مِنْ صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ "بِحُسْنٍ وَلا قُبْحٍ"؛ لأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلا مَحْظُورٍ٢.
"وَشُكْرُ الْمُنْعِمِ" ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ اسْتِعْمَالِ٣ جَمِيعِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَلَى الْعَبْدِ مِنْ الْقُوَى وَالأَعْضَاءِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ الْمُدْرِكَةِ وَالْمُحَرِّكَةِ فِيمَا خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى لأَجْلِهِ٤، كَاسْتِعْمَالِ النَّظَرِ فِي مُشَاهَدَةِ مَصْنُوعَاتِهِ وَآثَارِ رَحْمَتِهِ، لِيُسْتَدَلَّ عَلَى صَانِعِهَا، وَكَذَا السَّمْعُ وَغَيْرُهُ.
"وَمَعْرِفَتُهُ تَعَالَى" وَهِيَ٥ عِبَارَةٌ عَنْ مَعْرِفَةِ وُجُودِ ذَاتِهِ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ٦ فِيمَا يَزَلْ وَلا يَزَالُ دُونَ مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، لاسْتِحَالَةِ ذَلِكَ عَقْلاً عِنْدَ الأَكْثَرِينَ.
"وَهِيَ" أَيْ مَعْرِفَتُهُ جَلَّ وَعَلا "أَوَّلُ وَاجِبٍ لِنَفْسِهِ" عَلَى الْمُكَلَّفِ بِالنَّظَرِ فِي الْوُجُودِ وَالْمَوْجُودِ٧.
стр. 296
"وَاجِبَانِ" أَيْ شُكْرُ الْمُنْعِمِ١ وَمَعْرِفَتُهُ "شَرْعًا" أَيْ: بِالشَّرْعِ دُونَ الْعَقْلِ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْعَقْلَ لا يُوجِبُ وَلا يُحَرِّمُ. وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ٢.
وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: بِالْعَقْلِ دُونَ الشَّرْعِ٣.
стр. 297
وَعَنْ الأَشْعَرِيَّةِ أَنَّ وُجُوبَ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْعَقْلِ وَالشَّرْعِ. نَقَلَهُ الشِّيرَازِيُّ فِي كِتَابِ "جَامِعِ الأَنوار١، لِتَوْحِيدِ الْمَلِكِ الْجَبَّارِ".
وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ النَّظَرَ وَالْمَعْرِفَةَ لا يَقَعَانِ ضَرُورَةً٢. قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. وَقَدَّمَهُ٣ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي "بَابِ الْمُرْتَدِّ"٤ وَابْنُ حَمْدَانَ فِي "نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ" وَغَيْرُهُمَا.
وَقَالَ٥ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: بَلْ هُمَا كَسْبِيَّانِ. انْتَهَى.
وَقَالَ جَمْعٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ٦: إنَّهُمَا يَقَعَانِ ضَرُورَةً٧، فَلا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِمَا بِأَدِلَّةِ٨ الْعَقْلِ. وَحَمَلَ٩ ذَلِكَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَلَى الْمَعْرِفَةِ١٠ الْفِطْرِيَّةِ. كَمَعْرِفَةِ إبْلِيسَ. لا الْمَعْرِفَةِ الإِيمَانِيَّةِ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: قَالَ أَهْلُ الْحَقِّ: لا يَتَأَتَّى أَنَّهُ مُطِيعٌ فِي نَظَرِهِ، لأَنَّهُ
стр. 298
لا تَصِحُّ طَاعَةُ مَنْ لا يَعْرِفُ، وَلا مَعْرِفَةُ مَنْ١ لَمْ يَنْظُرْ٢.
