← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12019

شرح الكوكب المنير = شرح مختصر التحرير

ابن النجار الفتوحي

Полный текст (2 398 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

عَاقِلٍ١. "وَمَحَلُّهُ"٢ أَيْ مَحَلُّ الْعَقْلِ "الْقَلْبُ" عِنْدَ أَصْحَابِنَا٣ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالأَطِبَّاءِ. وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ ٤ أَيْ عَقْلٌ. فَعَبَّرَ بِالْقَلْبِ عَنْ الْعَقْلِ، لأَنَّهُ مَحَلُّهُ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ ٥ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ ٦ فَجَعَلَ الْعَقْلَ فِي الْقَلْبِ٧. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ

стр. 72

بَعْضُ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ، وَالْعُلُومُ الضَّرُورِيَّةُ: لا تَكُونُ إلاَّ فِي الْقَلْبِ. "وَ" مَعَ هَذَا "لَهُ اتِّصَالٌ١ بِالدِّمَاغِ" قَالَهُ التَّمِيمِيُّ٢ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ. قَالَ فِي "شَرْحِ٣ التَّحْرِيرِ": وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ فِي الدِّمَاغِ٤. وَقَالَهُ الطُّوفِيُّ٥ وَالْحَنَفِيَّةُ.

стр. 73

وَقِيلَ١: إنْ قُلْنَا جَوْهَرٌ، وَإِلاَّ فِي الْقَلْبِ٢. "وَيَخْتَلِفُ" "الْعَقْلُ "كَالْمُدْرَكِ"٣ بِهِ" أَيْ بِالْعَقْلِ، لأَنَّا نُشَاهِدُ قَطْعًا آثَارَ الْعُقُولِ فِي الآرَاءِ، وَالْحِكَمِ وَالْحِيَلِ وَغَيْرِهَا مُتَفَاوِتَةً٤، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى "تَفَاوُتِ الْعُقُولِ فِي نَفْسِهَا. وَأَجْمَعَ الْعُقَلاءُ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ الْقَائِلِ: "فُلانٌ أَعْقَلُ مِنْ فُلانٍ أَوْ٥ أَكْمَلُ عَقْلاً" وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى"٦ اخْتِلافِ مَا يُدْرَكُ بِهِ٧.

стр. 74

وَلِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ١ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلنِّسَاءِ: "أَلَيْسَ شَهَادَةُ إحْدَاكُنَّ مِثْلَ ٢ نِصْفِ شَهَادَةِ ٢ الرَّجُلِ؟ قُلْنَ: بَلَى. قَالَ: فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا"٣. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَالأَشَاعِرَةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ: الْعَقْلُ لا يَخْتَلِفُ، لأَنَّهُ حُجَّةٌ عَامَّةٌ يَرْجِعُ إلَيْهَا النَّاسُ عِنْدَ اخْتِلافِهِمْ، وَلَوْ تَفَاوَتَتْ الْعُقُولُ، لَمَا كَانَ كَذَلِكَ٤. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ٥ - مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ-: "إنَّ الْعَقْلَ الْغَرِيزِيَّ

стр. 75

لا يَخْتَلِفُ، وَإِنَّ التَّجَرُّبِيَّ١ يَخْتَلِفُ"٢. وَحَمَلَ الطُّوفِيُّ الْخِلافَ عَلَى ذَلِكَ٣. وَ "لا" يَخْتَلِفُ مَا يُدْرَكُ "بِالْحَوَاسِّ. وَلا" ٤يَخْتَلِفُ أَيْضًا "الإِحْسَاسُ٤ قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: "الإِحْسَاسُ وَمَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ

стр. 76

لا١ يَخْتَلِفُ، بِخِلافِ مَا يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ٢. فَإِنَّهُ يَخْتَلِفُ مَا يُدْرَكُ بِهِ. وَهُوَ التَّمْيِيزُ وَالْفِكْرُ. [فَيَقِلُّ فِي حَقِّ بَعْضِهِمْ، وَيَكْثُرُ فِي حَقِّ بَعْضٍ] ٣ فَلِهَذَا يَخْتَلِفُ"٤ انْتَهَى. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: [وَهَذَا] ٥ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ الْعِلْمَ الْحِسِّيَّ لَيْسَ مِنْ الْعَقْلِ". قَالَ: "وَلَنَا فِي الْمَعْرِفَةِ الإِيمَانِيَّةِ فِي الْقَلْبِ: هَلْ تَزِيدُ وَتَنْقُصُ؟ رِوَايَتَانِ. فَإِذَا قِيلَ: إنَّ النَّظَرِيَّ لا يَخْتَلِفُ. فَالضَّرُورِيُّ أَوْلَى. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ جِنْسِ مَسْأَلَةِ الإِيمَانِ، وَإِنَّ الأَصْوَبَ: أَنَّ الْقُوَى الَّتِي هِيَ الإِحْسَاسُ٦ وَسَائِرُ الْعُلُومِ وَالْقُوَى تَخْتَلِفُ"٧ انْتَهَى.

стр. 77

"فَصْلٌ" "الْحَدُّ لُغَةً" أَيْ فِي اللُّغَةِ "الْمَنْعُ" وَمِنْهُ سُمِّيَ الْبَوَّابُ حَدَّادًا؛ لأَنَّهُ يَمْنَعُ مَنْ يَدْخُلُ الدَّارَ، وَالْحُدُودُ حُدُودًا، لأَنَّهَا تَمْنَعُ مِنْ الْعَوْدِ إلَى الْمَعْصِيَةِ، وَإِحْدَادُ الْمَرْأَةِ فِي عِدَّتِهَا، لأَنَّهَا١ تُمْنَعُ٢ مِنْ الطِّيبِ وَالزِّينَةِ، وَسُمِّيَ التَّعْرِيفُ حَدًّا لِمَنْعِهِ الدَّاخِلَ مِنْ الْخُرُوجِ، وَالْخَارِجَ مِنْ الدُّخُولِ٣. "وَ" الْحَدُّ "اصْطِلاحًا" أَيْ فِي الاصْطِلاحِ: "الْوَصْفُ الْمُحِيطُ بِمَوْصُوفِهِ". وَفِي "التَّحْرِيرِ": "الْمُحِيطُ بِمَعْنَاهُ"، أَيْ بِمَعْنَى الْمَحْدُودِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: حَدُّ الشَّيْءِ الْوَصْفُ الْمُحِيطُ بِمَعْنَاهُ "الْمُمَيِّزُ لَهُ" أَيْ لِلْمَحْدُودِ "عَنْ غَيْرِهِ"٤. وَكِلا اللَّفْظَيْنِ، بِمَعْنًى وَاحِدٍ. لَكِنْ مَا قُلْنَاهُ أَوْضَحُ. وَمَا فِي "التَّحْرِيرِ" حَكَاهُ عَنْ الْعَسْقَلانِيِّ٥ شَارِحِ الطُّوفِيِّ٦.

стр. 78

وَقَالَ الْغَزَالِيُّ١: "قِيلَ حَدُّ الشَّيْءِ نَفْسُهُ٢ وَذَاتُهُ. وَقِيلَ: هُوَ اللَّفْظُ الْمُفَسِّرُ لِمَعْنَاهُ عَلَى وَجْهٍ يَجْمَعُ وَيَمْنَعُ"٣. انْتَهَى. وَقِيلَ: هُوَ شَرْحُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ بِطَرِيقِ الإِجْمَالِ٤. وَقَدَّمَ٥ فِي٦ "نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ": أَنَّهُ قَوْلٌ يَكْشِفُ حَقِيقَةَ الْمَحْدُودِ وَذَكَرَ فِيهِ ثَمَانِيَةَ أَقْوَالٍ٧. "وَهُوَ" أَيْ الْحَدُّ "أَصْلُ كُلِّ عِلْمٍ" قَالَ الْفَخْرُ إسْمَاعِيلُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ٨ - مِنْ أَصْحَابِنَا-: الْحَدُّ عَلَى٩ الْحَقِيقَةِ أَصْلُ كُلِّ عِلْمٍ فَمَنْ لا

