← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12019

شرح الكوكب المنير = شرح مختصر التحرير

ابن النجار الفتوحي

Полный текст (2 398 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الْمُعْتَزِلَةُ، وَهُوَ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: "بِإِلْهَامٍ"١. قَالَ الْحَلْوَانِيُّ وَغَيْرُهُ: عَرَفْنَا الْحَظْرَ وَالإِبَاحَةَ بِالإِلْهَامِ، كَمَا أُلْهِمَ أَبُو بَكْرٍ٢ وَعُمَرُ٣ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَشْيَاءَ وَرَدَ الشَّرْعُ بِمُوَافَقَتِهِمَا٤. "وَهُوَ مَا يُحَرِّكُ الْقَلْبَ بِعِلْمٍ يَطْمَئِنُّ٥" الْقَلْبُ "بِهِ" أَيْ بِذَلِكَ الْعِلْمِ

стр. 317

حَتَّى "يَدْعُوَ إلَى الْعَمَلِ بِهِ١" أَيْ بِالْعِلْمِ الَّذِي اطْمَأَنَّ بِهِ. "وَهُوَ" أَيْ الإِلْهَامُ "فِي قَوْلٍ: طَرِيقٌ شَرْعِيٌّ". حَكَى الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي الإِلْهَامِ: - هَلْ هُوَ طَرِيقٌ شَرْعِيٌّ؟ - عَلَى قَوْلَيْنِ٢. وَحُكِيَ فِي "جَمْعِ٣ الْجَوَامِعِ": "أَنَّ بَعْضَ الصُّوفِيَّةِ قَالَ بِهِ"٤. وَقَالَ٥ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ نَقْلاً عَنْ أَبِي زَيْدٍ الدَّبُوسِيِّ٦: وَحَدَّهُ ٧ أَبُو زَيْدٍ ٧: "بِأَنَّهُ مَا حَرَّكَ الْقَلْبَ بِعِلْمٍ يَدْعُوك إلَى الْعَمَلِ بِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِدْلالٍ وَلا نَظَرٍ فِي حُجَّةٍ"٨. وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: هُوَ حُجَّةٌ بِمَنْزِلَةِ الْوَحْيِ الْمَسْمُوعِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَاحْتَجَّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا

стр. 318

وَتَقْوَاهَا﴾ ١، أَيْ عَرَّفَهَا بِالإِيقَاعِ فِي الْقَلْبِ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ ٢ وَبِقَوْلِهِ ﷺ : "الإِثْمُ مَا حَاكَ فِي الصَّدْرِ، وَإِنْ أَفْتَاك النَّاسُ وَأَفْتَوْك" ٣، فَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ شَهَادَةَ قَلْبِهِ بِلا حُجَّةٍ أَوْلَى مِنْ الْفَتْوَى٤. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ٥ خَيَالٌ لا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ إلاَّ عِنْدَ فَقْدِ الْحُجَجِ كُلِّهَا، وَلا حُجَّةَ فِي شَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ الإِيقَاعَ فِي الْقَلْبِ بِلا دَلِيلٍ، بَلْ الْهِدَايَةُ إلَى الْحَقِّ بِالدَّلِيلِ، كَمَا قَالَ عَلِيٌّ٦ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ:

стр. 319

"إلاَّ أَنْ١ يُؤْتِيَ اللَّهُ عَبْدًا فَهْمًا فِي كِتَابِهِ"٢.

стр. 320

"فَصْلٌ" "الْحُكْمُ١ الشَّرْعِيُّ" فِي اصْطِلاحِ الْفُقَهَاءِ: "مَدْلُولُ خِطَابِ الشَّرْعِ". قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ خِطَابُ الشَّرْعِ وَقَوْلُهُ٢. قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": وَالظَّاهِرُ أَنَّ الإِمَامَ أَحْمَدَ أَرَادَ بِزِيَادَةِ: "وَقَوْلُهُ" عَلَى خِطَابُ الشَّرْعِ: التَّأْكِيدَ، مِنْ بَابِ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ؛ لأَنَّ كُلَّ خِطَابٍ قَوْلٌ، وَلَيْسَ كُلُّ قَوْلٍ خِطَابًا. انْتَهَى. وَشَمِلَ "مَدْلُولُ الْخِطَابِ" الأَحْكَامَ٣ الْخَمْسَةَ، وَالْمَعْدُومَ حِينَ الْخِطَابِ٤. وَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ صِفَةُ الْحَاكِمِ، فَنَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَقِمْ الصَّلاةَ﴾ ٥ يُسَمَّى بِاعْتِبَارِ النَّظَرِ إلَى نَفْسِهِ الَّتِي هِيَ صِفَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى إيجَابًا، وَيُسَمَّى بِالنَّظَرِ إلَى مَا تَعَلَّقَ بِهِ، وَهُوَ فِعْلُ مُكَلَّفٍ: وُجُوبًا. فَهُمَا مُتَّحِدَانِ بِالذَّاتِ مُخْتَلِفَانِ بِالاعْتِبَارِ. فَتَرَى الْعُلَمَاءَ تَارَةً يُعَرِّفُونَ الإِيجَابَ، وَتَارَةً

стр. 321

يُعَرِّفُونَ الْوُجُوبَ نَظَرًا إلَى الاعْتِبَارَيْنِ١. وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ: إنَّ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ خِطَابُهُ الْمُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ٢، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الأَوَّلِ، إلاَّ أَنَّ هَذَا أَصْرَحُ وَأَخَصُّ. فَـ "خِطَابٌ" جِنْسٌ، وَهُوَ مَصْدَرُ خَاطَبَ، لَكِنَّ الْمُرَادَ٣ هُنَا الْمُخَاطَبُ بِهِ، لا مَعْنَى الْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ تَوْجِيهُ الْكَلامِ لِمُخَاطَبٍ٤. فَهُوَ مِنْ إطْلاقِ الْمَصْدَرِ عَلَى اسْمِ الْمَفْعُولِ٥.

стр. 322

وَخَرَجَ خِطَابُ غَيْرِ الشَّارِعِ؛ إذْ لا حُكْمَ إلاَّ لِلشَّارِعِ١. وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: "الْمُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ" خَمْسَةُ أَشْيَاءَ: الْخِطَابُ الْمُتَعَلِّقُ بِذَاتِ اللَّهِ وَصِفَتِهِ وَفِعْلِهِ. وَبِذَاتِ الْمُكَلَّفِينَ وَالْجَمَادِ٢. فَالأَوَّلُ: مَا تَعَلَّقَ بِذَاتِهِ، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ﴾ ٣. وَالثَّانِي: مَا تَعَلَّقَ بِصِفَتِهِ، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ٤. الثَّالِثُ: مَا تَعَلَّقَ بِفِعْلِهِ، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٥. الرَّابِعُ: مَا تَعَلَّقَ بِذَاتِ الْمُكَلَّفِينَ، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ ٦، وقَوْله تَعَالَى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ ٧. الْخَامِسُ: مَا تَعَلَّقَ بِالْجَمَادِ. نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ

стр. 323

الْجِبَالَ﴾ ١، وَنَحْوُهَا. وَالْمُرَادُ "بِالتَّعَلُّقِ" الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَتَعَلَّقَ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِمَا يَئُولُ إلَيْهِ٢، وَإِلاَّ فَيَلْزَمُ٣ أَنَّهُ قَبْلَ التَّعَلُّقِ لا يَكُونُ حُكْمًا؛ إذْ التَّعَلُّقُ حَادِثٌ عِنْدَ الرَّازِيِّ وَأَتْبَاعِهِ٤. فَيَكُونُ مَجَازًا. وَلا يَضُرُّ وُقُوعُهُ فِي التَّعْرِيفِ إذَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْقَرَائِنُ عِنْدَ الْغَزَالِيِّ٥، وَالْقَرَافِيِّ٦. وَإِنْ قِيلَ: إنَّ التَّعَلُّقَ قَدِيمٌ، وَاخْتَارَهُ الرَّازِيّ فِي الْقِيَاسِ وَالسُّبْكِيُّ٧، أَوْ٨ قُلْنَا: لَهُ اعْتِبَارَانِ٩ قَبْلَ وُجُوبِ التَّكْلِيفِ وَبَعْدَهُ. كَمَا قَالَهُ جَمْعٌ مِنْهُمْ١٠، فَلا مَجَازَ فِي التَّعْرِيفِ.

