← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12019

شرح الكوكب المنير = شرح مختصر التحرير

ابن النجار الفتوحي

Полный текст (2 398 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

وَأَمَّا تَدْلِيسُ الإِسْنَادِ: فَهُوَ١ أَنْ يَرْوِيَ عَمَّنْ لَقِيَهُ أَوْ عَاصَرَهُ حَدِيثًا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ، مُوهِمًا سَمَاعَهُ مِنْهُ، قَائِلاً: قَالَ: فُلانٌ أَوْ عَنْ فُلانٍ وَنَحْوَهُ. وَرُبَّمَا لَمْ٢ يُسْقِطْ شَيْخَهُ وَأَسْقَطَ غَيْرَهُ. قَالَهُ٣ ابْنُ الصَّلاحِ٤. وَمِثْلَهُ غَيْرُهُ: كَمَا فِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ مَرْفُوعًا: "لا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ" ٥. ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ بَيْنَهُمَا سُلَيْمَانَ بْنَ أَرْقَمَ٦

стр. 947

عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ١، وَأَنَّ هَذَا وَجْهُ الْحَدِيثِ٢. قَالَ ابْنُ الصَّلاحِ: "هَذَا الْقِسْمُ مَكْرُوهٌ جِدًّا ذَمَّهُ الْعُلَمَاءُ. وَكَانَ شُعْبَةُ مِنْ أَشَدِّهِمْ ذَمًّا لَهُ، وَقَالَ مَرَّةً: التَّدْلِيسُ أَخُو الْكَذِبِ، وَلأَنْ أَزْنِيَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُدَلِّسَ. وَهَذَا مِنْهُ إفْرَاطٌ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْرِ عَنْهُ٣".

стр. 948

الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُسَمِّيَ شَيْخَهُ بِاسْمِ شَيْخٍ آخَرَ لا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ رَوَاهُ عَنْهُ١، كَمَا يَقُولُهُ تَلامِذَةُ الْحَافِظِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيِّ٢: حَدَّثَنَا أَبُو٣ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، تَشْبِيهًا بِقَوْلِ الْبَيْهَقِيّ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمِ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، وَهَذَا لا يَقْدَحُ لِظُهُورِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ٤. الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَأْتِيَ فِي التَّحْدِيثِ بِلَفْظٍ يُوهِمُ أَمْرًا لا قَدْحَ فِي إيهَامِهِ٥، وَ٦ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: حَدَّثَنَا وَرَاءَ النَّهْرِ، مُوهِمًا أَنَّهُ٧ نَهْرُ جَيْحُونَ،

стр. 949

وَهُوَ نَهْرُ عِيسَى بِبَغْدَادَ أَوْ١ الْحِيرَةِ وَنَحْوِهَا بِمِصْرَ، فَلا قَدْحَ فِي ذَلِكَ؛ لأَنَّهُ مِنْ بَابِ الإِغْرَابِ٢، وَإِنْ كَانَ فِيهِ إيهَامُ الرِّحْلَةِ إلاَّ أَنَّهُ صَدَقَ فِي نَفْسِهِ٣. إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مَكْرُوهٌ٤. قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ٥ وَالْمَرُّوذِيِّ٦: لا يُعْجِبُنِي، هُوَ مِنْ أَهْلِ الرِّيبَةِ. وَلا يُغَيِّرُ اسْمَ رَجُلٍ؛ ٧لأَنَّهُ لا يُعْرَفَ٢. وَسَأَلَهُ مُهَنَّا٨ عَنْ

стр. 950

هُشَيْمٍ١؟ قَالَ: ثِقَةٌ إذَا لَمْ يُدَلِّسْ. قُلْت: فِي٢ التَّدْلِيسِ عَيْبٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَالأَشْبَهُ تَحْرِيمُهُ، لأَنَّهُ أَبْلَغُ مِنْ تَدْلِيسِ الْمَبِيعِ٣. "وَمَنْ عُرِفَ بِهِ عَنْ الضُّعَفَاءِ لَمْ تُقْبَلْ رِوَايَتُهُ حَتَّى يُبَيِّنَ السَّمَاعَ" يَعْنِي أَنَّ مَنْ عُرِفَ بِالتَّدْلِيسِ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ الضُّعَفَاءِ مُوهِمًا أَنَّ سَمَاعَهُ عَنْ غَيْرِهِمْ: لَمْ تُقْبَلْ رِوَايَتُهُ حَتَّى يُبَيِّنَ، بِأَنْ يُفْصِحَ بِتَعْيِينِ الَّذِي سَمِعَ مِنْهُ، عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَقَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَأَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَعْنَى٤. "وَمَنْ كَثُرَ مِنْهُ" التَّدْلِيسُ "لَمْ تُقْبَلْ عَنْعَنَتُهُ" قَالَهُ الْمَجْدُ٥، قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَيُتَوَجَّهُ أَنْ يُحْمَلَ تَشْبِيهُ ذَلِكَ بِمَا سَبَقَ فِي الضَّبْطِ مِنْ

