← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12019

شرح الكوكب المنير = شرح مختصر التحرير

ابن النجار الفتوحي

Полный текст (2 398 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

"عَلَيْهِ" أَيْ عَلَى تَعَلُّمِ الْفِقْهِ، لِيُتَمَكَّنَ بِمَعْرِفَةِ١ الأُصُولِ إلَى اسْتِفَادَةِ مَعْرِفَةِ الْفُرُوعِ٢. قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ الْعُكْبَرِيُّ٣: "أَبْلَغُ٤ مَا يُتَوَصَّلُ٥ بِهِ إلَى إحْكَامِ الأَحْكَامِ: إتْقَانُ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَطَرَفٍ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ"٦. "وَيُسْتَمَدُّ" عِلْمُ أُصُول الْفِقْهِ مِنْ ثَلاثَةِ أَشْيَاءَ: "مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، وَ" مِنْ "الْعَرَبِيَّةِ، وَ" مِنْ "تَصَوُّرِ الأَحْكَامِ". وَوَجْهُ الْحَصْرِ: الاسْتِقْرَاءُ٧. وَأَيْضًا: فَالتَّوَقُّفُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ جِهَةِ ثُبُوتِ حُجِّيَّةِ الأَدِلَّةِ٨. فَهُوَ أُصُولُ الدِّينِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ التَّوَقُّفُ مِنْ جِهَةِ دَلالَةِ الأَلْفَاظِ عَلَى الأَحْكَامِ، فَهُوَ الْعَرَبِيَّةُ بِأَنْوَاعِهَا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ التَّوَقُّفُ مِنْ جِهَةِ تَصَوُّرِ مَا يَدُلُّ بِهِ

стр. 37

عَلَيْهِ، فَهُوَ١ تَصَوُّرُ الأَحْكَامِ. أَمَّا تَوَقُّفُهُ مِنْ جِهَةِ ثُبُوتِ حُجِّيَّةِ الأَدِلَّةِ: فَلِتَوَقُّفِ مَعْرِفَةِ كَوْنِ الأَدِلَّةِ٢ الْكُلِّيَّةِ حُجَّةً شَرْعًا عَلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِصِفَاتِهِ٣، وَصِدْقِ رَسُولُهُ ﷺ فِيمَا جَاءَ بِهِ عَنْهُ٤ وَيَتَوَقَّفُ صِدْقُهُ عَلَى دَلالَةِ الْمُعْجِزَةِ. أَمَّا تَوَقُّفُهُ مِنْ جِهَةِ دَلالَةِ الأَلْفَاظِ عَلَى الأَحْكَامِ: فَلِتَوَقُّفِ٥ فَهْمِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَغَيْرِهِمَا عَلَى الْعَرَبِيَّةِ. فَإِنْ كَانَ مِنْ حَيْثُ الْمَدْلُولُ: فَهُوَ عِلْمُ اللُّغَةِ٦، أَوْ مِنْ أَحْكَامِ تَرْكِيبِهَا٧: فَعِلْمُ النَّحْوِ٨، أَوْ مِنْ أَحْكَامِ أَفْرَادِهَا: فَعِلْمُ التَّصْرِيفِ٩، أَوْ مِنْ جِهَةِ مُطَابِقَتِهِ لِمُقْتَضَى الْحَالِ،

стр. 38

وَسَلامَتِهِ مِنْ التَّعْقِيدِ، وَوُجُوهِ الْحُسْنِ: فَعِلْمُ الْبَيَانِ١ بِأَنْوَاعِهِ الثَّلاثَةِ٢. وَأَمَّا تَوَقُّفُهُ مِنْ جِهَةِ تَصَوُّرِ مَا يَدُلُّ بِهِ عَلَيْهِ، مِنْ تَصَوُّرِ أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ٣: فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَتَصَوَّرْهَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إثْبَاتِهَا، وَلا مِنْ نَفْيِهَا٤. لأَنَّ الْحُكْمَ عَلَى الشَّيْءِ فَرْعٌ عَنْ تَصَوُّرِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ لا بُدَّ لِكُلِّ مَنْ طَلَبَ عِلْمًا أَنْ يَتَصَوَّرَهُ بِوَجْهٍ مَا، وَيَعْرِفَ غَايَتَهُ وَمَادَّتَهُ: ذَكَرَ فِي أَوَّلِ٥ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ حَدَّ٦ أُصُولَ الْفِقْهِ، مِنْ حَيْثُ إضَافَتُهُ، وَمِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ عِلْمًا. وَحَدُّ الْمُتَّصِفَ بِمَعْرِفَتِهِ. لِيَتَصَوَّرَهُ طَالِبُهُ، مِنْ جِهَةِ تَعْرِيفِهِ بِحَدِّهِ، لِيَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ فِي طَلَبِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ غَايَتَهُ؛ لِئَلاَّ يَكُونَ سَعْيُهُ فِي طَلَبِهِ عَبَثًا. ثُمَّ ذَكَرَ مَا يُسْتَمَدُّ مِنْهُ؛ لِيُرْجَعَ فِي جُزْئِيَّاتِهِ إلَى مَحَلِّهَا "وَبِهِ خُتِمَ هَذَا الْفَصْلُ"٧.

стр. 39

"فَصْلٌ" الْفَصْلُ لُغَةً: الْحَجْزُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ. وَمِنْهُ فَصْلُ الرَّبِيعِ؛ لأَنَّهُ يَحْجِزُ بَيْنَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ. وَهُوَ فِي كُتُبِ الْعِلْمِ كَذَلِكَ؛ لأَنَّهُ يَحْجِزُ بَيْنَ أَجْنَاسِ الْمَسَائِلِ وَأَنْوَاعِهَا١. وَلَمَّا كَانَ مَوْضُوعُ عِلْمِ أُصُولِ الْفِقْهِ: الأَدِلَّةَ الْمُوَصِّلَةَ إلَى الْفِقْهِ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ مَا يَدُلُّ عَلَى مَعْنَى الدَّلِيلِ، وَلا عَلَى نَاصِبِهِ، أَخَذَ فِي تَعْرِيفِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: "الدَّالُّ: النَّاصِبُ لِلدَّلِيلِ"٢ وَهُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ. قَالَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ. وَأَنَّ الدَّلِيلَ الْقُرْآنُ٣. وَقِيلَ: إنَّ الدَّالَّ وَالدَّلِيلَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَإِنَّ "دَلِيلَ" فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ، كَعَلِيمٍ وَسَمِيعٍ، بِمَعْنَى عَالِمٍ وَسَامِعٍ٤. "وَهُوَ" أَيْ وَالدَّلِيلُ "لُغَةً" أَيْ فِي اللُّغَةِ: "الْمُرْشِدُ" يَعْنِي أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْمُرْشِدِ حَقِيقَةً "وَ" عَلَى "مَا" يَحْصُلُ "بِهِ الإِرْشَادُ" مَجَازًا. فَالْمُرْشِدُ: هُوَ النَّاصِبُ لِلْعَلامَةِ أَوْ الذَّاكِرُ لَهَا. وَاَلَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الإِرْشَادُ هُوَ الْعَلامَةُ الَّتِي نُصِبَتْ لِلتَّعْرِيفِ٥.

