Полный текст (2 398 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
حُجَّةٌ، لاسْتِنَادِهِ إلَى قَاطِعٍ فِي الْعَادَةِ، وَالْعَادَةُ لا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأُمَمِ. وَإِلاَّ لَكَانَ مُسْتَنَدُهُ مَظْنُونًا. وَالْوَجْهُ الْوَقْفُ١.
"وَ" كَذَا "لا" يَكُونُ إجْمَاعُ "أَهْلِ الْمَدِينَةِ حُجَّةً" مَعَ مُخَالَفَةِ مُجْتَهِدٍ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ؛ لأَنَّهُمْ بَعْضُ الأُمَّةِ، لا كُلُّهَا؛ لأَنَّ الْعِصْمَةَ مِنْ الْخَطَإِ إنَّمَا تُنْسَبُ٢ لِلْأُمَّةِ كُلِّهَا، وَلا مَدْخَلَ لِلْمَكَانِ فِي الإِجْمَاعِ؛ إذْ لا أَثَرَ لِفَضِيلَتِهِ فِي عِصْمَةِ٣ أَهْلِهِ، بِدَلِيلِ مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةَ٤. وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الإِمَامُ مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ٥، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْقَوْلَ
الحواشي
(١) ١ إن أبا المعالي صاحب هذا القول هو نفسه إمام الحرمين الجويني الذي ذكر المصنف لقبه قبل سطر واحد، وذكر رأيه في المسألة، والرأيان متفقان، مع الاختلاف في الألفاظ، وتكرار المعنى.
"انظر: شرح الورقات ص ١٦٨، شرح تنقيح الفصول ص ٣٢٣، المسودة ص ٣٢٠".
٢ في ض: ينسب.
٣ في ض: عصمته.
٤ انظر: الرسالة للشافعي ص ٥٣٤، كشف الأسرار ٣/ ٢٤١، الإحكام للآمدي ١/ ٢٤٣، شرح تنقيح الفصول ص ٣٣٦، المسودة ص ٣٣١، أصول السرخسي ١/ ٣١٤، الإحكام لابن حزم ١/ ٥٥٢ وما بعدها، تيسير التحرير ٣/ ٢٤٤، المعتمد ٢/ ٤٩٢، نهاية السول ٢/ ٣٥٤، مناهج العقول ٢/ ٣٥١، المستصفى ١/ ١٨٧، المنخول ص ٣١٥، فتاوى ابن تيمية ٢٠/ ٤٩٤، أصول مذهب أحمد ص ٣٤٩، ٣٥٤، غاية الوصول ص ١٠٧، اللمع ص ٥٠، الروضة ص ٧٢، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٢، إرشاد الفحول ص ٨٢، عمل أهل المدينة ص ٨٨ وما بعدها.
٥ انظر: كشف الأسرار ٣/ ٢٤١، فواتح الرحموت ٢/ ٣٥٦، الإحكام للآمدي ١/ ٢٤٩، المستصفى ١/ ١٨٧، المسودة ص ٣٣١، أصول السرخسي ١/ ٣١٤، المنخول ص ٣١٤، الإحكام لابن حزم ١/ ٥٠٧، ٥٥٢، المعتمد ٢/ ٤٩٢، نهاية السول ٢/ ٣٥٣، مناهج العقول ٢/ ٣٥١، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٥، غاية الوصول ص ١٠٧، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٢، الروضة ص ٧٢، إرشاد الفحول ص ٨٢.стр. 737
الْبَاطِلَ خَبَثٌ، وَالْخَبَثُ مَنْفِيٌّ عَنْ الْمَدِينَةِ بِقَوْلِ الصَّادِقِ١. وَإِذَا٢ انْتَفَى الْبَاطِلُ بَقِيَ الْحَقُّ. فَوَجَبَ اتِّبَاعُهُ. فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ بِظَاهِرِهِ. وَكَذَلِكَ٣ أَطْلَقَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْقَوْلَ بِهِ٤ عَنْ مَالِكٍ، لَكِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. وَعَلَيْهِ جَرَى ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ٥. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ يَلِيهِمْ. ذَكَرَهُ الْمَجْدُ٦.
الحواشي
(١) ١ روى مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً " ... ألا إن المدينة كالكير تخرج الخبث ... ". وروى مسلم ومالك عن جابر مرفوعاً: "إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها". وروى مسلم عن زيد قال: قال رسول الله ﷺ : "إنها طَيْبةٌ، وإنها تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة". وروى البخاري ومسلم ومالك وأحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ... وهي المدينة تنفي الناس، كما ينفي الكير خبث الحديد".
"انظر: صحيح البخاري ١/ ٣٢١، صحيح مسلم ٢/ ١٠٠٥ وما بعدها، مسند أحمد ٢/ ٤٣٩، الموطأ ٢/ ٨٨٦، المنتفى ٧/ ١٨٩، ١٩٠".
وقد ورد في فضل المدينة أحاديث كثيرة في كتب الصحاح، لكن قال الإمام البيضاوي وابن الحاجب والمراغي وغيرهم الاستدلال بالأحاديث على حجية إجماع أهل المدينة ضعيف.
"انظر: أصول السرخسي ١/ ٣١٤، نهاية السول ٢/ ٣٥٤، مناهج العقول ٢/ ٣٥١، كشف الأسرار ٣/ ٢٤١، الإحكام للآمدي ١/ ٢٤٣، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه ٢/ ٣٦".
٢ في ز ش: فإذا.
٣ في زش: ولذلك.
٤ ساقطة من ز ض ب ع.
٥ وحمل الباجي والقرافي كلام الإمام مالك في حجية إجماع أهل المدينة على ما كان طريقه النقل المستفيض، كالصاع والمد والأذان والإقامة ... وفصل القاضي عبد الوهاب والقرطبي بين حالات وحالات، وأنكر بعض المالكية أن يكون ذلك مذهباً لمالك.
"انظر: مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٥، الإحكام للآمدي ١/ ٢٤٣، المنخول ص ٣١٤، أصول مذهب أحمد ص ٣٥٢، شرح تنقيح الفصول ص ٣٣٤، المسودة ص ٣٣٢، الإحكام لابن حزم ١/ ٥٠٧، ٥٥٢ وما بعدها، تيسير التحرير ٣/ ٢٤٤، المعتمد ٢/ ٤٩٢، نهاية السول ٢/ ٣٥٤، فواتح الرحموت ٢/ ٢٣٤، اللمع ص ٥٠، إرشاد الفحول ص ٨٢".
٦ انظر: المسودة ص ٣٣٢.стр. 738
"وَلا قَوْلُ الْخُلَفَاءِ الأَرْبَعَةِ" وَهُمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ ﵃ أَجْمَعِينَ١ يَكُونُ إجْمَاعًا، وَلا حُجَّةً مَعَ مُخَالَفَةِ مُجْتَهِدٍ. وَهَذَا الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ٢ الأَئِمَّةِ٣؛ لأَنَّهُمْ لَيْسُوا كُلَّ الأُمَّةِ الَّذِينَ جُعِلَتْ الْحُجَّةُ فِي قَوْلِهِمْ٤.
وَعَنْ الإِمَامِ٥ أَحْمَدَ ﵁: رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّ قَوْلَهُمْ إجْمَاعٌ وَحُجَّةٌ٦. اخْتَارَهُ ابْنُ الْبَنَّا٧ مِنْ أَصْحَابِنَا.
الحواشي
(١) ١ ساقطة من ض ع.
٢ في ب: عن.
٣ في ض: الأمة.
٤ انظر: المستصفى ١/ ١٨٧، القواعد والفوائد الأصولية ص ٢٩٤، المسودة ص ٣٤٠، تيسير التحرير ٣/ ٢٤٢، نهاية السول ٢/ ٣٥٨، الإحكام للآمدي ١/ ٢٤٩، مناهج العقول ٢/ ٣٥٦، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٦، جمع الجوامع ٢/ ١٧٩، أصول أحمد ص ٣٣٧، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٢، مختصر الطوفي ص ٥٠، الروضة ص ٧٢، اللمع ص ٥٠، إرشاد الفحول ص ٨٣.
٥ ساقطة من ض ع.
٦ وعنه رواية ثالثة أنه حجة لا إجماع, وذكر بعض الحنابلة عن أحمد قولاً رابعاً أن قول أبي بكر وعمر إجماع، وهو ما رجحه ابن بدران.
"انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص ٢٩٤، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣١، المسودة ص ٣٤٠، الروضة ص ٧٣، إرشاد الفحول ص ٨٣، مختصر الطوفي ص ١٣٥، تيسير التحرير ٣/ ٢٤٣، نهاية السول ٢/ ٣٥٧، مناهج العقول ٢/ ٣٥٦، الإحكام للآمدي ١/ ٢٤٩، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٦، أصول مذهب أحمد ص ٣٣٩، ٣٤١".
٧ هو الحسن بن أحمد بن عبد الله بن البناء البغدادي الإمام، أبو علي، المقرئ المحدث الفقيه الواعظ، صاحب التصانيف في الفقه والفرائض وأصول الدين وفي علوم مختلفة، وكان أديباً، شديداً على أهل الأهواء، وكان عالماً بالعربية في الأدب والشعر والرسائل. له مصنفات كثيرة، منها: "شرح الخرقي"، و"الكامل" في الفقه، و"الكافي المحدد في شرح المجرد"، و"آداب العالم والمتعلم"، و"مناقب الإمام أحمد"، و"فضائل الشافعي"، و"شرح الإيضاح" في النحو الفارسي، و"مختصر غريب الحديث" لأبي عبيد. توفي سنة ٤٧١هـ.
انظر: ترجمته في "طبقات الحنابلة ٢/ ٢٤٣، الذيل على طبقات الحنابلة ١/ ٣٢، طبقات القراء ١/ ٢٠٦، بغية الوعاة ١/ ٤٩٥، المنهج الأحمد ٢/ ١٣٨، شذرات الذهب ٣/ ٣٣٨، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٢٠٦".стр. 739
وَأَبُو خَازِمٍ١ - بِالْمُعْجَمَتَيْنِ - وَكَانَ قَاضِيًا حَنَفِيًّا. وَحَكَمَ بِذَلِكَ زَمَنَ الْمُعْتَضِدِ٢ فِي تَوْرِيثِ ذَوِي الأَرْحَامِ. فَأَنْفَذَ حُكْمَهُ. وَكَتَبَ بِهِ إلَى الآفَاقِ٣. وَلَمْ يَعْتَبِرْ خِلافَ زَيْدٍ٤ فِي ذَلِكَ.
الحواشي
(١) ١ هو عبد الحميد بن عبد العزيز القاضي، أبو خازم. أصله من البصرة، وتفقه عليه أبو جعفر الطحاوي، ولي قضاء الشام والكوفة والكرخ من بغداد، وكان جليل القدر. وله شعر جيد. وكان ورعاً عالماً بمذهب أبي حنيفة وبالفرائض والحساب والذرع والقسمة والجبر والمقابلة والوصايا والمناسخات. وكان من قضاة العدل. له مصنفات، منها: "المحاضر والسجلات"، و"أدب القاضي"، و"كتاب القاضي"، و"كتاب الفرائض". توفي سنة ٢٩٢هـ. وأبو خازم بالخاء المعجمة، وقيل بالحاء المهملة.
انظر ترجمته في "الجواهر المضيئة ١/ ٢٩٦، الفوائد البهية ص ٨٦، طبقات الفقهاء ص ١٤١، شذرات الذهب ٢/ ٢١٠، تاج التراجم ص ٣٣، البداية والنهاية ١١/ ٩٩، الفهرست ص ٢٩٢، أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص ١٥٩".
٢ هو الخليفة العباسي أحمد بن طلحة بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد، أبو العباس، المعتضد بالله، كان ملكاً شجاعاً، مهيباً، وافر العقل، شديد الوطأة، وذا سياسة عظيمة، موصوفاً بالرجولة، لقي الحروب، وعرف فضله، وهابه الناس، وسكنت الفتنة في أيامه، ونشر العدل ورفع العلم، وكان يسمى السفاح الثاني، لأنه جدد ملكَ بني العباس. توفي سنة ٢٨٩هـ.
انظر ترجمته في "فوات الوفيات ١/ ٨٣، شذرات الذهب ٢/ ١٩٩، تاريخ الخلفاء ص ٣٦٨".
٣ قال السيوطي: "وفي سنة ٢٨٣هـ كتب المعتضد بالله كتباً بتوريث ذوي الأرحام".
تاريخ الخلفاء ص ٣٦٨.
"وانظر: المسودة ص ٣٤٠، أصول السرخسي ١/ ٣١٧، فواتح الرحموت ٢/ ٢٣١".
٤ هو الصحابي زيد بن ثابت بن الضحاك، أبو سعيد الأنصاري النجاري المدني الفرضي، كاتب الوحي والمصحف. أسلم قبل مقدم النبي ﷺ للمدينة، واستصغره النبي ﷺ يوم بدر، وشهد أحداً وقيل لا، وشهد الخندق وما بعدها مع رسول الله ﷺ وأعطاه الرسول يوم تبوك راية بني النجار. وقال: القرآن مقدم، وزيد أكثر أخذاً للقرآن، كتب الوحي لرسول الله ﷺ ، وكتب له المراسلات إلى الناس، ثم كتب لأبي بكر وعمر في خلافتهما، وهو أحد الثلاثة الذين جمعوا المصحف، وكان عمر وعثمان يستخلفانه إذا حجَّا، وكان أعلم الصحابة بالفرائض. توفي بالمدينة سنة ٥٤هـ، وقيل غير ذلك، ومناقبه كثيرة جداً.
انظر ترجمته في "الإصابة ١/ ٥٦١، الاستيعاب ١/ ٥٥١، تهذيب الأسماء ١/ ٢٠٠، الخلاصة ص ١٢٧، تذكرة الحفاظ ١/ ٣٠".стр. 740
بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْخُلَفَاءَ الأَرْبَعَةَ يُوَرِّثُونَهُمْ١.
وَاسْتُدِلَّ لِلأَوَّلِ٢ بِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ خَالَفَ جَمِيعَ الصَّحَابَةِ فِي خَمْسِ مَسَائِلَ فِي الْفَرَائِضِ، وَابْنَ مَسْعُودٍ فِي أَرْبَعِ مَسَائِلَ٣، وَغَيْرَهُمَا فِي غَيْرِ٤ ذَلِكَ. وَلَمْ يَحْتَجَّ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ بِإِجْمَاعِ الْخُلَفَاءِ الأَرْبَعَةِ٥.
"وَلا" قَوْلِ "أَهْلِ الْبَيْتِ، وَ" أَهْلُ الْبَيْتِ "هُمْ: عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ٦" بِنْتُ
الحواشي
(١) ١ ومحل الاستشهاد أن الإمام أحمد البردعي أبا سعيد ردّ على أبي خازم بأن زيداً خالف فيه، وأن الحكم القضائي استند إلى قول أحد المجتهدين فلا ينقض، فأجاب أبو خازم: لا أعدّ زيداً خلافاً على الخلفاء الأربعة، فاعتبر اتفاقهم إجماعاً.
"انظر: المسودة ص ٣٤٠، أصول السرخسي ١/ ٣١٧، تيسير التحرير ٣/ ٢٤٢، فواتح الرحموت ٢/ ٢٣١، الإحكام للآمدي ١/ ٢٤٩، مناهج العقول ٢/ ٣٥٦، نهاية السول ٢/ ٣٥٧، المستصفى ١/ ١٨٧، شرح تنقيح الفصول ص ٣٣٥، القواعد والفوائد الأصولية ص ٢٩٤، إرشاد الفحول ص ٨٣، مختصر الطوفي ص ١٣٥".
٢ ساقطة من ض.
٣ ساقطة من ب ض ع.
٤ ساقطة من ض ع.
