← Акыда

Акыда · id 1201

الدعاء ومنزلته من العقيدة الإسلامية

جيلان بن خضر العروسي

Полный текст (973 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقَدِّمَة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]. أما بعد: فإن الله لم يخلق الخلق سدى، ولم يتركهم هملاً، بل خلقهم لأمر عظيم ألا وهو عبادته، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وقد أمرهم بما خلقهم لأجله من إفراده بالعبادة والدعاء، فقد أمرهم بالإخلاص له في نوعي الدعاء: دعاء العبادة ودعاء المسألة، قال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩] ونهاهم عن الشرك به في الدعاء بنوعيه، قال

стр. 2

تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]. فلا يدعى مع الله أحد كائناً من كان سواء كان ملكاً مقرباً أو نبياً مرسلاً أو غير ذلك لأن الله وحده هو المستحق لأن يدعى رغبة ورهبة وخوفاً وطمعاً، وهو الذي يصمد إليه في الحوائج ويقصد بالاستعانة والسؤال. قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١، ٢] ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]. فالخلق جميعاً مفطورون على الاحتياج إلى الله تعالى والافتقار إليه افتقاراً ذاتياً، فهم محتاجون إلى الله تعالى من جهة كونه ربهم يستعينون به على جلب منافعهم ودفع المضار عنهم، كما أنهم محتاجون إليه من جهة كونه معبودهم وإلههم الذي تألهه قلوبهم محبة ورجاء وخوفاً وتعظيماً، فالناس مضطرون إلى الله تعالى اضطراراً ذاتياً يَحْمِلُهم على دعائه، فهم لا يستغنون عن الله في لحظة من لحظاتهم في حركاتهم وسكناتهم، فهم وإن غفلوا عن هذا الاضطرار في وقت الرخاء إلَّا أنهم سرعان ما يرجعون إلى الفطرة إذا داهمتهم المدلهمات، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧]. أهمية هذا البحث وأسباب اختيار الموضوع: إن للدعاء درجة سامية، ومنزلة رفيعة وأهمية كبرى، إذ الدعاء هو العبادة فقد صح الخبر عن المصطفى صلوات الله وسلامه عليه بأن الدعاء هو العبادة بصيغة الحصر ولا يخفى مكانة العبادة فقد خلقنا الله تعالى من العدم لعبادته، وقد افتتح الله القرآن بالدعاء واختتمه به، فسورة الفاتحة مشتملة على دعاء الثناء كما مشتملة على دعاء المسألة إذ فيها الدعاء بأجل المطالب وأفضل الرغائب، وهو طلب الإعانة على مرضاة الله تعالى وسؤال الهداية، وقد فرض الله علينا أن نناجيه وندعوه بذلك في كل صلاة، وسورة الإخلاص في دعاء الثناء والمعوذتان في طلب العياذة الذي هو أحد أنواع دعاء المسألة.

стр. 3

وقد سمى الله الدعاء ديناً في غير ما آية، والدين هو الإسلام كله، كما سماه عبادة في غير ما آية، والعبادة هي العلة الغائية للوجود. وقد أمرنا الله بالدعاء ووعدنا بالإجابة تفضلاً وتكرماً وإحساناً، وتوعد من استكبر عن دعائه فقال عز من قائل: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠]. فالدعاء سمة العبودية وعنوان التذلل والخضوع والاستكانة، وتلبية للاحتياج والافتقار الذاتي، ودليل الصدق في اللجأ والرجاء والرغبة والطمع والخوف والرهبة. فهو لب العبادة ومخها وروحها، فصرفُه لله تعالى عبادة وتوحيد، وصرفه لغيره تعالى شرك وتنديد. فالشرك في نوعي الدعاء أعظم مسألة خالف فيها الرسول ﷺ المشركين وهو أغلب شركهم، وهو أصل شرك العالم، ولهذا لم يرد في القرآن - التحذير من سائر أنواع الشرك - مثل ما ورد في التحذير من الشرك في الدعاء. فقد كرر الله تعالى وأعاد التحذير من ذلك في آيات كثيرة جداً، كما بيّن لنا كيف ندعوه ونناجيه وذكر لنا أدعية الأنبياء والصالحين وابتهالاتهم ومناجاتهم. وقد بيّن لنا الرسول ﷺ كيفية عبادة الله ومناجاته وآداب خطاب الله تعالى وسؤاله. فوجب علينا أن نتقيد بما بيّن لنا وأن ندعو كما شرع لنا وأن لا ندعو بالبدع والمحدثات فضلاً أن ندعو بالشركيات والكفريات لأن ذلك من تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمداً رسول الله ﷺ . فمن دعا غير الله تعالى واستغاث به لم يحقق شهادته واعترافه بتفرد الله تعالى بالألوهية والعبادة، كما أن من دعا بأدعية مشتملة على البدع لم يحقق شهادته بتجريد المتابعة لرسول الله ﷺ ، وما ذلك إلَّا لأن الدعاء عبادة، والعبادة مبناها على التوقيف، فالدعاء من أهم العبادات وأجلها التي يجب إخلاصها لله تعالى، وتجريد المتابعة فيها لرسول الله ﷺ .

стр. 4

ومع وضوح هذا الأمر سوّل الشيطان للبعض أن يصرف هذه العبادة العظيمة لغير الله تعالى وسماها لهم بأسماء غير حقيقية: سماها لهم باسم التوسل تارة وباسم الشفاعة تارة وباسم محبة الصالحين تارة أخرى وباسم التبرك تارة أخرى. فانتشر الشرك في الدعاء بهذه الأسماء الموهمة حتى صار معروفاً شب عليه الصغير وشاب عليه الكبير، وصار من ينكره يتهم بالخروج عن إجماع المسلمين تارة، وبكراهية وبغض الأولياء وتنقصهم تارة أخرى، وبتفريق وحدة المسلمين تارة أخرى، وبالتطرف والتشدد وضيق الأفق والجمود الفكري وتتبع الشواذ وإثارة الخلاف في المسائل الفرعية تارة أخرى. وبنصب هذه التهم وقف بعض الناس في وجه الدعاة إلى الإخلاص وتجريد الدعاء لله وحده، كما وقفوا في وجههم بتلفيق الشبهات، وإيراد الحكايات والمنامات محاولين بذلك تسويغ الدعاء غير المشروع بل استحبابه فسوّغوا الاستغاثة والاستمداد من غير الله تعالى وزعموا للمدعوين من دون الله التصرف في الكون وسماعهم لنداء المستغيثين وصراخ المكروبين وعلمهم بحوائج الداعين ونياتهم وأنواع طلباتهم ففتحوا بذلك باباً عظيماً من الشرك لا يزال يقتحم فيه كثير من المسلمين إلى اليوم، فوجب على من يعرف ذلك منهم نصحهم وبيان الحق في ذلك كل حسب استطاعته وقدرته، فمن هنا رأيت أن يكون موضوع رسالتي في مرحلة الماجستير بالدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية في هذا الموضوع مع قلة بضاعتي وكساد معلوماتي لعلّي أستفيد وينفع الله بهذا العمل من يشاء من عباده، وهو المسؤول وحده أن يجعله خالصاً لوجهه نافعاً مفيداً وهو ولي التوفيق وهو المستعان وعليه التكلان.