стр. 40

"وَ" الدَّلِيلُ "شَرْعًا" أَيْ فِي اصْطِلاحِ عُلَمَاءِ١ الشَّرِيعَةِ: "مَا" أَيْ الشَّيْءُ الَّذِي "يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِصَحِيحِ النَّظَرِ" - مُتَعَلِّقٌ بِالتَّوَصُّلِ- أَيْ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ؛ مِنْ بَابِ إضَافَةِ الصِّفَةِ إلَى الْمَوْصُوفِ "فِيهِ" أَيْ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ "إلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ"٢ مُتَعَلِّقٌ بِالتَّوَصُّلِ. وَقَوْلُهُ "خَبَرِيٍّ" أَيْ تَصْدِيقِيٍّ. وَإِنَّمَا قَالُوا "مَا يُمْكِنُ" وَلَمْ يَقُولُوا مَا "يُتَوَصَّلُ"، لِلإِشَارَةِ إلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ التَّوَصُّلُ بِالْقُوَّةِ، لأَنَّهُ يَكُونُ دَلِيلاً، وَلَوْ لَمْ يَنْظُرْ فِيهِ٣. وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: "مَا يُمْكِنُ" مَا لا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِهِ إلَى الْمَطْلُوبِ، كَالْمَطْلُوبِ نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ لا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ [بِهِ] إلَيْهِ، أَوْ٤ يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ "بِهِ" إلَى الْمَطْلُوبِ، لَكِنْ لا بِالنَّظَرِ كَسُلُوكِ طَرِيقٍ يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِهَا إلَى مَطْلُوبِهِ.

стр. 41

وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ "بِصَحِيحِ النَّظَرِ" فَاسِدُهُ١، كَكَاذِبِ الْمَادَّةِ فِي اعْتِقَادِ النَّاظِرِ. وَخَرَجَ بِوَصْفِ "الْمَطْلُوبِ الْخَبَرِيِّ" الْمَطْلُوبُ التَّصَوُّرِيُّ، كَالْحَدِّ وَالرَّسْمِ٢. وَيَدْخُلُ فِي "الْمَطْلُوبِ الْخَبَرِيِّ" مَا يُفِيدُ الْقَطْعَ وَالظَّنَّ. وَهُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا، وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَالأُصُولِيِّينَ٣. وَالْقَوْلُ الأول: أَنَّ٤ مَا٥ أَفَادَ الْقَطْعَ يُسَمَّى دَلِيلاً، وَمَا٦ أَفَادَ الظَّنَّ يُسَمَّى أَمَارَةً٧.

стр. 42

وَيَحْصُلُ الْمَطْلُوبُ الْمُكْتَسَبُ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ فِي الدَّلِيلِ "عَقِبَهُ" أَيْ عَقِبَ النَّظَرِ "عَادَةً" أَيْ فِي الْعَادَةِ. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ؛ لأَنَّهُ قَدْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَنْ يَفِيضَ١ عَلَى نَفْسِ الْمُسْتَدِلِّ بَعْدَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ مَادَّةُ مَطْلُوبِهِ، وَصُورَةُ مَطْلُوبِهِ الَّذِي تَوَجَّهَ بِنَظَرِهِ إلَى تَحْصِيلِهِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمَطْلُوبَ يَحْصُلُ عَقِبَ النَّظَرِ ضَرُورَةً٢. لأَنَّهُ لا يُمْكِنُ تَرْكُهُ٣. "وَالْمُسْتَدِلُّ": هُوَ "الطَّالِبُ لَهُ" أَيْ لِلدَّلِيلِ٤ "مِنْ سَائِلٍ وَمَسْئُولٍ"، قَالَهُ الْقَاضِي٥ فِي "الْعُدَّةِ"٦، وَأَبُو الْخَطَّابِ٧ فِي "التَّمْهِيدِ"، وَابْنُ

стр. 43

عَقِيلٍ١ فِي "الْوَاضِحِ"، وَذَلِكَ لأَنَّ السَّائِلَ يَطْلُبُ الدَّلِيلَ مِنْ الْمَسْئُولِ، وَالْمَسْئُولَ يَطْلُبُ الدَّلِيلَ مِنْ الأُصُولِ٢. إذَا عَلِمْت ذَلِكَ: "فَالدَّالُّ: اللَّهُ تَعَالَى، وَالدَّلِيلُ: الْقُرْآنُ، وَالْمُبَيِّنُ: الرَّسُولُ، وَالْمُسْتَدِلُّ: أُولُو الْعِلْمِ، هَذِهِ قَوَاعِدُ الإِسْلامِ" قَالَ ذَلِكَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁.

стр. 44

وَإِنَّمَا أَخَّرَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمُصَنِّفِينَ١، لِيَسْتَدِلَّ بِهِ عَلَى صِحَّةِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَتَبَرُّكًا بِنَصِّ الإِمَامِ. وَقَوْلُهُ "هَذِهِ قَوَاعِدُ الإِسْلامِ" قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ: أَنَّ قَوَاعِدَ الإِسْلامِ تَرْجِعُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِلَى قَوْلِهِ "وَهُوَ الْقُرْآنِ"٢، وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ ، وَإِلَى عُلَمَاءِ الأُمَّةِ، لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ وَالإِسْلامِ عَنْهَا٣. انْتَهَى. "وَالْمُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ" أَيْ عَلَى الشَّيْءِ بِكَوْنِهِ حَلالاً أَوْ حَرَامًا، أَوْ وَاجِبًا، أَوْ مُسْتَحَبًّا "الْحُكْمُ" بِذَلِكَ٤. "وَ" الْمُسْتَدَلُّ "بِهِ مَا يُوجِبُهُ" أَيْ الْعِلَّةُ الَّتِي تُوجِبُ الْحُكْمَ. "وَالْمُسْتَدَلُّ لَهُ" أَيْ لِخِلافِهِ وَقَطْعِ جِدَالِهِ "الْخَصْمُ" وَقِيلَ:

стр. 45

الْحُكْمُ١. "وَالنَّظَرُ هُنَا" أَيْ فِي اصْطِلاحِ أَهْلِ الشَّرْعِ: "فِكْرٌ يُطْلَبُ بِهِ" أَيْ بِالْفِكْرِ "عِلْمٌ أَوْ ظَنٌّ"٢ وَإِنَّمَا قُلْت "هُنَا" لأَنَّ النَّظَرَ لَهُ مُسَمَّيَاتٌ غَيْرُ ذَلِكَ. "وَالْفِكْرُ هُنَا: حَرَكَةُ النَّفْسِ مِنْ الْمَطَالِبِ إلَى الْمَبَادِئِ، وَرُجُوعُهَا" أَيْ حَرَكَةُ النَّفْسِ "مِنْهَا إلَيْهَا" أَيْ مِنْ الْمَبَادِئِ إلَى الْمَطَالِبِ. وَيَرْسُمُ الْفِكْرُ بِهَذَا الْمَعْنَى "بِتَرْتِيبِ أُصُولٍ حَاصِلَةٍ فِي الذِّهْنِ؛ لِيَتَوَصَّلَ بِهَا إلَى تَحْصِيلِ غَيْرِ الْحَاصِلِ". وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى حَرَكَةِ النَّفْسِ، الَّتِي يَلِيهَا الْبَطْنُ٣ الأَوْسَطُ مِنْ الدِّمَاغِ الْمُسَمَّى بِالدُّودَةِ، وَتُسَمَّى فِي الْمَعْقُولاتِ فِكْرًا٤، وَفِي الْمَحْسُوسَاتِ تَخْيِيلاً.

