وذكر الله أيضًا أن الاستغفار يمنع من نزول العذاب، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ [الأنفال: ٢٣]، فدلت هذه الآيات على أن الاستغفار والتوبة من جملة الأسباب المشروعة، وتقدم (١) أن الاستغفار نوع من أنواع الدعاء فثبت أن كليهما من الأسباب، وقد كان لهما الأثر العظيم في هذه الأمور المذكورة في الآيات السابقة فلولاهما لما حصلت هذه الأشياء، فدل على أنهما سببان في ذلك وأن وجودهما ليس كعدمهما.
والحاصل أن القرآن من أوله إلى آخره صريح في ترتب الجزاء بالخير والشر والأحكام الكونية والأمرية على الأسباب، بل في ترتب أحكام الدنيا والآخرة ومصالحهما ومفاسدهما على الأسباب والأعمال ترتب الجزاء على الشرط والمعلول على العلة والمسبب على السبب، وهذا بمختلف الصيغ والأساليب المتنوعة الكثيرة في مواضع كثيرة، وهذه المواضع تزيد في القرآن الكريم على ألف موضع كما قاله (٢) ابن القيم ﵀، بل ذكر ابن القيم في موضع آخر أن ما يفيد إثبات الأسباب من القرآن والسنة لو تتبع لزاد على عشرة آلاف موضع، وأن ذلك حقيقة وليس مبالغة (٣).
وأما السنة الدالة على تأثير الدعاء فأكثر من أن تحصر فقد تواتر عنه إلا الله ﷺ أمران: الأول: فعله للدعاء، والثاني: حثه ﷺ وترغيبه في الدعاء، وقد ذكر تواتر الأمرين عنه الكتاني (٤) في رسالته في الأحاديث المتواترة (٥).
стр. 352
فلهذا نكتفي بإيراد بعض الأحاديث الدالة على المراد، من ذلك:
١ - قوله ﷺ فيما رواه أنس ﵁: "لكل نبي دعوة دعاها لأمته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي، هذا لفظ مسلم، وفي البخاري: لكل نبي سأل سؤالًا - أو قال لكل نبي دعوة قد دعا بها - فاستجيب، فجعلت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة" (١).
٢ - حديث أنس بن مالك الآخر، قال: بينما النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة إذ قام رجل فقال: يا رسول الله هلك الكراع وهلك الشاء، وفي رواية وجاع العيال وفي رواية أخرى هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله أن يسقينا، فمد يديه ودعا، وفي رواية وما نرى في السماء قزعة فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته، فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة ثم جاء ذلك الرجل أو غيره في الجمعة المقبلة فقال: تهدمت البيوت وانقطعت السبل فادع الله يمسكها فرفع يديه فقال: اللهم حوالينا ولا علينا، فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت" (٢).
٣ - حديث النزول، وهو حديث مشهور مستفيض متواتر (٣)، ومن طرقه ما رواه أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: من يدعوني
стр. 353
فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ " (١).
دلالة الفطرة على تأثير الدعاء:
الإنسان من طبيعته أنه إذا كان في سعة وعافية نسي ربه وتمرد وعصى، وإذا وقع في شدة وضيق تحركت فطرته ومشاعره واتجه إلى الله ونسي ما كان يدعو من قبل وهنا يوقن أنه لا منقذ إلا الله، وتنكشف عنه الحجب ويزول الرين، وتذهب الغشاوة وينطرح بين يدي الله منكسرًا متواضعًا مبتهلًا متضرعًا باكيًا ويجأر إلى الله كاشف السوء مجيب المضطرين غياث المغيثين منقذ الهالكين، وجابر المنكسرين، ومنقذ الغرقى وسامع النجوى.
فكم من ملحد نزلت به ضائقة آب إلى الله (٢)، وكم من شارد فاسق وقع في مأزق تاب إلى الله ورجع إلى طاعته.
فالفطرة خير شاهد وأقوى دليل وأنصع برهان، وأوضح حجة لأنها تحتاج إلى تركيب مقدمة وإقامة أدلة جدلية واستنتاج، ودليلها لا يمكن مقاومته ولا دفعه بالشبهات والوساوس، ألا ترى الإنسان إذا ما وقع في مصيبة يتجه مباشرة إلى السماء ويرفع يديه قائلًا: يا رب يا رب.
وهذه الحالة تهجم عليه وتسيطر على تفكيره وشعوره، وتجعله يشعر أنه لا منقذ ولا منجي ولا مغيث إلا الله .
فلو لم تدل الفطرة على تأثير الدعاء لما اتجهت إلى الدعاء ولكانت تلجأ إلى وسائل أخرى للاستغاثة والاستعانة.
وقد ذكر الله طبيعة الإنسان هذه في عدة آيات، منها:
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا
стр. 354
فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢].
وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الزمر: ٨].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (٥١)﴾ [فصلت: ٥١].
وقال ﷻ ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢)﴾ [يونس: ٢٢].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧)﴾ [الإسراء: ٦٧].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢)﴾ [لقمان: ٣٢].
فالإنسان في مثل هذه الشدائد ينسى تلك الأشياء التي كان يتعلق بها ويرجع إلى ربه فتحصل له معرفة قوية من أقوى ما يكون من المعارف، فإن المعارف التي تحصل في النفس بالأسباب الاضطرارية أثبت وأرسخ من المعارف التي ينتجها مجرد النظر القياسي الذي ينزاح عن النفوس في مثل هذه الحال" (١) وقد تقدم ما يتعلق بهذا (٢).
стр. 355
دلالة العقل السليم على تأثير الدعاء:
فالعقل السليم يدل على تأثير الدعاء لأن العقل دل على وجود الله تعالى وأنه الفعال لما يريد وأنه لا معقب لحكمه.
فإذا سلم العقل هذا فلا يمتنع من أن الفاعل المختار يجعل الأشياء مرتبطة بأسبابها وعللها ويرتب مصالح العباد في دنياهم وأخراهم على الأسباب وينظم الكون بأجمعه ويربط بعضه ببعض على أسباب وعلل إذا وجدت وجدت مسبباتها ومعلولاتها فالعقل يسلم بهذا ولا ينكر بل يعترف.
ومن المعلوم أن الشرع لا يأتي بما يحيله العقل السليم الذي لم تدنسه لوثة الشبهات والشهوات وإن كان الشرع قد يأتي بما يحار فيه العقل ويعجز عن إدراكه مفصلا (١).
وأن العقل البشري قاصر الإدراك لا يحيط حتى بالمحسوسات فكيف بالأمور المعنوية التي ليست تحت التجربة والمشاهدة.
ثم إن العقل يرى آثار الأدعية وإجابتها وما يحصل بالدعوات من كشف الكربات ونيل الرغبات ويرى ترتب ذلك كله على الدعاء ترتبًا متكررًا وواقعًا، فلا يرى لهذا عللًا غير الدعاء فلا بد أن يصدق ذلك.
