← Акыда

Акыда · id 1201

الدعاء ومنزلته من العقيدة الإسلامية

جيلان بن خضر العروسي

Полный текст (973 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

والأخير وأن ما ورد في بعض طرق الرواية من تقييد ذلك بالتشهد الأخير لا يخص العموم الوارد في الروايات الأخرى فيشمل اسم التشهد الجميع (١). وهذا مردود لمخالفته قاعدة حمل المطلق على المقيد لاسيما مع اتحاد مخرج الحديث (٢). وقد عد الحافظ ابن حجر إيجاب ابن حزم له في التشهد الأول إفراطًا (٣). والذين لم يقولوا بوجوب هذا الدعاء استدلوا بحديث ابن مسعود في التشهد وفيه: ثم يتخير من الدعاء" (٤). قال ابن المنذر: لولا حديث ابن مسعود: "ثم ليتخير من لقلت بوجوبها" (٥). ويمكن أن يقال: إن الأمر بالتخيير يحمل على الأدعية التي بعد الاستعاذة فيتخير في الأدعية التي بعدها، وأما الاستعاذة من هذه الأمور الأربعة فلا تخيير فيها (٦). هذا ومما لا شك فيه أن هذا الدعاء من أوكد الأدعية وأهمها في التشهد. قال شيخ الإسلام: ولا ريب أنه أوكد الأدعية المشروعة في هذا الموضع فإن النبي ﷺ لم ينقل عنه أنه أمر بدعاء بعد التشهد إلا بهذا

стр. 387

الدعاء، وإنما نقل عنه أنه كان يقول: أدعية مشروعة، وأمره أوكد من فعله باتفاق المسلمين" (١). ٢ - ومن الدعاء المختلف في وجوبه في وجوبه دعاء دخول المسجد. فقد ذهب ابن حزم إلى وجوبه وأن من دخل المسجد وتركه فقد عصى الله بتركه مع صحة صلاته (٢). والظاهر أنه أوجبه لورود الأمر به حيث ذهب في دعاء الاستفتاح إلى عدم الوجوب وعلل ذلك بقوله: "وإنما لم نذكر ذلك فرضًا لأنه فعل منه ﵇ ولم يأمر به، فكان الائتساء به حسنًا" (٣). فدل هذا التعليل على أن إيجابه لدعاء دخول المسجد للأمر الوارد فيه وهو قوله ﷺ : "إذا دخل أحدكم المسجد، فليقل اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج، فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك" (٤). ٣ - ومن الدعاء المختلف فيه الصلاة على النبي ﷺ ، فقد ذكر الحافظ ابن حجر (٥) أن حاصل ما وقف عليه من أقوال العلماء في حكمها عشرة، مذاهب منها الوجوب في الجملة بغير حصر، ومنها أنها تجب في العمرة مرة ومنها أنها تجب في التشهد الأخير، ومنها أنها تجب في الصلاة من غير تعيين المحل ومنها أنها تجب في كل دعاء. وقد ذكر ابن القيم (٦) أدلة بعض هذه المذاهب وناقشها بتوسع وأطال في ذلك.

стр. 388

والمقصود هنا بيان أن الصلاة على النبي ﷺ من الدعاء المختلف في وجوبه ولهذا نكتفي بهذا القدر بدون توسع. وأما الدعاء المستحب فهو كثير جدًّا وغالب الأدعية المأثورة من هذا الباب نحو أدعية النوم والاستيقاظ والدعاء عقب الوضوء، والدعاء بين الأذان والإقامة ودعاء الاستخارة، وقد ورد الأمر بصلاة الاستخارة، وبالدعاء عقبها والعلماء لم يقولوا بالوجوب مع ورود الأمر به (١). ولعله قد ثبت عندهم الصارف. وأما الدعاء المحرم فهو يتنوع إلى نوعين: وذلك أن التحريم تارة من جهة المطلوب، وتارة من جهة نفس الطلب، فالأول مثل أن يسأل الله ما يضره في دنياه أو في آخرته، ومثل أن يدعو على غيره دعاء منهيًا عنه وأما الثاني الذي هو من جهة الطلب فمثل دعاء غير الله تعالى أو دعاء بكلمات فيها اعتداء (٢) وقد قسم القرافي الدعاء المحرم إلى قسمين: ١ - نوع محرم ينتهي إلى الكفر. ٢ - نوع محرم لا ينتهي إلى الكفر. ثم هذان النوعان قد قسمهما أيضًا القرافي المالكي إلى أقسام، وقد قسم الذي ينتهي إلى الكفر إلى أربعة أقسام (٣). ثم قسم المحرم الذي لا ينتهي إلى الكفر إلى اثني عشر قسمًا (٤)، وعد كل تلك الأقسام ومثل لها بأمثلة. ولكن كثيرًا من تلك الأقسام والأمثلة عليها مؤاخذات لأن ذلك

стр. 389

التقسيم عقلي اعتمد فيه القرافي على الاحتمالات العقلية وما يقتضيه التقسيم المنطقي، وكثير منها لا دليل عليها بل في بعضها خالف النصوص القطعية ولهذا رد عليه العلماء وبينوا خطأه فيها (١). ومن الأمور التي عليه فيها مؤاخذة ما ذكره بقوله: "القسم الثالث الذي ليس بكفر وهو محرم أن يطلب الداعي من الله تعالى نفي أمر دل السمع على نفيه وله أمثلة، الأول أن يقول ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ مع أن رسول الله ﷺ قد قال: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (٢). فقد دل هذا الحديث على أن هذه الأمور مرفوعة عن العباد فيكون طلبها من الله تعالى طلبًا لتحصيل الحاصل فيكون سوء أدب على الله تعالى لأنه طلب عري عن الحاجة والافتقار إليه" (٣). وهذا الكلام - كما هو واضح - غير صحيح فكيف يكون ما

стр. 390

حكاه الله تعالى عن الرسول والمؤمنين أنهم يقولونه محرمًا ويكون الدعاء به لا فائدة فيه؟ ثم من الذي قال من السلف بهذه القاعدة التي تخالف الكتاب والسنة وعمل المسلمين؟ فإن المسلمين ما زالوا يدعون بهذا الدعاء في ابتهالاتهم إلى الله تعالى وهو من أفضل الدعوات" (١). ثم إن القاعدة التي وضعها منقوضة بمثل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران ١٩٤]، وقول الملائكة: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ﴾ [غافر: ٨] وبمثل طلب الوسيلة للنبي الله والصلاة والسلام عليه وعلى الأنبياء (٢). وورد في حديث أبي ذر مرفوعًا: "إن الله ختم سورة البقرة بآيتين أعطانيهما من كنزه الذي تحت العرش فتعلموهن وعلموهن نساءكم وأبناءكم فإنها صلاة وقرآن ودعاء" (٣). وأما الدعاء المكروه: فهو مثل الدعاء الذي يشتمل على السجع المتكلف، والتشدق، والتشهق. وكالدعاء الذي فيه الاعتداء كقول الرجل: "اللهم إني أسألك القصر الأبيض في يمين الجنة". وقد تقدم بيان أنواع الاعتداء في الدعاء فبعض أنواع الاعتداء محرم وبعضها مكروه (٤).

стр. 391

وأما الدعاء المباح: فهو كالدعاء الذي لطلب الفضول التي لا معصية فيها (١) إذا لم يكن طلبه لهذا المباح للاستعانة به على طاعة الله لأنه إن قصد بطلب المباح الاستعانة به على طاعة الله وعبادته يكون دعاؤه من باب المندوب ولم يكن من المباح (٢). والحاصل أنه قد اتضح مما سبق أن الدعاء تجري فيه الأحكام الخمسة وأن منه ما هو محرم وهذا المحرم منه ما ينتهي إلى الكفر ومنه ما لا ينتهي، وتفصيل ما هو محرم وينتهي إلى الكفر والذي لا ينتهي هو الذي نبحث عنه في الباب التالي إن شاء الله تعالى.

