Полный текст (2 398 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
وَقْتٍ مِنْ الأَوْقَاتِ الَّتِي يُؤَخَّرُ فِعْلُهَا إلَيْهِ هُوَ مُخَاطَبٌ بِالْفِعْلِ فِيهِ. وَذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ. فَلَوْ قُلْنَا: إنَّ أَدَاءَهَا فِي الْوَقْتِ الثَّانِي بَعْدَ تَأْخِيرِهَا قَضَاءٌ، لَزِمَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ وَمَا بَعْدَهُمَا١.
"وَإِطْلاقُ الْقَضَاءِ فِي حَجٍّ فَاسِدٍ لِشَبَهِهِ٢ بِمَقْضِيٍّ" فِي اسْتِدْرَاكِهِ. وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا شَرَعَ فِيهِ وَتَلَبَّسَ بِأَفْعَالِهِ تَضَيَّقَ الْوَقْتُ عَلَيْهِ٣. وَذَلِكَ كَمَا لَوْ تَلَبَّسَ بِأَفْعَالِ الصَّلاةِ، مَعَ أَنَّ الصَّلاةَ وَاجِبٌ مُوَسَّعٌ٤.
وَهَذَا جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ: أَنْتُمْ قُلْتُمْ: إنَّ٥ الْحَجَّ لا يُوصَفُ بِالْقَضَاءِ، وَقَدْ٦ وَصَفْتُمُوهُ هُنَا؟
"وَفِعْلُ صَلاةٍ بَعْدَ تَأْخِيرِ قَضَائِهَا لا يُسَمَّى قَضَاءَ الْقَضَاءِ" لِتَسَلْسُلِهِ وَهُوَ مُمْتَنَعٌ٧.
стр. 352
"وَإِنْ حُدَّ" وَقْتُ الْعِبَادَةِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ كَصَلاةِ الظُّهْرِ "وُصِفَتْ بِالثَّلاثَةِ" الَّتِي هِيَ الأَدَاءُ، وَالْقَضَاءُ، وَالإِعَادَةُ١؛ لأَنَّهَا إنْ فُعِلَتْ فِي وَقْتِهَا كَانَتْ أَدَاءً، وَإِنْ فُعِلَتْ بَعْدَهُ كَانَتْ قَضَاءً وَإِنْ تَكَرَّرَ فِعْلُهَا كَانَتْ مُعَادَةً٢، "سِوَى جُمُعَةٍ" فَإِنَّهَا تُوصَفُ بِالأَدَاءِ وَالإِعَادَةِ إذَا٣ حَصَلَ فِيهَا خَلَلٌ وَأَمْكَنَ تَدَارُكُهَا فِي وَقْتِهَا، وَلا تُوصَفُ بِالْقَضَاءِ، لأَنَّهَا إذَا فَاتَتْ صُلِّيَتْ ظُهْرًا.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا. "فَالأَدَاءُ: مَا فُعِلَ فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ لَهُ أَوَّلاً شَرْعًا" ٤.
فَقَوْلُنَا "مَا فُعِلَ" جِنْسٌ لِلأَدَاءِ وَغَيْرِهِ.
وَقَوْلُنَا "فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ٥" يَخْرُجُ الْقَضَاءُ وَمَا لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ وَقْتٌ كَإِنْكَارِ الْمُنْكَرِ إذَا ظَهَرَ. وَإِنْقَاذِ الْغَرِيقِ إذَا وُجِدَ. وَالْجِهَادِ إذَا تَحَرَّكَ الْعَدُوُّ وَالنَّوَافِلِ الْمُطْلَقَةِ، وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَسُجُودِ التِّلاوَةِ.
стр. 353
وَقَوْلُنَا "أَوَّلاً" لِيَخْرُجَ مَا فُعِلَ فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ لَهُ شَرْعًا، لَكِنَّهُ فِي غَيْرِ الْوَقْتِ الَّذِي قُدِّرَ لَهُ أَوَّلاً شَرْعًا، كَالصَّلاةِ إذَا ذَكَرَهَا بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا، أَوْ اسْتَيْقَظَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، لِقَوْلِهِ١ ﷺ : "مَنْ نَامَ عَنْ صَلاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا. فَإِنَّ ذَلِكَ وَقْتُهَا" ٢، فَإِذَا فَعَلَهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَهُوَ وَقْتٌ ثَانٍ، لا أَوَّلُ٣. فَلَمْ يَكُنْ أَدَاءً.
وَيَخْرُجُ بِهِ أَيْضًا: قَضَاءُ الصَّوْمِ، فَإِنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ لَهُ وَقْتًا مُقَدَّرًا، لا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْهُ. وَهُوَ مِنْ حِينِ الْفَوَاتِ إلَى رَمَضَانَ السَّنَةِ الآتِيَةِ، فَإِذَا فَعَلَهُ كَانَ قَضَاءً، لأَنَّهُ فَعَلَهُ فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ٤ لَهُ ثَانِيًا، لا أَوَّلاً٥.
وَقَوْلُنَا "شَرْعًا" لِيَخْرُجَ مَا قُدِّرَ لَهُ وَقْتٌ لا بِأَصْلِ الشَّرْعِ، كَمَنْ ضَيَّقَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ –لِعَارِضِ٦-[الْوَقْتِ] ٧ الْمُوَسَّعِ٨، إنْ لَمْ يُبَادِرْ٩.
стр. 354
"وَالْقَضَاءُ: مَا فُعِلَ بَعْدَ وَقْتِ الأَدَاءِ"١ عَلَى٢ قَوْلِ الْجُمْهُورِ "وَلَوْ" كَانَ التَّأْخِيرُ "لِعُذْرٍ" سَوَاءٌ "تَمَكَّنَ مِنْهُ" أَيْ مِنْ فِعْلِهِ فِي وَقْتِهِ "كَمُسَافِرٍ" يُفْطِرُ "أَوْ لا" أَيْ٣ أَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الْفِعْلِ فِي وَقْتِهِ، "لِمَانِعٍ شَرْعِيٍّ كَحَيْضٍ" وَنِفَاسٍ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْفِعْلِ شَرْعًا مَعَ وُجُودِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، "أَوْ" لِمَانِعٍ "عَقْلِيٍّ، كَنَوْمٍ لِوُجُوبِهِ" أَيْ وُجُوبِ فِعْلِ الْعِبَادَةِ "عَلَيْهِمْ" وَهُوَ الصَّوْمُ حَالَةَ وُجُودِ الْعُذْرِ، وَهُوَ السَّفَرُ وَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ.
وَحَيْثُ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ مَعَ وُجُودِ الْعُذْرِ، كَانَ فِعْلُهُ بَعْدَ زَوَالِهِ قَضَاءً لِخُرُوجِ وَقْتِ الأَدَاءِ، وَكَوْنُهُ قَضَاءً مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِهِ عَلَيْهِمْ حَالَ الْعُذْرِ٤.
стр. 355
وَإِطْلاقُ الْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ الأَدَاءُ وَالْقَضَاءُ عَلَى الْمُؤَدَّى وَالْمَقْضِيِّ، مِنْ إطْلاقِ الْمَصْدَرِ عَلَى اسْمِ الْمَفْعُولِ. وَقَدْ اشْتَهَرَ ذَلِكَ فِي اسْتِعْمَالِهِمْ، حَتَّى صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً.
"وَعِبَادَةُ صَغِيرٍ" لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ "لا تُسَمَّى قَضَاءً" إجْمَاعًا١، "وَلا أَدَاءً" عَلَى الصَّحِيحِ، لأَنَّ الصَّغِيرَ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ عِبَادَةٌ، حَتَّى تُقْضَى٢.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي "فُرُوعِهِ": تَصِحُّ الصَّلاةُ مِنْ مُمَيِّزٍ نَفْلاً، وَيُقَالُ: لِمَا فَعَلَهُ: ٣ صَلاةُ كَذَا. وَفِي"٣ "التَّعْلِيقِ" مَجَازاً٤. اهـ.