стр. 79

وَقَالَ الْغَزَالِيُّ١: "قِيلَ حَدُّ الشَّيْءِ نَفْسُهُ٢ وَذَاتُهُ. وَقِيلَ: هُوَ اللَّفْظُ الْمُفَسِّرُ لِمَعْنَاهُ عَلَى وَجْهٍ يَجْمَعُ وَيَمْنَعُ"٣. انْتَهَى. وَقِيلَ: هُوَ شَرْحُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ بِطَرِيقِ الإِجْمَالِ٤. وَقَدَّمَ٥ فِي٦ "نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ": أَنَّهُ قَوْلٌ يَكْشِفُ حَقِيقَةَ الْمَحْدُودِ وَذَكَرَ فِيهِ ثَمَانِيَةَ أَقْوَالٍ٧. "وَهُوَ" أَيْ الْحَدُّ "أَصْلُ كُلِّ عِلْمٍ" قَالَ الْفَخْرُ إسْمَاعِيلُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ٨ - مِنْ أَصْحَابِنَا-: الْحَدُّ عَلَى٩ الْحَقِيقَةِ أَصْلُ كُلِّ عِلْمٍ فَمَنْ لا

стр. 80

الدِّينِ"، وَالطُّوفِيُّ فِي "شَرْحِهِ"١. فَقَالُوا: كَوْنُهُ مُطَّرِدًا هُوَ الْجَامِعِ. وَكَوْنُهُ مُنْعَكِسًا هُوَ الْمَانِعُ٢. وَيَجِبُ مُسَاوَاةُ الْحَدِّ لِلْمَحْدُودِ، لأَنَّهُ إنْ كَانَ أَعَمَّ فَلا دَلالَةَ لَهُ عَلَى الأَخَصِّ وَلا يُفِيدُ التَّمْيِيزَ. وَإِنْ كَانَ أَخَصَّ فَلأَنَّهُ أَخْفَى. لأَنَّهُ أَقَلُّ وُجُودًا مِنْهُ، وَيَجِبُ أَيْضًا أَنْ لا يَكُونَ فِي لَفْظِهِ مَجَازٌ وَلا مُشْتَرَكٌ، لأَنَّ الْحَدَّ مُمَيِّزٌ لِلْمَحْدُودِ، وَلا يَحْصُلُ الْمَيْزُ٣ مَعَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا٤. "وَهُوَ" أَيْ: الْحَدُّ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ: الأَوَّلُ: "حَقِيقِيٌّ تَامٌّ"٥ وَهُوَ الأَصْلُ. وَإِنَّمَا يَكُونُ حَقِيقًا تَامًّا "إنْ

стр. 81

أَنْبَأَ عَنْ ذَاتِيَّاتِ١ الْمَحْدُودِ الْكُلِّيَّةِ٢ الْمُرَكَّبَةِ٣" كَقَوْلِك: مَا الإِنْسَانُ؟ فَيُقَالُ: حَيَوَانٌ نَاطِقٌ٤. "وَلِذَا" أَيْ وَلِهَذَا الْقِسْمِ "حَدٌّ وَاحِدٌ" لأَنَّ ذَاتَ الشَّيْءِ لا يَكُونُ لَهَا حَدَّانِ. فَإِنْ قِيلَ: جَمِيعُ ذَاتِيَّاتِ الشَّيْءِ عَيْنُ الشَّيْءِ، وَالشَّيْءُ لا يُفَسِّرُ نَفْسَهُ؟ فَالْجَوَابُ: إنَّ دَلالَةَ الْمَحْدُودِ: مِنْ حَيْثُ الإِجْمَالُ، وَدَلالَةُ الْحَدِّ: مِنْ حَيْثُ

стр. 82

التَّفْصِيلُ. فَلَيْسَ عَيْنَهُ١ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. فَصَحَّ تَعْرِيفُهُ بِهِ؛ وَلِذَلِكَ لَمْ يُجْعَلْ اللَّفْظَانِ مُتَرَادِفَيْنِ إلاَّ إذَا كَانَ الْحَدُّ٢ لَفْظِيًّا عَلَى مَا يَأْتِي: "وَ" الْقِسْمُ الثَّانِي: حَقِيقِيٌّ "نَاقِصٌ"٣ وَلَهُ صُورَتَانِ، أُشِيرَ إلَى الأُولَى مِنْهُمَا بِقَوْلِهِ "إنْ كَانَ بِفَصْلٍ قَرِيبٍ فَقَطْ" كَقَوْلِنَا: مَا الإِنْسَانُ؟ فَيُقَالُ: النَّاطِقُ وَأُشِيرَ إلَى الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ بِقَوْلِهِ "أَوْ مَعَ جِنْسٍ بَعِيدٍ" أَيْ إنْ كَانَ الْحَدُّ بِفَصْلٍ قَرِيبٍ مَعَ جِنْسٍ بَعِيدٍ، كَقَوْلِنَا: مَا الإِنْسَانُ؟ فَيُقَالُ: جِسْمٌ نَاطِقٌ. فَالْجِنْسُ الْبَعِيدُ: هُوَ الْجِسْمُ. وَالْفَصْلُ الْقَرِيبُ هُوَ النَّاطِقُ٤.

стр. 83

"وَ" الْقِسْمُ الثَّالِثُ: "رَسْمِيٌّ" أَيْ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ، وَهُوَ "تَامٌّ إنْ كَانَ بِخَاصَّةٍ مَعَ جِنْسٍ قَرِيبٍ" كَقَوْلِنَا: مَا الإِنْسَانُ؟ فَيُقَالُ: حَيَوَانٌ ضَاحِكٌ. فَالْجِنْسُ الْقَرِيبُ: هُوَ الْحَيَوَانُ، وَالْخَاصَّةُ: هُوَ الضَّاحِكُ. "وَ" الْقِسْمُ الرَّابِعُ: رَسْمِيٌّ "نَاقِصٌ" وَلَهُ صُورَتَانِ، أُشِيرَ إلَى الأُولَى مِنْهُمَا بِقَوْلِهِ "إنْ كَانَ بِهَا" أَيْ بِالْخَاصَّةِ "فَقَطْ" كَـ"الإِنْسَانِ١ ضَاحِكٌ٢". وَأُشِيرَ إلَى الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الرَّسْمِيِّ النَّاقِصِ بِقَوْلِهِ "أَوْ مَعَ جِنْسٍ بَعِيدٍ": أَيْ إنْ كَانَ الْحَدُّ بِالْخَاصَّةِ مَعَ جِنْسٍ٣ بَعِيدٍ. كَـ"الإِنْسَانِ جِسْمٌ ضَاحِكٌ". "وَ" الْقِسْمُ الْخَامِسُ: مِنْ أَقْسَامِ الْحَدِّ: "لَفْظِيٌّ: إنْ كَانَ" الْحَدُّ "بِـ" لَفْظٍ "مُرَادِفٍ أَظْهَرَ" أَيْ هُوَ أَشْهَرُ عِنْدَ السَّائِلِ مِنْ الْمَسْئُولِ عَنْهُ. كَمَا لَوْ قَالَ قَائِلٌ: مَا الْخَنْدَرِيسُ؟ فَيُقَالُ لَهُ: هُوَ٤ الْخَمْرُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ. "وَيَرِدُ عَلَيْهِ": أَيْ عَلَى الْحَدِّ فِي فَنِّ الْجَدَلِ "النَّقْضُ وَالْمُعَارَضَةُ" قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": عِنْدَ الأَكْثَرِ. قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي "شَرْحِ التَّنْقِيحِ": "فَإِنْ قُلْت: إذَا لَمْ يُطَالِبْ عَلَى صِحَّةِ الْحَدِّ بِالدَّلِيلِ٥ وَنَحْنُ نَعْتَقِدُ بُطْلانَهُ فَكَيْفَ الْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ؟ قُلْت: الطَّرِيقُ فِي ذَلِكَ أَمْرَانِ:

стр. 84

أَحَدُهُمَا: النَّقْضُ كَمَا لَوْ قَالَ: الإِنْسَانُ عِبَارَةٌ عَنْ الْحَيَوَانِ. فَيُقَالُ: [لَهُ] ١: يُنْتَقَضُ عَلَيْك بِالْفَرَسِ. فَإِنَّهُ حَيَوَانٌ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِإِنْسَانٍ. وَثَانِيهِمَا: الْمُعَارَضَةُ: كَمَا لَوْ قَالَ: الْغَاصِبُ مِنْ الْغَاصِبِ يَضْمَنُ، لأَنَّهُ غَاصِبٌ، أَوْ وَلَدُ الْمَغْصُوبِ مَضْمُونٌ، لأَنَّهُ مَغْصُوبٌ، لأَنَّ٢ حَدَّ الْغَاصِبِ: "مَنْ وَضَعَ يَدَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ". وَهَذَا وَضَعَ يَدَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَيَكُونُ غَاصِبًا. فَيَقُولُ الْخَصْمُ: أُعَارِضُ هَذَا الْحَدَّ بِحَدٍّ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ حَدَّ الْغَاصِبِ: "مَنْ رَفَعَ الْيَدَ الْمُحِقَّةَ وَوَضَعَ الْيَدَ الْمُبْطِلَةَ". وَهَذَا لَمْ يَرْفَعْ الْيَدَ الْمُحِقَّةَ، فَلا يَكُونُ غَاصِبًا"٣. "لا الْمَنْعُ" يَعْنِي أَنَّهُ لا يَرِدُ الْمَنْعُ عَلَى٤ الْحَدِّ. قَالَ فِي "التَّحْرِيرِ": فِي الأَصَحِّ. ثُمَّ قَالَ فِي "الشَّرْحِ": وَمَا قِيلَ بِالْجَوَازِ فَخَطَأٌ، لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ غَالِبًا. وَلِهَذَا لا يَجُوزُ مَنْعُ النَّقْلِ لِتَكْذِيبِ٥ النَّاقِلِ، وَلأَنَّهُ لا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ إلاَّ بِالْبُرْهَانِ، وَهُمَا مُقَدِّمَتَانِ. فَطَالِبُ الْحَدِّ يَطْلُبُ تَصَوُّرَ كُلِّ مُفْرَدٍ. فَإِذَا أَتَى الْمَسْئُولُ بِحَدِّهِ وَمُنِعَ، احْتَاجَ فِي إثْبَاتِهِ إلَى٦ مِثْلِ٧ الأَوَّلِ، وَتَسَلْسَلَ. ثُمَّ لِلْجَدَلِ اصْطِلاحٌ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَى أَرْبَابِهِ.

стр. 85

" فَصْلٌ"فِي اللُّغَةِ وَأَصْلُهَا: لِغْوَةٌ، عَلَى وَزْنِ فِعْلَةٌ. مِنْ لَغَوْت: إذَا تَكَلَّمْت. وَهِيَ تَوْقِيفٌ وَوَحْيٌ، لا اصْطِلاحٌ وَتَوَاطُؤٌ عَلَى الأَشْهَرِ١. وَذَلِكَ لِمَا رَوَى وَكِيعٌ٢ فِي "تَفْسِيرِهِ" بِسَنَدِهِ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ٣ فِي قَوْلِهِ : ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ ٤. قَالَ "عَلَّمَهُ اسْمَ كُلِّ شَيْءٍ. حَتَّى عَلَّمَهُ الْقَصْعَةَ وَالْقُصَيْعَةَ، وَالْفَسْوَةَ وَالْفُسَيَّةَ"٥ وَلِمَا رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ٦ فِي "تَفْسِيرِهِ" مِنْ

стр. 86

طَرِيقِ الضَّحَّاكِ١ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ . قَالَ: "هِيَ هَذِهِ الأَسْمَاءُ الَّتِي يَتَعَارَفُ بِهَا النَّاسُ الآنَ نَحْوُ٢: إنْسَانٌ، دَابَّةٌ، أَرْضٌ، سَهْلٌ، بَحْرٌ، جَبَلٌ، حِمَارٌ. وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنْ الأَسْمَاءِ٣ وَغَيْرِهَا"٤. ثُمَّ إنَّ أَلْفَاظَ اللُّغَةِ٥ تَنْقَسِمُ إلَى مُتَوَارِدَةٍ، وَإِلَى مُتَرَادِفَةٍ. فَالْمُتَوَارِدَةُ: كَمَا تُسَمَّى الْخَمْرُ عُقَارًا. تُسَمَّى٦ صَهْبَاءَ وَقَهْوَةً، وَالسَّبُعَ: لَيْثًا، وَأَسَدًا وَضِرْغَامًا. وَالْمُتَرَادِفَةُ: هِيَ الَّتِي يُقَامُ لَفْظٌ مَقَامَ لَفْظٍ، لَمَعَانٍ مُتَقَارِبَةٍ، يَجْمَعُهَا مَعْنًى وَاحِدٌ، كَمَا يُقَالُ: أَصْلَحَ الْفَاسِدَ. وَلَمَّ الشَّعَثَ، وَرَتَقَ الْفَتْقَ، وَشَعَبَ الصَّدْعَ٧. وَهَذَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْبَلِيغُ فِي بَلاغَتِهِ. فَبِحُسْنِ الأَلْفَاظِ وَاخْتِلافِهَا

стр. 87

عَلَى الْمَعْنَى الْوَاحِدِ تُرَصَّعُ الْمَعَانِي فِي الْقُلُوبِ، وَتَلْتَصِقُ بِالصُّدُورِ، وَتَزِيدُ حُسْنَهُ وَحَلاوَتَهُ بِضَرْبِ الأَمْثِلَةِ وَالتَّشْبِيهَاتِ الْمَجَازِيَّةِ١. ثُمَّ تَنْقَسِمُ الأَلْفَاظُ أَيْضًا إلَى مُشْتَرَكَةٍ، وَإِلَى عَامَّةٍ مُطْلَقَةٍ، - وَتُسَمَّى مُسْتَغْرِقَةً- وَإِلَى مَا هُوَ مُفْرَدٌ بِإِزَاءِ مُفْرَدٍ. وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ٢. وَالدَّاعِي إلَى ذِكْرِ اللُّغَةِ هَاهُنَا: لِكَوْنِهَا مِنْ الأُمُورِ الْمُسْتَمَدِّ مِنْهَا هَذَا الْعِلْمُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الاسْتِدْلال مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، اللَّذَيْنِ هُمَا أَصْلُ الإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ، وَكَانَا أَفْصَحَ الْكَلامِ الْعَرَبِيِّ: اُحْتِيجَ إلَى مَعْرِفَةِ لُغَةِ الْعَرَبِ، لِتَوَقُّفِ الاسْتِدْلالِ مِنْهُمَا عَلَيْهَا. فَإِنْ قِيلَ: مَنْ سَبَقَ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا ﷺ مِنْ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، إنَّمَا كَانَ مَبْعُوثًا لِقَوْمِهِ خَاصَّةً فَهُوَ مَبْعُوثٌ بِلِسَانِهِمْ، وَنَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٣ مَبْعُوثٌ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ. فَلِمَ لَمْ يُبْعَثْ بِجَمِيعِ الأَلْسِنَةِ، وَلَمْ يُبْعَثْ إلاَّ بِلِسَانِ بَعْضِهِمْ، وَهُمْ الْعَرَبُ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَوْ بُعِثَ بِلِسَانِ جَمِيعِهِمْ، لَكَانَ كَلامُهُ خَارِجًا عَنْ الْمَعْهُودِ، وَيَبْعُدُ بَلْ يَسْتَحِيلُ - أَنْ تَرِدَ كُلُّ كَلِمَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ مُكَرَّرَةً بِكُلِّ الأَلْسِنَةِ. فَيَتَعَيَّنُ الْبَعْضُ. وَكَانَ لِسَانُ الْعَرَبِ أَحَقَّ، لأَنَّهُ أَوْسَعُ وَأَفْصَحُ، وَلأَنَّهُ لِسَانُ الْمُخَاطَبِينَ، وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى غَيْرِهِمْ.

стр. 88

وَلَمَّا خَلْقَ اللَّهُ تَعَالَى النَّوْعَ الإِنْسَانِيَّ، وَجَعَلَهُ مُحْتَاجًا لأُمُورٍ لا يَسْتَقِلُّ بِهَا، بَلْ يَحْتَاجُ فِيهَا إلَى الْمُعَاوَنَةِ: كَانَ لا بُدَّ لِلْمُعَاوِنِ مِنْ الاطِّلاعِ عَلَى مَا فِي نَفْسِ الْمُحْتَاجِ بِشَيْءٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ: مِنْ لَفْظٍ، أَوْ إشَارَةٍ، أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ مِثَالٍ أَوْ نَحْوِهِ١. إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَ "اللُّغَةُ" فِي الدَّلالَةِ عَلَى ذَلِكَ "أَفْيَدُ" أَيْ أَكْثَرُ فَائِدَةً "مِنْ غَيْرِهَا" لأَنَّ اللَّفْظَ يَقَعُ عَلَى الْمَعْدُومِ وَالْمَوْجُودِ، وَالْحَاضِرِ الْحِسِّيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ "وَأَيْسَرُ لِخِفَّتِهَا" لأَنَّ الْحُرُوفَ كَيْفِيَّاتٌ تَعْرِضُ لِلنَّفَسِ الضَّرُورِيِّ، فَلا يَتَكَلَّفُ لَهَا مَا يَتَكَلَّفُ لِغَيْرِهَا٢. "وَسَبَبُهَا" أَيْ سَبَبُ وَضْعِهَا "حَاجَةُ النَّاسِ" إلَيْهَا. قَالَ٣ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ٤: "إنَّ الإِنْسَانَ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مُكْتَفِيًا بِنَفْسِهِ فِي مُهِمَّاتِهِ وَمُقِيمَاتِ مَعَاشِهِ: لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنْ أَنْ يَسْتَرْفِدَ الْمُعَاوَنَةَ٥ مِنْ غَيْرِهِ * وَلِهَذَا الْمَعْنَى اتَّخَذَ النَّاسُ الْمُدُنَ لِيَجْتَمِعُوا وَيَتَعَاوَنُوا"٦. انْتَهَى.