стр. 5

خطة البحث: تشتمل على: مقدمة وأربعة أبواب وملحق وخاتمة. فالمقدمة تشتمل على سبب اختيار الموضوع وأهميته ومنهج البحث. وأما الباب الأول: ففي معنى الدعاء وأنواعه وآدابه والإجابة وأنواعها. وهو يشتمل على ثلاثة فصول: الفصل الأول: في معنى كلمة الدعاء والكلمات الدالة على معناه. ويشتمل على مبحثين: المبحث الأول: في معنى الدعاء اللغوي والشرعي. ويشتمل على ثلاثة مطالب: المطلب الأول: في أصل كلمة الدعاء. المطلب الثاني: في معنى الدعاء اللغوي. المطلب الثالث: في المعنى الشرعي للدعاء والمناسبة بينه وبين المعنى اللغوي. المبحث الثاني: في الكلمات الدالة على معنى الدعاء. ويشتمل على مقدمة ومطلبين: المقدمة: في وجوب الاعتناء بمعرفة الأسماء الشرعية، وذكر أقسام الكلمات. المطلب الأول: في الكلمات المرادفة للدعاء. المطلب الثاني: في الكلمات الخاصة بنوع معين من أنواع الدعاء. الفصل الثاني: في أنواع الدعاء وأقسامه. ويشتمل على مبحثين: المبحث الأول: في أقسام الدعاء باعتبار معناه. المبحث الثاني: في أقسام الدعاء باعتبار صيغه ومتعلقاته.

стр. 6

ويشتمل على مطلبين: المطلب الأول: في أقسام الدعاء باعتبار صيغه. المطلب الثاني: في أقسام الدعاء باعتبار متعلقاته. الفصل الثالث: في آداب الدعاء والإجابة وأنواعها. ويشتمل على تمهيد وثلاثة مباحث: فالتمهيد يحتوي على تنبيهين: التنبيه الأول: في السبب المانع من التوسع في هذا الفصل. التنبيه الثاني: في عبارات العلماء وألفاظهم في هذه الآداب. المبحث الأول: في الآداب العدمية التي يطلب عدمها وانتفاؤها. المبحث الثاني: في الآداب الثبوتية. المبحث الثالث: في الإجابة وأنواعها. وأما الباب الثاني: ففي منزلة الدعاء من العقيدة، وعدم تنافيه مع القدر، وحكمه الشرعي. ويشتمل على ثلاثة فصول: الفصل الأول: في منزلة الدعاء ومكانته من العقيدة وأهميته من بين سائر العبادات. ويشتمل على مبحثين: المبحث الأول: في كون الدعاء يزيد في الإيمان والتوحيد، ودلالته على وجود الله جل وعلا. ويشتمل على مطلبين: المطلب الأول: في كون الدعاء يزيد في الإيمان والتوحيد. المطلب الثاني: في دلالته على وجود الله جل وعلا. المبحث الثاني: في علاقة الدعاء بالتوحيد بأنواعه الثلاثة. ويشتمل على ثلاثة مطالب: المطلب الأول: في علاقته بتوحيد الربوبية.

стр. 7

المطلب الثاني: في علاقته بتوحيد الأسماء والصفات. المطلب الثالث: في علاقته بتوحيد العبادة والألوهية، وأهميته ومزاياه من بين سائر العبادات. الفصل الثاني: في عدم تنافي الدعاء والقدر. ويشتمل على مبحثين: المبحث الأول: في مذاهب الناس في الدعاء واتجاهاتهم وحجج كل فريق ومناقشتها. المبحث الثاني: في الصواب الذي تدل عليه الأدلة الصحيحة. الفصل الثالث: في حكم الدعاء الشرعي. ويشتمل على مبحثين: المبحث الأول: في أقوال العلماء ومذاهبهم في حكم الدعاء. المبحث الثاني: في المذهب الراجح. وأما الباب الثالث: ففي الدعاء غير المشروع. ويشتمل على ثلاثة فصول: الفصل الأول: في دعاء غير الله تعالى وما ورد في التحذير منه ومفاسده وأسباب انتشاره في العالم الإسلامي. ويشتمل على مبحثين: المبحث الأول: فيما ورد في التحذير منه ومفاسده. ويشتمل على تمهيد، وثلاثة مطالب: المطلب الأول: في الآيات الواردة في التحذير من دعاء غير الله تعالى، وأساليب القرآن المتنوعة في ذلك. المطلب الثاني: فيما ورد من السنة المشرفة في التحذير من ذلك. المطلب الثالث: في مفاسد دعاء غير الله تعالى وآثاره الضارة. المبحث الثاني: في أسباب انتشار دعاء غير الله تعالى في العالم الإسلامي.

стр. 8

الفصل الثاني: في مراتب الدعاء غير المشروع، ومظاهر غلو المتأخرين وحكم من دعا غير الله تعالى. ويشتمل على ثلاثة مباحث: المبحث الأول: في مراتب الدعاء غير المشروع وحكم كل مرتبة. المبحث الثاني: في مظاهر غلو المتأخرين في دعاء غير الله تعالى. المبحث الثالث: في حكم من دعا غير الله تعالى. الفصل الثالث: في الأدعية المبتدعة وما ورد في التحذير من الابتداع في الدعاء وغيره من العبادات، وآثارها الضارة، وأسباب انتشارها، وأنواعها. ويشتمل على مبحثين: المبحث الأول: فيما ورد في التحذير من الابتداع في الدين عموماً وفي الدعاء خصوصاً من الكتاب والسنة وآثار السلف وأقوال العلماء، وآثار الأدعية المبتدعة الضارة وأسباب انتشارها. ويشتمل على تمهيد وأربعة مطالب: المطلب الأول: فيما ورد في التحذير من الابتداع في الدين. المطلب الثاني: في الأدلة الدالة على منع الابتداع في الأدعية الراتبة. المطلب الثالث: في آثار الأدعية المبتدعة الضارة ونتائجها السيئة. المطلب الرابع: في أسباب انتشار الأدعية المبتدعة. المبحث الثاني: في أنواع الأدعية المبتدعة. ويشتمل على أربعة مطالب: ١ - المطلب الأول: في الدعاء عند الأضرحة والقباب. ٢ - المطلب الثاني: في التوسل بالذوات. ٣ - المطلب الثالث: في الأدعية والأوراد الراتبة.

