← Акыда

Акыда · id 1201

الدعاء ومنزلته من العقيدة الإسلامية

جيلان بن خضر العروسي

Полный текст (973 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وقد ذكره أيضًا البخاري ﵀ في كتاب الإيمان فقال: "دعاؤكم، إيمانكم" (١)، فالبخاري يشير بهذا إلى "أن الدعاء عمل، وقد أطلقه على الإيمان، فيصح إطلاق أن الإيمان عمل" (٢) فهو يستدل بهذا على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان. وذكر محمد صديق حسن خان (ت ١٣٠٧ هـ) ﵀: أن "أصل الدعاء في اللغة الإيمان" (٣) وهذا الذي قاله لم أجد من سبقه إليه، فإن ابن عباس والبخاري إنما ذهبا إلى أن معنى الدعاء في الآية - الإيمان - ولم يقولا: بأنه هو الأصل في اللغة، مع أن كلامهما يمكن أن يحمل على أنهما أرادا بالإيمان العبادة لأن معنى الإيمان عند الإفراد يشمل جميع أنواع العبادة، وجميع أنواع الطاعات كما ذكر ذلك في مسألة الفرق بين الإيمان والإسلام والفقير والمسكين، وإطلاق الدعاء على العبادة ثابت كما تقدم. ومما يدل على هذا الاحتمال أن ابن جرير فسر الدعاء في الآية بالعبادة والطاعة، ثم قوى هذا التفسير بقول ابن عباس: "لولا إيمانكم" (٤) فدل على أنه يرى أنه لا فرق بين تفسير الدعاء بالعبادة وبين تفسيره بالإيمان فكلاهما يطلق على الآخر. ومن هنا يتضح أن هذا المعنى ليس معنىً مستقلًا، بل هو راجع إلى معنى العبادة الذي تقدم. هذه المعاني المتقدمة هي المعاني التي ذكروها لمادة "د ع و" المجردة. وأما مادة "د ع و" المزيدة فقد ذكروا لها معاني أغلبها ترجع إلى هذه

стр. 37

المعاني عند التأمل، ومن المعاني التي ذكروها: التمني، والزعم، والتداعي. ١ - أما التمني: فقد ذكره كثير من العلماء (١) ومثلوا له بقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧]، وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: ٣١]، وبنحو قولهم: "فلانٌ في خير ما ادَّعَى" أي ما تمنَّى وقولهم: "ادَّعِ عليَّ ما شِئْتَ" أي تَمَنَّ عَلَيَّ (٢). وهذا المعنى يرجع عند التأمل إلى معنى الطلب إذ التمني أحد أنواع الطلب ومما يقوي هذا المعنى ما قاله الراغب الأصفهاني في تفسير الآية السابقة ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾: أي ما تطلبون (٣) وكذلك ما قاله ابن سيده في المحكم حيث ذكر أن ادعى بمعنى تمنى ثم قال: "وفي التنزيل ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ معناه ما يتمنون، وهو راجع إلى معنى الدعاء أي ما يدعيه أهل الجنة" (٤). ومثله قول الزجاج بعد تفسيره بالتمني: "وهو مأخوذ من الدعاء، المعنى: كل ما يدعو أهل الجنة يأتيهم" (٥)، وقولهم: ادّع علي ما شئت أي اطلب مني ما شئت وقولهم: فلان في خير ما ادعى أي في خير ما طلب.

стр. 38

٢ - وأما الزعم والادعاء حقًا كان أو باطلًا، فقد ذكره بعض أهل العلم (١) ومن أمثلته التي ذكروها قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ [الملك: ٢٧]، أي هذا العذاب الذي زعمتم أنه باطل وأنه لا يقع. ويحتمل رجوعه إلى معنى الطلب أيضًا فالمعنى على ذلك: هذا الذي كنتم تَدْعُون اللَّهَ تعالى بتعجيله يعني قولهم: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢]. فهذا ظاهر على قراءة تدعون بالتخفيف وأما على قراءة التشديد فيحتمل أن يكون تدعون تفتعلون من الدعاء أو من الدعوى (٢) وذكر البغوي القراءتين وأن معناهما واحد مثل تذكرون وتذكرون وقال: "تفتعلون من الدعاء أي أن تدعوه وتتمنوه أنه يجعله لكم" (٣). ٣ - وأما التداعي والتساقط فقد ذكرته طائفة أهل اللغة (٤) ومن أمثلته حديث: يُوْشِكُ أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها" (٥). وقولهم: "تداعت الحيطان" أي تساقطت. وهذا المعنى راجع إلى النداء فمعنى أن تداعى عليكم الأمم: أي