٥ انظر: المستصفى ١/ ١٨٦، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٣٥، أصول السخسي ١/ ٣٢٠، كشف الأسرار ٣/ ٢٤٦، ٢٤٩، فواتح الرحموت ٢/ ٢٢٢، الروضة ص ٧٢، أصول مذهب أحمد ص ٣٤٢.
٦ هي فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ ، وأمها خديجة بنت خويلد أم المؤمنين. وهي أصغر بنات الرسول ﵊. تزوجها علي ﵁ بعد موقعة أحد، وقيل غير ذلك. ولدت لعلي الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم. وقال لها رسول الله ﷺ : "لقد زوجتك سيداً في الدنيا والآخرة". وكان رسول الله ﷺ إذا جاء من غزوة بدأ بالمسجد، فصلى فيه ثم يأتي فاطمة، ثم يأتي أزواجه، وإذا دخلت عليه قام إليها فقبلها ورحب بها. وهي سيدة نساء المؤمنين، ومناقبها كثيرة. توفيت سنة ١١ هـ بعد وفاة رسول الله ﷺ بستة أشهر.
انظر ترجمتها في "الإصابة ٤/ ٣٧٧، الاستيعاب ٤/ ٣٧٣، تهذيب الأسماء ٢/ ٣٥٣، الخلاصة ص ٤٩٤، حلية الأولياء ٢/ ٣٩".стр. 741
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ "وَنَجْلاهُمَا" هُمَا حَسَنٌ١ وَحُسَيْنٌ٢ "رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ" لِمَا فِي التِّرْمِذِيِّ: أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ ٣ أَدَارَ النَّبِيُّ ﷺ الْكِسَاءَ. وَقَالَ: "هَؤُلاءِ أَهْلُ
الحواشي
(١) ١ هو الحسن بن علي بن أبي طالب، أبو محمد القرشي الهاشمي المدني، سبط رسول الله ﷺ وريحانته، وابن فاطمة بنت رسول الله ﷺ . روى عن النبي ﷺ أحاديث. وكان شبيهاً بالنبي ﷺ ، سَمَّاه النبي ﷺ وعقّ عنه وحلق رأسه وتصدق بزنة شعره فضة، ولم يكن الحسن والحسين يسمى بهما في الجاهلية، وكان حليماً ورعاً كريماً. ولي الخلافة بعد مقتل أبيه، ثم تنازل عنها لمعاوية. وله مناقب كثيرة. توفي بالمدينة سنة ٤٩هـ، وقيل غير ذلك، ودفن بالبقيع.
انظر ترجمته في "الإصابة ١/ ٣٢٨، الاستيعاب ١/ ٣٦٩، تهذيب الأسماء ١/ ١٥٨".
٢ هو الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو عبد الله، سبط رسول الله ﷺ وريحانته، وهو وأخوه سيدا شباب أهل الجنة، وكان يشبه رسول الله ﷺ ما بين الصدر إلى الرأس، حجَّ ماشياً ٢٥ مرة، وكان فاضلاً، كثير الصلاة والصوم والحج والصدقة وأفعال الخير كلها، مناقبه كثيرة. قتل ﵁ يوم عائشة بكربلاء سنة ٦١هـ.
انظر ترجمته في "الإصابة ١/ ٣٣١، الاستيعاب ١/ ٣٧٨، تهذيب الأسماء ١/ ١٦٢، الخلاصة ص ٨٣".
٣ الآية ٣٣ من الأحزاب. وقال جماهير المفسرين إن المراد من الآيات أزواج النبي ﷺ بدليل أولها وآخرها، وأول الآية ٣٢: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ ... ﴾ ، وأول الآية. ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ... ﴾ . وأول الآية ٣٤: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلََى فِيْ بُيُوْتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ ... ﴾ .
"انظر: تفسير ابن كثير ٥/ ٤٥٤، تفسير الطبري ٢٢/ ٦، تفسير الخازن ٥/ ٢١٣، تفسير البغوي ٥/ ٢١٣، تفسير القرطبي ١٤/ ١٨٢، تفسير القاسمي ١٣/ ٤٨٥٤".
وانظر: الإحكام للآمدي ١/ ٢٤٧.стр. 742
بَيْتِي وَخَاصَّتِي. اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُمْ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا" ١.
"بِإِجْمَاعٍ، وَلا حُجَّةَ مَعَ مُخَالَفَةِ مُجْتَهِدٍ" عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ٢ وَغَيْرِهِمْ، لِلأَدِلَّةِ الْعَامَّةِ فِي ذَلِكَ وَغَيْرِهِ٣.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي "الْمُعْتَمَدِ" وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَالشِّيعَةُ: إنَّ قَوْلَ أَهْلِ الْبَيْتِ إجْمَاعٌ٤.
وَالْمُرَادُ بِالشِّيعَةِ مَنْ يُنْسَبُ إلَى حُبِّ عَلِيٍّ ﵁، وَيَزْعُمُ أَنَّهُ مِنْ شِيعَتِهِ. وَقَدْ كَانَ فِي الأَصْلِ لَقَبًا لِلَّذِينَ أَلِفُوهُ فِي حَيَاتِهِ. كَسَلْمَانَ٥، وَأَبِي ذَرٍّ،
الحواشي
(١) ١ الحديث رواه الترمذي عن عمر بن أبي سلمة. ورواه الإمام أحمد والحاكم وصححه وابن جرير الطبري عن أم سلمة. ورواه مسلم عن عائشة ﵂.
"انظر: تحفة الأحوذي ٩/ ٦٦، مسند أحمد ٦/ ٢٩٢، تفسير ابن كثير ٥/ ٤٥٤، تفسير الطبري ٢٢/ ٦، المستدرك ٢/ ٤١٦، ٣/ ١٤٦، صحيح مسلم ٤/ ١٨٨٣، تخريج أحاديث مختصر المنهاج ص ٢٩٨".
٢ ساقطة من ض.
٣ انظر: نهاية السول ٢/ ٣٥٥، كشف الأسرار ٣/ ٢٤١، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٦، جمع الجوامع ٢/ ١٧٩، شرح تنقيح الفصول ص ٣٣٤، المسودة ص ٣٢٩، ٣٣٣، أصول السرخسي ١/ ٣١٥، مناهج العقول ٢/ ٣٥٢، تيسير التحرير ٣/ ٢٤٢، فواتح الرحموت ٢/ ٢٢٨، الإحكام للآمدي ١/ ٢٤٥، مختصر الطوفي ص ١٣٦، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٢، إرشاد الفحول ص ٨٣.
٤ وهو قول الزيدية والإمامية.
"انظر: كشف الأسرار ٣/ ٢٤١، فواتح الرحموت ٢/ ٢٢٨، تيسير التحرير ٣/ ٢٤٢، أصول السرخسي ١/ ٣١٤، شرح تنقيح الفصول ص ٣٣٤، المسودة ص ٣٣٣، نهاية السول ٢/ ٣٥٥، مناهج العقول ٢/ ٣٥٣، الإحكام للآمدي ١/ ٢٤٥، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٦، مختصر الطوفي ص ١٣٦، إرشاد الفحول ص ٨٣، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٢".
٥ هو الصحابي سلمان الفارسي، أبو عبد الله، سلمان الخير، مولى رسول الله ﷺ . سئل عن نسبه فقال: أنا سلمان ابن الإسلام، له قصة مشهورة في إسلامه. وأول مشاهده الخندق، ولم يتخلف عن مشهد بعدها. آخى النبي ﷺ بينه وبين أبي الدرداء، وكان من فضلاء الصحابة وزهادهم وعلمائهم. وهو الذي أشار بحفر الخندق حين جاء الأحزاب. ثم سكن العراق روي له ستون حديثاً. توفي بالمدائن سنة ٣٦هـ، وقيل غير ذلك. وقيل: إنه عاش ٢٥٠ سنة فأكثر. له ثلاث بنات. وفي الحديث: "إن الجنة لتشتاق إلى ثلاثة: علي وعمار وسلمان".
انظر ترجمته في "الإصابة ٢/ ٦٢، الاستيعاب ٢/ ٥٦، تهذيب الأسماء ١/ ٢٢٧، الخلاصة ص ١٤٧، حلية الأولياء ١/ ١٨٥، ٣٦٨".стр. 743
وَالْمِقْدَادِ١، وَعَمَّارٍ. وَغَيْرِهِمْ ﵃، ثُمَّ صَارَ لَقَبًا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَرَى تَفْضِيلَهُ عَلَى كُلِّ الصَّحَابَةِ، وَيَرَى أُمُورًا أُخْرَى لا يَرْضَاهَا عَلِيٌّ ﵁، وَلا أَحَدٌ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ وَلا غَيْرُهُمْ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ، ثُمَّ تَفَرَّقُوا فِرَقًا كَثِيرَةً. وَهَؤُلاءِ هُمْ الْمُرَادُ بِإِطْلاقِ الأُصُولِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ "الشِّيعَةُ٢".
"وَمَا عَقَدَهُ أَحَدُ٣" الْخُلَفَاءِ "الأَرْبَعَةِ مِنْ صُلْحٍ" كَصُلْحِ بَنِي تَغْلِبَ "وَ" مِنْ "خَرَاجٍ" كَعَقْدِ خَرَاجِ السَّوَادِ "وَ" مِنْ "جِزْيَةٍ" وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ لا يَجُوزُ نَقْضُهُ عِنْدَ الأَكْثَرِ٤.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ الأَصْحَابِ، وَقَالَ أَيْضًا: وَ٥يَجُوزُ ذَلِكَ٦ إذَا رَأَى
الحواشي
(١) ١ هو الصحابي المقداد بن عمرو بن ثعلبة الكندي، واشتهر بالمقداد بن الأسود، لأنه كان في حجر الأسود بن عبد يغوث الأزهري، فتبناه فنسب إليه. ولقبه أبو الأسود، وقيل أبو عمرو أو أبو معبد، قديم الإسلام والصحبة، وهو ممن أظهر إسلامه بمكة مبكراً، وهاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وشهد بدراً وسائر المشاهد. وكان الفارس الوحيد في بدر. روي له اثنان وأربعون حديثاً. وشهد فتح مصر. مناقبه كثيرة. توفي سنة ٣٣هـ، ودفن بالمدينة.
انظر ترجمته في "الإصابة ٣/ ٤٥٣، الاستيعاب ٣/ ٤٧٢، تهذيب الأسماء ٢/ ١١١، حلية الأولياء ١/ ١٧٢".
٢ ساقطة من ب. وانظر: فواتح الرحموت ٢/ ٢٢٨ وما بعدها.
٣ ساقطة من ب.
٤ انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص ٢٩٤، المسودة ص ٣٤١.
٥ ساقطة من ع.
٦ ساقطة من ز ش ب ع.стр. 744
ذَلِكَ الإِمَامُ. فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمُ رَأْيِهِ فِي جَمِيعِ الْمَسَائِلِ؛ لأَنَّ الْمَصَالِحَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأَزْمِنَةِ١.
قُلْتُ: وَهَذَا الصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ٢. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الحواشي
(١) ١ انظر: المسودة ص ٣٤١.
٢ قال البهوتي: "وما حماه النبي ﷺ ليس لأحد نقضه، وما حماه غيره من الأئمة يجوز نقضه". "الروض المربع ٢/ ٢٣٣".стр. 745
باب: الإجماع
...
وما قِيلَ من أن الآيةَ ظاهرةٌ، ولا دليل على أن الظاهرَ حجةٌ إلا الإجماعُ، فيلزم الدورُ١ ـ ممنوعٌ؛ لجَوَازِ نصٍّ قاطعٍ على أنه حجة، أو استدلالٍ قطعي؛ لأن الظاهرَ مظنونٌ، وهو حجةٌ لئلا يلزم رفعُ النقيضين، أو اجتماعُهما، أو العملُ بالمرجوح، وهو خلافُ العقل.
وبقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ٢ والمشروطُ عدمٌ عندَ عدمِ شرْطِهِ، فاتفاقُهم كافٍ٣.
واعترِضَ عدمُ الرَّد إلى الكتاب والسنة عند الإجماع: أنه إن بُنِي الإجماعُ على أحدهما فهو كاف، وإلا ففيه تجويزُ الإجماعِ بلا دليل٤.
ثم لا نسلم عدمَ الشرط، فإن الكلام مفروض في نزاعِ مجتهدِينَ متأخِّرِينَ لإجماعٍ سابقٍ٥.
الحواشي
(١) ١ انظر أوجه الاعتراض على الاستدلال بهذه الآية بشكل مفصل وطويل مع مناقشتها في كتاب إرشاد الفحول ص ٧٤-٧٦ نقلاً عن المحصول للرازي، المعتمد ٢/ ٤٦٢ وما بعدها، نهاية السول ٢/ ٣٤٣ وما بعدها، مناهج العقول ٢/ ٣٣٩ وما بعدها، كشف الأسرار ٣/ ٢٥٣، المستصفى ١/ ١٧٥، فواتح الرحموت ٢/ ٢١٤، الإحكام للآمدي ١/ ٢٠٠، ٢١١، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣١، المنخول ص ٣٠٥.
٢ الآية ٥٩ من النساء.
٣ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ٢١٨، المستصفى ١/ ١٧٤، المعتمد ٢/ ٤٧٠.
٤ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ٢١٨.
٥ في ب ز ش ع: لا إجماع، وهو خطأ. والأعلى من نسخة ض، وهو الموافق لعبارة الآمدي في "الإحكام".стр. 746
فصل: انقراض العصر
...
فَصْلٌ: "يُعْتَبَرُ" لِصِحَّةِ انْعِقَادِ الإِجْمَاعِ "انْقِرَاضُ الْعَصْرِ،
وَهُوَ مَوْتُ مَنْ اُعْتُبِرَ فِيهِ" مِنْ غَيْرِ رُجُوعِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَمَّا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ فُورَكٍ، وَسُلَيْمٌ الرَّازِيّ. وَنَقَلَهُ الأُسْتَاذُ عَنْ الأَشْعَرِيِّ، وَابْنُ بُرْهَانٍ عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ١، "فَيَسُوغُ لَهُمْ" أَيْ لِجَمِيعِ مُجْتَهِدِي الْعَصْرِ وَلِبَعْضِهِمْ الرُّجُوعَ عَمَّا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ "لِدَلِيلٍ" يَقْتَضِي الرُّجُوعَ "وَلَوْ عَقِبَهُ" أَيْ عَقِبَ إجْمَاعِهِمْ عَلَى الْحُكْمِ؛ لأَنَّ الإِجْمَاعَ إنَّمَا يَسْتَقِرُّ٢ بِمَوْتِ مَنْ اُعْتُبِرَ فِيهِ. وَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ هُمْ الْمُجْتَهِدُونَ٣ فَيَسُوغُ٤ لَهُمْ وَلِبَعْضِهِمْ الرُّجُوعُ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الإِجْمَاعِ٥.
الحواشي
(١) ١ انظر: كشف الأسرار ٣/ ٢٤٣، المستصفى ١/ ١٩٢، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٨، المسودة ص ٣٢٠، أصول السرخسي ١/ ٣١٥، الإحكام لابن حزم ١/ ٥٠٧، تيسير التحرير ٣/ ٢٣٠، المعتمد ٢/ ٥٠٢، ٥٣٨، نهاية السول ٢/ ٣٨٦، فواتح الرحموت ٢/ ٢٢٤، الإحكام للآمدي ١/ ٢٥٦، مناهج العقول ٢/ ٣٨٤، جمع الجوامع ٢/ ١٨٢، المنخول ص ٣١٧، شرح الورقات ص ١٧١، مختصر الطوفي ص ١٣٣، الروضة ص ٧٣، إرشاد الفحول ص ٨٤، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٠.
٢ في ز ش: استقر.
٣ في ش: المجتهدون الذين.
٤ في ش: يسوغ.
