← Акыда

Акыда · id 1201

الدعاء ومنزلته من العقيدة الإسلامية

جيلان بن خضر العروسي

Полный текст (973 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

كفه" يعني فيتصرف فيه كيف يشاء (١). وبعض هؤلاء قصر التصرف في القبر لبعض كبار الأولياء ومثل لذلك البعض بالشافعي والليث والبدوي وأضرابهم، فهؤلاء لهم التصرف في قبورهم بحسب صدق من توجه إليهم، وأما النبي ﷺ فبابه مفتوح فما على من عنده حاجة إلا أن يصلي عليه ثم يسأله حاجته (٢)، قال الألوسي: "ومنهم من يثبت التصرف لهم جميعًا في قبورهم لكنهم متفاوتون فيه حسب تفاوت مراتبهم، والعلماء منهم يحصرون التصرف في القبور في أربعة أو خمسة" (٣). ومن ذلك ما قيل من أن الولي إذا تقرب إلى الله تعالى حتى يصير مقاربًا لله تعالى يحصل له أنه إذا تصرف على سبيل التمكين في الأمور لا يستعصي عليه شيء مما يطلبه فإذا تشوف للعلم علمه، ويفعل ما يريد إحداثه في العالم مثل إحياء الميت وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك .. وإذا اتصف بصفة الخلة تظهر في أجزاء جسده آثار التخلل بأن تنفعل الأشياء له بلفظة كن وأن يبرئ العلل والأمراض ويأتي بالمخترعات بيده، وأن يكون لرجله المشي في الهواء، وأن يقدر على التصور بكل صورة بتمام هيكله (٤). فالولي إذا وصل إلى هذه الدرجة يفعل ما يشاء ويريد وينفع ويضر بيده كل شيء!! تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا. ويكفي لمعرفة مدى ادعاء هؤلاء التصرف وتصديق بعض الناس لهم قراءة بعض كتب هؤلاء التي احتوت على ما لا يتصور أن يصدقه عاقل

стр. 247

فضلًا عن مسلم قرأ كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ وعرف الإسلام ومن تلك الكتب كتاب الطبقات الكبرى للشعراني وهو كتاب معتبر عندهم فقد حوى العجائب والغرائب من ادعاء تصريف الكون والحوادث الكثيرة، فالذين ترجم لهم نحو ثلثمائة إذا استثنينا الصحابة والتابعين وبعض كبار الصالحين، فكثير من هؤلاء المترجم لهم ذكر لهم الشعراني ما يدل على تصرفهم في الكون وعلمهم للغيب وغير ذلك مما لا يصدقه العقل. ومثل كتاب الطبقات كتاب جواهر المعاني لعلي حرازم في ترجمة التيجاني ففي هذا الكتاب تصوير للتيجاني بأنه المدبر للكون والمتصرف في شؤون الناس، فمما ادعاه للتيجاني أنه نائب عن الله أو خليفته في جميع مملكته الإلهية بلا شذوذ متصفًا بجميع صفات الله وأسمائه حتى كأنه عينه (١). ومن تلك الكتب كتب البريلويين الذين تجاوزوا المعقول والمنقول فيما زعموا للنبي ﷺ والصالحين. ومن ذلك ما قالوه في الشيخ الجيلاني أنه هو الغوث الذي حصلت له قدرة كلمة "كن فيكون" وأن قلوب الناس في يده يصرفها كيف يشاء، وأن له حق التثبيت في اللوح المحفوظ وأنه يملك أن يجعل المرأة رجلًا (٢). ومن تلك الكتب كتب الرافضة ففيها العجائب والطامات، ففيها ادعاء لأئمتهم التصرف في الكون وعلم الغيب وغير ذلك مما هو من خصائص الربوبية (٣).

стр. 248

والحاصل: إن إجابة الدعاء من مقتضى الربوبية التي هي شاملة للخلق كلهم، ولهذا كانت إجابة الدعاء غير خاصة بالمؤمنين بل الله يسأله كل الخلائق فيجيبهم. قال تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾ [الرحمن: ٢٩] يسأله المطيع والعاصي والكافر والمنافق، فهو كل يوم يجيب داعيًا ويكشف كربًا ويجيب مضطرًا ويغفر ذنبًا كما قاله مجاهد وغيره (١). وهو يمد كلًا من العاصي والطائع بما يتكفل له حياته، قال تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠)﴾ [الإسراء: ٢٠]. بل لما سأله إبليس اللعين بقوله: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦)﴾ [الحجر: ٣٦] أجابه الله إلى ما طلبه وأعطاه بغيته مع أنه أبغض خلق الله إلى الله، قال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)﴾ [الحجر: ٣٧ - ٣٨]. فاتضح مما سبق أن إجابة الدعاء من مقتضى الربوبية وأنها شاملة للخلق أجمع، وأنها فعل من أفعال الله تعالى وأن الإقرار بتفرده بها إقرار بتفرده بأفعاله وأن الإخلاص في الدعاء يستلزم الإخلاص في توحيد الربوبية وأن الشرك في الدعاء يستلزم الشرك في الربوبية، كما أنه يستلزم الاعتقاد بعلم الغيب والتصرف المطلق والقدرة المطلقة والنفع والضر للمدعو. وقد يقال: إن الداعي ربما لا يستحضر عند الدعاء تلك اللوازم للدعاء من كون المدعو قادرًا القدرة المطلقة ومتصرفًا ومالكًا للنفع والضر فلا يقال: إنه أشرك في الربوبية.

стр. 249

الجواب: إن من طبيعة الدعاء أن يستحضر الداعي تلك المعاني وهي لازمة له وإلا كان مثل كلام المجنون الذي لا يدري ما يقول، وأيضًا لا يشترط في الحكم بالشرك أن يستحضر المشرك جميع لوازمه وقبائحه ولو استحضر ذلك لما أشرك مع أن الأدلة السابقة وواقع هؤلاء يدلان على أن قسمًا منهم يعتقد بتلك اللوازم أيضًا. المطلب الثاني: في علاقته بتوحيد الأسماء والصفات: إن الدعاء له علاقة قوية وارتباط وثيق بتوحيد الأسماء والصفات لأن معنى توحيد الأسماء والصفات هو الإقرار بما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله من الأسماء الحسنى والصفات العلى إثباتًا بدون تمثيل ولا تشبيه وتنزيهًا بدون تعطيل ولا تحريف ولا تأويل. ومن عدم التشبيه والتمثيل اعتقاد أنَّ الله هو المتفرد بها لا يشركه فيها غيره وأسماء الله الحسنى وصفاته العليا الواردة في الكتاب والسنة كثيرة جدًّا نقتصر منها هنا على بعضها وهي العلم المحيط للغيب والشهادة، والسمع والبصر وصفة المعية، والإرادة والحياة، والقيومية، والجود والكرم والرحمة وصفة العلو. ومن شأن الدعاء أن يعتقد الداعي اتصاف المدعو بهذه الصفات. واعتقاد الداعي أن الله هو المتفرد بها وأنه وحده هو المستحق للاتصاف بهذه الصفات هو من توحيد الأسماء والصفات، كما أن اعتقاده أن غير الله تعالى متصف بها - كاتصاف الله تعالى - يكون إلحادًا فيها وشركًا. صفة العلم: إن من شأن الدعاء أن يعتقد الداعي أن مدعوه يعلم بدعائه وأحواله وما هو فيه من الكرب والشدة والفاقة والهم والغم.

стр. 250

وإلا لو كان المدعو يجهل بدعائه وأحواله ومكانه لم يكن هناك فائدة في دعائه والاستغاثة به، إذ الإجابة لدعاء الداعي فرع عن علم المدعو بحاجة الداعي. فالداعي يعتقد أن المدعو عالم، وعلمه محيط بجميع الكائنات، وما تتحرك ذرة في السماء والأرض إلا وهو عالم بها ولا يخطر على البال خاطر إلا وهو يعلمه، ولا يختلج في النفس شيء إلا وهو مطلع عليه، ولا ينتاب الداعي، نائبة ولا تحدث له حادثة إلا وهو يعلمها، ولا عليه هم ولا غم ولا حزن إلا وهو مطلع عليه وعالم به وبأسبابه وبما يرفع ذلك أو يخففه، فهذا العلم المحيط (١) الشامل للغيب والحاضر صفة خاصة بالله تعالى، قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩]. وقال عز من قائل: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ [يونس: ٦١]. وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ [النمل: ٦٥]. وقال عز من قائل: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦]. فالاعتقاد بالعلم المحيط الشامل للكون علويه وسفليه من مقتضيات معنى الدعاء ولوازمه فلو قلنا جدلًا: إنه لا يلزم منه اعتقاد الداعي بالعلم المحيط للكون فلا بد أن نقول: إنه يلزمه أن يعتقد أن المدعو علمه محيط بالداعي وبحاله وخواطره.

