فتبين من هذا أن الدين عام لجميع ما جاء به الرسول ﷺ من إسلام وإيمان وإحسان، وقد أطلق مع شموله هذا على الدعاء فدل على أهميته العظيمة ومنزلته الرفيعة.
ومن هنا يتبين عظمة الدعاء وأهميته وأنه الدين كله وأنه "من أفضل العبادات وأجل الطاعات، ولهذا أخبر أنه الدين فذكره معرفًا بالألف واللام" (١).
٣ - إن الله قد سمى الدعاء عبادة في غير موضع من كتابه وكذلك سماه النبي ﷺ العبادة كما ثبت في الحديث الصحيح.
ومما ورد من تسمية الله الدعاء عبادة، قوله تعالى في قصة إبراهيم
مع أبيه: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٨ - ٤٩].
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
وقد تقدم ضرب الأمثلة المتنوعة في ذلك في ذكر المناسبة بين الدعاء والعبادة (٢).
وقد علم فضل العبادة ومكانتها وأن الله ما خلق الجن والإنس إلا من أجلها قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].
٤ - إن الله توعد من ترك الدعاء للاستكبار بدخول
جهنم ذليلًا حقيرًا، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ
стр. 282
الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
وهذا وعيد شديد لمن لم يدع الله تعالى ويلتجيء إليه استكبارًا وترفعًا، ومن هنا ذهب بعضهم إلى وجوب الدعاء كما سيأتي.
وقد استدل بعضهم على أهمية الدعاء بقوله تعالى: ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] وأن الآية تدل على ذم من يترك الدعاء فمعنى ﴿يَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ أي لا يمدونها إلينا في سؤال، هكذا قال بعضهم (١).
ولكن التفسير المأثور عن مجاهد، أنهم لا يبسطونها بنفقة في حق الله، وعن قتادة: لا يبسطونها بخير (٢).
وهذا التفسير هو اللائق بسياق الآيات.
٥ - إن الدعاء يشتمل على خصائص جليلة ومزايا كثيرة لا توجد في غيره من أنواع العبادات، فمن تلك الميزات والخصائص (٣):
أ - نفع الدعاء يقع في الحياة والممات حيث ثبت انتفاع الميت بدعاء الأحياء من ولد أو والد أو قريب أو صديق، قال ﷺ : "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة"، وفيه: "أو ولد صالح يدعو له" (٤).
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠].
وصلاة الجنازة هي دعاء للميت، فالدعاء يصل ثوابه للمدعو له إجماعًا بخلاف غيره من أنواع العبادات، ففي وصولها إليه خلاف. إلا أنه يشاركه في هذه الميزة الصدقة.
ب- سهولة الدعاء وعدم تقيده بزمان ولا مكان ولا حال، بخلاف
стр. 283
غيره من العبادات إلا أنه يشاركه في هذه الميزة الذكر، وهو دعاء أيضًا كما مر.
جـ- اشتماله على حضور قلبي لا يوجد في غيره، فإن من تعبد بالصلاة أو الصوم أو الحج أو غيرها، يغلب عليه فيها الغفلة، فإذا دعا استدعى ذلك منه مزيد حضور في قلبه، ولهذا ورد فيه أنه مخ العبادة دون غيره من العبادات، لأن المخ هو المغذي للأعضاء والمقوم لاستدامة بقائها، فالدعاء شبه به لأنه يعمل هذا العمل، ومنه يتضح أن الدعاء: "يفتح بابًا عظيمًا من المحاضرة ويجعل الانقياد التام والاحتياج إلى رب العالمين في جميع الحالات بين عينيه".
د - اشتماله على التذلل وإظهار الفاقة وذل العبودية وعز الربوبية، فاشتماله على هذه المزايا والخصائص يدل على أهمية الدعاء ومكانته.
٦ - إن الدعاء يجتمع فيه من أنواع العبادات ما لا يجتمع في غيره، فالدعاء يتضمن أنواعًا كثيرة من العبادات، ولذلك ورد في الحديث: "الدعاء هو العبادة" وفي رواية: "مخ العبادة".
وذلك لأنه يجتمع فيه من أنواع العبادات ما لا يجتمع في غيره، وإليك بعض ما يشتمل عليه من العبادات:
١ - توجه القلب إلى المدعو، وقصده بكليته.
٢ - رجاء إجابته للدعاء والرغبة إليه رغبة صادقة مع قطع الرجاء والأمل عن غيره.
٣ - الخوف من عدم إجابته، والرهبة والخشية منه.
٤ - التوكل والاعتماد عليه في قضاء الحاجات، وإجابة الدعوات ونيل الرغبات.
٥ - تعظيم المدعو بأنواع التعظيم من التضرع والتذلل والخضوع والتملق والانطراح بين يديه، والابتهال إليه.
٦ - ذكر المدعو باللسان، واللهج باسمه في السر والعلن، وندائه والاستغاثة به والهتاف باسمه.
стр. 284
٧ - محبة المدعو، فإن النفس مولعة بحب من يحسن إليها ولا إحسان أفضل من إجابة ملهوف وإغاثة مكروب، وإعانة مضطر.
٨ - التواضع، وإظهار الافتقار والعجز، والتبري من الحول والقوة.
٩ - ما يتبع هذه الأمور من البكاء ورفع الأيدي إلى السماء.
فهذه الأنواع من العبادات من أعظم أعمال القلوب، كما إن النداء وذكر المدعو واللهج باسمه من أعظم أعمال اللسان والذكر، كما إن الخشوع والتضرع ورفع الأيدي إلى السماء من أعظم أعمال الجوارح، فالإخلاص في هذه الأنواع من العبادات يعد من الإخلاص في أهم أعمال القلوب التي يتقرب بها إلى الله تعالى والتي هي أفضل من الأعمال البدنية، والأعمال المالية من حيث الجملة، والإشراك في هذه الأعمال يعد من الإشراك في أهم الأعمال القلبية التي هي أفضل أنواع العبادات والقربات، كما إن فيه إشراكًا في أنواع مهمة من الأعمال البدنية، فحصل بهذا أن الشرك في الدعاء شرك في العبادة والقصد والطلب، ومن هنا جاءت عناية القرآن الكريم بالتحذير من الشرك في الدعاء وهذا هو الوجه التالي.
٧ - ومما يدل على أهمية الدعاء ومنزلته عناية القرآن الكريم بموضوع الشرك في الدعاء، وذلك لأن الضد يظهر به حسن ضده كما قيل:
والشيء يظهر حسنه الضد (١).
وقيل أيضًا: وبضدها تتبين الأشياء (٢).
فضد دعاء الله تعالى هو دعاء غيره تعالى، وقد اعتنى القرآن الكريم
стр. 285
ببيان موضوع دعاء غير الله تعالى بيانًا شافيًا نكاد أن نقول بدون مبالغة: إنه لم يعتن بأي موضوع آخر مثل ما اعتنى بهذا الموضوع.
وهذا البيان المتناهي والاعتناء البالغ يمكن تصويره، وتصوير سببه بالأوجه التالية:
١ - إن هذه المسألة (١): "هي أعظم مسألة خالف رسول الله ﷺ فيها المشركين، فإنهم كانوا يتعبدون بإشراك الصالحين في دعاء الله تعالى وعبادته" يريدون بذلك شفاعتهم ووساطتهم، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، فأتى رسول الله ﷺ بهدم هذه العقيدة والأمر بإخلاص الدعاء الله وحده.
فالشرك في الألوهية هو السبب الرئيسي في الخلاف بين الرسول ﷺ وبين المشركين، وأما الخلاف في الربوبية وفي الإلحاد في الأسماء والصفات فنادر، فلم يكن الخلاف فيهما يقرب من الخلاف في توحيد العبادة، ثم إن الشرك في دعاء المسألة أكثر من الشرك في غيره من أنواع العبادات، ويوضح هذا الوجه التالي:
٢ - إن أغلب شرك الأوائل الذين أرسل إليهم الرسول ﷺ كان في الدعاء، فالشرك في الدعاء هو الأكثر انتشارًا ووقوعًا بينهم من أنواع الشرك الأخرى كالنذر والذبح والطواف والسجود من أنواع الشرك في الألوهية والعبادة، وذلك لأن هذه الأمور لا يمكن وقوعها كل وقت وزمان ولا في كل مكان، كما أن الحاجة إليها أقل من الحاجة إلى الدعاء.
