Полный текст (2 398 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
فَصْلٌ: مُسْتَنَدُ الصَّحَابِيِّ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: لا خِلافَ فِيهِ، لِكَوْنِهِ لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ لِصَرَاحَتِهِ، وَهُوَ١ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ أَعْلَى مُسْتَنَدِ صَحَابِيٍّ: حَدَّثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكَذَا أَوْ أَخْبَرَنِي، أَوْ شَافَهَنِي وَ٢سَمِعْتُهُ يَقُولُ كَذَا وَرَأَيْته يَفْعَلُ كَذَا٣ وَنَحْوَهُمَا كَحَضَرْتُ أَوْ٤ شَاهَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ كَذَا، أَوْ يَفْعَلُ كَذَا٥.
وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا أَعْلَى النَّوْعَيْنِ، لِكَوْنِهِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوَاسِطَةِ بَيْنَهُمَا قَطْعًا٦.
النَّوْعُ الثَّانِي: مَا فِيهِ خِلافٌ لِكَوْنِهِ يَحْتَمِلُ وُجُودَ الْوَاسِطَةِ بَيْنَهُمَا لِعَدَمِ صَرَاحَتِهِ. وَإِلَى ذَلِكَ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ "وَيُحْمَلُ" أَيْ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ "قَالَ" النَّبِيُّ ﷺ كَذَا "وَ" قَوْلُ الصَّحَابِيِّ "فَعَلَ" رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَذَا "وَنَحْوُهُمَا"
стр. 982
كَأَقَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى كَذَا١، "وَعَنْهُ" كَقَوْلِ٢ الصَّحَابِيِّ: أَقُولُ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ "و"َ كَقَوْلِهِ "إنَّهُ" أَيْ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ كَذَا٣، أَوْ قَالَ كَذَا عَلَى "الاتِّصَالِ" أَيْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ لا وَاسِطَةَ بَيْنَهُ٤ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ. وَيَكُونُ ذَلِكَ حُكْمًا شَرْعِيًّا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ؛ لأَنَّهُ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِ الصَّحَابِيِّ الْقَائِلِ ذَلِكَ٥.
وَخَالَفَ ٦فِي ذَلِكَ٦ أَبُو الْخَطَّابِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَجَمْعٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ. فَقَالُوا: لا يُحْمَلُ عَلَى السَّمَاعِ لاحْتِمَالِهِ وَتَرَدُّدِهِ بَيْنَ سَمَاعِهِ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ٧.
стр. 983
"وَ" قَوْلُ الصَّحَابِيِّ "أَمَرَ" النَّبِيُّ ﷺ بِكَذَا "وَ١نَهَى" النَّبِيُّ ﷺ عَنْ كَذَا "وَ٢أَمَرَنَا" رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكَذَا وَ٣نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كَذَا "وَ٤أُمِرْنَا" بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ بِكَذَا "وَ٥نُهِينَا" بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ عَنْ كَذَا "وَ٦رُخِّصَ لَنَا" فِي كَذَا، وَ٧أُبِيحَ لَنَا كَذَا "وَ٨حُرِّمَ عَلَيْنَا" كَذَا "وَمِنْ السُّنَّةِ" كَذَا وَكَذَا٩. وَقَوْلُهُ: جَرَتْ السُّنَّةُ أَوْ مَضَتْ السُّنَّةُ بِكَذَا. كَقَوْلِ عَلِيٍّ ﵁ "مِنْ السُّنَّةِ: وَضْعُ الْكَفِّ عَلَى الْكَفِّ فِي الصَّلاةِ تَحْتَ السُّرَّةِ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد١٠. وَقَوْلِ أَنَسٍ "مِنْ السُّنَّةِ إذَا تَزَوَّجَ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا – الْحَدِيثَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ١١.
стр. 984
"وَكُنَّا نَفْعَلُ" كَذَا أَوْ١ نَقُولُ كَذَا، أَوْ٢ نَرَى كَذَا عَلَى عَهْدِهِ ﷺ ، "وَكَانُوا يَفْعَلُونَ كَذَا عَلَى عَهْدِهِ ﷺ وَنَحْوَ ذَلِكَ" كَقَوْلِهِ: كَانَ الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٣ "حُجَّةٌ" يَعْنِي أَنَّ حُكْمَ ذَلِكَ حُكْمُ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ "قَالَ النَّبِيُّ ﷺ " لَكِنَّهُ فِي الدَّلالَةِ دُونَ ذَلِكَ، لاحْتِمَالِ الْوَاسِطَةِ أَوْ اعْتِقَادِ مَا لَيْسَ بِأَمْرٍ وَلا نَهْيٍ: أَمْرًا أَوْ نَهْيًا، لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِنَقْلِ الأَمْرِ إلاَّ بَعْدَ جَزْمِهِ بِوُجُودِ حَقِيقَتِهِ، وَمَعْرِفَةُ الأَمْرِ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ اللُّغَةِ وَهُمْ أَهْلُهَا، فَلا تَخْفَى٤ عَلَيْهِمْ٥.
стр. 985
ثُمَّ إنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ فِي صِيغَةِ الأَمْرِ وَنَحْوِهَا خِلافٌ، وَخِلافُنَا فِيهِ لا يَسْتَلْزِمُهُ. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ حُجَّةً، وَرَجَعَتْ إلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ١.
وَخَالَفَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي ذَلِكَ، وَخَالَفَ الصَّيْرَفِيُّ وَالْبَاقِلاَّنِيّ وَأَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ وَالْكَرْخِيُّ الْحَنَفِيَّانِ، وَالإِسْمَاعِيلِيّ٢ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَنَقَلَهُ٣ ابْنُ الْقَطَّانِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ: "أُمِرْنَا وَنُهِينَا" لاحْتِمَالِ أَنَّ الآمِرَ غَيْرُ النَّبِيِّ ﷺ وَكَذَلِكَ النَّاهِي٤.
стр. 986
وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ: بِأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ ذَلِكَ: يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فِي مَعْرِضِ الاحْتِجَاجِ، فَيُحْمَلُ عَلَى صُدُورِهِ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ، وَهُوَ الرَّسُولُ، ﷺ . فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يَصْدُرُ عَنْهُ الأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالتَّحْرِيمُ وَالتَّرْخِيصُ تَبْلِيغًا عَنْ اللَّهِ ، وَإِنْ١ كَانَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مِنْ بَعْضِ الْخُلَفَاءِ٢، لَكِنَّهُ٣ بَعِيدٌ. فَإِنَّ الْمُشَرِّعَ لِذَلِكَ هُوَ صَاحِبُ الشَّرْعِ٤.
"وَقَوْلُ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ عَنْهُ٥" أَيْ عَنْ الصَّحَابِيِّ إذَا رَوَى عَنْهُ حَدِيثًا "يَرْفَعُهُ" أَيْ الصَّحَابِيُّ "أَوْ يَنْمِيْهِ٦" إلَى النَّبِيِّ ﷺ "أَوْ يَبْلُغُ بِهِ" النَّبِيَّ ﷺ "أَوْ يَرْوِيهِ٧" عَنْ النَّبِيِّ ﷺ "كَمَرْفُوعٍ صَرِيحًا" عِنْدَ الْعُلَمَاءِ٨.
قَالَ ابْنُ الصَّلاحِ: "حُكْمُ ذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ صَرِيحًا٩".
стр. 987
وَذَلِكَ كَقَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ "الشِّفَاءُ فِي ثَلاثٍ: شَرْبَةِ عَسَلٍ، وَشَرْطَةِ مِحْجَمٍ، وَكَيَّةِ نَارٍ", ثُمَّ قَالَ: رَفَعَ الْحَدِيثَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ١.
وَكَحَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ٢ عَنْ الأَعْرَجِ٣ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ يَبْلُغُ بِهِ. قَالَ: "النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ" ٤، وَغَيْرُهُ كَثِيرٌ.
стр. 988
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِوَايَةُ "تُقَاتِلُونَ قَوْمًا - الْحَدِيثَ١".
وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمٍ٢ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ٣ "كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلاةِ. قَالَ أَبُو
стр. 989
حَازِمٍ: لا ١أَعْلَمُ إلاَّ أَنَّهُ يَنْمِي٢ ذَلِكَ٢. قَالَ مَالِكٌ: هَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ٣. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْقَعْنَبِيِّ٤ عَنْ مَالِكٍ. فَقَالَ: "يَنْمِي ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٥"، فَصَرَّحَ بِرَفْعِهِ٦.
стр. 990
"وَ" قَوْلُ "تَابِعِيٍّ: أُمِرْنَا وَنُهِينَا، وَمِنْ السُّنَّةِ، وَكَانُوا يَفْعَلُونَ" كَذَا "كَ" قَوْلِ "صَحَابِيٍّ" ذَلِكَ "حُجَّةٌ" أَيْ فِي الاحْتِجَاجِ بِهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا١. وَأَوْمَأَ إلَيْهِ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁، لَكِنَّهُ كَالْمُرْسَلِ٢.
وَخَالَفَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي قَوْلِهِ: "كَانُوا يَفْعَلُونَ كَذَا"٣. وَقَالَ: لَيْسَ بِحُجَّةٍ، لأَنَّهُ قَدْ يَعْنِي مَنْ أَدْرَكَهُ. كَقَوْلِ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ "كَانُوا يَفْعَلُونَ" يُرِيدُ أَصْحَابَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ٤.
"وَأَعْلَى مُسْتَنِدِ غَيْرِ صَحَابِيٍّ: قِرَاءَةُ الشَّيْخِ" عَلَى الرَّاوِي عَنْهُ، وَهُوَ يَسْمَعُ، سَوَاءٌ كَانَتْ قِرَاءَتُهُ إمْلاءً أَوْ تَحْدِيثًا مِنْ حِفْظِهِ أَوْ مِنْ كِتَابِهِ٥.