"وَالإِعَادَةُ: مَا فُعِلَ" أَيْ فِعْلُ٥ مَا فُعِلَ مِنْ الْعِبَادَةِ "فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ" أَيْ الْمَحْدُودِ الطَّرَفَيْنِ، "ثَانِيًا" أَيْ بَعْدَ فِعْلِهِ أَوَّلاً "مُطْلَقًا"٦ أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ الإِعَادَةُ لِخَلَلٍ فِي الْفِعْلِ الأَوَّلِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ: لَوْ صَلَّى الصَّلاةَ فِي وَقْتِهَا صَحِيحَةً، ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلاةُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، وَصَلَّى. فَإِنَّ هَذِهِ الصَّلاةَ تُسَمَّى مُعَادَةً عِنْدَ الأَصْحَابِ مِنْ غَيْرِ حُصُولِ٧ خَلَلٍ وَلا عُذْرٍ٨.
"وَالْوَقْتُ" الْمُقَدَّرُ:
стр. 356
- "إمَّا" أَنْ يَكُونَ ١ بِقَدْرِ الْفِعْلِ"١ كَصَوْمِ" رَمَضَانَ "فَـ" ـهُوَ الْوَقْتُ "الْمُضَيَّقُ".
- "أَوْ" أَنْ يَكُونَ "أَقَلَّ، فَـ٢" ـهُوَ "مُحَالٌ" أَيْ فَالتَّكْلِيفُ بِهِ مِنْ الْمُحَالِ، نَحْوِ إيجَابِ صَلاةِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، وَنَحْوِهِ٣.
- "أَوْ" أَنْ يَكُونَ الْمُقَدَّرُ لِلْعِبَادَةِ "أَكْثَرَ" مِنْ وَقْتِ فِعْلِهَا "فَـ" ـهُوَ "الْمُوَسَّعُ" كَالصَّلَوَاتِ الْمُؤَقَّتَةِ٤، "فَيَتَعَلَّقُ" الْوُجُوبُ "بِجَمِيعِهِ٥" أَيْ جَمِيعِ الْوَقْتِ "مُوَسَّعًا أَدَاءً" عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَأَكْثَرِ٦ الْمُتَكَلِّمِينَ٧.
"وَيَجِبُ الْعَزْمُ" ٨ عَلَى بَدَلِ"٨ الْفِعْلِ أَوَّلَ الْوَقْتِ "إذَا أُخِّرَ" ٩. "وَيَتَعَيَّنُ" الْفِعْلُ "آخِرَهُ" أَيْ آخِرَ الْوَقْتِ.
стр. 357
"وَيَسْتَقِرُّ وُجُوبُ" فِعْلِ الْعِبَادَةِ "بِأَوَّلِهِ" أَيْ أَوَّلِ وَقْتِهَا الْمُقَدَّرِ١، لأَنَّ دُخُولَ الْوَقْتِ سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ، فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ حُكْمُهُ عِنْدَ وُجُودِهِ، وَلَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ أَدَائِهَا فِيهِ٢، فَلَوْ طَرَأَ مَانِعٌ عَلَى الْمُكَلَّفِ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ بِقَدْرِ تَكْبِيرَةٍ لَزِمَ الْقَضَاءُ عِنْدَ زَوَالِ الْمَانِعِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: يَتَعَلَّقُ الْوُجُوبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ. فَإِنْ أُخِّرَتْ عَنْهُ: صَارَتْ قَضَاءً٣.
وَقَالَ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ: يَتَعَلَّقُ الْوُجُوبُ بِآخِرِ الْوَقْتِ٤. زَادَ الْكَرْخِيُّ: أَوْ
стр. 358
بِالدُّخُولِ فِيهَا١.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ - بَعْدَ نَقْلِهِ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ-: إنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِآخِرِهِ. وَزِيَادَةُ الْكَرْخِيِّ: بِالدُّخُولِ. فَإِنْ قَدَّمَهُ فَنَفْلٌ يُسْقِطُ الْفَرْضَ، وَأَكْثَرُهُمْ قَالَ٢: إنْ بَقِيَ مُكَلَّفًا، فَمَا قَدَّمَهُ وَاجِبٌ. وَعِنْدَهُمْ إنْ طَرَأَ مَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ فَلا وُجُوبَ٣. انْتَهَى.
وَلَنَا عَلَى الأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَقِمْ الصَّلاةَ-الآيَةَ﴾ ٤، قُيِّدَ٥: بِجَمِيعِ وَقْتِهَا. لأَنَّ جِبْرِيلَ أَمَّ النَّبِيَّ ﷺ ٦ أَوَّلَ الْوَقْتِ"٦ وَآخِرَهُ. وَقَالَ لَهُ٧:
стр. 359
"الْوَقْتُ مَا بَيْنَهُمَا"١. وَلأَنَّهُ لَوْ تَعَيَّنَ لِلْفِعْلِ جُزْءٌ مِنْ الْوَقْتِ لَمْ يَصِحَّ الْفِعْلُ قَبْلَهُ، وَيَكُونُ٢ الْفِعْلُ بَعْدَهُ قَضَاءً. فَيَعْصِي بِتَأْخِيرِهِ عَنْهُ، وَهُوَ خِلافُ الإِجْمَاعِ٣.
"وَمَنْ أَخَّرَ" الْفِعْلَ فِي الْوَقْتِ الْمُوَسَّعِ "مَعَ ظَنِّ مَانِعٍ" مِنْهُ "كَعَدَمِ الْبَقَاءِ٤" بِأَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يَمُوتُ قَبْلَ أَنْ يَبْقَى مِنْ الْوَقْتِ زَمَنٌ يَتَّسِعُ لِلْفِعْلِ فِيهِ "أَثِمَ" إجْمَاعًا، لِتَضْيِيقِهِ عَلَيْهِ بِظَنِّهِ٥.
"ثُمَّ إنْ بَقِيَ" مِنْ ظَنِّ عَدَمِ الْبَقَاءِ "فَفَعَلَهَا" أَيْ فَعَلَ الْعِبَادَةَ "فِي وَقْتِهَا
стр. 360
فَـ" ـهِيَ "أَدَاءٌ" عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ لِبَقَاءِ الْوَقْتِ. وَلا يُلْتَفَتُ إلَى ظَنِّهِ الَّذِي بَانَ خَطَؤُهُ.
"وَمَنْ لَهُ تَأْخِيرٌ" فَمَاتَ١ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَهَا فَإِنَّهَا "تَسْقُطُ بِمَوْتِهِ" عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ، لأَنَّهَا لا تَدْخُلُهَا٢ النِّيَابَةُ فَلا فَائِدَةَ فِي بَقَائِهَا فِي الذِّمَّةِ، بِخِلافِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ٣، "وَلَمْ يَعْصِ" بِالتَّأْخِيرِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ٤. وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ إجْمَاعًا، لأَنَّهُ فَعَلَ مَا لَهُ فِعْلُهُ. وَاعْتِبَارُ سَلامَةِ الْعَاقِبَةِ مَمْنُوعٌ لأَنَّهُ غَيْبٌ٥.
"وَمَتَى طُلِبَ٦" أَيْ طُلِبَ فِعْلُ الْعِبَادَةِ "مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ بِالذَّاتِ، أَوْ مِنْ مُعَيَّنٍ كَالْخَصَائِصِ" النَّبَوِيَّةِ٧. قَالَ الإِمَامُ٨ أَحْمَدُ: ﵁: خُصَّ
стр. 361
النَّبِيُّ ﷺ بِواجَبَاتٍ١ وَمَحْظُورَاتٍ وَمُبَاحَاتٍ وَكَرَامَاتٍ٢، "فَـ" إنْ كَانَ الطَّلَبُ "مَعَ جَزْمٍ" كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَصِيَامِ٣ رَمَضَانَ. فَالْمَطْلُوبُ "فَرْضُ عَيْنٍ٤. وَ" إنْ كَانَ الطَّلَبُ "بِدُونِهِ" أَيْ بِدُونِ جَزْمٍ، كَالسُّنَنِ الرَّوَاتِبِ، وَصَوْمِ يَوْمٍ وَإِفْطَارِ يَوْمٍ، فَالْمَطْلُوبُ "سُنَّةُ عَيْنٍ"٥.