стр. 46

"وَالإِدْرَاكُ" أَيْ إدْرَاكُ مَاهِيَّةِ الشَّيْءِ "بِلا حُكْمِ" عَلَيْهَا بِنَفْيٍ أَوْ إثْبَاتٍ، "تَصَوُّرٌ" لأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ سِوَى صُورَةِ الشَّيْءِ فِي الذِّهْنِ. "وَبِهِ" أَيْ وَبِالْحُكْمِ؛ يَعْنِي أَنَّ تَصَوُّرَ مَاهِيَّةِ الشَّيْءِ مَعَ الْحُكْمِ عَلَيْهَا بِإِيجَابٍ أَوْ سَلْبٍ "تَصْدِيقٌ" أَيْ يُسَمَّى تَصْدِيقًا١. وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ التَّصَوُّرَ إدْرَاكُ الْحَقَائِقِ مُجَرَّدَةً عَنْ الأَحْكَامِ، وَأَنَّ التَّصْدِيقَ "إدْرَاكٌ" نِسْبَةٌ حُكْمِيَّةٌ بَيْنَ الْحَقَائِقِ بِالإِيجَابِ أَوْ السَّلْبِ. وَإِنَّمَا سُمِّيَ التَّصَوُّرُ تَصَوُّرًا؛ لأَخْذِهِ مِنْ الصُّورَةِ، لأَنَّ حُصُولَ صُورَةِ "٢الشَّيْءِ فِي الذِّهْنِ. وَسُمِّيَ التَّصْدِيقُ تَصْدِيقًا: لأَنَّ فِيهِ حُكْمًا، يَصْدُقُ فِيهِ أَوْ يَكْذِبُ. سُمِّيَ بِأَشْرَفِ لازِمَيْ الْحُكْمِ٣ فِي النِّسْبَةِ"٢. "فَكُلُّ تَصْدِيقٍ مُتَضَمِّنٌ مِنْ مُطْلَقِ"٤ التَّصَوُّرِ ثَلاثَ تَصَوُّرَاتٍ: تَصَوُّرَ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، وَالْمَحْكُومِ بِهِ مِنْ حَيْثُ هُمَا٥، ثُمَّ تَصَوُّرُ نِسْبَةِ أَحَدِهِمَا لِلآخَرِ، فَالْحُكْمُ يَكُونُ تَصَوُّرًا رَابِعًا؛ لأَنَّهُ تَصَوُّرُ تِلْكَ النِّسْبَةِ مُوجَبَةً، أَوْ تَصَوُّرُهَا مَنْفِيَّةً٦.

стр. 47

وَكُلٌّ مِنْ التَّصَوُّرِ وَالتَّصْدِيقِ ضَرُورِيٌّ وَنَظَرِيٌّ١. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 48

"فَصْلٌ" "الْعِلْمُ لا يُحَدُّ١ فِي وَجْهٍ" قَالَ بَعْضُهُمْ٢: لِعُسْرِهِ٣ وَيُمَيَّزُ بِتَمْثِيلٍ٤ وَتَقْسِيمٍ٥ وَقَالَ بَعْضُهُمْ٦: لأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ٧. وَقَدْ عَلِمْت

стр. 49

مِنْ خُطْبَةِ الْكِتَابِ أَنِّي١ مَتَى قُلْت عَنْ شَيْءٍ ٢"فِي وَجْهٍ"٢ فَالْمُقَدَّمُ وَالْمُعْتَمَدُ غَيْرُهُ. إذَا تَقَرَّرَ هَذَا: فَالصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالأَكْثَرُ: أَنَّهُ يُحَدُّ. وَلَهُمْ فِي حَدِّهِ عِبَارَاتٌ. "وَ" الْمُخْتَارُ مِنْهَا أَنْ يُقَالَ: "هُوَ صِفَةٌ يُمَيِّزُ الْمُتَّصِفُ بِهَا" بَيْنَ الْجَوَاهِرِ وَالأَجْسَامِ وَالأَعْرَاضِ، وَالْوَاجِبِ وَالْمُمْكِنِ وَالْمُمْتَنِعِ "تَمْيِيزًا جَازِمًا مُطَابِقًا" أَيْ لا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ٣. "فَلا يَدْخُلُ إدْرَاكُ الْحَوَاسِّ" لِجِوَازِ٤ غَلَطِ الْحِسِّ؛ لأَنَّهُ قَدْ يُدْرِكُ الشَّيْءَ لا عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، كَالْمُسْتَدِيرِ مُسْتَوِيًا، وَالْمُتَحَرِّكِ سَاكِنًا وَنَحْوِهِمَا. "وَيَتَفَاوَتُ" الْعِلْمُ عَلَى الأَصَحِّ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ إمَامِنَا٥ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ. قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَعَلَيْهِ الأَكْثَرُ. قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ٦ فِي "أُصُولِهِ": الأَصَحُّ التَّفَاوُتُ؛ فَإِنَّا نَجِدُ

стр. 50

بِالضَّرُورَةِ الْفَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْوَاحِدِ نِصْفَ الاثْنَيْنِ، وَبَيْنَ مَا عَلِمْنَاهُ مِنْ جِهَةِ التَّوَاتُرِ، مَعَ كَوْنِ الْيَقِينِ حَاصِلاً فِيهِمَا١. "كَالْمَعْلُومِ" أَيْ كَمَا تَتَفَاوَتُ الْمَعْلُومَاتُ "وَ" كَمَا يَتَفَاوَتُ "الإِيمَانُ". قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": "وَقَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي"أُصُولِهِ" - فِي الْكَلامِ عَلَى الْوَاجِبِ-: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا - يَعْنِي بِهِ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ٢-: وَالصَّوَابُ٣ أَنَّ جَمِيعَ الصِّفَاتِ الْمَشْرُوطَةِ بِالْحَيَاةِ٤ تَقْبَلُ التَّزَايُدَ.