دلالة الواقع التاريخي:
فقد استفاض في التاريخ وتواتر إجابة الله تعالى لنداء المضطرين وابتهالات المنكسرين، وتضرع المساكين واستغاثة المستغيثين، وتملق الخاشعين.
وقد ثبت على مدى التاريخ ما يفيد بالمجموع تواتر ذلك وإن لم يتواتر أفراد تلك الوقائع.
стр. 356
ولا مانع من إيراد بعض تلك الوقائع التاريخية على سبيل التمثيل لا الحصر وإليك ذلك:
أ - ما ذكر الله تعالى في القرآن الكريم من قصص أنبيائه ورسله مثل نداء، نوح، وإبراهيم وأيوب ويونس وغيرهم ﵈، وقد سبق ذكر ذلك ولله الحمد.
ب - ما ثبت في السنة الصحيحة من ذلك وإليك بعض الأمثلة:
١ - قصة (١) أصحاب الغار الذين توسلوا بصالح أعمالهم بعد أن انطبقت عليهم الصخرة فأنقذهم الله فخرجوا سالمين.
٢ - قصة أويس القرني حيث روى مسلم عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: "إن رجلًا يأتيكم من اليمن يقال له أويس لا يدع باليمن غير أم له قد كان به بياض، فدعا الله فأذهبه عنه إلا موضع الدينار أو الدرهم، فمن لقيه منكم فليستغفر لكم (٢).
٣ - قصة (٣) جريج الراهب الذي دعا الله تعالى وصلى لما اتهم فأنطق الله الغلام فبرأه.
جـ - ما حفظه التاريخ الموثق من إجابة الله تعالى للمستغيثين به، ولا نستطيع أن نذكر كل ما حصل من ذلك لأنه أمر يتجدد كل لحظة، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾ [الرحمن: ٢٩] ويكفي لمعرفة ما وقع من ذلك الاطلاع على الكتب المصنفة في الفرج بعد الشدة (٤) وغيرها كالكتب التاريخية.
стр. 357
ففي هذه الكتب وقائع كثيرة جدًّا فيها بيان أخبار الذين وقعوا في كرب وشدة وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وانقطعت بهم الحيل فالتجأوا إلى الله تعالى بصدق وإخلاص فجاءهم الفرج بعد الشدة والسعة بعد الضيق والسرور والفرح بعد الغم والهم.
ولا يزال التاريخ إلى الآن يشهد بذلك فكم يقع يوميًا من ذلك ولا ينكر هذا إلا معاند مكابر.
وليس يصح في الأذهان شيء … إذا احتاج النهار إلى دليل
تجارب الأمم:
وقد دلت تجارب الأمم على اختلاف أجناسها ومللها ونحلها على أن التقرب إلى رب العالمين، وطلب مرضاته والالتجاء إليه والانطراح بين يديه والبر والإحسان إلى خلقه من أعظم الأسباب الجالبة لكل خير، وأضدادها من أكبر الأسباب الجالبة لكل شر، فما استجلبت نعم الله واستدفعت نقمه بمثل طاعته والتقرب إليه بأنواع الطاعات، والرغبة إليه والاستعانة به والإحسان إلى خلقه فهذا مجرب عند جميع الأمم على مدى التاريخ (١)، وهو أمر معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم، وأهل الأرض كلهم مقرون به، لأنهم جربوه (٢).
ومن هنا كان اعتقاد تأثير الدعاء من الأصول المسلمة المقررة لدى مشركي العرب وغيرهم فلهذا أتى الدين الإسلامي بتقرير ذلك وتأكيده ولكنه نقحه وهذبه من الشوائب التي زادوها من الشرك فيه، وصرفه لمن لا يستحق.
قال الدهلوي ﵀ بعد أن ذكر الأصول المسلمة لدى المشركين: "ومنها … أن هنالك لأدعية الملائكة المقربين وأفاضل
стр. 358
الآدميين تأثيرًا بوجه من الوجوه، لكن صار في أذهانهم متمثلًا بشفاعة ندماء الملوك إليهم" (١).
ويدل على اعتقاد المشركين بتأثير الدعاء أدلة كثيرة، نكتفي منها بمثالين:
المثال الأول: قصة قريش مع رسول الله ﷺ في رميهم الأذى على ظهر رسول الله ﷺ وهو يصلي عند الكعبة قال عبد الله بن مسعود ﵁: "فلما قضى النبي ﷺ صلاته رفع صوته، ثم دعا عليهم … ثم قال: "اللهم عليك بقريش ثلاث مرات فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك وخافوا دعوته"، وفي رواية للبخاري: وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة" (٢).
وهذا يدل على أن قريشًا تعتقد أن الدعاء مجاب في البلد الحرام، قال الحافظ ابن حجر ﵀: ويمكن أن يكون ذلك مما بقي عندهم من شريعة إبراهيم ﵇ (٣).
والمثال الثاني: قصة قتل خبيب بن عدي فإنه لما أرادوا قتله، صلى ركعتين ودعا عليهم: اللهم أحصهم عددًا واقتلهم بددًا ولا تبق أحدًا" فلما سمعوا دعاءه هذا ألقى أبو سفيان ابنه معاوية على الأرض، فَرَقًا من دعوة خبيب وكانوا يقولون إن الرجل إذا دعي عليه، فاضطجع لجنبه زالت عنه (٤).
стр. 359
دلالة المشاهدة والحس:
إن المشاهدة لتأثير الدعاء لمن أكبر الأدلة وأصدقها برهانًا وأقواها حجة، فنحن رأينا وشاهدنا في أنفسنا ومن حولنا تأثير الدعاء، فمن منا لا يقع في شدة وكرب وضيق ثم يستغيث بربه فلا يرى أثر ذلك؟ فنحن نشاهد في حياتنا وأيامنا القصيرة وقائع لنا ولغيرنا يحصل فيها إجابة الدعاء بعد يأس وقنوط من المخلوقات، وبعد انقطاع السبل والحيل، فهذا يكفي وحده للدلالة لكن الإنسان يجادل، ويكابر قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ الكهف: ٥٤] ولا يعترف ولا يعتبر بما وقع له أو لغيره بل يحاول أن يتناسى ذلك، ولا يأخذ منه أي عبرة ودرس، ويصل به الأمر إلى إنكار مشاهداته وإحساساته لاسيما إذا تأثر بلوثة الشبهات والأفكار المنحرفة .. فنسأل الله تعالى أن يهدينا سواء السبيل.
وبهذا نصل إلى أن الحق الذي لا مرية فيه أن الدعاء سبب من الأسباب وأن له تأثيرًا في جلب المنافع ودفع المضار كسائر الأسباب المقدرة والمشروعة، وأنه لا منافاة بين القدر والدعاء، فالدعاء من جملة ما سبق به القضاء وتضمنه القدر السابق.
الجواب عن الاعتراض بأن الدعاء قد أثر في الله تعالى:
فإذا ثبت - ولله الحمد - بالأدلة الصحيحة أن الدعاء له أثر عظيم في المطلوب من جلب نفع ودفع ضر.
فلا يتوهمن (١) متوهم أن ذلك تأثير من العبد السائل في الله المسؤول، تعالى عن ذلك وتقدس.