стр. 324

وَالْمُرَادُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ الأَعَمُّ١ مِنْ الْقَوْلِ وَالاعْتِقَادِ٢، لِتَدْخُلَ٣ عَقَائِدُ الدِّينِ وَالنِّيَّاتُ فِي الْعِبَادَاتِ، وَالْقصُودُ٤ عِنْدَ اعْتِبَارِهَا وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَقُلْنَا: "الْمُكَلَّفُ" بِالإِفْرَادِ لِيَشْمَلَ مَا يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ الْوَاحِدِ٥، كَخَصَائِصِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَالْحُكْمِ بِشَهَادَةِ خُزَيْمَةَ٦، وَإِجْزَاءِ الْعَنَاقِ٧ فِي الأُضْحِيَّةِ لأَبِي بُرْدَةَ٨ وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ لِزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ٩، وَعُقْبَةَ بْنِ

стр. 325

عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ١. ذَكَرَهُ فِي "حَيَاةِ الْحَيَوَانِ"٢، وَالْبِرْمَاوِيِّ. وَالْمُرَادُ بِالْمُكَلَّفِ: الْبَالِغُ الْعَاقِلُ الذاكَرُ٣، غَيْرُ الْمُلْجَأِ٤، لا مَنْ تَعَلَّقَ بِهِ التَّكْلِيفُ، وَإِلاَّ لَزِمَ الدَّوْرُ. إذْ لا يَكُونُ مُكَلَّفًا حَتَّى يَتَعَلَّقَ بِهِ٥ التَّكْلِيفُ، وَلا يَتَعَلَّقُ التَّكْلِيفُ إلاَّ بِمُكَلَّفٍ٦.

стр. 326

"وَالْخِطَابُ: قَوْلٌ يَفْهَمُ مِنْهُ مَنْ سَمِعَهُ شَيْئًا مُفِيدًا١ مُطْلَقًا"٢. فَالْقَوْلُ: اُحْتُرِزَ بِهِ عَنْ الإِشَارَاتِ وَالْحَرَكَاتِ الْمُفْهِمَةِ. وَخَرَجَ بِقَيْدِ "الْفَهْمِ" مَنْ لا يَفْهَمُ، كَالصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ؛ إذْ لا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ خِطَابٌ. وَقَوْلُهُ "مَنْ سَمِعَهُ" لِيَعُمَّ الْمُوَاجَهَةَ بِالْخِطَابِ وَغَيْرِهِ، وَلِيَخْرُجَ النَّائِمُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَنَحْوُهُمَا. وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ "مُفِيدًا"٣ الْمُهْمَلُ، وَقَوْلُهُ: "مُطْلَقًا" لِيَعُمَّ حَالَةَ قَصْدِ إفْهَامِ السَّامِعِ وَعَدَمَهَا. وَقِيلَ: لا بُدَّ مِنْ قَصْدِ إفْهَامِهِ. فَعَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَقْصِدْ إفْهَامَهُ لا يُسَمَّى خِطَابًا٤. "وَيُسَمَّى بِهِ" أَيْ الْخِطَابُ٥ "الْكَلامُ فِي الأَزَلِ فِي قَوْلٍ" ذَهَبَ إلَيْهِ الأَشْعَرِيُّ وَالْقُشَيْرِيُّ٦. وَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلاَّنِيُّ وَالآمِدِيُّ٧: أَنَّهُ لا يُسَمَّى خِطَابًا، لِعَدَمِ الْمُخَاطَبِ٨ حِينَئِذٍ، بِخِلافِ تَسْمِيَتِهِ فِي الأَزَلِ أَمْرًا وَنَهْيًا وَنَحْوَهُمَا٩؛

стр. 327

لأَنَّ م ِثْلَهُ يَقُومُ بِذَاتِ الْمُتَكَلِّمِ بِدُونِ مَنْ١ يَتَعَلَّقُ بِهِ، كَمَا يُقَالُ فِي الْمُوصِي٢: أَمَرَ فِي وَصِيَّتِهِ وَنَهَى. "ثُمَّ إنْ وَرَدَ" خِطَابُ الشَّرْعِ "بِطَلَبِ فِعْلٍ مَعَ جَزْمٍ" أَيْ قَطْعٍ مُقْتَضٍ لِلْوَعِيدِ عَلَى التَّرْكِ "فَإِيجَابٌ" عَلَى الْمُكَلَّفِ. نَحْوُ: قَوْله تَعَالَى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ٣. "أَوْ" وَرَدَ بِطَلَبِ فِعْلٍ "لا مَعَهُ" أَيْ لَيْسَ مَعَهُ جَزْمٌ "فَنَدْبٌ" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ ٤، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ-فَإِذَا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ ٥، "وَقَوْلِ النَّبِيِّ"٦ ﷺ : "اسْتَاكُوا" ٧.

стр. 328

"أَوْ" وَرَدَ خِطَابٌ بِالشَّرْعِ١ "بِطَلَبِ تَرْكٍ مَعَهُ" أَيْ مَعَ جَزْمٍ، أَيْ قَطْعٍ٢ مُقْتَضٍ لِلْوَعِيدِ عَلَى الْفِعْلِ "فَتَحْرِيمٌ" نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ ٣، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ ٤. "أَوْ" وَرَدَ بِطَلَبِ تَرْكٍ "لا مَعَهُ" أَيْ لَيْسَ مَعَهُ جَزْمٌ "فَكَرَاهَةٌ"، كَقَوْلِهِ ﷺ : "إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إلَى الْمَسْجِدِ: فَلا يُشَبِّكُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ٥؛ فَإِنَّهُ فِي صَلاةٍ"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ٦ وَابْنُ مَاجَهْ٧.

стр. 329

"أَوْ" وَرَدَ خِطَابُ١ الشَّرْعِ٢ "بِتَخْيِيرٍ" بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ "فَإِبَاحَةٌ"٣، كَقَوْلِهِ ﷺ ، حِينَ سُئِلَ عَنْ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ: "إنْ شِئْت فَتَوَضَّأْ، وَإِنْ شِئْت فَلا تَتَوَضَّأْ" ٤. "وَإِلاَّ" أَيْ وَإِنْ٥ لَمْ٦ يَرِدْ خِطَابُ الشَّرْعِ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الصِّيَغِ الْخَمْسَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَوَرَدَ بِنَحْوِ صِحَّةٍ٧، أَوْ فَسَادٍ، أَوْ نَصْبِ الشَّيْءِ سَبَبًا، أَوْ مَانِعًا أَوْ شَرْطًا، أَوْ كَوْنِ الْفِعْلِ أَدَاءً أَوْ قَضَاءً، أَوْ رُخْصَةً أَوْ عَزِيمَةً "فَوَضْعِيٌّ"٨ أَيْ فَيُسَمَّى خِطَابَ الْوَضْعِ٩، وَيُسَمَّى الأَوَّلُ خِطَابَ التَّكْلِيفِ١٠.