"وَإِنْ طُلِبَ الْفِعْلُ" أَيْ حُصُولُهُ "فَقَطْ، فَـ" طَلَبُهُ "مَعَ جَزْمٍ" كَالْجِهَادِ وَنَحْوِهِ "فَرْضُ كِفَايَةٍ٦، وَ" طَلَبُ حُصُولِهِ "بِدُونِهِ" أَيْ بِدُونِ جَزْمٍ. كَابْتِدَاءِ السَّلامِ مِنْ جَمْعٍ فَهُوَ "سُنَّةُ كِفَايَةٍ"٧.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ فَرْضِ الْعَيْنِ وَفَرْضِ الْكِفَايَةِ: أَنَّ ٨ فَرْضَ الْعَيْنِ"٨ مَا تَكَرَّرَتْ مَصْلَحَتُهُ بِتَكَرُّرِهِ، كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَغَيْرِهَا. فَإِنَّ مَصْلَحَتَهَا الْخُضُوعُ لِلَّهِ، وَتَعْظِيمُهُ وَمُنَاجَاتُهُ وَالتَّذَلُّلُ وَالْمُثُولُ٩ بَيْنَ يَدَيْهِ. وَهَذِهِ الآدَابُ تُكَرَّرُ١٠ كُلَّمَا كُرِّرَتْ الصَّلاةُ١١.
стр. 362
وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ: مَا لا تَتَكَرَّرُ مَصْلَحَتُهُ بِتَكَرُّرِهِ. كَإِنْجَاءِ الْغَرِيقِ، وَغُسْلِ الْمَيِّتِ وَدَفْنِهِ وَنَحْوِهَا، فَهُمَا مُتَبَايِنَانِ تَبَايُنَ النَّوْعَيْنِ١.
"وَهُمَا" أَيْ فَرْضُ الْكِفَايَةِ، وَسُنَّةُ الْكِفَايَةِ "مُهِمٌّ" أَيْ. أَمْرٌ يُهْتَمُّ بِهِ، "يُقْصَدُ" مِنْ قِبَلِ الشَّرْعِ "حُصُولُهُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ بِالذَّاتِ إلَى فَاعِلِهِ٢" فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ نَحْوُ الْحِرَفِ وَالصِّنَاعَاتِ.
وَقَوْلُهُ: "مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ - إلَخْ٣" مُخْرِجٌ٤ لِفَرْضِ الْعَيْنِ وَسُنَّةِ الْعَيْنِ، لأَنَّ مَا مِنْ فِعْلٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ إلاَّ٥ وَيَنْظُرُ فِيهِ الْفَاعِلُ، حَتَّى يُثَابَ عَلَى وَاجِبِهِ وَمَنْدُوبِهِ، وَيُعَاقَبَ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ - إنْ لَمْ يُعْفَ عَنْهُ-. وَإِنَّمَا يَفْتَرِقَانِ فِي كَوْنِ الْمَطْلُوبِ عَيْنًا يُخْتَبَرُ بِهِ الْفَاعِلُ وَيُمْتَحَنُ، لِيُثَابَ أَوْ يُعَاقَبَ. وَالْمَطْلُوبُ عَلَى الْكِفَايَةِ يُقْصَدُ حُصُولُهُ قَصْدًا ذَاتِيًّا، وَقَصْدُ الْفَاعِلِ فِيهِ تَبَعٌ٦ لا ذَاتِيٌّ٧.
"وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ" وَاجِبٌ "عَلَى الْجَمِيعِ" عِنْدَ الْجُمْهُورِ٨. قَالَ الإِمَامُ
стр. 363
أَحْمَدُ ﵁: الْغَزْوُ وَاجِبٌ عَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ، فَإِذَا غَزَا بَعْضُهُمْ أَجْزَأَ عَنْهُمْ١.
وَقَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي "الأُمِّ": حَقٌّ عَلَى النَّاسِ غُسْلُ الْمَيِّتِ، وَالصَّلاةُ عَلَيْهِ وَدَفْنُهُ، لا يَسَعُ عَامَّتَهُمْ تَرْكُهُ. وَإِذَا قَامَ بِهِ مَنْ فِيهِ كِفَايَةٌ أَجْزَأَ عَنْهُمْ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى٢.
"وَيَسْقُطُ الطَّلَبُ الْجَازِمُ وَالإِثْمُ" فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ "بِفِعْلِ مَنْ يَكْفِي" رُخْصَةً وَتَخْفِيفًا٣، لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ٤.
"وَيَجِبُ" عَيْنًا "عَلَى مَنْ ظَنَّ أَنَّ غَيْرَهُ لا يَقُومُ بِهِ" أَيْ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ٥، لأَنَّ الظَّنَّ مَنَاطُ التَّعَبُّدِ٦.
стр. 364
"وَإِنْ فَعَلَهُ" أَيْ فَعَلَ الْمَطْلُوبَ حُصُولُهُ "الْجَمِيعُ مَعًا" أَيْ غَيْرَ مُرَتَّبٍ "كَانَ فَرْضًا" فِي حَقِّ الْجَمِيعِ لِعَدَمِ مَا يَقْتَضِي تَمْيِيزَ بَعْضِهِمْ١.
"وَفَرْضُ الْعَيْنِ أَفْضَلُ" مِنْ فَرْضِ الْكِفَايَةِ، لأَنَّ فَرْضَ الْعَيْنِ أَهَمُّ، وَلأَجْلِ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَى الأَعْيَانِ. وَهَذَا قَوْلُ الأَكْثَرِ. وَقِيلَ عَكْسُهُ٢.
"وَلا فَرْقَ بَيْنَهُمَا" أَيْ بَيْنَ فَرْضِ الْعَيْنِ وَفَرْضِ الْكِفَايَةِ "ابْتِدَاءً"٣ قَالَهُ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ٤، وَإِنَّمَا يَفْتَرِقَانِ فِي ثَانِي الْحَالِ٥، وَهُوَ فَرْقٌ حُكْمِيٌّ٦.
стр. 365
"وَيَلْزَمَانِ" أَيْ فَرْضُ الْعَيْنِ وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ "بِشُرُوعٍ مُطْلَقًا١" أَيْ سَوَاءٌ كَانَ فَرْضُ الْكِفَايَةِ جِهَادًا، أَوْ صَلاةً عَلَى جِنَازَةٍ، أَوْ غَيْرَهُمَا٢. قَالَ فِي "شَرْحِ٣ التَّحْرِيرِ": فِي الأَظْهَرِ.
وَيُؤْخَذُ٤ لُزُومُهُ بِالشُّرُوعِ٥ مِنْ٦ مَسْأَلَةِ حِفْظِ الْقُرْآنِ. فَإِنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ إجْمَاعًا، فَإِذَا حَفِظَهُ إنْسَانٌ٧ وَأَخَّرَ تِلاوَتَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ حَتَّى نَسِيَهُ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: مَا أَشَدَّ مَا جَاءَ فِيمَنْ حَفِظَهُ ثُمَّ نَسِيَهُ٨. وَفِيهِ وَجْهٌ يُكْرَهُ٩.
стр. 366
"وَإِنْ طُلِبَ" شَيْءٌ١ "وَاحِدٌ مِنْ أَشْيَاءَ٢، كَخِصَالِ كَفَّارَةِ" يَمِينٍ "وَنَحْوِهَا" ٣ كَجَزَاءِ الصَّيْدِ فِي قَوْله تَعَالَى ٣: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ ٤، وَكَفِدْيَةِ الأَذَى فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ ٥، وَكَالْجُبْرَانِ فِي الزَّكَاةِ فِي قَوْلِهِ ﷺ : ٦ "شَاتَانِ أَوْ عِشْرُونَ ٦ دِرْهَمًا". وَمِثْلُهُ٧ الْوَاجِبُ٨ فِي الْمِائَتَيْنِ مِنْ الإِبِلِ أَرْبَعُ حِقَاقٍ٩، أَوْ خَمْسُ بَنَاتِ لَبُونٍ١٠. وَكَالتَّخْيِيرِ بَيْنَ١١ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي الْوُضُوءِ لِلابِسِ
стр. 367
الْخُفِّ أَوْ الْمَسْحِ عَلَيْهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ،"فَالْوَاجِبُ وَاحِدٌ لا بِعَيْنِهِ" عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ١.
قَالَ الْبَاقِلاَّنِيُّ: إنَّهُ إجْمَاعُ السَّلَفِ وَأَئِمَّةُ الْفِقْهِ.