إذ الافتقار والاحتياج من لوازم الإنسان، ومن هنا كان دعاء الصالحين والاستغاثة بهم هو الأكثر وقوعًا وانتشارًا لأن الإنسان المشرك
стр. 286
كلما وقع في مشكلة لا يخطر بباله إلا الاتجاه إلى معبوده بالدعاء والاستغاثة، فهو لا يفكر أولًا إلا في التقرب إلى معبوده بالدعاء، وأما أنواع العبادات الأخرى ففي مرتبة متأخرة، وليست بتلك الكثرة التي تقع بالنسبة إلى الدعاء ومن هنا كانت هذه المسألة أعظم مسألة خالف فيها الرسول ﷺ المشركين فكانت هي نقطة الخلاف الأساسية، وكان التركيز عليها أكثر.
ومن المعلوم أن الشرك في أنواع العبادات عمومًا أكثر من الشرك في الربوبية أو في الأسماء والصفات يشهد بذلك الماضي والحاضر، ولا يمكن الاختلاف بذلك لأن الواقع أكبر برهان.
٣ - إن الله لم يحذر في كتابه العزيز عن أي شرك من أنواع الشرك مثل ما حذر عن الشرك في الدعاء.
فلو أحصينا ما ورد في التحذير من دعاء غير الله تعالى بالأساليب المتنوعة - وسيأتي إن شاء الله تعالى الإشارة إلى بعض تلك الأساليب - وقارنا ذلك بما ورد في التحذير من السجود لغير الله تعالى أو الركوع أو الطواف أو النذر أو الذبح أو العكوف … من أنواع الشرك في الألوهية، أو قارنا بما ورد في التحذير عن الشرك في الربوبية أو الشرك والإلحاد في أسماء الله تعالى وصفاته، لوجدنا بدون شك أن ما ورد في التحذير من دعاء غير الله تعالى أكثر بكثير من ذلك كله.
قال الشيخ حمد بن ناصر بن مُعَمَّر ﵀: "لا نعلم نوعًا من أنواع الكفر والردة ورد فيه من النصوص مثل ما ورد في دعاء غير الله بالنهي عنه والتحذير من فعله والوعيد عليه" (١).
فإذا عرفنا عناية الله تعالى به أكثر من غيره نقول:
стр. 287
إنه لا بد أن الله ما اعتنى به أكثر من غيره إلا لحكم عظيمة، وأسرار بالغة، من ذلك -والله أعلم- كثرة وقوع الشرك في الدعاء أكثر من غيره من أنواع الشرك قديمًا وحديثًا، فاستحق الاعتناء به، والتحذير منه.
ومن ذلك ما قاله بعضهم من أن العبادات كلها دالة على الطلب والمسألة، على اختلاف المطلوب والمسؤول (١) فصار الدعاء هو المعنى الأشمل الأعم من غيره (٢) فعلى هذا يكون التحذير منه تحذيرًا من جميع أنواع الشرك في الألوهية.
والمقصود من هذا أن الله حذرنا في القرآن الكريم من دعاء غيره أكثر من تحذيره مما سواه من أنواع الشرك، وذلك يدل على أهميته أكثر من غيره. ويزيد هذا الوجه الوجه التالي وضوحًا.
٤ - إن أصل شرك العالم هو الشرك في الدعاء وطلب الحوائج من الصالحين الميتين.
قال ابن القيم ﵀ في ذكر أنواع الشرك: "ومن أنواعه: طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم" (٣).
فتبين بهذا سر عناية الله تعالى بالشرك في الدعاء أكثر من غيره، كما تبين بذلك منزلته ومكانته.
وإذا عرفنا عناية القرآن الكريم بموضوع الدعاء ننتقل إلى عناية العلماء المصلحين به ونخص العلماء المصلحين لأن بعض العلماء قد اهتموا بموضوعات بعيدة عن منهج القرآن الكريم فاعتنوا بعلم الكلام ولا
стр. 288
تجد في كلامهم التحذير من الشرك وربما لا يعرف بعضهم حقيقة الشرك، فإنا لله وإنا إليه راجعون ..
عناية العلماء المصلحين بمسألة دعاء غير الله تعالى:
إن علماء هذه الأمة المعتنين منهم بسلامة عقيدتها تبعوا سنة الله في هذه المسألة، فاعتنوا بها أكثر من غيرها من مسائل الشرك، فكانت محل اهتمامهم في بحوثهم ومؤلفاتهم ورسائلهم الشخصية وهؤلاء العلماء منهم شيخا الإسلام ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب رحمهما الله تعالى، فقد عنيا بهذا الموضوع عناية فائقة.
فقد ألف فيه ابن تيمية عدة مؤلفات مثل كتاب الاستغاثة المعروف بالرد على البكري، والقاعدة الجليلة في التوسل والوسيلة وغيرهما.
وأما الشيخ محمد بن عبد الوهاب فأغلب كتبه في هذا الموضوع لكون الخصومة فيه كما سيأتي:
وربما يقول قائل: إننا لا نجد الكلام على هذه المسألة والاهتمام بها عند أئمة السلف كأصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم من المحدثين والفقهاء والمفسرين.
فنقول وبالله التوفيق:
١ - إننا قد بينا بما لا يدع مجالًا للشك عناية القرآن الكريم بهذه المسألة أكثر من غيرها فكفى به برهانًا وحجة، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [العنكبوت: ٥١، ٥٢].
إن الله تعالى قد بيّن هذه المسألة وأوضحها أكثر من غيرها، وهو عالم بما سيقع من الانحراف فيها، فلا حاجة إلى بيان أحد كائنًا من كان إذ المسألة ليست قابلة للاجتهاد فهي قطعية الثبوت، قطعية الدلالة، لا
стр. 289
تقبل النقاش ولا المعارضة من أحد، كما أنها ليست خافية بل هي واضحة المعالم، لأنها أصل الدين الذي بعثت به الرسل وأنزلت به الكتب.
٢ - إن علماء هذه الأمة لا سيما المصلحين منهم ينصب اعتناؤهم على الأمر الذي وقع وحصل في زمانهم فقد حذروا من الكلام في الفرضيات والخيالات التي لم تقع.
وهذه المسألة لم تقع بهذه الصورة ولم تنتشر في زمانهم وذلك لقوة الإسلام وعزته، فلم يستطع الشيطان أن يلبس على المسلمين في الزمن الأول أن دعاء غير الله تعالى الذي قد عرف بالضرورة من الإسلام منافاته للإسلام، أنه مما يتقرب به إلى الله وأنه جائز بل مستحب.
فأوائل هذه الأمة لم يقع فيهم مثل هذا وقد تكلم السلف فيما وقع من البدع، تكلموا في بدعة القدرية والجهمية والخوارج وغيرها عندما وقعت هذه البدع في زمانهم (١)، وأما هذه المسألة فلم تقع بهذه الصورة في زمانهم.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: "وهذه الاعتقادات في الأموات إنما حدثت بعد الإمام أحمد ومن في طبقته من أهل الحديث والفقهاء والمفسرين" (٢).
ويؤيد هذا ما ذكره ابن تيمية (٣) ﵀ في أصناف القدرية الثلاثة: المكذبين به، والدافعين به للأمر والنهي، والطاعنين به على الرب بجمعه بين الأمر والقدر حيث ذكر أن أخف هؤلاء هم الصنف الأول، وهم المكذبون ومع ذلك كثر فيهم الكلام من السلف والتغليظ عليهم دون الصنفين الآخرين لعدم كثرتهما ولعدم تظاهرهما باعتقادهما،
стр. 290
فلهذا قل فيهما الكلام دون الصنف الأول الذي هو أخف بالنسبة إليهما.
ومن هنا نعرف أن السبب في عدم كثرة كلام السلف في مسألة دعاء غير الله تعالى عدم انتشار الشرك الواضح في مثل هذا في الصدر الأول. وسيأتي بيان مزيد إن شاء الله (١).
ويوضح عناية العلماء المصلحين بهذه المسألة عدة مظاهر منها:
١ - أنهم يقدمون الكلام عليها على غيرها من المسائل الأخرى فمن ذلك ما فعله شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ حيث بدأ كتابه "مسائل الجاهلية التي خالف فيها رسول الله ﷺ أهل الجاهلية" بهذه المسألة وبيّن أنها أعظم مسألة خالف فيها الرسول ﷺ الجاهلية (٢).