"وَ" اُخْتُلِفَ: هَلْ بَيْنَ شُكْرِ الْمُنْعِمِ وَمَعْرِفَتِهِ تَعَالَى فَرْقٌ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ، أَمْ لا؟
فَـ٣ "فِي قَوْلٍ: لا فَرْقَ بَيْنَهُمَا عَقْلاً" قَالَ الرَّازِيّ: لا فَرْقَ بَيْنَ الشُّكْرِ وَمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَقْلاً. فَمَنْ أَوْجَبَ الشُّكْرَ عَقْلاً أَوْجَبَ الْمَعْرِفَةَ، وَمَنْ لا فَلا، قَالَ الْجُوَيْنِيُّ: هُوَ عِنْدَهُمْ مِنْ النَّظَرِيَّاتِ، لا مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ. قَالَ الأُرْمَوِيُّ٤ فِي "الْحَاصِلِ": هُمَا مُتَلازِمَانِ٥.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الشُّكْرَ فَرْعُ الْمَعْرِفَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ٦؛ لأَنَّ الشُّكْرَ عِنْدَهُمْ إتْعَابُ النَّفْسِ بِفِعْلِ الْمُسْتَحَبَّاتِ الْعَقْلِيَّاتِ٧، كَالنَّظَرِ إلَى مَصْنُوعَاتِهِ وَالسَّمْعِ إلَى الآيَاتِ، وَالذِّهْنِ إلَى فَهْمِ مَعَانِيهَا٨. فَعِنْدَهُمْ مُدْرِكُ وُجُوبِ الشُّكْرِ عَقْلِيٌّ لِلْبُرْهَانِ الْكُلِّيِّ٩ الْعَقْلِيِّ، وَمُخَالِفُوهُمْ
стр. 299
يَقُولُونَ: مُدْرِكُهُ السَّمْعُ لا الْعَقْلُ١.
"وَفِعْلُهُ تَعَالَى" وَتَقَدَّسَ "وَأَمْرُهُ لا لِعِلَّةٍ وَلا لِحِكْمَةٍ٢ فِي قَوْلٍ " اخْتَارَهُ الْكَثِيرُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ٣. وَقَالَهُ الظَّاهِرِيَّةُ٤، وَالأَشْعَرِيَّةُ وَالْجَهْمِيَّةُ٥.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُمَا لِعِلَّةٍ وَحِكْمَةٍ. اخْتَارَهُ الطُّوفِيُّ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ٦، وَابْنُ الْقَيِّمِ٧، وَابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ. وَحَكَاهُ عَنْ إجْمَاعِ السَّلَفِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشِّيعَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، لَكِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ تَقُولُ٨ بِوُجُوبِ الصَّلاحِ. وَلَهُمْ فِي
стр. 300
الأَصْلَحِ قَوْلانِ١.
وَالْمُخَالِفُونَ لَهُمْ يَقُولُونَ بِالتَّعْلِيلِ، لا عَلَى مَنْهَجِ الْمُعْتَزِلَةِ.
وَجَوَّزَتْ طَائِفَةٌ٢ الأَمْرَيْنِ. قَالَ٣ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لأَهْلِ السُّنَّةِ فِي تَعْلِيلِ٤ أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَحْكَامِهِ قَوْلانِ، وَالأَكْثَرُونَ عَلَى التَّعْلِيلِ٥.
وَالْحِكْمَةِ: هَلْ هِيَ مُنْفَصِلَةٌ عَنْ الرَّبِّ تَعَالَى، لا تَقُومُ بِهِ، أَوْ قَائِمَةٌ [بِهِ] ٦، مَعَ ثُبُوتِ الْحُكْمِ الْمُنْفَصِلِ أَيْضًا؟ لَهُمْ فِيهِ قَوْلانِ. وَهَلْ تَتَسَلْسَلُ٧ الْحِكَمُ، أَوْ لا تَتَسَلْسَلُ٨؟ أَوْ تَتَسَلْسَلُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ دُونَ الْمَاضِي؟ فِيهِ أَقْوَالٌ٩.
احْتَجَّ الْمُثْبِتُونَ لِلْحِكْمَةِ وَالْعِلَّةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ﴾ ١٠، وقَوْله تَعَالَى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ ١١، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إلاَّ
стр. 301
لِنَعْلَمَ﴾ ١، وَنَظَائِرِهَا.
وَلأَنَّهُ حَكِيمٌ، شَرَعَ الأَحْكَامَ لِحِكْمَةٍ وَمَصْلَحَةٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاك إلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٢، وَالإِجْمَاعُ٣ وَاقِعٌ عَلَى اشْتِمَالِ الأَفْعَالِ عَلَى الْحِكَمِ وَالْمَصَالِحِ، إمَّا وُجُوبًا كَقَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ٤، وَإِمَّا٥ جَوَازًا كَقَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ٦، فَيَفْعَلُ مَا يُرِيدُ بِحِكْمَتِهِ٧.