стр. 951

كَثْرَةِ السَّهْوِ وَغَلَبَتِهِ، وَمَا١ فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ مِنْ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ السَّمَاعَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ. وَمَنْ دَلَّسَ مُتَأَوِّلاً قُبِلَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ، وَالأَكْثَرِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَلَمْ يَفْسُقْ؛ لأَنَّهُ قَدْ صَدَرَ مِنْ الأَعْيَانِ الْمُقْتَدَى بِهِمْ. وَقَلَّ مَنْ سَلِمَ مِنْهُ٢. وَقَدْ رَدَّ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ قَوْلَ شُعْبَةَ: التَّدْلِيسُ كَذِبٌ. قِيلَ لِلإِمَامِ أَحْمَدَ: كَانَ شُعْبَةُ يَقُولُ: إنَّ التَّدْلِيسَ كَذِبٌ. فَقَالَ: لا، قَدْ دَلَّسَ قَوْمٌ. وَنَحْنُ نَرْوِي عَنْهُمْ٣. "وَالْمُعَنْعَنُ بِلا تَدْلِيسٍ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ: مُتَّصِلٌ" يَعْنِي: أَنَّ الإِسْنَادَ الْمُعَنْعَنَ الَّذِي لا يُعْلَمُ فِيهِ تَدْلِيسٌ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ:٤ مُتَّصِلٌ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَالأَكْثَرِ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ، عَمَلاً بِالظَّاهِرِ. وَالأَصْلُ عَدَمُ التَّدْلِيسِ٥، لَكِنْ شَرَطَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ثَلاثَةَ شُرُوطٍ: الْعَدَالَةَ، وَاللِّقَاءَ،

стр. 952

وَعَدَمَ التَّدْلِيسِ١. قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: مَا رَوَاهُ الأَعْمَشُ عَنْ إبْرَاهِيمَ٢ عَنْ عَلْقَمَةَ٣ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . *أَوْ٤ رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ٥ عَنْ أَبِيهِ، وَدَاوُد عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ

стр. 953

النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ١": كُلُّ ذَلِكَ ثَابِتٌ٢. وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: أَنَّ الإِسْنَادَ الْمُعَنْعَنَ لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ٣. قَالَ ابْنُ الصَّلاحِ: "عَدَّهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ قَبِيلِ الْمُرْسَلِ وَالْمُنْقَطِعِ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ اتِّصَالُهُ بِغَيْرِهِ٤". فَيُجْعَلَ مُرْسَلاً، إنْ كَانَ مِنْ قَبِيلِ٥ الصَّحَابِيِّ، وَمُنْقَطِعًا إنْ كَانَ مِنْ قَبِيلِ٦ غَيْرِهِ٧. "*وَقَوْلُنَا: "بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ" يَشْمَلُ٨: "عَنْ وَإِنْ وَقَالَ" وَنَحْوَهُ عَلَى الصَّحِيحِ٩. وَنَقَلَ أَبُو دَاوُد عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّ "إنَّ فُلانًا" لَيْسَتْ لِلاتِّصَالِ.١٠

стр. 954

وَلَمْ يُفَرِّقْ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا بَيْنَ الْمُدَلِّسِ وَغَيْرِهِ١، عُلِمَ٢ إمْكَانُ اللِّقَاءِ أَوْ لا. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ. "وَيَكْفِي إمْكَانُ لُقِيٍّ" دُونَ الْعِلْمِ بِهِ٣ "فِي قَوْلٍ" اخْتَارَهُ مُسْلِمٌ. وَحَكَاهُ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالأَخْبَارِ٤. قَالَ٥ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَهُوَ مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا فِيمَا يُرَدُّ بِهِ الْخَبَرُ وَمَا لا يُرَدُّ. قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي آخِرِ "شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ". وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلامِ ابْنِ حِبَّانَ وَغَيْرِهِ. وَاشْتَرَطَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَالْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُمَا: الْعِلْمَ بِاللُّقِيِّ٦. قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي "شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ": هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلامِ الإِمَامِ٧ أَحْمَدَ وَأَبِي زُرْعَةَ وَأَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرِهِمْ٨ مِنْ أَعْيَانِ الْحُفَّاظِ، بَلْ كَلامُهُمْ يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ ثُبُوتِ السَّمَاعِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا فِي جَمَاعَةٍ مِنْ الأَعْيَانِ ثَبَتَتْ٩ لَهُمْ الرُّؤْيَةُ١٠ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ. وَقَالُوا مَعَ ذَلِكَ: لَمْ يَثْبُتْ

стр. 955

لَهُمْ السَّمَاعُ مِنْهُمْ. فَرِوَايَاتُهُمْ عَنْهُمْ مُرْسَلَةٌ. مِنْهُمْ الأَعْمَشُ١، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ وَأَيُّوبُ٢ وَابْنُ عَوْنٍ٣، وَقُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ٤: رَأَوْا أَنَسًا وَلَمْ يَسْمَعُوا مِنْهُ، فَرِوَايَتُهُمْ عَنْهُ مُرْسَلَةٌ٥. كَذَا قَالَ أَبُو حَاتِمٍ. وَقَالَهُ٦ أَبُو زُرْعَةَ أَيْضًا فِي٧ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ.

стр. 956

وَقَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ: قَدْ رَأَى أَنَسًا فَلا أَدْرِي أَسَمِعَ١ مِنْهُ أَمْ لا؟ وَلَمْ يَجْعَلُوا رِوَايَتَهُ عَنْهُ مُتَّصِلَةً بِمُجَرَّدِ الرُّؤْيَةِ، وَالرُّؤْيَةُ أَبْلَغُ مِنْ إمْكَانِ اللُّقِيِّ. وَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ صِبْيَانِ الصَّحَابَةِ رَأَوْا النَّبِيَّ ﷺ وَلَمْ يَصِحَّ لَهُمْ سَمَاعٌ مِنْهُ. فَرِوَايَاتُهُمْ عَنْهُ مُرْسَلَةٌ. كَطَارِقِ بْنِ شِهَابٍ٢ وَغَيْرِهِ٣. وَكَذَلِكَ مَنْ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ مَعَ اللِّقَاءِ لَمْ يَسْمَعْ مِمَّنْ لَقِيَهُ إلاَّ شَيْئًا يَسِيرًا. فَرِوَايَتُهُ زِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ مُرْسَلَةٌ. كَرِوَايَاتِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ. فَإِنَّ الأَكْثَرِينَ نَفَوْا سَمَاعَهُ مِنْهُ. ٤وَأَثْبَتَ أَحْمَدُ أَنَّهُ رَآهُ وَسَمِعَ مِنْهُ، وَقَالَ مَعَ ذَلِكَ: رِوَايَاتُهُ٥ عَنْهُ مُرْسَلَةٌ. إنَّمَا سَمِعَ١ مِنْهُ شَيْئًا يَسِيرًا، مِثْلَ