ومن ذلك قوله ﵀ بعد أن بيّن أن التوحيد الذي دعت إليه الرسل هو إفراد الله بالعبادة: "فمن ذلك لا يدعى إلا إياه كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] " (٣).
وقال أيضًا: "اعلم رحمك الله أن التوحيد الذي فرض الله على عباده قبل فرض الصلاة والصوم هو توحيد عبادتك أنت فلا تدع إلا الله وحده … ".
ثم ذكر أن صفة إشراك المشركين الأولين "أنهم يدعون الله ويدعون معه الأصنام والصالحين" (٤).
وقال في موضع آخر عندما ذكر الأصل الجامع لعبادة الله وحده: "فإن قيل فما أنواع العبادة التي لا تصلح إلا لله تعالى، قلت: من أنواعها الدعاء والاستعانة والاستغاثة … إلخ" (٥).
стр. 291
وأكثر كلام (١) الشيخ يدور حول هذه المسألة، أو ذكر ذرائعها، والأسباب المؤدية إليها وخطورتها والتحذير منها فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا، وهو عندما يريد التحذير من أنواع الشرك في العبادة يبدأ بدعاء (٢) المسألة الذي نحن بصدده.
ومن هؤلاء الأمير الصنعاني، فإنه بدأ بالدعاء قبل غيره من أنواع العبادات فقال: "فإفراد الله بالعبادة لا يتم إلا بأن يكون الدعاء … " (٣).
ومنهم الشيخ حمد بن ناصر بن مُعَمَّر الحنبلي فإنه عرف العبادة بقوله: "اسم جامع لما يحبه الله … ثم قال: من ذلك الدعاء بما لا يقدر على جلبه أو دفعه إلا الله" (٤).
ومنهم الشيخ سعد بن حمد بن عتيق فقد ذكر الآيات التي تدل على اختصاص العبادة بالله تعالى، ثم قال: "ومن أعظم أنواعها الدعاء" (٥).
وقبل هؤلاء كان يفعل مثل ذلك ابن تيمية فمما قال: "إن حقيقة التوحيد أن نعبد الله وحده فلا يدعى إلا هو، ولا يخشى إلا هو" (٦).
وقال أيضًا: "والله له حق لا يشركه فيه غيره فلا يعبد إلا الله ولا يدعى إلا الله ولا يخاف إلا الله" (٧).
وغير هؤلاء آخرون يقدمون ذكر الدعاء على غيره للاعتناء به
стр. 292
وأهميته (١)، فهذا الصنيع من هؤلاء العلماء يدل على أهمية الدعاء عندهم وخطورة الشرك فيه.
٢ - من مظاهر اعتنائهم أيضًا: أنهم فسروا الشرك في الألوهية بأنه الشرك في الدعاء بنوعيه: العبادة والمسألة، وغالبًا يقدمون دعاء المسألة.
قال شيخ الإسلام ﵀: "وجماع الأمر: أن الشرك نوعان: شرك في ربوبيته … وشرك في الألوهية: بأن يدعو غيره دعاء عبادة، أو دعاء مسألة" (٢).
وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: "وأعظم نهي نهى الله عنه الشرك به، وهو أن يدعو مع الله غيره، أو يقصده بغير ذلك من أنواع العبادة" (٣).
وقال أيضًا: "وتوحيد الإلهية هو أن لا يدعى ولا يرجى إلا الله وحده لا شريك له ولا يستغاث بغيره ولا يذبح … ". ثم بيّن الشيخ ﵀ أن شرك الذين قاتلهم الرسول ﷺ كان بدعاء الصالحين (٤).
وقال بعضهم: "قد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن الشرك نوعان أكبر وأصغر فالأكبر أن يجعل لله ندًا من خلقه يدعوه كما يدعو الله، ويخافه كما يخاف الله" (٥).
ومثله قول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀: "فالشرك الأكبر أن يصرف العبد نوعًا من أنواع العبادة لغير الله كأن يدعو غير الله أو يرجوه أو يخافه" (٦).
стр. 293
ومثله قول (١) الشوكاني: "إن الشرك هو دعاء غير الله تعالى أو اعتقاد القدرة لغيره فيما لا يقدر عليه سواه أو التقرب إلى غيره … ".
ففي هذه الأمثلة السابقة نجد العلماء قد فسروا الشرك في الألوهية بأنه الشرك في الدعاء بنوعيه وقدموا من النوعين دعاء المسألة، وذلك يدل على عنايتهم به أكثر من غيره لمكانته العظيمة أولًا ثم لوقوع الخصومة فيه ثانيًا، ويبين هذا الوجه الآتي.
٣ - ثم إن الخصومة الكبرى التي وقعت بين الدعاة إلى التوحيد الخالص وبين مخالفيهم إنما وقعت في هذه المسألة، وهي إفراد الله تعالى بالدعاء والتحذير من دعاء غيره تعالى لأن المخالفين يرون أن دعاء غير الله إذا كان المقصود به التوسط لا بأس به، وأن الدعاء ليس مثل السجود والركوع في منع صرفه لغير الله تعالى إلى غير ذلك مما سيأتي في ذكر شبههم فاحتاج الدعاة إلى التوحيد إلى كثرة الخوض فيه وبيانه بكل الطرق وبأساليب متنوعة، وبيان أن الدعاء من أهم العبادات وأن صرفه لغير الله شرك وضلال، فهذا هو الذي جعلهم يبدأون به قبل غيره، ويُعْنَوْنَ به أكثر.
وقد ذكر الشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد رحمهما الله أنه لم يكن هناك خلاف له وَقْع بينهم - أي بين الدعاة إلى التوحيد الخالص ومخالفيهم - إلَّا في أمرين:
"أحدهما: إخلاص التوحيد لله تعالى، ومعرفة أنواع العبادة وأن الدعاء من جملتها وتحقيق معنى الشرك الذي قاتل عليه الرسول ﷺ . والثاني: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (٢).
وذكر الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن - رحمهما الله - أن الخصومة
стр. 294
فيما دلت عليه كلمة الإخلاص وأننا نقول: "دعاء الأنبياء والصالحين من الأموات والغائبين للشفاعة أو غيرها شرك ظاهر مستبين … ونُدْخِل دعاء الأموات والغائبين فيما دلت عليه الآيات القرآنية" (١)، كما ذَكَر في موضع آخر أن هذا هو أصل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وجهاده (٢).
وقد ذكر الشيخ نفسه ﵀ أن ما حصل له من الفتنة من مخالفيه هو إظهاره النهيَ عن دعوة الصالحين والأمر بإخلاص الدعاء لله تعالى مع هدم البناء على القبور (٣).
وصنيع العلماء المصلحين هذا يدل على اتباعهم لطريقة القرآن وهو دليل قاطع على مكانة الدعاء وخطورة الشرك فيه.
стр. 295
الفصل الثاني
في عدم تنافي الدعاء والقدر
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: في مذاهب الناس واتجاهاتهم وحجج كل فريق ومناقشتها.
المبحث الثاني: في الصواب الذي تدل عليه الأدلة الصحيحة.
стр. 296
المبحث الأول: في مذاهب الناس في الدعاء واتجاهاتهم وحجج كل فريق ومناقشتها
ذهب الناس في أمر الدعاء إلى مذاهب شتى، وآراء متباينة، وأقوال مختلفة، وكثر النقاش بين أصحاب تلك المذاهب والآراء، فأدلى كل صاحب مذهب بحجته، وقوّى مذهبه بما استطاع من حجة منقولة أو معقولة حتى صارت تلك الأقوال تستحق أن تفرد بدراسة خاصة، وذلك لتشعب الموضوع وكثرة حجج كل فريق، وأدلته، ولتعلق الموضوع بمسألة القدر التي هي من أهم مسائل العقيدة التي يلتبس فيها الحق بالباطل على كثير من الناس وبعون الله وتوفيقه، سأذكر تلك الآراء مع بيان حجة كل فريق ومناقشة ما يستحق المناقشة من تلك المذاهب بإيجاز، ثم أذكر الصواب حسب ما ظهر لي والله المستعان، وعليه التكلان.