وَاحْتَجَّ النَّافُونَ بِوُجُوهٍ:
стр. 302
أَحَدُهَا: مَا١ قَالَ الرَّازِيّ: إنَّ الْعِلَّةَ إنْ كَانَتْ قَدِيمَةً لَزِمَ مِنْ قِدَمِهَا قِدَمُ الْفِعْلِ، وَهُوَ مُحَالٌ، وَإِنْ كَانَتْ مُحْدَثَةً افْتَقَرَتْ إلَى عِلَّةٍ أُخْرَى وَلَزِمَ التَّسَلْسُلُ٢. وَهُوَ مُرَادُ الْمَشَايِخِ٣ بِقَوْلِهِمْ: كُلُّ شَيْءٍ صُنْعُهُ، وَلا عِلَّةَ لِصُنْعِهِ٤.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ: "لَوْ كَانَتْ قَدِيمَةً لَزِمَ قِدَمُ الْفِعْلِ": غَيْرُ مُسَلَّمٍ، إذْ لا يَلْزَمُ مِنْ قِدَمِهَا قِدَمُ الْمَعْلُولِ. كَالإِرَادَةِ قَدِيمَةٌ وَمُتَعَلِّقُهَا حَادِثٌ. وَلَوْ كَانَتْ حَادِثَةً لَمْ تَفْتَقِرْ إلَى عِلَّةٍ أُخْرَى وَإِنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ قِيلَ: كُلُّ حَادِثٍ مُفْتَقِرٌ إلَى عِلَّةٍ. وَهُمْ لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ. بَلْ قَالُوا: يَفْعَلُ لِحِكْمَةٍ فَإِنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الأَوَّلِ مُرَادًا لِغَيْرِهِ كَوْنُ الثَّانِي كَذَلِكَ٥، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي [مُحْدَثًا] ٦ لَمْ يَجِبْ أَنْ يَكُونَ الأَوَّلُ كَذَلِكَ فَلا يَتَسَلْسَلُ٧.
الْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ أَوْجُهِ النُّفَاة: أَنَّ كُلَّ مَنْ فَعَلَ فِعْلاً٨ لأَجْلِ تَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ٩، أَوْ دَفْعِ١٠ مَفْسَدَةٍ. فَإِنْ كَانَ تَحْصِيلُ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ أَوْلَى لَهُ مِنْ عَدَمِ
стр. 303
تَحْصِيلِهَا كَانَ ذَلِكَ الْفَاعِلُ قَدْ اسْتَفَادَ بِذَلِكَ الْفِعْلِ تَحْصِيلَ تِلْكَ١ الأَوْلَوِيَّةِ. وَكُلُّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ، كَانَ نَاقِصًا بِذَاتِهِ، مُسْتَكْمِلاً بِغَيْرِهِ، وَهُوَ فِي حَقِّ اللَّهِ مُحَالٌ، وَإِنْ كَانَ تَحْصِيلُهَا وَعَدَمُهُ سَوَاءً بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، فَمَعَ الاسْتِوَاءِ لا يَحْصُلُ الرُّجْحَانُ. فَامْتَنَعَ التَّرْجِيحُ٢.
وَأُجِيبَ بِمَنْعِ الْحَصْرِ، وَبِالنَّقْصِ بِالأَفْعَالِ الْمُتَعَدِّيَةِ. كَإِيجَادِ الْعِلْمِ٣.
فَإِنْ قَالُوا بِخُلُوِّهِ عَنْ النَّقْصِ٤.