стр. 392

الباب الثالث في الدعاء غير المشروع ويشتمل على ثلاثة فصول: الفصل الأول في دعاء غير الله تعالى وما ورد في التحذير منه ومفاسده وأسباب انتشاره في العالم الإسلامي. الفصل الثاني في مراتب الدعاء غير المشروع، ومظاهر غلو المتأخرين فيه وحكم من دعا غير الله تعالى. الفصل الثالث: في الأدعية المبتدعة وما ورد في التحذير من الابتداع في الدعاء وغيره.

стр. 393

الفصل الأول في دعاء غير الله تعالى، وما ورد في التحذير منه، ومفاسده وأسباب انتشاره في العالم الإسلامي ويشتمل على مبحثين: المبحث الأول: فيما ورد في التحذير منه ومفاسده. ويشتمل على تمهيد وثلاثة مطالب:

стр. 394

المبحث الأول فيما ورد من التحذير من دعاء غير الله في كتاب الله تعالى والسنة النبوية وبيان مفاسده وآثاره الضارة تمهيد: إن دعاء غير الله تعالى قبيح شرعًا وعقلًا واتفقت الفطر السليمة والشرائع المنزلة على منع ذلك وقبحه وشناعته. وأجمع علماء الأمة على أن طلب الحوائج من غير الله تعالى من الأموات والاستغاثة بهم شرك بالله تعالى يخرج من الملة. وتواترت أدلة الكتاب والسنة على التحذير من ذلك والمبالغة في النهي عنه، والتشنيع على فاعله وذم مرتكبه. وتضافرت نصوص الكتاب والسنة على ذلك حتى صار من ضروريات الإسلام التي لا يرتاب فيها كل من فهم الكتاب والسنة. وهذا ليس خاصًّا بالشريعة الإسلامية بل الشرائع كلها جاءت بذلك فهو من الأصول الثابتة التي اتفقت فيها الشرائع السماوية، والكتب المنزلة. ففي التوراة: إن موسى ﵇ نهى بني إسرائيل عن دعاء الأموات وغير ذلك من الشرك، وذكر أن ذلك من أسباب عقوبة الله لمن فعله وذلك أن دين الأنبياء ﵈ واحد وإن تنوعت شرائعه كما في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "إنا معاشر الأنبياء ديننا

стр. 395

واحد" (١) (٢). فالأنبياء متفقون في الأصول الأساسية، فمن الأصول المتفق عليها بين النبوات "المنع من دعاء الغائبين والأموات فلا يدعون الشفاعة ولا غيرها (٣). ومع أن الأنبياء جاؤوا بهذا الأصل العظيم إلا أن الشريعة الخاتمة جاءت على وجه خاص لا يوجد في غيرها من الشرائع حيث حافظت على التوحيد الخالص والمنع من دعاء غير الله تعالى أشد المحافظة، فسدت كل الطرق المؤدية إلى ما يناقض التوحيد أو يمنع كماله أو يخدش فيه، لأن هذا الأصل به يتحقق إخلاص الدعاء بنوعيه الله تعالى فيتحقق الغرض الذي خلقنا أجله، من، وهو إخلاص العبادة الله تعالى. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. ومن هنا جاءت هذه الشريعة الغراء بالتحذير البالغ مما يناقض هذا الأصل أو يمنع كماله. ومن أهم ما يناقضه: دعاء غير الله تعالى ولهذا جاء التحذير منه بأساليب متنوعة نشير إلى بعضها إن شاء الله تعالى. المطلب الأول: الآيات الواردة في التحذير من دعاء غير الله تعالى، وأساليب القرآن المتنوعة في ذلك: لقد حذر الله من دعاء غيره في القرآن الكريم تحذيرًا بالغًا وتنوعت أساليب القرآن في ذلك، وتكررت في مناسبات شتى ومواضع متعددة وبعبارات متنوعة، وذلك لخطورة دعاء غير الله تعالى وكونه أعظم الظلم وأكبر معصية عصى الله به، ولكونه أكثر وقوعًا من غيره من أنواع الكفر الأخرى وأكثر انتشارًا في جميع أصناف الناس وطبقاتهم، وجميع الأزمان والأمكنة.

стр. 396

ولهذا أبدى الله في كتابه العزيز التحذير منه وأعاد، ونَوَّعَ الأساليب كما نوع الأدلة والبراهين على قبح ذلك في الفطر والعقول السليمة. وهذا موجز لبعض تلك الآيات الواردة في التحذير من دعاء غير الله تعالى ونوردها حسب الموضوعات التي تتحدث عنها والأساليب التي وردت بها، وإليك تلك الآيات الكريمة: ١ - آيات نَهَى اللهُ فيها عن دعاء غيره مخاطبًا فيها نبيه وصفيه محمدًا ﷺ وهذا أبلغ ما يكون من النهي لأنه إذا كان الرسول ﷺ يحذره الله من دعاء غيره مع أنه المعصوم فمن باب أولى أن يخاف منه باقي الأمة، ويحذروا من الوقوع فيه وفي هذا رد صريح لمن يزعم أن الشرك لا يقع في هذه الأمة المرحومة. ومن أمثلة تلك الآيات قوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦]، ففي هذه الآية تحذير - من أشد ما يكون من التحذير - من دعاء غير الله تعالى وأن فاعله ظالم أي مشرك فإن الظلم هو الشرك، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾ [القصص: ٨٨]. ففي هاتين الآيتين أن من دعا غير الله مع الله فقد جعله إلها أي معبودًا، فكيف بمن أفرد الدعاء لغير الله تعالى، وأخلص الدعاء له واعتقد أن الأولياء أسرع (١) في الإجابة من الله تعالى؟ تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. ففي هذه الآيات وجه خطاب التحذير إلى المصطفى ﷺ للدلالة على خطر دعاء غير الله تعالى. ٢ - آيات وجَّه اللهُ فيها النهي عن دعاء غير الله تعالى إلى جميع

стр. 397

الناس كافة منها قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]. ففيها نهي وتحذير عن دعاء غيره معه فكيف بإخلاص الدعاء لغيره؟ كما هو واقع عن كثير من الناس. كما أن فيها نهيًا عن دعاء أي شيء كائنًا ما كان سواء كان ملكًا مقربًا أو نبيًا مرسلًا أو غيرهما لأن النكرة في سياق النهي تعم. ومما لا ينقضي عجبه أن الكليني الرافضي أخرج بإسناده عن أبي الحسن وهو علي الرضا أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ قال: نحن الأوصياء (١). وهذا من أقبح التحريف لكلام الله تعالى وتفسير له بما يناقض مدلوله صراحة فإن الآية دالة على النهي عن دعاء غير الله تعالى بصيغة هي من أوضح صيغ العموم. ولكن القوم من أسخف الناس عقولًا إذ يصدقون بمثل هذا الكذب الواضح والتحريف الفظيع لكلام الله تعالى. ٣ - آيات وجه الله فيها الخطاب لنبيه ﷺ بإخلاص الدعاء له وحده وفي ذلك الأمر نهي عن دعاء غيره تعالى لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده كما أن أمر النبي ﷺ أمر لأمته ونهيه نهي لأمته بأبلغ وجه كما أن الأمر بالدعاء يدل على أنه إما واجب أو مستحب وما كان كذلك لا يكون إلا عبادة والعبادة خصيصة من خصائص الله لا يجوز صرفها لغيره تعالى. مثال ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الانشراح: ٧ - ٨]. فقد أمر الله نبيه ﷺ إذا فرغ من الصلاة أو الجهاد أو غيرهما مما يشتغل به أن يفرد الله تعالى بالرغبة إليه بدعائه وسؤاله (٢). ومن هذا الباب الآيات التي أمر فيها النبي ﷺ بالاستعاذة إذ