حاصل مذاهب الناس في الدعاء:
أ - إن الدعاء لا معنى له ولا فائدة منه ولا يدعى الله تعالى.
ب - إن الدعاء لا يجلب منفعة ولا يدفع مضرة وإنما هو عبادة محضة.
جـ - إن الدعاء علامة وأمارة ودلالة محضة على حصول المطلوب، وليس هو سببًا لحصول المطلوب.
стр. 297
د - إن الدعاء يرد القضاء، ويغيره من قضاء إلى قضاء.
هـ - إن الدعاء ينفع في بعض الأمور دون بعض.
و- إن الدعاء سبب من الأسباب وهو داخل في القضاء.
وقد يكون في المذهب الواحد من هذه المذاهب عدة اتجاهات. وقد يختلف أصحاب المذهب الواحد في تحليل مذهبهم، ولكنهم يتفقون في أصل المذهب الرئيسي ومن هنا نعدهم أصحاب مذهب واحد لاتفاقهم في النتيجة، ويتضح هذا جليًا في المذهب الأول كما سيأتي.
هذا هو حاصل مذاهب الناس في الدعاء إجمالًا وإليك تفصيل ذلك:
أ - المذهب الأول:
إن الدعاء لا معنى له ولا يدعى الله تعالى، وفي هذا المذهب ثلاث اتجاهات، وكلها متفقة على أن لا يدعى الله تعالى.
١ - الاتجاه الأول: مذهب طائفة من المتفلسفة وغالية المتصوفة:
ذهبوا إلى أن الدعاء لا معنى له ولا فائدة فيه، والعلة في ذلك عندهم هو أن المشيئة الإلهية إذا اقتضت فلا بد أن يحصل وإن لم تقتضِ فلا يحصل فلا فائدة في الدعاء.
٢ - الاتجاه الثاني: مذهب أرسطو وأتباعه:
والعلة عندهم أن الله ليس عالمًا ولا مريدًا … إلخ.
٣ - الاتجاه الثالث: مذهب ابن عربي وطائفته:
والعلة عندهم أن الداعي والمدعو واحد … إلخ.
وإليك تفصيل هذه الاتجاهات الثلاث.
стр. 298
١ - الاتجاه الأول (١): مذهب طائفة من المتفلسفة وغالية المتصوفة:
إن الدعاء لا معنى له ولا فائدة فيه، وشبهتهم في هذا الاحتجاج بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره، قالوا إن المشيئة الإلهية إذا اقتضت وجود المطلوب فلا بد أن يحصل سواء دعا أو لم يدعُ، فيكون الدعاء تحصيل الحاصل.
وإن لم تقتضه فلا يمكن أن يحصل سواء دعا أو لم يدع فثبت بهذا أنه لا فائدة في الدعاء على الحالين.
ومثل هذا يقال في علم الله فإن علم الله أنه يوجد فلا بد أن يوجد .. إلخ.
وساق هؤلاء الأدلة المتضافرة المتواترة الدالة على سبق القضاء والقدر وتلك الأدلة معروفة مشهورة، منها قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وحديث علي ﵁ عن النبي ﷺ : "ما منكم من أحد إلا قد كتب مقعده من النار أو من الجنة … " (٢) وغير ذلك من الأحاديث المتضافرة.
стр. 299
وهناك طائفتان أخريان ذهبتا إلى القول بأن الله لا يدعى ولكن قالتا بتأثير الدعاء. وهما أصحاب الاتجاهين التاليين:
٢ - الاتجاه الثاني: مذهب أرسطو وأتباعه:
ذهبوا إلى أن الله تعالى لا يدعى، لأنه عندهم "لا يفعل شيئًا ولا يريد شيئًا، ولا يعلم شيئًا، ولا يخلق شيئًا، فعلى أي شيء يشكر أم على أي شيء يحمد ويعبد؟ " (١) وعلى أي أساس يطلب منه قضاء الحاجات ونيل الرغبات، ودفع الكربات؟ إذا الله عندهم "لا يحدث شيئًا بمشيئته واختياره، بل لا سبب للحوادث إلا حركة الفلك فلهذا لم يثبتوا لله تعالى إجابة سائل ولا إحداث أمر" (٢).
فإذا كان الله لا يستطيع الإجابة ولا إحداث أي أمر فليس هناك فائدة في دعائه.
٣ - الاتجاه الثالث: مذهب ابن عربي وطائفته:
ذهبوا إلى القول بأنه يستحيل من العبد أن يدعو الله - تعالى الله عما يقولون - لاعتقادهم أحدية العين، فالداعي هو المدعو، فكيف يدعو نفسه؟ (٣).
ويقول ابن الفارض (٤) مثبتًا لأحدية الداعي والمدعو:
стр. 300
فإن دُعِيَتْ كنتُ المجيبَ وإن أكن … منادى أجابت من دعاني ولبتِ
فقد رفعت تاء المخاطب بيننا … وفي رفعها عن فرقة الفرق رفعتي (١)
فهذان الاتجاهان اشتركا مع الطائفة الأولى في أن الله - تعالى عما يقول هؤلاء - لا يجيب الدعاء وأنه من أجل هذا فلا يدعى، ولكن اختلفوا في تعليل ذلك وتوجيهه.
فالعلة عند الاتجاه الأول: هو الاحتجاج بسبق المشيئة والعلم والقضاء والقدر، وعند الثاني: عدم علم الله للدعاء وعدم قدرته، وعند الثالث: اتحاد الداعي والمدعو وكونهما شيئًا واحدًا. لكن الاتجاهان الأخيران أثبتا تأثير الدعاء على وجه يطابق عقيدة القائلين بالاتجاهين.
سبب تأثير الدعاء عند أرسطو وأتباعه:
فهؤلاء لما رأوا تأثير الدعاء وتحققوا من ذلك لم يمكنهم إنكار هذا الأمر الذي شهدت به تجارب الأمم وأقرت به الفطر والعقول، ولكنهم لجأوا إلى تفسير ذلك بما يوافق عقيدتهم فزعمت طائفتهم من الملاحدة والصابئين والمتفلسفة المشائين أتباع أرسطو ومن تبعه من متفلسفة أهل الملل كالفارابي وابن سينا ومن سلك سبيلهما ممن خلط ذلك بالكلام والتصوف والفقه زعموا أن الدعاء إنما تأثيره بكون النفس تتصرف في العالم، لا يكون الله يجيب الداعي، فتأثير الدعاء عندهم إنما هو من تأثير النفوس البشرية من غير أن يثبتوا للخالق سبحانه بذلك علمًا مفصلًا أو قدرة على تغيير العالم، أو أن يثبتوا أنه لو شاء أن يفعل غير ما فعل لأمكنه ذلك، بل العالم عندهم فيض فاض عنه بغير مشيئته وقدرته وعلمه فلهذا فالله تعالى على رأيهم لا يستطيع التأثير في العالم، وإنما هو علة العلل كما يسمونه، وهكذا يزعمون في تأثير سائر الممكنات المخلوقات من القوى الفلكية والطبيعية والقوى النفسانية والعقلية، فالدعاء عند هؤلاء
стр. 301
سبب تأثيره إنما هو من قوة النفوس وليس من الله "فهم لا يقصدون الله أن يفعل شيئًا ولا يطلبون منه شيئًا ولكن يقوون نفوسهم قوة يزعمون أنهم يفعلون بها" (١).
وهؤلاء أعظم شركًا وغلوًا في الضلال والغي من مشركي العرب الذين يعتقدون الوساطة والشفاعة لأصنامهم.
قال شيخ الإسلام في تفضيل أهل الكتاب والمشركين على الفلاسفة الملاحدة: "فمشركو العرب مع أهل الكتاب يدعون الله، ويقولون: إنه يسمع دعاءهم ويجيبهم، وهؤلاء - يعني الفلاسفة - عندهم لا يعلم شيئًا من جزئيات العالم، ولا يسمع دعاء أحد ولا يجيب أحدًا، ولا يُحْدِث في العالم شيئًا ولا سبب للحدوث عندهم إلا حركات الفلك، والدعاء عندهم يؤثر، لأنه تصرف النفس الناطقة في هيولى (٢) العالم" (٣).