стр. 51

وَعَنْ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي الْمَعْرِفَةِ الْحَاصِلَةِ فِي١ الْقَلْبِ فِي الإِيمَانِ: هل تَقَبُّلِ التَّزَايُدِ وَالنَّقْصِ؟ رِوَايَتَانِ٢. وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِنَا وَمَذْهَبِ جُمْهُورِ٣ أَهْلِ السُّنَّةِ: إمْكَانُ٤ الزِّيَادَةِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ" انْتَهَى. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْعِلْمَ يُطْلَقُ لُغَةً وَعُرْفًا عَلَى أَرْبَعَةِ٥ أُمُورٍ. أَحَدُهَا: إطْلاقُهُ حَقِيقَةً عَلَى مَا لا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ، وَتَقَدَّمَ. الأَمْرُ الثَّانِي: أَنَّهُ٦ يُطْلَقَ "وَيُرَادُ بِهِ مُجَرَّدُ الإِدْرَاكِ" يَعْنِي سَوَاءً كَانَ الإِدْرَاكُ "جَازِمًا، أَوْ مَعَ احْتِمَالٍ رَاجِحٍ، أَوْ مَرْجُوحٍ، أَوْ مُسَاوٍ" عَلَى

стр. 52

سَبِيلِ الْمَجَازِ. فَشَمِلَ الأَرْبَعَةَ قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ ١، إذْ الْمُرَادُ: نَفْيُ كُلِّ إدْرَاكٍ. الأَمْرُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُطْلَقُ "وَ" يُرَادُ بِهِ "التَّصْدِيقُ، قَطْعِيًّا" كَانَ التَّصْدِيقُ "أَوْ ظَنِّيًّا". أَمَّا التَّصْدِيقُ الْقَطْعِيُّ: فَإِطْلاقُهُ عَلَيْهِ حَقِيقَةً. وَأَمْثِلَتُهُ كَثِيرَةٌ. وَأَمَّا التَّصْدِيقُ الظَّنِّيُّ: فَإِطْلاقُهُ عَلَيْهِ٢ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ. وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ ٣. الأَمْرُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ يُطْلَقُ "وَ" يُرَادُ بِهِ "مَعْنَى الْمَعْرِفَةِ" وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ ٤. وَتُطْلَقُ الْمَعْرِفَةُ "وَيُرَادُ بِهَا" الْعِلْمُ. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ﴾ ٥، أَيْ عَلِمُوا. "وَ" يُرَادُ الْعِلْمُ أَيْضًا "بِظَنٍّ" يَعْنِي أَنَّ الظَّنَّ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْعِلْمُ. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ ٦، أَيْ يَعْلَمُونَ.

стр. 53

"وَهِيَ" أَيْ الْمَعْرِفَةُ "مِنْ حَيْثُ إنَّهَا عِلْمٌ مُسْتَحْدَثٌ، أَوْ انْكِشَافٌ بَعْدَ لَبْسٍ أَخَصُّ مِنْهُ" أَيْ مِنْ الْعِلْمِ. لأَنَّهُ يَشْمَلُ غَيْرَ الْمُسْتَحْدَثِ. وَهُوَ عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى. وَيَشْمَلُ الْمُسْتَحْدَثَ، وَهُوَ عِلْمُ الْعِبَادِ "وَمِنْ حَيْثُ إنَّهَا يَقِينٌ وَظَنٌّ أَعَمُّ" مِنْ الْعِلْمِ لاخْتِصَاصِهِ حَقِيقَةً بِالْيَقِينِيِّ١. وَقَالَ جَمْعٌ: إنَّ الْمَعْرِفَةَ مُرَادِفَةٌ لِلْعِلْمِ. قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": "فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُمْ غَيْرَ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُمْ بِالْمَعْرِفَةِ أَنَّهَا٢ تُطْلَقُ عَلَى الْقَدِيمِ، وَلا تُطْلَقُ عَلَى الْمُسْتَحْدَثِ. وَالأَوَّلُ أَوْلَى". انْتَهَى. "وَتُطْلَقُ" الْمَعْرِفَةُ "عَلَى مُجَرَّدِ التَّصَوُّرِ" الَّذِي لا حُكْمَ مَعَهُ "فَتُقَابِلُهُ" أَيْ تُقَابِلُ الْعِلْمَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْعِلْمَ يُطْلَقُ عَلَى مُجَرَّدِ التَّصْدِيقِ الشَّامِلِ لِلْيَقِينِيِّ وَالظَّنِّيِّ. وَإِذَا أُطْلِقَتْ الْمَعْرِفَةُ عَلَى التَّصَوُّرِ الْمُجَرَّدِ عَنْ التَّصْدِيقِ: كَانَتْ قَسِيمًا لِلْعِلْمِ، أَيْ مُقَابِلَةً٣ لَهُ. "وَعِلْمُ اللَّهِ" "قَدِيمٌ" لأَنَّهُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ، وَصِفَاتُهُ قَدِيمَةٌ "لَيْسَ ضَرُورِيًّا وَلا نَظَرِيًّا" بِلا نِزَاعٍ بَيْنَ الأَئِمَّةِ، أَحَاطَ بِكُلِّ٤ مَوْجُودٍ وَمَعْدُومٍ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ٥. "وَلا يُوصَفُ" "بِأَنَّهُ عَارِفٌ"٦ قَالَ ابْنُ

стр. 54

حَمْدَانَ١ فِي "نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ": "عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى لا يُسَمَّى مَعْرِفَةً. حَكَاهُ الْقَاضِي إجْمَاعًا". انْتَهَى. "وَعِلْمُ الْمَخْلُوقِ مُحْدَثٌ، وَهُوَ" قِسْمَانِ: - قِسْمٌ "ضَرُورِيٌّ" ٢: وَهُوَ مَا "يُعْلَمُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ" كَتَصَوُّرِنَا مَعْنَى النَّارِ، وَأَنَّهَا حَارَّةٌ. - "وَ" قِسْمٌ "نَظَرِيٌّ": وَهُوَ مَا لا يُعْلَمُ إلاَّ بِنَظَرٍ، وَهُوَ "عَكْسُهُ" أَيْ عَكْسُ الضَّرُورِيِّ.

стр. 55

وَقَالَ الأَكْثَرُ: الضَّرُورِيُّ مَا لا يَتَقَدَّمُهُ تَصْدِيقٌ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ، وَالنَّظَرِيُّ بِخِلافِهِ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ حَدَّ الْعِلْمِ١ الضَّرُورِيِّ فِي اللُّغَةِ: الْحَمْلُ عَلَى الشَّيْءِ، وَالإِلْجَاءُ إلَيْهِ. وَحَدُّهُ فِي الشَّرْعِ: مَا لَزِمَ نَفْسَ الْمُكَلَّفِ لُزُومًا لا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ عَنْهُ٢.