стр. 398

الاستعاذة نوع من الدعاء كما سبق (١) ومن أمثلتها: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل: ٩٨] وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧)﴾ [المؤمنون: ٩٧]. ففي هذه الآيات أمر للنبي ﷺ بالاستعاذة بالله تعالى فيفهم منه بطريق الاستعاذة بغيره تعالى لأنه لا يعقل أن يستعاذ بمخلوق المخالفة النهي عن من مخلوق، وقد صرح كثير من علماء السلف بهذا كما سيأتي (٢). ٤ - آيات أمر الله فيها عباده بإخلاص الدعاء له وحده، وفي ذلك نهي عن دعاء غيره أو إشراكه معه في الدعاء، وذلك لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، وهذه قاعدة مقررة في علم الأصول (٣). قال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٣٩]. وقال عز من قائل: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٤]. وقال سبحانه: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥]. وقال: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٥ - ٥٦]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]. وقال تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ [العنكبوت: ١٧] ففي الآية حصر لطلب الرزق بالله تعالى ويدل على ذلك تقديم الظرف. قال شيخ الإسلام ﵀: "ولم يقل فابتغوا الرزق لأن تقديم الظرف يشعر

стр. 399

بالاختصاص والحصر كأنه قال: لا تبتغوا الرزق إلا عند الله تعالى" (١). وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢]، فهذه الآية "من أوضح الأدلة على تحريم دعاء الموتى، فإن الصلاة دعاء صريح قولًا وعملًا وقد دلت الآية على أن ذلك الله وحده لا شريك له. . ." (٢). وقد تقدم (٣) بفضل الله تعالى بيان اشتمال الصلاة على الدعاء والعلاقة بينهما. وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]. فهذه الآية تأمر (٤) بإخلاص الدعاء الله تعالى بالتوسل إليه بأسمائه الحسنى، كما تنهى عن الإلحاد فيها، فالأمر بالدعاء بالأسماء الحسنى فيه نهي عن الدعاء بغير الأسماء الحسنى فكيف بدعاء غير الله تعالى والاستعانة به؟ ومما يضحك ويبكي ما ذكره الكليني في الكافي بإسناده عن جعفر الصادق أنه قال في قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾: نحن الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد إلا بمعرفتنا" (٥). فهذا القول الذي حكاه كذبًا عن الصادق ﵀ يكفي في رده حكايته لوضوح تحريفه لكلام الله تعالى وكم للروافض من مثل هذه التحريفات لكلام الله تعالى!!!

стр. 400

٥ - آيات تصور من يدعو غير الله تعالى بأحط صورة وتمثل هلاكه بما يوضح قبح دعاء غير الله تعالى ومدى شناعته، وفي ذلك أبلغ زجر وأشد تقريع. قال تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا … ﴾ الآية [الأنعام: ٧١]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [الرعد: ١٤]. وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢)﴾ [العنكبوت: ٤١ - ٤٢]. ٦ - آيات تبين عجز المدعوين من دون الله تعالى وعدم استحقاقهم للدعاء وأهليتهم له، لأنه ليس لهم الصفات التي ينبغي أن تكون للذي يستحق أن يتوجه إليه بالدعاء. وفي ذلك أبلغ تحذير لمن يدعونها بتسخيف عقولهم وتسفيه أحلامهم وهذه المجموعة من الآيات التي تبين عجز المدعوين تتنوع إلى عدة أنواع: - أ - نوع بين الله فيها صفات من يستحق الدعاء من السمع والبصر المحيطين والعلم الشامل والحياة … إلى آخر الصفات التي يستحقها من يستحق أن يوجه إليه الدعاء وأن المدعوين من دون الله تعالى ليست لهم هذه الصفات. فمن الآيات التي بينت ذلك قوله تعالى في قصة إبراهيم ﵇ مع قومه: ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ [الشعراء: [٧٢ - ٧٣]. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ

стр. 401

تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٦ - ٧]. وقوله عز من قائل: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢٠ - ٢١]. ب - نوع بيّن الله فيها أن المدعوين من دون الله تعالى ليس لهم ملك ولا شراكة فيما يطلب منهم ولا تقبل منهم شفاعة فكيف يدعون وأي فائدة في ذلك؟ قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣]. ففي هاتين الآيتين نفي لكل من الملك والشراكة والمعاونة والشفاعة، وهذه الأمور الأربعة هي التي يمكن أن يدعيها الذين يَدْعُون غير الله لمن يدعونهم فإذا لم تكن ولا واحدة منها فلا يصح عقلًا أن يوجه السؤال لمن لا يتصف بواحدة منها فكفى بهذه الآية نورًا وبرهانًا ونجاة وتجريدًا للتوحيد وقطعًا لأصول الشرك ومواده لمن عقلها" (١). ومن هذا النوع قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [الأحقاف: ٤]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [فاطر: ٤٠]. جـ - نوع بيّن الله فيها عجز المدعوين عن دفع الضرر عن أنفسهم فضلًا عن غيرهم وفي هذا أبلغ رادع لمن يطلب منهم دفع الضرر أو إيصال النفع.

стр. 402

قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣]. وقال جل شأنه: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧)﴾ [الأعراف: ١٩٧]. د - نوع بين الله فيها عجزهم وعدم استطاعتهم لإزالة ضر أو جلب نفع عن الداعين لهم والمستغيثين بهم في الشدائد والمصائب. قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨]. وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦)﴾ [الإسراء: ٥٦]. ٧ - آيات توضح أن المدعوين أنفسهم يلتجئون إلى الله تعالى ويتقربون إليه فهم بين الخوف والرجاء أليس اللائق أن يلتجأ إلى من يلتجئون إليه وأن يتقرب إلى من يتقربون إليه؟. قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٦ - ٥٧]. ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُون … ﴾ [النساء: ١٧٢]. ٨ - آيات وصفت دعاء غير الله تعالى بأنه شرك أو كفر أو وصفت الداعين بأنهم مشركون أو كافرون، وفي ذلك أعظم تحذير وأبلغ إنذار من دعاء غير الله تعالى. وستأتي (١) تلك الآيات إن شاء الله تعالى في مبحث حكم من دعا غير الله تعالى. ٩ - آيات توضح أن دعاء غير الله تعالى ضلال مبين وأنه مضلة في الرأي

стр. 403

والفكر وأنه خسران مبين، وأنه لا يزداد بذلك إلا طغيانًا وضلالًا وإثمًا. قال تعالى: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣)﴾ [الحج: ١٣ - ١٤]. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ [الجن: ٦]. ١٠ - آيات تصف المؤمنين بإخلاص الدعاء الله وحده وبأنهم يلتجئون في الشدائد والكربات إلى الله وحده أو تخبر عن تعهد المؤمنين والتزامهم بإخلاص الدعاء الله تعالى وأنهم لا يدعون غيره، ففي هذا تعريض وتوبيخ لمن يلتجيء إلى غير الله تعالى في الشدائد والكربات ويدعو مع الله الأموات والغائبين ولا يلتزم بإخلاص الدعاء. قال تعالى في وصف عباد الرحمن ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨]. وقال عز شأنه: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف: ١٤]. ١١ - آيات تبيّن غياب المدعوين عن الداعين عند هجوم الشدائد ونزول المحن والبلايا والمصائب مع العلم بأن الذي لا ينفع عند الاضطرار لا حاجة تدعو إلى عبادته ودعائه في الرخاء، ففي هذا أوضح تحذير وأبلغ زجر لمن يدعو ما لا ينفعه عند الشدائد. قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ [الإسراء: ٦٧]. وقال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧) وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨)﴾ [فصلت: ٤٧ - ٤٨] وقال تعالى: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (٧٤)﴾ [غافر: ٧٣ - ٧٤].