стр. 991
إذَا عَلِمْت ذَلِكَ "فَإِنْ قَصَدَ" الشَّيْخُ "إسْمَاعَهُ وَحْدَهُ، أَوْ" أَنْ يُسْمِعَهُ "وَ" يُسْمِعَ غَيْرَهُ "قَالَ" أَيْ سَاغَ لِلرَّاوِي أَنْ يَقُولَ "أَسْمَعَنَا، وَ" أَنْ يَقُولَ "حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا" فُلانٌ١
"وَقَلَّ" قَوْلُ الرَّاوِي٢ فِي مِثْلِ هَذَا "أَنْبَأَنَا وَ٣نَبَّأَنَا" فُلانٌ٤
"وَهِيَ" أَيْ هَذِهِ الأَلْفَاظُ "مُرَتَّبَةٌ" أَيْ فِي الرُّتْبَةِ "كَمَا ذُكِرَتْ" أَيْ كَمَا رُتِّبَتْ فِي الذِّكْرِ.
стр. 992
قَالَ الْخَطِيبُ١: "أَرْفَعُ الدَّرَجَاتِ: سَمِعْت، ثُمَّ حَدَّثَنَا. وَحَدَّثَنِي، ثُمَّ أَخْبَرَنَا. وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الاسْتِعْمَالِ، ثُمَّ أَنْبَأَنَا وَنَبَّأَنَا، وَهُوَ قَلِيلٌ فِي الاسْتِعْمَالِ٢".اهـ.
وَإِنَّمَا كَانَتْ "أَسْمَعَنَا وَحَدَّثَنَا" أَرْفَعُ لِمَا فِيهِمَا مِنْ الاحْتِرَازِ مِنْ الإِجَازَةِ.
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ "أَخْبَرَنَا" أَسْهَلُ مِنْ "حَدَّثَنَا" فَإِنَّ حَدَّثَنَا شَدِيدٌ٣. اهـ.
"وَلَهُ" أَيْ لِلرَّاوِي "إفْرَادُ الضَّمِيرِ" بِأَنْ يَقُولَ: سَمِعْت أَوْ حَدَّثَنِي "وَ" لَوْ كَانَ "مَعَهُ غَيْرُهُ، وَ" لَهُ "جَمْعُهُ" أَيْ جَمْعُ الضَّمِيرِ بِأَنْ يَقُولَ: سَمِعْنَا أَوْ حَدَّثَنَا، وَلَوْ كَانَ الرَّاوِي "مُنْفَرِدًا" بِالسَّمَاعِ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ٤
"وَإِلاَّ" أَيْ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ الشَّيْخُ الإِسْمَاعَ "قَالَ" الرَّاوِي "سَمِعْت وَحَدَّثَ، وَأَخْبَرَ وَأَنْبَأَ وَنَبَّأَ" قَطَعَ بِهِ ابْنُ مُفْلِحٍ وَغَيْرُهُ٥.
стр. 993
وَالرُّتْبَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ مُسْتَنَدِ١ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ: مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ "ثُمَّ قِرَاءَتُهُ" أَيْ قِرَاءَةُ الرَّاوِي عَلَى الشَّيْخِ٢.
وَالرُّتْبَةُ الثَّالِثَةُ: سَمَاعُ الرَّاوِي قِرَاءَةَ غَيْرِهِ عَلَى الشَّيْخِ وَهُوَ يَسْمَعُ، وَإِلَى ذَلِكَ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ "أَوْ غَيْرِهِ" أَيْ غَيْرِ الرَّاوِي "عَلَى الشَّيْخِ٣".
стр. 994
"وَيَقُولُ فِيهِمَا١" أَيْ قِرَاءَتِهِ، وَفِي٢ قِرَاءَةِ غَيْرِهِ "حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا قِرَاءَةً عَلَيْهِ٣".
"وَيَجُوزُ الإِطْلاقُ" وَهُوَ أَنْ لا يَقُولَ: قِرَاءَةً٤ عَلَيْهِ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَالْخَلاَّلِ وَأَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ٥ وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَغَيْرِهِمْ٦.
وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ: لا يُطْلِقُ، وَقَالَ جَمْعٌ؛ لأَنَّهُ كَذِبٌ٧.
стр. 995
وَفِي الرِّوَايَةِ بِسَمَاعِ قِرَاءَةِ غَيْرِهِ عَلَى الشَّيْخِ خِلافٌ. وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ: الصِّحَّةُ١.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ٢: وَوَقَعَ الإِجْمَاعُ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الأَزْمِنَةِ وَقَبْلَهَا. وَحُكِيَ الْمَنْعُ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلِ٣ وَوَكِيعٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ سَلاَّمٍ٤ وَعَبْدِ
стр. 996
الرَّحْمَنِ بْنِ سَلاَّمٍ الْجُمَحِيِّ١.
"وَسُكُوتُ الشَّيْخِ عِنْدَ قِرَاءَةٍ عَلَيْهِ بِلا مُوجِبٍ" لِسُكُوتِهِ٢ مِنْ٣ غَفْلَةٍ أَوْ غَيْرِهَا كَإِقْرَارِهِ٤.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ. قَالَ: وَالأَحْوَطُ أَنْ يَسْتَنْطِقَهُ بِالإِقْرَارِ٥ بِهِ٦"
وَشَرَطَ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ إقْرَارَ الشَّيْخِ بِصِحَّةِ مَا قُرِئَ عَلَيْهِ نُطْقًا٧.