стр. 957

نَعْيِهِ١ النُّعْمَانَ بْنَ مُقْرِنٍ٢ عَلَى الْمِنْبَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ٣. وَكَذَلِكَ سَمَاعُ الْحَسَنِ مِنْ٤ عُثْمَانَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَأْمُرُ٥ بِقَتْلِ الْكِلابِ وَذَبْحِ الْحَمَامِ، وَرِوَايَاتُهُ عَنْهُ٦ غَيْرَ ذَلِكَ مُرْسَلَةٌ. وَ٧قَالَ أَحْمَدُ: ابْنُ جُرَيْجٍ٨ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ طَاوُسٍ وَلا حَرْفًا. وَيَقُولُ: رَأَيْت طَاوُسًا.

стр. 958

وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ أَيْضًا: الزُّهْرِيُّ١ لا يَصِحُّ سَمَاعُهُ مِنْ ابْنِ عُمَرَ، رَآهُ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ وَرَأَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ٢ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ. وَأَثْبَتَ أَيْضًا دُخُولَ مَكْحُولٍ٣ عَلَى وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ٤ وَرُؤْيَتَهُ لَهُ وَمُشَافَهَتَهُ، وَأَنْكَرَ

стр. 959

سَمَاعَهُ مِنْهُ١. وَقَالَ: لَمْ يَصِحَّ لَهُ مِنْهُ سَمَاعٌ٢، وَجَعَلَ رِوَايَاتِهِ عَنْهُ مُرْسَلَةً. وَقَالَ أَحْمَدُ: أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ٣ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ، مِنْ أَيْنَ سَمِعَ مِنْهُ؟ وَمُرَادُهُ: مِنْ أَيْنَ صَحَّتْ رِوَايَتُهُ٤ بِسَمَاعِهِ مِنْهُ، وَإِلاَّ فَإِمْكَانُ ذَلِكَ وَاحْتِمَالُهُ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ. وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ فِي أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ٥: لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُمَرَ،

стр. 960

هَذَا مَعَ أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ . فَدَلَّ كَلامُ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ وَأَبِي زُرْعَةَ وَأَبِي حَاتِمٍ عَلَى أَنَّ الاتِّصَالَ لا يَثْبُتُ إلاَّ بِثُبُوتِ التَّصْرِيحِ بِالسَّمَاعِ. وَهَذَا أَضْيَقُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْمَدِينِيِّ وَالْبُخَارِيِّ، فَإِنَّ الْمَحْكِيَّ عَنْهُمَا: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ أَحَدُ أَمْرَيْنِ١: إمَّا السَّمَاعُ، وَإِمَّا اللِّقَاءُ. وَالإِمَامُ أَحْمَدُ وَمَنْ تَبِعَهُ٢: عِنْدَهُمْ لا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ السَّمَاعِ. وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا مُرَادُهُمْ: أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: ابْنُ سِيرِينَ٣ لَمْ يَجِئْ عَنْهُ سَمَاعٌ مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: الزُّهْرِيُّ أَدْرَكَ أَبَانَ بْنَ عَبَّاس٤ وَمَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ، وَلَكِنْ لا يَثْبُتُ لَهُ السَّمَاعُ، كَمَا أَنَّ حَبِيبَ بْنَ أَبِي

стр. 961

ثَابِتٍ١ لا يَثْبُتُ لَهُ السَّمَاعُ مِنْ عُرْوَةَ، وَقَدْ سَمِعَ مِمَّنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ، غَيْرَ أَنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ قَدْ اتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ وَاتِّفَاقُهُمْ عَلَى شَيْءٍ يَكُونُ حُجَّةً. وَاعْتِبَارُ السَّمَاعِ لاتِّصَالِ الْحَدِيثِ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَحَكَاهُ عَنْ الْعُلَمَاءِ، وَقُوَّةُ كَلامِهِ تُشْعِرُ بِأَنَّهُ إجْمَاعٌ مِنْهُمْ. "وَظَاهِرُهُ" أَيْ وَظَاهِرُ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّهُ يَكْفِي إمْكَانُ اللِّقَاءِ٢ "لَوْ٣ رَوَى" ثِقَةٌ "عَمَّنْ" أَيْ عَنْ إنْسَانٍ "لَمْ يُعْرَفْ بِصُحْبَتِهِ، و"َ وَلا بِـ "رِوَايَتِهِ٤ عَنْهُ يُقْبَلُ مُطْلَقًا" سَوَاءٌ أَقَرَّ بِهِ أَصْحَابُ الشَّيْخِ الَّذِي رَوَى عَنْهُ أَوْ أَنْكَرُوهُ؛ لأَنَّهُ ثِقَةٌ. وَقَالَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَابْنُ بُرْهَانٍ، وَلَمْ يَقْبَلْهُ٥ الشَّافِعِيَّةُ. وَكَلامُ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفٌ. قَالَ الْمَجْدُ فِي "الْمُسَوَّدَةِ": "إذَا رَوَى رَجُلٌ خَبَرًا عَنْ شَيْخٍ مَشْهُورٍ لَمْ يُعْرَفْ بِصُحْبَتِهِ وَلَمْ ٦يَشْتَهِرْ بِالرِّوَايَةِ٥ عَنْهُ، وَأَجْمَعَ٧ أَصْحَابُ الشَّيْخِ