стр. 404

وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١)﴾ [الأنعام: ٤٠ - ٤١]. وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (٣٧)﴾ [الأعراف: ٣٧]. وقال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١)﴾ [هود: ١٠١]. ١٢ - آيات تتوعد من يدعو غير الله تعالى بالعذاب الأليم وبأن له الحساب القاسي، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ [المؤمنون: ١١٧]. وقال تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ١١٣]. ١٣ - آيات كثيرة حذر الله فيها من عبادة غيره بأساليب متعددة، وقد علمنا أن الدعاء هو العبادة. فتلك الآيات الواردة في التحذير من عبادة غير الله تعالى تكون محذرة أيضًا من دعاء غير الله تعالى لما تقدم من تلازم نوعي الدعاء: دعاء المسألة ودعاء العبادة، وقد تقدم ذلك مفصلًا في مبحث (١) أقسام الدعاء ولله الحمد. المطلب الثاني: فيما ورد من السنة المشرفة من التحذير من دعاء غير الله تعالى: قد وردت أحاديث كثيرة في التحذير من توجيه السؤال والدعاء لغيره تعالى تصريحًا أو تلميحًا. ومن تلك الأحاديث:

стр. 405

١ - ما ورد في ذم سؤال الناس أموالهم وفي ذلك تحذير بليغ من باب أولى من سؤالهم ما لا يقدرون عليه إذ كيف يمكن سؤالهم وهم أموات لا يعلمون شيئًا مما يطلب منهم ولا يقدرون عليه؟؟. فالأحاديث الدالة على ذم سؤال الناس كثيرة جدًّا منها: حديث عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم" (١). وحديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لأن يغدو أحدكم فيحطب على ظهره فيتصدق به ويستغني به من الناس خير له أن يسأل رجلًا أعطاه أو منعه ذلك فإن اليد العليا خير من من السفلى" (٢). وحديث عوف بن مالك الأشجعي مرفوعًا في البيعة: "ولا تسألوا الناس شيئًا" (٣) ٢ - وهناك أحاديث تنهى عن دعاء غير الله تعالى وتحذر من مغبة ذلك وتبين أنه سبب لدخول النار أو تصفه بأنه أكبر الكبائر منها: قوله ﷺ في حديث ابن مسعود ﵁: "من مات وهو يدعو الله ندا دخل النار" (٤). وقوله ﷺ في حديث ابن مسعود أيضًا عندما سئل أيُّ الذنب أكبرُ عند الله؟: "أن تدعو لله ندًا وهو خلقك" (٥). ٣ - ومنها أحاديث تأمر بسؤال الله تعالى وتحث عليه وترغب فيه، وفي ذلك زجر عن ضد ذلك لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، فمن تلك

стр. 406

الأحاديث قوله ﷺ : إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله" (١). وعن أبي ذر عن النبي ﷺ فيما روى عن الله ﵎ أنه قال: " … يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم. . ." (٢). ٤ - ومنها أحاديث تأمر بالاستعاذة بالله، وكلماته، وتحث عليه ومثلها الأحاديث التي فيها استعاذة الرسول ﷺ بالله وكلماته. وقد تقدم لنا في التعريف أن الاستعاذة نوع من الدعاء، ففي الأمر بالاستعاذة بالله وكلماته نهي عن الاستعاذة بغير الله وكلماته، ففي ذلك نهي عن الاستعاذة بالمخلوق. وبهذا استدل الإمام أحمد وغيره على أن كلام الله غير مخلوق، إذ المخلوق لا تجوز الاستعاذة (٣) به. قال نعيم بن حماد شيخ البخاري: "دلت هذه الأحاديث -يعني الواردة في الاستعاذة بأسماء الله وكلماته والسؤال بها - على أن القرآن غير مخلوق إذ لو كان مخلوقًا لم يستعذ بها إذ لا يستعاذ بمخلوق. قال الله تعالى: ﴿فاستعذ بالله﴾ وقال النبي ﷺ : "وإذا استعذت فاستعذ بالله" (٤) وقال نعيم أيضًا: "لا يستعاذ بالمخلوق ولا بكلام العباد والجن والإنس والملائكة" (٥). وقال الخطابي ﵀: "وكان أحمد بن حنبل يستدل بقوله بكلمات الله التامة على أن القرآن غير مخلوق، وهو أن رسول الله ﷺ لا يستعيذ بمخلوق" (٦).

стр. 407

ومن تلك الأحاديث ما روته خولة بنت حكيم السلمية ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا نزل أحدكم منزلًا فليقل: أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق، فإنه لا يضره شيء حتى يرتحل منه" (١) ". وما رواه ابن عباس ﵄ قال: "كان النبي ﷺ يعوذ الحسن والحسين ويقول: إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق: أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة" (٢). وقد نص كثير من علماء السلف عند ذكرهم لأحاديث الاستعاذة بكلمات الله تعالى ودلالتها على أن القرآن غير مخلوق، نصوا على أنه: لا تجوز الاستعاذة بغير الله تعالى وأن ذلك لا يمكن أن يصدر عن مسلم عاقل وإليك نصوصهم: أ - قول الإمام أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ) وقد تقدم نقله قريبًا (٣). ب - قول نعيم بن حماد (ت ٢٢٨ هـ) قال البخاري: وقال نعيم بن حماد: "لا يستعاذ بالمخلوق ولا بكلام العباد والجن والإنس والملائكة" (٤). وقال أيضًا فيما نقله عنه الحافظ ابن حجر عن كتابه الرد على الجهمية: "دلت هذه الأحاديث - يعني الواردة في الاستعاذة بأسماء الله وكلماته والسؤال بها - على أن القرآن غير مخلوق إذ لو كان مخلوقًا لم يستعذ بها إذ لا يستعاذ بمخلوق قال الله تعالى: ﴿فاستعذ بالله﴾ وقال النبي ﷺ :

стр. 408

وإذا استعذت فاستعذ بالله" (١). جـ ـ وقال سوار بن عبد الله القاضي البصري (ت ٢٤٥ هـ): "دخلت على رجل أعوذه من وجع به فقال: القرآن ليس بمخلوق، وذلك أنه كل من عوذني قال: أعيذك بالله، أعيذك بالقرآن فعلمت أن القرآن ليس بمخلوق (٢). د - وقد عقد البخاري ﵀ في كتابه خلق الأفعال بابًا بعنوان باب ما كان النبي ﷺ يستعيذ بكلمات الله لا بكلام غيره وأورد كلام نعيم بن حماد ثم قال: وفي هذا دليل أن كلام الله غير مخلوق وأن سواه خلق ثم أورد أحاديث كثيرة في الاستعاذة بكلمات الله (٣). ٥ - وقال الخلال أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون وارث علم الإمام أحمد (ت ٣١١ هـ)، تعليقًا على هذه الأحاديث: "ولا يجوز أن يقال: أعيذك بالسماء أو بالجبال أو بالأنبياء أو بالملائكة أو بالعرش أو بالأرض مما خلق الله لا يتعوذ إلا بالله أو بكلماته" (٤). ٦ - وقال إمام الأئمة ابن خزيمة (ت ٣١١ هـ): "أفليس العلم محيطًا - يا ذوي الحجا - أنه غير جائز أن يأمر النبي ﷺ بالتعوذ بخلق الله عالمًا من شر خلقه؟ هل سمعتم يجيز أن يقول الداعي: أعوذ بالكعبة من شر خلق الله أو يجيز أن يقول: أعوذ بالصفا والمروة، أو أعوذ بعرفات ومنى من شر ما خلق؟. هذا لا يقوله ولا يجيز القول به مسلم يعرف دين الله، محال أن يستعيذ مسلم بخلق الله من شر خلق الله" (٥). فهذا الكلام من هذا الإمام نص صريح في موضوع بحثنا ومناقشتنا مع القبوريين من ذوي أدعياء العلم المجيزين لمثل هذه الصيغ التي ينكر