стр. 89

قَالَ: بَعْضُهُمْ ١: "وَلِهَذَا الْمَعْنَى تَوَزَّعَتْ الصَّنَائِعُ وَانْقَسَمَتْ الْحِرَفُ عَلَى٢ الْخَلْقِ. فَكُلُّ وَاحِدٍ قَصَرَ وَقْتَهُ عَلَى حِرْفَةٍ يَسْتَقِلُّ٣ بِهَا، لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَلْقِ لا يُمْكِنُهُ أَنْ يَقُومَ بِجُمْلَةِ مَقَاصِدِهِ. فَحِينَئِذٍ لا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ حَاجَتِهِ حَاضِرَةً ٤ عِنْدَهُ أَوْ غَائِبَةً بَعِيدَةً عَنْهُ. فَإِنْ ٤ ٥ كَانَتْ حَاضِرَةً ٥ أَشَارَ إلَيْهَا، وَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً، فَلا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يَدُلَّ بِشَيْءٍ٦ عَلَى مَحَلِّ حَاجَتِهِ. فَوَضَعُوا الْكَلامَ دَلالَةً، وَوَجَدُوا٧ اللِّسَانَ أَسْرَعَ الأَعْضَاءِ حَرَكَةً وَقَبُولاً لِلتَّرْدَادِ، وَكَانَ الْكَلامُ إنَّمَا يَدُلُّ بِالصَّوْتِ. وَكَانَ الصَّوْتُ إنْ تُرِكَ سُدًى، امْتَدَّ وَطَالَ، وَإِنْ قُطِعَ تَقَطَّعَ، قَطَّعُوهُ٨ وَجَزَّءُوهُ عَلَى حَرَكَاتِ أَعْضَاءِ الإِنْسَانِ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْهَا الصَّوْتُ، - وَهِيَ مِنْ أَقْصَى الرِّئَةِ إلَى مُنْتَهَى الْفَمِ-. فَوَجَدُوهُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ حَرْفًا، قَسَّمُوهَا عَلَى الْحَلْقِ وَالصَّدْرِ، وَالشَّفَةِ وَاللِّثَةِ. ثُمَّ لَمَّا رَأَوْا٩ أَنَّ الْكِفَايَةَ١٠ لا تَقَعُ بِهَذِهِ الْحُرُوفِ رَكَّبُوا مِنْهَا ثُنَائِيًّا وَثُلاثِيًّا وَرُبَاعِيًّا وَخُمَاسِيًّا وَاسْتَثْقَلُوا١١ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ"١٢.

стр. 90

وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: "وَإِنَّمَا كَانَ نَوْعُ الإِنْسَانِ أَكْثَرَ حَاجَةً مِنْ جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ، لأَنَّ غَيْرَهُ قَدْ يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ عَنْ جِنْسِهِ. أَمَّا الإِنْسَانُ: فَمَطْبُوعٌ عَلَى الافْتِقَارِ إلَى جِنْسِهِ فِي الاسْتِعَانَةِ، فَهُوَ صِفَةٌ لازِمَةٌ لِطَبْعِهِ وَخَلْقِهِ، قَائِمَةٌ فِي جَوْهَرِهِ". وَقَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ وَغَيْرُهُ: "سَبَبُ وُجُودِهَا. حَاجَةُ النَّاسِ لِيَعْرِفَ بَعْضُهُمْ مُرَادَ بَعْضٍ لِلتَّسَاعُدِ١ وَالتَّعَاضُدِ٢ بِمَا لا مُؤْنَةَ فِيهِ لِخِفَّتِهَا، وَكَثْرَةِ فَائِدَتِهَا، وَلا مَحْذُورَ. وَهَذَا مِنْ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ. فَمِنْ تَمَامِ نِعَمِهِ عَلَيْنَا: أَنْ جَعَلَ ذَلِكَ بِالنُّطْقِ دُونَ غَيْرِهِ"٣. "وَهِيَ" أَيْ وَحَقِيقَةُ اللُّغَةِ "أَلْفَاظٌ وُضِعَتْ لِمَعَانٍ" يُعَبِّرُ بِهَا كُلُّ قَوْمٍ عَنْ أَغْرَاضِهِمْ، فَلا يَدْخُلُ الْمُهْمَلُ؛ لأَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ لِمَعْنًى٤. "فَمَا الْحَاجَةُ إلَيْهِ" أَيْ فَالْمَعْنَى الَّذِي يَحْتَاجُ الإِنْسَانُ إلَى الاطِّلاعِ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ دَائِمًا، كَطَلَبِ مَا يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ أَلَمِ جُوعٍ، أَوْ عَطَشٍ، أَوْ حَرٍّ، أَوْ بَرْدٍ "وَالظَّاهِرُ: أَوْ كَثُرَتْ" حَاجَتُهُ إلَيْهِ. كَالْمُعَامَلاتِ "لَمْ تَخْلُ مِنْ" وَضْعِ "لَفْظٍ لَهُ". "وَيَجُوزُ خُلُوُّهَا مِنْ لَفْظٍ لِعَكْسِهِمَا٥" وَهُمَا٦: مَا لا يُحْتَاجُ إلَيْهِ أَلْبَتَّةَ، أَوْ تَقِلُّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ.

стр. 91

قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي "مُقَنَّعِهِ": مَا احْتَاجَ النَّاسُ إلَيْهِ لَمْ تَخْلُ اللُّغَةُ١ مِنْ لَفْظٍ يُفِيدُهُ، وَمَا لَمْ يَحْتَاجُوا إلَيْهِ يَجُوزُ خُلُوُّهَا عَمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَمَا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ غَالِبًا. فَالظَّاهِرُ عَدَمُ خُلُوِّهَا عَنْهُ٢، وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ" انْتَهَى. قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": وَحَاصِلُهُ٣ أَنَّ مَعَنَا أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا احْتَاجَهُ النَّاسُ وَاضْطُرُّوا إلَيْهِ. فَلا بُدَّ لَهُمْ مِنْ وَضْعِهِ. الثَّانِي: عَكْسُهُ؛ مَا لا يَحْتَاجُ إلَيْهِ أَلْبَتَّةَ، يَجُوزُ خُلُوُّهَا عَنْهُ، وَخُلُوُّهَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ- أَكْثَرَ. الثَّالِثُ: مَا كَثُرَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ، الظَّاهِرُ عَدَمُ خُلُوِّهَا، بَلْ هُوَ كَالْمَقْطُوعِ بِهِ. الرَّابِعُ: عَكْسُهُ؛ مَا قَلَّتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ، يَجُوزُ خُلُوُّهَا عَنْهُ٤، وَلَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ. "وَالصَّوْتُ" الْحَاصِلُ عِنْدَ اصْطِكَاكِ الأَجْرَامِ "عَرَضٌ مَسْمُوعٌ" وَسَبَبُهُ انْضِغَاطُ الْهَوَاءِ بَيْنَ الْجِرْمَيْنِ، فَيَتَمَوَّجُ تَمَوُّجًا شَدِيدًا، فَيَخْرُجُ، فَيَقْرَعُ٥ صِمَاخَ الأُذُنِ، فَتُدْرِكُهُ قُوَّةُ السَّمْعِ.