وذلك لأن الله سبحانه هو الذي حرك العبد إلى الدعاء ويسره له وهو
стр. 360
الذي قذف في قلب العبد الحركة إلى الدعاء وألهمه التضرع والابتهال والانطراح بين يديه ووفقه لذلك وصرف عنه الموانع من استكبار وإلحاد وكسل وغير ذلك، فهذا الخير والتوفيق منه ولولا هذا الإلهام لما دعا العبد، وقد قال عمر ﵁: إني لا أحمل هم الإجابة، وإنما أحمل هم الدعاء، ولكن إذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه".
وأخذ الشاعر هذا المعنى فنظمه فقال:
لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه … من جود كفيك ما علمتني الطلبا
فإذا أراد الله بعبد خيرًا ألهمه دعاءه والاستعانة به وجعل استعانته ودعاءه سببًا للخير الذي قضاه له.
كما أن الله تعالى إذا أراد أن يشبع عبدًا أو يرويه ألهمه أن يأكل أو يشرب، وإذا أراد أن يتوب على عبد ألهمه أن يتوب فيتوب عليه، وإذا أراد أن يرحمه ويدخله الجنة يسره لعمل أهل الجنة، والمشيئة الإلهية هي التي اقتضت وجود هذه الخيرات بأسبابها المقدرة لها كما اقتضت وجود دخول الجنة بالعمل الصالح ووجود الولد بالوطء، والعلم بالتعلم، فعلم بهذا أن إلهام الله لعبده الدعاء هو السبب الرئيسي في القضية فلهذا قال عمر ﵁ ما تقدم، وقال أبو حازم الأعرج: "لأن أحرم الدعاء أشد علي من أن أحرم الإجابة" (١).
فمبدأ الأمور من الله وتمامها من الله تعالى قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥)﴾ [السجدة ٥]، فأخبر سبحانه أنه يبتدئ بتدبير الأمر ثم يصعد إليه الأمر الذي دبره ..
وقد قال مطرف بن عبد الله بن الشخير أحد أئمة التابعين: نظرت في
стр. 361
هذا الأمر فوجدت مبدأه من الله وتمامه على الله ووجدت ملاك ذلك الدعاء (١).
ومما يدل على هذا حديث ابن عمر مرفوعًا: "من فتح له منكم باب الدعاء فتحت له أبواب الرحمة" (٢).
وهذا الذي تقدم مستقيم على أصول أهل السنة المؤمنين بالقدر وأن الله خالق كل شيء وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
ولكنه يناقض قول القدرية: "فإنهم إذا جعلوا العبد هو الذي يُحْدِث ويخلق أفعاله بدون مشيئة الله، وخلقه لزمهم أن يكون العبد قد جعل ربه فاعلًا لما لم يكن فاعلًا له فبدعائه جعله مجيبًا له وبتوبته جعله قابلًا للتوبة" (٣).
وهؤلاء القدرية فروا من القول بالقدر ظنًا منهم بأنه يستلزم الظلم للعبد، ولكنهم وقعوا في هذا اللازم الذي في غاية الشناعة وهكذا كل من يترك الكتاب والسنة لما يتخيله بعقله القاصر فإنه لا بد أن يقع في محذور شر من المحذور الذي فر منه أو مثله، فمن ذلك المعطلة الذين فروا من إثبات صفات الله تعالى فرارًا من التشبيه بالمخلوق فوقعوا في التشبيه بالمعدوم فوقعوا في شر مما فروا منه قال شيخ الإسلام ﵀: وهؤلاء جميعهم يفرون من شيء فيقعون في نظيره بل وفي شر منه مع ما يلزمهم من التحريف والتعطيل (٤).
стр. 362
والذي يعصم من مثل هذه المحاذير هو الاعتصام بالكتاب والسنة واتباع السلف الصالح في فهمهما ونسأل الله تعالى أن يرزقنا حسن الاتباع ويجنبنا الابتداع.
стр. 363
الفصل الثالث في حكم الدعاء الشرعي
يشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: في أقوال العلماء في حكم الدعاء.
المبحث الثاني: في كون الراجح جريان الأحكام الخمسة فيه.
стр. 364
المبحث الأول في أقوال العلماء في حكم الدعاء
أقوال العلماء في حكم الدعاء:
اختلف العلماء في حكم الدعاء فمن قائل بالوجوب، ومن قائل بالاستحباب، ومن قائل غير ذلك .. وإليك تفصيل ذلك:
١ - قال بعضهم: إن الدعاء واجب، بل هو من أهم الواجبات، وأعظم المفروضات (١). ويدل لهذا القول عدة أدلة نذكر منها ما يأتي:
أ - قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].
وجه الدلالة:
١ - الأمر في قوله: ﴿ادْعُونِي﴾ والأمر للوجوب، ولا صارف له (٢).
٢ - الآية تدل على أن ترك العبد دعاء ربه من الاستكبار وهو كفر، وتجنب ذلك واجب لا شك فيه (٣).
стр. 365
ب - قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]، ولا صارف لهذا الأمر عن الوجوب.
جـ - قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥] ولا صارف له أيضًا.
د - قوله تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ [العنكبوت: ١٧] "وهذا أمر والأمر يقتضي الوجوب، فالاستغاثة بالله واللجأ إليه في أمر الرزق وغيره أصل عظيم".
هـ - قوله ﷺ : "من لم يسأل الله يغضب عليه" (١).
وهذا دليل واضح على الوجوب لأن تجنب ما يغضب الله منه لا خلاف في وجوبه (٢). وذلك لأن الغضب لا يكون إلا على ترك واجب أو فعل محرم (٣).
وقد ذهب إلى الوجوب الشوكاني (٤) ونسبه الزركشي (٥) إلى بعض الأئمة.
стр. 366
وقد صرح الخطابي بالوجوب إلا أن كلامه يحتمل أنه يريد بالوجوب التأكد والاستحباب لوقوعه في مقابل القائلين بعدم نفع الدعاء (١).
وذكر ابن القيم أن من الدعاء ما هو واجب (٢)، وهذا هو الصحيح كما سيأتي.
٢ - وقال آخرون: إن الدعاء مستحب، وقد نسب الإمام النووي هذا المذهب إلى الجمهور فقال: "اعلم أن المذهب المختار الذي عليه الفقهاء والمحدثون وجماهير العلماء من الطوائف كلها من السلف والخلف، أن الدعاء مستحب) (٣)، ويدل لهذا المذهب الأدلة التي سبق الاستدلال بها في المذهب الأول نظرًا لاشتراك المذهبين في كون الدعاء مشروعًا إلا أن هذا المذهب يحمل تلك الأدلة على الاستحباب كما سيأتي في مناقشة أدلة الوجوب.
وهذا المذهب هو الأقرب إلى الصواب.
٣ - وقالت طائفة: إن الأولى ترك الدعاء والخمود تحت جريان الحكم، والرضا بما سبق به القدر (٤)، فحكم الدعاء عند هؤلاء أنه خلاف الأولى.