стр. 409

ابن خزيمة أن يقول به عالم بل مسلم يعرف الدين وعده من المحال ولكن هذا قد وقع في الأزمنة المتأخرة بعد ابن خزيمة وعده بعضهم سائغًا بل من القربات. ٧ - وقد ذكر الإمام ابن بطة العكبري عبيد الله بن محمد (ت ٣٨٧ هـ) أحاديث الاستعاذة ثم قال: "فتفهموا رحمكم الله هذه الأحاديث، فهل يجوز أن يعوذ النبي ﷺ بمخلوق ويتعوذ هو ويأمر أمته أن يتعوذوا بمخلوق مثلهم؟ وهل يجوز أن يعوذ إنسان نفسه أو غيره بمخلوق مثله فيقول: أعيذ نفسي بالسماء أو بالجبال أو بالأنبياء أو بالعرش أو بالكرسي أو بالأرض؟ وإذا جاز أن يتعوذ بمخلوق مثله فليعوذ نفسه وغيره بنفسه فيقول: أعيذك بنفسي" (١). ٨ - وقال الإمام البيهقي أبو بكر بن أحمد (ت ٤٥٨ هـ): "فاستعاذ رسول الله ﷺ وأمر أن يستعاذ في هذه الأخبار بكلماته كما أمره الله تعالى جل ثناؤه أن يستعيذ "به إلى أن قال: "ولا يصح أن يستعيذ بمخلوق عن مخلوق" (٢) ". وهذه الأقوال السابقة من هؤلاء الأئمة الكبار تعد من نفائس كلام السلف في هذه المسألة التي هي دعاء غير الله تعالى والاستعاذة والاستغاثة بغيره، وهي من أمهات المسائل التي طال حولها الجدل من زمن ابن تيمية ﵀ إلى وقتنا الحاضر وقد غفل عن هذه النصوص كثير ممن تكلم في هذه المسألة مع كونها صريحة في محل الخلاف وقد نص عليها كبار أئمة السلف من القرن الثالث إلى ما بعد وبها يتبين بطلان ما زعمه بعضهم من تفرد ابن تيمية وأتباعه بالكلام على هذه المسألة، والله أعلم. ٩ - ومنها أحاديث وردت في سد الذرائع التي توصل إلى دعاء غير الله تعالى، وهذه الأحاديث كثيرة جدًّا وسيأتي (٣) بعضها إن شاء الله تعالى.

стр. 410

هذا ومن الأدلة الدالة على منع دعاء غير الله تعالى بعدما تقدم من الكتاب والسنة الأمور التالية: ١ - إجماع علماء الأمة على منع دعاء غير الله تعالى وعده كفرًا وسيأتي (١) نقل هذا الإجماع إن شاء الله تعالى. ٢ - أن الله لم يذكر لنا في كتابه العزيز - مع كثرة ما ذكره من أدعية الأنبياء والصالحين - لم يذكر دعاء واحدًا فيه دعاء لغير الله تعالى، وهذا من الأدلة الجلية الواضحة على أنه لو كان سائغًا لذكره الله تعالى. وقد علمنا أن الله ذكر النهي عنه بأبلغ الأساليب وكرر ذلك وأعاد. ٣ - أن الرسول ﷺ مع العلم أمته كل خير وحذرها من كل شر ومما علمها الدعاء، فقد حوت كتب السنة المشرفة ألفاظ الأدعية التي علمها رسول الله ﷺ لأمته وهي كثيرة جدًّا فمع هذه الكثرة وحرص النبي ﷺ على الخير لم نجد دعاء واحدًا صحيحًا فيه الاستغاثة بغير الله تعالى ودعاؤه والالتجاء إليه. ٤ - قد علم (٢) من دين الإسلام بالاضطرار والتواتر وبإجماع سلف الأمة وأئمتها أن ذلك ليس بواجب ولا مستحب كما علم أن النبي ﷺ والأنبياء قبله لم يَشْرَعوا للناس دعاء الملائكة والأنبياء والصالحين لا في حياتهم ولا بعد مماتهم. بل الأنبياء مجمعون على منعه كما تقدم، وما كان كذلك لا يكون عبادة كما لا يمكن لأحد أن يجيزه أو يتأول لمن يفعله إذ من المعلوم أن الدعاء عبادة وهي توقيفية، وقد علمنا أنه لم يشرع دعاء الأموات بل هو ممنوع اتفاقًا. ٥ - أن الرسول (٣) ﷺ مع كونه لم يشرع هذا - فإنه قد هذا - فإنه قد حرم ذلك وحرم ما يفضي إليه كاتخاذ القبور مساجد.

стр. 411

٦ - أن العلماء (١) قالوا لا يجوز توجيه الدعاء إلى أسماء الله وصفاته لأنها إنما يُدْعَى الله بها ولا تُدعى هي فلا يقال يا علم الله ارزقني ولا يقال يا قدرة الله افعلي لي كذا لأن الله تعالى قال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]. ولم يقل فادعوها. فإذا كان العلماء يتفقون على عدم جواز ذلك في أسماء الله وصفاته فمن باب أولى وأحرى ألا يجوز دعاء الأموات والغائبين. وهذا بيّن واضح ولله الحمد. ولكن الأمر احتاج إلى ذكر مثل هذه العلل، لوجود من يجادل بالباطل ويحاول إباحة دعاء الأموات أو استحبابه فإنا لله وإنا إليه راجعون. . . المطلب الثالث: في مفاسد دعاء غير الله تعالى وآثاره الضارة وخطورته على سلامة العقيدة: إن أعظم مسألة خالف فيها الرسول ﷺ المشركين هي مسألة الدعاء بنوعيه: دعاء العبادة والمسألة وهي التي وقع فيها النزاع والخصومة بينه وبينهم فهم كانوا يتعبدون بإشراك الصالحين في دعاء الله تعالى وعبادته ويرون ذلك من تعظيم الصالحين، ويريدون بذلك شفاعتهم عند الله قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]. فجاء رسول الله ﷺ وخالفهم في ذلك فأتى بإخلاص الدعاء وجميع أنواع العبادات الله. وهي أعظم مسألة خالف فيها الرسول ﷺ المشركين، وهي التي تفرق الناس لأجلها إلى مسلم وكافر وعندها وقعت العداوة ولأجلها شرع الجهاد (٢). فإذا كانت بهذه المنزلة فأي شخص يقع فيها يقع في مفاسد جمة ومضار كثيرة تزلزل عقيدته وتهدم إيمانه حتى يخرج عن الملة والعياذ بالله.