стр. 251

وذلك لأن الداعي لو لم يرسخ في ذهنه أن المدعو المستغاث به يعلم حاجته وسره وعلانيته وخواطره، وهواجسه وخلجات فؤاده وحركات أنفاسه ووساوس نفسه. لو لم يرسخ في ذهنه هذا لما نادى واستغاث وطلب النجدة والإنقاذ ولما أتعب نفسه في التذلل والتضرع والابتهال، والانطراح بين يدي المسؤول، إذ إجابة الدعاء فرع عن العلم بنداء الداعي واستغاثته وأحواله وحاجته لأن الجاهل بهذه الأمور لا يمكن إجابته كما لا يخفى. وهذا التلازم الذي نقول به قد قال به الرازي وغيره ممن يعترف بكلامه المخالف، وهو تلازم واضح بيِّن لا مفر منه، وسيأتي كلام الرازي وغيره في آخر هذا البحث. ويؤكد هذا التلازم أيضًا ادعاء هؤلاء العلم بالغيب لمن يدعونهم، وادعاء الآخرين ذلك لأنفسهم، كما يؤكده شهادات كبار العلماء باعتقادهم ذلك، ويؤكده الواقع المشاهد من أحوال من يدعو غير الله تعالى. فأما ادعاؤهم معرفة الغيب لأنفسهم فكثير جدًّا، فمن ذلك: ما ذكره الطوسي في كتابه اللمع أنه سمع من شيخه أنه دخل على الشبلي (١) فكان يقول له ولمن معه أي الزائرين المريدين: "مروا أنا معكم حيث ما كنتم أنتم في رعايتي وفي كلأتي" (٢). وهذا واضح في ادعائه لعلم الغيب ولا ينفع فيه التأويل لأنه نص صريح لا يقبل التأويل. وذكر القشيري عن الخضر أنه لقي في المدينة النبوية وليًا أعظم منه

стр. 252

قال الخضر: "فعلمت أن الله عبادًا لم أعرفهم" (١) ومن المعلوم أن الخضر نبي على الراجح فإذا كان الولي أعلم منه فمعناه أنه مطلع على الغيب. وذكر الشعراني عن أحدهم أنه كان يقول: "أعرف تلامذتي من يوم "ألست بربكم" وأعرف من كان في ذلك كان الموقف عن يميني ومن عن شمالي ولم أزل من ذلك اليوم أربي تلامذتي وهم في الأصلاب لم يحجبوا عني إلى وقتي هذا" (٢) أي أن علمه مستمر ومحيط بتلامذته، كما أنه متصرف فيهم قبل وجودهم!!! هذه بعض الأمثلة لادعائهم لأنفسهم معرفة الغيب. وأما ادعاء مريديهم لهم ذلك فكثير أيضًا، فمن ذلك ما قاله صاحب الجواهر في شيخه التيجاني: "ومن كماله ﵁ ونفوذ بصيرته الربانية، وفراسته النورانية التي ظهر مقتضاها في معرفة أحوال الأصحاب وفي غيرها من إظهار مضمرات وإخبار بمغيبات وعلم بعواقب الحاجات، وما يترتب عليها من المصالح والآفات، وغير ذلك من الأمور الواقعات. . ." (٣). . ونقل صاحب الجواهر عن شيخه التيجاني أنه يذهب إلى ادعاء ثبوت العلم اللدني وأنه قال في قوله تعالى ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ … ﴾: أو صديق أو ولي (٤). وهكذا زادوا في كتاب الله تعالى بدون حياء ولا خجل، وادعوا الكشف الإلهي وقراءة اللوح المحفوظ، إلى غير ذلك مما كان له أثر في

стр. 253

التأثير على الناس في اعتقاد علم هؤلاء للغيب ومعرفتهم بالداعي وأحواله وابتهالاته. وهذا الاعتقاد الفاسد تسرب إلى بعض المسلمين بطريق المتصوفة وتسرب إلى المتصوفة من طريق الروافض، فإنهم قد ادعوا لأئمتهم معرفة الغيب وغلوا في ذلك، فمن ذلك ما ادعوه لمهديهم الغائب من أنه قال في إحدى توقيعاته: نحن وإن كنا نائين بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين. فإنا نحيط علمًا بأنبائكم، ولا يعزب عنا شيء من أخباركم ومعرفتنا بالذل الذي أصابكم … إنا غير مهملين لمراعاتكم ولا ناسين لذكركم ولولا ذلك لنزل بكم البلاء" (١). وزعموا أيضًا أن عليًا ﵁ قال في الغائب: تسمع الكلام وتسلم على الجماعة ترى ولا ترى" (٢)، وقال أحدهم مجيزًا دعاء غائبهم المنتظر: "لا يخفى علينا أنه (ع) وإن كان مخفيًا عن الأنام ومحجوبًا عنهم ولا يصل إليه أحد ولا يعرف مكانه إلا أن ذلك لا ينافي ظهوره عند المضطر المستغيث به الملتجئ إليه الذي انقطعت عنه الأسباب، وأغلقت دونه الأبواب، فإنَّ إغاثة الملهوف وإجابة المضطر في تلك الأحوال، وإصدار الكرامات الباهرة والمعجزات الظاهرة هي من مناصبه الخاصة كما يظهر من الحكايات المتعددة التي نقلها العلماء الأعلام رضوان الله عليهم في محالها، فعند الشدة وانقطاع الأسباب من المخلوقين وعدم إمكان الصبر على البلايا. يستغيثون به ويلتجئون إليه" (٣). صفتا السمع والبصر: ومن الصفات التي هي من مقتضيات الدعاء ولوازمه صفتا السمع والبصر العامين وذلك لأن من شأن الداعي أن يعتقد أن المدعو المنادى المستغاث به يسمع نداءه واستصراخه ويري تضرعه وتذلله وانطراحه بين

стр. 254

يديه ومكانه في هذا العالم الفسيح المترامي الأطراف والمختلطة فيه أصوات المستغيثين ونداءات المضطرين وشكايات المضطهدين. وهذا الاعتقاد من لوازم الدعاء، ومقتضياته فلهذا عاب إبراهيم - عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم - قومه لدعائهم الأصنام التي لا تسمع قال تعالى: ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣)﴾ [الشعراء: ٧٢، ٧٣]. فسماعُ أصوات الخلائق من البعد ليس إلا لله رب العالمين الذي يسمع أصوات العباد كلهم قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ [الزخرف: ٨٠]، وقال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة]، وليس أحد من البشر بل ولا من الخلق يسمع أصوات العباد، كلهم ومن قال هذا في بشر فقوله من جنس قول النصارى الذين يقولون: إن المسيح هو الله وإنه يعلم ما يفعله العباد ويسمع أصواتهم ويجيب دعاءهم (١). والخلاصة أن اعتقاد الداعي بأن مدعوه يسمع مناجاته ونداءاته وأنه يراه ويرى تضرعه وانكساره وانطراحه بين يديه هذا الاعتقاد من لوازم معنى الدعاء ومقتضياته، وأنَّ الداعين لغير الله تعالى كثير منهم يعتقد ذلك فيمن يدعوه (٢) وسنذكر إن شاء الله تعالى ذلك مفصلا (٣). صفة المعية والقرب: ومن صفات الجلال والجمال التي يدل عليها الدعاء صفة قرب الله

стр. 255

من عباده، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، قيل في سبب نزولها: إنها نزلت في سائل سأل النبي ﷺ فقال: يا محمد أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ عني الآية (١)، هذا وإن صفة المعية من خصائص الله تعالى وليست كمعية المخلوق كما هو في باقي صفات الله تعالى، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. وقد دل الدليل الصريح على دلالة الدعاء واستلزامه لصفة المعية في دعاء الله تعالى ومن ذلك قوله ﷺ في الحديث القدسي: يقول الله تعالى: "أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا دعاني" (٢). قال ابن كثير في معنى الحديث: وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨]، وقوله لموسى وهارون ﵉: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]، والمراد من هذا أنه تعالى لا يخيب دعاء داع ولا يشغله عنه شيء بل هو سميع الدعاء ففيه ترغيب للدعاء وأنه لا يضيع لديه تعالى (٣). فالله قريب يسمع من دعاه، ولا يحتاج إلى واسطة تبلغه وترفع الأمر إليه أو تؤثر في إرادته ومشيئته أو واسطة تعينه أو تنوب عنه. ثم هذا القرب الذي يحصل للداعي المخلص هو من أعظم أنواع القرب إلى الله تعالى، وهو قرب خاص. قال الشوكاني: "أعظم أنواع قرب العبد من الرب ما صرح به في