стр. 56

"فَصْلٌ" لَمَّا كَانَ الْعِلْمُ لا بُدَّ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِمَعْلُومٍ، نَاسَبَ أَنْ نَذْكُرَ فِي هَذَا الْفَصْلِ "طَرَفًا مِنْ"١ أَحْوَالِ الْمَعْلُومِ٢. وَلَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ فِي الأَصْلِ٣ إلاَّ فِي بَابِ الأَمْرِ. "وَوَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ فِي ذِكْرِهِ هُنَاكَ: أَنَّ الْقَائِلَ بِأَنَّ الأَمْرَ عَيْنُ النَّهْيِ قَالَ: لَوْ لَمْ يَكُنْ عَيْنًا٤ لَكَانَ ضِدًّا، أَوْ مِثْلاً أَوْ خِلافًا"٥. إذَا عَلِمْت ذَلِكَ: فَـ"الْمَعْلُومَانِ: إمَّا نَقِيضَانِ لا يَجْتَمِعَانِ وَلا يَرْتَفِعَانِ" كَالْوُجُودِ وَالْعَدَمِ الْمُضَافَيْنِ إلَى مُعَيَّنٍ٦ وَاحِدٍ. "أَوْ خِلافَانِ: يَجْتَمِعَانِ وَيَرْتَفِعَانِ" كَالْحَرَكَةِ وَالْبَيَاضِ فِي الْجِسْمِ٧ الْوَاحِدِ. "أَوْ ضِدَّانِ: لا يَجْتَمِعَانِ٨، وَيَرْتَفِعَانِ لاخْتِلافِ الْحَقِيقَةِ" كَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ، لا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُمَا، لأَنَّ الشَّيْءَ لا يَكُونُ أَسْوَدَ٩ أَبْيَضَ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ، وَيُمْكِنُ ارْتِفَاعُهُمَا مَعَ بَقَاءِ الْمَحَلِّ لا أَسْوَدَ وَلا أَبْيَضَ١٠ لاخْتِلافِ حَقِيقَتِهِمَا.

стр. 57

"أَوْ مِثْلانِ: لا يَجْتَمِعَانِ وَيَرْتَفِعَانِ "لِتَسَاوِي الْحَقِيقَةِ"١" كَبَيَاضٍ وَبَيَاضٍ، وَلا يَخْرُجُ فَرْضُ وُجُودِ مَعْلُومَيْنِ عَنْ هَذِهِ الأَرْبَعِ صُوَرٍ٢. وَدَلِيلُ الْحَصْرِ: أَنَّ٣ الْمَعْلُومَيْنِ: إمَّا أَنْ يُمْكِنَ اجْتِمَاعُهُمَا أَوْ لا، فَإِنْ أَمْكَنَ اجْتِمَاعُهُمَا فَهُمَا الْخِلافَانِ كَالْحَرَكَةِ وَالْبَيَاضِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ اجْتِمَاعُهُمَا فَإِمَّا أَنْ يُمْكِنَ ارْتِفَاعُهُمَا أَوْ لا. [فَـ] الثَّانِي: النَّقِيضَانِ، كَوُجُودِ زَيْدٍ وَعَدَمِهِ. "وَوُجُودِ الْحَرَكَةِ مَعَ السُّكُونِ"٤. وَالأَوَّلُ: لا يَخْلُو، إمَّا أَنْ يَخْتَلِفَا فِي الْحَقِيقَةِ أَوْ لا. [فَـ] الأَوَّلُ: الضِّدَّانِ، كَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ لاخْتِلافِ الْحَقِيقَةِ، وَالثَّانِي: الْمِثْلانِ كَبَيَاضٍ وَبَيَاضٍ. لَكِنْ الْخِلافَانِ قَدْ يَتَعَذَّرُ ارْتِفَاعُهُمَا، لِخُصُوصِ حَقِيقَةِ غَيْرِ كَوْنِهِمَا خِلافَيْنِ، كَذَاتِ وَاجِبِ الْوُجُودِ سُبْحَانَهُ مَعَ صِفَاتِهِ، وَقَدْ يَتَعَذَّرُ افْتِرَاقُهُمَا، كَالْعَشَرَةِ مَعَ الزَّوْجِيَّةِ خِلافَانِ وَيَسْتَحِيلُ افْتِرَاقُهُمَا، وَالْخَمْسَةِ٥ مَعَ الْفَرْدِيَّةِ، وَالْجَوْهَرِ٦ مَعَ الأَلْوَانِ، وَهُوَ كَثِيرٌ.

стр. 58

وَلا تَنَافِي بَيْنَ إمْكَانِ الافْتِرَاقِ وَالارْتِفَاعِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الذَّاتِ، وَتَعَذَّرَ الارْتِفَاعُ [وَالافْتِرَاقُ] بِالنِّسْبَةِ إلَى أَمْرٍ خَارِجِيٍّ عَنْهُمَا١. وَهَذَا الَّذِي ذُكِرَ كُلُّهُ فِي مُمْكِنِ الْوُجُودِ. أَمَّا اللَّهُ وَصِفَاتُهُ: فَإِنَّهُ لا يُقَالُ بِإِمْكَانِ رَفْعِ٢ شَيْءٍ مِنْهَا، لِتَعَذُّرِ رَفْعِهِ بِسَبَبِ وُجُوبِ وُجُودِهِ٣. "وَكُلُّ شَيْئَيْنِ حَقِيقَتَاهُمَا٤ إمَّا مُتَسَاوِيَتَانِ؛ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ كُلِّ" وَاحِدَةٍ "وُجُودُ الأُخْرَى وَعَكْسُهُ" يَعْنِي: وَيَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَدَمُ الأُخْرَى كَالإِنْسَانِ وَالضَّاحِكِ بِالْقُوَّةِ؛ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وُجُودُ الآخَرِ، وَمِنْ عَدَمِهِ عَدَمُهُ، فَلا إنْسَانَ إلاَّ وَهُوَ ضَاحِكٌ بِالْقُوَّةِ، وَلا ضَاحِكَ بِالْقُوَّةِ إلاَّ وَهُوَ إنْسَانٌ٥. وَنَعْنِي بِالْقُوَّةِ كَوْنَهُ قَابِلاً وَلَوْ لَمْ يَقَعْ، وَيُقَابِلُهُ الضَّاحِكُ٦ بِالْفِعْلِ، وَهُوَ الْمُبَاشِرُ لِلضَّحِكِ. "أَوْ" إمَّا "مُتَبَايِنَتَانِ٧؛ لا تَجْتَمِعَانِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ" كَالإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ، فَمَا هُوَ إنْسَانٌ لَيْسَ بِفَرَسٍ، وَمَا هُوَ فَرَسٌ٨ فَلَيْسَ٩ بِإِنْسَانٍ، فَيَلْزَمُ مِنْ صِدْقِ أَحَدِهِمَا عَلَى مَحَلٍّ عَدَمُ صِدْقِ الآخَرِ.