стр. 997
وَالصَّحِيحُ: أَنَّ عَدَمَ إنْكَارِهِ، وَلا حَامِلَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ، مِنْ إكْرَاهٍ أَوْ نَوْمٍ أَوْ غَفْلَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ: كَافٍ. لأَنَّ الْعُرْفَ قَاضٍ بِأَنَّ السُّكُوتَ تَقْرِيرٌ فِي مِثْلِ هَذَا، وَإِلاَّ لَكَانَ سُكُوتُهُ لَوْ كَانَ غَيْرَ صَحِيحٍ قَادِحًا١.
"وَيَحْرُمُ" عَلَى الرَّاوِي "إبْدَالُ قَوْلِ الشَّيْخِ حَدَّثَنَا بِ" قَوْلِ الرَّاوِي "أَخْبَرَنَا وَعَكْسُهُ" وَهُوَ إبْدَالُ قَوْلِ الشَّيْخِ "أَخْبَرَنَا" بِقَوْلِ الرَّاوِي "حَدَّثَنَا"، لاحْتِمَالِ٢ أَنْ يَكُونَ الشَّيْخُ لا يَرَى التَّسْوِيَةَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ فَيَكُونُ ذَلِكَ كَذِبًا عَلَيْهِ٣.
وَعَنْهُ: لا يَحْرُمُ٤.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: "أَخَذَهَا الْقَاضِي مِنْ قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ٥: حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا وَاحِدٌ. وَنَقَلَهُ عَنْهُ٦ سَلَمَةُ بْنُ
стр. 998
شَبِيبٍ١ "أَيْضًا٢".
"و"َيَحْرُمُ أَيْضًا عَلَى الرَّاوِي" رِوَايَةُ مَا شَكَّ فِي سَمَاعِهِ" مَا دَامَ شَاكًّا. ذَكَرَهُ الآمِدِيُّ إجْمَاعًا؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ السَّمَاعِ؛ وَلأَنَّ ذَلِكَ شَهَادَةٌ٣ عَلَى شَيْخِهِ٤. "و"َكَذَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ رِوَايَةُ مَرْوِيٍّ "بِمُشْتَبَهٍ بِغَيْرِهِ" أَيْ بِغَيْرِ مَرْوِيٍّ. لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُحْتَمَلُ٥ أَنَّهُ غَيْرُ الَّذِي رَوَاهُ مَا دَامَ لَمْ يَتَرَجَّحْ عِنْدَهُ أَحَدُ الْمُشْتَبَهَيْنِ أَنَّهُ مَسْمُوعُهُ٦.
وَ"يَحْرُمُ أَيْضًا عَلَيْهِ: رِوَايَةُ "مُسْتَفْهِمٍ مِنْ غَيْرِ الشَّيْخِ٧".
стр. 999
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ بَعْدَ كَلامٍ تَقَدَّمَ: وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ إلاَّ مَا سَمِعَهُ مِنْ الشَّيْخِ فَلا يَسْتَفْهِمُهُ مِمَّنْ مَعَهُ، ثُمَّ يَرْوِيهِ. وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ خِلافًا لآخَرِينَ. اهـ.
قَالَ خَلَفُ بْنُ تَمِيمٍ١: سَمِعْت مِنْ الثَّوْرِيِّ عَشَرَةَ آلافِ حَدِيثٍ أَوْ نَحْوَهَا. فَكُنْت أَسْتَفْهِمُ جَلِيسِي. فَقُلْت لِزَائِدَةَ٢. فَقَالَ: لا تُحَدِّثُ بِهَا إلاَّ مَا ٣تَحْفَظُ بِقَلْبِكَ٦ وَتَسْمَعُ أُذُنُكَ٤. قَالَ٥: فَأَلْقَيْتُهَا٦.
"لا" أَنْ يَرْوِيَ "مَا ظَنَّهُ مَسْمُوعَهُ" مِنْ غَيْرِ اشْتِبَاهٍ "أَوْ" ظَنَّهُ مِنْ مُشْتَبَهٍ بِعَيْنِهِ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ وَالأَكْثَرِ، عَمَلاً بِالظَّنِّ٧.
стр. 1000
"وَلا يُؤَثِّرُ" فِي صِحَّةِ الرِّوَايَةِ "مَنْعُ الشَّيْخِ" الرَّاوِيَ مِنْ "رِوَايَتِهِ عَنْهُ بِلا قَادِحٍ١".
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ بَعْدَ كَلامٍ تَقَدَّمَ. وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ، أَنَّ مَنْعَ الشَّيْخِ لِلرَّاوِي٢ مِنْ رِوَايَتِهِ - وَلَمْ يُسْنِدْ ذَلِكَ إلَى خَطَإٍ أَوْ شَكٍّ - لا يُؤَثِّرُ. وَقَالَهُ بَعْضُهُمْ. اهـ.
"ثُمَّ" الرُّتْبَةُ الرَّابِعَةُ مِنْ مُسْتَنَدِ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ: الرِّوَايَةُ بِالإِجَازَةِ وَتَتَفَاوَتُ.
وَبِجَوَازِهَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ ﵄ وَالأَكْثَرُ مِنْ أَصْحَابِهِمَا وَبَقِيَّةُ الْعُلَمَاءِ، وَحَكَى الاتِّفَاقَ عَلَى جَوَازِهَا الْبَاقِلاَّنِيُّ وَالْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُمَا٣.