стр. 256

الكتاب العزيز بقوله سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (١). وقال ابن القيم: إن هذا القرب المذكور في القرآن والسنة قرب خاص وهو غير قرب الإحاطة (٢) وذكر شيخ الإسلام أيضًا أن القرب هنا خاص بحالة الدعاء وليس قربًا عامًا في جميع الأحوال (٣). والمقصود هنا إثبات أن الدعاء يقتضي ويستلزم اعتقاد الداعي أن المدعو قريب يسمع يعلم سره ونجواه، إذ لولا هذا لما وجه نداءه وأنه معه وجه نداءه لمن ليس قريبًا منه، فمن صرف الدعاء لغير الله تعالى يلزمه أن يعتقد هذا القرب له. ومن الصفات التي هي من لوازم الدعاء صفة الحياة والقيومية: إذ الميت أو النائم أو الغافل لا يستطيع التصرف لنفسه فكيف يغيث مضطرًا وينقذ هالكًا؟ ولهذا التلازم عاب الله تعالى المشركين بدعائهم للأصنام التي ليس لها حياة فضلًا عن القوامة فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)﴾ [النحل: ٢٠ - ٢١]. وقد بقيت صفات كثيرة من لوازم الدعاء ومقتضياته، من ذلك صفة الإرادة المطلقة والجود والكرم والرأفة والرحمة والغنى وغيرها، إذ المتصف بأضدادها لا يرجى خيره ولا يطمع في إحسانه، ولا يتعرض لفضله ونواله. ونكتفي بهذا القدر في تتبع الصفات التي يعتقدها الداعي للمدعو،

стр. 257

أو هي لازمة لطبيعة الدعاء وإن لم يستحضرها الداعي عند الدعاء، وذلك لأن الذي ذكرناه يدل على ما بقي. هذا ونؤخر الكلام على صفة العلو لطول الكلام عليها. الخلاصة: إن الدعاء من لوازمه ومقتضيات معناه أن يكون المدعو متصفًا بصفات الكمال والجلال والجمال، ومن تلك الصفات: العلم المحيط والسمع والبصر والمعية والقرب والحياة والقيومية والإرادة والجود والكرم والرحمة. . . وهي صفات خاصة بالله تعالى ولا تليق لغيره. . فصرف الدعاء لغير الله تعالى يستلزم صرف هذه الصفات لذلك الغير وادعاءها له واعتقاد استحقاقه لها فيكون شركًا في توحيد الأسماء والصفات، وكون الدعاء من لوازمه هذه الصفات قد ذكرنا فيما سبق الأدلة على ذلك من الآيات، ومما يؤكد ذلك تصريح بعضهم بما يفيد ذلك من ادعاء ذلك لنفسه أو اعتقاده لغيره من المدعوين. والآن نتبع ذلك بأقوال العلماء الذين قالوا بذلك التلازم لمطلق الدعاء، ثم بأقوال العلماء الذين ذكروا أن بعض الذين يدعون الأموات يعتقدون لهم علم الغيب والتصرف في الكون والسمع والبصر العامين … إلخ. أقوال الذين ذكروا أن الدعاء يستلزم الاعتقاد بصفات الجلال والكمال الله تعالى: فمن العلماء الذين ذكروا هذا التلازم ابن القيم والرازي والزبيدي وابن أبي العز والزركشي وابن عقيل. فقد ذكر ابن القيم ﵀ أن الصلاة على النبي ﷺ وهي كما تقدم (١) نوع من الدعاء - تتضمن كل الإيمان "بل هي متضمنة للإقرار

стр. 258

بوجود الرب المدعو، وعلمه وسمعه وقدرته وإرادته وصفاته وكلامه" (١). وقال أيضًا: وحصول الإجابة عقيب السؤال على الوجه المطلوب دليل على علم الرب تعالى بالجزئيات وعلى سمعه لسؤال عبيده وعلى قدرته على قضاء حوائجهم وعلى رأفته ورحمته بهم (٢). وذكر الرازي في معرض شرحه للاستعاذة - وقد تقدم (٣) أنها نوع من الدعاء - أنها لا تتم إلا بعلم العبد بعجزه عن جلب المنافع ودفع المضار وبعلمه أيضًا بأن الله المستعاذ به قادر على إيجاد المنافع ودفع المضار ولا يقدر على ذلك غيره فإذا حصل له هذا العلم بالله وبنفسه يحصل له التواضع والانكسار في القلب كما يحصل له طلب ذلك من الله باللسان. وذكر الرازي أيضًا أنه يلزمه في الاستعاذة أن يعلم أن الله عالم بجميع المعلومات فإنه لو لم يكن كذلك لجاز أن لا يكون عالمًا به ولا بأحواله فعلى هذا التقدير تكون الاستعاذة به عبثًا، ولا بد أن يعلم أيضًا كونه قادرًا على كل شيء وإلا فربما كان عاجزًا عن تحصيل مراد العبد، ولا بد أن يعلم أنه جواد كريم إذ لو كان البخل عليه جائزًا لما كان في الاستعاذة به فائدة. وبهذا الاعتقاد يعرف أن في الدعاء اعترافًا بعز الربوبية وذل العبودية. ثم ذكر الرازي أن من الناس من يقول بعدم الحاجة إلى العلم بهذه اللوازم التي ذكرت ثم ذكر أن هذا ضعيف جدًّا لأن إبراهيم ﵇

стр. 259

عاب أباه في قوله: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢]. فبتقدير أن لا يكون الإله عالمًا بكل المعلومات قادرًا على كل شيء كان سؤاله لمن لا يسمع ولا يبصر وكان داخلًا تحت ما جعله إبراهيم عيبًا على أبيه (١). وفي معنى كلام الرازي هذا قول الزبيدي: إن الدعاء يدل على قدرة الله وعجز الداعي (٢). وقال ابن أبي العز شارح الطحاوية إن من فوائد الدعاء العاجلة معرفة العبد بربه وإقراره به وبأنه سميع قريب قدير عليم رحيم، وإقراره بفقره إليه واضطراره إليه وما يتبع ذلك من العلوم العلية والأحوال الزكية التي هي من أعظم المطالب (٣). وذكر الزركشي أن من فوائد الدعاء إظهار العبودية والإقرار بالفقر والحاجة والاعتراف بالربوبية (٤). وذكر ابن رجب أن في السؤال إظهار الذل والمسكنة وفيه الاعتراف بقدرة المسؤول على رفع هذا الضر، ونيل المطلوب وجلب المنافع ودرء المضار (٥). ومن أصرح من وقفت على كلامه من العلماء الذين صرحوا باشتمال الدعاء على الاعتقاد بالصفات العليا أبو الوفا ابن عقيل الحنبلي فإنه قال: "قد ندب الله إلى الدعاء وفيه معاني الوجود والغنى والسمع

стр. 260

والكرم والرحمة، والقدرة فإن من ليس كذلك لا يدعى، ومن يقول بالطبائع يعلم أن النار لا يقال لها: كفى ولا النجم لا يقال له: أصلح مزاجي لأن هذه عندهم مؤثرة طبعًا لا اختيارًا، فشرع الدعاء والاستشفاء ليبين كذلك أهل الطبائع وقال: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ [الحجر: ٢١] حتى لا يطلب إلا منه. ثم أحب أن يظهر جواهر أهل الابتلاء فقال لذا: اذبح ولدك، وقرص هذا بالبلاء ليحملهم على الدعاء واللجاء)) (١). فقد اتضح من كلام هؤلاء العلماء تضمن الدعاء لاعتقاد الداعي بهذه الصفات العليا التي هي من خصائص الله تعالى لا يشركه فيها غيره. فبهذا نعلم أن من صرف الدعاء للمخلوق أيًا كان فقد صرف له هذه الصفات التي هي خاصة بالله تعالى فبهذا يكون قد أشرك في توحيد الأسماء والصفات، ووصف غير الله تعالى بصفات هي من خصائص الله تعالى وصفاته كما أن من أخلص الله تعالى في الدعاء فقد أخلص في توحيد الأسماء والصفات. أقوال العلماء الذين ذكروا أن الداعين للأموات يعتقدون اتصافهم بمعرفة الغيب وغيرها من الصفات التي هي لازمة لمن يستحق الدعاء: والعلماء الذين بينوا أن الداعين للأموات أو الغائبين يعتقدون لمن يدعونهم علم الغيب وسماع النداء والقدرة على النفع والضر - كثيرون منهم: ١ - المفسر الألوسي أبو الفضل محمود (ت ١٢٧٠ هـ) فإنه قال: "ولا أرى أحدًا ممن يقول ذلك - يشير إلى قولهم: يا سيدي فلان