стр. 59

"أَوْ" إمَّا "إحْدَاهُمَا أَعَمُّ مُطْلَقًا، وَالأُخْرَى أَخَصُّ مُطْلَقًا، تُوجَدُ إحْدَاهُمَا مَعَ وُجُودِ كُلِّ١ أَفْرَادِ الأُخْرَى" كَالْحَيَوَانِ٢ وَالإِنْسَانِ، فَالْحَيَوَانُ أَعَمُّ مُطْلَقًا لِصِدْقِهِ عَلَى جَمِيعِ أَفْرَادِ الإِنْسَانِ، فَلا يُوجَدُ إنْسَانٌ بِدُونِ حَيَوَانِيَّةٍ أَلْبَتَّةَ. فَيَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الإِنْسَانِ - الَّذِي هُوَ أَخَصُّ٣- وُجُودُ الْحَيَوَانِ، الَّذِي هُوَ أَعَمُّ، "بِلا عَكْسٍ" يَعْنِي: فَلا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ أَخَصُّ عَدَمُ الْحَيَوَانِ الَّذِي هُوَ أَعَمُّ"٤؛ لأَنَّ الْحَيَوَانَ قَدْ يَبْقَى مَوْجُودًا فِي الْفَرَسِ وَغَيْرِهِ. "أَوْ" إمَّا " ٥ كُلُّ وَاحِدَةٍ٦ مِنْهُمَا" أَيْ مِنْ الْحَقِيقَتَيْنِ "أَعَمُّ مِنْ وَجْهٍ وَأَخَصُّ" ٥ مِنْ" وَجْهٍ "آخَرَ تُوجَدُ كُلُّ" وَاحِدَةٍ مِنْ الْحَقِيقَتَيْنِ "مَعَ الأُخْرَى وَبِدُونِهَا" أَيْ وَبِدُونِ الأُخْرَى. وَمَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ فِي صُورَةٍ، وَتَنْفَرِدُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَنْ الأُخْرَى بِصُورَةٍ: كَالْحَيَوَانِ وَالأَبْيَضِ * فَإِنَّ الْحَيَوَانَ يُوجَدُ بِدُونِ

стр. 60

الأَبْيَضِ" ١ فِي السُّودَانِ٢، وَيُوجَدُ الأَبْيَضُ بِدُونِ الْحَيَوَانِ فِي الثَّلْجِ وَالْقُطْنِ وَغَيْرِهِمَا٣، مِمَّا لَيْسَ بِحَيَوَانٍ. وَيَجْتَمِعَانِ فِي الْحَيَوَانِ الأَبْيَضِ. فَلا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الأَبْيَضِ وُجُودُ الْحَيَوَانِ، وَلا٤ مِنْ وُجُودِ٥ الْحَيَوَانِ وُجُودُ الأَبْيَضِ، وَلا مِنْ عَدَمِ "أَحَدِهِمَا عَدَمُ الآخَرِ"٦. فَفَائِدَةُ هَذِهِ الْقَوَاعِدِ: الاسْتِدْلال بِبَعْضِ الْحَقَائِقِ عَلَى بَعْضٍ٧. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 61

"فَصْلٌ" "مَا عَنْهُ الذِّكْرُ الْحُكْمِيُّ" أَيْ الْمَعْنَى الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْكَلامِ الْخَبَرِيِّ، مِنْ إثْبَاتٍ أَوْ نَفْيٍ تَخَيَّلَهُ، أَوْ لَفَظَ بِهِ، فَمَا عَنْهُ الذِّكْرُ الْحُكْمِيُّ: هُوَ مَفْهُومُ الْكَلامِ الْخَبَرِيِّ١. قَالَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ٢: "الذِّكْرُ الْحُكْمِيُّ٣ يُنْبِئُ عَنْ" ٣ أَمْرٍ فِي نَفْسِك مِنْ إثْبَاتٍ أَوْ نَفْيٍ، وَهُوَ مَا عَنْهُ الذِّكْرُ الْحُكْمِيُّ٤". وَإِنَّمَا لَمْ يُجْعَلْ الْحُكْمُ مَوْرِدَ الْقِسْمَةِ لِئَلاَّ يَلْزَمَ خُرُوجُ الْوَهْمِ وَالشَّكِّ عَنْ مَوْرِدِ الْقِسْمَةِ، عِنْدَ مَنْ مَنَعَ مُقَارَنَتَهُمَا لِلْحُكْمِ. وَقَالَ أَيْضًا: "إنَّمَا جُعِلَ الْمَوْرِدُ "مَا عَنْهُ الذِّكْرُ الْحُكْمِيُّ"، دُونَ الاعْتِقَادِ أَوْ الْحُكْمِ، لِيَتَنَاوَلَ الشَّكَّ وَالْوَهْمَ مِمَّا لا اعْتِقَادَ وَلا حُكْمَ لِلذِّهْنِ فِيهِ"٥. "إمَّا أَنْ يَحْتَمِلَ مُتَعَلِّقَهُ" أَيْ مُتَعَلِّقَ مَا عَنْهُ الذِّكْرُ الْحُكْمِيُّ؛ وَهُوَ النِّسْبَةُ الْوَاقِعَةُ بَيْنَ طَرَفَيْ الْخَبَرِ فِي الذِّهْنِ "النَّقِيضَ بِوَجْهٍ" مِنْ الْوُجُوهِ، سَوَاءً كَانَ فِي الْخَارِجِ، أَوْ عِنْدَ الذَّاكِرِ، إمَّا بِتَقْدِيرِهِ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِتَشْكِيكِ مُشَكِّكٍ إيَّاهُ "أَوْ لا" يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ أَصْلاً.

стр. 62

"وَالثَّانِي" وَهُوَ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ بِوَجْهٍ هُوَ "الْعِلْمُ". "وَالأَوَّلُ" وَهُوَ الَّذِي يَحْتَمِلُ مُتَعَلَّقُهُ النَّقِيضَ "إمَّا أَنْ يَحْتَمِلَهُ" أَيْ يَحْتَمِلَ النَّقِيضَ "عِنْدَ الذَّاكِرِ لَوْ قَدَّرَهُ" أَيْ: بِتَقْدِيرِ الذَّاكِرِ النَّقِيضَ فِي نَفْسِهِ "أَوْ لا" يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ عِنْدَ الذَّاكِرِ لَوْ قَدَّرَهُ. "وَالثَّانِي" وَهُوَ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ مُتَعَلِّقُهُ١ النَّقِيضَ عِنْدَ الذَّاكِرِ لَوْ قَدَّرَهُ فِي نَفْسِهِ هُوَ "لاعْتِقَادٍ"٢. "فَإِنْ طَابَقَ" هَذَا الاعْتِقَادَ لِمَا فِي نَفْسِ الأَمْرِ "فَـ" ـهُوَ اعْتِقَادٌ "صَحِيحٌ، وَإِلاَّ" أَيْ وَإِنْ لِمَ يَكُنْ الاعْتِقَادُ مُطَابِقًا لِمَا فِي نَفْسِ الأَمْرِ "فَـ" ـهُوَ اعْتِقَادٌ "فَاسِدٌ". "وَالأَوَّلُ" وَهُوَ الَّذِي يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ عِنْدَ الذَّاكِرِ لَوْ قَدَّرَهُ "الرَّاجِحُ مِنْهُ" وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ مُتَعَلَّقُهُ رَاجِحًا عِنْدَ الذَّاكِرِ عَلَى احْتِمَالِ النَّقِيضِ "ظَنٌّ" وَيَتَفَاوَتُ الظَّنُّ، حَتَّى يُقَالَ: غَلَبَةُ الظَّنِّ. "وَالْمَرْجُوحُ" وَهُوَ الْمُقَابِلُ٣ لِلظَّنِّ "وَهْمٌ". "وَالْمُسَاوِي" وَهُوَ الَّذِي يَتَسَاوَى مُتَعَلَّقُهُ وَاحْتِمَالُ نَقِيضِهِ عِنْدَ الذَّاكِرِ "شَكٌّ"٤. إذَا عُلِمَ ذَلِكَ: فَالْعِلْمُ قَسِيمُهُ الاعْتِقَادُ الصَّحِيحُ وَالْفَاسِدُ، وَالظَّنُّ قَسِيمُهُ الشَّكُّ وَالْوَهْمُ.