стр. 9

٤ - المطلب الرابع: في الأدعية الجماعية. وأما الباب الرابع: ففي مناقشة بعض شبه المجيزين للدعاء غير المشروع. ويشتمل على تمهيد وثلاثة فصول: فالتمهيد في أنواع تلك الشبهات وأسبابها والجواب الإجمالي عنها. الفصل الأول: في مناقشة ما احتجوا به من الأدلة الصحيحة. ويشتمل على مبحثين: المبحث الأول: في مناقشة ما احتجوا به من القرآن الكريم. المبحث الثاني: في مناقشة ما احتجوا به من السنة الصحيحة. الفصل الثاني: في مناقشة ما احتجوا به من الأدلة غير الصحيحة. ويشتمل على ثلاثة مباحث: ١ - المبحث الأول: الأحاديث الضعيفة. ٢ - المبحث الثاني: الأحاديث الواهية والموضوعة. ٣ - المبحث الثالث: الحكايات والنظريات. الفصل الثالث: في مناقشة ردودهم وإجاباتهم عن الأدلة المانعة للدعاء غير المشروع. ويحتوي على تمهيد وتسع شبه. وأما الملحق: فيشتمل على نماذج من الأدعية الشركية والبدعية، ونماذج أخرى من الأدعية المأثورة. وأما الخاتمة: فتحتوي على أهم النتائج.

стр. 10

منهج البحث: ١ - جمعت مادة البحث من المصادر المختلفة التي هي مظان لموضوع البحث حسب ما يسره الله لي ووفقني للاطّلاع عليه ولم أدخر وسعاً في البحث عن كل ما يظن أن له علاقة بالبحث. ومع هذا لا أدّعي أني وقفت على كل ما كتب في الموضوع لكثرته وكثرة الخوض في مسائله بحق أو باطل. ٢ - بيّنت في المسائل التي تطرقت إليها ما ظهر لي أنه الحق والصواب مستدلاً بالكتاب والسنّة وأقوال السلف الصالح ومن على منهجهم بدون أن أشرح وجه الدلالة إذا كان واضحاً. ٣ - أوردت شبه المخالفين وحججهم من كتبهم غالباً مبيناً وجهة نظرهم نظرهم، ثم ناقشتهم بمحكم الكتاب والسنة، مؤيداً ما أذكره بأقوال أهل العلم. ٤ - حاولت بقدر المستطاع أن لا أخرج في المناقشة عن الأسلوب العلمي، والمجادلة بالتي هي أحسن، وفي الغالب أنقل كلام العلماء المحققين في الباب وأكتفي بذلك لأن القارئ يقتنع بكلام العلماء لا بكلام أمثالي. ٥ - قد أستدل بأقوال بعض المخالفين إذا وجدت في كلامه ما يصلح لمناقشة المخالف وإقناعه، كما أني قد أقدم كلام من يرى المخالف حجيته على كلام من هو لا يقتنع به ولا يسلم له، لأن الغرض من البحث هو محاولة إقناع المخالف ودعوته بالتي هي أحسن وليس مجرد غلبته، ولهذا الغرض نفسه أكثر العزو إلى المصادر المتعددة حتى ولو كانت المسألة واضحة يمكن الاكتفاء فيها ببعض تلك المصادر لتحصل الطمأنينة لمن يريد الحق ويتحراه وينشده. ٦ - إذا عزوت قولاً إلى عدة مصادر أقدم في الغالب المصدر الذي يكون النص كله أو جله منقولاً منه.

стр. 11

٧ - عزوت الآيات الواردة في الرسالة بذكر رقمها واسم السورة في الصلب لا في الهامش تفادياً من كثرة الحواشي لكثرة ورود الآيات في الرسالة. ٨ - خرّجت الأحاديث من المصادر الأصلية ونقلت أقوال النقّاد فيها، وتوسّعت في بعض الأحاديث التي يقتضي المقام التوسع فيها. وإذا كان الحديث في الصحيحين اقتصرت عليهما غالباً، وإذا أحلت على البخاري فالمراد به متن البخاري المطبوع مع الفتح وأحيل في الغالب إلى أول موضوع ورد فيه الحديث لأن ذلك أسهل لمن يريد تتبع ألفاظ الحديث لوجود أرقام مواضع ورود الحديث في الموضع الأول. ٩ - نقلت الآراء المحكية من كتب أصحابها ما وجدت إلى ذلك سبيلاً. ١٠ - ترجمت للأعلام غير المشهورين. ١١ - عملت الفهارس الآتية: أ - فهرس للآيات. ب - فهرس للأحاديث. جـ - فهرس للآثار. د - فهرس للمصادر والمراجع. هـ - فهرس للموضوعات.

стр. 12

الباب الأول في معنى الدعاء وأنواعه وآدابه والإجابة وأنواعها ويشتمل على ثلاثة فصول: الفصل الأول: في معنى كلمة الدعاء والكلمات الدالة على معناه. الفصل الثاني: في أنواع الدعاء وأقسامه. الفصل الثالث: في آداب الدعاء والإجابة وأنواعها.

стр. 13

الفصل الأول في معنى كلمة الدعاء والكلمات الدالة على معناه ويشتمل على مبحثين: المبحث الأول: في معنى الدعاء اللغوي والشرعي. المبحث الثاني: في الكلمات المرادفة للدعاء.

стр. 14

المبحث الأول في معنى الدعاء اللغوي والشرعي ويشتمل على ثلاثة مطالب: المطلب الأول: في أصل كلمة الدعاء. المطلب الثاني: في معنى الدعاء اللغوي. المطلب الثالث: في المعنى الشرعي للدعاء، والمناسبة بينه وبين المعنى اللغوي. المطلب الأول: في أصل كلمة الدعاء: أصل كلمة الدعاء مصدر لِفِعْل "دَعَا". قال الإمام أبو سليمان حَمْد بن محمد الخطابي (ت ٣٨٨ هـ) رحمه الله تعالى: أصل هذه الكلمة مصدر من قولك دعوت الشيء أدعوه دعاء" (١)، وآخره ممدود (٢)، وهو مصدر قياسي، لأن الأفعال التي تدل على الأصوات تأتي مصادرها القياسية، إما على فُعَال أو فَعِيل، قال ابن مالك ﵀:

стр. 15

للدَّا فَعَالٌ أو لصوت وَشَمَلْ … سيراً وصوتاً الفعيلُ كصَهَلْ (١) هذا ولم يأت في الأصوات إلا فعال بالضم وأما الفتح فلم يأت إلا في كلمة واحدة وهو غواث، يقال: أجاب الله دُعَاءه وغُوَاثَه، وغَوَاثَه، وقد أتى مكسوراً نحو النداء والصياح (٢) فتحصل من هذا أن الفعال بالضم هو الأكثر (٣) ويليه الكسر، وأما الفتح فلم يأت إلا في كلمة واحدة. والدعاء هو المصدر المشهور لدعا (٤). وهناك صيغ أخرى نص بعض علماء اللغة على مصدريتها لفِعْلِ "دَعَا"، كما ورد استعمالها في اللغة الفصحى، ومن تلك المصادر: ١ - دَعْوٌ، قال ابن دريد (٥): "الدَّعْوُ مصدرُ دعا يدعو دَعواً ودُعَاءً" (٦). فقد قدمه ابن دريد في الذكر على الدعاء - المصدر المشهور. . . ويقال في المرة الواحدة منه: دَعْوةٌ (٧). ومن ذلك قوله ﷺ في حضور النساء للعيد: "لِتُلْبِسْهَا صاحبَتُها من

стр. 16

جِلْبَابها، وَلْتَشْهدِ الخيرَ ودَعوةَ المسلمين" (١) أي دعاء المسلمين. وقوله ﷺ : "إن عفريتاً من الجن تَفَلَّتَ البارحة ليقطع علي صلاتي" وفيه: "فذكرت دعوة أخي سليمان "رب هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي" (٢) - أي دعاء أخي سليمان. ٢ - وهناك مصدر ثان وهو دَعْوَى. فقد حكاها سيبويه ﵀ في المصادر التي في آخرها ألف التأنيث، وأنشد: وَلَّتْ ودَعواها شديدٌ صَخَبُهُ (٣) ذَكَّر على معنى الدعاء، قال سيبويه: ومن كلامهم: اللهم أشركنا في دعوى المسلمين" (٤). ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [يونس: ١٠] أي دعاؤهم فيها … وآخر دعاءهم … ٣ - وهناك مصدر ثالث دِعَاوَةٌ (٥). ٤ - وهناك أيضاً مصدر رابع وهو دِعَاية. يقال: دعا دعاية، كما يقال: رمى رماية وشكى شكاية فمن ذلك دعاية الإسلام أي دعوته (٦).

стр. 17

٥ - وهناك مصدر خامس، وهو دَاعِية كعَاقِبة وعافية (١). ويظهر من تتبع موارد استعمال مادة كلمة دعا - أن المصدرين الآخرين ربما يكونان خاصين بالاستعمال في الدعاء بمعنى الحث على الشيء لا الدعاء بمعنى السؤال والطلب. وأما المصدر الثاني الذي هو الدعوى فإنه يستعمل في الكثير بمعنى الادعاء كما يستعمل في معنى الدعاء، قال ابن جرير الطبري ﵀: "وللدعوى في كلام العرب وجهان أحدهما الدعاء، والآخر الادعاء للحق، ومن الدعوى التي معناها الدعاء قول الله ﵎: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾ [الأنبياء: ١٥] ومنه قول الشاعر: إذا مَذِلَتْ رِجْلي دَعَوْتُكِ أَشْتَفِي … بِدَعْوَاكِ مِنْ مَذْلٍ بها فَيَهُوْنُ (٢) " (٣) وقد سبقه إلى نحو (٤) هذا أبو عبيدة معمر بن المثنى (٥). الدعاء له إطلاقان: ثم إن كلمة الدعاء كما تطلق على المصدر تطلق على المفعول به، تقول: دعوت الله دعاء أي دعوة، ففي هذا المثال يراد بها المصدر، وتقول أيضاً: سمعت دعاء كما تقول: سمعت صوتاً فالمراد بها في هذا التركيب ألفاظ الأدعية المدعو بها، لا مجرد الفعل الذي هو التكلم بالأدعية، فيكون من باب إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول به.

стр. 18

قال أبو سليمان الخطابي ﵀ بعد أن ذكر أن أصل الكلمة مصدر: "ثم أقاموا المصدر مقام الاسم، تقول: سمعت دعاء كما تقول: سمعت صوتاً، وكما تقول: اللهم اسمع دعائي، وقد يوضع المصدر موضع الاسم، كقولهم: رجل عدل، وهذا درهمٌ ضَرْبُ الأمير، وهذا ثوبٌ نَسْجُ اليمن" (١). فتحصَّل من هذا أن الدعاء له إطلاقان: أحدهما: إطلاقه على المصدر الذي هو التكلم، والثاني: إطلاقه على اسم المفعول الذي هو الألفاظ المدعو بها. أصل الهمزة في دعاء: الأصل في همزة دعاء الواو، فأصله دعاو (٢) فهي واوية الأصل بدليل قولك دعوت أدعو، و"اسم الفاعل داع والمفعول مدعو" (٣) فهذا يدل على أن أصل الهمزة في دعاء الواو وإنما أبدلت همزة لتطرفها إثر ألف زائدة، قال ابن مالك ﵀: أَحْرُفُ الإبدال هَدَأْتُ مُوْطِيَا … فأَبْدِل الهمزةَ من واو ويا آخراً إثر ألف زِيْدَ وفي … فَاعِلِ مَا أُعِلَّ عيناً ذا اقتفي (٤) المطلب الثاني: في معنى الدعاء اللغوي: أطلقت هذه المادة - د ع و - في الكتاب والسنّة وكلام العرب وأهل العلم على معان شتى، ولكن تلك المعاني بينها تفاوت، فمنها ما استعملت فيه كثيراً وهو المراد عند الإطلاق، ومنها ما استعملت فيه

стр. 19

نادراً، وهذا مع ورود تلك المعاني كلها، وصحتها عند أهل اللغة. ويمكن عند التأمل إرجاع تلك المعاني إلى أصل واحد تدور عليه وهو إمالة الشيء. قال ابن فارس (١) ﵀: "دعو. الدال والعين والحرف المعتل أصل واحد، وهو أن تميل الشيء إليك بصوت وكلام فيكون منك" (٢). ثم بيّن ﵀ كيف أن المعاني المتعددة ترجع إلى ذلك، فبيّن أن قولهم دعا الله فلاناً بما يكره أي أنزله به يرجع إلى ذلك لأنه إذا فعل ذلك به أماله إليه وأن قولهم تداعت الحيطان إذا سقط واحد وآخر بعده، صار كأن الأول دعا الثاني وأماله إلى نفسه، ودواعي الدهر صروفه كأنها تميل الحوادث (٣). وتلك المعاني المتعددة المتحدة في الأصل نذكرها واحدة تلو الأخرى مع ذكر أمثلة وشواهد من استعمالها في الكتاب أو السنة أو كلام أهل اللغة المعتبرين، الذين يستشهد بكلامهم. ثم نذكر المعاني التي ذكرها بعض العلماء وهي ترجع في الحقيقة إلى المعاني السابقة، مستشهدين في ذلك كله بكلام علماء اللغة المعتبرين، وهذا أوان الشرع في ذلك وبالله التوفيق وعليه التكلان: ١ - فأول تلك المعاني: الطلب والسؤال: قال ابن سيده (٤) ﵀: "طلب الطالب للفعل من غيره" (٥).