стр. 261

أغثني - إلا وهو يعتقد أن المدعو الحي الغائب أو الميت المغيب يعلم الغيب أو يسمع النداء ويقدر بالذات أو بالغير على جلب الخير ودفع الأذى، وإلا لما دعاه ولا فتح فاه" (١). وذكر الألوسي أيضًا أن ممن يندرج في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ ? [يوسف: ١٠٦] عبدة القبور الناذرون لها المعتقدون للنفع والضر (٢) فقد وصفهم الألوسي باعتقاد النفع والضر. ٢ - والعالم المجاهد محمد إسماعيل الدهلوي الملقب بالشهيد (ت ١٢٤٧ هـ) فإنه ذكر الذين يقولون: يا سيدنا ادعو الله لنا وأنهم يظنون أنهم ما أشركوا لأنهم على زعمهم لم يطلبوا منهم قضاء الحاجات، وإنما طلبوا منهم الدعاء فقط. ثم قال: "وهذا باطل فإنهم وإن لم يشركوا عن طريق طلب قضاء الحاجات فإنهم أشركوا عن طريق النداء، فقد ظنوا أنهم يسمعون نداءهم عن بعد كما يسمعون نداءهم عن قرب" (٣). فقد صرح الدهلوي ﵀ باعتقادهم لمدعويهم السمع الذي لا يليق إلا بالله تعالى وأنهم ما صرفوا الدعاء للولي لولا هذا الاعتقاد. ٣ - والشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن حسن (ت ١٢٨٥ هـ) فإنه قال تعليقًا على قول البوصيري: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به … سواك عند حدوث الحادث العمم قال: "ولا ريب أن هذا الدعاء الذي دعاه البوصيري واستغاث فيه بالنبي ﷺ يقتضي إثبات قدرة عامة وعلم عام وسمع محيط لاسيما إن كان من يدعو الصالحين ويسألهم جعل ذلك ديدنه في كل زمان ومكان

стр. 262

وإن بعدت الديار وتناءت الأقطار وإن زعم أنه لم يثبت قدرة ولا علمًا ولا سمعًا عامًا محيطًا لا يليق بالمخلوق فهو مكابر ملبوس عليه ثم في ذلك من الخضوع والذل والمحبة والإنابة ما هو من خالص العبادة ولبها فكيف جاز صرفه لغير الله؟ " (١). وقال أيضًا: "بل من دعاهم فهو يرى ويعتقد أن لأرواحهم قدرة وعلمًا بحاله وسمعًا ليس من جنس قدرة العباد وعلمهم وسمعهم" (٢). ٤ - والشيخ عبد الحي بن عبد الحليم اللكنوي (ت ١٣٠٤ هـ) فقد ذكر أنه يلزم الاحتراز عن مثل الورد المشهور وهو ورد: "يا شيخ عبد القادر جيلاني شيئًا الله وعلل ذلك بأن بعض الفقهاء حكم بكفر قائله ثم علله أيضًا بأن هذا الورد يتضمن نداء الأموات من أمكنة بعيدة، لم يثبت شرعًا أن الأولياء لهم قدرة على سماع النداء من أمكنة بعيدة ثم ذكر أن من اعتقد أن غير الله تعالى حاضر وناظر وعالم للخفي والجلي في كل وقت وفي كل آن فقد أشرك، وذكر أن اعتقاد أن عبد القادر يعلم أحوال مريديه في كل وقت ويسمع نداءهم من عقائد الشرك (٣). ٥ - والشيخ محمد بشير السهسواني (ت ١٣٢٦ هـ) فإنه قال: "فنداء الميت بعيدًا من القبر، وكذا نداء الغائب يقتضي اعتقاد علم الغيب لذلك الميت والغائب" (٤). وذكر أيضًا أن المستغيثين بالأموات والغائبين يعتقدون أنهم يعلمون استغاثتهم، ويسمعون دعاءهم من كل مكان وفي كل زمان وأن هذا إثبات لعلم الغيب لهم (٥).

стр. 263

٦ - والشيخ حافظ الحكمي (ت (١٣٧٧ هـ) فقد ذكر تلازم أنواع التوحيد الثلاثة وتلازم بعضها لبعض وأنها لا ينفك بعضها عن بعض وأن الشرك في نوع منها يلزم منه الشرك في الباقي، ثم قال: "مثال ذلك في هذا الزمن عباد القبور إذا قال أحدهم يا شيخ فلان - لذلك المقبور أغثني أو افعل لي كذا ونحو ذلك يناديه من مسافة بعيدة وهو مع ذلك تحت التراب وقد صار ترابًا فدعاؤه إياه عبادة صرفها له من دون الله لأن الدعاء مخ العبادة، فهذا شرك في الإلهية وسؤاله إياه تلك الحاجة من جلب خير أو دفع ضر أو رد غائب أو شفاء مريض أو نحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله معتقدًا أنه قادر على ذلك هذا شرك في الربوبية حيث اعتقد أنه متصرف مع الله تعالى في ملكوته ثم إنه لم يدعه هذا الدعاء إلا اعتقاده أنه يسمعه على البعد والقرب في أي وقت كان وفي أي مكان ويصرحون بذلك وهذا شرك في الأسماء والصفات حيث أثبت له سمعًا محيطًا بجميع المسموعات لا يحجبه قرب ولا بعد فاستلزم هذا الشرك في الإلهية الشرك في الربوبية والأسماء والصفات (١). ٧ - والشيخ علي محفوظ الحنفي صاحب كتاب الإبداع (ت ١٣٦١ هـ) فإنه ذكر أن العوام إذا نزل بهم أمر خطير في البر أو البحر تركوا دعاء الله ونادوا بعض الأولياء كالبدوي والدسوقي وزينب، ثم قال: "معتقدين أنهم يتصرفون في الأمور ولا تسمع منهم أحدًا يخص مولاه بتضرع ودعاء وقد لا يخطر له على بال أنه لو دعا الله وحده ينجو من تلك الشدائد" (٢). والحاصل أنه قد تبين مما سبق أن الدعاء يستلزم اعتقاد الداعي لمدعوه صفات الكمال والجلال التي لا تليق لغير الله تعالى من العلم المحيط والقدرة المطلقة والتصرف المطلق والسمع وغير ذلك، كما تبين

стр. 264

أن كثيرًا من العلماء صرحوا بالتلازم بين الدعاء وبين هذا الاعتقاد كما صرحوا أن من يدعو غير الله تعالى يعتقد فيمن يدعوه هذه الصفات سواء اعترف بهذه الحقيقة أو كابر عقله وتأول بأنه لا يعتقد ذلك، فالحقيقة ثابتة لا يغيرها إنكار المكابر المعاند. هذا ومن الصفات التي يدل عليها الدعاء صفة العلو وكان اللائق أن تذكر مع ما تقدم من الصفات ولكن أخرناها لطول الكلام عليها ونذكرها الآن وبالله التوفيق وعليه التكلان. دلالة الدعاء على علو الله تعالى: اتفق بنو آدم على اختلاف مللهم ونحلهم وعاداتهم وتقاليدهم على مر الدهور والأزمان وتباعد الأوطان - إلا من فسدت فطرته وانطمست بصيرته - على اعتقاد علو الله تعالى. فعقيدة علو الله أمر، فطري فطر الله الناس عليها بخلاف استواء الله على عرشه فهو أمر سماعي دلت الأدلة السمعية القطعية على ثبوته الله تعالى (١). وأما العلو فهو فطري ضروري ثبت بالفطرة قبل الأدلة السمعية فجاءت الأدلة السمعية فزادته برهانًا على برهان، ويقينًا على يقين. ولكون العلو أمرًا فطريًا نجد البشر على اختلاف مستوياتهم في المعرفة، واختلاف لغاتهم وتباعد أوطانهم وتباين عاداتهم وتقاليدهم اتفقوا على التوجه بالدعاء إلى السماء ورفع الأيدي إليها، لا يختلف في ذلك مسلمهم وكافرهم عربيهم وعجميهم عالمهم وجاهلهم، وما ذلك إلا أنه أمر فطري ضروري فكما أن معرفتهم بخالقهم أمر فطري، ومعرفتهم بحاجتهم وافتقارهم إليه، وأنه القادر على إجابة دعائهم ورغباتهم أمر فطري،