стр. 330

وَلا تَتَقَيَّدُ اسْتِفَادَةُ الأَحْكَامِ مِنْ صَرِيحِ الأَمْرِ وَالنَّهْيِ، بَلْ تَكُونُ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ. وَالنَّصُّ إمَّا أَنْ يَكُونَ أَمْرًا، أَوْ نَهْيًا، أَوْ إذْنًا، أَوْ خَبَرًا بِمَعْنَاهَا، أَوْ إخْبَارًا بِالْحُكْمِ، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ﴾ ١ وقَوْله تَعَالَى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا﴾ ٢، [وَقَوْلِهِ ﷺ ] : "إنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ" ٣ وقَوْله تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ ٤، أَوْ بِذِكْرِ خَاصَّةٍ لأَحَدِ الأَحْكَامِ، كَوَعِيدٍ٥ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ أَوْ تَرْكِهِ "٦أَوْ وَعْدٍ٧ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ أَوْ تَرْكِهِ ٦ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. وَقَدْ يَجْتَمِعُ خِطَابُ التَّكْلِيفِ٨ وَخِطَابُ الْوَضْعِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ، كَالزِّنَا،

стр. 331

فَإِنَّهُ حَرَامٌ، وَسَبَبٌ لِلْحَدِّ١. وَقَدْ يَنْفَرِدُ خِطَابُ الْوَضْعِ، كَأَوْقَاتِ الْعِبَادَاتِ وَكَوْنِ الْحَيْضِ مَانِعًا مِنْ الصَّلاةِ وَالصَّوْمِ وَنَحْوِهِمَا. وَكَوْنِ الْبُلُوغِ شَرْطًا٢ لِلتَّكْلِيفِ، وَحَوَلانِ الْحَوْلِ شَرْطًا لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ٣. وَأَمَّا انْفِرَادُ خِطَابِ التَّكْلِيفِ: فَقَالَ فِي "شَرْحِ التَّنْقِيحِ": لا يُتَصَوَّرُ، إذْ لا تَكْلِيفَ إلاَّ لَهُ سَبَبٌ، أَوْ شَرْطٌ أَوْ مَانِعٌ٤. قَالَ الطُّوفِيُّ فِي٥ "شَرْحِهِ": هُوَ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ. قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": وَهُوَ كَمَا قَالَ. "وَ" الشَّيْءُ٦ "الْمَشْكُوكُ لَيْسَ بِحُكْمٍ" وَهُوَ الصَّحِيحُ٧. قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. وَالشَّاكُّ لا مَذْهَبَ لَهُ ٨ وَالْوَاقِفُ لَهُ مَذْهَبٌ"٨؛ لأَنَّهُ يُفْتِي بِهِ وَيَدْعُو إلَيْهِ. قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": وَهَذَا الْمَعْمُولُ بِهِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ. وَقِيلَ: لا.

стр. 332

فصل الواجب ... "فَصْلٌ" لَمَّا أَنْهَى١ الْكَلامَ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ وَتَقْسِيمِهِ إلَى خَمْسَةٍ٢، أَخَذَ يُبَيِّنُ تَعْرِيفَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْمَسَائِلِ وَالأَحْكَامِ، فَقَالَ: "الْوَاجِبُ لُغَةً:" أَيْ فِي اللُّغَةِ "السَّاقِطُ وَالثَّابِتُ". قَالَ فِي "الْقَامُوسِ": وَجَبَ يَجِبُ وَجْبَةً: سَقَطَ. وَالشَّمْسُ وَجْبًا وَوُجُوبًا: غَابَتْ. وَالْوَجْبَةُ: السَّقْطَةُ مَعَ الْهَدَّةِ، أَوْ صَوْتُ السَّاقِطِ٣. وَقَالَ فِي "الْمِصْبَاحِ": وَجَبَ الْحَقُّ، وَالْبَيْعُ يَجِبُ وُجُوبًا وَوَجْبَةً: لَزِمَ وَثَبَتَ٤. وَمِنْ أَمْثِلَةِ الثُّبُوتِ: [قَوْلُهُ ﷺ ] : "أَسْأَلُك مُوجِبَاتِ رَحْمَتِك" ٥. "وَ". أَمَّا الْوَاجِبُ "شَرْعًا:" أَيْ: فِي عُرْفِ الشَّرْعِ فَلَهُمْ فِيهِ حُدُودٌ كَثِيرَةٌ، اقْتَصَرَ مِنْهَا فِي الأَصْلِ عَلَى سِتَّةِ أَوْجُهٍ٦. - أَحَدُهَا: وَهُوَ مَا قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": أَنَّهُ أُولاهَا: "مَا ذُمَّ شَرْعًا

стр. 333

تَارِكُهُ قَصْدًا مُطْلَقًا" وَهُوَ لِلْبَيْضَاوِيِّ١. وَنَقَلَهُ فِي "الْمَحْصُولِ" عَنْ ابْنِ الْبَاقِلاَّنِيِّ. وَقَالَ فِي "الْمُنْتَخَبِ"٢: إنَّهُ الصَّحِيحُ مِنْ الرُّسُومِ، لَكِنْ فِيهِ نَقْصٌ وَتَغْيِيرٌ٣. وَتَبِعَهُ الطُّوفِيُّ فِي "مُخْتَصَرِهِ"، وَلَمْ يَقُلْ "قَصْدًا"٤. فَالتَّعْبِيرُ بِلَفْظِ "مَا ذُمَّ" خَيْرٌ مِنْ التَّعْبِيرِ بِلَفْظِ "مَا يُعَاقَبُ" لِجَوَازِ الْعَفْوِ عَنْ تَارِكِهِ٥. وَقَوْلُنَا "شَرْعًا": أَيْ مَا وَرَدَ ذَمُّهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ ، أَوْ فِي إجْمَاعِ الأُمَّةِ، وَلأَنَّ الذَّمَّ لا يَثْبُتُ إلاَّ بِالشَّرْعِ٦، ٧ خِلافًا لِمَا"٧ قَالَتْهُ الْمُعْتَزِلَةُ. وَاحْتُرِزَ بِهِ عَنْ الْمَنْدُوبِ وَالْمَكْرُوهِ وَالْمُبَاحِ، لأَنَّهُ٨ لا ذَمَّ فِيهَا٩. وَقَوْلُهُ: "تَارِكُهُ": اُحْتُرِزَ بِهِ عَنْ الْحَرَامِ. فَإِنَّهُ لا يُذَمُّ إلاَّ فَاعِلُهُ١٠.