стр. 20

وقال الحافظ أبو بكر بن العربي المالكي (ت ٥٤٣ هـ): "الدعاء في اللغة والحقيقة هو الطلب (١). وقال محمد بن علي الشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ): معنى الدعاء حقيقة وشرعاً: الطلب" (٢). وذكر هذا المعنى للدعاء كثير من العلماء من غير هؤلاء (٣) الثلاثة. ثم إن هذا المعنى هو أكثر استعمالاً من المعاني الأخرى في الكتاب والسنة واللغة ولسان الصحابة ومن بعدهم من العلماء (٤). وفعل "دَعَا" إذا استعمل في هذا المعنى "يتعدى إلى النفع المطلوب بالباء يقال: دعوت الله بالفلاح" (٥) ويتعدى إلى المدعو المطلوب منه بنفسه، كما أنه يتعدى في الخير باللام وفي الشر بعلى، يقال: "دعوت له بخير وعليه بشر" (٦). ومما ورد من استعماله في هذا المعنى: قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ [الأعراف: ١٣٤]. وقوله عز من قائل: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [البقرة: ٦١]. وقوله : ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ

стр. 21

ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران: ٣٨]. وقوله سبحانه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ … ﴾ [الأنعام: ٤٠، ٤١]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣)﴾ [الأنعام: ٦٣]. وقوله سبحانه: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢]. وقوله : ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢]. وقوله سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٦]. وقوله جلّت قدرته: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ [الإسراء: ١١]. فالدعاء في هذه الأمثلة معناه الطلب، وليس هو مطلق الطلب، بل طلب خاص وهو "طلب الأدنى من الأعلى تحصيل الشيء بلا غضاضة من الأعلى" (١). وذلك لأن صيغة الطلب والاستدعاء تختلف بحسب الطالب والمطلوب منه، فإذا كانت ممن يقدر على قهر المطلوب منه، فإنها تقال على وجه الأمر، وإذا كانت من الفقير من كل وجه للغني من كل وجه فإنها تقال على وجه السؤال بتذلل وافتقار (٢) فيسمى ما كان من الأدنى للأعلى دعاء، وما كان من الأعلى للأدنى أمراً، وما كان من الأقران بعضهم من بعض التماساً، قال صاحب السلم: أمر مع استعلا وعكسه دعا … وفي التساوي فالتماس وقعا (٣)

стр. 22

والحاصل أن الصيغة الواحدة تفرق بحسب النظر للمخاطَب والمخاطِب إن كانا متساويين أو أحدهما أعلى من الآخر (١). وهذا ما ذهب إليه جمع من علماء أهل البلاغة والمنطق وهو مذهب المعتزلة وبعض الفقهاء واعترض عليه بأنه ورد إطلاق لفظ الأمر على غير هذا الوجه في مثل قول فرعون لقومه ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الأعراف: ١١٠] والمقام للمشورة، وفرعون أعلى منهم رتبة (٢). ٢ - العبادة: وهذا المعنى ورد بكثرة في استعمالات القرآن الكريم والسنّة، وكلام أهل العلم، وممن صرح بهذا المعنى أبو إسحاق الزجاج (٣) فإنه قال في قوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]: "معنى الدعاء الله على ثلاثة أضرب، فضرب منها توحيده والثناء عليه، كقولك: يا الله لا إله إلا أنت" وقولك: "ربنا لك الحمد. . ." (٤). وقال الزجاج أيضاً عند قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] في تفسير خفية: "أي اعتقدوا عبادته في أنفسكم لأن الدعاء معناه العبادة" (٥). كما صرح بهذا المعنى أيضاً كثير من اللغويين والمفسرين (٦)، فمن

стр. 23

هؤلاء: الإمام أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري اللغوي المشهور (ت ٣٧٠ هـ)، فإنه قال: "وقد يكون الدعاء عبادة، ومنه قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٤] أي الذين تعبدون من دون الله. . ." ثم ذكر إطلاقه على توحيد الله وثنائه الذي هو بمعنى عبادته وذكره تعالى ثم قال: "وروي مثل ذلك عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا﴾ [الكهف: ١٤] أي لن نعبد إلهاً دونه. وقال : ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ [الصافات: ١٢٥]، أتعبدون رباً سوى الله وقال: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الشعراء: ٢١٣]، أي لا تعبده" (١). وفوق هذا البيان من أهل اللغة بيان الرسول ﷺ هذا المعنى بقوله: "الدعاء هو العبادة" (٢) ولا حاجة بعد ذلك إلى بيان أحد من البشر، ولكن ذكرنا ذلك للاستئناس بأقوال العلماء. ومن استعماله في هذا المعنى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٦]. وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧)﴾ [النساء: ١١٧]، وقوله سبحانه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الكهف: ٢٨] وقد تقدم ذكر بعض الأمثلة في كلام الأزهري.

стр. 24

٣ - الرغبة إلى الله : وهذا المعنى ذكره غير واحد من علماء اللغة، وقدمه كثير منهم على غيره من معاني الدعاء الأخرى في سردهم لتلك المعاني، منهم صاحب المحكم، وصاحب القاموس، وصاحب المصباح، وصاحب الكليات (١). وهذا المعنى أعم من المعنيين السابقين إذ الرغبة تارة تكون بالمسألة، وتارة بالعبادة والثناء، فالرغبة تحصل بالنوعين: السؤال، والعبادة، كما أن الرغبة هي سبب باعث على الطلب والسؤال، وباعث أيضاً على العبادة والثناء، فيكون الدعاء من آثار الرغبة ونتائجها، وتكون الرغبة لازمة له، ومن هنا ندرك أنه لا تنافي بين هذه المعاني بل هي متلازمة ومتداخلة. ٤ - الاستغاثة والاستعانة: وهذا المعنى ذكره كثيرون من علماء اللغة وعلماء تفسير القرآن الكريم (٢). ومن شواهد استعماله قوله تعالى: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣]. قال الفراء (٣): وادعوا شهداءكم من دون الله" يقول: "آلهتكم،

стр. 25

يقول: استغيثوا بهم، وهو كقولك للرجل إذا لقيت العدو خالياً: فادع المسلمين، ومعناه استغث بالمسلمين، فالدعاء ههنا بمعنى الاستغاثة" (١). وقال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ) في تفسير هذه الآية: "أي ادعوهم ليعاونوكم على سورة مثله ومعنى الدعاء هاهنا - الاستغاثة -، ومنه دعاء الجاهلية، ودعوى الجاهلية، وهو قولهم: يا آل فلان، إنما هو استغاثتهم" (٢). وهذا المعنى الذي هو الاستغاثة والاستعانة هو نوع من أنواع المعنى الأول الذي هو السؤال والطلب فهو قسم منه لا قسيم له (٣). ٥ - النداء والصياح: وقد ذكره أيضاً غير واحد من علماء اللغة وعلماء تفسير غريب القرآن الكريم (٤) ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الكهف: ٥٢]. وقوله تقدست أسماؤه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٥].