стр. 92

فَصَوْتُ الْمُتَكَلِّمِ: عَرَضٌ حَاصِلٌ عَنْد١ اصْطِكَاكِ٢ أَجْرَامِ الْفَمِ - وَهِيَ مَخَارِجُ الْحُرُوفِ- وَدَفْعُ٣ النَّفَسِ لِلْهَوَاءِ، مُتَكَيِّفًا٤ بِصُورَةِ كَلامِ الْمُتَكَلِّمِ إلَى أُذُنِ السَّامِعِ. وَقَوْلُهُمْ "الصَّوْتُ عَرَضٌ"، يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الأَعْرَاضِ، وَقَوْلُهُمْ "مَسْمُوعٌ" أخَرَجَ٥ جَمِيعُهَا، إلاَّ مَا يُدْرَكُ بِالسَّمْعِ. "قُلْت: بَلْ" الأَخْلَصُ فِي الْعِبَارَةِ أَنْ يُقَالَ: الصَّوْتُ "صِفَةٌ مَسْمُوعَةٌ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ". قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": وَإِنَّمَا بَدَأْنَا٦ بِالصَّوْتِ؛ لأَنَّهُ الْجِنْسُ الأَعْلَى لِلْكَلامِ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِ الْكَلامِ عَلَيْهِ. "وَاللَّفْظُ" فِي اللُّغَةِ: الرَّمْيُ، وَفِي الاصْطِلاحِ "صَوْتٌ مُعْتَمِدٌ عَلَى بَعْضِ مَخَارِجِ الْحُرُوفِ" لأَنَّ الصَّوْتَ لِخُرُوجِهِ مِنْ الْفَمِ صَارَ كَالْجَوْهَرِ الْمَرْمِيِّ مِنْهُ. فَهُوَ مَلْفُوظٌ. فَأُطْلِقَ اللَّفْظُ عَلَيْهِ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الْمَفْعُولِ بِاسْمِ الْمَصْدَرِ، كَقَوْلِهِمْ٧: نَسْجُ الْيَمِينِ: أَيْ مَنْسُوجُهُ.

стр. 93

إذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَاللَّفْظُ الاصْطِلاحِيُّ: نَوْعٌ لِلصَّوْتِ، لأَنَّهُ صَوْتٌ مَخْصُوصٌ. وَلِهَذَا أُخِذَ الصَّوْتُ فِي حَدِّ اللَّفْظِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ فِي حَدِّ الشَّيْءِ جِنْسُ ذَلِكَ الشَّيْءِ. "وَالْقَوْلُ" فِي اللُّغَةِ: مُجَرَّدُ النُّطْقِ، وَفِي الاصْطِلاحِ: "لَفْظٌ وُضِعَ لِمَعْنًى ذِهْنِيٍّ". لَمَّا كَانَ اللَّفْظُ أَعَمَّ مِنْ الْقَوْلِ لِشُمُولِهِ الْمُهْمَلَ، وَالْمُسْتَعْمَلَ أُخْرِجَ١ الْمُهْمَلُ بِقَوْلِهِ "وُضِعَ لِمَعْنًى". وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِهِ "وُضِعَ لِمَعْنًى" عَلَى ثَلاثَةِ أَقْوَالٍ٢. أَحَدُهَا: مَا فِي الْمَتْنِ، وَهُوَ الْمَعْنَى الذِّهْنِيُّ؛ وَهُوَ مَا يَتَصَوَّرُهُ الْعَقْلُ، سَوَاءً طَابَقَ مَا فِي الْخَارِجِ أَوْ لا، لِدَوَرَانِ الأَلْفَاظِ مَعَ الْمَعَانِي الذِّهْنِيَّةِ وُجُودًا وَعَدَمًا٣. وَهَذَا٤ الْقَوْلُ اخْتَارَهُ الرَّازِيّ٥ وَأَتْبَاعُهُ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ مِنْ أَصْحَابِنَا.

стр. 94

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ وُضِعَ لِلْمَعْنَى١ الْخَارِجِيِّ، أَيْ الْمَوْجُودِ فِي الْخَارِجِ. وَبِهِ قَطَعَ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ٢. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ وُضِعَ لِلْمَعْنَى مِنْ حَيْثُ هُوَ مِنْ غَيْرِ مُلاحَظَةِ كَوْنِهِ٣ فِي الذِّهْنِ، أَوْ فِي الْخَارِجِ. وَاخْتَارَهُ السُّبْكِيُّ الْكَبِيرُ٤. وَمَحَلُّ الْخِلافُ فِي الاسْمِ النَّكِرَةِ٥.

стр. 95

"وَالْوَضْعُ" نَوْعَانِ١. وَضْعٌ "خَاصٌّ: وَهُوَ جَعْلُ اللَّفْظِ دَلِيلاً عَلَى الْمَعْنَى" الْمَوْضُوعِ لَهُ، أَيْ جَعْلُ اللَّفْظِ مُتَهَيِّئًا لأَنْ يُفِيدَ ذَلِكَ الْمَعْنَى عِنْدَ اسْتِعْمَالِ الْمُتَكَلِّمِ لَهُ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ. وَقَوْلُنَا "وَلَوْ مَجَازًا" لِيَشْمَلَ٢ الْمَنْقُولَ مِنْ شَرْعِيٍّ وَعُرْفِيٍّ٣. قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. "وَ" نَوْعٌ "عَامٌّ، وَهُوَ تَخْصِيصُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ. كَالْمَقَادِيرِ" أَيْ كَجَعْلِ الْمَقَادِيرِ دَالَّةً عَلَى مُقَدَّرَاتِهَا مِنْ مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ وَمَعْدُودٍ وَمَذْرُوعٍ٤ وَغَيْرِهَا٥. وَفِي كِلا النَّوْعَيْنِ الْوَضْعُ: أَمْرٌ مُتَعَلِّقٌ بِالْوَاضِعِ. "وَالاسْتِعْمَالُ إطْلاقُ اللَّفْظِ وَإِرَادَةُ الْمَعْنَى" أَيْ إرَادَةُ مُسَمَّى اللَّفْظِ بِالْحُكْمِ، وَهُوَ الْحَقِيقَةُ، أَوْ غَيْرِ مُسَمَّاهُ لِعَلاقَةٍ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ الْمَجَازُ، وَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الْمُتَكَلِّمِ٦.

стр. 96

"وَالْحَمْلُ: اعْتِقَادُ السَّامِعِ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ لَفْظِهِ" أَوْ مَا اشْتَمَلَ عَلَى مُرَادِهِ. فَالْمُرَادُ: كَاعْتِقَادِ الْحَنْبَلِيِّ وَالْحَنَفِيِّ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ بِلَفْظِ الْقُرْءِ: الْحَيْضَ، وَالْمَالِكِيِّ وَالشَّافِعِيِّ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ بِهِ: الطُّهْرَ١. وَهَذَا مِنْ صِفَاتِ السَّامِعِ٢. فَالْوَضْعُ سَابِقٌ، وَالْحَمْلُ لاحِقٌ، وَالاسْتِعْمَالُ مُتَوَسِّطٌ. "وَهِيَ" أَيْ اللُّغَةُ نَوْعَانِ٣: "مُفْرَدٌ، كَزَيْدٍ، وَمُرَكَّبٌ، كَعَبْدِ اللَّهِ" أَمَّا الْمُفْرَدُ، فَلا نِزَاعَ فِي وَضْعِ الْعَرَبِ لَهُ، وَأَمَّا الْمُرَكَّبُ، فَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ مِنْ اللُّغَةِ. وَعَلَيْهِ الأَكْثَرُ، وَأَنَّ الْمُرَكَّبَ مُرَادِفٌ لِلْمُؤَلَّفِ، لِتَرَادُفِ التَّرْكِيبِ وَالتَّأْلِيفِ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمُفْرَدَ فِي اصْطِلاحِ النُّحَاةِ: هُوَ الْكَلِمَةُ الْوَاحِدَةُ، كَمَا مَثَّلْنَا فِي الْمَتْنِ، وَعِنْدَ الْمَنَاطِقَةِ وَالأُصُولِيِّينَ: لَفْظٌ وُضِعَ لِمَعْنًى، وَلا جُزْءَ لِذَلِكَ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلَى جُزْءِ٤ الْمَعْنَى الْمَوْضُوعِ لَهُ٥. فَشَمِلَ ذَلِكَ٦ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ٧: الأَوَّلُ: مَا لا جُزْءَ لَهُ أَلْبَتَّةَ، كَبَاءِ الْجَرِّ.