стр. 962

الْمَعْرُوفُونَ عَلَى جَهَالَتِهِ بَيْنَهُمْ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُمْ: هَلْ يَمْنَعُ ذَلِكَ قَبُولَ خَبَرِهِ؟ قَالَتْ١ الشَّافِعِيَّةُ: يَمْنَعُ، وَقَالَتْ٢ الْحَنَفِيَّةُ: لا يَمْنَعُ، وَنَصَرَهُ ابْنُ بُرْهَانٍ. وَالأَوَّلُ: ظَاهِرُ كَلامِ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مَوَاضِعَ، وَأَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ. وَالثَّانِي: يَدُلُّ عَلَى كَلامِ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي اعْتِذَارِهِ لِجَابِرٍ الْجُعْفِيِّ٣ فِي قِصَّةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ٤ مَعَ زَوْجَتِهِ٥٦". وَقَدْ٧ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الْمُحَقِّقُونَ٨ مِنْ الْعُلَمَاءِ يَمْنَعُونَ رَدَّ الْخَبَرِ

стр. 963

بِالاسْتِدْلالِ، كَرَدِّ خَبَرِ الْقَهْقَهَةِ١ اسْتِدْلالاً بِفَضْلِ٢ الصَّحَابَةِ ﵃ الْمَانِعِ مِنْ الضَّحِكِ٣. وَرَدَّتْ عَائِشَةُ ﵂ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الرُّؤْيَةِ٤. وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ إنَّ قَوْلَهُ: "لأَزِيدَنَّ عَلَى السَّبْعِينَ٥" بَعِيدُ الصِّحَّةِ؛ لأَنَّ السُّنَّةَ تَأْتِي بِالْعَجَائِبِ٦. وَلَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى مَعْرُوفٍ بِالْخَبَرِ بِإِتْلافٍ أَوْ غَضَبٍ لَمْ تُرَدَّ بِالاسْتِبْعَادِ٧. هَذَا مَعْنَى٨ كَلامِ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ فِي رَدِّهِ بِمَا يُحِيلُهُ الْعَقْلُ٩.

стр. 964

"وَلا يُشْتَرَطُ فِي قَبُولِ خَبَرٍ أَنْ لا يُنْكَرَ" يَعْنِي أَنَّهُ لَوْ رَوَى ثِقَةٌ خَبَرًا فَأَنْكَرَهُ غَيْرُهُ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنْ قَبُولِهِ عِنْدَنَا. وَأَوْمَأَ إلَيْهِ الإِمَامُ أَحْمَدُ خِلافًا لِلْحَنَفِيَّةِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلافِ فِي خَبَرِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ١ وَرَدِّ عُمَرَ لَهُ٢. وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: جَوَابُ مَنْ قَالَ: ٣رَدَّهُ السَّلَفُ٣: أَنَّ الثِّقَةَ لا يُرَدُّ حَدِيثُهُ لإِنْكَارِ غَيْرِهِ؛ لأَنَّ مَعَهُ زِيَادَةً٤.

стр. 965

فَصْلٌ: "الصَّحَابِيُّ: مَنْ لَقِيَهُ" الصَّحَابِيُّ: مَنْ لَقِيَهُ أَيْ لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ ، مِنْ صَغِيرٍ أَوْ١ كَبِيرٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى أَوْ خُنْثَى "أَوْ رَآهُ يَقَظَةً" فِي حَالِ كَوْنِهِ ﷺ "حَيًّا" وَفِي حَالِ كَوْنِ الرَّائِي "مُسْلِمًا. وَلَوْ ارْتَدَّ" بَعْدَ ذَلِكَ ثُمَّ أَسْلَمَ وَلَمْ يَرَهُ بَعْدَ إسْلامِهِ "وَمَاتَ مُسْلِمًا". وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ فِي٢ تَفْسِيرِ الصَّحَابِيِّ؛ وَهُوَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الإِمَامُ أَحْمَدُ٣ ﵁ وَأَصْحَابُهُ وَالْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُمْ٤. قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: وَهِيَ طَرِيقَةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ٥.

стр. 966

فَقَوْلُنَا: "مَنْ لَقِيَهُ": أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ: "مَنْ رَآهُ" لِيَعُمَّ اللِّقَاءُ١ الْبَصِيرَ وَالأَعْمَى٢. وَقَوْلُنَا: "يَقَظَةً" احْتِرَازٌ٣ مِمَّنْ رَآهُ مَنَامًا، فَإِنَّهُ لا يُسَمَّى صَحَابِيًّا إجْمَاعًا. وَقَوْلُنَا: "حَيًّا" احْتِرَازٌ٤ مِمَّنْ رَآهُ بَعْدَ مَوْتِهِ كَأَبِي ذُؤَيْبٍ الشَّاعِرِ خَالِدِ بْنِ خُوَيْلِدٍ الْهُذَلِيِّ٥، لأَنَّهُ لَمَّا أَسْلَمَ وَأُخْبِرَ بِمَرَضِ النَّبِيِّ ﷺ : سَافَرَ لِيَرَاهُ، فَوَجَدَهُ مَيِّتًا مُسَجَّى فَحَضَرَ الصَّلاةَ عَلَيْهِ وَالدَّفْنَ٦.* فَلَمْ يُعَدَّ صَحَابِيًّا. وَعَدَّهُ ابْنُ مَنْدَهْ٧ فِي الصَّحَابَةِ، وَقَالَ: مَاتَ عَلَى الْحَنِيفِيَّةِ.