стр. 26

وقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠]. وقوله عز من قائل: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [الروم: ٥٢]. وقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة: ١٧١]. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر: ٦]. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٥٢]. ثم إن الدعاء إذا استعمل بمعنى النداء يتعدى لواحد" (١) تقول: دعوت زيداً أي ناديته ففي هذا المثال تعدى للمفعول الواحد فقط وهو زيداً. ٦ - القول: ذكره غير واحد من العلماء (٢). ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٥]. وقوله تعالى: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٥]. وقوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال أبو عبيدة معمر بن المثنى

стр. 27

في تفسير هذه الآية: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا﴾: أي دعاؤهم أي قولهم وكلامهم (١)، وقال به قتادة بن دعامة أيضاً (٢). وقوله تعالى: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج: ١٣]. فقد ذهب أبو إسحاق الزجاج إلى أن يدعو في الآية: "بمنزلة يقول، ولمن مرفوع بالابتداء، ومعناه يقول: لمن ضره أقرب من نفعه - إلهٌ وربٌّ .. وكذلك قول عنترة: يَدْعُونَ عنترَ والرماحُ كأنها … أَشْطَانُ بئرٍ في لَبَانِ الأَدْهَم (٣) معناه: يقولون: يا عنتر، فدلت يدعون عليها" (٤). ٧ - التسمية: ذكرها كثير من علماء اللغة (٥). ومما ورد من استعماله في هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥]. ويتعدى في هذا الحال إلى المفعول الأول بنفسه، وإلى الثاني بالباء، وقد تحذف الباء فيتعدى إلى الثاني أيضاً.

стр. 28

تقول: دعوته بزيد، ودعوته زيداً أي سميته به. قال الشاعر: أَهْوَى لَهَا مِشْقَصاً حَشْراً فَشَبْرَقَهَا … وَكُنْتُ أَدْعُو قَذَاهَا الإِثْمِدَ الْقَرِدَا (١) أي أسميه وأراد أهوى لها بمشقص فحذف الحرف وأوصل (٢) وقد يحذف المفعول الثاني ويستغنى بالأول نحو دعوت زيداً، والأصل دعوته زيداً (٣). ٨ - الحث على الشيء والحض عليه والسوق إليه: وقد ذكره كثير من أهل العلم (٤)، وقد ورد استعماله في هذا المعنى في الكتاب العزيز كثيراً، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [يونس: ٢٥]. وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣]. وقوله تعالى في قصة صاحب آل فرعون: ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى

стр. 29

﴿النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ [غافر: ٤١، ٤٢]. وقوله : ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦]. وقوله تعالى: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٣١]. والمشهور في مصدر دعا بهذا المعنى، هو الدعوة، فهي أكثر استعمالاً في هذا المعنى من استعمالها بمعنى السؤال. ٩ - إنزال مكروه: ذكر هذا المعنى جماعة من علماء اللغة (١) وقالوا: إن العرب تقول: دعاه الله بما يكره، أي أنزله به وذكروا له شاهداً من قول الشاعر: دَعَاكَ اللَّهُ من قَيْسٍ بِأَفْعَى … إِذَا نَام العيونُ سَرَتْ عَلَيْكَا (٢) هذا حاصل ما وقفت عليه من معاني كلمة الدعاء وما تصرف عنها وقد بقيت عدة معاني ذكرها بعض العلماء، وعند إمعان النظر ترجع إلى المعاني المذكورة السابقة فتكون من بعض أفراد المعاني السابقة وليست جديدة، وسأذكر تلك المعاني مع شواهدها، وأبين رجوعها إلى المعاني السابقة، مع الإشارة إلى من جعلها من معاني الدعاء.

стр. 30

ف من تلك المعاني: ١ - الرفعة والتنويه: فقد ذكر هذا المعنى الراغب الأصفهاني، وفسر به قوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ﴾ (١) [غافر: ٤٣]. وهذا الذي قاله الراغب ﵀ فيه نظر، فقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ من معاني الدعاء الاستغاثة، ثم قال: "ويطلق أيضاً على رفعة القدر كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ﴾ كذا قال الراغب، ويمكن رده إلى الذي قبله" (٢). ويؤيد الاحتمال الذي أبداه الحافظ أن أقوال المفسرين في الآية تدور حول المعاني الآتية: أحدها: أنه ليس له استجابة دعوة أي دعاءٍ أي لا يستجيب لأحد في الدنيا ولا في الآخرة. ثانيها: أنه ليست له دعوة إلى عبادته في الدنيا لأن الأوثان لا تدَّعِي الربوبية ولا تَدْعُو إلى عبادتها، وفي الآخرة تتبرأ من عابديها. وثالثها: أنه ليس له شفاعة (٣). فتبين مما تقدم أن "دعوة" في الآية معناها يرجع إما إلى الدعاء بمعنى الطلب والمسألة على المعنى الأول والثالث لأن الشفاعة نوع من الدعاء، أو يرجع إلى الدعاء بمعنى الحث على المعنى الثاني.

стр. 31

وقد تقدم كل من المعنيين فيكون هذا المثال داخلاً في أحدهما، وبهذا يتضح أن هذا المعنى الذي ذكره الراغب للدعاء لا يصح الاستشهاد عليه بالآية المذكورة إذا لم يكن هناك شاهد آخر من اللغة الفصحى يدل له، فعلى هذا لا يصح عده من معاني الدعاء اللغوية مع العلم بأن المعاجم اللغوية الأخرى التي اطلعنا عليها لم تذكر هذا المعنى. ٢ - العذاب: فقد ذكره بعض علماء اللغة (١) ومثلوا له بقوله تعالى: ﴿إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾ [المعارج: ١٥ - ١٧]. وقالوا: إن دعوتها لهم هو ما تفعل بهم من الأفاعيل، وادَّعوا أن هذا المعنى هو الصحيح، وأنه ليس بمعنى النداء، الحقيقي، قال ابن سيده: "وقيل هو من الدعاء الذي هو النداء وليس بقوي" (٢). وهذا الذي قالوه غير صحيح، لأنه خروج عن ظاهر اللغة بدون ضرورة تلجيء إليه، وذلك من تحريف الكلم عن مواضعه وقد تسرب هذا التأويل إلى هؤلاء اللغويين من المعتزلة والجهمية الذين فتحوا باب التأويل والتحريف في كلام الله ورسوله وقلدهم بعض علماء اللغة بدون إحاطة بما يحتوي كلامهم عليه من المفاسد. ثم إن هؤلاء فروا من القول بنداء النار، وكلامها وهذا أمر ثابت بغير هذه الآية من الكتاب والسنة بعبارات صريحة لا تحتمل التأويل، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]. وعن أبي