стр. 412

ولكونها أعظم مسألة خولف فيها الأنبياء ﵈ عامة ونبينا ﷺ خاصة، كثر اعتناء العلماء بهذه المسألة أكثر من غيرها من مسائل العقيدة لاسيما شيخي الإسلام ابن تيمية وابن عبد الوهاب رحمهما الله تعالى فإنهما قد أسهبا الكلام فيها وأشبعا وأبدا وأعادا وجاهدا في سبيل ذلك حتى غدت مسائلها واضحة نيرة فجزاهما الله عن الإسلام أفضل ما جزي عالمًا على دعوته وجهاده. إن مفاسد دعاء غير الله تعالى وآثاره الضارة كثيرة جدًّا نذكر منها بعضها على سبيل الإجمال مستعينين بالله ومستهدين به وهو ولي التوفيق. ١ - إن دعاء غير الله تعالى فيه إضاعة لمعنى العبودية، ولمقتضيات الربوبية، فعبودية العبد الله تعالى أشرف صفات العبد وأعلى مقاماته، ولهذا وصف الله رسوله محمدًا ﵌ بها في أشرف المقامات في مقام الإسراء، والدعوة إليه وإنزال الوحي والتحدي بالقرآن، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩]. وقال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣]. ومع أن عبودية العبد الله تعالى أشرف مقاماته صرفها الداعي لغير الله تعالى إلى من لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا فضلًا عن غيره. قال الشيخ حسين النعمي ﵀: "فالداعي سوى الله والملتجئ إلى غيره، وصارف اضطراره وافتقاره عنه إلى من دونه، بهيئة ما ينبغي أن يكون الله. مضيع لمعنى العبودية ومقتضيات الربوبية" (١).

стр. 413

ثم إن الداعي إنما يدعو إلهه عند انقطاع أمله مما سواه وذلك خلاصة التوحيد (١). فالداعي لغير الله تعالى قد صرف أهم العبادات القلبية لغيره تعالى فكفي بذلك قبحًا وشناعة وفسادًا ولو لم يكن فيه إلا نقص محبة الله تعالى وخوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه من قلب الداعي بسبب قسمته ذلك بينه وبين من دعاه من دون الله ليقضي حاجته أو يتوسط له عند الله تعالى - فينقص ويضعف أو يضمحل ذلك التعظيم والمحبة والخوف والرجاء بسبب صرف أكثره أو بعضه إلى من دعاه من دون الله - لكفى ذلك في شناعته وقبحه (٢) وآثاره الضارة. فكيف وفيه مفاسد أخرى عظيمة وعواقب وخيمة؟ ٢ - إن دعاء غير الله تعالى فيه إذلال الداعي لنفسه وإخضاعه إياها لمخلوق مثله لا يملك لنفسه نفعًا ولا يدفع عنها ضرًا، فضلًا عن الداعي الأجنبي فكيف يذل الداعي نفسه لهذا المخلوق العاجز؟ ولقد كرم الله الإنسان وشرفه وفضله على كثير من خلقه فإذا سلب الإنسان نفسه هذه الكرامة وأذلها لمخلوق ضعيف فقد ضيع حقها وأذلها. ففي دعاء غير الله تعالى إضاعة لحقوق النفس وكرامتها وشرفها كما أن فيه إضاعة لحقوق الله تعالى وعبوديته وقد ذكر ابن رجب ﵀ أن سؤال الله هو المتعين وعلل ذلك بأن فيه إظهار الذل والافتقار، ولا يصلح الذل والافتقار إلا لله وحده لأنه حقيقة العبادة، ثم ذكر أن الإمام أحمد يدعو ويقول: "اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك فصنه عن المسألة لغيرك ولا يقدر على كشف الضر وجلب النفع سواك" (٣).

стр. 414

٣ - إن دعاء غير الله تعالى فيه شكاية العبد لمولاه الذي هو أرحم الراحمين إلى من لا يرحمه، فإنّ الداعي لغير الله تعالى ترك ربه وخالقه وذهب إلى فقير بالذات وطلب منه أن ينفعه فتَرْكُه لربه ومُولِي نِعمه - مع ذهابه إلى غيره - فيه شكاية لمولاه واللائق بالعبد أن لا يشكو إلا إلى الله. قال يعقوب ﵇ ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦]. وقد رأى الفضيل بن عياض ﵀ رجلًا يشتكي إلى آخر فقال: يا هذا تشتكي من يرحمك إلى من لا يرحمك؟ كما قيل: وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما … تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم وشكى إليه رجل مرة حاله فقال له: يا أخي أمدبرًا غير الله تريد؟ (١). وفي هذا الصنيع خطر عظيم وظلم جسيم "لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، ولا أعظم ظلمًا من شكاية العبد ربه الذي هو أرحم الراحمين فيما أصابه من ضر أو فاته من خير إلى من لا يرحمه ولا يسمعه ولا يبصره، ولا يعلمه ولا يملك لنفسه ولا لداعيه من ضر ولا نفع ولا موت ولا حياة ولا نشور، ولا يغني عنه مثقال ذرة، وعدوله عمن بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه ويفزع في قضاء حوائجه إلى من لا قدرة له على شيء البتة. . ." (٢). ٤ - إن دعاء غير الله تعالى فيه إساءة للظن بالله . فالذي يدعو غير الله تعالى ويلتجيء إلى باب غير باب الله تعالى سواء اعتقد لذلك الغير الاستقلال أو الوساطة فقد ظن بربه السوء لأن هذا

стр. 415

الداعي لغير الله لا يخلو إما أن يظن أن الله سبحانه يحتاج إلى من يدبر أمر العالم معه من وزير أو ظهير، وهذا أعظم التنقيص لمن هو غني عن كل ما سواه ومفتقر إليه كل ما سواه. وإما أن يظن أن قدرة الله إنما تتم بقدرة الشريك، أو أنه لا يعلم حتى تعلمه الواسطة، أو لا يرحم حتى تجعله الواسطة يرحم، أو لا يكفي العبد وحده، أو لا يفعل ما يريده العبد حتى تشفع عنده الواسطة كالرؤساء والملوك، أو لا يجيب دعاء عباده حتى يسألوا الواسطة أن ترفع تلك الحاجات إليه أو أن للمخلوق عليه حقًّا يقسم به عليه، ويتوسل به إليه كما هو عادة الرؤساء (١). فكل هذا إساءة للظن بالله تعالى وأي إساءة أعظم من هذا؟. ٥ - إن دعاء غير الله تعالى (٢) فيه تشبيه الخالق بالمخلوق إذ اعتقد الداعي أن من يدعوه يتوسط له لدى الله تعالى كما يتوسط لدى الرؤساء والزعماء وهذا التشبيه صرح به بعضهم (٣) ظنًا منهم أن الخالق مثل المخلوق، حاشا وكلا فإن الله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير لأن الواسطة إنما جازت عند الرؤساء لأنهم لا يعرفون أحوال الناس وحقيقة الأمر، أو لكونهم عاجزين عن تدبير الرعية، أو غير ذلك. وأما الله سبحانه فليس كذلك، فمن دعا المخلوق وأراد الشفاعة والوساطة - كما هو عقيدة غالب من يدعو غير الله تعالى - فقد شبه الله تعالى بالرؤساء الجاهلين العاجزين المحتاجين إلى من يساعدهم ويعاونهم. كما أن فيه تشبيه المخلوق بالخالق لأن الدعاء من أخص خصائص الإلهية فمن صرفه لغير الله تعالى فقد أعطى خصيصة من أهم خصائص