стр. 1001
وَاحْتَجَّ ابْنُ الصَّلاحِ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ "إذَا جَازَ أَنْ يَرْوِيَ عَنْهُ مَرْوِيَّاتِهِ، وَقَدْ١ أَخْبَرَهُ بِهَا جُمْلَةً. ٢فَهُوَ كَمَا١ لَوْ أَخْبَرَهُ بِهَا٣ تَفْصِيلاً، وَإِخْبَارُهُ بِهَا غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ عَلَى التَّصْرِيحِ نُطْقًا، كَمَا فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى الشَّيْخِ٤.
وَعَلَى هَذَا: يَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا كَالْحَدِيثِ الْمُرْسَلِ. قَالَهُ٥ ابْنُ مُفْلِحٍ وَغَيْرُهُ٦.
وَمَنَعَهَا شُعْبَةُ وَأَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيّ وَإِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الإِمَامِ أَحْمَدَ وَجَمْعٌ كَثِيرٌ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ. وَنَقَلَهُ الرَّبِيعُ٧ عَنْ الشَّافِعِيِّ٨.
стр. 1002
قَالَ شُعْبَةُ: لَوْ صَحَّتْ الإِجَازَةُ لَبَطَلَتْ الرِّحْلَةُ١. قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: لَوْ صَحَّتْ لَبَطَلَ الْعِلْمُ٢.
وَنَقَلَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: لا أَرَى هَذَا يَجُوزُ وَلا يُعْجِبُنِي٣.
وَقَالَ أَبُو طَاهِرٍ الدَّبَّاسُ٤ الْحَنَفِيُّ٥: مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: أَجَزْت لَك أَنْ
стр. 1003
تَرْوِيَ عَنِّي، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَجَزْت لَك أَنْ تَكْذِبَ عَلَيَّ١.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ إنْ عَلِمَ٢ الْمُجِيزُ مَا فِي الْكِتَابِ، وَالْمُجَازُ لَهُ ضَابِطٌ: جَازَ، وَإِلاَّ فَلا، لِمَا فِيهِ مِنْ صِيَانَةِ السُّنَّةِ وَحِفْظِهَا٣.
إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَأَعْلاهَا "مُنَاوَلَةُ" كِتَابٍ "مَعَ إجَازَةٍ أَوْ إذْنٍ" فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُ. وَيُسَمَّى هَذَا "عَرْضُ الْمُنَاوَلَةِ"كَمَا أَنَّ سَمَاعَ الشَّيْخِ يُسَمَّى "عَرْضَ الْقِرَاءَةِ"٤.
وَهِيَ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا ذَكَرْنَاهُ٥، وَهِيَ الْمُنَاوَلَةُ مَعَ الإِجَازَةِ أَوِ٦ الإِذْنِ. وَالرِّوَايَةُ٧ بِهَذَا النَّوْعِ جَائِزَةٌ٨.
стр. 1004
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي "الإِلْمَاعِ": جَائِزَةٌ١ بِالإِجْمَاعِ٢. وَكَذَا قَالَ الْمَازِرِيُّ: لا شَكَّ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ٣.اهـ.
لَكِنَّ الصَّيْرَفِيَّ حَكَى الْخِلافَ فِي الْمَسْأَلَةِ. وَأَنَّ الْمَانِعَ خَرَّجَهُ عَلَى الشَّهَادَةِ، فِي٤ الصَّكِّ وَلَمْ يَقْرَأْ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، بَلْ قَالَ: اشْهَدْ عَلَيَّ بِمَا فِيهِ، فَإِنَّ الْقَوْلَ بِمَنْعِهِ مَشْهُورٌ. كَمَا ذَكَرُوهُ٥ فِي كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي٦. وَمِمَّا اُسْتُدِلَّ بِهِ لِلْمُنَاوَلَةِ بِدُونِ الْقِرَاءَةِ مَا قَالَهُ الْبُخَارِيُّ: إنَّ بَعْضَ٧ أَهْلِ الْحِجَازِ احْتَجُّوا عَلَيْهَا بِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ كَتَبَ لأَمِيرِ السَّرِيَّةِ كِتَابًا. وَ٨قَالَ: "وَلا تَقْرَأْهُ ٩ حَتَّى تَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا". فَلَمَّا بَلَغَ
стр. 1005
ذَلِكَ الْمَكَانَ قَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ، وَأَخْبَرَهُمْ بِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ١، لَكِنْ أَشَارَ الْبَيْهَقِيُّ إلَى أَنَّهُ لا حُجَّةَ فِيهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لاحْتِمَالِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَهُ عَلَيْهِ. فَتَكُونُ وَاقِعَةَ عَيْنٍ يَسْقُطُ فِيهَا٢ الاسْتِدْلال لِلاحْتِمَالِ٣.
وَأَمِيرُ السَّرِيَّةِ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ٤ الْمُجَدَّعُ فِي اللَّهِ تَعَالَى. وَذَلِكَ فِي رَجَبٍ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ. وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ٥ مَرْفُوعًا٦.