стр. 967

وَفِي "شَرْحِ التَّدْرِيبِ١"، وَمَنْ عَدَّهُ مِنْ الصَّحَابَةِ فَمُرَادُهُ٢ الصُّحْبَةُ الْحُكْمِيَّةُ، دُونَ الاصْطِلاحِيَّةِ٣. وَقَوْلُنَا "مُسْلِمًا" لِيَخْرُجَ مَنْ رَآهُ وَاجْتَمَعَ بِهِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَلَمْ يَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، كَمَا فِي زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ٤. فَإِنَّهُ مَاتَ قَبْلَ الْمَبْعَثِ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إنَّهُ يُبْعَثُ أُمَّةً وَحْدَهُ" كَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ٥، وَلِيَخْرُجَ أَيْضًا مَنْ رَآهُ وَهُوَ كَافِرٌ، ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَ مَوْتِهِ. وَقَوْلُنَا "وَلَوْ ارْتَدَّ". ثُمَّ أَسْلَمَ وَلَمْ يَرَهُ وَمَاتَ مُسْلِمًا" لَهُ مَفْهُومٌ وَمَنْطُوقٌ: فَمَفْهُومُهُ: أَنَّهُ إذَا٦ ارْتَدَّ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ وَقُتِلَ عَلَى الرِّدَّةِ، كَابْنِ خَطَلٍ٧ وَغَيْرِهِ، فَإِنَّهُ لا يُعَدُّ مِنْ الصَّحَابَةِ قَطْعًا. فَإِنَّهُ بِالرِّدَّةِ

стр. 968

تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعْ بِهِ مُؤْمِنًا تَفْرِيعًا عَلَى قَوْلِ الأَشْعَرِيِّ: إنَّ الْكُفْرَ وَالإِيمَانَ لا يَتَبَدَّلانِ. خِلافًا لِلْحَنَفِيَّةِ. وَالاعْتِبَارُ فِيهِمَا بِالْخَاتِمَةِ١. وَمَنْطُوقُهُ: لَوْ ارْتَدَّ ثُمَّ رَجَعَ إلَى الإِسْلامِ، كَالأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ٢، فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُؤْمِنًا٣. فَإِنْ كَانَ قَدْ رَآهُ مُؤْمِنًا ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ رَآهُ ثَانِيًا مُؤْمِنًا٤. فَأَوْلَى وَأَوْضَحُ أَنْ يَكُونَ صَحَابِيًّا. فَإِنَّ الصُّحْبَةَ قَدْ صَحَّتْ

стр. 969

بِالاجْتِمَاعِ١ الثَّانِي قَطْعًا. وَخَرَجَ مَنْ اجْتَمَعَ بِهِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَ الْمَبْعَثِ وَلَمْ يَلْقَهُ. فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لا يَكُونُ صَحَابِيًّا بِذَلِكَ الاجْتِمَاعِ؛ لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ مُؤْمِنًا، كَمَا رَوَى٢ أَبُو دَاوُد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ٣ بْنِ أَبِي٤ الْحَمْسَاءِ٥، قَالَ: بَايَعْت النَّبِيَّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ فَوَعَدْتُهُ أَنْ آتِيَهُ فِي مَكَانِهِ وَنَسِيت٦ ثُمَّ ذَكَرْت ذَلِكَ٧ بَعْدَ ثَلاثٍ فَجِئْت. فَإِذَا هُوَ فِي مَكَانِهِ. فَقَالَ: "يَا فَتَى، لَقَدْ شَقَقْت عَلَيَّ ٨. أَنَا فِي انْتِظَارِك مُنْذُ ثَلاثٍ ٩" ثُمَّ لَمْ يُنْقَلْ١٠ أَنَّهُ اجْتَمَعَ بِهِ بَعْدَ الْمَبْعَثِ.

стр. 970

وَدَخَلَ فِي قَوْلِنَا: "مَنْ لَقِيَ" مَنْ جِيءَ بِهِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ غَيْرُ مُمَيِّزٍ فَحَنَّكَهُ ١النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٢. كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ٢، أَوْ تَفَلَ فِي٣ فِيهِ كَمَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ٤، بَلْ مَجَّهُ بِالْمَاءِ كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ٥، وَهُوَ ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ أَوْ أَرْبَعٍ٦. أَوْ مَسَحَ وَجْهَهُ٧، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ

стр. 971

صُعَيْرٍ١ - بِالصَّادِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ - وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَهَؤُلاءِ صَحَابَةٌ، وَإِنْ اخْتَارَ جَمَاعَةٌ خِلافَ ذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلامِ ابْنِ مَعِينٍ وَأَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ٢ وَأَبِي حَاتِمٍ وَأَبِي دَاوُد وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، وَكَأَنَّهُمْ نَفَوْا الصُّحْبَةَ الْمُؤَكَّدَةَ٣. "قَالَ فِي "الأَصْلِ" ٤أَيْ قَالَ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ فِي "التَّحْرِيرِ٥"