стр. 63

وَأَشَارَ١ بِقَوْلِهِ "وَقَدْ عَلِمْت حُدُودَهَا" إلَى أَنَّ مَا عَنْهُ الذِّكْرُ الْحُكْمِيُّ، الَّذِي هُوَ مَوْرِدُ الْقِسْمَةِ، لَمَّا قَيَّدَ كُلَّ قِسْمٍ مِنْهُ بِمَا يُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الأَقْسَامِ: كَانَ ذَلِكَ حَدًّا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الأَقْسَامِ؛ لأَنَّ الْحَدَّ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ: كُلُّ لَفْظٍ مُرَكَّبٍ يُمَيِّزُ الْمَاهِيَّةَ عَنْ أَغْيَارِهَا، سَوَاءٌ كَانَ بِالذَّاتِيَّاتِ أَوْ بِالْعَرَضِيَّاتِ، أَوْ بِالْمُرَكَّبِ مِنْهُمَا٢. فَيَتَفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ حَدُّ الْعِلْمِ: مَا٣ عَنْهُ ذِكْرٌ حُكْمِيٌّ، لا يَحْتَمِلُ مُتَعَلَّقُهُ النَّقِيضَ بِوَجْهٍ؛ لا فِي الْوَاقِعِ، وَلا عِنْدَ٤ الذَّاكِرِ، وَلا بِالتَّشْكِيكِ٥. وَيَكُونُ حَدُّ الاعْتِقَادِ الصَّحِيحِ: مَا عَنْهُ ذِكْرٌ حُكْمِيٌّ، لا٦ يَحْتَمِلُ مُتَعَلَّقُهُ النَّقِيضَ عِنْدَ الذَّاكِرِ بِتَشْكِيكٍ مُشَكِّكٍ إيَّاهُ، وَلا يَحْتَمِلُهُ عِنْدَ الذَّاكِرِ لَوْ قَدَّرَهُ٧.

стр. 64

وَيَكُونُ حَدُّ الاعْتِقَادِ الْفَاسِدِ١: مَا عَنْهُ ذِكْرٌ حُكْمِيٌّ لا٢ يَحْتَمِلُ مُتَعَلَّقُهُ النَّقِيضَ عِنْدَ الذَّاكِرِ بِتَشْكِيكٍ مُشَكِّكٍ، لا بِتَقْدِيرِ٣ الذَّاكِرِ إيَّاهُ، مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُطَابِقٍ لِمَا فِي نَفْسِ الأَمْرِ٤. وَالظَّنُّ: مَا عَنْهُ ذِكْرٌ حُكْمِيٌّ، يَحْتَمِلُ مُتَعَلَّقُهُ النَّقِيضَ بِتَقْدِيرِهِ٥، مَعَ كَوْنِهِ رَاجِحًا٦. وَالْوَهْمُ: مَا عَنْهُ ذِكْرٌ حُكْمِيٌّ، يَحْتَمِلُ مُتَعَلَّقُهُ النَّقِيضَ بِتَقْدِيرِهِ، مَعَ كَوْنِهِ مَرْجُوحًا. وَالشَّكُّ: مَا عَنْهُ ذِكْرٌ حُكْمِيٌّ، يَحْتَمِلُ مُتَعَلَّقُهُ النَّقِيضَ٧، مَعَ تَسَاوِي طَرَفَيْهِ عِنْدَ الذَّاكِرِ٨.

стр. 65

وَلَمَّا انْتَهَى١ الْكَلامَ عَلَى الْعِلْمِ، وَكَانَ الْجَهْلُ ضِدًّا لَهُ، اسْتَطْرَدَ الْكَلامَ إلَى ذِكْرِهِ، وَذَكَرَ مَا يَتَنَوَّعُ إلَيْهِ، فَقَالَ: "وَالاعْتِقَادُ الْفَاسِدُ" مِنْ حَيْثُ حَقِيقَتُهُ: "تَصَوُّرُ الشَّيْءِ عَلَى غَيْرِ هَيْئَتِهِ. وَ" مِنْ حَيْثُ تَسْمِيَتُهُ: "هُوَ الْجَهْلُ الْمُرَكَّبُ" لأَنَّهُ مَرْكَبٌ مِنْ عَدَمِ الْعِلْمِ بِالشَّيْءِ، وَمِنْ الاعْتِقَادِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِمَا فِي الْخَارِجِ. ٢وَالْجَهْلُ نَوْعَانِ: مُرَكَّبٌ: وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ٢. "وَ" الثَّانِي مِنْ نَوْعَيْ الْجَهْلِ هُوَ "الْبَسِيطُ": وَهُوَ "عَدَمُ الْعِلْمِ" وَهُوَ انْتِفَاءُ إدْرَاكِ الشَّيْءِ بِالْكُلِّيَّةِ. فَمَنْ سُئِلَ: هَلْ تَجُوزُ الصَّلاةُ بِالتَّيَمُّمِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ؟ فَقَالَ: لا، كَانَ ذَلِكَ جَهْلاً مُرَكَّبًا مِنْ عَدَمِ الْعِلْمِ بِالْحُكْمِ، وَمِنْ الْفُتْيَا بِالْحُكْمِ الْبَاطِلِ٣. وَإِنْ قَالَ: لا أَعْلَمُ، كَانَ ذَلِكَ٤ جَهْلاً بَسِيطًا. "وَمِنْهُ" أَيْ وَمِنْ الْجَهْلِ الْبَسِيطِ "سَهْوٌ، وَغَفْلَةٌ، وَنِسْيَانٌ" وَالْجَمِيعُ "بِمَعْنًى" وَاحِدٍ عِنْدَ كَثِيرٍ٥ مِنْ الْعُلَمَاءِ "وَ" ذَلِكَ الْمَعْنَى "هُوَ ذُهُولُ الْقَلْبِ عَنْ مَعْلُومٍ"٦.

стр. 66

قَالَ الْجَوْهَرِيُّ١: السَّهْوُ الْغَفْلَةُ٢، وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ: سَهَا فِي الأَمْرِ: نَسِيَهُ وَغَفَلَ عَنْهُ، وَذَهَبَ قَلْبُهُ إلَى غَيْرِهِ، فَهُوَ سَاهٍ وَسَهْوَانُ٣، وَقَالَ: غَفَلَ عَنْهُ غُفُولاً: تَرَكَهُ وَسَهَا عَنْهُ٤، انْتَهَى.