وَصِفَةُ هَذَا النَّوْعِ: "أَنْ يَدْفَعَ الشَّيْخُ إلَى الطَّالِبِ أَصْلَ مَرْوِيِّهِ، أَوْ فَرْعًا مُقَابَلاً بِهِ. وَيَقُولُ: هَذَا سَمَاعِي، أَوْ مَرْوِيِّي٧ بِطَرِيقِ كَذَا فَارْوِهِ عَنِّي، أَوْ
стр. 1006
أَجَزْت لَك أَنْ تَرْوِيَهُ عَنِّي، ثُمَّ يُمَلِّكُهُ١ إيَّاهُ بِطَرِيقٍ أَوْ يُعِيرُهُ لَهُ يَنْقُلُهُ وَيُقَابِلُهُ بِهِ٢".
وَفِي مَعْنَاهُ: "أَنْ يَجِيءَ الطَّالِبُ بِذَلِكَ إلَى الشَّيْخِ وَيَعْرِضَهُ عَلَيْهِ، فَيَتَأَمَّلَهُ الشَّيْخُ الْعَارِفُ الْيَقِظُ. وَيَقُولُ: نَعَمْ هَذَا مَسْمُوعِي، أَوْ رِوَايَتِي بِطَرِيقِ كَذَا، فَارْوِهِ عَنِّي٣". وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا جَائِزَةٌ، وَأَنَّهَا مُنْحَطَّةٌ عَنْ رُتْبَةِ السَّمَاعِ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ٤.
وَذَهَبَ رَبِيعَةُ٥
стр. 1007
وَمَالِكٌ وَالزُّهْرِيُّ١ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَجَمْعٌ٢ إلَى أَنَّهَا كَالسَّمَاعِ٣.
"وَلا تَجُوزُ" الرِّوَايَةُ "بِمُجَرَّدِهَا" أَيْ بِمُجَرَّدِ الْمُنَاوَلَةِ مِنْ غَيْرِ إجَازَةٍ وَلا إذْنٍ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ٤.
وَحَكَى الْخَطِيبُ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُمْ صَحَّحُوهَا٥. وَبِذَلِكَ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ٦.
стр. 1008
وَعَابَهَا١ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ، وَ٢الأُصُولِيِّينَ عَلَى الْمُحَدِّثِينَ٣.
وَلَمْ يَرَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ: إطْلاقَ "حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا" فِي الْمُنَاوَلَةِ مَعَ الإِجَازَةِ أَوْ الإِذْنِ٤.
وَأَجَازَهُ مَالِكٌ وَالزُّهْرِيُّ وَجَمْعٌ، لأَنَّهَا عِنْدَهُمْ كَالسَّمَاعِ٥.
"وَيَكْفِي اللَّفْظُ" يَعْنِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْكِتَابُ بِيَدِ الْمُجَازِ لَهُ أَوْ عَلَى الأَرْضِ وَنَحْوِهِ، وَأَجَازَهُ بِهِ: جَازَ٦، وَلا يُشْتَرَطُ فِيهَا٧ فِعْلُ الْمُنَاوَلَةِ لأَنَّهُ لا
стр. 1009
تَأْثِيرَ لَهَا١.
"وَمِثْلُهَا" أَيْ وَمِثْلُ الْمُنَاوَلَةِ "مُكَاتَبَةٌ مَعَ إجَازَةٍ، أَوْ" مَعَ "إذْنٍ" بِشَرْطِ أَنْ يَعْلَمَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ أَنَّهُ خَطُّ الْكَاتِبِ، أَوْ يَظُنُّهُ بِإِخْبَارِ ثِقَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ٢.
قَالَ الْعِرَاقِيُّ٣ فِي "شَرْحِ مَنْظُومَتِهِ": "الْمُكَاتَبَةُ أَنْ يَكْتُبَ الشَّيْخُ شَيْئًا مِنْ
стр. 1010
حَدِيثِهِ بِخَطِّهِ، أَوْ يَأْمُرَ غَيْرَهُ فَيَكْتُبَ عَنْهُ بِإِذْنِهِ إلَى غَائِبٍ عَنْهُ، أَوْ حَاضِرٍ عِنْدَهُ١".
فَهَذَانِ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُجِيزَهُ مَعَ ذَلِكَ. فَتَجُوزُ الرِّوَايَةُ بِهِ عَلَى الصَّحِيحِ كَالْمُنَاوَلَةِ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ كَالسَّمَاعِ٢؛ لأَنَّ الْكِتَابَةَ أَحَدُ اللِّسَانَيْنِ٣. وَقَدْ٤ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُبَلِّغُ الْغَائِبَ بِالْكِتَابَةِ إلَيْهِ٥.
стр. 1011
وَكَانَ ﷺ يَكْتُبُ إلَى عُمَّالِهِ تَارَةً١، وَيُرْسِلُ أُخْرَى٢.
وَمَنَعَ قَوْمٌ مِنْ الرِّوَايَةِ بِالْكِتَابَةِ، وَأَجَابُوا عَنْ كُتُبِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَنَّ الاعْتِمَادَ عَلَى الأَخْبَارِ الْمُرْسَلَةِ عَلَى يَدَيْهِ٣.