قِيلَ: كَذَا فِي التَّعْلِيلِ، نَمْنَعُ كَوْنَهُ نَاقِصًا فِي ذَاتِهِ، وَمُسْتَكْمِلاً بِغَيْرِهِ فِي ذَاتِهِ أَوْ ٥ صِفَاتِ ذَاتِهِ ٥، بَلْ اللاَّزِمُ حُصُولُ كَمَالاتٍ نَاشِئَةٍ مِنْ، جِهَةِ الْفِعْلِ، وَلا امْتِنَاعَ فِيهِ٦. فَإِنَّ كَوْنَهُ مُحْسِنًا إلَى الْمُمْكِنَاتِ مِنْ جُمْلَةِ٧ صِفَاتِ الْكَمَالِ٨. وَكَذَا الْكَمَالُ فِي كَوْنِهِ خَالِقًا وَرَازِقًا عَلَى مَذْهَبِ الأَشْعَرِيِّ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ مِنْ أَوْجُهِ النَّفَّاة: أَنَّهُ٩ لَوْ فَعَلَ فِعْلاً لِغَرَضٍ. فَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى تَحْصِيلِهِ بِدُونِ ذَلِكَ الْفِعْلِ. كَانَ تَوَسُّطُهُ عَبَثًا. وَإِلاَّ لَزِمَ الْعَجْزُ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
стр. 304
وَلأَنَّ ذَلِكَ الْغَرَضَ مَشْرُوطٌ بِتِلْكَ الْوَسِيلَةِ، - لَكِنَّهُ١ بَاطِلٌ٢-، لأَنَّ أَكْثَرَ الأَغْرَاضِ إنَّمَا تَحْصُلُ بَعْدَ انْقِضَاءِ تِلْكَ الْوَسَائِلِ، فَيُمْتَنَعُ اشْتِرَاطُهُ.
وَأُجِيبَ٣ بِأَنَّ إطْلاقَ الْغَرَضِ لا يَجُوزُ، لِمَا يُوهِمُهُ٤ عُرْفًا، وَلْيُعْدَلْ عَنْهُ إلَى لَفْظِ الْعِلَّةِ.
فَيُقَالُ: لا نُسَلِّمُ لُزُومَ٥ الْعَبَثِ، لأَنَّ الْعَبَثَ الْخَالِيَ٦ عَنْ الْفَائِدَةِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الْفِعْلِ بِدُونِ تَوَسُّطِ السَّبَبِ٧ لا يَقْتَضِي عَبَثَ الْفِعْلِ وَإِلاَّ لَزِمَ أَنْ تَكُونَ الشَّرْعِيَّاتُ عَبَثًا؛ لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى إيصَالِ مَا حَصَلَتْ٨ لأَجْلِهِ مِنْ إيصَالِ الثَّوَابِ بِدُونِ تَوَسُّطِهَا.
وَقَوْلُهُمْ: "إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى٩ تَحْصِيلِهِ١٠ لَزِمَ الْعَجْزُ"، مَمْنُوعٌ؛ لأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ أَمْكَنَ تَحْصِيلُ مَا [شُرِعَ] ١١ لأَجْلِهِ بِدُونِ الْفِعْلِ، وَبِأَنَّ١٢ إمْكَانَ تَحْصِيلِهِ بِدُونِ الْعَجْزِ دَوْرٌ.
"وَعَلَيْهِ": أَيْ عَلَى الْقَوْلِ بِنَفْيِ الْعِلَّةِ "مُجَرَّدُ مَشِيئَتِهِ" تَعَالَى "مُرَجِّحٌ"
стр. 305
لإِيجَادِ فِعْلِ١ مَا شَاءَهُ. ٢ فَإِذَا شَاءَ ٢ شَيْئًا مِنْ الأَشْيَاءِ تَرَجَّحَ بِمُجَرَّدِ تِلْكَ الإِشَاءَةِ٣.
وَيَقُولُونَ: عِلَلُ الشَّرْعِ أَمَارَاتٌ مَحْضَةٌ٤.
وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: بِالْمُنَاسَبَةِ، ثَبَتَ الْحُكْمُ عِنْدَهَا لا بِهَا٥.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ الْمُنَى٦ وَالشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ وَالْغَزَالِيُّ٧: بِقَوْلِ الشَّارِعِ: جُعِلَ الْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ مُوجِبًا لِحُسْنِ الْفِعْلِ وَقُبْحِهِ، لا٨ أَنَّهُ كَانَ حَسَنًا وَقَبِيحًا قَبْلَهُ، كَمَا يَقُولُ الْمُثْبِتُونَ.