стр. 67

"فَصْلٌ" لَمَّا كَانَتْ الْعُلُومُ الضَّرُورِيَّةُ وَالنَّظَرِيَّةُ لا تُدْرَكُ بِدُونِ الْعَقْلِ، أَخَذَ فِي الْكَلامِ عَلَيْهِ، فَقَالَ: "الْعَقْلُ: مَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَيْزُ" أَيْ بَيْنَ الْمَعْلُومَاتِ، قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": قَالَهُ صَاحِبُ "رَوْضَةِ الْفِقْهِ" مِنْ أَصْحَابِنَا. وَهُوَ شَامِلٌ لأَكْثَرِ الأَقْوَالِ الآتِيَةِ١.

стр. 68

وَعَنْ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ١رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: آلَةُ التَّمْيِيزِ وَالإِدْرَاكِ٢. "وَهُوَ غَرِيزَةٌ" نَصًّا. قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: الْعَقْلُ غَرِيزَةٌ٣. وَقَالَهُ الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ٤، فَقَالَ: الْعَقْلُ غَرِيزَةٌ، لَيْسَ مُكْتَسَبًا٥، بَلْ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى يُفَارِقُ بِهِ الإِنْسَانُ الْبَهِيمَةَ، وَيَسْتَعِدُّ بِهِ لِقَبُولِ الْعِلْمِ، وَتَدْبِيرِ الصَّنَائِعِ الْفِكْرِيَّةِ، فَكَأَنَّهُ نُورٌ يُقْذَفُ

стр. 69

فِي الْقَلْبِ، كَالْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ، وَالصِّبَا١ وَنَحْوُهُ حِجَابٌ لَهُ٢. قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: إنَّهُ غَيْرُ مُكْتَسَبٍ، كَالضَّرُورِيِّ، وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَرْبَهَارِيُّ٣ - مِنْ أَئِمَّةِ أَصْحَابِنَا-: لَيْسَ بِجَوْهَرٍ وَلا عَرَضٍ وَلا اكْتِسَابٍ، وَإِنَّمَا هُوَ فَضْلٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى٤، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: "هَذَا٥ يَقْتَضِي أَنَّهُ الْقُوَّةُ الْمُدْرِكَةُ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلامُ أَحْمَدَ، لا الإِدْرَاكُ٦". "وَ" هُوَ أَيْضًا "بَعْضُ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ" عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَالأَكْثَرُ٧. قَالَ فِي: "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَالأَكْثَرُ إلَى أَنَّهُ "بَعْضُ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ. يُسْتَعَدُّ بِهَا لِفَهْمِ دَقِيقِ الْعُلُومِ، وَتَدْبِيرِ الصَّنَائِعِ الْفِكْرِيَّةِ".

стр. 70

وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَصْحَابِنَا: الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلاَّنِيُّ١، وَابْنُ الصَّبَّاغِ٢، وَسُلَيْمٌ الرَّازِيّ٣. فَخَرَجَتْ الْعُلُومُ الْكَسْبِيَّةُ٤، لأَنَّ الْعَاقِلَ يَتَّصِفُ بِكَوْنِهِ عَاقِلاً، مَعَ انْتِفَاءِ الْعُلُومِ النَّظَرِيَّةِ. وَإِنَّمَا قَالُوا: "بَعْضُ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ". لأَنَّهُ لَوْ كَانَ جَمِيعَهَا لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْفَاقِدُ لِلْعِلْمِ٥ بِالْمُدْرَكَاتِ، - لِعَدَمِ الإِدْرَاكِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهَا- غَيْرَ

стр. 71

عَاقِلٍ١. "وَمَحَلُّهُ"٢ أَيْ مَحَلُّ الْعَقْلِ "الْقَلْبُ" عِنْدَ أَصْحَابِنَا٣ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالأَطِبَّاءِ. وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ ٤ أَيْ عَقْلٌ. فَعَبَّرَ بِالْقَلْبِ عَنْ الْعَقْلِ، لأَنَّهُ مَحَلُّهُ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ ٥ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ ٦ فَجَعَلَ الْعَقْلَ فِي الْقَلْبِ٧. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ

стр. 72

بَعْضُ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ، وَالْعُلُومُ الضَّرُورِيَّةُ: لا تَكُونُ إلاَّ فِي الْقَلْبِ. "وَ" مَعَ هَذَا "لَهُ اتِّصَالٌ١ بِالدِّمَاغِ" قَالَهُ التَّمِيمِيُّ٢ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ. قَالَ فِي "شَرْحِ٣ التَّحْرِيرِ": وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ فِي الدِّمَاغِ٤. وَقَالَهُ الطُّوفِيُّ٥ وَالْحَنَفِيَّةُ.

стр. 73

وَقِيلَ١: إنْ قُلْنَا جَوْهَرٌ، وَإِلاَّ فِي الْقَلْبِ٢. "وَيَخْتَلِفُ" "الْعَقْلُ "كَالْمُدْرَكِ"٣ بِهِ" أَيْ بِالْعَقْلِ، لأَنَّا نُشَاهِدُ قَطْعًا آثَارَ الْعُقُولِ فِي الآرَاءِ، وَالْحِكَمِ وَالْحِيَلِ وَغَيْرِهَا مُتَفَاوِتَةً٤، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى "تَفَاوُتِ الْعُقُولِ فِي نَفْسِهَا. وَأَجْمَعَ الْعُقَلاءُ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ الْقَائِلِ: "فُلانٌ أَعْقَلُ مِنْ فُلانٍ أَوْ٥ أَكْمَلُ عَقْلاً" وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى"٦ اخْتِلافِ مَا يُدْرَكُ بِهِ٧.

стр. 74

وَلِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ١ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلنِّسَاءِ: "أَلَيْسَ شَهَادَةُ إحْدَاكُنَّ مِثْلَ ٢ نِصْفِ شَهَادَةِ ٢ الرَّجُلِ؟ قُلْنَ: بَلَى. قَالَ: فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا"٣. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَالأَشَاعِرَةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ: الْعَقْلُ لا يَخْتَلِفُ، لأَنَّهُ حُجَّةٌ عَامَّةٌ يَرْجِعُ إلَيْهَا النَّاسُ عِنْدَ اخْتِلافِهِمْ، وَلَوْ تَفَاوَتَتْ الْعُقُولُ، لَمَا كَانَ كَذَلِكَ٤. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ٥ - مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ-: "إنَّ الْعَقْلَ الْغَرِيزِيَّ

стр. 75

لا يَخْتَلِفُ، وَإِنَّ التَّجَرُّبِيَّ١ يَخْتَلِفُ"٢. وَحَمَلَ الطُّوفِيُّ الْخِلافَ عَلَى ذَلِكَ٣. وَ "لا" يَخْتَلِفُ مَا يُدْرَكُ "بِالْحَوَاسِّ. وَلا" ٤يَخْتَلِفُ أَيْضًا "الإِحْسَاسُ٤ قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: "الإِحْسَاسُ وَمَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ
следующие страницы →