وهؤلاء قالوا أيضًا في تعليل وتجويز دعاء غير الله تعالى وتأثيره وزيارة القبور الزيارة الشركية: إن الأرواح المعظمة المفارقة للجسد، أو الجواهر العلويات كالشمس والقمر وسائر الكواكب، يفيض عليها من جهة الرب، فإذا اتصل بها أحد بدعائها أو الاستشفاع بها، أو زيارة هياكلها أو قبورها وأضرحتها فاض على هذا الداعي أو الزائر منها ما فاض عليها من جهة الرب من غير فعل من تلك الأرواح والجواهر ومن غير سؤال منها ويمثلون ذلك بالشمس إذا طلعت على مرآة فانعكس الشعاع الذي على المرآة على موضع آخر فأشرق بذلك الشعاع، فهذا الشعاع حاصل
стр. 302
بمقابلة المرآة والذي للمرآة حاصل بمقابلة الشمس.
فكذلك الداعي المستشفع إذا توجه إلى شفيعه أشرق عليه من جهته مقصود الشفاعة وذلك المدعو الشفيع أشرق عليه من جهة الحق.
فلهذا يرى هؤلاء دعاء الموتى عند القبور وغير القبور ويتوجهون إليهم ويقولون: إن أرواحنا إذا توجهت إلى روح المقبور في القبور اتصلت به ففاضت عليها المقاصد من جهته، ومن هنا يفضلون الدعاء والصلاة عندها على الدعاء والصلاة في المساجد (١).
كما يقولون في الزيارة الشركية: إن الأرواح المفارقة تجتمع هي والأرواح الزائرة فيقوى تأثيرها (٢).
وأما ابن عربي وشيعته فقد فسروا سبب تأثير الدعاء بأن الداعي هو المدعو فلا بد أن يلبي رغبات نفسه، قال ابن عربي: "فما يطلب الحق من العبد بأمره هو بعينه يطلبه العبد من الحق بأمره، ولهذا كان كل دعاء مجابًا ولا بد وإن تأخر" (٣).
والحاصل أن هذين المذهبين يريان تأثير الدعاء إلا أنهما يفسران ذلك على طريقة تناسب عقيدتهما الباطلة.
وإني أرى أن هذين المذهبين لا يستحقان المناقشة الطويلة ففي حكايتهما ما يغني عن الرد عليهما لوضوح بطلانهما ومناقضتهما للشرائع
стр. 303
السماوية جميعًا مناقضة واضحة لا تلتبس على من عرف مبادئ الإسلام، ولهذا نكتفي بهذا وسوف لا نعرج عليهما في مناقشة الشبه (١).
هذا ومما ينبغي أن يعلم أن الدعاء من الأسباب وأن الناس قد افترقوا في الأسباب إلى ثلاث فرق رئيسية: مغضوب عليهم، وضالون، ومهتدون.
فالمغضوب عليهم يطعنون في عامة الأسباب المشروعة وغير المشروعة ويقولون: الدعاء المشروع قد يؤثر وقد لا يؤثر، ويتصل بذلك الكلام في دلالة الآيات على تصديق الأنبياء ﵈.
والضالون يتوهمون في كل ما يتخيل سببًا، والمتكايسون من المتفلسفة يحيلون ذلك على أمور فلكية وقوى نفسانية وأسباب طبيعية.
فأما المهتدون فهم لا ينكرون ما خلقه الله من القوى والطبائع إذ الجميع خلق الله لكنهم يؤمنون بما وراء ذلك من قدرة الله التي هو بها على كل شيء قدير ومن أنه كل يوم هو في شأن ومن أن إجابته لعبده المؤمن خارجة عن قوة نفس العبد وتصرف جسمه وروحه وبأن الله يخرق العادات لأنبيائه وأوليائه (٢).
ب - المذهب الثاني (٣):
قالت طائفة من الصوفية: إن الدعاء لا يجلب به منفعة، ولا يدفع به مضرة، وإنما هو عبادة محضة تعبدية غير معقول المعنى، كبعض أعمال العبادات الأخرى مثل رمي الجمار وغيره، ولا أثر للدعاء في
стр. 304
حصول المطلوب، وجودًا وعدمًا، بل ما يحصل بالدعاء يحصل بغيره.
وقالوا: إن الدعاء عند أهل التسليم والتفويض - يعنون أنفسهم - على وجهين:
"أحدهما: يريد بذلك تزيين الجوارح الظاهرة بالدعاء، لأن الدعاء ضرب من الخدمة، يريد أن يزين جوارحه بهذه الخدمة.
والوجه الثاني: أن يدعو ائتمارًا لما أمره الله تعالى بالدعاء" (١)، فالدعاء عندهم لإظهار العبودية وامتثال الأوامر الإلهية فقط، وليس له تأثير في حصول المطلوب، فهؤلاء على اتجاهين:
١ - فمنهم من يجعل الدعاء من حظ العامة، وأن مقامات الخواص ترك الدعاء والتوكل نظرًا للقدر (٢).
٢ - ومنهم من يجعل الدعاء بعدم المؤاخذة على الخطأ والنسيان مثل: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، يجعله عديم الفائدة إذ هو مضمون الحصول، فلا يجوز الدعاء بهذا إلَّا تلاوة لا دعاء ويعلل ذلك بأن الدعاء به يتضمن الشك في وقوعه لأن الداعي بين الخوف والرجاء، والشك في وقوع ذلك شك في خير الله (٣).
وقد جوز بعضهم الدعاء بالآية السابقة إن أراد بالخطأ العمد وبما لا يطاق الرزايا والمحن (٤).
وقد رويت عن هؤلاء أقوال كثيرة في تقرير هذا المذهب، من ذلك ما قاله بعضهم عندما طلب منه أن يدعو: "أخشى أني إن دعوت أن يقال
стр. 305
لي: إن سألتنا مالك عندنا فقد اتهمتنا وإن سألت ما ليس لك عندنا فقد أسأت الثناء علينا، وإن رضيت أجرينا لك الأمور، ما قضينا لك به في الدهور" (١).
وقال آخر: "من عرف الله أمسك عن رفع حوائجه إليه لما علم أنه العالم بأحواله" (٢).
وروي عن الجنيد أنه دخل عليه جماعة فقالوا: "أين نطلب الرزق؟ فقال: إن علمتم في أي موضع هو، فاطلبوه منه، قالوا: فنسأل الله تعالى ذلك، فقال: إن علمتم أنه ينساكم فذكروه فقالوا: ندخل البيت فنتوكل فقال: التجربة شك قالوا: فما الحيلة؟ فقال: ترك الحيلة" (٣).
وقال آخر: "طلبك منه اتهام" (٤).
ومن أقوال هؤلاء في كون الدعاء من حظ العامة ما حكاه القشيري في رسالته من أنه "قيل: دعاء العامة بالأقوال، ودعاء الزهاد بالأفعال، ودعاء العارفين بالأحوال … وقيل: ألسنة المبتدئين منطلقة بالدعاء، وألسنة المتحققين خرست عن ذلك" (٥).
وبلغ الحال ببعضهم إلى أن قال: "الفقير هو الذي لا يكون له إلى الله حاجة" (٦)، فهذا في غاية الشناعة ومع ذلك حاول بعضهم تأويله (٧)
стр. 306
مع أنه صريح في مراد القائل لا يقبل التأويل، وتتلخص شبههم الرئيسية في ثلاث:
١ - الاستدلال بعموم علم الله تعالى وأن السؤال مع العلم والقدر لا حاجة إليه.
٢ - الاستدلال بما روي من أن إبراهيم الخليل عندما ألقي في النار قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي (١).
٣ - أن سؤال الله تعالى فيه سوء الأدب واتهام للرب بعدم إعطائه للعبد ما يستحقه، وأنه لذلك ليس من مقامات الخواص.
وأصل شبهة أصحاب المذهب الأول والمذهب الثاني أنهم لما أثبتوا أن الله إذا قضى شيئًا فلا بد أن يكون وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن ما سبق به علمه فهو كائن لا محالة صاروا يظنون ما يوجد بسبب يوجد بدونه، وما يوجد مع عدم المانع يوجد مع المانع، وأن كون الأمور مقدرة مقضية يمنع أن تتوقف على أسباب مقدرة أيضًا تكون من العبد، وهذا غلط عظيم ضلت فيه طوائف، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى القول بأنه لا حاجة إلى الأعمال المأمور بها فإن من خلق للجنة فهو يدخلها وإن لم يؤمن ولم يعمل، ومن خلق للنار فهو يدخلها وإن آمن وعمل (٢).