٤ - وقالت طائفة (٥): يكون صاحب دعاء بلسانه ورضا بقلبه ليأتي بالأمرين جميعًا.
стр. 367
٥ - وآخرون ذهبوا إلى أن الدعاء تارة يكون أفضل وتارة يكون السكوت أفضل وذلك يختلف بحسب الأوقات، والأحوال، وهؤلاء اختلفوا على أقوال:
١ - قيل: ما كان للمسلمين فيه نصيب، أو لله فيه حق، فالدعاء أولى، وإن كان لنفسك فيه حظ فالسكوت أتم.
٢ - وقيل: إذا وجد في قلبه إشارة إلى الدعاء فالدعاء أفضل، وإذا وجد إشارة إلى السكوت فالسكوت أتم.
وذهب إلى اختيار القول بالإشارة القشيري، واعترض الحافظ عليه بأنه لا يتأتى من كل أحد (١).
٣ - وقيل لا يدعو إلا بطاعة ينالها أو خوف سخط، فإن دعا بسوى ذلك فقد خرج عن حد الرضا (٢) أي لا يدعو بما يتعلق بأمور الدنيا.
هذه الأقوال الأربعة الأخيرة، ذهب إليها المتصوفة، وقد استدلوا لما ذهبوا إليه بحجج نذكرها ثم نناقشها بما يسره الله تعالى.
ومن حجتهم حديث ابن عباس ﵄ في المرأة التي كانت تصرع حيث قال لها النبي ﷺ : "إن شئتِ صبرت ولك الجنةُ، وإن شئتِ دعوتُ اللَّهَ أن يعافيَكِ، فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكَشَّف فادعُ الله أن لا أَتكشَّفَ، فدعا لها" (٣).
وحديث جابر ﵁ في شكاية أهل قباء الحمى إلى النبي ﷺ وقوله لهم: "ما شئتم، إن شئتم أن أدعو الله لكم فيكشفها عنكم وإن شئتم أن تكون لكم طهورًا؟، قالوا: يا رسول الله أوَ تفعل؟، قال: نعم، قالوا: فدعها" (٤).
стр. 368
وحديث: "من شغله ذكري عن مسألتي أعطيه أفضل ما أعطي السائلين" (١).
مناقشة هذه الأقوال:
مناقشة أدلة الوجوب:
أ - يجاب عن استدلالهم بالآية الأولى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ بأمور:
١ - المراد بالدعاء هنا العبادة كما يدل عليه آخر الآية ﴿عَنْ عِبَادَتِي﴾ وليس المراد بها دعاء المسألة ويدل على ذلك أيضًا أنه لو كانت الآية في دعاء المسألة لم تتخلف الإجابة كما يدل عليه صيغة الشرط والجزاء وهذا يخالف الواقع ويخالف قوله تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤١].
ويمكن أن يجاب عن هذا بأن الآية تشمل النوعين: المسألة والعبادة، وأن الإجابة مشروطة بوجود شروط وفقدان موانع فلا يرد الاعتراض، وقد تقدم بحث ذلك (١).
وأجابوا عن آخر الآية بأن الوعيد خاص بمن ترك الدعاء للاستكبار وأما من تركه ولم يقصد الاستكبار فهذا لا تشمله الآية (٢).
وشذت طائفة فقالت: المراد بالدعاء في الآية: ترك الذنوب (٣).
والحاصل أن الآية ليست نصًا في الوجوب لاحتمال حملها على معنى العبادة كما يدل عليه آخر الآية.
ويمكن الإجابة عن الأمر في الآية الثانية والثالثة والرابعة بأن المقصود هو إخلاص الطلب لله تعالى وأن لا يصرف لغيره وأما أصل نفس الطلب فليس داخلًا فيها.
стр. 371
وأما الحديث فيجاب بما فيه من الكلام.
ثم يجاب أخيرًا بأنه لم يعهد من السلف من قال بوجوب الدعاء المطلق، فقد حكى شيخ الإسلام أن الدعاء لم يجب منه دعاء مفرد أصلًا إلا أنه وجب ضمن الذكر والثناء مثل دعاء الفاتحة، وما اختلف فيه من الدعاء بعد التشهد، وأما الدعاء المفرد فلم يجب (١).
مناقشة شبه المذاهب الأخيرة:
هذه المذاهب (٢) الثلاثة الأخيرة قد ذهب إليها أكثر المتصوفة وظنوا أن الدعاء يتنافى مع الرضا بالقضاء، ولا يمكن الجمع بينهما كما ظنوا أن في الدعاء معارضة لحكم الله وقضائه، ومعاندة له، وأنه ينافي التوكل.
ومن هنا ذهبوا إلى أن الأولى: السكوت عن الدعاء والتسليم للمقدور وتفويض الأمر إلى الله تعالى، وظنوا أن هذا هو الرضا المطلوب شرعًا، وبلغ بهم الأمر إلى ما نقل عن بعضهم أنه قال:
"الرضا أن لا تسأل الله الجنة ولا تستعيذ به من النار" (٣).
وروي عن آخر أنه قال: "الرضا أنه لو جعل الله جهنم عن يمينه ما سأل أن يحولها إلى يساره" (٤).
وقال بعضهم: "التوكل على الله تعالى بكمال الحقيقة ما وقع لإبراهيم ﵇ في الوقت الذي قال لجبريل ﵇: أما إليك فلا، لأنه غابت نفسه بالله تعالى فلم ير مع الله غير الله " (٥).
стр. 372
وهذا يشير إلى أنهم اعتمدوا في مذهبهم على ما روي عن إبراهيم الخليل ﵇ من قوله: علمه بحالي يغني عن سؤالي وقد تقدم ما فيه.
واستنبط لهم ابن أبي جمرة (١) دليلًا آخر وهو أن النبي ﷺ أخَّر الدعاء للاستسقاء حتى طلبوه منه، وإنما أخَّر ذلك لأن مقام التفويض أفضل (٢).
وقد رد الشيخ عبد العزيز بن باز - حفظه الله - على هذا الكلام بقوله: "في هذا نظر، والصواب أن الأخذ بالأسباب والبدار بالدعاء، والاستغاثة عند الحاجة أولى وأفضل، وسيرته ﷺ وسيرة أصحابه ﵃ تدل على ذلك، ولعله إنما أخر الدعاء لأسباب اقتضت ذلك غير التفويض، فلما سأله هذا السائل بادر بإجابته، وذلك عن إذن الله سبحانه وتشريعه، لأنه ﷺ لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، والله أعلم" (٣).
ويمكن أن يجاب عن حديث المرأة التي تصرع وحديث الأنصار في أمرهم بالصبر بأنه رأى منهم الجزع وقلة الصبر فأمرهم بذلك أو أنه أوحي إليه أنه لا يكشف عنهم في ذلك الوقت وأخر الدعاء، قاله الزركشي وتبعه الزبيدي (٤).
ويدل قوله في حديث المرأة: "إن شئت صبرت ولك الجنة" على أن الابتلاء أفضل لها لما يترتب عليه من دخول الجنة فلهذا دعا لها في قضية التكشف مما يدل على أن الدعاء أفضل إذا لم يعارضه ما هو أولى.