стр. 265

فكذلك اعتقادهم العلو أمر فطري؛ انظر إلى من وقع في كرب عظيم تجده يتجه مباشرة بفطرته إلى جهة السماء قلبًا وقالبًا ظاهرًا وباطنًا يرفع يديه إلى السماء في الظاهر ويتجه بفكره وقلبه نحو السماء يتطلع نحوها وينتظر الفرج من جهتها لا من الجهة السفلى ولا من الجهات الأخرى، فهذه المعرفة الفطرية تزداد قوة على قوة عند بعض الناس وقد تضعف عند من اجتالتهم شياطين الإنس والجن بالشبهات والشكوك، قال الله تعالى في حديث قدسي: وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم" (١). ومع هذه الشبهات تجد أحدهم إذا وقع في شدة وكرب يرجع إلى فطرته ويتجه نحو السماء بدافع باطني قوي لا تستطيع الشبهات أن تمنعه وتعارضه لأنه أمر ضروري لا تستطيع الشكوك دفعه ولا مقاومته. وكلما أكثر العبد من الدعاء ازداد علمه الضروري بعلو الله تعالى. قال شيخ الإسلام ﵀: وأما كونه عاليًا على مخلوقاته بائنًا منهم فهذا أمر معلوم بالفطرة الضرورية التي يشترك فيها جميع بني آدم، وكل من كان بالله، أعرف وله أعبد ودعاؤه له أكثر، وقلبه له أذكر، كان علمه الضروري بذلك أقوى وأكمل، فالفطرة مكملة بالشريعة المنزلة فإن الفطرة تَعْلَم الأمر مجملًا، والشريعة تفصله وتبينه (٢). وذلك أن الرسل صلوات الله عليهم بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها لا بتبديل الفطرة وتغييرها، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠]. ومن هنا جاءت الشريعة برفع الأيدي في الدعاء إلى جهة العلو تكميلًا لما عليه الفطرة من اعتقاد العلو (٣) لأن الله تعالى قد فطر العباد.

стр. 266

عربهم وعجمهم - على أنهم إذا دعوا الله توجهت قلوبهم إلى العلو، ولا يقصدونه تحت أرجلهم، فهذه الفطرة تدفع شبهات أهل الحلول والتعطيل (١). والمقصود أن الإكثار من الدعاء يزيد الفطرة قوة ويصقلها ويجليها مما علق بها لاسيما فيما يتعلق باعتقاد علو الله تعالى، كما أن الإيمان بالعلو يجعل العبد يتجه بقلبه إلى الله تعالى بخلاف من لا يؤمن بذلك فإن اتجاهه بالقلب إلى الله يكون ناقصًا ضعيفًا، قال الجويني والد إمام الحرمين أبو محمد عبد الله بن يوسف (ت ٤٣٨ هـ) في رسالته القيمة في إثبات الاستواء والفوقية: "العبد إذا أيقن أن الله تعالى فوق السماء عال على عرشه بلا حصر ولا كيفية وأنه الآن في صفاته كما كان في قدمه، صار لقلبه قبلة في صلاته وتوجهه ودعائه، ومن لا يعرف ربه بأنه فوق سماواته على عرشه فإنه يبقى ضائعًا لا يعرف وجهة معبوده" (٢). وقد تبين من كلام الجويني أن الإيمان بعلو الله تعالى يجعل القلب مطمئنًا غير حائر بخلاف من لم يؤمن بذلك فإنه يعيش في حيرة وارتياب وشك، وقد حكى شيخ الإسلام اتفاق أهل المعرفة بالله على أن معرفة العبد بربه وتوجهه إليه ودعاءه له لا يتم بدون الإقرار بعلو الله تعالى وأن الإقرار بذلك يثبت الإلهية في القلب ويوحد قصده، وأما بدون تلك المعرفة فيبقى مضطربًا عنده نوع من الريب والاضطراب (٣). وقد قرر العلماء دلالة الفطرة على علو الله تعالى على أبلغ وجه وكثر كلامهم في بيان ذلك وقد نقل المحققون من أهل العلم كلام العلماء ذلك وبيانهم لاتفاق الناس على اعتقاد ذلك.

стр. 267

وإليك خلاصة (١) كلام هؤلاء المحققين الذين ذكروا دلالة توجه البشر بالدعاء إلى السماء ورفع الأيدي إليها على علو الله تعالى: قال العلماء: إن العلم بالعلو أمر فطري ضروري مستقر في فطر بني آدم لا يختص به أهل الملل والشرائع. كما أن قصدهم لربهم عند الحاجات التي لا يقضيها إلا هو هو أيضًا أمر ضروري. وكذلك قصدهم الله تعالى بتوجه قلوبهم إلى العلو أيضًا أمر ضروري فهم مفطورون على الإقرار به وأنه في العلو، وعلى أنهم محتاجون إليه يسألونه عند الضرورات وعلى أنهم يقصدونه في العلو لا في السفل وأن قلوبهم بفطرتها تتوجه إلى العلو. وإنما قلنا: إن علمهم بهذا ضروري لأنه يلزم نفوس بني آدم لزومًا لا يمكنهم الانفكاك عنه أعظم من لزوم العلم الضروري بالأمور الحسابية ككون الواحد ثلث الثلاثة، لأن هذا علم مجرد ليسوا مضطرين إليه، فقد لا يخطر ذلك ببال أحدهم، وأما هذا العلم فهم مع كونهم مضطرين إليه مضطرون أيضًا إلى موجبه ومقتضاه وهو الدعاء والسؤال للمدعو الذي هو فوق. وهذا أمر متفق عليه بين العقلاء السليمي الفطرة، فأما الذين لا يجدون في أنفسهم علمًا ضروريًا وقصدًا ضروريًا لمن هو فوق العالم فقد مرضت قلوبهم وفسدت فطرتهم ففسد إحساسهم الباطن كما يفسد الإحساس الظاهر كالمرة التي تفسد الذوق فالعبرة بذوي الفطرة السليمة من الفساد، فهؤلاء متفقون على ذلك وكل منهم يخبر بذلك عن فطرته من غير مواطأة من بعضهم لبعض.

стр. 268

ويمتنع في مثل هؤلاء أن يتفقوا على تعمد الكذب عادة، فإن إجماع المسلمين حجة فكيف بإجماع جميع الأمم والطوائف مع اختلاف أجناسهم وبلدانهم ولغاتهم؟ ويمتنع أيضًا غلطهم في الأمور الفطرية الضرورية، فإن ذلك يسد باب العلم والمعرفة وأن يثق الإنسان بشيء من علومه فيستلزم القدح في جميع العلوم والمعارف. أقوال العلماء الذين صرحوا بدلالة الدعاء على العلو: قد صرح كثير من علماء الإسلام بدلالة الدعاء على علو الله جل وعلا ونذكر أقوال بعض العلماء الذين صرحوا بذلك. قال أبو حنيفة ﵀ عندما سئل عمن يقول: "لا أدري العرش في السماء أم في الأرض؟، قال: هو كافر، لأنه أنكر أن يكون في السماء لأنه تعالى في أعلى عليين، وأنه يُدْعَى من أعلى لا من أسفل" (١). فقد صرح أبو حنيفة ﵀ بأن الاتجاه في الدعاء إلى العلو يدل على علو الله تعالى. وقد ذكر مثل ذلك أبو محمد عبدالله بن سعيد بن كلاب حيث ذكر أن الله قد غرس في الفطرة ومعارف الآدميين الاعتقاد بالعلو، وأنه لا شيء أبين منه ولا أوكد: "لأنك لا تسأل أحدًا من الناس عربيًا ولا أعجميًا ولا مؤمنًا ولا كافرًا فتقول أين ربك؟، إلا قال في السماء أفصح أو أومأ بيده … ولا رأينا أحدًا إذا دعاه إلا رافعًا يده إلى السماء ولا وجدنا أحدًا غير الجهمية يسأل عن ربه فيقول: في كل مكان كما يقولون. . .".

стр. 269

فقد ذكر ابن كلاب في هذا الكلام أن العلم بأن الله فوق، فطري مغروس في فطر العباد، اتفق عليه عامتهم وخاصتهم، وأنه لم يخالف الجماعة في ذلك إلا نفر قليل (١). وقال ابن قتيبة أبو محمد عبدالله بن مسلم (ت ٢٧٦ هـ) في معرض إثبات العلو: "ولو أن هؤلاء رجعوا إلى فطرهم وما ركبت عليه خلقتهم من معرفة الخالق لعلموا أن الله تعالى هو العلي وهو الأعلى … وأن الأيدي ترفع بالدعاء إليه … والأمم كلها عربيها وعجميها تقول: إن الله تعالى في السماء ما تركت على فطرها ولم تنقل عن ذلك بالتعليم" (٢). وقال عثمان بن سعيد الدارمي المتوفى (٢٨٢ هـ): "وقد اتفقت الكلمة من المسلمين والكافرين أن الله في السماء، وحدوه بذلك إلا المريسي الضال وأصحابه، حتى الصبيان الذين لم يبلغوا الحلم، قد عرفوه بذلك، إذا حزب الصبي شيء يرفع يديه إلى ربه يدعوه في السماء دون ما سواها" (٣). وله مثل هذا الكلام في موضع آخر (٤). وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة العبسي (ت ٢٩٧ هـ): "وأجمع الخلق جميعًا إذا دعوا الله جميعًا أنهم رفعوا أيديهم إلى السماء، فلو كان الله في الأرض السفلى ما كانوا يرفعون أيديهم إلى السماء وهو معهم في الأرض" (٥).