стр. 97

الثَّانِي: مَا لَهُ جُزْءٌ، وَلَكِنْ لا يَدُلُّ مُطْلَقًا١، كَالزَّايِ مِنْ زَيْدٍ. الثَّالِثُ: مَا لَهُ جُزْءٌ يَدُلُّ، لَكِنْ لا عَلَى جُزْءِ الْمَعْنَى. كَإِنْ مِنْ حُرُوفِ إنْسَانٍ؛ فَإِنَّهَا لا تَدُلُّ عَلَى بَعْضِ الإِنْسَانِ، وَإِنْ كَانَتْ بِانْفِرَادِهَا٢ تَدُلُّ عَلَى الشَّرْطِ أَوْ النَّفْيِ. الرَّابِعُ: مَا لَهُ جُزْءٌ يَدُلُّ عَلَى جُزْءِ الْمَعْنَى، لَكِنْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَضْعِ كَقَوْلِنَا: "حَيَوَانٌ نَاطِقٌ" عَلَمًا عَلَى شَخْصٍ. وَاعْلَمْ أَيْضًا: أَنَّ الْمُرَكَّبَ عِنْدَ النُّحَاةِ: مَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ كَلِمَةٍ، فَشَمِلَ التَّرْكِيبَ الْمَزْجِيَّ، كَبَعْلَبَكّ، وَسِيبَوَيْهِ، وَخَمْسَةَ عَشَرَ، وَنَحْوِهَا، وَالْمُضَافَ، وَلَوْ عَلَمًا، كَمَا مَثَّلْنَا فِي الْمَتْنِ. وَعِنْدَ الْمَنَاطِقَةِ وَالأُصُولِيِّينَ: مَا دَلَّ ٣ جُزْؤُهُ عَلَى ٣ جُزْءِ مَعْنَاهُ الَّذِي وُضِعَ لَهُ، فَشَمِلَ الإِسْنَادِيَّ، كَقَامَ زَيْدٌ، وَالإِضَافِيَّ: كَغُلامِ زَيْدٍ، وَالتَّقْيِيدِيَّ، كَزَيْدٍ الْعَالِمِ٤. وَأَمَّا نَحْوُ "يَضْرِبُ" فَمُفْرَدٌ عَلَى مَذْهَبِ النُّحَاةِ، وَمُرَكَّبٌ عَلَى مَذْهَبِ الْمَنَاطِقَةِ وَالأُصُولِيِّينَ؛ لأَنَّ الْيَاءَ مِنْهُ تَدُلُّ عَلَى جُزْءِ مَعْنَاهُ، وَهُوَ الْمُضَارَعَةُ٥. "وَالْمُفْرَدُ" ٦ مِنْ حَيْثُ هُوَ ٦ قِسْمَانِ:

стр. 98

قِسْمٌ١ "مُهْمَلٌ": كَأَسْمَاءِ حُرُوفِ الْهِجَاءِ؛ لأَنَّ مَدْلُولاتِهَا هِيَ٢ عَيْنُهَا. فَإِنَّ مَدْلُولَ الأَلِفِ: "أَ" وَمَدْلُولَ الْبَاءِ "بَ". وَهَكَذَا إلَى آخِرِهَا. وَهَذِهِ الْمَدْلُولاتُ لَمْ تُوضَعْ بِإِزَاءِ شَيْءٍ. قَالَ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ٣ وَغَيْرُهُ: أَلا تَرَى أَنَّ الصَّادَ مَوْضُوعٌ لِهَذَا الْحَرْفِ، وَهُوَ مُهْمَلٌ، لا مَعْنَى لَهُ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّمُهُ الصِّغَارُ فِي الابْتِدَاءِ لِلتَّوَصُّلِ بِهِ إلَى مَعْرِفَةِ غَيْرِهِ! "وَ" قِسْمٌ "مُسْتَعْمَلٌ"٤. إذَا تَقَرَّرَ هَذَا: "فَـ" الْمُفْرَدُ الْمُسْتَعْمَلُ "إنْ اسْتَقَلَّ٥ بِمَعْنَاهُ. فَإِنْ٦ دَلَّ بِهَيْئَتِهِ٧ عَلَى زَمَنٍ" مِنْ الأَزْمِنَةِ "الثَّلاثَةِ" وَهِيَ الْمَاضِي وَالْحَالُ وَالاسْتِقْبَالُ٨ "فَـ" ـهُوَ "الْفِعْلُ"٩

стр. 99

"هُوَ"١ أَيْ الْفِعْلُ ثَلاثَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا: "مَاضٍ" كَقَامَ وَنَحْوِهِ "وَيَعْرِضُ لَهُ الاسْتِقْبَالُ بِالشَّرْطِ" نَحْوَ: "إنْ قَامَ زَيْدٌ قُمْت". فَأَصْلُ وَضْعِهِ لِلْمَاضِي، وَقَدْ يَخْرُجُ عَنْ أَصْلِهِ لِمَا يَعْرِضُ لَهُ٢. "وَ" النَّوْعُ الثَّانِي: "مُضَارِعٌ" كَيَقُومُ وَنَحْوِهِ "وَيَعْرِضُ لَهُ الْمُضِيُّ بِلَمْ" نَحْوَ: "لَمْ يَقُمْ زَيْدٌ". فَأَصْلُ وَضْعِهِ لِلْحَالِ وَالاسْتِقْبَالِ. وَقَدْ يَخْرُجُ عَنْ أَصْلِهِ لِمَا يَعْرِضُ لَهُ. وَلِلْعُلَمَاءِ فِيمَا وُضِعَ لَهُ الْمُضَارِعُ مَذَاهِبُ خَمْسَةٌ٣: الْمَشْهُورُ مِنْهَا: أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْحَالِ وَالاسْتِقْبَالِ. قَالَ ابْنُ مَالِكٍ٤: إلاَّ أَنَّ الْحَالَ يَتَرَجَّحُ عِنْدَ التَّجَرُّدِ٥. الثَّانِي: أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ، مَجَازٌ فِي الاسْتِقْبَالِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الاسْتِقْبَالِ، مَجَازٌ فِي الْحَالِ. الرَّابِعُ: أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ، وَلا يُسْتَعْمَلُ فِي الاسْتِقْبَالِ أَصْلاً، لا حَقِيقَةً وَلا مَجَازًا.

стр. 100

الْخَامِسُ: أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الاسْتِقْبَالِ، وَلا يُسْتَعْمَلُ فِي الْحَالِ أَصْلاً، لا حَقِيقَةً وَلا مَجَازًا. وَأَمَّا اسْتِعْمَالُهُ فِيمَا يَعْرِضُ لَهُ، فَمَجَازٌ وِفَاقًا. "وَأَمْرٌ" أَيْ وَالنَّوْعُ الثَّالِثُ مِنْ الأَفْعَالِ: فِعْلُ١ الأَمْرِ٢ كَقُمْ. "وَتَجَرُّدُهُ" أَيْ تَجَرُّدُ الْفِعْلِ "عَنْ الزَّمَانِ" أَيْ عَنْ أَحَدِ الأَزْمِنَةِ الثَّلاثَةِ "لِلإِنْشَاءِ" كَزَوَّجْتُ وَقَبِلْت "عَارِضٌ" بِوَضْعِ الْعُرْفِ. "وَقَدْ يَلْزَمُهُ" أَيْ يَلْزَمُ الْفِعْلَ التَّجَرُّدُ٣ عَنْ٤ الزَّمَانِ "كَعَسَى" فَإِنَّهُ وُضِعَ أَوَّلاً لِلْمَاضِي، وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ فِيهِ قَطُّ، بَلْ فِي الإِنْشَاءِ. قَالَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ: وَكَذَا "حَبَّذَا" فَإِنَّهُ لا مَعْنَى لَهَا فِي الأَزْمِنَةِ. "وَقَدْ" يَتَجَرَّدُ الْفِعْلُ عَنْ الزَّمَانِ وَ "لا" يَلْزَمُهُ التَّجَرُّدُ٥ "كَنِعْمَ" وَبِئْسَ، فَإِنَّهُمَا تَارَةً يُسْتَعْمَلانِ عَلَى أَصْلِهِمَا، كَـ"نِعْمَ زَيْدٌ أَمْسِ"، "وَبِئْسَ زَيْدٌ أَمْسِ". وَتَارَةً يُسْتَعْمَلانِ لا بِنَظَرٍ إلَى زَمَانٍ، بَلْ لِقَصْدِ٦ الْمَدْحِ أَوْ الذَّمِّ مُطْلَقًا كَنِعْمَ زَيْدٌ، وَبِئْسَ زَيْدٌ. "وَإِلاَّ" أَيْ وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ الْمُفْرَدُ الْمُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَاهُ٧ بِهَيْئَتِهِ عَلَى أَحَدِ الأَزْمِنَةِ "فَـ" ـهُوَ "الاسْمُ"٨.