стр. 373
ثم إنه يلزم من كلامهم عدة محذورات، منها:
١ - ترك الدعاء الذي أمرنا الشارع به وهو عبادة من أعلى أنواع العبادات، وقد أرشدنا الله تعالى إلى دعائه ولم يقيده بشيء فقال: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]، فليس في هذا تقييد بأن لا يكون من حظ النفس.
والقول بالإشارة القلبية لا يمكن أن يذهب إليه لأنه يحتمل أن تكون لَمَّةً شيطانية فربما يوسوس له الشيطان فيترك طلب ما يكون الأولى له طلبه من المصالح الدنيوية والأخروية.
ثم يفوت العبد بهذه الوساوس الاستعانة بالله والتضرع إليه واللجأ إليه والتملق له إلى غير ذلك من الفوائد التي اشتمل عليها الدعاء، ثم إن الإشارة القلبية لا تتأتى من كل أحد (١).
ثم هو معارض بما ثبت وتواتر من دعائه ﷺ بكشف البلايا كالاستسقاء ونحوه، ويمكن أن يقال أيضًا: إن ذلك خاص بالحمى لأن فيها كفارة كما ورد في أحاديث أخرى، وكذلك خاص بتلك المرأة لما ذكر لها من الأجر وليس ذلك أمرًا عامًا والله أعلم. وأما حديث من شغله ذكري فيحمل على اختلاف الأحوال والأشخاص كما تقدم (٢) ولا يمكن الاستدلال به على أفضلية السكوت مطلقًا.
أصل شبهتهم:
قد التبست عليهم هذه الشبهة ودخل عليهم إبليس بسببها من جهتين:
إحداهما: ظنهم أن الرضا بكل ما يوجد في الكون أمر يحبه الله ويرضاه وأن هذا من أعظم ما يوصل إلى الله تعالى ومرضاته، فجعلوا
стр. 374
الرضا بكل حادث وبكل حال يكون فيها العبد طريقًا إلى الله تعالى.
وثانيتهما: أنهم لم يميزوا بين الدعاء المشروع المأمور به إيجابًا أو استحبابًا مثل دعاء الفاتحة والذي في آخر الصلاة، وبين الدعاء غير المشروع كالذي فيه الاعتداء.
وهاتان الجهتان غير صحيحتين لأن الطريق الموصل إلى رضا الله تعالى هو أن ترضيه بفعل ما يحبه ويرضاه من الأعمال الصالحة وليس بالرضا بكل ما يحدث، فإن الله لم يأمر بهذا، ولا رضيه، بل الله سبحانه يكره ويسخط ويبغض على أعيان أفعال موجودة لا يحصيها إلا هو، وولاية الله موافقته بحب ما يحبه وبغض ما يبغضه، وولاية من يواليه وعداوة من يعاديه لا بحب ما يكرهه ويسخطه.
هذا بالنسبة إلى الجهة الأولى ..
ثم إن الرضا الذي هو من طريق الله لا يمكن أن يتضمن ترك واجب أو مستحب فالدعاء الواجب أو المستحب لا يكون تركه من الرضا كسائر الأعمال الصالحات.
فقد تبين غلط هؤلاء من جهة ظنهم أن الرضا مشروع بكل مقدور، ومن جهة أنهم لم يميزوا بين الدعاء المشروع وغير المشروع (١).
ثم يقال ثانيًا: "هنا أمران: قضاء الله، وهو فعل قائم بذات الله تعالى، ومَقْضِيٌّ، وهو المفعول المنفصل عنه، فالقضاء كله خير وعدل وحكمة، نرضى به كله، والمقضي قسمان، منه ما يرضى به، ومنه ما لا يرضى به" (٢).
ثم إن هؤلاء لم يعرفوا أن الدعاء والتوكل والتداوي من الأسباب
стр. 375
التي شرعها الله تعالى لا يخرج الأخذ بها من الرضا بقضاء الله تعالى، كما أن من عرض له كلب الجوع لا يخرجه فزعه إلى الغذاء من التوكل والرضا بالقضاء، لأن الله تعالى جعل أسبابًا لدفع الأدواء كما جعل الأكل سببًا لدفع الجوع، وقد كان قادرًا أن يحيي خلقه بغير هذا ولكنه خلقهم ذوي حاجة فلا يندفع عنهم أذى الجوع إلا بما جعل سببًا لدفعه عنهم (١) فكذا الداء العارض والبلاء النازل قد لا يندفعان إلا بالدواء والدعاء.
فتحصل من هذا أن الدعاء والإلحاح على الله في الطلب لا يتنافى مع الرضا ولا مع التوكل، وإنما الذي ينافي الرضا ما لو ألح على الله "متحكمًا عليه متخيرًا عليه ما لم يعلم هل يرضاه أم لا كما يلح على ربه في ولاية شخص أو إغنائه، أو قضاء حاجته، فهذا ينافي الرضا لأنه ليس على يقين أن مرضاة الرب في ذلك" (٢).
стр. 376
المبحث الثاني في كون الراجح جريان الأحكام الخمسة فيه
الراجح أن الدعاء تجري فيه الأحكام الخمسة: فتارة يجب، وتارة يستحب، وتارة يباح، وتارة يكره، وتارة يحرم.
فتختلف فيه الأحكام بحسب الاعتبارات. وأما الأصل فيه بدون الاعتبارات الندب والاستحباب كما حكى ذلك النووي عن السلف فيما تقدم، وكما ذكر شيخ الإسلام أنه لم يجب دعاء مفرد أصلًا.
وقال القرافي (١): "اعلم أن الدعاء الذي هو الطلب من الله تعالى له حكم باعتبار ذاته من حيث هو طلب من الله تعالى، وهو الندب، لاشتمال ذاته على خضوع العبد لربه، وإظهار ذلته وافتقاره إلى مولاه، فهذا ونحوه مأمور به، وقد يعرض له متعلقاته ما يوجبه، أو يحرمه، والتحريم ينتهي إلى الكفر، وقد لا ينتهي" (٢).
وهذا التفصيل الذي ذكره القرافي هو الذي تدل عليه الأدلة ويجتمع به شملها ويدل على هذا أيضًا قول شيخ الإسلام: "وأما الدعاء فلم يجب منه دعاء مفرد أصلًا"، ثم ذكر دعاء الفاتحة والاستعاذة في التشهد (٣).
стр. 377
وقال أيضًا: "والقاعدة الكلية في شرعنا: أن الدعاء إن كان واجبًا أو مستحبًا فهو حسن يثاب عليه الداعي، وإن كان محرمًا كالعدوان في الدعاء فهو ذنب ومعصية، وإن كان مكروهًا فهو ينتقص مرتبة صاحبه، وإن كان مباحًا مستوي الطرفين فلا له ولا عليه" (١).
فاتضح من هذا أن الدعاء تجري فيه الأحكام الخمسة: وإليك تفصيل ذلك:
الدعاء الواجب:
الدعاء الواجب ينقسم إلى قسمين: واجب باتفاق، وواجب مختلف فيه.