"وَيَتَعَيَّنُ" ذَلِكَ الْوَاحِدُ "بِالْفِعْلِ٢" ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ الْفُقَهَاءِ وَالأَشْعَرِيَّةِ، لأَنَّهُ يَجُوزُ٣ التَّكْلِيفُ بِذَلِكَ عَقْلاً، كَتَكْلِيفِ السَّيِّدِ عَبْدَهُ بِفِعْلِ هَذَا الشَّيْءِ أَوْ ذَاكَ٤، عَلَى أَنْ يُثِيبَهُ عَلَى أَيِّهِمَا فَعَلَ. وَيُعَاقِبَهُ بِتَرْكِ الْجَمِيعِ. وَلَوْ أَطْلَقَ لَمْ يُفْهَمْ وُجُوبُهُمَا. وَالنَّصُّ دَلَّ عَلَيْهِ، لأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الْجَمِيعَ وَلا وَاحِدًا بِعَيْنِهِ؛ لأَنَّهُ خَيَّرَهُ. وَلَوْ أَوْجَبَ التَّخْيِيرَ الجَمِيعِ٥ لَوَجَبَ عِتْقُ الْجَمِيعِ، إذَا وَكَّلَهُ فِي إعْتَاقِ أَحَدِ عَبْدَيْهِ، وَتَزْوِيجِ مُوَلِّيَتِهِ٦ بِالْخَاطِبَيْنِ، إذَا وَكَّلَتْهُ٧ فِي التَّزْوِيجِ بِأَحَدِهِمَا٨.
وَمُتَعَلِّقُ الْوُجُوبِ: هُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْخِصَالِ، وَلا تَخْيِيرَ فِيهِ، لأَنَّهُ وَاحِدٌ، وَلا يَجُوزُ تَرْكُهُ. وَمُتَعَلِّقُ التَّخْيِيرِ خُصُوصِيَّاتُ الْخِصَالِ الَّتِي فِيهَا التَّعَدُّدُ٩، وَلا وُجُوبَ فِيهَا. قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ١٠.
стр. 368
وَقَالَ السُّبْكِيُّ الْكَبِيرُ: وَعِنْدِي زِيَادَةٌ أُخْرَى فِي التَّخْيِيرِ١، وَهِيَ٢ أَنَّ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ يُقَالُ عَلَى الْمُتَوَاطِئِ٣، كَالرَّجُلِ، وَلا إبْهَامَ فِيهِ. فَإِنَّ حَقِيقَتَهُ مَعْلُومَةٌ مُتَمَيِّزَةٌ عَنْ غَيْرِهَا مِنْ الْحَقَائِقِ٤، وَيُقَالُ عَلَى الْمُبْهَمِ مِنْ شَيْئَيْنِ أَوْ أَشْيَاءَ. كَأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الأَوَّلَ لَمْ تُقْصَدْ فِيهِ إلاَّ الْحَقِيقَةُ. وَالثَّانِي: قُصِدَ فِيهِ ذَلِكَ مَعَ أَحَدِ الشَّخْصَيْنِ بِعَيْنِهِ، أَيْ ٥ لا بِاعْتِبَارِ ٥ مَعْنًى مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يُعَيَّنْ. وَلِذَلِكَ سُمِّيَ مُبْهَمًا؛ لأَنَّهُ أُبْهِمَ عَلَيْنَا أَمْرُهُ.
فَلا يُقَالُ فِي الأَوَّلِ الَّذِي نَحْوُ أَعْتِقْ رَقَبَةً، إنَّهُ وَاجِبٌ مُخَيَّرٌ، لأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ فِيهِ بِتَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِخُصُوصِيَّاتِهِ، بِخِلافِ الثَّانِي. فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى تَسْمِيَتِهِ مُخَيَّرًا. وَمِنْ الأَوَّلِ: أَكْثَرُ أَوَامِرِ الشَّرِيعَةِ٦، فَيَتَعَيَّنُ٧ أَنَّهُ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ فِي الأَوَّلِ، وَإِلَيْهِ يُرْشِدُ قَوْلُهُمْ: "مِنْ أُمُورٍ مُعَيَّنَةٍ"، وَالْمَعْنَى: أَنَّ النَّظَرَ إلَيْهَا مِنْ حَيْثُ تَعَيُّنُهَا وَتَمَيُّزُهَا مَعَ الإِبْهَامِ احْتِرَازًا٨ عَنْ٩ الْقِسْمِ الأَوَّلِ. انْتَهَى.
стр. 369
وَقِيلَ: يَجِبُ جَمِيعُ الْخِصَالِ١، وَيَسْقُطُ٢ بِفِعْلِ٣ وَاحِدٍ مِنْهَا.
وَقِيلَ: الْوَاجِبُ٤ مُعَيَّنٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ فَعَلَ غَيْرَهُ مِنْهَا سَقَطَ٥.
وَقِيلَ: الْوَاجِبُ مَا يَخْتَارُهُ الْمُكَلَّفُ٦.
وَمَحَلُّ الْخِلافِ فِي صِيغَةٍ وَرَدَتْ يُرَادُ بِهَا التَّخْيِيرُ أَوْ٧ مَا فِي مَعْنَاهُ٨. وَأَمَّا نَحْوُ تَخْيِيرِ الْمُسْتَنْجِي بَيْنَ الْمَاءِ وَالْحَجَرِ، وَمُرِيدِ الْحَجِّ٩ بَيْنَ الإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَلَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ، لأَنَّهُ لَمْ ١٠ يَرِدْ تَخْيِيرٌ فِيهِ بِلَفْظٍ"١٠ وَلا بِمَعْنَاهُ١١.
стр. 370
"وَ" إذَا عَلِمْت أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ مِنْ الأَشْيَاءِ الْمُخَيَّرِ الْمُكَلَّفِ فِيهَا١، "إنْ٢ كَفَّرَ بِهَا" كُلِّهَا، أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ "مُتَرَتِّبَةً٣" أَيْ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ "فَالْوَاجِبُ الأَوَّلُ" أَيْ الْمُخْرَجُ أَوَّلاً إجْمَاعًا، لأَنَّهُ الَّذِي أَسْقَطَ الْفَرْضَ. وَاَلَّذِي بَعْدَهُ لَمْ يُصَادِفْ وُجُوبًا فِي الذِّمَّةِ.
"وَ" إنْ أَخْرَجَ الْكُلَّ "مَعًا" أَيْ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ. قَالَ٤ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": وَصَوَّرَهَا أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ فِي "شَرْحِ اللُّمَعِ"٥: بِأَنْ يَكُونَ قَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ الصَّوْمِ يَوْمٌ وَوَكَّلَ فِي الإِطْعَامِ وَالْعِتْقِ. ثُمَّ قَالَ قُلْت: وَأَوْلَى مِنْهَا٦ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بِأَنْ يُوَكِّلَ شَخْصًا يُطْعِمُ، وَشَخْصًا يَكْسُو وَيَعْتِقُ، هُوَ٧ فِي آنٍ وَاحِدٍ، أَوْ٨ أَنْ يُوَكِّلَ فِي الْكُلِّ، وَتُفْعَلَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، "أُثِيبَ ثَوَابَ وَاجِبٍ عَلَى أَعْلاهَا فَقَطْ٩"؛ لأَنَّهُ لا يُنْقِصُهُ مَا انْضَمَّ١٠ إلَيْهِ وَ١١ تَرْجِيحُ الأَعْلَى، لِكَوْنِ الزِّيَادَةِ فِيهِ لا يَلِيقُ بِكَرَمِ اللَّهِ تَعَالَى تَضْيِيعُهَا عَلَى
стр. 371
الْفَاعِلِ مَعَ الإِمْكَانِ وَقَصْدُهَا بِالْوُجُوبِ. وَإِنْ اقْتَرَنَ بِهِ١ آخَرُ٢.
"كَمَا" أَنَّهُ "لا يَأْثَمُ لَوْ تَرَكَهَا" كُلَّهَا "سِوَى بِقَدْرِ" عِقَابِ أَدْنَاهَا "لا نَفْسِ عِقَابِ أَدْنَاهَا فِي قَوْلِ" الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ٣.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُعَاقَبُ عَلَى نَفْسِ الأَدْنَى، لأَنَّ الْوُجُوبَ يَسْقُطُ بِهِ٤.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ: يُثَابُ عَلَى وَاحِدٍ وَيَأْثَمُ بِهِ٥.
وَقِيلَ: يَأْثَمُ عَلَى وَاحِدٍ لا بِعَيْنِهِ، كَمَا هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ٦.
"تَنْبِيهٌ٧":
"الْعِبَادَةُ" هِيَ "الطَّاعَةُ٨".