стр. 101

فَصَبُوحٌ١، وَغَبُوقٌ٢. وَأَمْسُ، وَغَدٌ: وَضَارِبُ أَمْسِ، وَضَارِبُ الْيَوْمِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ: يَدُلُّ بِنَفْسِهِ عَلَى الزَّمَانِ، لَكِنْ لَمْ يَدُلَّ وَضْعًا، بَلْ لِعَارِضٍ٣. كَاللَّفْظِ بِالاسْمِ وَمَدْلُولِهِ. فَإِنَّهُ لازِمٌ كَالْمَكَانِ، وَنَحْوُ: صَهٍ، دَلَّ عَلَى "اُسْكُتْ" وَبِوَاسِطَتِهِ عَلَى سُكُوتٍ مُقْتَرِنٍ بِالاسْتِقْبَالِ٤. وَالْمُضَارِعُ إنْ قِيلَ: مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْحَالِ وَالاسْتِقْبَالِ، فَوَضْعُهُ لأَحَدِهِمَا، وَاللُّبْسُ عِنْدَ السَّامِعِ. "وَإِنْ لَمْ يَسْتَقِلَّ" اللَّفْظُ الْمُفْرَدُ بِمَعْنَاهُ، كَعَنْ وَلَنْ "فَـ" ـهُوَ "الْحَرْفُ". وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُحَدُّ "وَهُوَ: مَا دَلَّ عَلَى مَعْنًى فِي غَيْرِهِ" لِيَخْرُجَ الاسْمُ وَالْفِعْلُ٥. وَقِيلَ: لا يَحْتَاجُ إلَى حَدٍّ، لأَنَّ تَرْكَ الْعَلامَةِ لَهُ٦ عَلامَةٌ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْحَدَّ لِتَعْرِيفِ حَقِيقَةِ الْمَحْدُودِ، وَلا تُعْرَفُ حَقِيقَةٌ بِتَرْكِ تَعْرِيفِهَا. "وَ" أَمَّا "الْمُرَكَّبُ" ٧ مِنْ حَيْثُ هُوَ أَيْضًا ٧ فَقِسْمَانِ:

стр. 102

قِسْمٌ "مُهْمَلٌ": وَهُوَ١ "مَوْجُودٌ" فِي اخْتِيَارِ الْبَيْضَاوِيِّ٢ وَالتَّاجِ السُّبْكِيّ٣. وَمَثَّلاهُ بِالْهَذَيَانِ. فَإِنَّهُ لَفْظٌ مَدْلُولُهُ لَفْظٌ مُرَكَّبٌ مُهْمَلٌ٤. وَقَالَ الرَّازِيّ: وَالأَشْبَهُ أَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ، لأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ التَّرْكِيبِ٥ الإِفَادَةُ٦. وَهَذَا إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُهْمَلَ غَيْرُ مَوْضُوعٍ، لا عَلَى

стр. 103

أَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ لَهُ اسْمٌ١. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُهْمَلَ "لَمْ تَضَعْهُ الْعَرَبُ قَطْعًا"٢. "وَ" الْقِسْمُ الثَّانِي: "مُسْتَعْمَلٌ وَضَعَتْهُ" الْعَرَبُ، خِلافًا لِلرَّازِيِّ، وَابْنِ مَالِكٍ وَجَمْعٍ. وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ وَضْعِهِ: أَنَّ لَهُ قَوَانِينَ فِي الْعَرَبِيَّةِ لا يَجُوزُ تَغْيِيرُهَا، وَمَتَى غُيِّرَتْ حُكِمَ عَلَيْهَا بِأَنَّهَا لَيْسَتْ عَرَبِيَّةً، كَتَقْدِيمِ الْمُضَافِ إلَيْهِ عَلَى الْمُضَافِ، وَإِنْ كَانَ مُقَدَّمًا فِي غَيْرِ لُغَةِ الْعَرَبِ. وَكَتَقْدِيمِ الصِّلَةِ أَوْ مَعْمُولِهَا عَلَى الْمَوْصُولِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لا يَنْحَصِرُ فَحَجَرُوا٣ فِي التَّرْكِيبِ. كَمَا فِي الْمُفْرَدَاتِ٤. قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَعَزَاهُ غَيْرُهُ إلَى الْجُمْهُورِ٥. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَضَعْ الْمُرَكَّبَ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ يَعْرِفُ لَفْظَيْنِ لا يَفْتَقِرُ عِنْدَ سَمَاعِهِمَا مَعَ إسْنَادٍ إلَى مُعَرَّفٍ لِمَعْنَى الإِسْنَادِ، بَلْ يُدْرِكُهُ ضَرُورَةً٦، [وَ] لأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَكَّبُ مَوْضُوعًا لافْتَقَرَ كُلُّ مُرَكَّبٍ إلَى سَمَاعٍ مِنْ الْعَرَبِ كَالْمُفْرَدَاتِ٧.

стр. 104

قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ١: وَالتَّحْقِيقُ أَنْ يُقَالَ: إنْ أُرِيدَ أَنْوَاعُ الْمُرَكَّبَاتِ فَالْحَقُّ أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ أَوْ جُزْئِيَّاتُ النَّوْعِ فَالْحَقُّ الْمَنْعُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْزِلَ الْمَذْهَبَانِ عَلَى ذَلِكَ٢. قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": وَمِمَّا يَتَفَرَّعُ عَلَى ٣ الْخِلافِ مَا سَيَأْتِي أَنَّ الْمَجَازَ هَلْ يَكُونُ فِي التَّرْكِيبِ؟ وَأَنَّ الْعَلاقَةَ هَلْ تُشْتَرَطُ فِي آحَادِهِ؟ وَنَحْوُ ذَلِكَ. "وَهُوَ" أَيْ الْمُرَكَّبُ الَّذِي وَضَعَتْهُ ٣ الْعَرَبُ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: "غَيْرُ جُمْلَةٍ: كَمُثَنَّى" لأَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ مُفْرَدِهِ وَمِنْ عَلامَةِ التَّثْنِيَةِ "وَجَمْعٍ٤" لِتَرَكُّبِهِ٥ مِنْ الْمُفْرَدِ وَعَلامَةِ الْجَمْعِ٦.

стр. 105

"وَ" النَّوْعُ الثَّانِي: "جُمْلَةٌ، وَتَنْقَسِمُ" الْجُمْلَةُ "إلَى مَا" أَيْ إلَى لَفْظٍ "وُضِعَ لإِفَادَةِ نِسْبَةٍ. وَهُوَ" أَيْ وَاللَّفْظُ الَّذِي وُضِعَ لإِفَادَةِ نِسْبَةٍ هُوَ "الْكَلامُ" لا غَيْرُهُ. "وَلا يَتَأَلَّفُ" الْكَلامُ "إلاَّ مِنْ اسْمَيْنِ" نَحْوُ "زَيْدٌ قَائِمٌ" "أَوْ" مِنْ "اسْمٍ وَفِعْلٍ" نَحْوُ "قَامَ زَيْدٌ"؛ لأَنَّ الْكَلامَ يَتَضَمَّنُ الإِسْنَادَ، وَهُوَ يَقْتَضِي مُسْنَدًا وَمُسْنَدًا إلَيْهِ. وَلَمَّا كَانَ الاسْمُ يَصِحُّ١ أَنْ يُسْنَدَ ٢ وَأَنْ يُسْنَدَ ٢ إلَيْهِ، ٣ صَحَّ تَأْلِيفُ الْكَلامِ ٣ مِنْ جِنْسِ الاسْمِ فَقَطْ. وَلَمَّا كَانَ الْفِعْلُ يَصْلُحُ أَنْ يُسْنَدَ، وَلا يَصْلُحُ أَنْ يُسْنَدَ إلَيْهِ: صَحَّ تَأْلِيفُ الْكَلامِ مِنْهُ٤، إذَا كَانَ مَعَ اسْمٍ لا بِدُونِهِ٥، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُسْنَدُ وَالْمُسْنَدُ إلَيْهِ "مِنْ" مُتَكَلِّمٍ "وَاحِدٍ" قَالَهُ الْبَاقِلاَّنِيُّ وَالْغَزَالِيُّ وَابْنُ مُفْلِحٍ وَغَيْرُهُمْ٦. وَقَالَ جَمْعٌ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ مُتَكَلِّمَيْنِ فَأَكْثَرَ، بِأَنْ يَتَّفِقَا عَلَى٧ أَنْ يَذْكُرَ أَحَدُهُمَا الْفِعْلَ وَالآخَرُ الْفَاعِلَ، أَوْ أَحَدُهُمَا الْمُبْتَدَأَ، وَالآخَرُ الْخَبَرَ٨.