стр. 334

وَقَوْلُهُ: "قَصْدًا" فِيهِ تَقْدِيرَانِ١ مَوْقُوفَانِ عَلَى مُقَدِّمَةٍ، وَهُوَ أَنَّ التَّعْرِيفَ إنَّمَا هُوَ بِالْحَيْثِيَّةِ، أَيْ الَّذِي بِحَيْثُ لَوْ تُرِكَ لَذُمَّ تَارِكُهُ؛ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ بِالْحَيْثِيَّةِ لاقْتَضَى أَنَّ كُلَّ وَاجِبٍ لا بُدَّ مِنْ حُصُولِ الذَّمِّ عَلَى تَرْكِهِ، وَهُوَ بَاطِلٌ٢. إذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَأَحَدُ التَّقْدِيرَيْنِ: أَنَّهُ إنَّمَا أَتَى بِالْقَصْدِ؛ لأَنَّهُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ؛ إذْ التَّارِكُ لا عَلَى سَبِيلِ الْقَصْدِ لا يُذَمُّ٣. الثَّانِي: أَنَّهُ احْتَرَزَ بِهِ عَمَّا إذَا مَضَى مِنْ الْوَقْتِ قَدْرُ فِعْلِ الصَّلاةِ ثُمَّ تَرَكَهَا بِنَوْمٍ أَوْ نِسْيَانٍ، وَقَدْ تَمَكَّنَ٤. وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُذَمَّ شَرْعًا تَارِكُهَا، لأَنَّهُ مَا تَرَكَهَا قَصْدًا. فَأَتَى بِهَذَا الْقَيْدِ لإِدْخَالِ٥ هَذَا الْوَاجِبِ فِي الْحَدِّ، وَيَصِيرُ بِهِ جَامِعًا٦. وَقَوْلُهُ "مُطْلَقًا" فِيهِ تَقْدِيرَانِ أَيْضًا مَوْقُوفَانِ عَلَى مُقَدِّمَةٍ، وَهِيَ أَنَّ الإِيجَابَ بِاعْتِبَارِ الْفَاعِلِ قَدْ يَكُونُ عَلَى الْكِفَايَةِ وَعَلَى الْعَيْنِ، وَبِاعْتِبَارِ الْمَفْعُولِ٧ قَدْ يَكُونُ مُخَيَّرًا كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ، [وَقَدْ يَكُونُ مُحَتَّمًا، كَالصَّلاةِ أَيْضًا وَبِاعْتِبَارِ الْوَقْتِ الْمَفْعُولِ فِيهِ قَدْ يَكُونُ مُوَسَّعًا كَالصَّلاةِ] ٨، وَقَدْ

стр. 335

يَكُونُ مُضَيَّقًا كَالصَّوْمِ. فَإِذَا تَرَكَ الصَّلاةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا صَدَقَ أَنَّهُ تَرَكَ وَاجِبًا، إذْ الصَّلاةُ تَجِبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ. وَمَعَ ذَلِكَ لا يُذَمُّ عَلَيْهَا إذَا أَتَى بِهَا فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ. وَيُذَمُّ إذَا أَخْرَجَهَا عَنْ جَمِيعِهِ، وَإِذَا تَرَكَ إحْدَى١ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ، فَقَدْ تَرَكَ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لا ذم٢ فِيهِ إذَا أَتَى بِغَيْرِهِ. وَإِذَا تَرَكَ صَلاةَ جِنَازَةٍ فَقَدْ تَرَكَ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَلا يُذَمُّ عَلَيْهِ إذَا فَعَلَهُ غَيْرُهُ٣. إذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَأَحَدُ التَّقْدِيرَيْنِ أَنَّ قَوْلَهُ٤: "مُطْلَقًا" عَائِدٌ إلَى الذَّمِّ. وَذَلِكَ أَنَّهُ٥ قَدْ تَلَخَّصَ أَنَّ الذَّمَّ عَلَى الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ عَلَى الْمُخَيَّرِ وَعَلَى الْكِفَايَةِ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ. وَالذَّمَّ عَلَى الْوَاجِبِ الْمُضَيَّقِ وَالْمُحَتَّمِ وَالْوَاجِبِ عَلَى الْعَيْنِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. فَلِذَلِكَ قَالَ: "مُطْلَقًا" لِيَشْمَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِشَرْطِهِ، وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ لَوَرَدَ عَلَيْهِ مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ٦. وَالتَّقْدِيرُ الثَّانِي: أَنَّ "مُطْلَقًا" عَائِدٌ إلَى التَّرْكِ، وَالتَّقْدِيرُ تَرْكًا مُطْلَقًا٧، لِيَدْخُلَ الْمُخَيَّرُ وَالْمُوَسَّعُ وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ. فَإِنَّهُ إذَا تَرَكَ فَرْضَ الْكِفَايَةِ لا يَأْثَمُ، وَإِنْ صَدَقَ أَنَّهُ تَرَكَ وَاجِبًا، وَكَذَلِكَ الآتِي بِهِ آتٍ بِالْوَاجِبِ، مَعَ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَهُ لَمْ يَأْثَمْ. وَإِنَّمَا يَأْثَمُ إذَا حَصَلَ التَّرْكُ الْمُطْلَقُ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ. وَهَكَذَا فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ وَالْمُوَسَّعِ. وَدَخَلَ فِيهِ أَيْضًا الْوَاجِبُ الْمُحَتَّمُ وَالْمُضَيَّقُ وَفَرْضُ

стр. 336

الْعَيْنِ، لأَنَّ كُلَّ مَا ذُمَّ الشَّخْصُ عَلَيْهِ ١ إذَا تَرَكَهُ وَحْدَهُ ذُمَّ عَلَيْهِ"١ أَيْضًا إذَا تَرَكَهُ هُوَ وَغَيْرَهُ٢. وَأَمَّا بَقِيَّةُ الْحُدُودِ السِّتَّةِ: فَالْحَدُّ الثَّانِي: أَنَّ الْوَاجِبَ مَا يُعَاقَبُ تَارِكُهُ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْوَاجِبَ مَا تُوُعِّدَ عَلَى تَرْكِهِ بِالْعِقَابِ. الرَّابِعُ: مَا يُذَمُّ تَارِكُهُ شَرْعًا. الْخَامِسُ: مَا يُخَافُ الْعِقَابُ بِتَرْكِهِ. السَّادِسُ: لابْنِ عَقِيلٍ، فَإِنَّهُ حَدَّهُ بِأَنَّهُ إلْزَامُ الشَّرْعِ. وَقَالَ: الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ أَحْكَامُهُ وَمُتَعَلَّقَاتُهُ. قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": فَحَدُّهُ بِهِ يَأْبَاهُ الْمُحَقِّقُونَ، وَهُوَ حَسَنٌ٣. "وَمِنْهُ" أَيْ مِنْ الْوَاجِبِ: "مَا لا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ، كَنَفَقَةٍ وَاجِبَةٍ٤، وَرَدِّ وَدِيعَةٍ وَغَصْبٍ وَنَحْوِهِ" كَعَارِيَّةٍ، وَدَيْنٍ "إذ٥ فَعَلَ" ذَلِكَ "مَعَ غَفْلَةٍ٦" لِعَدَمِ النِّيَّةِ الْمُتَرَتِّبِ٧ عَلَيْهَا الثَّوَابُ٨.