وكذلك قول من قال: إن الدعاء لا يؤثر شيئًا، والتوكل لا يؤثر شيئًا هو من هذا الجنس لكن إنكار ما أمر به من الأعمال كفر ظاهر، بخلاف إنكار تأثير الدعاء أو التوكل إذ ليس تعليق المقاصد بالدعاء والتوكل
стр. 307
كتعليق سعادة الآخرة بالإيمان، ولكن الأصل واحد وهو النظر إلى المقدور مجردًا عن أسبابه ولوازمه (١).
فهؤلاء رَكَّبُوا من هذا الأصل مقدمتين فاسدتين وهما:
أن الشيء المطلوب المدعو به إن قدر فلا بد أن يحصل سواء دعا به أم لا فيكون الدعاء من باب تحصيل الحاصل وإن لم يقدر فلا يحصل سواء دعا به أم لا فلا فائدة في الدعاء في الحالين.
حاصل شبههم تدور على الأمور التالية:
١ - الاحتجاج بالمشيئة الإلهية وأن المطلوب إذا قضي إلى آخر المقدمتين.
٢ - الاحتجاج بعلم الله تعالى وأن المطلوب إذا علمه الله فلا بد أن يحصل .. إلخ. وقووا هذه الشبهة بما روي عن إبراهيم الخليل ﵇ من قوله: (حسبي من سؤالي علمه بحالي).
٣ - الاحتجاج بأنه ليس من مقامات الخواص لأن في ذلك سوء الأدب واتهامًا لله تعالى وشكًا في وقوع أرزاقه، وما قدره الله تعالى.
فعلى هذه الأمور تدور شبهاتهم وإليك مناقشة هذه الشبهات الثلاثة:
مناقشة الشبهة الأولى:
وهي قولهم: "إن المشيئة الإلهية إذا اقتضت … إلخ"، فالجواب عنها على تسعة أوجه:
الأول: أن الحصر في المقدمتين غلط لوجهين:
١ - لأنه بقيت مقدمة ثالثة أخرى، وهي أنه إن قضى الله بحصول هذا الشيء المطلوب عند حصول سببه من الدعاء أو التوكل أو غيرهما
стр. 308
فإنه يحصل عند وجود هذا السبب فإذا لم يحصل السبب امتنع المسبب (١).
٢ - لو سلمنا جدلًا أن الدعاء لا تأثير له في المطلوب لا نسلم أنه لا فائدة فيه بل فيه فوائد أخر غير حصول المطلوب من تحصيل مصلحة أخرى عاجلة وآجلة ودفع مضرة أخرى عاجلة وآجلة كما نبه على ذلك النبي ﷺ بقوله: "ما من مؤمن ينصب وجهه لله يسأله مسألة إلا أعطاه إياها إما عجلها له في الدنيا وإما ادخرها له في الآخرة ما لم يعجل … " (٢).
ولو لم يكن في الدعاء من الفوائد إلا معرفة الداعي بربه وإقراره به وبأنه سميع قريب قدير عليم رحيم، وإقراره بفقره إليه واضطراره إليه، وما يتبع من العلوم العلية والأحوال الزكية التي هي من أعظم المطالب، لكفى ذلك في فوائد الدعاء فكيف وفيه فوائد أخرى من تحقيق المطلوب ودفع المكروه؟ ومن فوائده التي هي أهم من مطلوب العبد أنه يستدعي حضور القلب مع الله وهو منتهى العبادات والغالب على الخلق أنهم لا تنصرف قلوبهم إلى ذكر الله إلا عند إلمام حاجة وإرهاق ملمة فإن الإنسان إذا مسه الشر فذو دعاء عريض، فالحاجة تحوج إلى الدعاء، والدعاء يرد القلب إلى الله بالتضرع والاستكانة فيحصل به الذكر الذي هو أشرف العبادات، ومن تلك الفوائد أنه يعطي سكينة في نفسه، وانشراحًا في صدره وصبرًا يسهل معه احتمال ثقل الواردات عليه، وعلى كل حال فلا يعدم فائدة دعائه (٣).
стр. 309
حاصل هذين الوجهين السابقين هو أن هناك خللًا في الحصر في المقدمتين إذ هناك مقدمة ثالثة.
كما أن هناك خللًا في المقدمة الثانية لأنه لا يلزم من عدم تأثير الدعاء في المطلوب عدم فائدته مطلقًا.
الثاني (١): قد أجاب النبي ﷺ عن هذه الشبهة عندما سئل عنها لما قال: "ما منكم من أحد إلا وقد علم مقعده من الجنة أو النار، قالوا: أو لا ندع العمل ونتكل على الكتاب؟ فقال: لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فسييسر إلى عمل أهل الشقاء" وهذا الحديث قد ثبت عن النبي ﷺ في الصحيح من عدة طرق (٢).
فتبين بهذا أن ما سبق به الكتاب سبق بالأسباب التي تفضي إليه، فالسعادة سبقت بأن صاحبها يستعمل فيما يصير به سعيدًا، والشقاوة سبقت بأن صاحبها يستعمل فيما يصير به شقيًا، فالقدر يتضمن الغاية وسببها، لم يتضمن غاية بلا سبب، كما تضمن أن هذا يولد له بأن يتزوج ويطأ المرأة، وهذا ينبت أرضه بأن يزرع ويسقي الزرع، وأمثال ذلك.
ويقوي هذا أيضًا ما روي أنه قيل للنبي ﷺ : يا رسول الله أرأيت أدوية نتداوى بها ورقى نسترقيها وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئًا؟ فقال: هي من قدر الله (٣).
стр. 310
فبيّن ﷺ أنه يرد قدر الله بقدر الله إما دفعًا لما انعقد سببه ولَّما يقع، وإما رفعًا لما وجد، وأن الأسباب التي تدفع بها المكاره هي من قدر الله ليس القدر مجرد دفع المكروه بلا سبب (١).
ولم يخرج شيء في الوجود عن قدر الله، وإنما يرد القدر بالقدر وهذا كرد قدر الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها، وكرد قدر العدو بالجهاد، والكل من قدر الله: الدافع، والمدفوع، والدفع (٢).
الثالث (٣): أن العبد لا يدري ماذا قدر الله له، فإنه لا يدري هل الله علق نيل مرغوبه والوصول إلى محبوبه، أو علق دفع المضار عنه، ورفع البلايا والمَصائب، علق هذه الأمور على دعائه والابتهال إليه، أم لا؟.
فما دام لا يعرف ذلك فما عليه إلا الاجتهاد وبذل المستطاع في رجاء رحمة الله واستجلاب الخير واستدفاع الشر بما جعله الله سببًا لذلك.
ومبنى العبادات والطاعات على الخوف والرجاء "دون اليقين الذي يقع معه طمأنينة النفس فيفضي بصاحبه إلى ترك العمل والإخلاد إلى دعة العطلة".
والله "قد لطف بعباده فعلل طباعهم البشرية بوضع هذه الأسباب ليأنسوا بها فيخفف عنهم ثقل الامتحان الذي تعبدهم به، وليتصرفوا بذلك بين الرجاء والخوف، وليستخرج منهم وظيفتي الشكر والصبر في طوري السراء والضراء والشدة والرخاء، ومن وراء ذلك علم الله تعالى فيهم".
стр. 311
فالحاصل أن العبد لا يدري هل الأمر معلق بالدعاء إن اجتهد وابتهل في الدعاء يعطى، وإن لم يجتهد في الدعاء فلا يعطى؟، لذا عليه الاجتهاد بالدعاء لاحتماله أن مطلوبه معلق على الدعاء.
ويزيد هذا الوجه وضوحًا الوجه التالي:
الرابع: أن الله أمرنا أن نعمل ونكد ونجتهد ونحرص وأن ندفع قدره بقدره فالعبد مأمور بأن يزيل الشر بالخير ويزيل الكفر بالإيمان والبدعة بالسنة والمعصية بالطاعة من نفسه ومن عنده بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد بحسب الإمكان وإن كان كل ذلك بقدر الله (١)، ولهذا قال عمر بن الخطاب لأبي عبيدة ﵄ عندما هم بالرجوع من الطريق لسماعه بوقوع الطاعون بالشام فقال له أبو عبيدة بن الجراح ﵁: أفرارًا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل فهبطت واديًا له عدوتان إحداهما مخصبة والأخرى جَدِبَة أليس إن رعيت الخَصِبَة رعيتها بقدر الله وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله (٢)؟ فالعبد يدفع قدر الله تعالى بقدر الله تعالى، لأن القدر السابق لا يمنع العمل ولا يوجب الاتكال عليه بل يوجب الجد والاجتهاد، ولهذا لما سمع بعض الصحابة إخبار النبي ﷺ بالقدر السابق وجريانه على الخليقة بالأسباب قال: "ما كنت أشد اجتهادًا مني الآن" (٣).