"ثُمَّ" يَلِي الْمُنَاوَلَةَ وَالْمُكَاتَبَةَ فِي الرُّتْبَةِ "إجَازَةُ خَاصٍّ لِخَاصٍّ" كَقَوْلِهِ:
стр. 1012
أَجَزْت لِفُلانٍ أَنْ يَرْوِيَ عَنِّي كِتَابَ كَذَا مَعَ غَيْبَةِ الْكِتَابِ، وَإِلاَّ فَهِيَ الْمُنَاوَلَةُ١.
فَإِجَازَةُ عَامٍّ لِخَاصٍّ كَقَوْلِهِ: أَجَزْت لِفُلانٍ أَنْ يَرْوِيَ عَنِّي جَمِيعَ مَرْوِيَّاتِي٢.
فَعَكْسُهُ وَهِيَ إجَازَةُ خَاصٍّ لِعَامٍّ. كَقَوْلِهِ: أَجَزْت لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ٣ لِمَنْ أَدْرَكَ حَيَاتِي أَوْ لِكُلِّ أَحَدٍ: أَنْ يَرْوِيَ عَنِّي كِتَابِي الْفُلانِيَّ٤.
"فَ" إجَازَةُ "عَامٍّ لِعَامٍّ" كَقَوْلِهِ: أَجَزْت لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَرْوِيَ
стр. 1013
عَنِّي١ جَمِيعَ مَرْوِيَّاتِي٢.
ذَكَرَ٣ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ - وَهُمَا إجَازَةُ الْخَاصِّ لِلْعَامِّ وَالْعَامِّ لِلْعَامِّ - الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ، وَقَالَهُ٤ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ فِي إجَازَةِ الْعَامِّ لِلْعَامِّ٥.
وَمَنَعَ هَذَا الأَخِيرَ جَمَاعَةٌ٦. وَجَوَّزَهُ الْخَطِيبُ وَغَيْرُهُ. وَفَعَلَهُ ابْنُ مَنْدَهْ٧ وَغَيْرُهُ. فَقَالَ: أَجَزْت لِمَنْ قَالَ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ٨
وَجَوَّزَ أَبُو الطَّيِّبِ الإِجَازَةَ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مَوْجُودًا عِنْدَ الإِجَازَةِ٩.
стр. 1014
وَقَالَ ابْنُ الصَّلاحِ: "لَمْ نَرَ وَلَمْ نَسْمَعْ عَنْ١ أَحَدٍ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ اسْتَعْمَلَ هَذِهِ الإِجَازَةَ وَلا٢ مِنْ الشِّرْذِمَةِ الْمُجَوِّزَةِ، وَالإِجَازَةُ فِي أَصْلِهَا ضَعْفٌ٣، وَتَزْدَادُ٤ بِهَذَا التَّوَسُّعِ ٥ضَعْفًا كَبِيرًا١٣ لا يَنْبَغِي احْتِمَالُهُ٦".
وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ فِي "شَرْحِ مَنْظُومَتِهِ": "مِمَّنْ أَجَازَهَا أَبُو الْفَضْلِ ابْنُ خَيْرُونَ الْبَغْدَادِيُّ٧ وَابْنُ رُشْدٍ الْمَالِكِيُّ٨ وَالسَّلَفِيُّ٩ وَغَيْرُهُمْ. وَرَجَّحَهُ
стр. 1015
ابْنُ الْحَاجِبِ، وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي١ زِيَادَةِ "الرَّوْضَةِ٢".
"ثُمَّ مُكَاتَبَةٌ٣ بِدُونِهَا" أَيْ بِدُونِ إجَازَةٍ، بَلْ كَتَبَ إلَيْهِ يُخْبِرُهُ بِقِرَاءَتِهِ٤ الْكِتَابَ الْفُلانِيَّ عَلَى الشَّيْخِ الْفُلانِيِّ فَقَطْ، وَظَاهِرُ كَلامِ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ وَالْخَلاَّلِ: الْجَوَازُ، فَإِنَّ أَبَا مُسْهِرٍ٥ وَأَبَا تَوْبَةَ٦ كَتَبَا إلَيْهِ
стр. 1016
بِأَحَادِيثَ وَحَدَّثَ بِهَا١، وَهُوَ الأَشْهَرُ لِلْمُحَدِّثَيْنِ. وَاخْتَارَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ. حَتَّى قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: إنَّهَا أَقْوَى مِنْ الإِجَازَةِ. وَجَزَمَ بِهِ الرَّازِيّ فِي "الْمَحْصُولِ٢"
وَفِي الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ "الأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ" "٣وَكَتَبَ إلَيَّ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ٤".
وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مُوسَى٥ "كَتَبَ إلَيَّ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ"٦.
стр. 1017
وَلِلشَّافِعِيَّةِ خِلافٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهَا مِنْ الْخِلافِ مَعَ الإِجَازَةِ، فَمَعَ عَدَمِهَا أَقْوَى١.
"وَيَكْفِي"٢ فِي جَوَازِ الرِّوَايَةِ بِالْمُكَاتَبَةِ "مَعْرِفَةُ خَطِّهِ" أَيْ أَنْ٣ يَعْرِفَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ خَطَّ الْكَاتِبِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الأَكْثَرِ، وَيَكْفِي الظَّنُّ فِي ذَلِكَ الْمُعْتَمِدُ عَلَى إخْبَارِ عَدْلٍ عَلَى الصَّحِيحِ٤.