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي آخِرِ "الْمُسَوَّدَةِ": "كُلُّ مَا كَانَ طَاعَةً وَمَأْمُورًا بِهِ، فَهُوَ عِبَادَةٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: الْعِبَادَةُ:
стр. 372
مَا كَانَ مِنْ شَرْطِهَا١ النِّيَّةُ٢".
فَدَخَلَ فِي كَلامِ أَصْحَابِنَا وَمَنْ وَافَقَهُمْ: الأَفْعَالُ وَالتُّرُوكُ، كَتَرْكِ الْمَعَاصِي وَالنَّجَاسَةِ وَالزِّنَا وَالرِّبَا وَكُلِّ مُحَرَّمٍ، وَالأَفْعَالُ كَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالزَّكَاةِ مَعَ النِّيَّةِ وَقَضَاءِ الدَّيْنِ، وَرَدِّ الْمَغْصُوبِ وَالْعَوَارِيّ وَالْوَدَائِعِ وَالنَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ وَلَوْ بِلا نِيَّةٍ٣.
"وَ" أَمَّا "الطَّاعَةُ" فَهِيَ "مُوَافَقَةُ الأَمْرِ" أَيْ فِعْلُ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى وِفَاقِ الأَمْرِ بِهِ. وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: الطَّاعَةُ مُوَافَقَةُ الإِرَادَةِ.
"وَالْمَعْصِيَةُ مُخَالَفَتُهُ" أَيْ مُخَالَفَةُ الأَمْرِ بِارْتِكَابِ ضِدِّ مَا كُلِّفَ بِهِ. وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: الْمَعْصِيَةُ مُخَالَفَةُ الإِرَادَةِ٤.
"وَكُلُّ قُرْبَةٍ" وَهِيَ مَا قُصِدَ بِهِ التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى وَفْقِ أَمْرِهِ أَوْ نَهْيِهِ "طَاعَةٌ، وَلا عَكْسَ٥" أَيْ وَلَيْسَ كُلُّ طَاعَةٍ قُرْبَةً، لاشْتِرَاطِ الْقَصْدِ فِي الْقُرْبَةِ٦ دُونَ الطَّاعَةِ٧، فَتَكُونُ الْقُرْبَةُ أَخَصَّ مِنْ الطَّاعَةِ٨. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 373
" فَصْلٌ" "الْحَرَامُ ضِدُّ الْوَاجِبِ"، وَإِنَّمَا كَانَ ضِدُّهُ بِاعْتِبَارِ تَقْسِيمِ أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ، وَإِلاَّ فَالْحَرَامُ١ فِي الْحَقِيقَةِ: ضِدُّ الْحَلالِ، إذْ يُقَالُ: هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ، ٢ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّحْلِ ٢: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ ٣.
"وَهُوَ" أَيْ وَحَدُّهُ "مَا ذُمَّ فَاعِلُهُ، وَلَوْ قَوْلاً، وَ" لَوْ٤ "عَمَلَ قَلْبٍ شَرْعًا".
فَخَرَجَ "بِالذَّمِّ": الْمَكْرُوهُ وَالْمَنْدُوبُ وَالْمُبَاحُ، وَبِقَوْلِهِ: "فَاعِلُهُ": الْوَاجِبُ. فَإِنَّهُ يُذَمُّ تَارِكُهُ. وَالْمُرَادُ: مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَذُمَّ عَلَى فِعْلِهِ.
وَدَخَلَ بِقَوْلِهِ: "وَلَوْ قَوْلاً": الْغِيبَةُ وَالنَّمِيمَةُ وَنَحْوُهُمَا مِمَّا يَحْرُمُ التَّلَفُّظُ٥ بِهِ.
وَدَخَلَ بِقَوْلِهِ: "وَلَوْ عَمَلَ قَلْبٍ": النِّفَاقُ وَالْحِقْدُ وَنَحْوُهُمَا.
وَلَفْظَةُ "شَرْعًا" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "ذُمَّ". وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الذَّمَّ لا يَكُونُ إلاَّ مِنْ الشَّرْعِ٦.
"وَيُسَمَّى" الْحَرَامُ "مَحْظُورًا وَمَمْنُوعًا وَمَزْجُورًا وَمَعْصِيَةً وَذَنْبًا وَقَبِيحًا
стр. 374
وَسَيِّئَةً وَفَاحِشَةً وَإِثْمًا وَحَرَجًا وَتَحْرِيجًا١ وَعُقُوبَةً".
فَتَسْمِيَتُهُ٢ مَحْظُورًا مِنْ الْحَظْرِ. وَهُوَ الْمَنْعُ. فَيُسَمَّى٣ الْفِعْلُ بِالْحُكْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ، وَتَسْمِيَتُهُ مَعْصِيَةً لِلنَّهْيِ عَنْهُ، وَذَنْبًا لِتَوَقُّعِ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَيْهِ، وَبَاقِي ذَلِكَ لِتَرَتُّبِهَا٤ عَلَى فِعْلِهِ٥.
"وَيَجُوزُ النَّهْيُ عَنْ وَاحِدٍ لا بِعَيْنِهِ، كَمِلْكِهِ أُخْتَيْنِ وَوَطْئِهِمَا" فَإِنَّهُ يَكُونُ مَمْنُوعًا مِنْ إحْدَاهُمَا لا بِعَيْنِهَا٦. وَكَمَا لَوْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، أَوْ كُنَّ كِتَابِيَّاتٍ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مَمْنُوعًا مِنْ الزَّائِدِ عَلَى الأَرْبَعَةِ، لا بِعَيْنِهِ٧.
إذَا عُلِمَ ذَلِكَ: فَقَدْ قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ: يَجُوزُ تَحْرِيمُ وَاحِدٍ لا بِعَيْنِهِ، وَيَكُونُ النَّهْيُ عَنْ وَاحِدٍ عَلَى التَّخْيِيرِ "وَلَهُ فِعْلُ أَحَدِهِمَا" عَلَى التَّخْيِيرِ٨.
قَالَ٩ ابْنُ بُرْهَانٍ١٠: وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ، لأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ
стр. 375
كَمَسْأَلَةِ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ، إلاَّ أَنَّ التَّخْيِيرَ هُنَا فِي التَّرْكِ، وَهُنَاكَ فِي الْفِعْلِ. فَكَمَا أَنَّ الْمُكَلَّفَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَأْتِيَ بِالْجَمِيعِ، وَأَنْ١ يَأْتِيَ بِالْبَعْضِ، وَيَتْرُكَ الْبَعْضَ٢ الْبَاقِيَ فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ، لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الْجَمِيعَ، وَأَنْ يَتْرُكَ الْبَعْضَ دُونَ الْبَعْضِ هُنَا، عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالأَكْثَرِ٣.
فَأَهْلُ السُّنَّةِ جَوَّزُوا النَّهْيَ عَنْ وَاحِدٍ لا بِعَيْنِهِ٤، وَجَوَّزُوا فِعْلَ أَحَدِهِمَا عَلَى التَّخْيِيرِ. وَمَا دَامَ لا يُعَيِّنُ: لا يَجُوزُ لَهُ الإِقْدَامُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا٥.
وَيَأْتِي الْخِلافُ فِي كَوْنِ الْمُحَرَّمِ وَاحِدًا لا بِعَيْنِهِ، أَوْ الْكُلَّ أَوْ مُعَيَّنًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ٦.
وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: لا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي النَّهْي، بَلْ يَجِبُ اجْتِنَابُ كُلِّ وَاحِدٍ، وَبَنَوْهُ عَلَى أَصْلِهِمْ: أَنَّ النَّهْيَ عَنْ٧ قَبِيحٍ. فَإِذَا نَهَى عَنْ أَحَدِهِمَا لا
стр. 376
بِعَيْنِهِ، ثَبَتَ الْقُبْحُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، فَيَمْتَنِعَانِ جَمِيعًا. ١ وَلَوْ وَرَدَ ١ ذَلِكَ بِصِيغَةِ التَّخْيِيرِ٢. كَمَا قَالَ : ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ ٣.