стр. 416

الإلهية لغير الله تعالى فيكون قد شبه الغير بمن لا شبيه له" (١). ٦ - إن دعاء (٢) غير الله تعالى فيه تشبه بالنصارى الذين يدعون المسيح ومريم والحواريين والقديسين. كما أن فيه تشبهًا بالمشركين الذين يدعون الصالحين الذين عبدوا الأصنام اعتقادًا بأنها على صورتهم فهم لم يعبدوها لكونها أحجارًا، وسيأتي (٣) بيان أن أصل وضع الأصنام كان من صور الصالحين. فالداعي للصالحين مُضَاهٍ للمشركين، ولمن اتخذ المسيح وأمه إلهين من دون الله فلهذا قال النبي ﷺ : "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم فقولوا عبد الله ورسوله" (٤). فيستفاد من هذا الحديث أن من أطرى الرسول ﷺ فقد شابه النصارى في إطرائهم لعيسى ﵇ فثبت بهذا أن من دعا رجلًا أو امرأة من دون الله فهو مضاه لمن اتخذ المسيح وأمه إلهين من دون الله" (٥). ٧ - إن دعاء (٦) غير الله تعالى ردة صريحة وكفر بواح وشرك قراح، فهو أشد كفرًا من اليهودية والنصرانية. وبهذا يعلم شدة خطره وأنه غاية في الشرك والكفر وانسلاخ عن ربقة الإسلام وخروج عن حظيرته. فالداعي لغير الله تعالى لا تقبل منه الجزية كما تقبل من اليهود والنصارى ولا تحل ذبيحته ولا ينكح مسلمة ولا تنكح إن كانت امرأة بل يجب مفارقتها ولا يرث ولا يورث. قال القرافي: "وهذا فساد كله يتحصل بدعاء واحد من هذه الأدعية

стр. 417

ولا يرجع إلى الإسلام ولا ترتفع أكثر هذه المفاسد إلا بتجديد الإسلام والنطق بالشهادتين" (١). فالأمر أخطر مما يظنه بعض من يتساهل في هذا الباب ويحاول تبريره بأوهى الشبهات التي هي أضعف من خيط العنكبوت. ٨ - إن سؤال الناس في الأصل محرم، لأن فيه أنواع الظلم الثلاثة، الظلم في حق الله بالشرك والظلم للمسؤول بإيذائه له، وظلم الإنسان لنفسه بتعبيدها لغير الله وقد أبيح من ذلك من سؤال الحي ما دل الشرع على إباحته (٢). فإذا كان أصل السؤال محرمًا فكيف بسؤال الميت والغائب سؤال تضرع ومسكنة وذلة وافتقار ومحبة؟ فهو يشتمل على أعلى أنواع الظلم الثلاثة من ظلم لحق الله تعالى وصرف خصيصة من خصائص الألوهية إلى من لا يملك لنفسه نفعًا فضلًا عن داعيه ثم من ظلم لحقوق الغير الذي هو المسؤول بإيذائه حيث يتأذى من عبادته ويكره ذلك. فالصالحون لا يحبون أن يعبدوا من دون الله، ثم من ظلم نفسه حيث أذلها وعَبَّدها لغير باريها وفاطرها وعلقها بفقير بالذات عاجز بالذات. ٩ - إن ترك (٣) السؤال للمخلوق اعتياضًا بسؤال الخالق أفضل من الحاجة والفقر، قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الانشراح: ٧ - ٨]. وقال يعقوب ﵇ ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦].

стр. 418

وقال النبي ﷺ لابن عباس: "إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله" (١). ولهذا كان كبار الصحابة لا يسألون النبي ﷺ شيئًا لأنفسهم فلم ينقل عن أبي بكر ولا عمر أنهما سألاه شيئًا من المال لأنفسهما. هذا في حياة النبي ﷺ وكذلك الأنبياء السابقون. هذا مع الحاجة وأما إذا لم يكن حاجة فالسؤال حرام. فإذا كان ترك سؤال الأنبياء في حياتهم أفضل مع الحاجة والفاقة ومع عدم الحاجة يكون حرامًا فكيف بسؤال الغائب والميت منهم ومن غيرهم؟ فلا شك أنه أعظم حرمة، وأشد خطورة على سلامة العقيدة وصفائها. هذا وبما تقدم يعلم فساد دعاء غير الله وآثاره الضارة وعواقبه السيئة، فنسأل الله تعالى أن يجنبنا من الشرك وذرائعه وهو ولي التوفيق ..

стр. 419

المبحث الثاني في أسباب انتشار دعاء غير الله تعالى في العالم الإسلامي إن الله أرسل الرسل وأنزل الكتب للدعوة إلى توحيده وإخلاص الدعاء له وحده، وقد بيّن الله تعالى في كتابه العزيز خطورة دعوة غير الله تعالى أتم بيان حتى صار ذلك من ضروريات الإسلام، إلا أنه لما اشتدت غربة الإسلام انتشر الشرك ودعاء غير الله تعالى في الأمة الإسلامية، فاحتاج الأمر إلى دراسة أسباب ذلك الانتشار، وذلك لأنه إذا أريد حل مشكلةٍ مَّا حَلًّا جذريًا فلا بد من دراسة أسبابها ومقتضياتها وملابساتها والعوامل التي أدت إلى ظهورها وتفاقمها وانتشارها وذلك "لأن معرفة المرض وسببه يعين على مداواة أصحابها وإزالة شبهاتهم" (١). ثم إن العاقل يعلم أن أمة من الأمم لم تجمع على أمر بلا سبب (٢) يقتضي ذلك فدعاء غير الله قد اجتمع عليه أصناف من الناس فمن مجيز له ومن معتقد كونه قربة وعبادة فلا يتصور أن يكون ذلك بدون سبب، فلهذا لا بد من دراسة الأسباب التي أدت إلى انتشار دعاء غير الله تعالى.

стр. 420

وهذه الأسباب متعددة، ومتفاوتة في درجات تأثيرها، فبعضها له تأثير قوي وبعضها تأثيره ضعيف وبعضها خاص ببعض الأزمنة أو ببعض الأقطار الإسلامية أو ببعض الأشخاص، والبعض الآخر شامل لأزمنة مختلفة وأماكن متعددة، ولجماعات كثيرة ولكن الكل له تأثير في ذلك على تفاوت في درجات التأثير. فأذكر إن شاء الله تعالى هذه الأسباب مقدمًا الأهم فالأهم وهذا أوان الشروع في ذلك وبالله التوفيق وهو المستعان. السبب (١) الأول: الجهل والإعراض عن الكتاب والسنة: لقد كان الناس قبل بعثة الرسول ﷺ في جاهلية جهلاء يعبدون الأصنام ويدعونها من دون الله تعالى، وذلك لذهاب آثار الرسل السابقين وقلتها من العلم الصحيح في الاعتقادات والأعمال ثم بعث الله رسوله ﷺ بالهدى ودين الحق يعلم الناس الكتاب والحكمة التي هي السنة ويزكيهم، قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤]. فعلم رسول الله ﷺ أصحابه الدين كله فدلهم على كل خير وحذرهم من كل شر، والصحابة بلغوا هذا العلم النبوي الشريف إلى التابعين، والتابعون لمن بعدهم وهكذا كل جيل إلى أن قل العلم الصحيح علم الكتاب والسنة فيما بعد وتناقص وتسبب ذلك "في الجهل بحقيقة ما