стр. 32

هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اشتكت النار إلى ربها فقالت: رب أكل بعضي بعضاً، فأذن لها بنفسين. . ." (١). وعنه ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "تحاجت الجنة والنار" فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: مالي لا يدخلني إلّا ضعفاء الناس وسَقَطُهم، قال الله ﵎ للجنة: "أنتِ رحمتي أرحم بكِ من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنتِ عذاب أعذب بكِ من أشاء من عبادي. . ." (٢). وعن أنس بن مالك ﵁ أن نبي الله ﷺ قال: "لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد حتى يضع فيها رب العزة ﵎ قدمه فتقول: قط قط وعزتك، ويزوي بعضها إلى بعض" (٣). وقد دلت هذه النصوص القطعية الصريحة على أن النار تتكلم حقيقة، فبذلك يصح أنها تنادي، فلا حاجة إلى تأويل "تدعو" في الآية إلى تعذب، ثم إن هذا المعنى الذي هو العذاب لو ثبت لغوياً أنه من معاني الدعاء فهو داخل تحت إنزال المكروه فهو ليس معنى جديداً. ٣ - الاستفهام: فقد ذكره بعض علماء تفسير غريب القرآن (٤). ومثلوا له بقوله تعالى في قصة مراجعة بني إسرائيل لموسى ﵇ في ذبح البقرة: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [البقرة: ٦٨، ٦٩، ٧٠] أي استفهم لنا ربك. وهذا المعنى راجع إلى المعنى الأول الذي هو الطلب فإن الاستفهام

стр. 33

قسم من أقسام الطلب وليس قسيماً له ومما يدل على رجوعه إلى ذلك ما روي عن الكلبي (١) أنه فسره بقوله: "سل لنا ربك" (٢). ٤ - الجعل: فقد ذكره بعضهم من معاني الدعاء (٣) ومثلوا له بقوله تعالى: ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١)﴾ [مريم: ٩١] وبقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ [لقمان: ٣٠]، وبقول الشاعر: أَهْوَى لها مِشْقَصاً حَشْراً فَشَبْرَقَها … وكنت أدعو قَذَاها الإِثْمِدَ القردَا (٤) وبقول آخر: أَلَا رُبَّ من تَدْعُو نصيحاً وإِن تَغِبْ … تَجِدْهُ بِغَيْبٍ غَيْرَ مُنْتَصِحِ الصَّدْرِ (٥) وترجع هذه الأمثلة إلى ما تقدم من المعاني. ففي الآية الأولى ذهب الأكثرون إلى أنها بمعنى سموا، فترجع إلى معنى التسمية، فعلى هذا فإن الدعاء بمعنى التسمية يتعدى إلى مفعوليه كما تقدم، اقتصر هنا على المفعول الثاني، وحذف الأول ليفيد العموم والإحاطة لكل ما دعي له ولداً من عيسى وعزير وغيرهما (٦).

стр. 34

وفي الآية الثانية بمعنى العبادة أو السؤال كما هو واضح، وسيأتي ما يؤيد أنها بمعنى العبادة (١)، وفي البيتين يرجع الدعاء إلى معنى التسمية، فقوله: "وكنت أدعو قذاها" أي أسميه (٢)، وقوله: "من تدعو نصيحًا" أي تسميه نصيحًا، وتلقبه بذلك. ٥ - الاستحضار: فقد ذكره بعضهم (٣) ومثل له بقوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾ [ص: ٥١]. وقولهم: دعا بالكتاب أي استحضره، وهذا راجع إلى معنى الطلب أيضًا، فالمعنى أنه طلب حضور الكتاب في المثال الثاني، وأما في الآية فالمعنى أن أهل الجنة يسألون ويطلبون الفواكه الكثيرة والشراب. ٦ - الندبة: فقد ذكر هذا المعنى كثير من علماء اللغة وقالوا: "يقال: دعا الميت: ندبه" (٤) والظاهر أنه يرجع إلى معنى النداء، فلذلك قال ابن سيده وغيره: "ودعا الميت ندبه كأنه ناداه" (٥) ففيه معنى النداء فيرجع إليه. ٧ - الثناء: فقد ذكره بعضهم (٦) ومثل له بقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا

стр. 35

الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ [الإسراء: ١١٠]. وفي التمثيل بهذه الآية نظر، لأن الدعاء هنا إما بمعنى النداء على ما اختاره أبو حيان وجماعة (١) أو بمعنى التسمية على ما اختاره الزمخشري (٢) أو بمعنى السؤال المتضمن معنى التسمية على ما اختاره ابن القيم. وقد عقب ابن القيم على اختيار الزمخشري بأنها بمعنى التسمية، فقال: "وهذا الذي قاله هو من لوازم المعنى المراد بالدعاء في الآية، وليس هو عين المراد، بل المراد بالدعاء معناه المعهود المطرد في القرآن وهو دعاء السؤال ودعاء الثناء ولكنه متضمن معنى التسمية فليس المراد مجرد التسمية الخالية عن العبادة والطلب بل التسمية الواقعة في دعاء الثناء والطلب، فعلى هذا المعنى يصح أن يكون في تدعوا معنى تسموا فتأمله، والمعنى أيًّا ما تسموا في ثنائكم ودعائكم وسؤالكم والله أعلم" (٣). والحاصل أن التمثيل بالآية غير متفق عليه مع احتماله لمعنى الثناء ولكنه في معنى السؤال أظهر كما يدل عليه سبب النزول (٤) فلا يعد هذا المعنى معنى مستقلًا للدعاء. ٨ - الإيمان: فقد فسر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧] بقوله ﵁: "يقول: لولا إيمانكم" (٥).