"وَلَوْ اشْتَبَهَ مُحَرَّمٌ بِمُبَاحٍ" كَمَيْتَةٍ بِمُذَكَّاةٍ "وَجَبَ الْكَفُّ٤. وَلا يَحْرُمُ الْمُبَاحُ" عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ؛ لأَنَّ الْمُبَاحَ لَمْ يَحْرُمْ. وَأَكْثَرُ مَا فِيهِ: أَنَّهُ اشْتَبَهَ. فَمَنَعْنَا لأَجْلِ الاشْتِبَاهِ، لا أَنَّهُ مُحَرَّمٌ. فَإِذَا تَبَيَّنَ الْمُحَرَّمَ زَالَ ذَلِكَ. فَوُجُوبُ الْكَفِّ ظَاهِرًا لا يَدُلُّ عَلَى شُمُولِ التَّحْرِيمِ. وَلِهَذَا لَوْ أَكَلَهُمَا لَمْ يُعَاقَبْ إلاَّ عَلَى أَكْلِ مَيْتَةٍ وَاحِدَةٍ٥.
"وَفِي الشَّخْصِ الْوَاحِدِ ثَوَابٌ وَعِقَابٌ"٦ كَنَوْعِ الآدَمِيِّ. وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ قَاطِبَةً، لأَنَّهُ يَعْمَلُ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، فَتُكْتَبُ لَهُ الْحَسَنَاتُ. وَأَمَّا السَّيِّئَاتُ: فَإِنْ تَابَ مِنْهَا غُفِرَتْ. وَكَذَا إنْ اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِلاَّ فَهُوَ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ.
وَخَالَفَ٧ الْمُعْتَزِلَةُ، فَقَالُوا بِخُلُودِ أَهْلِ الْكَبَائِرِ فِي النَّارِ، وَلَوْ عَمِلُوا حَسَنَاتٍ كَثِيرَةً.
وَهَذَا ٨ يُصَادِمُ الْقُرْآنَ ٨ وَالأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ الصَّرِيحَةَ الْوَارِدَةَ عَنْ
стр. 377
الْمَعْصُومِ الَّذِي لا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى فِي الشَّفَاعَةِ فِي أَهْلِ الْكَبَائِرِ وَخُرُوجِهِمْ مِنْ النَّارِ وَدُخُولِهِمْ الْجَنَّةَ١.
"وَالْفِعْلُ الْوَاحِدُ بِالنَّوْعِ" كَالسُّجُودِ مَثَلاً "مِنْهُ وَاجِبٌ وَ" مِنْهُ "حَرَامٌ٢، كَسُجُودٍ لِلَّهِ" "وَ" سُجُودٍ "لِغَيْرِهِ" كَالصَّنَمِ٣، لِتَغَايُرِهِمَا٤ بِالشَّخْصِيَّةِ، فَلا اسْتِلْزَامَ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الأَئِمَّةِ مِنْ أَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ وَغَيْرِهِمْ. فَإِنَّ السُّجُودَ نَوْعٌ مِنْ الأَفْعَالِ ذُو أَشْخَاصٍ كَثِيرَةٍ. فَيَجُوزُ أَنْ يَنْقَسِمَ إلَى وَاجِبٍ وَحَرَامٍ. فَيَكُونَ بَعْضُ أَفْرَادِهِ وَاجِبًا، كَالسُّجُودِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَبَعْضُهَا حَرَامٌ، كَالسُّجُودِ لِلصَّنَمِ٥. وَلا امْتِنَاعَ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ الْمَجْدُ فِي "الْمُسَوَّدَةِ": "السُّجُودُ بَيْنَ يَدَيْ الصَّنَمِ مَعَ قَصْدِ التَّقَرُّبِ
стр. 378
إلَى اللَّهِ تَعَالَى مُحَرَّمٌ عَلَى مَذَاهِبِ١ عُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ. وَقَالَ أَبُو هَاشِمٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ: إنَّ السُّجُودَ لا تَخْتَلِفُ٢ صِفَتُهُ، وَإِنَّمَا الْمَحْظُورُ الْقَصْدُ"٣.
"وَ" الْفِعْلُ الْوَاحِدُ "بِالشَّخْصِ" فِيهِ تَفْصِيلٌ، "فَمِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ: يَسْتَحِيلُ كَوْنُهُ وَاجِبًا وَحَرَامًا٤" لِتَنَافِيهِمَا إلاَّ عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ تَكْلِيفَ الْمُحَالِ عَقْلاً وَشَرْعًا٥.
وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِامْتِنَاعِهِ ٦ شَرْعًا لا ٦ عَقْلاً فَلا يُجَوِّزُونَهُ، تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلاَّ وُسْعَهَا﴾ ٧.
"وَ" الْفِعْلُ الْوَاحِدُ بِالشَّخْصِ "مِنْ جِهَتَيْنِ، كَصَلاةٍ فِي مَغْصُوبٍ، لا" يَسْتَحِيلُ كَوْنُهُ وَاجِبًا وَحَرَامًا٨، وَلا٩ "تَصِحُّ، وَلا يَسْقُطُ الطَّلَبُ بِهَا" أَيْ بِالصَّلاةِ فِي الْمَغْصُوبَةِ مِنْ بُقْعَةٍ أَوْ سُتْرَةٍ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ وَالظَّاهِرِيَّةُ وَالزَّيْدِيَّةُ وَالْجُبَّائِيَّةُ. وَقَالَهُ أَبُو شِمْرٍ
стр. 379
الْحَنَفِيُّ١. وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ أَصَبْغَ الْمَالِكِيِّ٢. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ٣. وَوَجْهٌ لأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، "وَ" كَذَا "لا" يَسْقُطُ الطَّلَبُ "عِنْدَهَا" أَيْ عِنْدَ فِعْلِهَا٤.
стр. 380
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلاَّنِيُّ، وَالْفَخْرُ الرَّازِيّ: يَسْقُطُ الطَّلَبُ عِنْدَهَا، لا بِهَا١.
قَالَ فِي "الْمَحْصُولِ": لأَنَّ السَّلَفَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الظَّلَمَةَ لا يُؤْمَرُونَ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ الْمُؤَدَّاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، وَلا طَرِيقَ إلَى التَّوْفِيقِ بَيْنَهُمَا إلاَّ بِمَا ذَكَرْنَا. قَالَ: وَهُوَ مَذْهَبُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ٢.
قَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ٣: "الصَّحِيحُ أَنَّ الْقَاضِيَ إنَّمَا يَقُولُ بِذَلِكَ لَوْ ثَبَتَ الْقَوْلُ بِصِحَّةِ الإِجْمَاعِ عَلَى سُقُوطِ الْقَضَاءِ. فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ فَلا يَقُولُ٤ بِسُقُوطِ الطَّلَبِ بِهَا، وَلا عِنْدَهَا". انْتَهَى.
وَقَدْ مَنَعَ الإِجْمَاعَ أَبُو الْمَعَالِي وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُمَا٥.
стр. 381
وَقَدْ رَدَّ الطُّوفِيُّ مَا قَالَهُ الْبَاقِلاَّنِيُّ١، فَقَالَ: "لأَنَّهُ لَمَّا قَامَ الدَّلِيلُ عِنْدَ الْبَاقِلاَّنِيِّ عَلَى عَدَمِ الصِّحَّةِ، ثُمَّ أَلْزَمَهُ الْخَصْمُ بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَأْمُرُوا الظَّلَمَةَ بِإِعَادَةِ الصَّلَوَاتِ٢، مَعَ كَثْرَةِ وُقُوعِهَا مِنْهُمْ فِي أَمَاكِنِ الْغَصْبِ، فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ، فَحَاوَلَ الْخَلاصَ بِهَذَا التَّوَسُّطِ، فَقَالَ٣: يَسْقُطُ الْفَرْضُ عِنْدَ هَذِهِ الصَّلاةِ لِلإِجْمَاعِ الْمَذْكُورِ لا بِهَا. لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى عَدَمِ صِحَّتِهَا٤.
ثُمَّ قَالَ: وَأَحْسِبُ أَنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ادَّعَوْا الإِجْمَاعَ بَنَوْهُ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ:
- إحْدَاهُمَا: أَنَّ مَعَ كَثْرَةِ الظَّلَمَةِ فِي تِلْكَ٥ الأَعْصَارِ عَادَةً لا تَخْلُو٦ منْ٧ إيقَاعِ الصَّلاةِ فِي مَكَان غُصِبَ مِنْ بَعْضِهِمْ.