стр. 270

وقد عقد أبو بكر ابن إسحاق بن خزيمة المتوفى (٣١١) هـ) بابًا في كتاب التوحيد فقال: "باب ذكر البيان أن الله في السماء كما أخبرنا في محكم تنزيله وعلى لسان نبيه وكما هو مفهوم في فطرة المسلمين، علمائهم وجهالهم وأحرارهم ومواليهم ذكرانهم وإناثهم بالغيهم وأطفالهم، كل من دعا الله جل وعلا فإنما يرفع رأسه إلى السماء ويمد يديه إلى الله إلى أعلاه لا إلى الأسفل" (١). وابن خزيمة ﵀ إمام من أئمة المسلمين الذين دافعوا عن نقاء العقيدة وصفائها وبذلوا جهودًا عظيمة في سبيل ذلك وهو إذ يخبر عن دلالة الفطرة على العلو وإجماع الناس على ذلك، إنما يخبر عن قضية مسلمة لدى البشر لا يختلف في ذلك إلا من فسدت فطرته بالشبهات، وليس هذا خاصًا بابن خزيمة المعروف بمواقفه السلفية، بل غيره اعترف بذلك، والمعترفون بهذا كثيرون ومن أولئك: الإمام الأشعري (ت ٣٢٤ هـ) الذي ينتسب إلى مذهبه الأشاعرة المتأخرون الذين خالفوا مذهبه الأخير فقد قال الأشعري مستدلًا على علو الله تعالى: "ورأينا المسلمين جميعًا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء لأن الله تعالى مستو على العرش الذي هو فوق السماوات، فلولا أن الله على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش، كما لا يحطونها إذا دعوا إلى الأرض" (٢). وقال أبو سليمان الخطابي "ت ٣٨٨ هـ": وقد جرت عادة المسلمين خاصتهم وعامتهم أن يدعوا ربهم عند الابتهال والرغبة إليه ويرفعوا أيديهم

стр. 271

إلى السماء، وذلك لاستفاضة العلم عندهم بأن المدعو في السماء " (١). فقد نسب الخطابي هذا إلى عامة المسلمين فقط والصواب أنه عادة عامة للمسلم والكافر لأنه أمر فطري ضروري كما تقدم. ولهذا قال أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء شيخ الحنابلة (ت ٤٥٨ هـ): "إن كل عاقل من مسلم وكافر إذا دعا فإنما يرفع يديه ووجهه إلى نحو السماء" (٢). وقال حافظ المغرب أبو عمر ابن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ) في كتابه التمهيد في معرض بيان استواء الله على عرشه: "ومن الحجة أيضًا في أنه على العرش فوق السماوات السبع أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمر أو نزلت بهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء، يستغيثون ربهم ﵎، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته، لأنه اضطرار لم يؤنبهم عليه أحد ولا أنكره عليهم مسلم" (٣). وقال أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني الأشعري المتكلم المشهور (ت ٤٠٣ هـ): "فإن قالوا: فهل تقولون: إنه في كل مكن؟ قيل: معاذ الله بل هو مستو على العرش … إلى أن قال: ولو كان في كل مكان لكان في جوف الإنسان وفمه وفي الحشوش والمواضع التي يرغب عن ذكرها

стр. 272

تعالى عن ذلك … إلى أن قال: ولصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض وإلى وراء ظهورنا وعن أيماننا وشمائلنا، وهذا ما أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله" (١). هذا وقد صرح بهذه الحقيقة كثير من المحققين من غير من تقدم منهم قوام السنة ويحيى بن عمار السجزي وابن قدامة وغيرهم ﵏ (٢). هذا ومما يقرر كون رفع الأيدي إلى السماء يدل على العلو وأن ذلك أمر ضروري. القصة التي وقعت للهمذاني محمد بن أبي علي الحسن بن محمد (ت ٥٣١ هـ) وهي أنه قال: سمعت أبا المعالي الجويني - وهو عبد الملك بن عبدالله بن يوسف إمام الحرمين (ت ٤٧٨ هـ) - وقد سئل عن قوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾؟ فقال: كان الله ولا عرش، وجعل يتخبط في الكلام وقلت: قد علمنا ما أشرت إليه فهل عندك للضرورات من حيلة؟ فقال: ما تريد بهذا القول وما تعني بهذه الإشارة؟ فقلت ما قال عارف قط يا رباه إلا قبل أن يتحرك لسانه قام من باطنه قصد لا يلتفت يمنة ولا يسرة يقصد الفوق، فهل لهذا القصد الضروري عندك من حيلة فنبئنا نتخلص من الفوق والتحت؟، وبكيت وبكى الخلق، فضرب الأستاذ بكمه على السرير وصاح: يا للحيرة وخرق ما كان عليه وانخلع، وصارت قيامة في المسجد ونزل، ولم يجبني إلا يا الحيرة الحيرة والدهشة والدهشة، فسمعت بعد ذلك أصحابه يقولون: سمعناه يقول: حيرني الهمذاني (٣).

стр. 273

فهذا الشيخ الهمذاني قد استدل على علو الله تعالى بما يجده الداعي من ضرورة في اعتقاد العلو عند الدعاء حتى لا يمكن دفعها بأي وسيلة فهي أكبر برهان، فلهذا لم يستطع الجويني مع ذكائه وعلمه الرد عليها .. شبهة في دلالة الدعاء على العلو: هذا ومع اتفاق العقلاء على اعتقاد العلو في جميع أحوالهم لا سيما عند الاضطرار، وجد من ينكر (١) ذلك ويكابر حسه وعقله ويورد بعض

стр. 274

الشبهات على ذلك وحاصل شبهاتهم تدور على أربعة أمور: ١ - أن الرفع إلى السماء إنما هو لأن السماء محل الأنوار من الشمس والقمر والكواكب والهواء ونزول الغيث، وهذه الأمور هي أرزاقنا، فنحن نحتاج إليها. ٢ - أن السماء قبلة للدعاء كما أن الكعبة قبلة للصلاة. ٣ - أن الملائكة في السماء وهي وسائط جعلها الله لمصالح عباده فترفع الأيدي إليهم لا إلى الله تعالى. ٤ - ثم اعترضوا بوضع الجبهة على الأرض وقالوا: فكما أنه لا يدل على أن الله في الأرض فكذلك رفع الأيدي إلى السماء لا يدل على أن الله في السماء. وقد ناقش العلماء المحققون هذه الشبهات وبينوا بطلانها بأوجه كثيرة (١) نذكر بعضها إن شاء الله تعالى. مناقشة قولهم الأول (٢): ١ - لو كان السبب في رفع الأيدي إلى السماء هو حاجتنا إلى النعم والأرزاق التي من جهتها -كما زعموا- لكانت الأرض وما فيها تستحق ذلك لكثرة حاجتنا إليها من القرار عليها وما تخرج من الأرزاق، وقد نهي عن النظر إلى السماء في الصلاة دون الأرض كما ورد ذلك في السنة الصحيحة وذلك لأن الخشوع يكون بخفض البصر ولو كانت الجهات مستوية لما نهي عن ذلك.

стр. 275

٢ - ثم الاحتجاج إنما هو برفع الأيدي حين الدعاء وذلك لأن الذين يدعون غير الله يرفعون أيديهم نحو مدعوهم، فالذين يدعون الشمس والقمر والكواكب أو القبر أو الصنم يتجهون إلى ذلك المعبود ويمدون أيديهم إليه. مناقشة قولهم: إن السماء قبلة للدعاء (١): ١ - إن هذا قول لم يقله أحد من السلف ولا أنزل الله به من سلطان ثم هو مخالف لإجماع المسلمين. ٢ - إن قبلة الدعاء هي قبلة الصلاة، فإنه يستحب للداعي أن يستقبل القبلة كما ذكرنا ذلك في آداب الدعاء، وليس هناك قبلتان إحداهما للصلاة والأخرى للدعاء، ومن المعلوم أن الصلاة فيها الدعاء في الفاتحة وغيرها والدعاء نفسه صلاة كما تقدم بيان ذلك (٢). ٣ - إن القبلة هي ما يستقبله العابد بوجهه كما يستقبل المصلي الكعبة، وكما يوجه المحتضر والمدفون، فالاستقبال بالوجه ضد الاستدبار، فأما ما حاذه الإنسان برأسه أو يديه فهذا لا يسمى قبلة، فلو كانت السماء قبلة الدعاء لكان المشروع للداعي أن يوجه وجهه إليها وهذا لم يشرع. ٤ - إن القبلة أمر تتميز به الملل ويقبل النسخ والتبديل، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٥]. وأما الرفع إلى السماء فلم تختلف فيه الملل وبنو آدم عربهم وعجمهم.