"وَهِيَ" أَيْ ٩ مَشِيئَةُ اللَّهِ ٩ "وَإِرَادَتُهُ لَيْسَتَا بِمَعْنَى مَحَبَّتِهِ،
стр. 306
وَرِضَاهُ وَسَخَطِهِ وَبُغْضِهِ١، فَيُحِبُّ وَيَرْضَى مَا أَمَرَ بِهِ فَقَطْ، وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ بِمَشِيئَتِهِ تَعَالَى٢" فَيَكُونُ مَا يَشَاءُ٣ لِمَشِيئَتِهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ٤ لا يُحِبُّهُ٥، وَهَذَا مَذْهَبُ ٦ أَئِمَّةِ السَّلَفِ مِنْ الْفُقَهَاءِ ٦ وَالْمُحَدِّثِينَ وَالصُّوفِيَّةِ وَالنُّظَّارِ وَابْنِ كُلاَّبٍ٧.
وَذَهَبَتْ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالأَشْعَرِيُّ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ، وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا - كَابْنِ حَمْدَانَ فِي "نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ"- إلَى أَنَّ الْكُلَّ بِمَعْنًى وَاحِدٍ٨.
ثُمَّ قَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: هُوَ لا يُحِبُّ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ فَلا يَشَاؤُهُ، وَإِنَّهُ٩ يَكُونُ بِلا مَشِيئَتِهِ١٠.
وَقَالَتْ الْجَهْمِيَّةُ: بَلْ هُوَ يَشَاءُ ذَلِكَ. فَهُوَ يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ١١.
стр. 307
وَأَبُو الْحَسَنِ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ وَافَقُوا هَؤُلاءِ١.
وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيُّ: أَنَّ أَبَا الْحَسَنِ أَوَّلُ مَنْ خَالَفَ السَّلَفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَأَمَّا سَلَفُ الأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا، وَأَكَابِرُ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَالتَّصَوُّفِ، وَكَثِيرٌ مِنْ طَوَائِفِ النُّظَّارِ كَالْكُلاَّبِيَّةِ وَالْكَرَّامِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ: فَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا، وَيَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ الإِيمَانَ وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ وَيَرْضَى بِهِ، كَمَا يَأْمُرُ بِهِ. وَلا يَرْضَى بِالْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ وَلا يُحِبُّهُ، كَمَا لا يَأْمُرُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يَشَاؤُهُ٢.
وَلِهَذَا كَانَ حَمَلَةُ الشَّرْعِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مُتَّفِقِينَ عَلَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ وَاجِبًا أَوْ مُسْتَحَبًّا. كَقَضَاءِ دَيْنٍ تَضَيَّقَ وَقْتُهُ ٣ أَوْ عِبَادَةٍ تَضَيَّقَ وَقْتُهَا"٣. وَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ لَمْ يَفْعَلْهُ٤ لَمْ يَحْنَثْ. وَهَذَا يُبْطِلُ قَوْلَ الْقَدَرِيَّةِ.
وَلَوْ قَالَ: إنْ كَانَ اللَّهُ يُحِبُّ ذَلِكَ وَيَرْضَاهُ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ. كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ كَانَ يَنْدُبُ إلَى ذَلِكَ وَيُرَغِّبُ فِيهِ، أَوْ يَأْمُرُ بِهِ أَمْرَ إيجَابٍ أَوْ اسْتِحْبَابٍ.
قَالَ الْبَغَوِيّ فِي "تَفْسِيرِهِ"، عِنْدَ قَوْله : ﴿سَيَقُولُ٥ الَّذِينَ
стр. 308
أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا، وَلا آبَاؤُنَا، وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ ١: "وَالرَّدُّ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى بِمَعْزِلٍ عَنْ مَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ. فَإِنَّهُ مُرِيدٌ لِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ، غَيْرُ آمِرٍ بِجَمِيعِ ٢ مَا يُرِيدُ، وَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ"٢ يَتَّبِعَ أَمْرَهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِمَشِيئَةٍ. فَإِنَّ مَشِيئَتَهُ لا تَكُونُ عُذْرًا لأَحَدٍ"٣.
وَقَالَ فِي سُورَةِ التَّغَابُنِ، عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ، فَمِنْكُمْ كَافِرٌ، وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ ٤: "وَجُمْلَةُ٥ الْقَوْلِ فِيهِ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ الْكَافِرَ، وَكُفْرُهُ فِعْلٌ لَهُ وَكَسْبٌ٦، وَخَلَقَ الْمُؤْمِنَ، وَإِيمَانُهُ فِعْلٌ لَهُ وَكَسْبٌ. فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ كَسْبٌ وَاخْتِيَارٌ. وَكَسْبُهُ وَاخْتِيَارُهُ بِتَقْدِيرِ٧ اللَّهِ تَعَالَى وَمَشِيئَتِهِ"٨. انْتَهَى.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ إرَادَةَ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ نَوْعَانِ:
نَوْعٌ بِمَعْنَى الْمَشِيئَةِ لِمَا خَلَقَ. نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ ٩.