стр. 337

"وَمِنْ الْمُحَرَّمِ مَا لا يُثَابُ عَلَى تَرْكِهِ، كتركه١" أَيْ كَأَنْ يَتْرُكَ الْمُكَلَّفُ الْمُحَرَّمَ "غَافِلاً" عَنْ كَوْنِ تَرْكِهِ طَاعَةً بِامْتِثَالِ الأَمْرِ بِالتَّرْكِ. لأَنَّ شَرْطَ تَرْتِيبِ الثَّوَابِ عَلَى تَرْكِهِ، نِيَّةُ٢ التَّقَرُّبِ بِهِ، فَتَرَتُّبُ٣ الثَّوَابِ وَعَدَمُهُ فِي فِعْلِ الْوَاجِبِ وَتَرْكِ الْمُحَرَّمِ رَاجِعٌ إلَى وُجُودِ شَرْطِ الثَّوَابِ وَعَدَمِهِ، وَهُوَ النِّيَّةُ٤. "وَالْفَرْضُ لُغَةً" أَيْ فِي اللُّغَةِ: - "التَّقْدِيرُ"، وَمِنْهُ قَوْلُهُ : ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ ٥، أَيْ قَدَّرْتُمْ. وَمِنْهُ٦ قَوْلُهُ : ﴿لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِك نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ ٧ أَيْ مَعْلُومًا.

стр. 338

- "وَالتَّأْثِيرُ" قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْفَرْضُ: الْحَزُّ فِي الشَّيْءِ، وَفَرْضُ الْقَوْسِ: الْحَزُّ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الْوَتَرُ١. - "وَالإِلْزَامُ"، وَمِنْهُ قَوْلُهُ : ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ ٢، أَيْ أَوْجَبْنَا الْعَمَلَ بِهَا٣. - "وَالْعَطِيَّةُ" يُقَالُ، فَرَضْت لَهُ٤ كَذَا وَافْتَرَضْته أَيْ أَعْطَيْته، وَفَرَضْت لَهُ فِي الدِّيوَانِ. قَالَهُ٥ فِي "الصِّحَاحِ"٦. - "وَالإِنْزَالُ" وَمِنْهُ قَوْلُهُ : ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إلَى مَعَادٍ﴾ ٧، أَيْ أَنْزَلَ عَلَيْك الْقُرْآنَ. قَالَ الْبَغَوِيّ: هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ٨. - "وَالإِبَاحَةُ" وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ ٩، ١٠ أَيْ: أَبَاحَ اللَّهُ لَهُ"١٠. - "وَيُرَادِفُ١١" الْفَرْضَ "الْوَاجِبُ شَرْعًا" أَيْ فِي١٢ عُرْفِ الشَّرْعِ عَلَى

стр. 339

الصَّحِيحِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالشَّافِعِيَّةِ١ وَالأَكْثَرِ٢ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ ٣، أَيْ أَوْجَبَهُ. وَالأَصْلُ تَنَاوُلُهُ حَقِيقَةً وَعَدَمُ غَيْرِهِ، نَفْيًا لِلْمَجَازِ وَالاشْتِرَاكِ٤. وَفِي الصَّحِيحِ٥: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ" ٦، وَلأَنَّ كُلاًّ مِنْهُمَا يُذَمُّ تَارِكُهُ شَرْعًا، وَالاسْتِدْعَاءُ لا يَقْبَلُ التَّزَايُدَ. كَجَائِزٍ وَلازِمٍ، وَصَادِقٍ وَكَاذِبٍ. فَلا يُقَالُ: أُجَوِّزُ وَلا أُلْزِمُ؛ لأَنَّهُ٧ انْتَظَمَهُ حَدٌّ وَاحِدٌ، وَهُوَ حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ. وَعَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّ الْفَرْضَ آكَدُ٨. وَاخْتَارَهَا

стр. 340

مِنْ أَصْحَابِنَا: ابْنُ شَاقِلا وَالْحَلْوَانِيُّ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ أَصْحَابِنَا. وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ١، وَابْنُ الْبَاقِلاَّنِيِّ. وَلِلْقَاضِي٢ مِنْ أَصْحَابِنَا الْقَوْلانِ. قَالَ٣ الطُّوفِيُّ: وَالنِّزَاعُ لَفْظِيٌّ، إذْ لا نِزَاعَ فِي انْقِسَامِ الْوَاجِبِ إلَى قَطْعِيٍّ وَظَنِّيٍّ٤. فَلْيُسَمُّوا هُمْ الْقَطْعِيَّ مَا شَاءُوا٥، ثُمَّ عَلَى الْقَوْلِ أَنَّ الْخِلافَ لَيْسَ بِلَفْظِيٍّ، يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي: بَعْضُ الْوَاجِبِ آكَدُ مِنْ بَعْضٍ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَالْحَلْوَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا٦، وَأَنَّ فَائِدَتَهُ أَنَّهُ يُثَابُ عَلَى أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ٧.

стр. 341

"وَ" عَلَى الْقَوْلِ الأَوَّلِ "ثَوَابَهُمَا١ سَوَاءٌ" وَلَيْسَ بَعْضُهَا٢ آكَدَ مِنْ بَعْضٍ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ أَيْضًا عَلَى الأَوَّلِ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهَا آكَدَ مِنْ بَعْضٍ. وَأَنَّ فَائِدَتَهُ أَنَّهُ يُثَابُ عَلَى أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ الآخَرِ، وَأَنَّ طَرِيقَ أَحَدِهِمَا مَقْطُوعٌ بِهِ، وَطَرِيقَ الآخَرِ مَظْنُونٌ. كَمَا قُلْنَا. عَلَى٣ الْقَوْلِ الثَّانِي: أَنَّهُمَا٤ مُتَبَايِنَانِ٥. قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": قُلْت٦: وَالنَّفْسُ تَمِيلُ إلَى هَذَا - سَوَاءٌ قُلْنَا بِالتَّبَايُنِ أَوْ التَّرَادُفِ٧-: إنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا آكَدَ مِنْ الآخَرِ، وَأَنَّهُ٨ يُثَابُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ الآخَرِ٩. انْتَهَى. "وَصِيغَتُهُمَا" أَيْ صِيغَةُ الْوُجُوبِ وَالْفَرْضِ. كَوَجَبَ١٠ وَفَرَضَ. وَكَذَا وَاجِبٌ وَفَرْضٌ.

стр. 342

"وَحَتْمٌ" وَمِنْهُ قَوْلُهُ : ﴿كَانَ عَلَى رَبِّك حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ ١ أَيْ وَاجِبَ الْوُقُوعِ بِوَعْدِهِ الصَّادِقِ، وَإِلاَّ فَهُوَ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ. فَيُقَالُ فِي الْوَاجِبِ: حَتْمٌ وَمَحْتُومٌ وَمُحَتَّمٌ، وَنَحْوُ ذَلِكَ. قَالَ فِي "الْمِصْبَاحِ": حَتَمَ عَلَيْهِ الأَمْرُ حَتْمًا - مِنْ بَابِ ضَرَبَ- أَوْجَبَهُ جَزْمًا، وَتَحَتَّمْ: وَجَبَ وُجُوبًا لا يُمْكِنُ سُقُوطُهُ٢. انْتَهَى. "وَ" كَذَا "لازِمٌ" قَالَ فِي٣ "الْحَاوِي"٤ وَغَيْرِهِ: حَتْمٌ وَلازِمٌ كَوَاجِبٍ٥ قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": وَلا يُقْبَلُ التَّأْوِيلُ عِنْدَ الأَكْثَرِ، وَهُوَ مِنْ اللُّزُومِ وَهُوَ لُغَةً: عَدَمُ الانْفِكَاكِ عَنْ الشَّيْءِ٦. فَيُقَالُ لِلْوَاجِبِ لازِمٌ وَمَلْزُومٌ بِهِ٧، وَنَحْوُ ذَلِكَ، كَمَا فِي حَدِيثِ الصَّدَقَةِ: "وَمَنْ لَزِمَتْهُ بِنْتُ مَخَاضٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ أُخِذَ مِنْهُ ابْنُ لَبُونٍ" ٨.