стр. 276

٥ - إن القبلة أمر توقيفي وليس أمرًا ضروريًا والناس لم يفعلوا الرفع إلى السماء عن توقيف لأنه من المعلوم أنهم يفعلون ذلك بفطرتهم وعقولهم من غير أن يوقفهم أحد ولا تلقوه عن أحد. وأما قولهم: إن الإشارة قد تكون إلى الملائكة التي هي مدبرة أمر العباد فالجواب (١) عنه كالتالي: ١ - إشارة الإنسان إلى الشيء مشروطة بشعوره به، وقصد الإشارة إليه، فإن لم يشعر به ولم يقصد الإشارة إليه فمحال أن يشير إليه، والداعون لله مخلصين له الدين لا تخطر لهم الملائكة في تلك الحال فضلًا عن أن يقصدوا الإشارة إليها. ٢ - الإشارة إلى الملائكة حين دعاء الله وحده لا شريك له، إشراك بالله، بل دعاء الملائكة ومسألتهم إشراك بالله فكيف بالإشارة إليهم حين دعاء الله وحده؟؟ ٣ - ثم إنه لا يجوز لأحد أن يرفع يديه داعيًا لا إلى الملائكة ولا إلى غير الملائكة بل هذا من خصائص الربوبية، ومن أجاز رفع الأيدي عند الدعاء إلى غير الله فهو من المشركين الذين يدعون غير الله تعالى. مناقشة اعتراضهم (٢) بوضع الجبهة على الأرض: ١ - إن وضع الجبهة على الأرض لم يتضمن قصدهم لأحد في السفل بل السجود بها يعقل أنه تواضع وخضوع للمسجود له لا طلب وقصد ممن هو في السفل بخلاف رفع الأيدي إلى العلو عند الدعاء، فإنهم يقصدون به الطلب ممن هو في العلو والاستدلال إنما هو بقصدهم القائم بقلوبهم، وما يتبعه من حركات أبدانهم، والداعي يجد من قلبه

стр. 277

معنى يطلب العلو، والساجد لا يجد من قلبه معنى يطلب السفل بل الساجد أيضًا يقصد في دعائه العلو، فقصد العلو عند الدعاء يتناول القائم والقاعد والراكع والساجد. ٢ - إنه لو قدر أن أحدهم يدعو صنمًا أو غيره مما يكون على الأرض، لكان توجه قلبه ووجهه وبدنه إلى جهة معبوده الذي يسأله ويدعوه كما يفعله النصارى في كنائسهم فإنهم يتوجهون إلى الصورة التي في الحيطان وكذلك من يقصد الموتى في قبورهم فإنه يوجه قصده وعينه إلى من في القبر، فإذا قدر أن القبر أسفل منه توجه إلى أسفل فعلم بذلك أن الخلق متفقون على أن توجيه القلب والعين واليد عند الدعاء إلى جهة المدعو فلما كانوا يوجهون ذلك إلى السماء علم إطباقهم على أن الله في جهة السماء. ٣ - إن الواحد منهم إذا اجتهد في الدعاء حال سجوده يجد قلبه يقصد العلو مع أن وجهه يلي الأرض فعلم أن القلوب حال الدعاء لا تقصد إلا العلو، وأما الوجوه والأيدي فيتنوع حالها تارة تكون في حالة السجود إلى جهة الأرض لكون ذلك غاية الخضوع، وتارة تكون حال القيام مطرقة لكون ذلك أقرب إلى الخشوع، وتارة تتوجه إلى السماء لتوجه القلب. ونختم هذا البحث بما ذكره ابن القيم ﵀ في النونية من اتفاق الثقلين على العلو ودلالة الفطرة عليه وأن الشبهات لا تستطيع مقاومتها. فقال: وعلوه فوق الخليقة كلها … فطرت عليه الخلق والثقلان لا يستطيع معطل تبديلها .. أبدًا وذلك سنة الرحمن كل إذا نابه أمر يرى … متوجهًا بضرورة الإنسان نحو العلو فليس يطلب خلفه … وأمامه أو جانب الإنسان ونهاية الشبهات تشكيك … وتخميش وتغبير على الإيمان

стр. 278

لا يستطيع تعارض المعلوم والـ … معقول عند بدائه الإنسان فمن المحال القدح في المعلوم … بالشبهات هذا بين البطلان وإذا البدائه قابلتها هذه … الشبهات لم تحتج إلى بطلان (١) المطلب الثالث: في علاقة الدعاء بتوحيد العبادة، ومنزلة الدعاء من بين سائر العبادات: علاقة الدعاء بتوحيد العبادة جلية واضحة، إذ الدعاء بنوعيه هو العبادة كما صح بذلك الخبر عن المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، فتوحيد العبادة والإلهية هو إفراد الله تعالى بالعبادة، والعبادة هي الدعاء فمن أفرد الله بالدعاء فقد وَحَّدَ الله في عبادته، ومن صرف الدعاء لغير الله تعالى فقد أشرك في توحيد العبادة والألوهية. ولكون الدعاء هو العبادة التي خلقنا أجلها، صارت له مكانة عظيمة ومنزلة سامية ودرجة رفيعة، وهذه المكانة يمكن إيجازها في الأوجه التالية: ١ - مما يبين مكانة الدعاء العظيمة ومنزلته الرفيعة، افتتاح القرآن الكريم واختتامه بالدعاء، فقد بدأ الله تعالى كتابه العزيز بسورة الفاتحة التي هي مشتملة على نوعي الدعاء: دعاء الثناء والعبادة، ودعاء المسألة والطلب، ثم اختتمه بمثل ما افتتح به وهو سورة الإخلاص والمعوذتان، فسورة الإخلاص في دعاء الثناء، والمعوذتان في دعاء المسألة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وأما سورة الإخلاص والمعوذتان، ففي الإخلاص الثناء على الله، وفي المعوذتين دعاء العبد ربه ليعيذه، والثناء مقرون بالدعاء، كما قرن بينهما في أم القرآن المقسومة بين الرب والعبد نصفها ثناء للرب ونصفها دعاء للعبد.

стр. 279

وقد ختم المصحف بحقيقة الإيمان، وهو ذكر الله ودعاؤه كما بنيت عليه أم القرآن، فإن حقيقة الإنسان المعنوية هو المنطق، والمنطق قسمان: خبر، وإنشاء، وأفضل الخبر وأنفعه وأوجبه ما كان خبرًا عن الله كنصف الفاتحة وسورة الإخلاص، وأفضل الإنشاء الذي هو الطلب، وأنفعه وأوجبه، ما كان طلبًا من الله كالنصف الثاني من الفاتحة والمعوذتين (١). وقال القرطبي: قال بعض العلماء فجعل الله - جل وعز - عُظْمَ الدعاء وجملته موضوعًا في هذه السورة، نصفها فيه مجمع الثناء، ونصفها فيه مجمع الحاجات وجعل هذا الدعاء الذي في هذه السورة أفضل من الذي يدعو به الداعي، لأن هذا الكلام قد تكلم به رب العالمين، فأنت تدعو بدعاء هو كلامه الذي تكلم به، وفي الحديث: "ليس شيء أكرم على الله من الدعاء (٢) " (٣). فتبين مما سبق مدى عناية القرآن الكريم بالدعاء وافتتاحه به واختتامه به وهذا دليل واضح على منزلة الدعاء ومكانته. ٢ - إن الله قد سمى الدعاء الدين، في غير موضع من كتابه. قال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان: ٣٢]. وقال سبحانه: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]. وقال ﷻ ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ

стр. 280

الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢)﴾ [يونس: ٢٢]. وقال عز من قائل: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (١٤)﴾ [غافر: ١٤]. وقال جل ثناؤه: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥]. وقال ﵎: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩)﴾ [الأعراف: ٢٩]. ففي هذه الآيات سمى الله الدعاء دينًا فأخبر في الآيات الثلاث الأول أن المشركين يخلصون له الدين في الشدائد، وأمر في الآيات الثلاث الأخيرة بإخلاص الدين له، والدين معناه دعاء المسألة في الثلاث الأول وذلك واضح من سياق الآيات. وأما الثلاثة الأخيرة فتحتمل المعنيين، دعاء العبادة ودعاء المسألة، فيكون مما استعمل الدعاء فيه في المعنيين جميعًا بإطلاقه على الحقيقة المتضمنة للأمرين جميعًا. فإذا ثبت هذا نقول: قد علم أن الدين يشمل أعمال الإسلام كلها، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. وقال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]. وقد قال النبي ﷺ في حديث جبريل: "أتاكم ليعلمكم دينكم" (١)، فشمل هذا الإسلام والإيمان والإحسان.