وهذا مما يدل على جلالة فقه الصحابة ودقة أفهامهم وصحة
стр. 312
علومهم، فإن النبي ﷺ أخبرهم بالقدر السابق وجريانه على الخليقة بالأسباب فإن العبد ينال ما قدر له بالسبب الذي أُقْدِر عليه ومُكِّن منه وهيء له فإذا أتى بالسبب أوصله إلى القدر الذي سبق له في أم الكتاب وكلما زاد اجتهادًا في تحصيل السبب كان حصول المقدور أدنى إليه وهذا كما إذا قدر له أن يكون من أعلم أهل زمانه فإنه لا ينال ذلك إلا بالاجتهاد والحرص على التعلم وأسبابه (١).
وقد فَطر الله سبحانه عباده على الحرص على الأسباب التي بها مَرامُ معاشهم ومصالحهم الدنيوية، بل فطر الله سائر الحيوانات على الحرص على المنافع وهداها لمصالحها المعاشية بما يحفظها ويقيمها سواء كان الحيوان ناطقًا أو بهيمة أو طيرًا أو دواب فقد هدى الذكر للأنثى وهداهما إلى التقام الثدي عند الخروج من بطن الأم وتمييز الأم من غيرها وإلى المرعى النافع دون الضار، وهدى بعض الحيوانات إلى ما يعجز عنه البشر كهداية النحل إلى الأفعال العجيبة والبالغة الغاية في الدقة، وكهداية النمل إلى الطرق والحيل التي فيها معاشها مع كونها من أصغر الحيوانات، وهداية الهدهد، والحمام والذئب والثعلب إلى ما هو أعجب من الأعمال والحيل التي يعملها الإنسان، وقد قال تعالى حاكيًا عن موسى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠].
وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨] (٢).
стр. 313
والمسلم مأمور أن يفعل ما أمر به ويدفع ما نهى الله عنه وإن كانت أسبابه قد قدرت فيدفع قدر الله بقدر الله، فالعبد له مع المقدور حالان: حال قبل وقوع المقدور، فعليه قبل وقوعه أن يستعين بالله ويتوكل عليه ويدعوه ويجتهد في دفعه فإذا قدر المقدور بغير فعله واختياره فعليه أن يصبر عليه أو يرضى به، وإن كان بفعله وهو نعمة حمد الله تعالى على توفيقه وإن كان ذنبًا استغفر الله منه (١).
ويدل لهذا قول رسول الله ﷺ : "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله، وما شاء الله فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان" (٢) ففي هذا الحديث الأمر بالحرص على ما ينفع الإنسان والاستعانة بالله على ذلك وعدم العجز وهذا قبل الوقوع ثم الأمر بالصبر.
ثم إن دفع القدر بالقدر نوعان:
أحدهما: دفع القدر الذي انعقدت أسبابه - ولَمَّا يقع - بأسباب أخرى من القدر تقابله فيمتنع وقوعه كدفع العدو بقتاله، ودفع الحر والبرد ونحوه.
الثاني: دفع القدر الذي قد وقع واستقر بقدر آخر يرفعه ويزيله، كدفع قدر المرض بقدر التداوي ودفع قدر الذنب بقدر التوبة، ودفع قدر الإساءة بقدر الإحسان.
فهذا شأن العارفين وشأن الأقدار، لا الاستسلام لها وترك الحركة والحيلة فإنه عجز والله تعالى يلوم على العجز فإذا غُلِبَ العبدُ، وضاقت به
стр. 314
الحيل، ولم يبق له مجال فهنالك الاستسلام للقدر، والانطراح كالميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف يشاء (١).
الخامس: إن هذه الشبهة كما قال ابن الجوزي: "رد لجميع الشرائع وإبطال لجميع أحكام الكتب وتبكيت للأنبياء كلهم فيما جاؤوا به لأنه إذا قال في القرآن: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ قال القائل: لماذا إن كنت سعيدًا فمصيري إلى السعادة وإن كنت شقيًا فمصيري إلى الشقاوة فما تنفعني إقامة الصلاة؟ وما يفضي إلى رد الكتب وتجهيل الرسل محال باطل" (٢).
السادس: إن هذه الشبهة مخالفة للكتاب والسنة وإجماع السلف وأئمة الدين ومخالفة لصريح المعقول، ومخالفة للحس والمشاهدة (٣). وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان دلالة هذه الأمور على تأثير الدعاء وفي هذا القول رد لتلك الدلالة، وبهذا يتضح مخالفة هذه الشبهة لهذه الأدلة المذكورة كما أن في هذا القول ردًا للأسباب وقد دلت الأدلة المذكورة على مشروعيته فمن لم يأخذ بالأسباب فقد خالف تلك الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والعقل والحس.
السابع: إن هذه الشبهة فيها إبطال للحكم الربانية والعلل الإلهية حيث رتب الله المسببات على الأسباب والمعلولات على العلل وربط بعضها ببعض على نظام دقيق يكفل ببقاء الكون ونظامه فمن أنكر هذا فقد خالف الحكمة في وضع الدنيا فإن الله تعالى وضع الأشياء على حكمة فوضع للآدمي يدًا يدافع بها ولسانًا ينطق به، وعقلًا يهديه إلى دفع المضار واجتلاب المصالح، وجعل الأغذية والأدوية لمصلحة الآدميين فمن أعرض عن استعمال ما خلق له وأرشد إليه فقد رفض أمر
стр. 315
الشرع وعطل حكمة الصانع" (١).
الثامن: إن هذه الشبهة فيها إلغاء للأسباب، وهو نقص في العقل، قالت طائفة من العلماء (٢): "الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع وإنما التوكل والرجاء معنى يتألف من موجب التوحيد والعقل والشرع" (٣).
وإنما كان الالتفات إلى الأسباب شركًا، لأن معنى الالتفات إلى السبب هو اعتماد القلب عليه ورجاؤه والاستناد إليه، وليس في المخلوقات ما يستحق هذا لأنه لا يوجد سبب مستقل بمطلوب، بل لا بد من انضمام أسباب أخر إليه، وما ثَمَّ علة تامة إلا مشيئة الله، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ولا بد أيضًا من صرف الموانع والمعارضات عنه حتى يحصل المقصود، فكل سبب فله شريك وله ضد، فإن لم يعاونه شريكه ولم يصرف عنه ضده لم يحصل مسببه فالمطر وحده لا ينبت النبات إلا بما ينضم إليه من الهواء والتراب وغير ذلك، ثم الزرع لا يتم حتى تصرف عنه الآفات المفسدة له، والطعام والشراب لا يغذي إلا بما جعل في البدن من الأعضاء والقوى، ومجموع ذلك لا يفيده إن لم تصرف المفسدات، فلا يتم المطلوب إلا بوجود المقتضي وعدم المانع، وكل سبب معين فإنما هو جزء من المقتضي فليس في الوجود شيء واحد هو المقتضي بنفسه.
وأما أن يكون في المخلوقات علة تامة تستلزم معلولها وسبب تام يستلزم مسببه فهذا باطل (٤).
стр. 316
هذا ومما ينبغي أن يعلم أنه بعد انتفاء المانع ووجود المقتضي فلا بد من تسخير مسبب الأسباب وخالق الأسباب كلها سواء كانت حركة حي باختياره وقصده، كما يحدثه تعالى بحركة الملائكة والجن والإنس والبهائم، أو حركة جماد بما يجعل الله فيه من الطبع أو بقاسر يقسره كحركة الرياح والمياه فالله خالق ذلك كله فإنه لا حول ولا قوة إلا به وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فالرجاء يجب أن يكون كله للرب والتوكل عليه والدعاء له فإنه إن شاء ذلك ويسره كان وتيسر ولو لم يشأ الناس، وإن لم يشأه ولم ييسره لم يكن وإن شاءه الناس (١).