وَنَوْعٌ بِمَعْنَى مَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ لِمَا أَمَرَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَخْلُقْهُ. نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ﴾ ١٠، وقَوْله تَعَالَى:
стр. 309
﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ١ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٢، فِي آيٍ كَثِيرَةٍ.
وَبِهَذَا يُفْصَلُ النِّزَاعُ فِي مَسْأَلَةِ الأَمْرِ: هَلْ هُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِلإِرَادَةِ أَمْ٣ لا؟.
فَإِنَّ الْقَدَرِيَّةَ تَزْعُمُ أَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْمَشِيئَةِ. فَيَكُونُ قَدْ شَاءَ الْمَأْمُورَ بِهِ٤، وَ [لَوْ] لَمْ يَكُنْ٥.
وَالْجَهْمِيَّةُ قَالُوا: إنَّهُ غَيْرُ مُسْتَلْزِمٍ لِشَيْءٍ مِنْ الإِرَادَةِ. وَلا مَحَبَّتُهُ٦ لَهُ وَلا رِضَاهُ بِهِ إلاَّ إذَا وَقَعَ. فَإِنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ٧.
"فَائِدَةٌ":
"الأَعْيَانُ"٨ الْمُنْتَفَعُ بِهَا٩، "وَالْعُقُودُ الْمُنْتَفَعُ بِهَا قَبْلَ" وُرُودِ "الشَّرْعِ"
стр. 310
بِحُكْمِهَا١، "إنْ" فُرِضَ أَنَّهُ "خَلا وَقْتٌ عَنْهُ" أَيْ عَنْ الشَّرْعِ، مَعَ أَنَّ الصَّحِيحَ: أَنَّهُ لَمْ يَخْلُ وَقْتٌ مِنْ شَرْعٍ. قَالَهُ٢ الْقَاضِي، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلامِ أَحْمَدَ، لأَنَّهُ أَوَّلُ مَا خَلَقَ آدَمَ قَالَ لَهُ: ﴿اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ ٣. أَمَرَهُمَا وَنَهَاهُمَا عَقِبَ خَلْقِهِمَا. فَكَذَلِكَ كُلُّ زَمَانٍ٤.
قَالَ الْجَزَرِيُّ٥: لَمْ تَخْلُ الأُمَمُ ٦ مِنْ حُجَّةٍ ٦، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ ٧، وَالسُّدَى: الَّذِي لا يُؤْمَرُ وَلا
стр. 311
يُنْهَى١، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً﴾ ٢، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ ٣.
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا ظَاهِرُ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ٤ فِيمَا خَرَّجَهُ٥ فِي مَجْلِسِهِ٦: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي كُلِّ٧ زَمَانِ فَتْرَةٍ٨ مِنْ الرُّسُلِ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ".
فَأَخْبَرَ أَنَّ كُلَّ زَمَانٍ فِيهِ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ٩.
стр. 312
"أَوْ بَعْدَهُ" أَيْ بَعْدَ وُرُودِ١ الشَّرْعِ٢ "وَخَلا عَنْ حُكْمِهَا".
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَوْ قَدَّرْنَا خُلُوَّ شَرْعٍ عَنْ حُكْمٍ، مَا حُكْمُهَا؟
"أَوْ لا": أَيْ أَوْ لَمْ يَخْلُ الشَّرْعُ عَنْ حُكْمِهَا "وَجُهِلَ" قَالَ الْقَاضِي: وَيُتَصَوَّرُ فَائِدَةُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَنْ نَشَأَ بِبَرِّيَّةٍ وَلَمْ يَعْرِفْ شَرْعًا. وَعِنْدَهُ فَوَاكِهُ وَأَطْعِمَةٌ. وَكَذَا قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ.
"مُبَاحَةٌ"٣ خَبَرٌ٤ لِقَوْلِهِ: "الأَعْيَانُ".
وَبِالإِبَاحَةِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ، وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي مُقَدِّمَةِ "الْمُجَرَّدِ"٥، وَأَبُو٦ الْفَرَجِ الشِّيرَازِيُّ، وَأَبُو٧ الْخَطَّابِ، وَالْحَنَفِيَّةُ وَالظَّاهِرِيَّةُ وَابْنُ سُرَيْجٍ. وَأَبُو حَامِدٍ الْمَرْوَزِيُّ٨ وَغَيْرُهُمْ؛ لأَنَّ خَلْقَهَا - لا
стр. 313
لِحِكْمَةٍ١- عَبَثٌ، وَلا حِكْمَةَ إلاَّ انْتِفَاعُنَا بِهَا، إذْ هُوَ خَالٍ عَنْ الْمَفْسَدَةِ٢. كَالشَّاهِدِ٣. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ ٤.
قَالَ الْقَاضِي: وَأَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ، حَيْثُ سُئِلَ عَنْ قَطْعِ النَّخْلِ؟ قَالَ: لا بَأْسَ، لَمْ نَسْمَعْ فِي قَطْعِهِ شَيْئًا٥.
وَفِي "الرَّوْضَةِ" مَا يَقْتَضِي: أَنَّهُ عُرِفَ بِالسَّمْعِ إبَاحَتُهَا قَبْلَهُ٦.
وَقَالَهُ٧ بَعْضُهُمْ: كَمَا فِي الآيَاتِ وَالأَخْبَارِ.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ وَغَيْرُهُ: الأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ دَلَّتْ عَلَى الإِبَاحَةِ لِقَوْلِهِ٨ تَعَالَى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ ٩، وقَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ﴾ ١٠،
стр. 314
وَقَوْلُهُ١ ﷺ : "مِنْ أَعْظَمِ الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا: مَنْ سَأَلَ٢ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ، فَحُرِّمَ لأَجْلِ مَسْأَلَتِهِ" ٣، وَقَوْلُهُ ﷺ : "مَا سَكَتَ عَنْهُ: ٤ فَهُوَ عَفْوٌ ٤ "٥.
وَعِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ، وَالْقَاضِي فِي "الْعُدَّةِ"٦، وَالْحَلْوَانِيِّ، وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ٧، وَالأَبْهَرِيِّ٨ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ: مُحَرَّمَةٌ. لأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَحَرُمَ كَالشَّاهِدِ٩.
стр. 315
ثُمَّ عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّحْرِيمِ: يَخْرُجُ مِنْ مَحَلِّ١ الْخِلافِ عَلَى٢ الصَّحِيحِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ - وَحَكَى إجْمَاعًا - مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ٣، كَتَنَفُّسٍ وَسَدِّ رَمَقٍ وَنَحْوِهِ٤.
وَقَوْلُ مَنْ قَالَ بِحُرْمَةِ ذَلِكَ سَاقِطٌ لا يُعْتَدُّ بِهِ٥.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا: فَقَدْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ لَمْ يُوَافِقْ الْمُعْتَزِلَةَ فِي التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيَّيْنِ، وَقَالَ بِالإِبَاحَةِ أَوْ٦ الْحَظْرِ: فَقَدْ نَاقَضَ٧. فَاحْتَاجَ مَنْ قَالَ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ إلَى اسْتِنَادٍ إلَى سَبَبٍ غَيْرِ مَا اسْتَنَدَتْ٨ إلَيْهِ
стр. 316
الْمُعْتَزِلَةُ، وَهُوَ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: "بِإِلْهَامٍ"١.
قَالَ الْحَلْوَانِيُّ وَغَيْرُهُ: عَرَفْنَا الْحَظْرَ وَالإِبَاحَةَ بِالإِلْهَامِ، كَمَا أُلْهِمَ أَبُو بَكْرٍ٢ وَعُمَرُ٣ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَشْيَاءَ وَرَدَ الشَّرْعُ بِمُوَافَقَتِهِمَا٤.
"وَهُوَ مَا يُحَرِّكُ الْقَلْبَ بِعِلْمٍ يَطْمَئِنُّ٥" الْقَلْبُ "بِهِ" أَيْ بِذَلِكَ الْعِلْمِ
стр. 317
حَتَّى "يَدْعُوَ إلَى الْعَمَلِ بِهِ١" أَيْ بِالْعِلْمِ الَّذِي اطْمَأَنَّ بِهِ.