فمن الواجب المتفق عليه: دعاء الفاتحة، والتوبة، والاستغفار.
ومن الواجب المختلف فيه: الدعاء الذي في آخر التشهد، ودعاء دخول المسجد والصلاة على النبي ﷺ .
وإليك نبذة في الكلام على هذه الأمور، فنبدأ أولًا بدعاء الفاتحة.
الأول: دعاء الفاتحة:
اتفق العلماء من حيث الجملة - وإن اختلفوا في بعض الصور كالمأموم - على وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة، فهي أعظم سورة في القرآن الكريم كما ثبت ذلك في الحديث (٢) الصحيح، وقد أوجب الله علينا قراءتها في كل ركعة، وكل مسلم يجب عليه أن يكررها في اليوم والليلة سبع عشرة مرة، هذا في الصلاة المفروضة عدا النوافل والسنن، وأما مع
стр. 378
النوافل الرواتب وغيرها فأكثر من ذلك بكثير، وما شرع ذلك إلَّا لحكمة جليلة وسر عظيم، وقد علم أن الصلاة أفضل ما يتقرب به العبد في الجملة: "وهي مؤلفة من كلم طيب وعمل صالح، أفضل كلمها الطيب القرآن، وأفضل عملها الصالح وأوجبه السجود" (١).
والقرآن الذي تجب قراءته على المصلي هو الفاتحة، قال ﷺ في حديث عبادة بن الصامت ﵁ المتفق عليه: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (٢).
وقال ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: "قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى عليّ عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي، فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" (٣).
فقد أطلق في هذا الحديث لفظ الصلاة على القراءة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠] "أي بقراءتك كما جاء مصرحًا به في الصحيح عن ابن عباس (٤).
وهكذا قال في هذا الحديث: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل".
стр. 379
ثم بيّن تفصيل هذه القسمة في قراءة الفاتحة، فدل على عظمة القراءة في الصلاة وأنها من أكبر أركانها إذ أطلقت العبادة وأريد بها جزء واحد منها وهو القراءة، كما أطلق لفظ القراءة والمراد به الصلاة في قوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] والمراد صلاة الفجر كما جاء مصرحًا به في الصحيحين: "إنه يشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار (١) " (٢).
وهذا كله يدل على فضل هذه السورة وفضل ما اشتملت عليه من الدعاء العظيم، وقد ثبت كما في الحديث السابق أن هذه السورة منقسمة بين الله وبين عبده وأن هاتين الكلمتين مقتسم السورة فإياك نعبد مع ما قبلها لله، وإياك نستعين مع ما بعدها للعبد وله ما سأل.
ولهذا قال من قال من السلف: نصفها ثناء، ونصفها مسألة، وكل واحد من العبادة والاستعانة دعاء، وهما نوعا الدعاء وهما جميعًا مختصان بالله حقان له لا يصلحان لغيره بل دعاء غيره بأحد النوعين شرك.
وإذا كان الله قد فرض علينا أن نناجيه وندعوه بهاتين الكلمتين في كل صلاة فمعلوم أن ذلك يقتضي أنه فرض علينا أن نعبده وأن نستعينه، إذ إيجاب القول الذي هو إقرار واعتراف، ودعاء، وسؤال، هو إيجاب لمعناه، ليس إيجابًا لمجرد لفظ لا معنى له، فإن هذا لا يجوز أن يقع، بل إيجاب ذلك أبلغ من إيجاب مجرد العبادة والاستعانة، فإن ذلك قد يحصل أصله بمجرد القلب، أو القلب والبدن، بل أوجب الله دعاءه، ومناجاته، وتكليمه، ومخاطبته بذلك، ليكون الواجب من ذلك كاملًا صورة ومعنى بالقلب وبسائر الجسد (٣).
стр. 380
مدى ضرورة الإنسان إلى هذا الدعاء (١):
الإنسان مضطر دائمًا إلى أن يهديه الله الصراط المستقيم، لأنه يحتاج كل وقت وفي كل لحظة، أن يفعل ما أمره الله به في ذلك الوقت، من علم وعمل، وأن لا يفعل ما نهى عنه، ويحتاج أيضًا إلى أن يحصل له إرادة جازمة لفعل المأمور وكراهة جازمة لترك المحظور، فإنه لا يكفي مجرد علمه إن لم يجعله الله مريدًا للعمل بعلمه، وإلا كان العلم حجة عليه ولم يكن مهتديًا، ويحتاج أيضًا إلى أن يجعله الله قادرًا على العمل بتلك الإرادة الصالحة، فهذا العلم المفصل والإرادة المفصلة والقدرة على ذلك لا يتصور أن تحصل للعبد في وقت واحد، بل كل وقت يحتاج إلى أن يجعل الله في قلبه من العلوم والإرادات ما يهتدي به في ذلك الوقت إلى الصراط المستقيم، وأن يجعله قادرًا على ذلك، ويدخل في هذا من أنواع الحاجات ما لا يمكن إحصاؤه، نعم حصل له هدى مجمل بدخوله في دين الإسلام، ولكن هذا المجمل لا يغنيه إن لم يحصل له هدى مفصل في كل ما يأتيه ويذره من الجزئيات التي يحار فيها أكثر عقول الخلق، ويغلب الهوى والشهوات أكثر عقولهم لغلبة الشهوات والشبهات عليهم، وإنما يعرف بعض قدر هذا الدعاء من اعتبر أحوال نفسه ونفوس الناس المأمورين بهذا الدعاء ورأى ما في النفوس من الجهل والظلم، فإن
стр. 381
الإنسان خلق ظلومًا جهولًا، فالأصل فيه عدم العلم وميله إلى ما يهواه من الشر، فيحتاج دائمًا إلى علم مفصل يزول به جهله، وعدلٍ في محبته وبغضه ورضاه، وغضبه، وفعله، وتركه، وإعطائه، ومنعه، وأكله، وشربه، ونومه، ويقظته.
فكل ما يقوله وما يعمله يحتاج فيه إلى علم ينافي جهله، وعدل ينافي ظلمه، فإن لم يمن الله عليه العلم المفصل والعدل المفصل، وإلا كان فيه من الجهل والظلم ما يخرج به عن الصراط المستقيم.
وقد قال تعالى لنبيه ﷺ بعد صلح الحديبية وبيعة الرضوان: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ١ - ٢]، فإذا كان هذا حاله في آخر حياته، أو قريبًا منها، فكيف حال غيره؟.
وقال في حق موسى وهرون: ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات: ١١٧، ١١٨].
والمسلمون قد تنازعوا فيما شاء الله من الأمور الخبرية العلمية الاعتقادية والعملية، مع أنهم كلهم متفقون على أن محمدًا حق، والقرآن حق، فلو حصل لكل منهم الهدى إلى الصراط المستقيم فيما اختلفوا فيه لم يختلفوا ثم الذين علموا ما أمر الله به أكثرهم يعصونه ولا يحتذون حذوه، فلو هدوا إلى الصراط المستقيم في تلك الأعمال لفعلوا ما أمروا به وتركوا ما نهوا عنه.