٥ انظر: أصول السرخسي ١/ ٣١٥، كشف الأسرار ٣/ ٢٤٣، ٢٤٤، نهاية السول ٢/ ٣٨٦، الإحكام لابن حزم ١/ ٥٠٧، المسودة ص ٣٢١، ٣٢٣، شرح الورقات ص ١٧١، ١٧٣، إرشاد الفحول ص ٨٥، مختصر الطوفي ص ١٣٣، غاية الوصول ص ١٠٧.стр. 747
وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ غَيْرُ ذَلِكَ.
أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ الأَئِمَّةِ الثَّلاثَةِ وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ: أَنَّهُ لا يُعْتَبَرُ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ مُطْلَقًا١.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ لِلإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ لِضَعْفِهِ دُونَ غَيْرِهِ. اخْتَارَهُ الآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ. وَنُقِلَ عَنْ الأُسْتَاذِ أَبِي مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيِّ. وَقَالَ: إنَّهُ قَوْلُ الْحُذَّاقِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الأَصْحَابِ، وَنَقَلَهُ أَبُو الْمَعَالِي عَنْ الأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ وَاخْتَارَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ٢. وَجَعَلَ سُلَيْمٌ الرَّازِيّ مَحَلَّ الْخِلافِ فِي غَيْرِ السُّكُوتِيِّ٣.
الحواشي
(١) ١ قال ابن قدامة عن الإمام أحمد: "وقد أومأ إلى أن ذلك ليس بشرط ... وهو قول الجمهور واختاره أبو الخطاب، فيمتنع رجوع أحدهم أو رجوعهم عنه". الروضة ص ٧٣. وقال ابن بدران عن الإمام أحمد: "قلت: ومعتمد مذهبه عدم الاشتراط". المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣١. وقد نسب صاحب "كشف الأسرار" هذا الاشتراط للإمام الشافعي، وليس لذلك أصل!!
"انظر: كشف الأسرار ٣/ ٢٤٣، المستصفى ١/ ١٩٢، الإحكام للآمدي ١/ ٢٥٦، جمع الجوامع ٢/ ١٨١، المنخول ص ٣١٧، مناهج العقول ٢/ ٣٨٤، نهاية السول ٢/ ٣٨٦، تيسير التحرير ٣/ ٢٣٠، فواتح الرحموت ٢/ ٢٢٤، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٨، المعتمد ٢/ ٥٠٢، ٥٣٨، الإحكام لابن حزم ١/ ٥١٣، المسودة ص ٣٢٠، أصول السرخسي ١/ ٣٠٨، ٣١٥، شرح الورقات ص ١٧١، شرح تنقيح الفصول ص ٣٣٠، مختصر الطوفي ص ١٣٣، إرشاد الفحول ص ٨٤".
٢ هو الحسن بن عبد الله، وقيل عبيد الله، أبو علي البَنْدَنيجي الفقيه الشافعي، القاضي، من أصحاب الشيخ أبي حامد. قال ابن السبكي: "كان فقيهاً عظيماً غواصاً على المشكلات، صالحاً ورعاً". وقال الشيخ أبو إسحاق: "كان حافظاً للمذهب". له كتاب "الذخيرة" في الفقه، و"تعليقة" مشهورة في الفقه سماها بـ"الجامع". مات سنة ٤٢٥هـ.
انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٤/ ٣٠٥، طبقات الفقهاء ص ١٢٩، اللباب ١/ ١٨٠، تاريخ بغداد ٧/ ٣٤٣، طبقات الشافعية للعبادي ص ١١٣، طبقات الشافعية الشافعية للإسنوي ١/ ١٩٣، طبقات الشافعية لابن هداية ص ٣٣٢، تهذيب الأسماء ٢/ ٢٦١".
٣ انظر: شرح تنقيح الفصول ص ٣٣٢، التمهيد للإسنوي ص ١٣٧، المسودة ص ٣٢٠، أصول السرخسي ١/ ٣٠٨، تيسير التحرير ٣/ ٢٣١، كشف الأسرار ٣/ ٢٤٣، فواتح الرحموت ٢/ ٢٢٤، ٢٣٥، الإحكام للآمدي ١/ ٢٥٦، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٨، جمع الجوامع ٢/ ١٨٣، اللمع ص ٤٩، نهاية السول ٢/ ٣٨٦، مختصر الطوفي ص ١٣٣، غاية الوصول ص ١٠٨، إرشاد الفحول ص ٨٤.стр. 748
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ لِلإِجْمَاعِ الْقِيَاسِيِّ دُونَ غَيْرِهِ١.
وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ إنْ بَقِيَ عَدَدُ التَّوَاتُرِ. وَإِنْ بَقِيَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُكْتَرَثْ بِالْبَاقِي. وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ إذَا مَاتَ مِنْهُمْ جَمْعٌ وَبَقِيَ مِنْهُمْ عَدَدُ التَّوَاتُرِ، وَرَجَعُوا أَوْ بَعْضُهُمْ لَمْ يَنْعَقِدْ الإِجْمَاعُ، وَإِنْ بَقِيَ مِنْهُمْ دُونَ عَدَدِ التَّوَاتُرِ، وَرَجَعُوا أَوْ بَعْضُهُمْ لَمْ يُؤَثِّرْ٢ فِي الإِجْمَاعِ٣.
وَالْقَوْلُ الْخَامِسُ: أَنَّهُ٤ يُعْتَبَرُ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ ٥فِي إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ دُونَ إجْمَاعِ غَيْرِهِمْ٦.
وَحَيْثُ لا يُعْتَبَرُ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ٥، لا يُعْتَبَرُ تَمَادِي الزَّمَنِ مُطْلَقًا، بَلْ يَكُونُ اتِّفَاقُهُمْ حُجَّةً بِمُجَرَّدِهِ، حَتَّى لَوْ رَجَعَ بَعْضُهُمْ لا يُعْتَدُّ بِهِ، وَيَكُونُ خَارِقًا لِلإِجْمَاعِ٧.
الحواشي
(١) ١ وهو قول الجويني، كما نقله عنه ابن الحاجب وغيره. ولكن ابن السبكي قال: "وهو وهم، وأن الجويني لا يشترطه مطلقاً"، وهو ما أكده أيضاً ابن عبد الشكور.
"انظر: فواتح الرحموت ٢/ ٢٢٤، جمع الجوامع ٢/ ١٨٣، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٨، تيسير التحرير ٣/ ٢٣٠، كشف الأسرار ٣/ ٣٤٣، إرشاد الفحول ص ٨٤".
٢ في ض: يؤثروا.
٣ انظر: تيسير التحرير ٣/ ٢٣١، جمع الجوامع ٢/ ١٨٣، غاية الوصول ص ١٠٨.
٤ في ع: أن.
٥ ساقطة من ض.
٦ وهناك أقوال أخرى في اشتراط انقراض العصر وعدمه.
"انظر: المسودة ص ٣٢٠، ٣٢١، نهاية السول ٢/ ٣٨٦، المنخول ص ٣١٧".
٧ انظر: كشف الأسرار ٣/ ٢٤٤، تيسير التحرير ٣/ ٢٣١، المستصفى ١/ ١٧٤، ١٩٢، شرح الورقات ص ١٧١، المسودة ص ٣٢٠، غاية الوصول ص ١٠٩، إرشاد الفحول ص ٨٥.стр. 749
وَلَوْ نَشَأَ مُخَالِفٌ١ لَمْ يُعْتَدَّ بِقَوْلِهِ، بَلْ يَكُونُ الإِجْمَاعُ حُجَّةً عَلَيْهِ٢.
وَلَوْ ظَهَرَ لِجَمِيعِهِمْ مَا يُوجِبُ الرُّجُوعَ فَرَجَعُوا كُلُّهُمْ حَرُمَ. وَكَانَ إجْمَاعُهُمْ حُجَّةً عَلَيْهِمْ وَعَلَى غَيْرِهِمْ٣، حَتَّى لَوْ جَاءَ غَيْرُهُمْ مُجْمِعِينَ عَلَى خِلافِ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَيْضًا. وَإِلاَّ لَتَصَادَمَ الإِجْمَاعَانِ٤.
وَاسْتُدِلَّ لاعْتِبَارِ انْقِرَاضِ٥ الْعَصْرِ: بِأَنَّ عَلِيًّا خَالَفَ عُمَرَ ﵄ بَعْدَ مَوْتِهِ فِي بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ. وَأَنَّ حَدَّ الْخَمْرِ ثَمَانُونَ، وَعُمَرُ خَالَفَ أَبَا بَكْرٍ ﵄ فِي قِسْمَةِ الْفَيْءِ. فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ سَوَّى. وَعُمَرُ فَضَّلَ٦.
وَأُجِيبَ عَنْ الأَوَّلِ بِأَنَّهُ لا يَدُلُّ عَلَى سَبْقِ الإِجْمَاعِ. وَقَوْلُ عُبَيْدَةَ٧
الحواشي
(١) ١ في ب: مخالفاً. وهو خطأ.
٢ انظر: المنخول ص ٣١٧، نهاية السول ٢/ ٣٨٦، الإحكام للآمدي ١/ ٢٥٦، اللمع ص ٤٩، والمراجع السابقة في الصفحة السابقة هامش ٧.
٣ انظر: شرح الورقات ص ١٧١، مختصر الطوفي ص ١٣٣، اللمع ص ٤٩، أصول السرخسي ١/ ٣١٥، المستصفى ١/ ١٧٤، ١٩٢، ٢٠٩ وما بعدها.
٤ سيذكر المصنف حكم تصادم الإجماعين بعد صفحات، ص ٢٥٨.
٥ في ب: الانقراض.
٦ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ٢٥٨، كشف الأسرار ٣/ ٢٤٣، الروضة ص ٧٣، المسودة ص ٣٢٣-٣٢٤، الإحكام لابن حزم ١/ ٥١٦، المعتمد ٢/ ٥٠٤، نهاية السول ٢/ ٣٨٦، مناهج العقول ٢/ ٣٨٤.
٧ هو عبيدة "بفتح العين وكسر الباء" السلماني المرادي، أبو مسلم. وقيل: أبو عمرو، عَبيدة بن قيس بن عمرو المرادي الهَمْداني التابعي الكبير. أسلم قبل وفاة النبي ﷺ ولم يره، وسمع عمر وعلياً وابن مسعود وابن الزبير، وهو مشهور بصحبة علي. نزل الكوفة، وورد المدينة، وحضر مع علي قتال الخوارج، وكان أحد أصحاب ابن مسعود في القراءة والفتوى. وكان شريح يستشيره إذا أشكل عليه أمرٌ، وهو أحد علماء الكوفة. توفي سنة ٧٢هـ، وقيل غيره.
انظر ترجمته في "الإصابة ٣/ ١٠٢، شذرات الذهب ١/ ٧٨، الخلاصة ص ٢٥٦، تهذيب الأسماء ١/ ٣١٧، تاريخ بغداد ١١/ ١١٧، تذكرة الحفاظ ١/ ٥٠، طبقات القراء ١/ ٤٩٨، طبقات الحفاظ ص ١٤".стр. 750
لِعَلِيٍّ١: "رَأْيُك فِي الْجَمَاعَةِ" أَيْ زَمَنَ الاجْتِمَاعِ وَالأُلْفَةِ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ رَأْيِك وَحْدَك ٢ كَيْفَ وَقَدْ قَالَ جَابِرٌ "بِعْنَاهُنَّ عَلَى زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَشَطْرٍ مِنْ خِلافَةِ٣ عُمَرَ" ٤وَهُوَ قَوْلُ٨ ابْنِ عَبَّاسٍ٥.
وَعَنْ الثَّانِي: أَنَّهُ خَالَفَ السُّكُوتِيَّ، ثُمَّ هُوَ فِعْلٌ٦.
وَعَنْ الثَّالِثِ: بِأَنَّهُ خَالَفَ فِي زَمَانِهِ٧.
وَاسْتُدِلَّ لَهُ أَيْضًا: بِأَنَّهُ اجْتِهَادٌ. فَسَاغَ الرُّجُوعُ٨، وَإِلاَّ مَنَعَ الاجْتِهَادُ الاجْتِهَادَ٩.
الحواشي
(١) ١ ساقطة من ب ض ز ع.
٢ رواه عبد الرزاق.
"انظر: تيسير التحرير ٣/ ٢٣١-٢٣٢، المعتمد ٢/ ٥٠٤، نهاية السول ٢/ ٣٨٦، كشف الأسرار ٣/ ٢٤٤، المستصفى ١/ ١٩٥، فواتح الرحموت ٢/ ٢٢٦".
٣ في ب ض ع: ولاية.
٤ في د: وقواه.
٥أي أنه لم يتم الإجماع في زمن عمر، لأن جابراً وغيره خالف في ذلك وقتئذ، ولكن عَبيدة أراد أن يكون علي مع عمر والأكثر.
"انظر: المعتمد ٢/ ٥٠٤، نهاية السول ٢/ ٣٧٠، ٣٨٦، كشف الأسرار ٣/ ٢٤٤، ٢٤٨، الإحكام لابن حزم ١/ ٥١٦ وما بعدها، مناج العقول ٢/ ٣٨٥، المستصفى ١/ ١٩٥، فواتح الرحموت ٢/ ٢٢٦، الإحكام للآمدي ١/ ٢٥٩، مختصر الطوفي ص ١٣٣".
٦ ذهب بعض العلماء إلى جواز مخالفة الإجماع السكوتي بمعارض صحيح، لا بمجرد التشهي.
"انظر: شرح الورقات ص ١٧٠، الإحكام للآمدي ١/ ٢٦٠".
٧ انظر: المعتمد ٢/ ٥٠٤، كشف الأسرار ٣/ ٢٤٤، الإحكام للآمدي ١/ ٢٦٠.
٨ في ب ض: رجوع.
٩ انظر: المستصفى ١/ ١٩٣، ١٩٤، الإحكام للآمدي ١/ ٢٥٨، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٨، فواتح الرحموت ٢/ ٢٢٥، تيسير التحرير ٣/ ٢٣١، الروضة ص ٧٣، مختصر الطوفي ص ١٣٣.стр. 751
أُجِيبُ: لا يَجُوزُ؛ إذْ صَارَ الأَوَّلُ قَطْعِيًّا١.
وَاسْتُدِلَّ أَيْضًا: بِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الرُّجُوعِ يَلْزَمُ مِنْهُ إلْغَاءُ الْخَبَرِ الصَّحِيحِ بِتَقْدِيرِ الاطِّلاعِ عَلَيْهِ إذَا خَالَفَ إجْمَاعَهُمْ٢.
أُجِيبَ لُزُومُ الإِلْغَاءِ مَمْنُوعٌ، لِتَوَقُّفِهِ عَلَى تَقْدِيرِهِ، وَهُوَ بَعِيدٌ أَوْ مُمْتَنِعٌ، لأَنَّ الْبَارِيَ عَصَمَهُمْ عَنْ الاتِّفَاقِ عَلَى خِلافِ الْخَبَرِ الصَّحِيحِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَالإِجْمَاعُ قَطْعِيٌّ، يُقَدَّمُ عَلَى الْخَبَرِ الظَّنِّيِّ٣.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: رُدَّ لأَنَّهُ بَعِيدٌ. وَقِيلَ: مُحَالٌ٤ لِلْعِصْمَةِ، ثُمَّ يَلْزَمُ لَوْ انْقَرَضُوا فَلا أَثَرَ لَهُ، لأَنَّ الإِجْمَاعَ قَاطِعٌ، وَلأَنَّهُ إنْ كَانَ عَنْ نَصٍّ لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَإِلاَّ لَمْ يَجُزْ نَقْضُ اجْتِهَادٍ بِمِثْلِهِ، لا سِيَّمَا لِقِيَامِ الإِجْمَاعِ هُنَا٥.