стр. 106

وَرُدَّ بِأَنَّ الْكَلامَ لا بُدَّ لَهُ مِنْ إسْنَادٍ، وَهُوَ لا يَكُونُ إلاَّ مِنْ وَاحِدٍ. فَإِنْ وُجِدَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إسْنَادٌ بِالإِرَادَةِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَكَلِّمٌ بِكَلامٍ مُرَكَّبٍ، وَلَكِنْ حُذِفَ بَعْضُهُ لِدَلالَةِ الآخَرِ عَلَيْهِ. فَلَمْ يُوجَدْ كَلامٌ مِنْ مُتَكَلِّمَيْنِ، بَلْ كَلامَانِ مِنْ اثْنَيْنِ. انْتَهَى. قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": وَهُوَ التَّحْقِيقُ١، ثُمَّ قَالَ: وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا فَرْعًا مُتَرَتِّبًا عَلَى ذَلِكَ. وَهُوَ مَا إذَا قَالَ رَجُلٌ: امْرَأَةُ فُلانٍ طَالِقٌ. فَقَالَ الزَّوْجُ: ثَلاثًا. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هِيَ تُشْبِهُ مَا لَوْ قَالَ: لِي٢ عَلَيْكَ أَلْفٌ، فَقَالَ: صِحَاحٌ. وَفِيهَا وَجْهَانِ. قَالَ: وَهَذَا٣ أَصْلٌ فِي الْكَلامِ مِنْ اثْنَيْنِ، إنْ أَتَى الثَّانِي بِالصِّفَةِ وَنَحْوِهَا: هَلْ يَكُونُ مُتَمِّمًا لِلأَوَّلِ، أَمْ لا؟ انْتَهَى. "وَحَيَوَانٌ نَاطِقٌ، وَكَاتِبٌ، فِي "زَيْدٌ كَاتِبٌ"، لَمْ يُفِدْ نِسْبَةً" قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": هَذَا جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، تَقْدِيرُهُ: أَنَّ الْحَدَّ الْمَذْكُورَ لِلْجُمْلَةِ غَيْرُ مُطَّرِدٍ ضَرُورَةَ صِدْقِهِ عَلَى الْمُرَكَّبِ التَّقْيِيدِيِّ، وَعَلَى نَحْوِ "كَاتِبٌ" فِي قَوْلِه٤: "زَيْدٌ كَاتِبٌ". وَالْمُرَادُ بِالْمُرَكَّبِ التَّقْيِيدِيِّ: الْمُرَكَّبُ مِنْ اسْمَيْنِ، أَوْ مِنْ اسْمٍ وَفِعْلٍ، بِحَيْثُ يَكُونُ الثَّانِي قَيْدًا فِي الأَوَّلِ، وَيَقُومُ مَقَامَهُمَا لَفْظٌ مُفْرَدٌ، مِثْلُ "حَيَوَانٌ

стр. 107

نَاطِقٌ"، وَ "اَلَّذِي يَكْتُبُ". فَإِنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الأَوَّلِ: "الإِنْسَانُ"، وَمَقَامَ الثَّانِي: "الْكَاتِبُ". وَإِنَّمَا قُلْنَا١: الْحَدُّ يَصْدُقُ عَلَيْهِمَا؛ لأَنَّ الأَوَّلَ لَفْظٌ وُضِعَ لإِفَادَةِ نِسْبَةٍ تَقْيِيدِيَّةٍ٢، وَالثَّانِي: وُضِعَ لإِفَادَةِ نِسْبَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ إلَى الضَّمِيرِ الَّذِي هُوَ فَاعِلُهُ. وَالْجَوَابُ عَنْ السُّؤَالِ الْمُقَدَّرِ أَنْ يُقَالَ: لا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحَدَّ يَصْدُقُ عَلَيْهِمَا؛ لأَنَّ الْمُرَادَ بِإِفَادَةِ النِّسْبَةِ: إفَادَةُ نِسْبَةٍ٣ يَحْسُنُ السُّكُوتُ عَلَيْهَا، وَهُمَا لَمْ يُوضَعَا لإِفَادَةِ نِسْبَةٍ كَذَلِكَ٤. انْتَهَى. وَلَمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الْجُمْلَةَ تَنْقَسِمُ إلَى مَا وُضِعَ لإِفَادَةِ نِسْبَةٍ٥، وَإِلَى غَيْرِ مَا وُضِعَ لإِفَادَةِ نِسْبَةٍ٦، وَانْتَهَى٧ الْكَلامُ عَلَى الأَوَّلِ. شَرَعَ فِي الْكَلامِ عَلَى الثَّانِي، * فَقَالَ:

стр. 108

وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ: كَلِمَةُ لَبِيدٍ١: أَلا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلا اللَّهَ بَاطِلٌ٢" فَسَمَّى ذَلِكَ كُلَّهُ كَلِمَةً. وَهُوَ مَجَازٌ، مُهْمَلٌ فِي عُرْفِ النُّحَاةِ، فَقِيلَ: هُوَ مِنْ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ بَعْضِهِ، وَقِيلَ: لَمَّا ارْتَبَطَتْ أَجْزَاءُ الْكَلامِ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، حَصَلَ لَهُ٣ بِذَلِكَ وَحْدَهُ، فَشَابَهَ بِهِ٤ الْكَلِمَةَ٥. فَأَطْلَقَ عَلَيْهِ كَلِمَةً. "وَ" يُرَادُ بِهِ، أَيْ بِالْكَلامِ "الْكَلِمَةُ" عَكْسُ مَا قَبْلَهُ، فَيُقَالُ: تَكَلَّمَ بِكَلامٍ، وَمُرَادُهُمْ "بِكَلِمَةٍ"٦ قَالَ سِيبَوَيْهِ٧ فِي قَوْلِهِمْ: "مَنْ أَنْتَ زَيْدٌ"، مَعْنَاهُ: مَنْ أَنْتَ، كَلامُك زَيْدٌ.

стр. 109

"وَ" يُرَادُ بِالْكَلامِ أَيْضًا "الْكَلِمُ الَّذِي لَمْ يُفِدْ"١، وَمِنْهُ حَدِيثُ "الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ"٢: "أُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ، وَنُهِينَا عَنْ الْكَلامِ٣".فَيَشْمَلُ الْكَلِمَةَ الْوَاحِدَةَ، وَالْكَلِمَ الَّذِي لَمْ يُفِدْ. وَالْحَالِفُ أَنْ لا يَتَكَلَّمَ، يَحْنَثُ بِمُطْلَقِ اللَّفْظِ. "وَتَنَاوُلُ الْكَلامِ وَالْقَوْلِ عِنْدَ الإِطْلاقِ لِلَّفْظِ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا، كَالإِنْسَانِ" أَيْ كَتَنَاوُلِ لَفْظِ الإِنْسَانِ "لِلرُّوحِ وَالْبَدَنِ". قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: عِنْدَ السَّلَفِ وَالْفُقَهَاءِ، وَالأَكْثَرِ٤. وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلامِ: مُسَمَّى الْكَلامِ هُوَ اللَّفْظُ، وَأَمَّا الْمَعْنَى: فَلَيْسَ جُزْأَهُ، بَلْ مَدْلُولَهُ، وَقَالَهُ النُّحَاةُ: لِتَعَلُّقِ صِنَاعَتِهِمْ بِاللَّفْظِ فَقَطْ٥.

стр. 110

وَعَكَسَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كِلابٍ١ وَأَتْبَاعُهُ ذَلِكَ، فَقَالُوا: مُسَمَّى الْكَلامِ الْمَعْنَى فَقَطْ٢. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ ابْنِ كِلابٍ: الْكَلامُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، فَيُسَمَّى اللَّفْظُ كَلامًا٣ حَقِيقَةً، وَيُسَمَّى الْمَعْنَى كَلامًا حَقِيقَةً٤. وَرُوِيَ عَنْ الأَشْعَرِيِّ٥ وَبَعْضِ الْكِلابِيَّةِ: أَنَّ الْكَلامَ حَقِيقَةٌ فِي لَفْظِ الآدَمِيِّينَ، لأَنَّ حُرُوفَ الآدَمِيِّينَ تَقُومُ بِهِمْ، مَجَازٌ٦ فِي كَلامِ اللَّهِ ، لأَنَّ الْكَلامَ الْعَرَبِيَّ عِنْدَهُمْ لا يَقُومُ بِهِ تَعَالَى٧. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: "اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ تَعَالَى، ٨ فَإِنْ كَانَ ٨ كَلامُهُ هُوَ الْمَعْنَى فَقَطْ. وَالنَّظْمُ الْعَرَبِيُّ الَّذِي يَدُلُّ
следующие страницы →