стр. 39

تجتمع ويدعو بعضهم بعضًا، كما في النهاية (١). وفي المثال الثاني جعل الحيطان كأنه يدعو بعضه بعضًا كما سبقت الإشارة إلى ذلك في كلام ابن فارس (٢). المطلب الثالث: في المعنى الشرعي للدعاء والمناسبة بينه وبين المعنى اللغوي: قد تنوعت عبارات العلماء في تعريف الدعاء، وتعددت كلماتهم، وكلها تهدف إلى الكشف عن حقيقة معناه الشرعي، وإليك بعض تلك العبارات: قال أبو سليمان الخطابي (ت ٣٨٨ هـ): "ومعنى الدعاء: استدعاء العبد ربه العناية، واستمدادُه إياه المعونةَ، وحقيقته إظهار الافتقار إليه، والتبرؤ من الحول والقوة" (٣). وقال أبو عبد الله الحسين بن الحسن الحَلِيميُّ (ت ٤٠٣ هـ): "الدعاء: قول القائل: يا الله يا رحمن يا رحيم وما أشبه ذلك" (٤). وقال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي (ت ٥٤٣ هـ): "حقيقة الدعاء مناداة الله تعالى لما يريد من جلب منفعة أو دفع مضرة من المضار والبلاء بالدعاء، فهو سبب لذلك، واستجلاب لرحمة المولى" (٥).

стр. 40

وقال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية (ت ٧٢٨ هـ): "إن دعاء المسألة: هو طلبُ ما ينفع الداعي، وطلبُ كشفِ ما يضره، ودَفْعِهِ" (١). وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب (ت ١٢٠٦ هـ): "وهو الطلب بياء النداء لأنه ينادى به القريب والبعيد، وقد يستعمل في الاستغاثة أو بأحد أخواتها" (٢). وعرفه الشيخ حسين بن مهدي النعمي اليمني (ت ١١٨٧ هـ) بقوله: فالمعنى الذي هو راجع وضعًا لا قصدًا إلى القوي القادر، بحيث لا يصلح إلا له، ولا يتحصل إلا به أو عنه، اسمُ طلبه والتماسِه، واللفظُ الذي يكون له هو الدعاء وضعًا وشرعًا والدعاء في لسان أنبياء الله ورسله وكتابه - اسمٌ لطلب ذلك المعنى -" (٣) وقال أيضًا: "إن الدعاء عند المتشرعة والإسلاميين طَبْعٌ وهيئةٌ لازمةٌ طلبَ العاجزِ للقادر وسؤاله منه" (٤) وعرفه أيضًا بتعريف آخر أطول هذا يرجع إلى هذا المعنى (٥). وعرفه الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (ت ١٢٨٥ هـ) بقوله: "هو السؤال والطلب رغبة أو رهبة أو مجموعهما" (٦). وهناك تعريفات

стр. 41

أخرى (١) تدور حول التعريفات السابقة. وكل هذه التعريفات خاصة بأحد نوعي الدعاء، وهو دعاء المسألة ولا تشمل دعاء العبادة، ولكن يمكن أن تشمله بطريق التلازم، وذلك بأن يقال: إن المراد من دعاء العبادة هو طلب الثواب والخوف من العقاب فهو طلب جلب منفعة أو دفع مضرة كما يأتي بيان ذلك عند ذكر تلازم نوعي الدعاء. ولعل التعريف الشامل أن يقال: "الرغبة إلى الله تعالى والتوجه إليه، في تحقيق المطلوب، أو دفع المكروه، والابتهال إليه في ذلك إمَّا بالسؤال، أو بالخضوع والتذلل، والرجاء والخوف والطمع". فقولنا بالسؤال يراد به دعاء المسألة وقولنا: أو بالخضوع .. إلخ يراد به دعاء العبادة فشمل التعريف نوعي الدعاء، فصار جامعًا مانعًا. وسيأتي مزيد بيان لهذين النوعين من الدعاء في مبحث أنواع الدعاء إن شاء الله تعالى. وأما المناسبة بين المعنى اللغوي والشرعي فواضحة إذ الدعاء في اللغة كما تقدم يطلق على الطلب والعبادة والرغبة فهذه المعاني موجودة