стр. 972

"وَلَوْ جِنِّيًّا فِي الأَظْهَرِ" أَيْ وَ١لَوْ كَانَ مَنْ لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ مُسْلِمًا٢ جِنِّيًّا فِي الأَظْهَرِ مِنْ قَوْلَيْ٣ الْعُلَمَاءِ لِيَدْخُلَ٤ الْجِنُّ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ "نَصِيبِينَ" وَأَسْلَمُوا، وَهُمْ تِسْعَةٌ أَوْ سَبْعَةٌ مِنْ الْيَهُودِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿إنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ ٥ وَذُكِرَ فِي أَسْمَائِهِمْ: شَاصُ، وَمَاصُ، وَنَاشَى، وَمُنْشَى، وَالأَحْقَبُ، وَزَوْبَعَةُ، وَسُرَّقُ، وَعُمَرُ، وَجَابِرٌ. وَقَدْ اسْتَشْكَلَ ابْنُ الأَثِيرِ٦ فِي كِتَابِهِ "أُسْدُ الْغَابَةِ" قَوْلَ مَنْ ذَكَرَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ٧. فَإِنَّ بَعْضَهُمْ لَمْ يَذْكُرْهُمْ فِي الصَّحَابَةِ، وَبَعْضُهُمْ ذَكَرَهُمْ. قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِيرِ" قُلْت: الأَوْلَى أَنَّهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ. فَإِنَّهُمْ لَقَوْا النَّبِيَّ ﷺ وَآمَنُوا بِهِ وَأَسْلَمُوا، وَذَهَبُوا إلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ.

стр. 973

"وَالصَّحَابَةُ عُدُولٌ ١". قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَغَيْرُهُ: "الَّذِي عَلَيْهِ سَلَفُ الأُمَّةِ وَجُمْهُورُ الْخَلَفِ: أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ أَجْمَعِينَ٢ عُدُولٌ بِتَعْدِيلِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ٣". وَ٤قَالَ ابْنُ الصَّلاحِ وَغَيْرُهُ: "الأُمَّةُ مُجْمِعَةٌ٥ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَلا يُعْتَدُّ بِخِلافِ مَنْ خَالَفَهُمْ٦". اهـ٧. وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي مُقَدِّمَةِ "الاسْتِيعَابِ" إجْمَاعَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ٨. وَحَكَى فِيهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الإِجْمَاعَ٩.

стр. 974

وَتَعْدِيلَ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ عَلَى١ رَسُولِهِ ﷺ مِنْ قَوْله٢ تَعَالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَاَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ٣، وقَوْله تَعَالَى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٤وقَوْله تَعَالَى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَاَلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ٥ وقَوْله تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ٦ وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ٧ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ٨. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ٩ مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلا نَصِيفَهُ" ١٠. وَهَذَا وَإِنْ وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ، فَالْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، وَلا يَضُرُّنَا كَوْنُ الْخِطَابِ بِذَلِكَ لِلصَّحَابَةِ؛ لأَنَّ الْمَعْنَى: لا يَسُبُّ غَيْرُ أَصْحَابِي١١ أَصْحَابِي.

стр. 975

"وَلا يَسُبُّ أَصْحَابِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا"١. وَقَالَ ﷺ : "خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي" ٢ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَقَدْ تَوَاتَرَ امْتِثَالُهُمْ الأَوَامِرَ وَالنَّوَاهِيَ٣. فَإِنْ قِيلَ: هَذِهِ٤ الأَدِلَّةُ دَلَّتْ عَلَى فَضْلِهِمْ، فَأَيْنَ التَّصْرِيحُ بِعَدَالَتِهِمْ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ مَنْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَذَا الثَّنَاءِ كَيْفَ٥ لا يَكُونُ عَدْلاً؟ فَإِذَا٦ كَانَ التَّعْدِيلُ يَثْبُتُ بِقَوْلِ اثْنَيْنِ مِنْ النَّاسِ. فَكَيْفَ لا تَثْبُتُ الْعَدَالَةُ بِهَذَا الثَّنَاءِ الْعَظِيمِ مِنْ اللَّهِ وَمِنْ رَسُولِهِ ﷺ ؟ "وَالْمُرَادُ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ بِقَدْحٍ٧". قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي "أُصُولِهِ": وَمُرَادُهُمْ٨ مَنْ جُهِلَ حَالُهُ. فَلَمْ يُعْرَفْ بِقَدْحٍ.

стр. 976

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَالْحُكْمُ بِالْعَدَالَةِ إنَّمَا هُوَ لِمَنْ اُشْتُهِرَتْ عَدَالَتُهُ. نَقَلَهُ الْبَرْمَاوِيُّ١. قَالَ فِي "شَرْحِ التَّحْرِير"ِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ هُنَا فِي النُّسْخَةِ غَلَطًا. اهـ. وَقِيلَ: هُمْ عُدُولٌ إلَى زَمَنِ الْفِتْنَةِ بِقَتْلِ عُثْمَانَ ﵁، وَبَعْدَهُ كَغَيْرِهِمْ٢. وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: إلاَّ مَنْ قَاتَلَ عَلِيًّا لِخُرُوجِهِ عَلَى الإِمَامِ٣ بِغَيْرِ حَقٍّ٤. وَقِيلَ: هُمْ كَغَيْرِهِمْ مُطْلَقًا٥. قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: وَهَذِهِ الأَقْوَالُ بَاطِلَةٌ٦، بَعْضُهَا مَنْسُوبٌ إلَى