وَحَكَى أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ عَنْ بَعْضِهِمْ: أَنَّهُ لا يَكْفِي فِي ذَلِكَ إلاَّ عَدْلانِ يَشْهَدَانِ عَلَى الْكَاتِبِ بِأَنَّهُ كَتَبَهُ عَلَى حَدِّ شَرْطِ كِتَابِ الْقَاضِي٥٦إلَى الْقَاضِي٦
"وَتَجُوزُ إجَازَةٌ بِمُجَازٍ بِهِ" فِي الأَصَحِّ. كَأَجَزْت لَك مُجَازَاتِي، أَوْ
стр. 1018
أَجَزْت لَك مَا أُجِيزُ لِي رِوَايَتَهُ. وَهَذَا هُوَ١ الصَّحِيحُ. وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ، خِلافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَقَدْ كَانَ الْفَقِيهُ نَصْرُ الْمَقْدِسِيُّ٢ يَرْوِي بِالإِجَازَةِ عَنْ الإِجَازَةِ٣.
"و"َ تَجُوزُ الإِجَازَةُ "لِطِفْلٍ، وَمَجْنُونٍ وَغَائِبٍ وَكَافِر" لِيَرْوِيَ الطِّفْلُ مَا أُجِيزَ بِهِ إذَا بَلَغَ، وَالْمَجْنُونُ إذَا عَقَلَ، وَالْكَافِرُ إذَا أَسْلَمَ٤.
وَقَدْ وَقَعَتْ مَسْأَلَةُ الْكَافِرِ فِي زَمَنِ الْحَافِظِ أَبِي الْحَجَّاجِ الْمِزِّيِّ بِدِمَشْقَ. وَكَانَ طَبِيبًا سُمِّيَ٥ بَعْدَ إسْلامِهِ مُحَمَّدًا٦. وَكَانَ أَبُوهُ يُسَمَّى عَبْدَ السَّيِّدِ،
стр. 1019
يَسْمَعُ١ الْحَدِيثَ وَهُوَ يَهُودِيٌّ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الصُّورِيِّ. وَكَتَبَ اسْمَهُ فِي طَبَقَاتِ السُّمَّاعِ مَعَ النَّاسِ، وَأَجَازَ ابْنُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ لِمَنْ سَمِعَهُ، وَهُوَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ، وَكَانَ السَّمَاعُ وَالإِجَازَةُ بِحَضْرَةِ الْمِزِّيِّ الْحَافِظِ، وَبَعْضُ السُّمَّاعِ بِقِرَاءَتِهِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ. ثُمَّ هَدَى اللَّهُ الْيَهُودِيَّ إلَى الإِسْلامِ. وَحَدَّثَ بِمَا أُجِيزَ لَهُ. وَتَحَمَّلَ الطُّلاَّبُ عَنْهُ. قَالَ الْحَافِظُ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْعِرَاقِيُّ وَرَأَيْته وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ٢.
لا لِـ "مَعْدُومٍ" فَلا تَصِحُّ الإِجَازَةُ لَهُ "مُطْلَقًا" لا بِالأَصَالَةِ كَأَجَزْت لِمَنْ يُولَدُ لَك، وَلا بِالتَّبَعِيَّةِ، كَأَجَزْت لَك وَلِمَنْ يُولَدُ لَك فِي ظَاهِرِ كَلامِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا. وَقَالَهُ غَيْرُهُمْ. لأَنَّهَا مُحَادَثَةٌ أَوْ إذْنٌ فِي الرِّوَايَةِ، بِخِلافِ الْوَقْفِ عَلَى مَنْ سَيُولَدُ تَبَعًا لِمَنْ وُلِدَ٣.
وَأَجَازَهَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي٤ دَاوُد مِنْ أَصْحَابِنَا. فَإِنَّهُ لَمَّا سَأَلَهُ إنْسَانٌ الإِجَازَةَ. قَالَ: قَدْ أَجَزْت لَك وَلأَوْلادِك، وَلِحَبَلِ الْحَبَلَةِ، يَعْنِي لِمَنْ يُولَدُ بَعْدُ٥
стр. 1020
"وَلا تَصِحُّ" أَيْضًا إجَازَةٌ "لِمَجْهُولٍ" كَأَجَزْت لِرَجُلٍ مِنْ النَّاسِ "وَلا بِمَجْهُولٍ١" كَأَجَزْت لَك أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي ٢بَعْضًا مِنْ مَرْوِيَّاتِي٤.
وَجَوَّزَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَابْنُ عَمْرُوسٍ الْمَالِكِيُّ٣: أَجَزْت لِمَنْ شَاءَ فُلانٌ٤.
وَالصَّحِيحُ: خِلافُ ذَلِكَ، وَهُوَ عَدَمُ الصِّحَّةِ فِي ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَهَالَةِ وَالتَّعْلِيقِ.
أَمَّا لَوْ اُسْتُجِيزَ لِمَنْ سُمِّيَ٥ وَنُسِبَ لَهُ. فَلا٦ يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الإِجَازَةِ
следующие страницы →