والذين هداهم الله من هذه الأمة حتى صاروا من أولياء الله المتقين كان من أعظم أسباب ذلك دعاؤهم الله بهذا الدعاء في كل صلاة مع علمهم بحاجتهم وفاقتهم إلى الله دائمًا في أن يهديهم الصراط المستقيم فبدوام هذا الدعاء والافتقار صاروا من أولياء الله.
ثم ما حصل فيه الهدى في الماضي فهو محتاج إلى حصول الهدى فيه في المستقبل، فالناس كلهم مضطرون إلى هذا الدعاء، ولهذا فرضه الله
стр. 382
عليهم في كل صلاة فليسوا إلى شيء من الدعاء أحوج منهم إليه وإذا حصل الهدي إلى الصراط المستقيم، حصل النصر والرزق وسائر ما تطلبه النفوس من السعادة.
فحاجة العبد إلى سؤال هذه الهداية ضرورية في سعادته ونجاته وفلاحه بخلاف حاجته إلى الرزق والنصر فإن الله يرزقه فإذا انقطع رزقه مات والموت لا بد منه، فإذا كان من أهل الهداية كان سعيدًا قبل الموت وبعده، وكان الموت موصلًا إلى السعادة الأبدية، وكذلك النصر إذا قدر أنه غلب حتى قتل فإنه يموت شهيدًا، وكان القتل من تمام النعمة.
فتبين بهذا أن الحاجة إلى الهدى أعظم من الحاجة إلى النصر والرزق بل لا نسبة بينهما لأنه إذا هدي كان من المتقين ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣].
وكان ممن ينصر الله ورسوله ومن نصر الله نصره الله وكان من جند الله وهم الغالبون، ثم أيضًا إن الهدى التام يتضمن حصول أعظم ما يحصل به الرزق والنصر، فالهدى التام - وهو أن يهتدي ويأمر غيره ويهديه بقوله وفعله ورؤيته - يتضمن الرزق والنصر لأنه إذا هدي ثم أمر وهدي غيره بقوله وفعله ورؤيته اكتمل له الهدى التام فيحصل له كل مطلوب ومقصود.
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن من ضل عن علم فهو شبيه باليهود ومن ضل عن جهل فهو شبيه بالنصارى، ثم قال: "ومن تصور الشبهين والوصفين وعلم أحوال الخلق، علم ضرورته وفاقته إلى هذا الدعاء الذي ليس للعبد دعاء أنفع منه ولا أوجب منه عليه وإن حاجته إليه أعظم من حاجته إلى الحياة والنفس لأن غاية ما يقدر بفوتهما موته، وهذا يحصل له بفوته شقاوة الأبد فنسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم" (١).
стр. 383
وبما سبق تقريره يعلم الجواب عما أورده (١) بعضهم في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ حيث قالوا: المؤمن قد هدي إلى الصراط المستقيم فأي فائدة في طلب الهدى؟
ثم يجيب بعضهم بأن المراد ثبتنا على الهدى، أو يقول بعضهم: الزم قلوبنا الهدى، ويقول بعضهم: زدني هدى، وإنما يوردون هذا السؤال لعدم تصورهم الصراط المستقيم الذي يطلب العبد الهداية إليه.
مكانة هذا الدعاء:
فاتضح مما سبق تقريره أن دعاء الفاتحة أفضل دعاء دعا به العبد ربه، وأوجب دعاء، وأنفعه، وأعظمه، وأحكمه، وهو أجل المطالب ونيله أشرف المواهب، وأنجح الرغائب، لأنه جامع لكل مطلوب لأن فيه طلب الإعانة على مرضاة الله فإذا أعين الإنسان على مرضاة الله حصل له كل خير واندفع عنه كل الشرور، وبهذا تجتمع له مصالح الدين والدنيا والآخرة.
وفيه أيضًا طلب الهداية إلى الصراط المستقيم، فإذا هدي الإنسان إلى الصراط المستقيم في علمه وعمله وأحواله كلها، لم يبق له شيء من المطالب إلا ودخل في ذلك، فسؤال الهداية متضمن لحصول كل خير، والسلامة من كل شر (٢).
وقد قال العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى: "والهداية لأفضل
стр. 384
الأعمال والأحوال والأقوال في أوقاتها المضروبة لها أفضل ما مَنَّ به الإله " (١).
ثم إن هذا الدعاء اشتمل على أكمل صيغ الدعاء من الجمع بين الثناء على المسؤول وإفراده بالطلب وسؤال الحاجة، ففي الفاتحة تعليم الله عباده كيفية سؤاله وأمرهم أن يقدموا بين يديه حمده والثناء عليه، وتمجيده وهذا أكمل أحوال السائل أن يمدح مسؤوله، ثم يسأل حاجته، وحاجة إخوانه المؤمنين ثم ذكر عبوديتهم وتوحيدهم، فهاتان وسيلتان إلى مطلوبهم: توسل إليه بأسمائه وصفاته وتوسل إليه بعبوديته، وهاتان الوسيلتان لا يكاد يرد معهما الدعاء (٢).
فتبين بهذا لماذا كان هذا الدعاء هو المفروض، دون غيره من الأدعية، ولماذا لا يقوم غير الفاتحة مقامها؟
الثاني: التوبة والاستغفار:
قد اتفق العلماء على وجوب التوبة من الذنب، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨].
وقال عز من قائل: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣].
وقال سبحانه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠].
ولفظ الأمر في هذه الآيات للوجوب إذ لا صارف له، فثبت بهذا وجوب الاستغفار وقد تقدم في التعريف (٣) أن الاستغفار نوع من أنواع الدعاء.
стр. 385
قال ابن القيم ﵀ في مناقشته لمن أنكر وجوب الصلاة على النبي ﷺ : "إن قولكم: الدعاء لا يجب باطل، فإن من الدعاء ما هو واجب، وهو الدعاء بالتوبة والاستغفار من الذنوب والهداية والعفو وغيرها" (١).
الدعاء المختلف في وجوبه:
فمن الدعاء المختلف في وجوبه:
١ - الدعاء الذي في آخر الصلاة فقد كان النبي ﷺ يدعو به في صلاته ويأمر به أصحابه.
فقد روى طاوس عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن يقول: "قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات" (٢).
فهذا الدعاء تنازع العلماء في وجوبه فأوجبه طاوس، قال مسلم بن الحجاج بعد إخراجه للحديث: "بلغني أن طاوسًا قال لابنه: أدعوت بها في صلاتك؟ فقال: لا، قال: أعد صلاتك لأن طاوسًا رواه عن ثلاثة أو أربعة أو كما قال" (٣).
وقد تبع طاوسًا طائفة من الفقهاء وهو قول في مذهب أحمد (٤).
ويرى ابن حزم أنه يلزم المصلي أن يقوله في التشهدين الأول
стр. 386
والأخير وأن ما ورد في بعض طرق الرواية من تقييد ذلك بالتشهد الأخير لا يخص العموم الوارد في الروايات الأخرى فيشمل اسم التشهد الجميع (١).