- الثَّانِيَةُ: أَنَّ السَّلَفَ يَمْتَنِعُ عَادَةً تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى تَرْكِ الإِنْكَارِ، وَالأَمْرُ بِالإِعَادَةِ مِنْ بِنَاءِ هَؤُلاءِ عَلَى مَا ظَنُّوهُ مِنْ دَلِيلِ الْبُطْلانِ، وَإِلاَّ فَلا إجْمَاعَ فِي ذَلِكَ مَنْقُولٌ، تَوَاتُرًا وَلا آحَادًا.
وَالْمُقَدَّمَتَانِ الْمَذْكُورَتَانِ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ وَالْوَهَنِ". انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: "قَالَ الْبَاقِلاَّنِيُّ: لَوْ لَمْ تَصِحَّ لَمَا سَقَطَ التَّكْلِيفُ. وَقَدْ سَقَطَ بِالإِجْمَاعِ٨، لأَنَّهُمْ لَمْ يُؤْمَرُوا بِقَضَاءِ الصَّلَوَاتِ، قِيلَ: لا إجْمَاعَ فِي ذَلِكَ لِعَدَمِ ذِكْرِهِ وَنَقْلِهِ٩. كَيْفَ؟ وَقَدْ خَالَفَ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَمَنْ
стр. 382
مَعَهُ، وَهُوَ إمَامُ النَّقْلِ، وَأَعْلَمُ بِأَحْوَالِ السَّلَفِ؟ ١ وَلأَنَّهُ يُنْقَضُ الإِجْمَاعُ بِدُونِهِ"١.
وَقَالَ أَيْضًا: قَوْلُ الْبَاقِلاَّنِيِّ: "يَسْقُطُ الْفَرْضُ عِنْدَهَا لا بِهَا" بَاطِلٌ؛ لأَنَّ مُسْقِطَاتِ الْفَرْضِ مَحْصُورَةٌ، مِنْ نَسْخٍ أَوْ عَجْزٍ أَوْ فِعْلِ غَيْرِهِ. كَالْكِفَايَةِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْهَا"٢. انْتَهَى.
وَعِنْدَ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّ فِعْلَ الصَّلاةِ يَحْرُمُ، وَتَصِحُّ٣، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا٤ وَاخْتَارَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا الْخَلاَّلُ٥ وَابْنُ
стр. 383
عَقِيلٍ وَالطُّوفِيُّ١، "نَظَرًا٢ إلَى جِنْسِهَا، لا إلَى عَيْنِ مَحَلِّ النِّزَاعِ"٣ فَتَكُونُ هَذِهِ الصَّلاةُ وَاجِبَةً حَرَامًا بِاعْتِبَارَيْنِ، فَتَكُونُ صَحِيحَةً، لأَنَّ مُتَعَلِّقَ الطَّلَبِ وَمُتَعَلِّقَ النَّهْيِ فِي ذَلِكَ مُتَغَايِرَانِ، فَكَانَا كَاخْتِلافِ الْمَحَلَّيْنِ، لأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْجِهَتَيْنِ مُسْتَقِلَّةٌ عَنْ الأُخْرَى، وَاجْتِمَاعُهُمَا إنَّمَا هُوَ بِاخْتِيَارِ الْمُكَلَّفِ. فَلَيْسَا مُتَلازِمَيْنِ فَلا تَنَاقُضَ٤.
وَعَلَى الْقَوْلِ بِالصِّحَّةِ لا ثَوَابَ فِيهَا٥. نَقَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ٦ عَنْ أَحْمَدَ: لا أَجْرَ لِمَنْ غَزَا عَلَى فَرَسِ غَصْبٍ. وَصَرَّحَ بِعَدَمِ الثَّوَابِ فِي الصَّلاةِ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي "التَّمْهِيدِ" وَجَمْعٌ. ذَكَرَهُ فِي "الْفُرُوعِ" فِي بَابِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ٧، وَقَالَهُ٨ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَغَيْرُهُ: فِي حَجّ، وَقَدَّمَهُ التَّاجُ السُّبْكِيُّ.
стр. 384
وَعَنْ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ رِوَايَةٌ١ ثَالِثَةٌ٢: أَنَّ الْمُصَلِّيَ إنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ لَمْ تَصِحَّ، وَإِلاَّ صَحَّتْ٣.
وَوَجْهُ الْمَذْهَبِ - وَهُوَ عَدَمُ الصِّحَّةِ مُطْلَقًا٤- أَنَّهُ مَتَى أَخَلَّ مُرْتَكِبُ النَّهْيِ بِشَرْطِ الْعِبَادَةِ أَفْسَدَهَا، وَنِيَّةُ التَّقَرُّبِ بِالصَّلاةِ شَرْطٌ، وَالتَّقَرُّبُ بِالْمَعْصِيَةِ مُحَالٌ٥.
وَأَيْضًا مِنْ شَرْطِ الصَّلاةِ: الطَّاعَةُ وَنِيَّتُهُ بِهَا أَدَاءُ الْوَاجِبِ، وَحَرَكَتُهُ مَعْصِيَةٌ، وَنِيَّةُ٦ أَدَاءِ الْوَاجِبِ٧، بِمَا يَعْلَمُهُ غَيْرُ وَاجِبٍ مُحَالٌ.
وَأَيْضًا مِنْ شَرْطِ الصَّلاةِ: إبَاحَةُ الْمَوْضِعِ، وَهُوَ٨ مُحَرَّمٌ. فَهُوَ كَالنَّجَسِ. وَلأَنَّ الأَمْرَ بِالصَّلاةِ لَمْ يَتَنَاوَلْ هَذِهِ٩ الْمَنْهِيَّ عَنْهَا، فَلا يَجُوزُ كَوْنُهَا وَاجِبَةً مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى١٠.
"وَتَصِحُّ تَوْبَةُ خَارِجٍ مِنْهُ" أَيْ تَوْبَةُ غَاصِبٍ لِمَكَانِ مَنْ غَصَبَهُ حَالَ
стр. 385
خُرُوجِهِ مِنْهُ، وَهُوَ "فِيهِ" قَبْلَ إتْمَامِ خُرُوجِهِ.
"وَلَمْ يَعْصِ بِخُرُوجِهِ" عِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالْمُعْظَمِ. وَقَالَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَالأَشْعَرِيَّةُ١.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ لا يُعَدُّ وَاطِئًا بِنَزْعِهِ، فِي الإِثْمِ. بَلْ فِي التَّكْفِيرِ. وَكَإِزَالَةِ٢ مُحْرِمٍ طِيبًا بِيَدِهِ، أَوْ غَصَبَ عَيْنًا ثُمَّ نَدِمَ وَشَرَعَ فِي حَمْلِهَا عَلَى رَأْسِهِ إلَى صَاحِبِهَا٣، أَوْ٤ أَرْسَلَ صَيْدًا صَادَهُ مُحْرِمٌ أَوْ فِي حَرَمٍ مِنْ شِرْكٍ، وَالرَّامِي بِالسَّهْمِ إذَا خَرَجَ السَّهْمُ عَنْ مَحَلِّ قُدْرَتِهِ٥ فَنَدِمَ. وَإِذَا جُرِحَ ثُمَّ تَابَ وَالْجُرْحُ مَا زَالَ إلَى السِّرَايَةِ٦.
قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَقَدْ نَقَلَ أَبُو مُحَمَّدٍ٧ فِي "الْفُرُوقِ" فِي كِتَابِ الصَّوْمِ: "أَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵁ نَصَّ عَلَى تَأْثِيمِ مَنْ دَخَلَ أَرْضًا غَاصِبًا. قَالَ: فَإِذَا قَصَدَ الْخُرُوجَ مِنْهَا لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا بِخُرُوجِهِ، لأَنَّهُ تَارِكٌ لِلْغَصْبِ".
стр. 386
وَمَا نَقَلَهُ مَوْجُودٌ فِي "الأُمِّ" فِي كِتَابِ الْحَجِّ فِي الْمُحْرِمِ إذَا تَطَيَّبَ، فَقَالَ: "وَلَوْ دَخَلَ دَارَ رَجُلٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَكُنْ جَائِزًا لَهُ. وَكَانَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ مِنْهَا، وَلَمْ أَزْعُمْ أَنَّهُ يَخْرُجُ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا١، وَإِنْ كَانَ يَمْشِي بِمَا٢ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ٣، لأَنَّ مَشْيَهُ لِلْخُرُوجِ مِنْ الذَّنْبِ، لا "لِزِيَادَةٍ مِنْهُ"٤، فَهَكَذَا هَذَا الْبَابُ"٥.