وَاسْتُدِلَّ أَيْضًا: بِأَنَّ مَوْتَ النَّبِيِّ ﷺ شَرْطُ دَوَامِ الْحُكْمِ. فَكَذَا هُنَا٦.
أُجِيبَ: لإِمْكَانِ٧ نَسْخِهِ. فَيُرْفَعُ قَطْعِيٌّ بِمِثْلِهِ٨.
وَاسْتُدِلَّ لِقَوْلِ الأَكْثَرِ - الَّذِي هُوَ عَدَمُ اعْتِبَارِ٩ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ - بِأَدِلَّةِ
الحواشي
(١) ١ انظر: المستصفى ١/١٩٢، ١٩٤، الإحكام للآمدي ١/ ٢٦٠، فواتح الرحموت ٢/ ٢٢٦، تيسير التحرير ٣/ ٢٣١، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٨.
٢ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ٢٥٩، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٨، تيسير التحرير ٣/ ٢٣١.
٣ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ٢٦٠، تيسير التحرير ٣/ ٢٣١.
٤ انظر: في ش: يحال.
٥ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ٢٦٠.
٦ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ٢٥٩.
٧ في ش: بامكان. والأعلى من ز ض ب. وهو الموافق لعبارة الآمدي
٨ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ٢٦٠، المسودة ص ٣٢٢.
٩ ساقطة من ض.стр. 752
الإِجْمَاعِ. وَبِأَنَّهُ لَوْ اُعْتُبِرَ امْتَنَعَ الإِجْمَاعُ لِلتَّلاحُقِ١.
وَرُدَّ بِنُدْرَةِ إدْرَاكِهِ مُجْتَهِدًا.
وَاسْتُدِلَّ أَيْضًا: بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ قَوْلُهُمْ حُجَّةً لَمْ تَبْطُلْ بِمَوْتِهِمْ كَالرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٢.
رُدَّ بِأَنَّهُ مَحَلُّ النِّزَاعِ، وَبِأَنَّ قَوْلَ الرَّسُولِ وَحْيٌ فَلَمْ يُقَسْ بِغَيْرِهِ٣.
وَقَوْلُهُمْ: عَنْ اجْتِهَادٍ "لا عَدَدَ تَوَاتُرٍ" يَعْنِي: أَنَّهُ٤ لا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ انْعِقَادِ الإِجْمَاعِ أَنْ يَبْلُغَ الْمُجْمِعُونَ عَدَدَ التَّوَاتُرِ. كَمَا لا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ. فِي٥ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ، وَنَقَلَهُ ابْنُ بُرْهَانٍ عَنْ مُعْظَمِ الْعُلَمَاءِ؛ لأَنَّ الْمَقْصُودَ اتِّفَاقُ مُجْتَهِدِي الْعَصْرِ، وَقَدْ حَصَلَ٦.
الحواشي
(١) ١ في ش و: المتلاحق.
وانظر: كشف الأسرار ٣/ ٢٤٤، المستصفى ١/ ١٩٢، شرح تنقيح الفصول ص ٣٣٠، المسودة ص ٣٢١، ٣٢٢، تيسير التحرير ٣/ ٢٣١، نهاية السول ٢/ ٣٨٦، مناهج العقول ٢/ ٣٨٥، فواتح الرحموت ٢/ ٢٢٥، الإحكام للآمدي ١/ ٢٥٦، ٢٥٨، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٨، الروضة ص ٧٣، شرح الورقات ص ١٧١، مختصر الطوفي ص ١٣٣.
٢ أي أن الاتفاق والإجماع هو الحجّة، فإذا مات بعض المجتهدين فلا تبطل الحجة بموتهم، بأن يجوز للباقين الرجوع عنه، لأن الحجة بالاتفاق والقول، وليس بالموت.
"انظر: الإحكام للآمدي ١/ ٢٥٦، المستصفى ١/ ١٩٢، والمراجع السابقة في هامش ١".
٣ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ١٥٦.
٤ ساقطة من ش ز.
٥ في ش: و.
٦ وفي قول، لا يحصل الإجماع إلا بعدد التواتر، وهو قول الباقلاني وإمام الحرمين واختاره ابن السبكي.
"انظر: المستصفى ١/ ١٨٨، شرح الورقات ص ١٦٧، شرح تنقيح الفصول ص ٣٤١، أصول السرخسي ١/ ٣١٢، تيسير التحرير ٣/ ٢٣٥، فواتح الرحموت ٢/ ٢٢١، الإحكام للآمدي ١/ ٢٥٠، جمع الجوامع ٢/ ١٨١، المنخول ص ٣١٣، غاية الوصول ص ١٠٧، المسودة ص ٣٣٠، مختصر الطوفي ص ١٣٠، الروضة ص ٦٩، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٠، إرشاد الفحول ص ٨٩".стр. 753
"فَلَوْ لَمْ يَكُنْ" فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ "إلاَّ" مُجْتَهِدٌ "وَاحِدٌ" وَلَمْ يَصِرْ مُخَالِفٌ أَهْلاً حَتَّى مَاتَ ذَلِكَ الْوَاحِدُ "فَـ" قَوْلُهُ١ "إجْمَاعٌ" فِي ظَاهِرِ كَلامِ أَصْحَابِنَا. قَالَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ. وَعَزَاهُ الْهِنْدِيُّ لِلأَكْثَرِينَ٢.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي "الْوَاضِحِ": لَوْ قَلَّ عَدَدُ الاجْتِهَادِ فَلَمْ يَبْقَ إلاَّ الْوَاحِدُ وَالاثْنَانِ لِفِتْنَةٍ٣ أَوْ غَيْرِهَا اسْتَوْعَبَتْهُمْ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى، كَمَا قَلَّ الْقُرَّاءُ فِي قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ بِكَثْرَةِ مَنْ قُتِلَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانَ مَنْ بَقِيَ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ مُسْتَقِلاًّ بِالإِجْمَاعِ وَلَمْ يَنْخَرِمْ لِعَدَمِ الْكَثْرَةِ، وَإِذَا٤ كَانَ هَذَا الْعَدَدُ الْقَلِيلُ يَصْلُحُ لإِثْبَاتِ أَصْلِ٥ الإِجْمَاعِ الْمَقْطُوعِ بِهِ. فَأَوْلَى أَنْ يَصْلُحَ لِفَكِّ الإِجْمَاعِ وَاخْتِلالِهِ بِمُخَالَفَتِهِ٦.
"وَقَوْلُ مُجْتَهِدٍ" وَاحِدٍ "فِي" مَسْأَلَةٍ "اجْتِهَادِيَّةٍ تَكْلِيفِيَّةٍ" لِيُخْرِجَ مَا لا تَكْلِيفَ فِيهِ. كَقَوْلِ الْقَائِلِ مَثَلاً: عَمَّارٌ٧ أَفْضَلُ مِنْ حُذَيْفَةَ٨ "إنْ انْتَشَرَ"
الحواشي
(١) ١ ساقطة من ض.
٢ وخالف جماعة، فقال بعضهم: لا يكون الإجماع إلا من اثنين فصاعداً. واعتبر الجويني وغيره عدد التواتر كما سبق في هامش رقم ٦ من الصفحة السابقة.
"انظر: المستصفى ١/ ١٨٨، الإحكام للآمدي ١/ ٢٥١، جمع الجوامع ٢/ ١٨١، شرح الورقات ص ١٦٧، شرح تنقيح الفصول ص ٣٤١ وما بعدها، نهاية السول ٢/ ٣٣٧، المنخول ص ٣١٣، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٦، فواتح الرحموت ٢/ ٢٢١، تيسير التحرير ٣/ ٢٢٤، ٢٣٦، غاية الوصول ص ١٠٧، مختصر الطوفي ص ١٣٠، إرشاد الفحول ص ٩٠".
٣ في ض: لفتنته.
٤ في ع: وإن.
٥ في ش ز ض: أهل.
٦ في ش: لمخالفته.
٧ في ش: عبَّاد. وهو خطأ.
٨ هو الصحابي حذيفة بن اليمان، أبو عبد الله، حليف بني عبد الأشهل من الأنصار، وأصله من اليمن، أسلم حذيفة وأبوه. وهاجرا إلى رسول الله ﷺ ، وشهد أحداً...............=стр. 754
قَوْلُهُ "وَمَضَتْ مُدَّةٌ يُنْظَرُ١ فِيهَا" ذَلِكَ الْقَوْلُ "وَتَجَرَّدَ" قَوْلُهُ "عَنْ قَرِينَةِ رِضًى وَسُخْطٍ، وَلَمْ يُنْكَرْ" وَكَانَ ذَلِكَ "قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْمَذَاهِبِ" لِيُخْرِجَ مَا اُحْتُمِلَ أَنَّهُ قَالَهُ تَقْلِيدًا لِغَيْرِهِ "إجْمَاعٌ ظَنِّيٌّ" عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ وَأَصْحَابِهِ وَأَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ٢ وَالْمَالِكِيَّةِ. وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ٣ أَصْحَابِهِ٤.
الحواشي
(١) = فقتل أبوه يومئذ، وشهد حذيفة الخندق وما بعدها. وأسلمت أمه، وهاجرت. وكان حذيفة صاحب سر رسول الله ﷺ في المنافقين، يعلمهم وحده. وأرسله رسول الله ﷺ سرية وحده ليلة الأحزاب، وحضر حرب نهاوند، وحمل الراية بعد مقتل أمير الجيش النعمان بن مقرن. وفتح حذيفة الري وهَمَذان والدينور، وشهد فتح الجزيرة، وولاه عمر المدائن، فتوفي فيها سنة ٣٦هـ. وكان كثير السؤال لرسول الله ﷺ عن أحاديث الفتنة والشر ليتجنبها. ومناقبه كثيرة ﵁.
انظر ترجمته في "الإصابة ١/ ٣١٧، الاستيعاب ١/ ٢٧٧، تهذيب الأسماء ١/ ١٥٤، الخلاصة ص ٧٤، حلية الأولياء ١/ ٢٧٠، ٣٥٤".
١ في ش: لينظر.
٢ نقل الكلام بن الهمام وابن عبد الشكور الحنفيان أن الإجماع السكوتي قطعي عند أكثر الحنفية. وقال عبد العزيز البخاري: "كان ذلك إجماعاً مقطوعاً به عند أكثر أصحابنا". "كشف الأسرار ٢/ ٢٢٨". واختار الآمدي من الشافعية، وابن الحاجب من المالكية، والكرخي من الحنفية أنه إجماع ظني.
"انظر: تيسير التحرير ٣/ ٢٤٦، فواتح الرحموت ٢/ ٢٣٢، ٢٣٤، الإحكام للآمدي ١/ ٢٥٢، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٧".
٣ في ش: وأكثر و.
٤ انظر: المستصفى ١/ ١٩١، القواعد والفوائد الأصولية ص ٢٩٤، شرح تنقيح الفصول ص ٣٣٠، الإحكام لابن حزم ١/ ٥٠٧، ٥٠٨، نهاية السول ٢/ ٣٧٥، المسودة ص ٣٣٤، ٣٣٥، أصول السرخسي ١/ ٣٠٣، ٣٠٨ وما بعدها، شرح الورقات ص ١٧٤ وما بعدها، اللمع ص ٥٢، المتعمد ٢/ ٥٣٢، مناهج العقول ٢/ ٣٧٣، المحلي والبناني وتقريرات الشربيني على جمع الجوامع ٢/ ١٨٨، الإحكام للآمدي ١/ ٢٥٢، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٧، تيسير التحرير ٣/ ٢٤٦، مختصر الطوفي ص ١٣٣، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣١، التمهيد للإسنوي ص ١٣٦، الروضة ص ٧٦، غاية الوصول ص ١٠٨، إرشاد الفحول ص ٨٤، الوسيط في أصول الفقه ص ١٠٧.стр. 755
وَذَلِكَ: لأَنَّ الظَّاهِرَ الْمُوَافَقَةُ لِبُعْدِ سُكُوتِهِمْ عَادَةً. وَلِذَلِكَ١ يَأْتِي فِي قَوْلِ الصَّحَابِيِّ وَالتَّابِعِيِّ فِي مَعْرِضِ الْحُجَّةِ: "كَانُوا يَقُولُونَ أَوْ يَرَوْنَ" وَنَحْوُهُ٢، وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ، وَسُكُوتُهُمْ يُشْعِرُ بِالْمُوَافَقَةِ، وَإِلاَّ لأَنْكَرَ ذَلِكَ، وَهُوَ مُسْتَمَدٌّ مِنْ سُكُوتِهِ ﷺ . عَلَى٣ فِعْلِ أَحَدٍ بِلا دَاعٍ٤؟.
وَفِي "شَرْحِ الْوَسِيطِ" لِلنَّوَوِيِّ: الصَّوَابُ مِنْ٥ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ حُجَّةٌ وَإِجْمَاعٌ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي كُتُبِ الْعِرَاقِيِّينَ٦. اهـ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي "الْفُنُونِ"، وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرِ ابْنُ الْبَاقِلاَّنِيِّ، وَأَبُو الْمَعَالِي، وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا: لا يَكُونُ إجْمَاعًا٧ وَلا حُجَّةً٨، لاحْتِمَالِ تَوَقُّفِ السَّاكِتِ، أَوْ ذَهَابِهِ إلَى تَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ.
الحواشي
(١) ١ في ش: وكذلك.
٢ سيأتي الكلام على هذه النقطة تفصيلاً في فصل مستند الصحابي في هذا المجلد.
٣ في ز ش: هل.
٤ انظر: كشف الأسرار ٣/ ٢٢٨، ٢٣٠ وما بعدها، فواتح الرحموت ٢/ ٢٣٣، أصول السرخسي ١/ ٣٠٥، تيسير التحرير ٣/ ٢٤٧، المعتمد ٢/ ٥٣٣ وما بعدها، نهاية السول ٢/ ٣٧٦، الإحكام للآمدي ١/ ٢٥٢، المنخول ص ٣١٨، جمع الجوامع ٢/ ١٨٨، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٧، الإحكام لابن حزم ١/ ٥٠٧، مناهج العقول ٢/ ٣٧٤، اللمع ص ٤٩، إرشاد الفحول ص ٨٤.
٥ ساقطة من ض.
٦ قال ابن السبكي: "والصحيح حجة ... وفي كونه إجماعاً تردد". "جمع الجوامع ٢/ ١٨٩، ١٩١".
وانظر: اللمع ص ٤٩، غاية الوصول ص ١٠٨، فتاوى ابن تيمية ٢٠/ ١٤.
٧ في ب: إجماع.
٨ وهو الأصح عند الرازي، وهناك قول ثالث أنه ليس بإجماع، ولكنه حجة، لأن الظاهر الموافقة. وهناك أقوال أخرى كثيرة.
"انظر: المستصفى ١/ ١٩١، ١٩٢، المحلي على جمع الجوامع وتقريرات الشربيني عليه ٢/ ١٨٧، ١٨٩، نهاية السول ٢/ ٣٧٥، مختصر ابن الحاجب ١/ ٣٧، الإحكام للآمدي ١/ ٢٥٢.....=стр. 756
حَكَاهُ الْبَاقِلاَّنِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ. قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي "الْمَنْخُولِ": نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجَدِيدِ١.
وَاسْتُدِلَّ لَهُ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يَجْتَهِدْ، أَوْ اجْتَهَدَ وَوَقَفَ٢، أَوْ خَالَفَ وَكَتَمَ لِلتَّرَوِّي وَالنَّظَرِ، أَوْ٣ لأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، أَوْ وَقَّرَ الْقَائِلَ أَوْ هَابَهُ٤.