стр. 36

وقد ذكره أيضًا البخاري ﵀ في كتاب الإيمان فقال: "دعاؤكم، إيمانكم" (١)، فالبخاري يشير بهذا إلى "أن الدعاء عمل، وقد أطلقه على الإيمان، فيصح إطلاق أن الإيمان عمل" (٢) فهو يستدل بهذا على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان. وذكر محمد صديق حسن خان (ت ١٣٠٧ هـ) ﵀: أن "أصل الدعاء في اللغة الإيمان" (٣) وهذا الذي قاله لم أجد من سبقه إليه، فإن ابن عباس والبخاري إنما ذهبا إلى أن معنى الدعاء في الآية - الإيمان - ولم يقولا: بأنه هو الأصل في اللغة، مع أن كلامهما يمكن أن يحمل على أنهما أرادا بالإيمان العبادة لأن معنى الإيمان عند الإفراد يشمل جميع أنواع العبادة، وجميع أنواع الطاعات كما ذكر ذلك في مسألة الفرق بين الإيمان والإسلام والفقير والمسكين، وإطلاق الدعاء على العبادة ثابت كما تقدم. ومما يدل على هذا الاحتمال أن ابن جرير فسر الدعاء في الآية بالعبادة والطاعة، ثم قوى هذا التفسير بقول ابن عباس: "لولا إيمانكم" (٤) فدل على أنه يرى أنه لا فرق بين تفسير الدعاء بالعبادة وبين تفسيره بالإيمان فكلاهما يطلق على الآخر. ومن هنا يتضح أن هذا المعنى ليس معنىً مستقلًا، بل هو راجع إلى معنى العبادة الذي تقدم. هذه المعاني المتقدمة هي المعاني التي ذكروها لمادة "د ع و" المجردة. وأما مادة "د ع و" المزيدة فقد ذكروا لها معاني أغلبها ترجع إلى هذه

стр. 37

المعاني عند التأمل، ومن المعاني التي ذكروها: التمني، والزعم، والتداعي. ١ - أما التمني: فقد ذكره كثير من العلماء (١) ومثلوا له بقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧]، وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: ٣١]، وبنحو قولهم: "فلانٌ في خير ما ادَّعَى" أي ما تمنَّى وقولهم: "ادَّعِ عليَّ ما شِئْتَ" أي تَمَنَّ عَلَيَّ (٢). وهذا المعنى يرجع عند التأمل إلى معنى الطلب إذ التمني أحد أنواع الطلب ومما يقوي هذا المعنى ما قاله الراغب الأصفهاني في تفسير الآية السابقة ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾: أي ما تطلبون (٣) وكذلك ما قاله ابن سيده في المحكم حيث ذكر أن ادعى بمعنى تمنى ثم قال: "وفي التنزيل ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ معناه ما يتمنون، وهو راجع إلى معنى الدعاء أي ما يدعيه أهل الجنة" (٤). ومثله قول الزجاج بعد تفسيره بالتمني: "وهو مأخوذ من الدعاء، المعنى: كل ما يدعو أهل الجنة يأتيهم" (٥)، وقولهم: ادّع علي ما شئت أي اطلب مني ما شئت وقولهم: فلان في خير ما ادعى أي في خير ما طلب.

стр. 38

٢ - وأما الزعم والادعاء حقًا كان أو باطلًا، فقد ذكره بعض أهل العلم (١) ومن أمثلته التي ذكروها قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ [الملك: ٢٧]، أي هذا العذاب الذي زعمتم أنه باطل وأنه لا يقع. ويحتمل رجوعه إلى معنى الطلب أيضًا فالمعنى على ذلك: هذا الذي كنتم تَدْعُون اللَّهَ تعالى بتعجيله يعني قولهم: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢]. فهذا ظاهر على قراءة تدعون بالتخفيف وأما على قراءة التشديد فيحتمل أن يكون تدعون تفتعلون من الدعاء أو من الدعوى (٢) وذكر البغوي القراءتين وأن معناهما واحد مثل تذكرون وتذكرون وقال: "تفتعلون من الدعاء أي أن تدعوه وتتمنوه أنه يجعله لكم" (٣). ٣ - وأما التداعي والتساقط فقد ذكرته طائفة أهل اللغة (٤) ومن أمثلته حديث: يُوْشِكُ أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها" (٥). وقولهم: "تداعت الحيطان" أي تساقطت. وهذا المعنى راجع إلى النداء فمعنى أن تداعى عليكم الأمم: أي

стр. 39

تجتمع ويدعو بعضهم بعضًا، كما في النهاية (١). وفي المثال الثاني جعل الحيطان كأنه يدعو بعضه بعضًا كما سبقت الإشارة إلى ذلك في كلام ابن فارس (٢). المطلب الثالث: في المعنى الشرعي للدعاء والمناسبة بينه وبين المعنى اللغوي: قد تنوعت عبارات العلماء في تعريف الدعاء، وتعددت كلماتهم، وكلها تهدف إلى الكشف عن حقيقة معناه الشرعي، وإليك بعض تلك العبارات: قال أبو سليمان الخطابي (ت ٣٨٨ هـ): "ومعنى الدعاء: استدعاء العبد ربه العناية، واستمدادُه إياه المعونةَ، وحقيقته إظهار الافتقار إليه، والتبرؤ من الحول والقوة" (٣). وقال أبو عبد الله الحسين بن الحسن الحَلِيميُّ (ت ٤٠٣ هـ): "الدعاء: قول القائل: يا الله يا رحمن يا رحيم وما أشبه ذلك" (٤). وقال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي (ت ٥٤٣ هـ): "حقيقة الدعاء مناداة الله تعالى لما يريد من جلب منفعة أو دفع مضرة من المضار والبلاء بالدعاء، فهو سبب لذلك، واستجلاب لرحمة المولى" (٥).

стр. 40

وقال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية (ت ٧٢٨ هـ): "إن دعاء المسألة: هو طلبُ ما ينفع الداعي، وطلبُ كشفِ ما يضره، ودَفْعِهِ" (١). وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب (ت ١٢٠٦ هـ): "وهو الطلب بياء النداء لأنه ينادى به القريب والبعيد، وقد يستعمل في الاستغاثة أو بأحد أخواتها" (٢). وعرفه الشيخ حسين بن مهدي النعمي اليمني (ت ١١٨٧ هـ) بقوله: فالمعنى الذي هو راجع وضعًا لا قصدًا إلى القوي القادر، بحيث لا يصلح إلا له، ولا يتحصل إلا به أو عنه، اسمُ طلبه والتماسِه، واللفظُ الذي يكون له هو الدعاء وضعًا وشرعًا والدعاء في لسان أنبياء الله ورسله وكتابه - اسمٌ لطلب ذلك المعنى -" (٣) وقال أيضًا: "إن الدعاء عند المتشرعة والإسلاميين طَبْعٌ وهيئةٌ لازمةٌ طلبَ العاجزِ للقادر وسؤاله منه" (٤) وعرفه أيضًا بتعريف آخر أطول هذا يرجع إلى هذا المعنى (٥). وعرفه الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (ت ١٢٨٥ هـ) بقوله: "هو السؤال والطلب رغبة أو رهبة أو مجموعهما" (٦). وهناك تعريفات
следующие страницы →