стр. 421

بعث الله به رسوله، بل جميع الرسل من تحقيق التوحيد وقطع أسباب الشرك، فقل نصيبهم من ذلك ودعاهم الشيطان إلى الفتنة، ولم يكن عندهم من العلم ما يبطل دعوته، فاستجابوا له بحسب ما عندهم من الجهل … " (١). والسبب في ذلك قلة انتشار العلم الصحيح من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ بسبب إعراض الناس عن تعلم العلم الصحيح، حيث قَلَّتْ دراسةُ القرآن الكريم بتدبر وتعقل وفهم بحجة أن فهم القرآن صعب على أفهام الناس، ولا يستطيعه إلا من درس كل العلوم من نحو وصرف وبيان ومعان ولغة والفقه وأصوله والمنطق والفلسفة، ولهذا قل في بعض الأقطار الإسلامية دراسة تفسير القرآن الكريم بتدبر وفهم، وقلّ تفسيره بما يطابق ما انتشر في المجتمع بل صاروا يفسرون الآيات المتعلقة بالشرك بما يفهم أنها خاصة بكفار قريش ولا يدخل فيها ما يفعله الناس اليوم فصاروا كما قال الله تعالى في اليهود ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨]، وقال عز من قائل: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]، واقتصروا على تلاوته على الأموات وعند المقابر والمشاهد، وكتابته للتمائم والحجب أو زخرفته بالذهب، وحفظه للتبرك، وقراءته في افتتاح الحفلات وأدى كل هذا إلى الجهل بالقرآن الكريم، ثم إلى عدم تطبيقه الاعتقادات والأعمال والتشريعات. قال الشيخ أبو بكر الجزائري في وصف أحوال المسلمين في القرون الأخيرة كان القرآن يقرأ على الأموات دون الأحياء ويعتبر تفسيره خطيئة من الخطايا وذنبًا من الذنوب إذ ساد بين المسلمين القول بأن تفسير القرآن صوابه خطأ وخطأه كفر فلذا القارئ يقرأ ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ والناس حول ضريح الولي المدفون في ناحية المسجد

стр. 422

يدعون بأعلى أصواتهم يا سيدي يا سيدي كذا وكذا ولا يجرؤ أحد أن يقول: يا إخواننا لا تدعوا السيد فإن الله تعالى يقول: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا … ﴾ (١). وهؤلاء لم يكتفوا بأن امتنعوا بأنفسهم عن تفسير القرآن وتدبره بل راحوا يحذرون غيرهم إذ قالوا: إن الغضب ينزل على أهل البلد إذا حصل خطأ في التفسير، وهذا كلام باطل لا أصل له، وما ألقى هذا بين الناس إلا الشيطان ليصدهم به عن سبيل الله (٢). وقد وصف الله كتابه بالبيان والوضوح قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة: ٩٩]. والأنبياء لم يبعثوا إلا لهداية الضلال وتعليم الجهال، والقول بصعوبة القرآن يتنافى مع مقتضى البيان والوضوح وغرض الإرسال (٣). وقد وصل الأمر في إهمال الاعتناء بالكتاب إلى ما ذكره أحد العلماء المعاصرين أنه وزملاءه تحصلوا على شهادة العالمية من إحدى المراكز الدينية الكبرى ولم يدرسوا آية واحدة من كتاب الله تعالى (٤). وكذلك أصاب السنة (٥) مثل ما أصاب القرآن الكريم فقد تركوا الاعتناء بالسنة وتركت دراستها في أغلب المعاهد الإسلامية، وإنما كانوا يقرأونها للتبرك بها والصلاة على النبي ﷺ عند ذكره، وكانوا يقرأون

стр. 423

البخاري في وقت الشدائد والمحن، ويطلبون بقراءته النصر على الأعداء وتفريج الكرب (١). ولم يقتصر الأمر على صحيح البخاري بل اعتقدوا ذلك في غيره من بعض كتب الفقه (٢)، وهؤلاء الذين يدرسون البخاري للتبرك لا يتفقهون فيه ولا يعرفون مبادئ التوحيد والشرك ووصل الأمر ببعضهم إلى ما ذكره حسين بن مهدي النعمي ﵀ من أن قومًا يقرأون صحيح البخاري بمدينة زبيد فإذا فرغوا - إما أحيانًا أو مطلقًا - ذهبوا إلى مشهد هناك، فيظلون عاكفين هنالك ما شاء الله، وعليهم السكينة والوقار وضروب من الخضوع والتأدب لنازل الحفرة، ثم قال: وهل هذا عمل بشيء وجدوه في كتاب البخاري أو غيره أما هو؟ " (٣) والسبب في هذا أن أغلبيتهم لا يفقهون في الحديث ولا همة لهم في معرفته ولا في التدين به بل الصحيح والموضوع عندهم بنسبة واحدة، إنما همتهم في السماع على جهلة الشيوخ وتكثير العدد من الأجزاء والرواة لا

стр. 424

يتأدبون بآداب الحديث (١). وليس معنى هذا الذي ذكرناه من قلة الاعتناء بدراسة السنة وتدريسها أنه لا يوجد من يعتني بالسنة وتدريسها ودراستها حاشا وكلا، بل لا يزال (٢) في الأمة الإسلامية جهابذة يعتنون بالحديث وعلومه وإن كانوا قلة بل المقصود أن الفهم الصحيح لها والاعتناء بتطبيقها عمليًا من جمهور طلبة العلم هو الذي قل وأدى إلى انتشار الجهل بها، ثم إلى انتشار الخرافات والبدع والشركيات في العالم الإسلامي. فقد انتشر جهل حقيقة الدين الإسلامي وما بعث الله به نبيه ﷺ وجميع الرسل من حقيقة التوحيد وإخلاص الدعاء له وصار الناس يظنون الشرك أنه هو التوحيد الخالص وأنه مما يتقرب به إلى الله تعالى، وصاروا يتهمون من دعا إلى التوحيد الخالص بأنه جاء بما يخالف الإسلام. ووصل الأمر إلى أن اعتقد جماهير من المسلمين أن دعاء الموتى ونداء من تحت الأجداث واستغاثة من في القبور من الطاعات وأن ذلك مما يقرب إلى الله تعالى وأنه من دين الإسلام. ثم هؤلاء الذين تركوا الاعتناء بالكتاب والسنة اعتاضوا عن ذلك بالاعتناء بالفلسفة والمنطق والتعمق في المسائل الغريبة نادرة الوقوع من المسائل الفقهية مع الجمود والتعصب، وترك السنة الصحيحة لمراعاة المذهب. كما أنهم أفنوا أعمارهم في دراسة غوامض اللغة وغرائبها وشواذها. فهذه العلوم لا تشفي عليلًا ولا تهدي السبيل المستقيم، والدارسُ المعتني بها بعيدٌ عن واقع الأمة وآلامها وعلاج عقيدة المجتمع ومشاكله.

стр. 425

فحصل من هذا كله انتشار الجهل بالكتاب والسنّة. وهذا الانتشار للجهل ورفع العلم مما أخبر به الرسول ﷺ في قوله: "يقبض العلم ويظهر الجهل والفتن" (١). وهذا هو مصداق ما أخبر به الرسول ﷺ في هذا الحديث، فقد انتشر الجهل بحقيقة التوحيد وما يضاده أو ينافي كماله وتسبب هذا في انتشار الشرك والبدع فصار المعروف منكرًا والمنكر معروفًا. قال ابن القيم ﵀: "قد غلب الشرك على أكثر النفوس لظهور الجهل وخفاء العلم فصار المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، والسنة بدعة، والبدعة سنة، ونشأ في ذلك الصغير وهرم عليه الكبير، وطمست الأعلام واشتدت غربة الإسلام، وقلّ العلماء، وغلب السفهاء، ولكن مع هذا لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين إلى أن يرث الله سبحانه الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين" (٢). وذكر ابن القيم أيضًا أن الجهل هو السبب الرئيسي في المنع من قبول الحق فالجهل هو السبب الغالب على أكثر النفوس فإن من جهل شيئًا عاداه وعادي أهله (٣). ومما ينبغي أن يعلم أن هذا الجهل المنتشر حصل للناس لسببين: أحدهما: هذا الذي تقدم من عدم الاعتناء بدراسة القرآن الكريم وتدبره وفهمه. وثانيهما: أنهم حملوه على قوم مضوا وأن الواقع لا يدخل تحته،
следующие страницы →