"وَهُوَ" أَيْ الإِلْهَامُ "فِي قَوْلٍ: طَرِيقٌ شَرْعِيٌّ".
حَكَى الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي الإِلْهَامِ: - هَلْ هُوَ طَرِيقٌ شَرْعِيٌّ؟ - عَلَى قَوْلَيْنِ٢.
وَحُكِيَ فِي "جَمْعِ٣ الْجَوَامِعِ": "أَنَّ بَعْضَ الصُّوفِيَّةِ قَالَ بِهِ"٤.
وَقَالَ٥ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ نَقْلاً عَنْ أَبِي زَيْدٍ الدَّبُوسِيِّ٦: وَحَدَّهُ ٧ أَبُو زَيْدٍ ٧: "بِأَنَّهُ مَا حَرَّكَ الْقَلْبَ بِعِلْمٍ يَدْعُوك إلَى الْعَمَلِ بِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِدْلالٍ وَلا نَظَرٍ فِي حُجَّةٍ"٨.
وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: هُوَ حُجَّةٌ بِمَنْزِلَةِ الْوَحْيِ الْمَسْمُوعِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَاحْتَجَّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا
стр. 318
وَتَقْوَاهَا﴾ ١، أَيْ عَرَّفَهَا بِالإِيقَاعِ فِي الْقَلْبِ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ ٢ وَبِقَوْلِهِ ﷺ : "الإِثْمُ مَا حَاكَ فِي الصَّدْرِ، وَإِنْ أَفْتَاك النَّاسُ وَأَفْتَوْك" ٣، فَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ شَهَادَةَ قَلْبِهِ بِلا حُجَّةٍ أَوْلَى مِنْ الْفَتْوَى٤.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ٥ خَيَالٌ لا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ إلاَّ عِنْدَ فَقْدِ الْحُجَجِ كُلِّهَا، وَلا حُجَّةَ فِي شَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ الإِيقَاعَ فِي الْقَلْبِ بِلا دَلِيلٍ، بَلْ الْهِدَايَةُ إلَى الْحَقِّ بِالدَّلِيلِ، كَمَا قَالَ عَلِيٌّ٦ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ:
стр. 319
"إلاَّ أَنْ١ يُؤْتِيَ اللَّهُ عَبْدًا فَهْمًا فِي كِتَابِهِ"٢.
стр. 320
"فَصْلٌ" "الْحُكْمُ١ الشَّرْعِيُّ" فِي اصْطِلاحِ الْفُقَهَاءِ: "مَدْلُولُ خِطَابِ الشَّرْعِ".
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ خِطَابُ الشَّرْعِ وَقَوْلُهُ٢.
قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": وَالظَّاهِرُ أَنَّ الإِمَامَ أَحْمَدَ أَرَادَ بِزِيَادَةِ: "وَقَوْلُهُ" عَلَى خِطَابُ الشَّرْعِ: التَّأْكِيدَ، مِنْ بَابِ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ؛ لأَنَّ كُلَّ خِطَابٍ قَوْلٌ، وَلَيْسَ كُلُّ قَوْلٍ خِطَابًا. انْتَهَى.
وَشَمِلَ "مَدْلُولُ الْخِطَابِ" الأَحْكَامَ٣ الْخَمْسَةَ، وَالْمَعْدُومَ حِينَ الْخِطَابِ٤. وَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ صِفَةُ الْحَاكِمِ، فَنَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَقِمْ الصَّلاةَ﴾ ٥ يُسَمَّى بِاعْتِبَارِ النَّظَرِ إلَى نَفْسِهِ الَّتِي هِيَ صِفَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى إيجَابًا، وَيُسَمَّى بِالنَّظَرِ إلَى مَا تَعَلَّقَ بِهِ، وَهُوَ فِعْلُ مُكَلَّفٍ: وُجُوبًا. فَهُمَا مُتَّحِدَانِ بِالذَّاتِ مُخْتَلِفَانِ بِالاعْتِبَارِ. فَتَرَى الْعُلَمَاءَ تَارَةً يُعَرِّفُونَ الإِيجَابَ، وَتَارَةً
следующие страницы →