стр. 343

"وَ" كَذَا "إطْلاقُ الْوَعِيدِ" لأَنَّ خَاصَّةَ الْوَاجِبِ مَا تُوُعِّدَ بِالْعِقَابِ عَلَى تَرْكِهِ. وَيَمْتَنِعُ وُجُودُ خَاصَّةِ الشَّيْءِ بِدُونِ ثُبُوتِهِ إلاَّ فِي كَلامِ مَجَازٍ. "وَ" وَكَذَا "كُتِبَ عَلَيْكُمْ" مَأْخُوذٌ مِنْ كَتَبَ الشَّيْءَ إذَا حَتَّمَهُ وَأَلْزَمَ بِهِ، وَتُسَمَّى الصَّلَوَاتُ الْمَكْتُوبَاتُ لِذَلِكَ. وَمِنْهُ حَدِيثُ: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعَبْدِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ١"، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ﴾ ٢، وقَوْله تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ﴾ ٣، كُلُّ ذَلِكَ "نَصٌّ فِي الْوُجُوبِ"٤. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ-الآيَةَ﴾ ٥، فَقِيلَ: الْمُرَادُ وَجَبَ. وَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ فَرْضًا وَنُسِخَتْ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ٦ بِالْوَصِيَّةِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ الْوَدِيعَةِ وَنَحْوِهِمَا. وَقِيلَ: الْمُرَادُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ. فَلا يَكُونُ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ٧. "وَإِنْ كَنَّى الشَّارِعُ عَنْ عِبَادَةٍ بِبَعْضِ ٨ مَا فِيهَا"٨" نَحْوِ٩ تَسْمِيَةِ الصَّلاةِ قُرْآنًا

стр. 344

فِي قَوْله١ تَعَالَى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ ٢، وَنَحْوِ ٣ التَّعْبِيرِ عَنْ الإِحْرَامِ بِالنُّسُكِ"٣ بِأَخْذِ الشَّعْرِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ ٤، "دَلَّ عَلَى فَرْضِيَّتِهِ" أَيْ فَرْضِ الْمُكَنَّى بِهِ عَنْ ٥ تِلْكَ الْعِبَادَةِ"٥. فَيَدُلُّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ عَلَى فَرْضِيَّةِ الْقِرَاءَةِ٦ فِي الصَّلاةِ وَيَدُلُّ قَوْله تَعَالَى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ عَلَى فَرْضِيَّةِ الْحَلْقِ فِي الْحَجِّ، لأَنَّ الْعَرَبَ لا تُكَنِّي عَنْ الشَّيْءِ إلاَّ بِالأَخَصِّ بِهِ. وَكَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَسَبِّحْ٧ بِحَمْدِ رَبِّك قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ ٨ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ التَّسْبِيحِ فِي الصَّلاةِ. ذَكَرَهُ٩ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ. "وَمَا لا يَتِمُّ الْوُجُوبُ١٠ إلاَّ بِهِ" سَوَاءٌ قَدَرَ عَلَيْهِ الْمُكَلَّفُ. كَاكْتِسَابِ الْمَالِ لِلْحَجِّ وَالْكَفَّارَاتِ وَنَحْوِهِمَا، أَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ الْمُكَلَّفُ، كَحُضُورِ الإِمَامِ

стр. 345

الْجُمُعَةَ وَحُضُورِ الْعَدَدِ الْمُشْتَرِطِ فِيهَا، لأَنَّهُ مِنْ صُنْعِ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ "لَيْسَ بِوَاجِبٍ مُطْلَقًا"١ وَحُكِيَ إجْمَاعًا. "وَمَا لا يَتِمُّ الْوَاجِبُ الْمُطْلَقُ" إيجَابُهُ٢ "إلاَّ بِهِ وَهُوَ٣" أَيْ وَاَلَّذِي لا يَتِمُّ الْوَاجِبُ الْمُطْلَقُ إلاَّ بِهِ "مَقْدُورٌ لِمُكَلَّفٍ فَوَاجِبٌ، يُعَاقَبُ" الْمُكَلَّفُ "بِتَرْكِهِ، وَيُثَابُ٤ بِفِعْلِهِ" كَالْوَاجِبِ الأَصْلِيِّ٥.

стр. 346

إذَا عَلِمْت ذَلِكَ، فَلا يَخْلُو. إمَّا أَنْ يَكُونَ مَا لا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلاَّ بِهِ جُزْءًا مِنْ الْوَاجِبِ الْمُطْلَقِ، كَالسُّجُودِ فِي الصَّلاةِ. فَهَذَا لا خِلافَ فِيهِ، لأَنَّ الأَمْرَ بِالْمَاهِيَّةِ الْمُرَكَّبَةِ أَمْرٌ١ بِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ خَارِجًا عَنْهُ. كَالسَّبَبِ٢ الشَّرْعِيِّ، وَالسَّبَبِ الْعَقْلِيِّ، وَالسَّبَبِ الْعَادِيِّ. وَكَالشَّرْطِ٣ الشَّرْعِيِّ، وَالشَّرْطِ٤ الْعَقْلِيِّ وَالشَّرْطِ٥ الْعَادِيِّ. فَهَذِهِ السِّتَّةُ مَحَلُّ الْخِلافِ وَالصَّحِيحُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الأَكْثَرِ وُجُوبُهَا٦. فَمِثَالُ السَّبَبِ الشَّرْعِيِّ: صِيغَةُ الْعِتْقِ في٧ الْوَاجِبِ مِنْ كَفَّارَةٍ وَنَحْوِهَا. وَمِثَالُ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ: الطَّهَارَةُ لِلصَّلاةِ وَنَحْوِهَا. وَمِثَالُ السَّبَبِ الْعَقْلِيِّ: الصُّعُودُ إلَى مَوْضِعٍ عَالٍ. فِيمَا إذَا وَجَبَ إلْقَاءُ الشَّيْءِ مِنْهُ.

стр. 347

وَمِثَالُ الشَّرْطِ الْعَقْلِيِّ: تَرْكُ أَضْدَادِ الْمَأْمُورِ بِهِ. وَمِثَالُ السَّبَبِ الْعَادِيِّ١: وُجُودُ النَّارِ فِيمَا إذَا وَجَبَ إحْرَاقُ شَخْصٍ. وَمِثَالُ الشَّرْطِ الْعَادِيِّ: غَسْلُ الزَّائِدِ عَلَى حَدِّ الْوَجْهِ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ لِيَتَحَقَّقَ غَسْلُ جَمِيعِهِ. فَالشَّرْطُ الشَّرْعِيُّ: مَا جَعَلَهُ الشَّارِعُ شَرْطًا، وَإِنْ أَمْكَنَ وُجُودُ الْفِعْلِ بِدُونِهِ ٢ وَالشَّرْطُ الْعَقْلِيُّ: مَا لا يُمْكِنُ وُجُودُ الْفِعْلِ بِدُونِهِ"٢ عَقْلاً، وَالشَّرْطُ الْعَادِيُّ: مَا لا يُمْكِنُ ٣ وُجُودُ الْفِعْلِ بِدُونِهِ"٣ عَادَةً٤. إذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَتَارَةً يُعَبَّرُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِمَا لا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلاَّ بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ٥، وَتَارَةً بِمَا لا يَتِمُّ الأَمْرُ٦ إلاَّ بِهِ يَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ٧، لَكِنَّ الْعِبَارَةَ الأُولَى أَشْهَرُ. وَالثَّانِيَةُ أَشْمَلُ مِنْ حَيْثُ إنَّ الأَمْرَ قَدْ يَكُونُ لِلنَّدْبِ. فَتَكُونُ مُقَدِّمَتُهُ مَنْدُوبَةً، وَرُبَّمَا كَانَتْ وَاجِبَةً. كَالشَّرْطِ٨ فِي صَلاةِ التَّطَوُّعِ، إلاَّ أَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ الْكَفُّ عَنْ فَاسِدِ الصَّلاةِ عِنْدَ إرَادَةِ التَّلَبُّسِ بِالصَّلاةِ مَثَلاً وَجَبَ مَا لا يَتِمُّ الْكَفُّ مَعَ التَّلَبُّسِ إلاَّ بِهِ، فَلَمْ يَخْرُجْ عَمَّا لا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلاَّ بِهِ فَهُوَ