وهذا مردود لمخالفته قاعدة حمل المطلق على المقيد لاسيما مع اتحاد مخرج الحديث (٢).
وقد عد الحافظ ابن حجر إيجاب ابن حزم له في التشهد الأول إفراطًا (٣).
والذين لم يقولوا بوجوب هذا الدعاء استدلوا بحديث ابن مسعود في التشهد وفيه: ثم يتخير من الدعاء" (٤).
قال ابن المنذر: لولا حديث ابن مسعود: "ثم ليتخير من لقلت بوجوبها" (٥).
ويمكن أن يقال: إن الأمر بالتخيير يحمل على الأدعية التي بعد الاستعاذة فيتخير في الأدعية التي بعدها، وأما الاستعاذة من هذه الأمور الأربعة فلا تخيير فيها (٦).
هذا ومما لا شك فيه أن هذا الدعاء من أوكد الأدعية وأهمها في التشهد.
قال شيخ الإسلام: ولا ريب أنه أوكد الأدعية المشروعة في هذا الموضع فإن النبي ﷺ لم ينقل عنه أنه أمر بدعاء بعد التشهد إلا بهذا
стр. 387
الدعاء، وإنما نقل عنه أنه كان يقول: أدعية مشروعة، وأمره أوكد من فعله باتفاق المسلمين" (١).
٢ - ومن الدعاء المختلف في وجوبه في وجوبه دعاء دخول المسجد.
فقد ذهب ابن حزم إلى وجوبه وأن من دخل المسجد وتركه فقد عصى الله بتركه مع صحة صلاته (٢).
والظاهر أنه أوجبه لورود الأمر به حيث ذهب في دعاء الاستفتاح إلى عدم الوجوب وعلل ذلك بقوله:
"وإنما لم نذكر ذلك فرضًا لأنه فعل منه ﵇ ولم يأمر به، فكان الائتساء به حسنًا" (٣).
فدل هذا التعليل على أن إيجابه لدعاء دخول المسجد للأمر الوارد فيه وهو قوله ﷺ : "إذا دخل أحدكم المسجد، فليقل اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج، فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك" (٤).
٣ - ومن الدعاء المختلف فيه الصلاة على النبي ﷺ ، فقد ذكر الحافظ ابن حجر (٥) أن حاصل ما وقف عليه من أقوال العلماء في حكمها عشرة، مذاهب منها الوجوب في الجملة بغير حصر، ومنها أنها تجب في العمرة مرة ومنها أنها تجب في التشهد الأخير، ومنها أنها تجب في
الصلاة من غير تعيين المحل ومنها أنها تجب في كل دعاء.
وقد ذكر ابن القيم (٦) أدلة بعض هذه المذاهب وناقشها بتوسع وأطال في ذلك.
стр. 388
والمقصود هنا بيان أن الصلاة على النبي ﷺ من الدعاء المختلف في وجوبه ولهذا نكتفي بهذا القدر بدون توسع.
وأما الدعاء المستحب فهو كثير جدًّا وغالب الأدعية المأثورة من هذا الباب نحو أدعية النوم والاستيقاظ والدعاء عقب الوضوء، والدعاء بين الأذان والإقامة ودعاء الاستخارة، وقد ورد الأمر بصلاة الاستخارة، وبالدعاء عقبها والعلماء لم يقولوا بالوجوب مع ورود الأمر به (١). ولعله قد ثبت عندهم الصارف.
وأما الدعاء المحرم فهو يتنوع إلى نوعين:
وذلك أن التحريم تارة من جهة المطلوب، وتارة من جهة نفس الطلب، فالأول مثل أن يسأل الله ما يضره في دنياه أو في آخرته، ومثل أن يدعو على غيره دعاء منهيًا عنه وأما الثاني الذي هو من جهة الطلب فمثل دعاء غير الله تعالى أو دعاء بكلمات فيها اعتداء (٢) وقد قسم القرافي الدعاء المحرم إلى قسمين:
١ - نوع محرم ينتهي إلى الكفر.
٢ - نوع محرم لا ينتهي إلى الكفر.
ثم هذان النوعان قد قسمهما أيضًا القرافي المالكي إلى أقسام، وقد قسم الذي ينتهي إلى الكفر إلى أربعة أقسام (٣).
ثم قسم المحرم الذي لا ينتهي إلى الكفر إلى اثني عشر قسمًا (٤)، وعد كل تلك الأقسام ومثل لها بأمثلة.
ولكن كثيرًا من تلك الأقسام والأمثلة عليها مؤاخذات لأن ذلك
стр. 389
التقسيم عقلي اعتمد فيه القرافي على الاحتمالات العقلية وما يقتضيه التقسيم المنطقي، وكثير منها لا دليل عليها بل في بعضها خالف النصوص القطعية ولهذا رد عليه العلماء وبينوا خطأه فيها (١).
ومن الأمور التي عليه فيها مؤاخذة ما ذكره بقوله: "القسم الثالث الذي ليس بكفر وهو محرم أن يطلب الداعي من الله تعالى نفي أمر دل السمع على نفيه وله أمثلة، الأول أن يقول ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ مع أن رسول الله ﷺ قد قال: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (٢).
فقد دل هذا الحديث على أن هذه الأمور مرفوعة عن العباد فيكون طلبها من الله تعالى طلبًا لتحصيل الحاصل فيكون سوء أدب على الله تعالى لأنه طلب عري عن الحاجة والافتقار إليه" (٣).
وهذا الكلام - كما هو واضح - غير صحيح فكيف يكون ما
стр. 390
حكاه الله تعالى عن الرسول والمؤمنين أنهم يقولونه محرمًا ويكون الدعاء به لا فائدة فيه؟ ثم من الذي قال من السلف بهذه القاعدة التي تخالف الكتاب والسنة وعمل المسلمين؟ فإن المسلمين ما زالوا يدعون بهذا الدعاء في ابتهالاتهم إلى الله تعالى وهو من أفضل الدعوات" (١).
ثم إن القاعدة التي وضعها منقوضة بمثل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران ١٩٤]، وقول الملائكة: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ﴾ [غافر: ٨] وبمثل طلب الوسيلة للنبي الله والصلاة والسلام عليه وعلى الأنبياء (٢).
وورد في حديث أبي ذر مرفوعًا: "إن الله ختم سورة البقرة بآيتين أعطانيهما من كنزه الذي تحت العرش فتعلموهن وعلموهن نساءكم وأبناءكم فإنها صلاة وقرآن ودعاء" (٣).
وأما الدعاء المكروه:
فهو مثل الدعاء الذي يشتمل على السجع المتكلف، والتشدق، والتشهق.
وكالدعاء الذي فيه الاعتداء كقول الرجل: "اللهم إني أسألك القصر الأبيض في يمين الجنة".
وقد تقدم بيان أنواع الاعتداء في الدعاء فبعض أنواع الاعتداء محرم وبعضها مكروه (٤).