وَرَدَّهُ أَصْحَابُ الْقَوْلِ الأَوَّلِ بِأَنَّهُ خِلافُ الظَّاهِرِ، لا سِيَّمَا فِي حَقِّ الصَّحَابَةِ مَعَ طُولِ بَقَائِهِمْ. وَاعْتِقَادُ الإِصَابَةِ لا يَمْنَعُ٥ النَّظَرَ لِتَعَرُّفِ الْحَقِّ. كَالْمَعْرُوفِ مِنْ أَحْوَالِهِمْ٦.
الحواشي
(١) = مناهج العقول ٢/ ٣٧٣، أصول السرخسي ١/ ٣٠٣، تيسير التحرير ٣/ ٢٤٦، فواتح الرحموت ٢/ ٢٣٢، ٢٣٣، كشف الأسرار ٣/ ٢٢٩، ٢٣٠، شرح تنقيح الفصول ص ٣٣٠، الإحكام لابن حزم ١/ ٥٦٦، غاية الوصول ص ١٠٨، اللمع ص ٤٩، ٥٢، التمهيد ص ١٣٦، الروضة ص ٧٦، المسودة ص ٣٣٥، ٣٣٦، مختصر الطوفي ص ١٣٤، المعتمد ٢/ ٥٣٣، إرشاد الفحول ص ٨٤-٨٥، الوسيط في أصول الفقه ص ١٠٧.
١ المنخول ص ٣١٨. وقال الغزالي في "المستصفى": "واختار أنه ليس بإجماع ولا حجة". "المستصفى ١/ ١٩١". وانظر: نهاية السول ٢/ ٣٧٥.
٢ في ض ع: ووافق. وكذا في ب. لكنها صححت على الهامش كالأعلى.
٣ في ش: و.
٤ انظر: شرح تنقيح الفصول ص ٣٣٠، المعتمد ٢/ ٥٣٤ وما بعدها، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٧، أصول السرخسي ١/ ٢٢٩، ٣٠٣، المستصفى ١/ ١٩٢، الإحكام للآمدي ١/ ٢٥٢، نهاية السول ٢/ ٣٧٦، مناهج العقول ٢/ ٣٧٣، المنخول ص ٣١٨-٣١٩، غاية الوصول ص ١٠٨، الروضة ص ٧٧، مختصر الطوفي ص ١٣٤، إرشاد الفحول ص ٨٤.
٥ في ش: تمنع.
٦ في ش: ز: حالهم.
وانظر: مناهج العقول ٢/ ٣٧٢، الإحكام ١/ ٢٥٣، تيسير التحرير ٣/ ٢٤٧، المعتمد ٢/ ٥٣٣ وما بعدها، ٥٣٩، أصول السرخسي ١/ ٣٠٦ وما بعدها، فواتح الرحموت ٢/ ٢٣٣، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٧، اللمع ص ٤٩، الروضة ص ٧٧، مختصر الطوفي ص ١٣٤.стр. 757
وَ "لا" يَكُونُ "الأَخْذُ بِأَقَلِّ مَا قِيلَ، كَدِيَةِ الْكِتَابِيِّ الثُّلُثُ" إجْمَاعًا لِلْخِلافِ فِي الزَّائِدِ، خِلافًا لِمَنْ ظَنَّهُ إجْمَاعًا١، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ٢؛ لأَنَّ قَوْلَهُ يَشْتَمِلُ٣ عَلَى وُجُوبِ الثُّلُثِ وَنَفْيِ الزَّائِدِ. وَالإِجْمَاعُ لَمْ يَدُلَّ عَلَى نَفْيِ الزَّائِدِ، بَلْ عَلَى وُجُوبِ الثُّلُثِ فَقَطْ وَهُوَ بَعْضُ الْمُدَّعَى. فَالثُّلُثُ٤ وَإِنْ كَانَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، لَكِنْ نَفْيُ الزِّيَادَةِ٥ لَمْ يَكُنْ مُجْمَعًا عَلَيْهِ. فَالْمَجْمُوعُ لا يَكُونُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، وَالْقَائِلُ بِالثُّلُثِ مَطْلُوبُهُ مُرَكَّبٌ مِنْ أَمْرَيْنِ٦: مِنَ٧ الثُّلُثِ وَنَفْيِ الزِّيَادَةِ، فَلا يَكُونُ مَذْهَبُهُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ. فَالأَخْذُ بِمِثْلِ ذَلِكَ مُرَكَّبٌ مِنْ الإِجْمَاعِ وَالْبَرَاءَةِ الأَصْلِيَّةِ. فَإِنَّ إيجَابَ الثُّلُثِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَوُجُوبُ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ مَدْفُوعٌ بِالْبَرَاءَةِ الأَصْلِيَّةِ٨.
الحواشي
(١) ١ قال الإمام الشافعي: إن دية الكتابي ثلث دية المسلم أخذاً بأقل ما قيل في ديته، فظن بعض العلماء أن الإمام الشافعي يعتبر ذلك إجماعاً، وأنه استند على الإجماع، وهو غير صحيح كما بينه علماء الشافعية في كتبهم الأصولية، حتى قال الغزالي ﵀: "وهو سوء ظن الشافعي ﵀". وأشار إلى ذلك أيضاً الكمال بن الهمام ﵀.
"انظر: المستصفى ١/ ٢١٦، غاية الوصول ص ١٠٨، الإحكام للآمدي ١/ ٢٨١، تيسير التحرير ٣/ ٢٥٨، الوجيز للغزالي ٢/ ١٤٠، فواتح الرحموت ٢/ ٢٤١، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٤٣، جمع الجوامع وحاشية البناني عليه ٢/ ١٨٧، الوسيط في أصول الفقه ص ١٤٦".
٢ انظر: مختصر ابن الحاجب ٢/ ٤٣، مختصر الطوفي ص ١٣٧، المستصفى ١/ ٢١٦، الإحكام للآمدي ١/ ٢٨١، الروضة ص ٧٩.
٣ في ب: مشتمل.
٤ في ع: والثلث.
٥ في ض: الزائد.
٦ في ش: أمور.
٧ ساقطة من ض ع.
٨ انظر: تيسير التحرير ٣/ ٢٥٨، الإحكام للآمدي ١/ ٢٨١، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٤٣، البناني على جمع الجوامع ٢/ ١٨٧، المستصفى ١/ ٢١٦، الروضة ص ٧٩، فواتح الرحموت ٢/ ٢٤٢، الوسيط في أصول الفقه ص ١٤٧.стр. 758
"وَلا" إجْمَاعَ "يُضَادُّ" إجْمَاعًا "آخَرَ" عِنْدَ الْجُمْهُورِ١؛ لأَنَّهُ إذَا انْعَقَدَ الإِجْمَاعُ فِي مَسْأَلَةٍ عَلَى حُكْمٍ مِنْ الأَحْكَامِ لا يَجُوزُ أَنْ يَنْعَقِدَ بَعْدَهُ إجْمَاعٌ يُضَادُّهُ، لاسْتِلْزَامِ ذَلِكَ تَعَارُضَ دَلِيلَيْنِ قَطْعِيَّيْنِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ٢.
وَجَوَّزَهُ٣ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ٤.
الحواشي
(١) ١ هذا الحكم إذا كان الإجماع الثاني من غير أهل الإجماع الأول. أما إذا كان الإجماع الثاني من أهل الإجماع الأول فالمسألة فيها اختلاف. وهذا الاختلاف متفرع عن اختلاف العلماء في جواز رجوع المجمعين أو بعضهم عن الإجماع أم لا، وجواز الرجوع وعدمه مبني أيضاً على اشتراط انقراض العصر في الإجماع أو عدم اشتراطه، وقد سبق بيان ذلك ص ٢٤٦-٢٥٢.
٢ انظر: جمع الجوامع ٢/ ٢٠٠، المعتمد ٢/ ٤٩٧، غاية الوصول ص ١٠٩، إرشاد الفحول ص ٨٥.
٣ قال الرازي –عن جواز الإجماع بعد الإجماع: وهو الأولى. وقال الصفي الهندي: ومأخذ أبي عبد الله قوي. واختار هذا القول البزدوي وأكده، وأنه يجوز نسخ الإجماع بالإجماع.
"انظر: كشف الأسرار ٣/ ٢٦٢، المعتمد ٢/ ٤٩٧، غاية الوصول ص ١١٠، تقريرات الشربيني على جمع الجوامع ٢/ ٢٠٠، إرشاد الفحول ص ٨٥-٨٦، الوسيط في أصول الفقه ص ١٣٨".
٤ هو الحسين بن علي، أبو عبد الله البصري الحنفي. ويعرف بالجُعْل، شيخ المتكلمين، وأحد شيوخ المعتزلة، أخذ الاعتزال وعلم الكلام عن أبي علي بن خلاد، ثم أخذه عن أبي هاشم الجبائي، وبلغ بجده واجتهاده ما لم يبلغه غيره من أصحاب أبي هاشم، كما لازم مجلس أبي الحسن الكرخي زمناً طويلاً. وله تصانيف كثيرة في الاعتزال والفقه والكلام، وكان مقدماً في علمي الفقه والكلام، ويملي فيهما، ويدرسهما، وصبر على شدائد الدنيا دون أن يناله منها حظ، مع زهده فيها، وهو شيخ القاضي عبد الجبار الذي نقل عنه كثيراً في "شرح الأصول الخمسة". ومن كتبه: "شرح مختصر أبي الحسن الكرخي"، و"كتاب الأشربة"، و"تحليل نبيذ التمر"، و"كتاب تحريم المتعة"، و"جواز الصلاة بالفارسية". توفي سنة ٣٦٩هـ. وقيل غير ذلك.
انظر ترجمته في "الفوائد البهية ص ٦٧، الجواهر المضيئة ١/ ٢١٦، طبقات الفقهاء للشيرازي ص ١٤٣، الفهرست ص ٢٤٨، ٢٩٤، شذرات الذهب ٣/ ٦٨، تاريخ بغداد ٨/ ٧٣، فرق وطبقات المعتزلة ص ١١١، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ص ٣٢٥، طبقات المفسرين ١/ ١٥٥، أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص ١٦٥".стр. 759
"وَلا" إجْمَاعَ "عَنْ غَيْرِ دَلِيلٍ" عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ لأَنَّ الإِجْمَاعَ لا يَكُونُ إلاَّ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ، وَالْمُجْتَهِدُ لا يَقُولُ فِي الدِّينِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ. فَإِنَّ الْقَوْلَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ خَطَأٌ. وَأَيْضًا فَكَانَ يَقْتَضِي إثْبَاتَ شَرْعٍ مُسْتَأْنَفٍ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ بَاطِلٌ؛ وَلأَنَّهُ١ مُحَالٌ عَادَةً، فَكَالْوَاحِدِ مِنْ الأُمَّةِ٢. وَالدَّلِيلُ: إمَّا الْكِتَابُ، كَإِجْمَاعِهِمْ٣ عَلَى حَدِّ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَإِمَّا السُّنَّةُ، كَإِجْمَاعِهِمْ٤ عَلَى تَوْرِيثِ كُلٍّ مِنْ الْجَدَّاتِ٥ السُّدُسَ وَنَحْوِهِ٦. وَيَأْتِي الْقِيَاسُ٧.
وَخَالَفَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: يَجُوزُ أَنْ يَحْصُلَ بِالْبَحْثِ وَالْمُصَادَفَةِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ الإِجْمَاعَ قَدْ يَكُونُ عَنْ تَوْفِيقٍ٨ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ مُسْتَنَدٍ.
الحواشي
(١) ١ في ش ز: لأنه.
٢ انظر: كشف الأسرار ٣/ ٢٦٣، الإحكام للآمدي ١/ ٢٦١، جمع الجوامع ٢/ ١٩٥، شرح تنقيح الفصول ص ٣٣٩، المسودة ص ٣٣٠، أصول السرخسي ١/ ٣٠١، تيسير التحرير ٣/ ٢٥٤، فواتح الرحموت ٢/ ٢٣٨، مناهج العقول ٢/ ٢٧٩، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٩، المعتمد ٢/ ٥٢٠، نهاية السول ٢/ ٣٨٠، اللمع ص ٤٨، مختصر الطوفي ص ١٣٦، غاية الوصول ص ١٠٨، إرشاد الفحول ص ٧٩، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٢، الوسيط في أصول الفقه ص ١١٤.
٣ في ز ش: كاجتماعهم.
٤ في ش ب ز: فكإجماعهم.
٥ في ش: من الجدين. وهو خطأ.
٦ انظر: المعتمد ٢/ ٥٢٢، شرح تنقيح الفصول ص ٣٣٩-٣٤٠، أصول السرخسي ١/ ٣٠١، كشف الأسرار ٣/ ٢٦٣، اللمع ص ٤٨، مختصر الطوفي ص ١٣٦.
٧ سيأتي في الصفحة بعد التالية.
٨ في ش ز ب: توقيف. والأعلى من ض وهامش ب، وهو الموافق لما جاء في المعتمد ونهاية السول.стр. 760
وَأَجَابُوا عَمَّا سَبَقَ بِأَنَّ الْخَطَأَ ١إنَّمَا هُوَ فِي الْوَاحِدِ مِنْ الأُمَّةِ. أَمَّا فِي جَمِيعِ الأُمَّةِ فَلا٢.
وَرُدَّ ذَلِكَ بِأَنَّ الْخَطَأَ٩ إذَا اجْتَمَعَ لا يَنْقَلِبُ صَوَابًا؛ لأَنَّ الصَّوَابَ فِي قَوْلِ الْكُلِّ إنَّمَا هُوَ مُرَاعَاةُ عَدَمِ الْخَطَإِ مِنْ كُلِّ فَرْدٍ٣.
قَالَ٤ الْمُخَالِفُ: لَوْ كَانَ الإِجْمَاعُ عَنْ دَلِيلٍ كَانَ الدَّلِيلُ هُوَ الْحُجَّةُ فَلا فَائِدَةَ فِيهِ٥.
وَرُدَّ بِأَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ حُجَّةٌ فِي نَفْسِهِ. وَهُوَ عَنْ دَلِيلٍ هُوَ الْوَحْيُ، ثُمَّ فَائِدَتُهُ: سُقُوطُ الْبَحْثِ عَنَّا٦ عَنْ دَلِيلِهِ. وَحُرْمَةُ الْخِلافِ٧ الْجَائِزِ قَبْلَهُ. وَبِأَنَّهُ يُوجِبُ عَدَمَ انْعِقَادِهِ عَنْ دَلِيلٍ٨.
الحواشي
(١) ١ ساقطة من ض.
٢ وهو قول القاضي عبد الجبار المعتزلي.
"انظر: الإحكام للآمدي ١/ ٢٦١، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٩٥، نهاية السول ٢/ ٣٨٠، المعتمد ٢/ ٥٢٠، تيسير التحرير ٣/ ٢٥٥، المسودة ص ٣٣٠، شرح تنقيح الفصول ص ٣٣٩، فواتح الرحموت ٢/ ٢٣٨، كشف الأسرار ٣/ ٢٦٣، غاية الوصول ص ١٠٨، إرشاد الفحول ص ٧٩".
٣ انظر: المعتمد ٢/ ٥٢٠.
٤ في ع: وقال.
٥ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ٢٦٣، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٩، الإحكام لابن حزم ١/ ٥٠٥، نهاية السول ٢/ ٣٨١، المعتمد ٢/ ٥٢١، مناهج العقول ٢/ ٣٨٠، كشف الأسرار ٣/ ٢٦٣، فواتح الرحموت ٢/ ٢٣٩.
٦ ساقطة من ش.
٧ ساقطة من ض.
٨ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ٢٦٣، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٩، المعتمد ٢/ ٥٢١، نهاية السول ٢/ ٣٨١، مناهج العقول ٢/ ٣٨٠، كشف الأسرار ٣/ ٢٦٣، فواتح الرحموت ٢/ ٢٣٩.стр. 761
"وَيَجُوزُ" كَوْنُ الإِجْمَاعِ "عَنْ اجْتِهَادٍ وَقِيَاسٍ، وَوَقَعَ" عَنْ اجْتِهَادٍ وَقِيَاسٍ "وَتَحْرُمُ مُخَالَفَتُهُ" أَيْ مُخَالَفَةُ الإِجْمَاعِ الْوَاقِعِ عَنْ اجْتِهَادٍ أَوْ قِيَاسٍ عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ١.