стр. 281

فتبين من هذا أن الدين عام لجميع ما جاء به الرسول ﷺ من إسلام وإيمان وإحسان، وقد أطلق مع شموله هذا على الدعاء فدل على أهميته العظيمة ومنزلته الرفيعة. ومن هنا يتبين عظمة الدعاء وأهميته وأنه الدين كله وأنه "من أفضل العبادات وأجل الطاعات، ولهذا أخبر أنه الدين فذكره معرفًا بالألف واللام" (١). ٣ - إن الله قد سمى الدعاء عبادة في غير موضع من كتابه وكذلك سماه النبي ﷺ العبادة كما ثبت في الحديث الصحيح. ومما ورد من تسمية الله الدعاء عبادة، قوله تعالى في قصة إبراهيم مع أبيه: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٨ - ٤٩]. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠]. وقد تقدم ضرب الأمثلة المتنوعة في ذلك في ذكر المناسبة بين الدعاء والعبادة (٢). وقد علم فضل العبادة ومكانتها وأن الله ما خلق الجن والإنس إلا من أجلها قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]. ٤ - إن الله توعد من ترك الدعاء للاستكبار بدخول جهنم ذليلًا حقيرًا، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ

стр. 282

الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠]. وهذا وعيد شديد لمن لم يدع الله تعالى ويلتجيء إليه استكبارًا وترفعًا، ومن هنا ذهب بعضهم إلى وجوب الدعاء كما سيأتي. وقد استدل بعضهم على أهمية الدعاء بقوله تعالى: ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] وأن الآية تدل على ذم من يترك الدعاء فمعنى ﴿يَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ أي لا يمدونها إلينا في سؤال، هكذا قال بعضهم (١). ولكن التفسير المأثور عن مجاهد، أنهم لا يبسطونها بنفقة في حق الله، وعن قتادة: لا يبسطونها بخير (٢). وهذا التفسير هو اللائق بسياق الآيات. ٥ - إن الدعاء يشتمل على خصائص جليلة ومزايا كثيرة لا توجد في غيره من أنواع العبادات، فمن تلك الميزات والخصائص (٣): أ - نفع الدعاء يقع في الحياة والممات حيث ثبت انتفاع الميت بدعاء الأحياء من ولد أو والد أو قريب أو صديق، قال ﷺ : "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة"، وفيه: "أو ولد صالح يدعو له" (٤). وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠]. وصلاة الجنازة هي دعاء للميت، فالدعاء يصل ثوابه للمدعو له إجماعًا بخلاف غيره من أنواع العبادات، ففي وصولها إليه خلاف. إلا أنه يشاركه في هذه الميزة الصدقة. ب- سهولة الدعاء وعدم تقيده بزمان ولا مكان ولا حال، بخلاف

стр. 283

غيره من العبادات إلا أنه يشاركه في هذه الميزة الذكر، وهو دعاء أيضًا كما مر. جـ- اشتماله على حضور قلبي لا يوجد في غيره، فإن من تعبد بالصلاة أو الصوم أو الحج أو غيرها، يغلب عليه فيها الغفلة، فإذا دعا استدعى ذلك منه مزيد حضور في قلبه، ولهذا ورد فيه أنه مخ العبادة دون غيره من العبادات، لأن المخ هو المغذي للأعضاء والمقوم لاستدامة بقائها، فالدعاء شبه به لأنه يعمل هذا العمل، ومنه يتضح أن الدعاء: "يفتح بابًا عظيمًا من المحاضرة ويجعل الانقياد التام والاحتياج إلى رب العالمين في جميع الحالات بين عينيه". د - اشتماله على التذلل وإظهار الفاقة وذل العبودية وعز الربوبية، فاشتماله على هذه المزايا والخصائص يدل على أهمية الدعاء ومكانته. ٦ - إن الدعاء يجتمع فيه من أنواع العبادات ما لا يجتمع في غيره، فالدعاء يتضمن أنواعًا كثيرة من العبادات، ولذلك ورد في الحديث: "الدعاء هو العبادة" وفي رواية: "مخ العبادة". وذلك لأنه يجتمع فيه من أنواع العبادات ما لا يجتمع في غيره، وإليك بعض ما يشتمل عليه من العبادات: ١ - توجه القلب إلى المدعو، وقصده بكليته. ٢ - رجاء إجابته للدعاء والرغبة إليه رغبة صادقة مع قطع الرجاء والأمل عن غيره. ٣ - الخوف من عدم إجابته، والرهبة والخشية منه. ٤ - التوكل والاعتماد عليه في قضاء الحاجات، وإجابة الدعوات ونيل الرغبات. ٥ - تعظيم المدعو بأنواع التعظيم من التضرع والتذلل والخضوع والتملق والانطراح بين يديه، والابتهال إليه. ٦ - ذكر المدعو باللسان، واللهج باسمه في السر والعلن، وندائه والاستغاثة به والهتاف باسمه.

стр. 284

٧ - محبة المدعو، فإن النفس مولعة بحب من يحسن إليها ولا إحسان أفضل من إجابة ملهوف وإغاثة مكروب، وإعانة مضطر. ٨ - التواضع، وإظهار الافتقار والعجز، والتبري من الحول والقوة. ٩ - ما يتبع هذه الأمور من البكاء ورفع الأيدي إلى السماء. فهذه الأنواع من العبادات من أعظم أعمال القلوب، كما إن النداء وذكر المدعو واللهج باسمه من أعظم أعمال اللسان والذكر، كما إن الخشوع والتضرع ورفع الأيدي إلى السماء من أعظم أعمال الجوارح، فالإخلاص في هذه الأنواع من العبادات يعد من الإخلاص في أهم أعمال القلوب التي يتقرب بها إلى الله تعالى والتي هي أفضل من الأعمال البدنية، والأعمال المالية من حيث الجملة، والإشراك في هذه الأعمال يعد من الإشراك في أهم الأعمال القلبية التي هي أفضل أنواع العبادات والقربات، كما إن فيه إشراكًا في أنواع مهمة من الأعمال البدنية، فحصل بهذا أن الشرك في الدعاء شرك في العبادة والقصد والطلب، ومن هنا جاءت عناية القرآن الكريم بالتحذير من الشرك في الدعاء وهذا هو الوجه التالي. ٧ - ومما يدل على أهمية الدعاء ومنزلته عناية القرآن الكريم بموضوع الشرك في الدعاء، وذلك لأن الضد يظهر به حسن ضده كما قيل: والشيء يظهر حسنه الضد (١). وقيل أيضًا: وبضدها تتبين الأشياء (٢). فضد دعاء الله تعالى هو دعاء غيره تعالى، وقد اعتنى القرآن الكريم

стр. 285

ببيان موضوع دعاء غير الله تعالى بيانًا شافيًا نكاد أن نقول بدون مبالغة: إنه لم يعتن بأي موضوع آخر مثل ما اعتنى بهذا الموضوع. وهذا البيان المتناهي والاعتناء البالغ يمكن تصويره، وتصوير سببه بالأوجه التالية: ١ - إن هذه المسألة (١): "هي أعظم مسألة خالف رسول الله ﷺ فيها المشركين، فإنهم كانوا يتعبدون بإشراك الصالحين في دعاء الله تعالى وعبادته" يريدون بذلك شفاعتهم ووساطتهم، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، فأتى رسول الله ﷺ بهدم هذه العقيدة والأمر بإخلاص الدعاء الله وحده. فالشرك في الألوهية هو السبب الرئيسي في الخلاف بين الرسول ﷺ وبين المشركين، وأما الخلاف في الربوبية وفي الإلحاد في الأسماء والصفات فنادر، فلم يكن الخلاف فيهما يقرب من الخلاف في توحيد العبادة، ثم إن الشرك في دعاء المسألة أكثر من الشرك في غيره من أنواع العبادات، ويوضح هذا الوجه التالي: ٢ - إن أغلب شرك الأوائل الذين أرسل إليهم الرسول ﷺ كان في الدعاء، فالشرك في الدعاء هو الأكثر انتشارًا ووقوعًا بينهم من أنواع الشرك الأخرى كالنذر والذبح والطواف والسجود من أنواع الشرك في الألوهية والعبادة، وذلك لأن هذه الأمور لا يمكن وقوعها كل وقت وزمان ولا في كل مكان، كما أن الحاجة إليها أقل من الحاجة إلى الدعاء. إذ الافتقار والاحتياج من لوازم الإنسان، ومن هنا كان دعاء الصالحين والاستغاثة بهم هو الأكثر وقوعًا وانتشارًا لأن الإنسان المشرك
следующие страницы →