وإنما كان محو الأسباب أن تكون أسبابًا نقصًا في العقل، كما أنه قدح في الشرع لأن في ذلك مخالفة لما تشهد له العقول والفطر السليمة كما أن فيه مخالفة لما شرعه الله تعالى من طلب الأسباب، فمن رفض الأسباب صار مخالفًا لما يقتضيه العقل والشرع فهو نقص في العقل، كما أنه قدح في الشرع لأن الشارع جعل أفعال العباد سببًا لما نيط بها فهي سبب في وجود ما علق عليها والعقل السليم لا ينكر ذلك لأنه أمر مشاهد محسوس وإنما ينكر ذلك العقل الذي أصابه خلل من مرض الجهل والشبهات، إذ العقل السليم يعرف أن ما أمر الله به من العبادات والدعوات والعلوم والأعمال من أعظم الأسباب فيما نيط بها من العبادات، وكذلك ما نهى عنه من الكفر والفسوق والعصيان هي من أعظم الأسباب لما علق بها من شقاوات، وكذلك الدعاء والتوكل من أعظم الأسباب لما جعله الله سببًا له فمن قال: ما قدر لي فهو يحصل لي دعوت أو لم أدع، وتوكلت أو لم أتوكل فهو بمنزلة من يقول: ما قسم لي من السعادة والشقاوة فهو يحصل لي آمنت أو لم أؤمن وأطعت أم عصيت، ومعلوم أن هذا ضلال وكفر وإن كان الأول ليس في مثل هذا الضلال (٢).
стр. 317
فتبين بهذا التقرير أن نفي الأسباب نقص واضح في العقل، وقدح في الشرع.
وقد ذكر ابن الجوزي ﵀ أن الإعراض عن الأسباب إنما كان قدحًا في الشرع لأنه ترك لما أمر الله به ولأنه طلب لتعاطي رتبة تَرْقَى على رتبة الأنبياء لأن موسى ﵇ لما قيل له: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: ٢٠] خرج ولما جاع واحتاج إلى عفة نفسه أجر نفسه ثمان سنين … (١).
ومما يدل على أن إنكار الأسباب قدح في الشرع ما ثبت من إنكار الله تعالى في كتابه العزيز على من ظن أن وجود الأسباب كعدمها، وأنه لا فرق بين ما أمر الله به وأحبه ورضيه وبين ما نهى عنه وأبغضه، فقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١].
وقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥، ٣٦].
وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨].
وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩].
وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ١٩ - ٢٢].
стр. 318
وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠].
فقد أنكر الله تعالى في هذه الآيات على من ظن أن وجود الأسباب كعدمها (١)، فثبت بهذا كون إنكار الأسباب قدحًا فيما جاءت به الشريعة.
التاسع (٢): إن هذا القول يلزم القائل به أمور في غاية الشناعة:
أحدها: أن لا يعمل الأسباب التي توصله إلى منافعه الدنيوية فيلزمه أن يترك الأكل والشرب ويقول: إن قضى لي الشبع والري فلا بد أن يصل إليَّ سواء أكلت وشربت أو تركت، وعليه أن لا يلبس إذا برد ولا يتزوج وأن لا يأتي أهله إذا أراد الولد وأن لا يتداوى إذا مرض، وأن يلقى الكفار بدون سلاح، وإذا أراد الحج أن لا يسافر ولا يتحرك بل يجلس في بيته، وإذا أراد أن يتحصل على الزرع فعليه أن لا يحرث ولا يزرع.
فهذه الأمور الشنيعة قد التزم ببعضها بعض أهل الضلال من هؤلاء، فقد قال العز بن عبد السلام ﵀: ولقد قال بعض مشايخ الضلال منهم: "لا يجوز التداوي لأنه شرك واعتماد على الأسباب فكان جوابه: أن لا يأكل ولا يشرب ولا يلبس ولا يركب ولا يدفع عن نفسه من أراد قتله ولا عن أهله من قصدهم بالزنا والفواحش فبهت الذي فجر والله لا يهديه وأمثاله إلى الحق والصواب" (٣).
ثانيها (٤): أن لا يطالب بشيء إذا أفسدوا عليه أمواله أو قتلوا أولاده، أو ضربوه أو سبوه أو اعتدوا على عرضه وحرمته وعليه أن لا ينتصر من الظالم ولا يغضب عليه ولا يذمه، ولا يلتزم بهذا من له أدنى
стр. 319
مسكة من عقل بل فطر الله الحيوان على حب الانتقام والجزاء عند الاعتداء عليه، فهذا أمر ممتنع في الفطرة لا يمكن أحدًا أن يفعله فهو ممتنع طبعًا محرم شرعًا، ففي هذا مخالفة لسنة الله الكونية والشرعية.
ثالثها (١): أن لا يقول بمعاقبة الكفار ولا بجهادهم وقتالهم ولا بإقامة الحدود ولا يلوم إبليس ولا فرعون وقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم ولا ينكر أي منكر وقع في الأرض ولا أي فساد في المجتمع.
رابعها: أن يقول: لا حاجة بنا إلى الطاعة والإيمان لأن ما قضاه الله من الثواب والعقاب لا بد وما يدري هذا القائل الأخرق الأحمق أن الله قد رتب مصالح الدنيا والآخرة على الأسباب بناء على ما سبق به القضاء لا بغيره (٢). ومع وضوح شناعة هذا اللازم قد التزم به بعضهم حتى قال: "لا حاجة إلى الأعمال المأمور بها فإن من خلق للجنة فهو يدخلها وإن لم يؤمن ومن خلق للنار فهو يدخلها وإن آمن" (٣).
والحاصل أن الاحتجاج بالقضاء والقدر ليس حجة مقبولة فإن القدر يؤمن به ولا يحتج به، فإن المحتج به فاسد العقل والدين ولا بد أن يتناقض ولا يستطيع أحد أن يلتزم بما يترتب عليه من المفاسد الشنيعة فلهذا كان الاحتجاج بالقدر باطلًا بطلانًا ضروريًا مستقرًا في جميع الفطر والعقول، وهذا أمر جبل الله عليه الناس كلهم مسلمهم وكافرهم لا يحتجون به، ولكون الاحتجاج به باطلًا في فِطَر الخلق وعقولهم لم تذهب إليه أمة من الأمم ولا يمكن اثنان أن يتعاشرا ساعة واحدة إن لم يكن أحدهما ملتزمًا مع الآخر نوعًا من الشرع (٤).
стр. 320
هذا وقد تبين مما سبق بطلان هذه الشبهة وفسادها وما تؤدي إليه من لوازم في غاية الشناعة، وهذا عاقبة من يترك منهج الكتاب والسنة وآثار السلف ويتبع زبالة الأفكار، ونسأل الله تعالى أن يرزقنا الإخلاص والاتباع إنه المستعان وولي ذلك والقادر عليه.
مناقشة الشبهة الثانية وهي: استدلالهم بعلم الله تعالى على عدم طلب الدعاء:
قد أكثر الصوفية من الاستدلال والاحتجاج بعلم الله تعالى على عدم الحاجة إلى الدعاء حتى عد بعضهم هذا الأمر أصلًا من أصول طريقتهم، فقد روى الطوسي (١) الصوفي عند ذكر أصول طريقتهم عن بعضهم أنه قال: "أصلنا السكوت، والاكتفاء بعلم الله " (٢).
وهذا يدل على مدى اعتمادهم في عدم الحاجة إلى الدعاء على العلم، وقد تقدم نقل بعض كلامهم، كما يؤكد هذا ما ذكرناه من تعلقهم بما روي عن إبراهيم الخليل ﵇: "حسبي من سؤالي علمه بحالي".
وأصل شبهتهم ظنهم أن مجرد علم الله بالشيء يكفي في وجوده ولا يحتاج إلى ما به يكون من الفاعل الذي يفعله وسائر الأسباب.
وهذا الظن باطل من أساسه وغير صحيح، وهو جهل بحقيقة علم الله تعالى وما يقتضيه فإن علم الله بالشيء لا يقتضي عدم طلبه من الله تعالى، قال ابن الجوزي: "هذا سد لباب السؤال والدعاء، وهو جهل بالعلم" (٣).