стр. 977

عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ وَأَضْرَابِهِ، وَمَا وَقَعَ بَيْنَهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى الاجْتِهَادِ، وَلا قَدْحَ عَلَى مُجْتَهِدٍ١ عِنْدَ٢ الْمُصَوِّبَةِ وَغَيْرِهِمْ. اهـ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِكَوْنِهِمْ عُدُولاً: الْعِصْمَةَ وَاسْتِحَالَةَ الْمَعْصِيَةِ عَلَيْهِمْ، إنَّمَا الْمُرَادُ أَنْ لا نَتَكَلَّفَ الْبَحْثَ عَنْ عَدَالَتِهِمْ، وَلا طَلَبَ التَّزْكِيَةِ فِيهِمْ٣. فَلَوْ٤ قَالَ ثِقَةٌ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ الصَّحَابَةِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ كَذَا: كَانَ ذَلِكَ كَتَعْيِينِهِ بِاسْمِهِ لاسْتِوَاءِ الْكُلِّ فِي الْعَدَالَةِ٥. فَائِدَةٌ: قَالَ الْحَافِظُ الْمِزِّيُّ٦: مِنْ الْفَوَائِدِ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ٧ قَطُّ رِوَايَةٌ عَمَّنْ لُمِزَ بِالنِّفَاقِ، يَعْنِي مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ الصَّحَابَةِ٨.

стр. 978

"وَتَابِعِيٌّ مَعَ صَحَابِيٍّ. كَهُوَ" أَيْ كَالصَّحَابِيِّ "مَعَهُ" أَيْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ ابْنُ الصَّلاحِ وَالنَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا فِي التَّابِعِيِّ مَعَ الصَّحَابِيِّ: الْخِلافُ فِي الصَّحَابَةِ قِيَاسًا عَلَيْهِمْ١. وَاشْتَرَطَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ وَجَمَاعَةٌ فِي التَّابِعِيِّ٢ الصُّحْبَةَ٣، فَلا يُكْتَفَى بِمُجَرَّدِ الرُّؤْيَةِ وَلا اللِّقَاءِ٤، بِخِلافِ الصَّحَابَةِ. فَإِنَّ لَهُمْ مَزِيَّةً عَلَى سَائِرِ النَّاسِ وَشَرَفًا بِرُؤْيَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٥. وَاشْتَرَطَ ابْنُ حِبَّانَ فِي التَّابِعِيِّ: كَوْنَهُ فِي سِنٍّ٦ يُحْفَظُ عَنْهُ، بِخِلافِ الصَّحَابِيِّ. فَإِنَّ الصَّحَابَةَ قَدْ اخْتَصُّوا بِشَيْءٍ لَمْ يُوجَدْ فِي غَيْرِهِمْ٧. "وَلا يُعْتَبَرُ عِلْمٌ بِثُبُوتِ الصُّحْبَةِ" فِي حَقِّ مَنْ لَمْ٨ تُعْلَمْ صُحْبَتُهُ بِتَوَاتُرٍ أَوْ٩ اشْتِهَارٍ عِنْدَ الأَئِمَّةِ١٠ الأَرْبَعَةِ، خِلافًا لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ١١.

стр. 979

"فَلَوْ قَالَ مُعَاصِرٌ عَدْلٌ: أَنَا صَحَابِيٌّ قُبِلَ" عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالْجُمْهُورِ: لأَنَّهُ ثِقَةٌ مَقْبُولُ الْقَوْلِ. فَقُبِلَ فِي ذَلِكَ كَرِوَايَتِهِ١. وَقِيلَ: لا يُقْبَلُ٢. وَإِلَيْهِ مَيْلُ الطُّوفِيِّ فِي "مُخْتَصَرِهِ"، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلامِ ابْنِ الْقَطَّانِ٣ الْمُحَدِّثِ. وَبِهِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصَّيْمَرِيُّ٤ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ٥.

стр. 980

"لا" إنْ قَالَ "تَابِعِيٌّ عَدْلٌ: فُلانٌ صَحَابِيٌّ" فَإِنَّهُ لا يُقْبَلُ فِي الأَصَحِّ، لِكَوْنِهِمْ خَصُّوا ذَلِكَ بِالصَّحَابِيِّ عَلَى مَا فِي الصَّحَابِيِّ مِنْ الْخِلافِ. قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ "اللُّمَعِ": لا أَعْرِفُ فِيهِ نَقْلاً. وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الْقِيَاسُ: أَنَّهُ لا يُقْبَلُ؛ لأَنَّ ذَلِكَ مُرْسَلٌ؛ لأَنَّهَا قَضِيَّةٌ لَمْ يَحْضُرْهَا. "وَ" إنْ قَالَ الْعَدْلُ "أَنَا تَابِعِيٌّ، قَالَ فِي "الأَصْلِ" الَّذِي هُوَ "التَّحْرِيرُ" "فَالظَّاهِرُ كَصَحَابِيٍّ" يَعْنِي أَنَّ الْعَدْلَ الْمَعَاصِرَ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ، لَوْ قَالَ: أَنَا تَابِعِيٌّ لِكَوْنِي لَقِيت بَعْضَ الصَّحَابَةِ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ. كَمَا لَوْ قَالَ الْمَعَاصِرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَنَا صَحَابِيٌّ؛ لأَنَّهُ ثِقَةٌ، مَقْبُولُ الْقَوْلِ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ كَرِوَايَتِهِ.