وَخَالَفَ ابْنُ حَزْمٍ، وَالظَّاهِرِيَّةُ وَالشِّيعَةُ فِي الْجَوَازِ٢.
وَقَوْمٌ فِي الْقِيَاسِ الْخَفِيِّ٣، وَقَوْمٌ فِي الْوُقُوعِ٤.
أَمَّا وُقُوعُ الإِجْمَاعِ بِالْقِيَاسِ: فَإِنَّهُمْ قَالُوا فِي نَحْوِ الشَّيْرَجِ تَقَعُ فِيهِ الْفَأْرَةُ
الحواشي
(١) ١ انظر: المستصفى ١/ ١٩٦، الإحكام للآمدي ١/ ٢٦٤، جمع الجوامع ٢/ ١٨٤، مناهج العقول ٢/ ٣٨٢، المنخول ص ٣٠٩، غاية الوصول ص ١٠٧، نهاية السول ٢/ ٣٨٣، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٩، شرح تنقيح الفصول ص ٣٣٩، المسودة ص ٣٢٨، ٣٣٠، أصول السرخسي ١/ ٣٠١، تيسير التحرير ٣/ ٢٥٦، فواتح الرحموت ٢/ ٢٣٩، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٢، مختصر الطوفي ص ١٣٦، الروضة ص ٧٧، إرشاد الفحول ص ٧٩، اللمع ص ٤٨، المعتمد ٢/ ٤٩٥، ٥٢٤ وما بعدها، الوسيط في أصول الفقه ص ١٢١.
٢ وهو قول ابن جرير الطبري أيضاً والحاكم صاحب "المختصر" من الحنفية، والقاشاني من المعتزلة.
"انظر: المسودة ص ٣٢٨، ٣٣٠، جمع الجوامع ٢/ ١٨٤، الإحكام لابن حزم ١/ ٤٩٥، نهاية السول ٢/ ٣٨٣، كشف الأسرار ٣/ ٢٦٣ وما بعدها، المستصفى ١/ ١٩٦، فواتح الرحموت ٢/ ٢٣٩، الإحكام للآمدي ١/ ٢٦٤، مختصر ابن الحاجب ٣/ ٣٩، مختصر الطوفي ص ١٣٦، اللمع ص ٤٨، الروضة ص ٧٧، إرشاد الفحول ص ٧٩، غاية الوصول ص ١٠٧، المعتمد ٢/ ٤٩٥، ٥٢٤".
٣ وهو قول عند الشافعية حكاه ابن القطان في قياس الشبه، وحكاه ابن الصباغ عن بعض الشافعية في الأمارة الخفية.
"انظر: تيسير التحرير ٣/ ٢٥٦، المعتمد ٢/ ٥٢٤، نهاية السول ٢/ ٣٨٣، الإحكام للآمدي ١/ ٢٦٤، جمع الجوامع ٢/ ١٨٤، غاية الوصول ص ١٠٧، إرشاد الفحول ص ٧٩، ٨٠".
٤ انظر: المستصفى ١/ ١٩٦، الإحكام للآمدي ١/ ٢٦٤، نهاية السول ٢/ ٣٨٣، جمع الجوامع ٢/ ١٨٤، المنخول ص ٣٠٨، فواتح الرحموت ٢/ ٢٣٩، المعتمد ٢/ ٥٢٤ وما بعدها، أصول السرخسي ١/ ٣٠٢، تيسير التحرير ٣/ ٢٥٦، الروضة ص ٧٨، غاية الوصول ص ١٠٧، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٩.стр. 762
فَتَمُوتُ: يُرَاقُ قِيَاسًا عَلَى السَّمْنِ١. وَقَالُوا: بِتَحْرِيمِ شَحْمِ الْخِنْزِيرِ قِيَاسًا٢ عَلَى لَحْمِهِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَأَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى خِلافَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ٣، وَقِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ٤. وَالأَصْلُ عَدَمُ النَّصِّ ثُمَّ لَوْ كَانَ نَصٌّ لَظَهَرَ وَاحْتُجَّ بِهِ٥.
"وَفِي قَوْلِ" ابْنِ حَامِدٍ وَجَمْعٍ "يَكْفُرُ مُنْكِرُ حُكْمِ" إجْمَاعٍ "قَطْعِيٍّ٦".
الحواشي
(١) ١ روى أبو داود وابن حبان في "صحيحه" عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل عن الفأرة تقع في السمن؟ فقال: "إن كان جامداً فألقوه وما حوله وكلوه، وإن كان مائعاً فلا تقربوه".
"انظر: سنن أبي داود ٢/ ٣٢٨ موارد الظمآن ص ٣٣١، تيسير التحرير ٣/ ٢٥٦، نهاية السول ٢/ ٣٨٣، الإحكام للآمدي ١/ ٢٦٤".
٢ في ش ز: يراق قياساً.
٣ قياساً على إمامته بالصلاة كما في الصحيحين وغيرهما، وكذا قياس حد الشرب للخمر على حد القذف.
"انظر: تيسير التحرير ٣/ ٢٥٦، نهاية السول ٢/ ٣٨٣، فواتح الرحموت ٢/ ٢٣٩ وما بعدها، الإحكام للآمدي ١/ ٢٦٤، ٢٦٥، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٢٣٩".
٤ قياساً على تاركي الصلاة، لأن الله تعالى جمع بينهما، فقال أبو بكر ﵁: "والله، ما فرقت بين ما جمع الله، قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ الآية ٤٣ من البقرة، وفي آيات أخرى.
"انظر: الإحكام للآمدي ١/ ٢٦٤".
٥ انظر أمثلة أخرى للإجماع المبني على الاجتهاد والقياس في أصول السرخسي ١/ ٣٠١، نهاية السول ٢/ ٣٨٣، مناهج العقول ٢/ ٣٨٢، كشف الأسرار ٣/ ٢٦٤، المستصفى ١/ ١٩٦، فواتح الرحموت ٢/ ٢٣٩، الإحكام للآمدي ١/ ٢٦٤، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٩، المنخول ص ٣٠٩، الروضة ص ٧٨.
٦ انظر: كشف الأسرار ٣/ ٢٦١، فواتح الرحموت ٢/ ٢٤٣، تيسير التحرير ٣/ ٢٥٨، الإحكام للآمدي ١/ ٢٨٢، نهاية السول ٢/ ٣٨٧، جمع الجوامع والمحلي عليه ٢/ ١٩٧، ٢٠١، شرح تنقيح الفصول ص ٣٣٧، المسودة ص ٣٤٤، مختصر الطوفي ص ١٣٧، غاية الوصول ص ١١٠، إرشاد الفحول ص ٧٨، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٢، أصول السرخسي ١/ ٣١٨، الوسيط في أصول الفقه ص ١٠٤.стр. 763
وَفِي قَوْلِ الْقَاضِي وَأَبِي الْخَطَّابِ وَجَمْعٍ: لا، وَيَفْسُقُ١.
وَالطُّوفِيُّ وَالآمِدِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُمَا: يَكْفُرُ بِنَحْوِ الْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ٢.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَاخْتَارَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، مَعَ أَنَّهُ حُكِيَ الأَوَّلُ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَلا أَظُنُّ أَحَدًا٣ لا يُكَفِّرُ ٤مَنْ جَحَدَ هَذَا٥. اهـ.
وَالْحَقُّ أَنَّ مُنْكِرَ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ الضَّرُورِيِّ وَالْمَشْهُورِ وَالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ كَافِرٌ قَطْعًا. وَكَذَا الْمَشْهُورُ فَقَطْ لا الْخَفِيُّ. قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": فِي الأَصَحِّ فِيهِمَا٥. وَمِثَالُ الْخَفِيِّ: إنْكَارُ اسْتِحْقَاقِ بِنْتِ الابْنِ السُّدُسَ مَعَ الْبِنْتِ، وَتَحْرِيمُ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا، وَإِفْسَادُ الْحَجِّ بِالْوَطْءِ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَنَحْوُ ذَلِكَ. فَهَذَا لا يَكْفُرُ مُنْكِرُهُ لِعُذْرِ الْخَفَاءِ، خِلافًا لِبَعْضِ الْفُقَهَاءِ فِي قَوْلِهِ:
الحواشي
(١) ١ انظر: المعتمد ٢/ ٥٢٤، نهاية السول ٢/ ٢٨٧، المنخول ص ٣٠٩، الإحكام للآمدي ١/ ٢٨٢، المسودة ص ٣٤٤، تيسير التحرير ٣/ ٢٦٠، فواتح الرحموت ٢/ ٢٤٣، كشف الأسرار ٣/ ٢٦١، مختصر الطوفي ص ١٣٧، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٢، غاية الوصول ص ١١٠، الوسيط في أصول الفقه ص ١٠٥.
٢ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ٢٨٢، مختصر الطوفي ص ١٣٧، نهاية السول ٢/ ٣٨٧، كشف الأسرار ٣/ ٢٦٢، تيسير التحرير ٣/ ٢٥٩، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٢.
٣ في ض: أحد.
٤ في ش ز: جاحدها. وانظر: المحلي على جمع الجوامع ٢/ ٢٠١.
٥ في ش: فيها.
وهذا ما أكده القرافي وابن السكن أيضاً. وهناك أقوال أخرى تفصل بين حالات وحالات.
"انظر: شرح تنقيح الفصول ص ٣٣٧، جمع الجوامع ٢/ ٢٠١، ٢٠٢، كشف الأسرار ٣/ ٢٦٢، فواتح الرحموت ٢/ ٢٤٤، تيسير التحرير ٣/ ٢٥٩، ٢٦٠، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٢، غاية الوصول ص ١١٠".стр. 764
إنَّهُ يَكْفُرُ، لِتَكْذِيبِهِ الأُمَّةَ١.
وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَمْ يُكَذِّبْهُمْ صَرِيحًا إذَا فُرِضَ أَنَّهُ مِمَّا يَخْفَى عَلَى مِثْلِهِ٢.
"وَإِذَا" كَانَ مُجْتَهِدُو عَصْرٍ "اخْتَلَفُوا" فِي مَسْأَلَةٍ "عَلَى قَوْلَيْنِ حَرُمَ إحْدَاثُ" قَوْلٍ "ثَالِثٍ" مُطْلَقًا عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ٣ ﵁ وَأَصْحَابِهِ وَعَامَّةِ الْفُقَهَاءِ٤.
قَالَ٥ ابْنُ مُفْلِحٍ: كَمَا لَوْ أَجْمَعُوا عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ. فَإِنَّهُ يَحْرُمُ إحْدَاثُ قَوْلٍ ثَانٍ. وَنَصَّ عَلَيْهِ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي "الرِّسَالَةِ٦".
الحواشي
(١) ١ المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٢.
٢ المدخل إلى مذهب أحمد المرجع السابق.
٣ ساقطة من ع.
٤ وهو قول الجمهور. قال الكيا الهراسي: إنه الصحيح، وبه الفتوى. وجزم به القفال الشاشي، والقاضي أبو الطيب الطبري والروياني والصيرفي، ولم يحكيا خلافه إلا عن بعض المتكلمين.
"انظر: إرشاد الفحول ص ٨٦، شرح تنقيح الفصول ص ٣٢٦، ٣٢٨، المسودة ص ٣٢٦، أصول السرخسي ١/ ٣١٠، ٣١٩، الإحكام لابن حزم ١/ ٥٠٧، تيسير التحرير ٣/ ٢٥٠، كشف الأسرار ٣/ ٢٣٤، فواتح الرحموت ٢/ ٢٣٥، المعتمد ٢/ ٥٠٥، ٥٠٦، نهاية السول ٢/ ٣٦١، المستصفى ١/ ١٩٨، الإحكام للآمدي ١/ ٢٦٨، مناهج العقول ٢/ ٣٥٩، جمع الجوامع ٢/ ١٩٧، المنخول ص ٣٢٠، غاية الوصول ص ١٠٩، اللمع ص ٥٢، مختصر الطوفي ص ١٣٤، الروضة ص ٧٥، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٩، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣١، أصول مذهب أحمد ص ٣٦١، ٣٦٣".
٥ في ب ض: قاله.
٦ يقول الشافعي ﵀: "فلم يكن لي عندي خلافهم، ولا الذهاب إلى القياس، والقياس مُخْرِجٌ من جميع أقاويلهم". الرسالة ص ٥٩٦".
وانظر: الروضة ص ٧٦، أصول السرخسي ١/ ٣١٠، تيسير التحرير ٣/ ٢٥٠، كشف الأسرار ٣/ ٢٣٥، المستصفى ١/ ١٩٩.стр. 765
وَقَالَ الآمِدِيُّ وَالطُّوفِيُّ وَجَمْعٌ: إنْ رَفَعَ١ الْقَوْلُ الثَّالِثُ حُكْمًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ حَرُمَ إحْدَاثُهُ وَإِلاَّ فَلاَ٢.
فَمِثَالُ مَا يَرْفَعُ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ: إذَا٣ رَدَّ بِكْرًا بِعَيْبٍ بَعْدَ وَطْئِهَا مَجَّانًا. فَهَذَا الْقَوْلُ يَحْرُمُ إحْدَاثُهُ. فَإِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي الْبِكْرِ إذَا وَطِئَهَا الْمُشْتَرِي ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا قِيلَ: تُرَدُّ مَعَ الأَرْشِ. وَقِيلَ: لا تُرَدُّ بِوَجْهٍ. فَالْقَوْلُ بِأَنَّهَا تُرَدُّ مَجَّانًا رَافِعٌ لإِجْمَاعِ الْقَوْلَيْنِ عَلَى مَنْعِ الرَّدِّ قَهْرًا مَجَّانًا٤.
وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: "قَهْرًا" عَمَّا إذَا تَرَاضَيَا عَلَى الرَّدِّ مَعَ الأَرْشِ، أَوْ عَلَى الإِمْسَاكِ وَأَخْذِ أَرْشِ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ جَازَ، وَعَلَى الصَّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِنَا: أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الإِمْسَاكِ وَأَخْذِ الأَرْشِ وَبَيْنَ الرَّدِّ وَإِعْطَاءِ الأَرْشِ إنْ لَمْ يَكُنْ ٥الْبَائِعُ دَلَّسَ٤. فَإِنْ دَلَّسَ لَمْ يَلْزَمْ الْمُشْتَرِي أَرْشٌ.
الحواشي
(١) ١ في ش ز: وقع.
٢ هذا التفصيل مروي عن الشافعي. واختاره المتأخرون من أصحابه، ورجحه جماعة من الأصوليين، منهم ابن الحاجب وابن بدران والطوفي والقرافي والرازي وابن السبكي.
"انظر: شرح تنقيح الفصول ص ٣٢٦، ٣٢٨، نهاية السول ٢/ ٣٦١، جمع الجوامع ٢/ ١٩٧، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٩، كشف الأسرار ٣/ ٢٣٥، فواتح الرحموت ٢/ ٢٣٥، تيسير التحرير ٣/ ٢٥٠، مختصر الطوفي ص ١٣٥، غاية الوصول ص ١٠٩، مناهج العقول ٢/ ٣٥٩، الإحكام للآمدي ١/ ٢٦٩، إرشاد الفحول ص ٨٦، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣١، أصول مذهب أحمد ص ٣٦١، ٣٦٥، الوسيط في أصول الفقه ص ٤٧".
٣ ساقطة من ض.