стр. 348

وَاجِبٌ١. وَقَدْ عُلِمَ مِنْ الْمَتْنِ: أَنَّهُ لا يَجِبُ إلاَّ إذَا كَانَ مَقْدُورًا لِلْمُكَلَّفِ٢، لِحَدِيثِ: "إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ" ٣، لَكِنْ لَوْ سَقَطَ وُجُوبُ الْبَعْضِ الْمَعْجُوزِ عَنْهُ، هَلْ يَبْقَى٤ وُجُوبُ الْبَاقِي الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ. أَمْ لا٥؟ قَاعِدَةُ الْمَذْهَبِ تَقْتَضِي بَقَاءَ الْوُجُوبِ لِلْحَدِيثِ الْمُوَافِقِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ٦، وَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا أَنَّ مَنْ سَقَطَ عَنْهُ النُّطْقُ فِي الصَّلاةِ لِعُذْرٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ تَحْرِيكُ لِسَانِهِ. خِلافًا لِلْقَاضِي مِنْ أَصْحَابِنَا. وَأَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ٧، لِوُجُوبِهِ ضَرُورَةً كَجُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ فِي الصَّوْمِ، وَشُرُوطِ الصَّلاةِ٨. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَيَتَوَجَّهُ الْخِلافُ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يُسْتَحَبُّ فِي قَوْلِ مَنْ اسْتَحَبَّ غَسْلَ مَوْضِعِ الْقَطْعِ فِي الطَّهَارَةِ٩. وَكَذَا إمْرَارُ الْمُوسَى فِيمَنْ

стр. 349

لا شَعْرَ لَهُ١، وَرُدَّ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي "عُمْدَةِ الأَدِلَّةِ": يُمِرُّ الْمُوسَى. وَلا يَجِبُ ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا وَشَيْخُنَا٢. وَأَمَّا كَلامُ أَحْمَدَ: فَخَارِجٌ مَخْرَجَ الأَمْرِ، لَكِنَّهُ حَمَلَهُ شَيْخُنَا عَلَى النَّدْبِ. انْتَهَى كَلامُ ابْنِ مُفْلِحٍ٣. وَلَنَا فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ شَبِيهَةٌ بِذَلِكَ. كَوُجُوبِ الْقِيَامِ عَلَى مَنْ عَجَزَ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِعِلَّةٍ فِي ظَهْرِهِ وَوَاجِدٍ بَعْضَ مَا يَكْفِيهِ لِطَهَارَتِهِ مِنْ الْمَاءِ٤، وَبَعْضِ صَاعٍ فِي٥ الْفِطْرَةِ٦. وَرُبَّمَا خَرَجَ عَنْ الْقَاعِدَةِ فُرُوعٌ، الرَّاجِحُ فِيهَا خِلافُ ذَلِكَ، لِمَدَارِكَ فِقْهِيَّةٍ، مَحَلُّهَا الْفِقْهُ٧.

стр. 350

فصل العبادة والوقت ... "فَصْلٌ" "الْعِبَادَةُ إنْ لَمْ يُعَيَّنْ وَقْتُهَا" أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا١ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ مِنْ قِبَلِ الشَّارِعِ٢،"لَمْ تُوصَفْ بِأَدَاءٍ وَلا قَضَاءٍ وَلا إعَادَةٍ" كَالنَّوَافِلِ الْمُطْلَقَةِ، مِنْ صَلاةٍ وَصَوْمٍ وَصَدَقَةٍ وَنَحْوِهَا، وَلا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا لَهَا سَبَبٌ، كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَسُجُودِ التِّلاوَةِ، أَوْ لا سَبَبَ لَهَا٣. وَقَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: قَدْ٤ تُوصَفُ مَا لَهَا سَبَبٌ بِالإِعَادَةِ. كَمَنْ أَتَى بِذَاتِ السَّبَبِ مَثَلاً مُخْتَلَّةً٥، فَتَدَارَكَهَا حَيْثُ يُمْكِنُ التَّدَارُكُ٦. "وَإِنْ عُيِّنَ" وَقْتُهَا٧ "وَلَمْ يُحَدَّ، كَحَجٍّ وَكَفَّارَةٍ" وَزَكَاةِ مَالٍ، لا فِطْرَةٍ "تُوصَفُ بِأَدَاءٍ فَقَطْ" أَيْ دُونَ قَضَاءٍ، لأَنَّ وَقْتَ ذَلِكَ غَيْرُ مَحْدُودِ الطَّرَفَيْنِ٨. وَ "الْقَضَاءُ" فِعْلُ الْوَاجِبِ خَارِجَ الْوَقْتِ الْمُقَدَّرِ لَهُ شَرْعًا. وَلأَنَّ٩ كُلَّ

стр. 351

وَقْتٍ مِنْ الأَوْقَاتِ الَّتِي يُؤَخَّرُ فِعْلُهَا إلَيْهِ هُوَ مُخَاطَبٌ بِالْفِعْلِ فِيهِ. وَذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ. فَلَوْ قُلْنَا: إنَّ أَدَاءَهَا فِي الْوَقْتِ الثَّانِي بَعْدَ تَأْخِيرِهَا قَضَاءٌ، لَزِمَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ وَمَا بَعْدَهُمَا١. "وَإِطْلاقُ الْقَضَاءِ فِي حَجٍّ فَاسِدٍ لِشَبَهِهِ٢ بِمَقْضِيٍّ" فِي اسْتِدْرَاكِهِ. وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا شَرَعَ فِيهِ وَتَلَبَّسَ بِأَفْعَالِهِ تَضَيَّقَ الْوَقْتُ عَلَيْهِ٣. وَذَلِكَ كَمَا لَوْ تَلَبَّسَ بِأَفْعَالِ الصَّلاةِ، مَعَ أَنَّ الصَّلاةَ وَاجِبٌ مُوَسَّعٌ٤. وَهَذَا جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ: أَنْتُمْ قُلْتُمْ: إنَّ٥ الْحَجَّ لا يُوصَفُ بِالْقَضَاءِ، وَقَدْ٦ وَصَفْتُمُوهُ هُنَا؟ "وَفِعْلُ صَلاةٍ بَعْدَ تَأْخِيرِ قَضَائِهَا لا يُسَمَّى قَضَاءَ الْقَضَاءِ" لِتَسَلْسُلِهِ وَهُوَ مُمْتَنَعٌ٧.