стр. 981

فَصْلٌ: مُسْتَنَدُ الصَّحَابِيِّ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: لا خِلافَ فِيهِ، لِكَوْنِهِ لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ لِصَرَاحَتِهِ، وَهُوَ١ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ أَعْلَى مُسْتَنَدِ صَحَابِيٍّ: حَدَّثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكَذَا أَوْ أَخْبَرَنِي، أَوْ شَافَهَنِي وَ٢سَمِعْتُهُ يَقُولُ كَذَا وَرَأَيْته يَفْعَلُ كَذَا٣ وَنَحْوَهُمَا كَحَضَرْتُ أَوْ٤ شَاهَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ كَذَا، أَوْ يَفْعَلُ كَذَا٥. وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا أَعْلَى النَّوْعَيْنِ، لِكَوْنِهِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوَاسِطَةِ بَيْنَهُمَا قَطْعًا٦. النَّوْعُ الثَّانِي: مَا فِيهِ خِلافٌ لِكَوْنِهِ يَحْتَمِلُ وُجُودَ الْوَاسِطَةِ بَيْنَهُمَا لِعَدَمِ صَرَاحَتِهِ. وَإِلَى ذَلِكَ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ "وَيُحْمَلُ" أَيْ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ "قَالَ" النَّبِيُّ ﷺ كَذَا "وَ" قَوْلُ الصَّحَابِيِّ "فَعَلَ" رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَذَا "وَنَحْوُهُمَا"

стр. 982

كَأَقَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى كَذَا١، "وَعَنْهُ" كَقَوْلِ٢ الصَّحَابِيِّ: أَقُولُ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ "و"َ كَقَوْلِهِ "إنَّهُ" أَيْ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ كَذَا٣، أَوْ قَالَ كَذَا عَلَى "الاتِّصَالِ" أَيْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ لا وَاسِطَةَ بَيْنَهُ٤ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ. وَيَكُونُ ذَلِكَ حُكْمًا شَرْعِيًّا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ؛ لأَنَّهُ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِ الصَّحَابِيِّ الْقَائِلِ ذَلِكَ٥. وَخَالَفَ ٦فِي ذَلِكَ٦ أَبُو الْخَطَّابِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَجَمْعٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ. فَقَالُوا: لا يُحْمَلُ عَلَى السَّمَاعِ لاحْتِمَالِهِ وَتَرَدُّدِهِ بَيْنَ سَمَاعِهِ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ٧.

стр. 983

"وَ" قَوْلُ الصَّحَابِيِّ "أَمَرَ" النَّبِيُّ ﷺ بِكَذَا "وَ١نَهَى" النَّبِيُّ ﷺ عَنْ كَذَا "وَ٢أَمَرَنَا" رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكَذَا وَ٣نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كَذَا "وَ٤أُمِرْنَا" بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ بِكَذَا "وَ٥نُهِينَا" بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ عَنْ كَذَا "وَ٦رُخِّصَ لَنَا" فِي كَذَا، وَ٧أُبِيحَ لَنَا كَذَا "وَ٨حُرِّمَ عَلَيْنَا" كَذَا "وَمِنْ السُّنَّةِ" كَذَا وَكَذَا٩. وَقَوْلُهُ: جَرَتْ السُّنَّةُ أَوْ مَضَتْ السُّنَّةُ بِكَذَا. كَقَوْلِ عَلِيٍّ ﵁ "مِنْ السُّنَّةِ: وَضْعُ الْكَفِّ عَلَى الْكَفِّ فِي الصَّلاةِ تَحْتَ السُّرَّةِ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد١٠. وَقَوْلِ أَنَسٍ "مِنْ السُّنَّةِ إذَا تَزَوَّجَ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا – الْحَدِيثَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ١١.

стр. 984

"وَكُنَّا نَفْعَلُ" كَذَا أَوْ١ نَقُولُ كَذَا، أَوْ٢ نَرَى كَذَا عَلَى عَهْدِهِ ﷺ ، "وَكَانُوا يَفْعَلُونَ كَذَا عَلَى عَهْدِهِ ﷺ وَنَحْوَ ذَلِكَ" كَقَوْلِهِ: كَانَ الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٣ "حُجَّةٌ" يَعْنِي أَنَّ حُكْمَ ذَلِكَ حُكْمُ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ "قَالَ النَّبِيُّ ﷺ " لَكِنَّهُ فِي الدَّلالَةِ دُونَ ذَلِكَ، لاحْتِمَالِ الْوَاسِطَةِ أَوْ اعْتِقَادِ مَا لَيْسَ بِأَمْرٍ وَلا نَهْيٍ: أَمْرًا أَوْ نَهْيًا، لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِنَقْلِ الأَمْرِ إلاَّ بَعْدَ جَزْمِهِ بِوُجُودِ حَقِيقَتِهِ، وَمَعْرِفَةُ الأَمْرِ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ اللُّغَةِ وَهُمْ أَهْلُهَا، فَلا تَخْفَى٤ عَلَيْهِمْ٥.

стр. 985

ثُمَّ إنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ فِي صِيغَةِ الأَمْرِ وَنَحْوِهَا خِلافٌ، وَخِلافُنَا فِيهِ لا يَسْتَلْزِمُهُ. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ حُجَّةً، وَرَجَعَتْ إلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ١. وَخَالَفَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي ذَلِكَ، وَخَالَفَ الصَّيْرَفِيُّ وَالْبَاقِلاَّنِيّ وَأَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ وَالْكَرْخِيُّ الْحَنَفِيَّانِ، وَالإِسْمَاعِيلِيّ٢ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَنَقَلَهُ٣ ابْنُ الْقَطَّانِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ: "أُمِرْنَا وَنُهِينَا" لاحْتِمَالِ أَنَّ الآمِرَ غَيْرُ النَّبِيِّ ﷺ وَكَذَلِكَ النَّاهِي٤.
следующие страницы →