٤ انظر أمثلة أخرى في "الإحكام للآمدي ١/ ٢٦٩، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٩، شرح تنقيح الفصول ص ٣٢٦، ٣٢٨، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣١، غاية الوصول ص ١٠٩، تيسير التحرير ٣/ ٢٥٠ وما بعدها، نهاية السول ٢/ ٣٦٢، المستصفى ١/ ١٩٩، مناهج العقول ٢/ ٣٥٩، كشف الأسرار ٣/ ٢٣٥، فواتح الرحموت ٢/ ٢٣٥، أصول مذهب أحمد ص ٣٦١، المحلي وتقريرات الشربيني على جمع الجوامع ٢/ ١٩٧، ١٩٨".
٥ في ب ز ض ع: دلّس البائع.стр. 766
وَمِثَالُ مَا لا يَرْفَعُ مُجْمَعًا: الْفَسْخُ فِي النِّكَاحِ بِالْعُيُوبِ الْخَمْسَةِ: الْجُنُونِ، وَالْجُذَامِ، وَالْبَرَصِ، وَالْجَبِّ وَالْعُنَّةِ وَنَحْوِهَا إنْ كَانَ فِي الزَّوْجِ، وَالرَّتْقِ وَالْفَتْقِ وَنَحْوِهِمَا إنْ كَانَ فِي الزَّوْجَةِ. فَقِيلَ: لِكُلٍّ مِنْهُمَا ١أَنْ يَفْسَخَ٥ بِهَا. وَقِيلَ: لا. كَمَا٢ نُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُفْسَخُ بِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ٣.
وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: أَنَّ الْمَرْأَةَ تَفْسَخُ دُونَ الرَّجُلِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْخَلاصِ بِالطَّلاقِ قَوْلٌ ثَالِثٌ، لَكِنَّهُ لَمْ يَرْفَعْ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، بَلْ وَافَقَ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ قَوْلاً، وَإِنْ خَالَفَهُ فِي أُخْرَى.
وَصَحَّحَ هَذَا الْقَوْلَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ. وَاعْتَرَضَهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِكَوْنِ هَذَا التَّفْصِيلِ لا مَعْنَى لَهُ؛ إذْ لا نِزَاعَ فِي أَنَّ الْقَوْلَ الثَّالِثَ إنْ اسْتَلْزَمَ إبْطَالَ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ يَكُونُ مَرْدُودًا، لَكِنَّ الْخَصْمَ يَقُولُ: إنَّهُ٤ مُسْتَلْزِمٌ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ، وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضٍ لا يَسْتَلْزِمُ فَالْكَلامُ فِي الْكُلِّ٥.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرُهُمْ، وَذَكَرَهُ٦ فِي "التَّمْهِيدِ":
الحواشي
(١) ١ في ز: الفسخ.
٢ في ب ض ع: فما.
٣ انظر أمثلة أخرى في "الإحكام للآمدي ١/ ٢٦٩، ٢٧٠، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٩، أصول السرخسي ١/ ٣١٩، تيسير التحرير ٣/ ٢٥١، نهاية السول ٢/ ٣٦١، مناهج العقول ٢/ ٣٥٩، كشف الأسرار ٣/ ٢٣٥، فواتح الرحموت ٢/ ٢٣٦، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٩٨، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣١، غاية الوصول ص ١٠٢، أصول مذهب أحمد ص ٣٦١".
٤في ش ز: لأنه.
٥ وهذه الحالة يصبح حكمها كالمسألة الآتية في إحداث تفصيل بعد الاختلاف على قولين، وقد جعل الآمدي وابن الحاجب وغيرهما مسألة إحداث القول الثالث ومسألة التفصيل مسألة واحدة، لكن الأسنوي والقرافي يريان أن هناك فرقاً بينهما.
"انظر: نهاية السول ٢/ ٣٦٥، البناني على جمع الجوامع ٢/ ١٩٧، المراجع السابقة في هامش ٣".
٦ في ش ب ز ع: وذكر.стр. 767
إنَّ ظَاهِرَ كَلامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لا يَحْرُمُ إحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ مُطْلَقًا١؛ لأَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ قَالَ: لا يَقْرَأُ الْجُنُبُ حَرْفًا٢. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَقْرَأُ مَا شَاءَ. فَقَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: يَقْرَأُ بَعْضَ آيَةٍ. وَفِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي فِي قِرَاءَةِ الْجُنُبِ. قُلْنَا بِهَذَا مُوَافَقَةً لِكُلِّ قَوْلٍ. وَلَمْ نَخْرُجْ٣ عَنْهُمْ. اهـ. وَلأَنَّهُ لَمْ يَخْرِقْ إجْمَاعًا سَابِقًا. فَإِنَّهُ قَدْ لا يَرْفَعُ شَيْئًا مِمَّا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ. قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ٤.
"وَلا" يَحْرُمُ إحْدَاثُ "تَفْصِيلٍ" أَيْ قَوْلٍ مُفَصَّلٍ "إذَا اخْتَلَفُوا فِي مَسْأَلَتَيْنِ عَلَى قَوْلَيْنِ" حَالَ كَوْنِ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ "إثْبَاتًا" وَالآخَرِ "نَفْيًا" عِنْدَ الْقَاضِي. وَحَكَاهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ٥.
الحواشي
(١) ١ وهو قول الظاهرية وبعض الحنفية، وهناك أقوال أخرى، كمنع الثالث بعد اختلاف الصحابة، دون غيرهم.
"انظر: شرح تنقيح الفصول ص ٣٢٨، المسودة ص ٣٢٦، أصول السرخسي ١/ ٣١٠، ٣١٩، تيسير التحرير ٣/ ٢٥١، فواتح الرحموت ٢/ ٢٣٥، كشف الأسرار ٣/ ٢٣٥ وما بعدها، الإحكام للآمدي ١/ ٢٦٨، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٩، المنخول ص ٣٢٠، مناهج العقول ٢/ ٣٥٩، المعتمد ٢/ ٥٠٥، ٥٠٦، اللمع ص ٥٢، الروضة ص ٧٥، إرشاد الفحول ص ٨٦".
٢ ساقطة من ع.
٣ في ش ز: يخرج.
٤ وهو رأي ابن حزم أيضاً.
"انظر: المسودة ص ٣٢٨، أصول السرخسي ١/ ٣١٠، الإحكام للآمدي ١/ ٢٦٨، الروضة ص ٧٥، مختصر الطوفي ص ١٣٤، الإحكام لابن حزم ١/ ٥١٥، ٥١٦، أصول مذهب أحمد ص ٣٦٣".
٥ انظر: نهاية السول ٢/ ٣٦٥، الإحكام للآمدي ١/ ٢٦٨، مناهج العقول ٢/ ٣٦٣، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٩، تيسير التحرير ٣/ ٢٥١، فواتح الرحموت ٢/ ٢٣٦، المسودة ص ٣٢٧، غاية الوصول ص ١٠٩، المعتمد ٢/ ٥٠٨ وما بعدها، اللمع ص ٥٢.стр. 768
وَمَنَعَ ذَلِكَ قَوْمٌ مُطْلَقًا. وَنَقَلَهُ الآمِدِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ١.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي "التَّمْهِيدِ" وَغَيْرِهِ: إنْ صَرَّحُوا بِالتَّسْوِيَةِ لَمْ يَجُزْ لاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمُقْتَضِي لِلْحُكْمِ ظَاهِرًا٢.
وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحُوا. فَإِنْ اخْتَلَفَ طَرِيقُ٣ الْحُكْمِ فِيهَا، كَالنِّيَّةِ٤ فِي الْوُضُوءِ وَالصَّوْمِ فِي الاعْتِكَافِ جَازَ، وَإِلاَّ لَزِمَ٥ مَنْ وَافَقَ إمَامًا فِي مَسْأَلَةٍ مُوَافَقَتُهُ فِي جَمِيعِ مَذْهَبِهِ، وَإِجْمَاعُ الأُمَّةِ عَلَى٦ خِلافِهِ٧.
وَإِنْ اتَّفَقَ الطَّرِيقُ كَزَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ وَامْرَأَةٍ٨ وَأَبَوَيْنِ٩. وَكَإِيجَابِ نِيَّةٍ فِي وُضُوءٍ وَتَيَمُّمٍ وَعَكْسِهِ لَمْ يَجُزْ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلامِ أَحْمَدَ١٠.
الحواشي
(١) ١ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ٢٦٨، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٩، جمع الجوامع ٢/ ١٩٧، المسودة ص ٣٢٧، المعتمد ٢/ ٥٠٨، ٥١٣، نهاية السول ٢/ ٣٦٥، مناهج العقول ٢/ ٣٦٣.
٢ انظر: المسودة ص ٣٢٧، ٣٢٨، المعتمد ٢/ ٥٠٨، نهاية السول ٢/ ٣٦٥، مناهج العقول ٢/ ٣٦٤، المستصفى ١/ ٢٠٠.
٣ في ش ز: طريقا. والأعلى من د ب ع، وهو الموافق للمسودة.
٤ في ش: كالتسمية. وهو خطأ.
٥ في ش ز ع: للزم.
٦ ساقطة من: ب ز ض ع.
٧ انظر: المسودة ص ٣٢٨، المعتمد ٢/ ٥١٠.
٨ في المسودة: وزوجة. وانظر: تيسير التحرير ٣/ ٢٣٧.
٩ ساقطة من ش.
١٠ انظر شرح تنقيح الفصول ص ٣٢٧، المسودة ص ٣٢٧، ٣٢٨، الإحكام للآمدي ١/ ٢٦٩، ٢٧١، نهاية السول ٢/ ٣٦٥، مناهج العقول ٢/ ٣٦٠ وما بعدها، ٣٦٤، أصول السرخسي ١/ ٣١٦، تيسير التحرير ٣/ ٢٥٣، ٢٣٧، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٣٩، تقريرات الشربيني على جمع الجوامع ٢/ ١٩٧، فواتح الرحموت ٢/ ٢٣٦، كشف الأسرار ٣/ ٢٣٥، المعتمد ٢/ ٥٠٥، ٥٠٦، ٥٠٩ وما بعدها.стр. 769
وَهَذَا التَّفْصِيلُ قَالَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ الْمَالِكِيِّ١.
وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ وَالشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ: إنْ صَرَّحُوا بِالتَّسْوِيَةِ لَمْ يَجُزْ، وَإِلاَّ جَازَ لِمُوَافَقَتِهِ لِكُلِّ٢ طَائِفَةٍ٣.
قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ الشَّافِعِيُّ: هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَإِنْ لَمْ يَنُصُّوا عَلَى ذَلِكَ، وَلَكِنْ عُلِمَ٤ اتِّحَادُ الْجَامِعِ بَيْنَهُمَا، فَهُوَ جَارٍ٥ مَجْرَى النَّصِّ عَلَى عَدَمِ الْفَرْقِ كَالْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ؛ مَنْ٦ وَرَّثَ إحْدَاهُمَا وَرَّثَ الأُخْرَى، وَمَنْ مَنَعَ مَنَعَ؛ لأَنَّ الْمَأْخَذَ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْقَرَابَةُ الرَّحِمِيَّةُ٧. اهـ.
"وَلا" يَحْرُمُ إحْدَاثُ "دَلِيلٍ" زَائِدٍ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ دَلِيلٍ سَابِقٍ لِلْحُكْمِ. زَادَ الْقَاضِي: مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقْصَدَ بَيَانُ الْحُكْمِ بِهِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ؛ لأَنَّهُ قَوْلٌ عَنْ اجْتِهَادٍ غَيْرُ مُخَالِفٍ إجْمَاعًا؛ لأَنَّهُمْ لَمْ يَنُصُّوا عَلَى فَسَادِ غَيْرِ مَا ذَكَرُوهُ، وَأَيْضًا وَقَعَ كَثِيرًا وَلَمْ يُنْكَرْ، وَلأَنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَكُونُ عَلَيْهِ أَدِلَّةٌ كَثِيرَةٌ٨.
الحواشي
(١) ١ وقاله الأسنوي أيضاً.
"انظر: شرح تنقيح الفصول ص ٣٢٨، المسودة ص ٣٢٨، نهاية السول ٢/ ٣٦٥".
٢ في ز ش ب ع: كل.
٣ وهذا ما نقله القرافي عن الرازي.
"انظر: شرح تنقيح الفصول ص ٣٢٧، المسودة ص ٣٢٧، تقريرات الشربيني على جمع الجوامع ٢/ ١٩٧-١٩٨، اللمع ص ٥٢".
٤ في ش: على. وهو تصحيف.
٥ في ب: جاري.
٦ في ع: ومن.
٧ انظر: غاية الوصول ص ١٠٩، نهاية السول ٢/ ٣٦٥.
٨ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ٢٧٣، نهاية السول ٢/ ٣٨٧، جمع الجوامع ٢/ ١٩٨، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٤٠، شرح تنقيح الفصول ص ٣٣٣، المعتمد ٢/ ٥١٤، المسودة ص ٣٢٨، غاية الوصول ص ١٠٩، تيسير التحرير ٣/ ٢٥٣، فواتح الرحموت ٢/ ٢٣٧، ٢٣٨، إرشاد الفحول ص ٨٧، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٢.стр. 770
وَقِيلَ: لا يَجُوزُ؛ لأَنَّهُ اتِّبَاعُ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ١.
رُدَّ، لا يَخْفَى فَسَادُ ذَلِكَ؛ لأَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْ الأَدِلَّةِ أَحْكَامُهَا لا أَعْيَانُهَا. فَعَيْنُ الْحُكْمِ بَاقٍ. وَأَيْضًا: الْمُرَادُ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَإِلاَّ لَزِمَ الْمَنْعُ فِيمَا حَدَثَ بَعْدَهُمْ٢.
"أَوْ عِلَّةٍ" يَعْنِي أَنَّهُ لا يَحْرُمُ إحْدَاثُ عِلَّةٍ، كَمَا لا يَحْرُمُ إحْدَاثُ دَلِيلٍ "آخَرَيْنِ" صِفَةٌ لِلدَّلِيلِ وَالْعِلَّةِ.
وَعَلَى جَوَازِ إحْدَاثِ الْعِلَّةِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ أَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمُوَفَّقُ وَالطُّوفِيُّ وَغَيْرُهُمْ، بِنَاءً عَلَى جَوَازِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِعِلَّتَيْنِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي بَابِ الْقِيَاسِ٣.
وَقِيلَ: لا يَجُوزُ بِنَاءً عَلَى مَنْعِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ، لأَنَّ عِلَّتَهُمْ مَقْطُوعٌ بِصِحَّتِهَا، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِ غَيْرِهَا٤. "أَوْ تَأْوِيلٍ لا يُبْطِلُ الأَوَّلَ" يَعْنِي أَنَّهُ لا يَحْرُمُ إحْدَاثُ تَأْوِيلٍ ثَانٍ
الحواشي
(١) ١ وهذا ما نقله ابن القطان عن بعض الشافعية، وهناك أقوال أخرى.
"انظر: الإحكام للآمدي ١/ ٢٧٣، شرح تنقيح الفصول ص ٣٣٣، المسودة ص ٣٢٩، نهاية السول ٢/ ٣٨٧، جمع الجوامع ٢/ ١٩٩، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٤٠، المعتمد ٢/ ٥١٤، فواتح الرحموت ٢/ ٢٣٧، ٢٣٨، غاية الوصول ص ١٠٩، إرشاد الفحول ص ٨٧، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٢".
٢ انظر: فواتح الرحموت ٢/ ٢٣٨، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٤١، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٩٩، الإحكام للآمدي ١/ ٢٧٤، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٤٠، إرشاد الفحول ص ٨٧.
٣ انظر: شرح تنقيح الفصول ص ٣٣٣، المعتمد ٢/ ٥١٤ وما بعدها، المسودة ص ٣٢٩، جمع الجوامع ٢/ ١٩٩، مختصر الطوفي ص ١٥٥، الروضة ص ٧٦، غاية الوصول ص ١٠٩.