стр. 352

"وَإِنْ حُدَّ" وَقْتُ الْعِبَادَةِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ كَصَلاةِ الظُّهْرِ "وُصِفَتْ بِالثَّلاثَةِ" الَّتِي هِيَ الأَدَاءُ، وَالْقَضَاءُ، وَالإِعَادَةُ١؛ لأَنَّهَا إنْ فُعِلَتْ فِي وَقْتِهَا كَانَتْ أَدَاءً، وَإِنْ فُعِلَتْ بَعْدَهُ كَانَتْ قَضَاءً وَإِنْ تَكَرَّرَ فِعْلُهَا كَانَتْ مُعَادَةً٢، "سِوَى جُمُعَةٍ" فَإِنَّهَا تُوصَفُ بِالأَدَاءِ وَالإِعَادَةِ إذَا٣ حَصَلَ فِيهَا خَلَلٌ وَأَمْكَنَ تَدَارُكُهَا فِي وَقْتِهَا، وَلا تُوصَفُ بِالْقَضَاءِ، لأَنَّهَا إذَا فَاتَتْ صُلِّيَتْ ظُهْرًا. إذَا تَقَرَّرَ هَذَا. "فَالأَدَاءُ: مَا فُعِلَ فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ لَهُ أَوَّلاً شَرْعًا" ٤. فَقَوْلُنَا "مَا فُعِلَ" جِنْسٌ لِلأَدَاءِ وَغَيْرِهِ. وَقَوْلُنَا "فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ٥" يَخْرُجُ الْقَضَاءُ وَمَا لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ وَقْتٌ كَإِنْكَارِ الْمُنْكَرِ إذَا ظَهَرَ. وَإِنْقَاذِ الْغَرِيقِ إذَا وُجِدَ. وَالْجِهَادِ إذَا تَحَرَّكَ الْعَدُوُّ وَالنَّوَافِلِ الْمُطْلَقَةِ، وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَسُجُودِ التِّلاوَةِ.

стр. 353

وَقَوْلُنَا "أَوَّلاً" لِيَخْرُجَ مَا فُعِلَ فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ لَهُ شَرْعًا، لَكِنَّهُ فِي غَيْرِ الْوَقْتِ الَّذِي قُدِّرَ لَهُ أَوَّلاً شَرْعًا، كَالصَّلاةِ إذَا ذَكَرَهَا بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا، أَوْ اسْتَيْقَظَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، لِقَوْلِهِ١ ﷺ : "مَنْ نَامَ عَنْ صَلاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا. فَإِنَّ ذَلِكَ وَقْتُهَا" ٢، فَإِذَا فَعَلَهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَهُوَ وَقْتٌ ثَانٍ، لا أَوَّلُ٣. فَلَمْ يَكُنْ أَدَاءً. وَيَخْرُجُ بِهِ أَيْضًا: قَضَاءُ الصَّوْمِ، فَإِنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ لَهُ وَقْتًا مُقَدَّرًا، لا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْهُ. وَهُوَ مِنْ حِينِ الْفَوَاتِ إلَى رَمَضَانَ السَّنَةِ الآتِيَةِ، فَإِذَا فَعَلَهُ كَانَ قَضَاءً، لأَنَّهُ فَعَلَهُ فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ٤ لَهُ ثَانِيًا، لا أَوَّلاً٥. وَقَوْلُنَا "شَرْعًا" لِيَخْرُجَ مَا قُدِّرَ لَهُ وَقْتٌ لا بِأَصْلِ الشَّرْعِ، كَمَنْ ضَيَّقَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ –لِعَارِضِ٦-[الْوَقْتِ] ٧ الْمُوَسَّعِ٨، إنْ لَمْ يُبَادِرْ٩.

стр. 354

"وَالْقَضَاءُ: مَا فُعِلَ بَعْدَ وَقْتِ الأَدَاءِ"١ عَلَى٢ قَوْلِ الْجُمْهُورِ "وَلَوْ" كَانَ التَّأْخِيرُ "لِعُذْرٍ" سَوَاءٌ "تَمَكَّنَ مِنْهُ" أَيْ مِنْ فِعْلِهِ فِي وَقْتِهِ "كَمُسَافِرٍ" يُفْطِرُ "أَوْ لا" أَيْ٣ أَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الْفِعْلِ فِي وَقْتِهِ، "لِمَانِعٍ شَرْعِيٍّ كَحَيْضٍ" وَنِفَاسٍ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْفِعْلِ شَرْعًا مَعَ وُجُودِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، "أَوْ" لِمَانِعٍ "عَقْلِيٍّ، كَنَوْمٍ لِوُجُوبِهِ" أَيْ وُجُوبِ فِعْلِ الْعِبَادَةِ "عَلَيْهِمْ" وَهُوَ الصَّوْمُ حَالَةَ وُجُودِ الْعُذْرِ، وَهُوَ السَّفَرُ وَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ. وَحَيْثُ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ مَعَ وُجُودِ الْعُذْرِ، كَانَ فِعْلُهُ بَعْدَ زَوَالِهِ قَضَاءً لِخُرُوجِ وَقْتِ الأَدَاءِ، وَكَوْنُهُ قَضَاءً مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِهِ عَلَيْهِمْ حَالَ الْعُذْرِ٤.

стр. 355

وَإِطْلاقُ الْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ الأَدَاءُ وَالْقَضَاءُ عَلَى الْمُؤَدَّى وَالْمَقْضِيِّ، مِنْ إطْلاقِ الْمَصْدَرِ عَلَى اسْمِ الْمَفْعُولِ. وَقَدْ اشْتَهَرَ ذَلِكَ فِي اسْتِعْمَالِهِمْ، حَتَّى صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً. "وَعِبَادَةُ صَغِيرٍ" لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ "لا تُسَمَّى قَضَاءً" إجْمَاعًا١، "وَلا أَدَاءً" عَلَى الصَّحِيحِ، لأَنَّ الصَّغِيرَ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ عِبَادَةٌ، حَتَّى تُقْضَى٢. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي "فُرُوعِهِ": تَصِحُّ الصَّلاةُ مِنْ مُمَيِّزٍ نَفْلاً، وَيُقَالُ: لِمَا فَعَلَهُ: ٣ صَلاةُ كَذَا. وَفِي"٣ "التَّعْلِيقِ" مَجَازاً٤. اهـ. "وَالإِعَادَةُ: مَا فُعِلَ" أَيْ فِعْلُ٥ مَا فُعِلَ مِنْ الْعِبَادَةِ "فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ" أَيْ الْمَحْدُودِ الطَّرَفَيْنِ، "ثَانِيًا" أَيْ بَعْدَ فِعْلِهِ أَوَّلاً "مُطْلَقًا"٦ أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ الإِعَادَةُ لِخَلَلٍ فِي الْفِعْلِ الأَوَّلِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ: لَوْ صَلَّى الصَّلاةَ فِي وَقْتِهَا صَحِيحَةً، ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلاةُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، وَصَلَّى. فَإِنَّ هَذِهِ الصَّلاةَ تُسَمَّى مُعَادَةً عِنْدَ الأَصْحَابِ مِنْ غَيْرِ حُصُولِ٧ خَلَلٍ وَلا عُذْرٍ٨. "وَالْوَقْتُ" الْمُقَدَّرُ:
следующие страницы →