وَخَالَفَ ذَلِكَ٦ أَبُو هَاشِمٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ، وَأَبُو شِمْرٍ الْمُرْجِئُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ مِنْ أَصْحَابِنَا٧.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: "حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى يَزُولُ بِالتَّوْبَةِ، وَحَقُّ الآدَمِيِّ يَزُولُ بِزَوَالِ أَثَرِ الظُّلْمِ"٨.
وَاسْتَصْحَبَ أَبُو الْمَعَالِي حُكْمَ الْمَعْصِيَةِ مَعَ الْخُرُوجِ٩، مَعَ١٠ أَنَّهُ غَيْرُ مَنْهِيٍّ
стр. 387
عَنْهُ١.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: "كَذَا قِيلَ عَنْهُ. وَقِيلَ عَنْهُ: إنَّهُ طَاعَةٌ، لأَخْذِهِ فِي تَرْكِ الْمَعْصِيَةِ، لأَنَّهُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، وَمُسْتَنِدٌ٢ إلَى فِعْلٍ يَتَعَدَّى فِيهِ كَالصَّلاةِ"٣.
"وَالسَّاقِطُ عَلَى جَرِيحٍ" وَالْحَالُ أَنَّهُ "إنْ بَقِيَ" عَلَى الْجَرِيحِ "قَتَلَهُ" بِسَبَبِ عَدَمِ انْتِقَالِهِ "وَ" يَقْتُلُ "مِثْلُهُ" أَيْ كُفْءُ الَّذِي سَقَطَ عَلَيْهِ ٤ إنْ انْتَقَلَ" عَمَّنْ سَقَطَ عَلَيْهِ"٤، "يَضْمَنُ" مَا تَلِفَ بِسَبَبِ عَدَمِ انْتِقَالِهِ.
"وَتَصِحُّ تَوْبَتُهُ إذًا" أَيْ فِي حَالَةِ٥ بَقَائِهِ عَلَى الْجَرِيحِ، لأَنَّهُ إذَا بَقِيَ مُتَنَدِّمًا مُتَمَنِّيًا أَنْ يَكُونَ لَهُ جَنَاحَانِ يَطِيرُ بِهِمَا عَنْهُ٦، أَوْ يُدْلِي إلَيْهِ بِحَبْلٍ٧ يَتَعَلَّقُ بِهِ. فَإِذَا عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ مِنْهُ كَانَ ذَلِكَ غَايَةَ جَهْدِهِ. وَصَارَ كَحَجَرٍ أَلْقَاهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَرِيحِ٨.
"وَيَحْرُمُ انْتِقَالُهُ" عَنْهُ٩، مَا دَامَ أَنَّهُ إذَا انْتَقَلَ قَتَلَ كُفْءَ مَنْ كَانَ
стр. 388
عَلَيْهِ١.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لا يَجُوزُ أَنْ يَنْتَقِلَ إلَى آخَرَ، قَوْلاً وَاحِدًا٢. وَوَجْهُهُ: حُصُولُ الضَّرَرِ عَلَى الثَّانِي بِانْتِقَالِ السَّاقِطِ إلَيْهِ. وَالضَّرَرُ لا يُزَالُ بِالضَّرَرِ.
وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْبَقَاءِ عَلَى مَنْ سَقَطَ عَلَيْهِ، وَالانْتِقَالِ إلَى كُفْئِهِ٣، لِتَسَاوِيهِمَا فِي الضَّرَرِ٤.
"وَ" أَمَّا لَوْ كَانَ الَّذِي سَقَطَ عَلَيْهِ، أَدْنَى مِنْ الَّذِي لَوْ٥ انْتَقَلَ إلَيْهِ قَتَلَهُ، كَمَا لَوْ سَقَطَ عَلَى كَافِرٍ مَعْصُومٍ. وَمَتَى انْتَقَلَ عَنْهُ قَتَلَ مُسْلِمًا مَعْصُومًا فَإِنَّهُ "يَلْزَمُ الأَدْنَى قَطْعًا" أَيْ بِلا خِلافٍ.
وَيَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ: "وَيَلْزَمُ الأَدْنَى": أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَنْ سَقَطَ عَلَيْهِ مُسْلِمًا وَمَنْ يَقْتُلُهُ لَوْ لَمْ يَسْتَمِرَّ كَافِرًا، لَزِمَهُ الانْتِقَالُ إلَيْهِ، لِكَوْنِ٦ ذَلِكَ أَخَفَّ مَفْسَدَةً٧ فِي الصُّورَتَيْنِ٨. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ٩.
стр. 389
فصل في المندوب
...
"فَصْلٌ":"الْمَنْدُوبُ لُغَةً" أَيْ فِي اللُّغَةِ: "الْمَدْعُوُّ لِمُهِمٍّ" أَيْ لأَمْرٍ مُهِمٍّ "مِنْ النَّدْبِ، وَهُوَ الدُّعَاءُ" لأَمْرٍ مُهِمٍّ. قَالَ الشَّاعِرُ١:
لا يَسْأَلُونَ أَخَاهُمْ حِينَ يَنْدُبُهُمْ ... فِي النَّائِبَاتِ عَلَى مَا قَالَ بُرْهَانَا
وَمِنْهُ٢ الْحَدِيثُ: "انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَنْ يَخْرُجُ فِي سَبِيلِهِ" ٣ أَيْ أَجَابَ لَهُ طَلَبَ مَغْفِرَةِ ذُنُوبِهِ٤.
وَالاسْمُ النُّدْبَةُ - مِثْلُ غُرْفَةٍ-، وَنَدَبَتْ الْمَرْأَةُ الْمَيِّتَ، فَهِيَ نَادِبَةٌ، وَالْجَمْعُ نَوَادِبُ؛ لأَنَّهُ كَالدُّعَاءِ، فَإِنَّهَا تُقْبِلُ عَلَى تَعْدِيدِ مَحَاسِنِهِ، كَأَنَّهُ يَسْمَعُهَا٥.
"وَ" الْمَنْدُوبُ "شَرْعًا" أَيْ فِي عُرْفِ أَهْلِ الشَّرْعِ: "مَا أُثِيبَ فَاعِلُهُ٦" كَالسُّنَنِ الرَّوَاتِبِ "وَلَوْ" كَانَ "قَوْلاً" كَأَذْكَارِ الْحَجِّ "وَ" لَوْ كَانَ "عَمَلَ قَلْبٍ" كَالْخُشُوعِ فِي الصَّلاةِ.
стр. 390
وَيَخْرُجُ بِقَوْلِهِ: "وَلَمْ يُعَاقَبْ تَارِكُهُ": الْوَاجِبُ الْمُعَيَّنُ، كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ.
وَبِقَوْلِهِ: "مُطْلَقًا": الْوَاجِبُ الْمُخَيَّرُ١، كَخِصَالِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ. وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ كَصَلاةِ الْجِنَازَةِ٢.
"وَيُسَمَّى" الْمَنْدُوبُ "سُنَّةً وَمُسْتَحَبًّا وَتَطَوُّعًا وَطَاعَةً وَنَفْلاً وَقُرْبَةً وَمُرَغَّبًا فِيهِ وَإِحْسَانًا".
قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي "مُقْنِعِهِ": "وَيُسَمَّى النَّدْبُ تَطَوُّعًا وَطَاعَةً وَنَفْلاً وَقُرْبَةً إجْمَاعًا"٣.
لَكِنْ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَخْبَرْنَا الشَّيْخَ ٤ أَبُو تَمَّامٍ بِمَكَّةَ أَنَّهُ سَأَلَ الشَّيْخَ"٤ أَبَا إِسْحَاقَ بِبَغْدَادَ عَنْ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ: سُنَّةً وَفَضِيلَةً وَنَفْلاً وَرَغِيبَةً٥، فَقَالَ: هَذَا عَامَّةً٦ فِي الْفُقَهَاءِ، وَلا يُقَالُ: إلاَّ فَرْضٌ وَسُنَّةٌ لا غَيْرُ.
قَالَ: وَأَمَّا أَنَا فَسَأَلْت أَبَا الْعَبَّاسِ الْجُرْجَانِيِّ٧ بِالْبَصْرَةِ، فَقَالَ: هَذِهِ
следующие страницы →