٤ انظر: جمع الجوامع ٢/ ١٩٩، شرح تنقيح الفصول ص ٣٣٣، المسودة ص ٣٢٩، غاية الوصول ص ١٠٩.стр. 771
لا يُبْطِلُ التَّأْوِيلَ الأَوَّلَ، بَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ، ذَكَرَهُ الآمِدِيُّ عَنْ الْجُمْهُورِ، وَتَبِعَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: كَذَا قَالَ١.
وَقِيلَ: لا يَجُوزُ إحْدَاثُ تَأْوِيلٍ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ الْمَالِكِيُّ. قَالَ: لأَنَّ الآيَةَ مَثَلاً إذَا احْتَمَلَتْ مَعَانِيَ، وَأَجْمَعُوا عَلَى تَأْوِيلِهَا بِأَحَدِهَا صَارَ كَالإِفْتَاءِ فِي حَادِثَةٍ تَحْتَمِلُ أَحْكَامًا بِحُكْمٍ، فَلا يَجُوزُ أَنْ يُؤَوَّلَ بِغَيْرِهِ. كَمَا لا يُفْتَى٢ بِغَيْرِ مَا أَفْتَوْا بِهِ٣.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: "لا يَحْتَمِلُ مَذْهَبُنَا غَيْرَ هَذَا وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ٤".
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَمُرَادُهُ دَفْعُ٥ تَأْوِيلِ أَهْلِ الْبِدَعِ الْمُنْكَرَةِ عِنْدَ السَّلَفِ. اهـ. وَذَلِكَ كَمَا أَنَّهُ لا يَجُوزُ إحْدَاثُ مَذْهَبٍ ثَالِثٍ كَذَلِكَ لا يَجُوزُ إحْدَاثُ
الحواشي
(١) ١ وهو اختيار أبي الحسين البصري المعتزلي.
"انظر: الإحكام للآمدي ١/ ٢٧٣، ٢٧٤، نهاية السول ٢/ ٣٨٧، جمع الجوامع ٢/ ١٩٨، شرح تنقيح الفصول ص ٣٣٣، تيسير التحرير ٣/ ٢٥٣، فواتح الرحموت ٢/ ٢٣٧، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٤٠، المعتمد ٢/ ٥١٧، المسودة ص ٣٢٩، إرشاد الفحول ص ٨٧، غاية الوصول ص ١٠٩، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٢".
٢ في ش: يخفى. وهو خطأ.
٣ انظر: الإحكام للآمدي ١/ ٢٧٣، نهاية السول ٢/ ٣٨٧، شرح تنقيح الفصول ص ٣٣٣، تيسير التحرير ٣/ ٢٥٤، فواتح الرحموت ٢/ ٢٣٧، المسودة ص ٣٢٩، المعتمد ٢/ ٥١٧، غاية الوصول ص ١٠٩، إرشاد الفحول ص ٨٧، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٢، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٤٠.
٤ المسودة ص ٣٢٩.
٥ في ش ع: رفع. وهو تصحيف، وساقطة من ض.стр. 772
تَأْوِيلٍ، وَلأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِيهَا تَأْوِيلٌ آخَرَ لَتَكَلَّفُوا١ طَلَبَهُ كَالأَوَّلِ. قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي "التَّمْهِيدِ"، وَاقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الْقَوْلَيْنِ وَتَعْلِيلِهِمَا مِنْ غَيْرِ نَصْرِ أَحَدِهِمَا.
"وَاتِّفَاقُ" مُجْتَهِدِي "عَصْرٍ ثَانٍ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ" مُجْتَهِدِي الْعَصْرِ "الأَوَّلِ، وَقَدْ اسْتَقَرَّ الْخِلافُ" فِي الْعَصْرِ الأَوَّلِ "لا يَرْفَعُهُ" أَيْ لا يَرْفَعُ الْخِلافَ، وَلا يَكُونُ اتِّفَاقُ٢ الْعَصْرِ الثَّانِي إجْمَاعًا؛ لأَنَّ مَوْتَ٣ الْمُخَالِفِ فِي الْعَصْرِ الأَوَّلِ لا يَكُونُ مُسْقِطًا لِقَوْلِهِ فَيَبْقَى.
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: هُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا.
قَالَ سُلَيْمٌ الرَّازِيّ: هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ وَأَكْثَرِ الأَشْعَرِيَّةِ.
قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَإِلَيْهِ مَيْلُ الشَّافِعِيِّ. وَمِنْ عِبَارَاتِهِ الرَّشِيقَةِ: "الْمَذَاهِبُ لا تَمُوتُ بِمَوْتِ أَرْبَابِهَا٤". وَنَقَلَهُ ابْنُ الْبَاقِلاَّنِيِّ عَنْ جُمْهُورِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَاخْتَارَهُ٥.
الحواشي
(١) ١ في ع: لكلِّفوا.
٢ ساقطة من ض.
٣ في ش: توقف. وهو خطأ.
٤ انظر: التمهيد ص ١٣٨، نهاية السول ٢/ ٣٧١، كشف الأسرار ٣/ ٢٤٩.
٥ ينتج عن هذا الرأي أحد شروط الاجتهاد عند الجمهور، وهو اشتراط عدم الاختلاف السابق لصحة الإجماع، وهو قول الإمام أحمد وأبي الحسن الأشعري وإمام الحرمين والغزالي والرازي. واختاره الآمدي وبيّن أدلته. وهو قول أبي بكر الصيرفي الشافعي والقاضي أبي يعلى.
"انظر: نهاية السول ٢/ ٣٧٠، ٣٧١، جمع الجوامع ٢/ ١٨٦، المنخول ص ٣٢٠، المستصفى ١/ ٢٠٣، الإحكام للآمدي ١/ ٢٧٥، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٤١، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٤٢، التمهيد للأسنوي ص ١٣٨، شرح الورقات ص ١٦٥، مناهج العقول ٢/ ٣٦٧، غاية الوصول ص ١٠٨، اللمع ص ٥١، كشف الأسرار ٣/ ٢٤٧، فواتح الرحموت ٢/ ٢٢٦، أصول السرخسي ١/ ٣١٩، ٣٢٠، تيسير التحرير ٣/ ٢٣٢، ٢٣٤، المسودة ص ٣٢٥، ٣٤١، المعتمد ٢/ ٤٩٨، ٥١٧، الروضة ص ٧٤، ٧٥، إرشاد الفحول ص ٨٦، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣١".стр. 773
وَقِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً وَإِجْمَاعًا، وَيَرْفَعُ الْخِلافَ، قَالَهُ١ أَبُو الْخَطَّابِ وَأَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ وَأَبُو الطَّيِّبِ وَالرَّازِيُّ وَأَتْبَاعُهُ وَغَيْرُهُمْ. مِنْهُمْ الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ وَالإِصْطَخْرِيُّ٢ وَابْنُ خَيْرَانَ٣ وَالْقَفَّالُ الْكَبِيرُ وَابْنُ الصَّبَّاغِ. وَنُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَاخْتَارَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ٤.
الحواشي
(١) ١ في ض: قال.
٢ هو الحسن بن أحمد بن يزيد بن عيسى، أبو عيسى الإصطخري، قاضي قُمْ، شيخ الشافعية بالعراق، وأحد أصحاب الوجوه في المذهب، ولي حسبة بغداد، وأفتى بقتل الصائبة. واستقضاه المقتدر بالله على سجستان، وله أخبار طريفة في الحسبة، وصنف كتباً حسنة. ومن مؤلفاته: "أدب القضاء"، و"كتاب الفرائض الكبير"، و"كتاب الشروط والوثائق والمحاضر والسجلات"، ولم يكن في باب القضاء كتاب يقارعه. وله في الأصول آراء مشهورة. توفي سنة ٣٢٨هـ ببغداد.
انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٣/ ٢٣٠، وفيات الأعيان ١/ ٣٥٧، البداية والنهاية ١١/ ١٩٣، شذرات الذهب ٢/ ٣١٢، طبقات الفقهاء ص ١١١، الفهرست ص ٣٠٠، تاريخ بغداد ٧/ ٢٦٨، الفتح المبين ١/ ١٧٩".
٣ هو الحسين بن صالح بن خيران، الشيخ أبو علي، الفقيه الشافعي، وأحد أركان المذهب، كان فقيهاً ورعاً فاضلاً متقشفاً تقياً زاهداً، من كبار الأئمة، عرض عليه القضاء فلم يقبله في زمن المقتدر بالله، وسُمِّر باب داره لذلك، وكان يعاتب ابن سريج على قبوله تولية القضاء. توفي سنة ٣٢٠هـ.
انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٣/ ٢٧١، وفيات الأعيان ١/ ٤٠٠، طبقات الفقهاء للشيرازي ص ١١٠، البداية والنهاية ١١/ ١٧٣، شذرات الذهب ٢/ ٣٨٧، طبقات الفقهاء الشافعية للعبادي ص ٦٧، تهذيب الأسماء ٢/ ٢٦١، تاريخ بغداد ٨/ ٥٣".
٤ منهم الطوفي وابن الحاجب والرازي وابن حزم وأكثر الحنفية. وهو قول المالكية والشافعية.
"انظر: كشف الأسرار ٣/ ٢٤٧، ٢٤٩، التمهيد للإسنوي ص ١٣٨، شرح تنقيح الفصول ص ٣٢٨، المسودة ص ٣٢٥، ٣٤٣، أصول السرخسي ١/ ٣١٩، ٣٢٠، الإحكام لابن حزم ١/ ٥٠٧، ٥١٥، غاية الوصول ص ١٠٨، تيسير التحرير ٣/ ٢٣٢، ٢٣٤، المعتمد ٢/ ٤٩٧، ٤٩٩ وما بعدها، ٥١٧، نهاية السول ٢/ ٣٧٠، مناهج العقول ٢/ ٣٦٧، المنخول ص ٣٢١، المستصفى ١/ ٢٠٣، فواتح الرحموت ٢/ ٢٢٦، الإحكام للآمدي ١/ ٢٧٥ وما بعدها، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٤٠، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٨٧، اللمع ص ٥١، مختصر الطوفي ص ١٣٥، الروضة ص ٧٤، ٧٥، إرشاد الفحول ص ٨٦".стр. 774
"وَإِلاَّ" أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ اسْتَقَرَّ الْخِلافُ فِي الْعَصْرِ الأَوَّلِ "فَ" اتِّفَاقُ مُجْتَهِدِي الْعَصْرِ الثَّانِي "إجْمَاعٌ" قَطْعًا. وَذَلِكَ كَخِلافِ الصَّحَابَةِ لأَبِي بَكْرٍ ﵃ فِي قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَإِجْمَاعِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى قِتَالِهِمْ، وَكَخِلافِهِمْ فِي دَفْنِهِ ﷺ فِي أَيِّ مَكَان، ثُمَّ أَجْمَعُوا عَلَى دَفْنِهِ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ ﵂؛ إذْ الْخِلافُ لَمْ يَكُنْ اسْتَقَرَّ١.
"وَلَوْ مَاتَ أَوْ ارْتَدَّ أَرْبَابُ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لَمْ يَصِرْ قَوْلُ الْبَاقِي إجْمَاعًا" ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى مَحَلَّ وِفَاقٍ، وَصَحَّحَهُ الْبَاقِلاَّنِيُّ فِي "التَّقْرِيبِ"؛ لأَنَّ حُكْمَ الْمَيِّتِ فِي حُكْمِ الْبَاقِي الْمَوْجُودِ وَجَزَمَ بِهِ الأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ٢، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ ٣فِي "الْمُسْتَصْفَى"٤: إنَّهُ الرَّاجِحُ٤.
قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِير"ِ: وَ٥هَذَا قَوْلُ الأَكْثَرِينَ٦.
وَقِيلَ: يَصِيرُ إجْمَاعًا وَحُجَّةً؛ لأَنَّهُمْ صَارُوا ٧كُلَّ الأُمَّةِ٣، اخْتَارَهُ
الحواشي
(١) ١ حكى الجويني والهندي أن الصيرفي خالف في ذلك، بينما قال الشيرازي: صارت المسألة إجماعية بلا خلاف.
"انظر: اللمع ص ٥١، شرح الورقات ص ١٦٥، إرشاد الفحول ص ٨٦، شرح تنقيح الفصول ص ٣٢٨، الروضة ص ٧٣، غاية الوصول ص ١٠٧، مناهج العقول ٢/ ٣٧١ وما بعدها، مختصر ابن الحاجب ٢/ ٤٣، جمع الجوامع ٢/ ١٨٤".
٢ وذلك في كتابه "الجدل". انظر: "إرشاد الفحول ص ٨٦".
٣ ساقطة من ش.
٤ المستصفى ١/ ٢٠٢.
٥ ساقطة من ض.
٦ انظر: مناهج العقول ٢/ ٣٧٢، الإحكام للآمدي ١/ ٢٧٩، نهاية السول ٢/ ٣٧٥، مختصر ابن الحاجب والعضد عليه ٢/ ٤١، المسودة ص ٣٢٤، المعتمد ٢/ ٥٠١، التمهيد ص ١٣٩، إرشاد الفحول ص ٨٦.
٧ في ض: كالأمة.стр. 775
الرَّازِيّ وَالْهِنْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا١.
وَبَنَى السُّهَيْلِيُّ الْخِلافَ عَلَى الْخِلافِ فِي إجْمَاعِ التَّابِعِينَ بَعْدَ اخْتِلافِ الصَّحَابَةِ.
قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ": وَهُوَ بِنَاءٌ ظَاهِرٌ. وَلَوْ مَاتَ بَعْضُ٢ أَرْبَابِ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَرَجَعَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ إلَى قَوْلِ الآخَرِينَ. فَقَالَ ابْنُ كَجٍّ٣: فِيهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إجْمَاعٌ؛ لأَنَّهُمْ أَهْلُ الْعَصْرِ.
وَالثَّانِي: الْمَنْعُ؛ لأَنَّ الصِّدِّيقَ جَلَدَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ أَرْبَعِينَ، وَقَدْ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى ثَمَانِينَ فِي زَمَنِ عُمَرَ، وَلَمْ٤ يَجْعَلُوا الْمَسْأَلَةَ إجْمَاعًا؛ لأَنَّ الْخِلافَ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ. وَقَدْ٥ مَاتَ مِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ بَعْضٌ، وَرَجَعَ بَعْضٌ إلَى قَوْلِ عُمَرَ.
الحواشي
(١) ١ انظر: مناهج العقول ٢/ ٣٧٢، الإحكام للآمدي ١/ ٢٧٩، نهاية السول ٢/ ٣٧٥، التمهيد للإسنوي ص ١٣٩، إرشاد الفحول ص ٨٦.
٢ ساقطة من ز ش.
٣ هو يوسف بن أحمد بن كجّ القاضي الإمام، أبو القاسم الدينوري، صاحب أبي الحسين بن القطان، أحد أركان المذهب الشافعي، وكان يضرب به المثل في حفظ المذهب، ارتحل الناس إليه من الآفاق، وأطنبوا في وصفه، جمع بين رئاسة العلم والدنيا، وله وجه في المذهب، وله مسائل وفوائد وغرائب في القضاء والشهادات. تولى القضاء ببلده، وصنف كتباً كثيرة انتفع بها الفقهاء، منها: "المجرد"، وهو مطول. قتله العيارون بالدينور سنة ٤٠٥ هـ.
انظر ترجمته في "طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٥/ ٣٥٩، وفيات الأعيان ٦/ ٦٣، طبقات الفقهاء للشيرازي ص ١١٨، شذرات الذهب ٣/ ١٧٧، البداية والنهاية ١١/ ٣٥٥".
٤ في ش ب ز ع: فلم.
٥ ساقطة من ض.следующие страницы →