стр. 42

في المعنى الشرعي إذ الداعي - سواء كان دعاء مسألة أو عبادة - طالب للأجر والثواب أو طالب لحاجته من نيل مرغوب أو دفع مرهوب، كما أنه راغب إلى الله تعالى في تحقيق ذلك، ومستعينٌ بالله تعالى، ومستغيثٌ به في ذلك، ومنادٍ له بقوله: يا رب أو اللهم إلخ … فأغلب المعاني اللغوية التي للدعاء لها مناسبة جلية للمعنى الشرعي. ثم بعد هذه التعريفات المتعددة لمعنى الدعاء الشرعي بقي أن نعلم أن معنى الدعاء القائم بقلب المؤمن، ووجدانه، وشعوره، وراء هذه العبارات اللفظية، وإنما هذه العبارات تمثيل وإشارة، وتفهيم، وتقريب. وإلا فما يقوم بالقلب حينئذ من الرغبة والابتهال، والانطراح بين يدي الرب، والافتقار إليه، والتذلل بين يديه والالتجاء إليه والاعتصام به، والتزلف إليه: أمرٌ لا تحيط به العبارة. ونظير هذا التعبير عن معنى بقية الأعمال الصالحة القلبية، كمحبة الله وخشيته، وإجلاله، ومهابته ورجائه والتوكل عليه، فإن العبارة تقصر عن وصف ذلك، مهما تنوعت العبارات، ولا تدرك حقيقة تلك الأعمال إلّا بالاتصاف بذلك، لا بمجرد الوصف والخبر (١).

стр. 43

المبحث الثاني في الكلمات الدالة على معنى الدعاء ويشتمل على مقدمة ومطلبين: المقدمة: في وجوب الاعتناء بمعرفة الأسماء الشرعية، وأقسام الكلمات، والأسباب الداعية لشرحها. المطلب الأول: في الكلمات المرادفة للدعاء. المطلب الثاني: في الكلمات الخاصة بنوع معين من أنواع الدعاء.

стр. 44

مقدمة في الأسباب الداعية إلى التعرض لشرح هذه الكلمات، وفي ذكر أقسامها ومما ينبغي أن يعلم أنه يجب الاعتناء بمعرفة معاني الأسماء الشرعية، وتعريفاتها وما أراد الشارع منها. فإن بيّن الشارع مراده منها يجب معرفة ذلك البيان والالتزام به وإن كان مما هو معروف لدى أهل اللغة العربية فينبغي معرفة معناه في لغتهم أو عرفهم (١). وذلك لأن معرفة الأسماء الشرعية من معرفة حدود ما أنزل الله تعالى، وقد ذم الله تعالى من لا يعرف حدود ما أنزل الله على رسوله فقال: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧]. ثم إن تلك المعرفة يتعلق بها قيام مصالح الناس (٢) ليتعاملوا على أساسه حتى لا تختلط المفاهيم، وتتضارب الاصطلاحات.

стр. 45

هذا في الأسماء الشرعية العامة، وأما في الأسماء الشرعية الأصولية الاعتقادية التي يسبب عدم معرفتها الضلال في الدين وربما يؤدي إلى الخروج عن الإسلام جملة. ففي هذه الأسماء يجب الاعتناء أكثر، حتى تتضح معالم الدين والتوحيد، ومعالم الشرك وذرائعه، ووسائله، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة. فلهذا فإني سأتعرض لشرح معنى بعض الأسماء التي تشترك مع الدعاء في المفهوم، ولها دلالة على معنى الدعاء. لكلمة الدعاء نظائر، وأخوات، في اللغة، والاستعمال، تستخدم استخدام كلمة الدعاء وترد بمعناها، أو ببعض معناها، وقد تتعاقب مع الدعاء في موضوعات متشابهة، وبين تلك الكلمات وبين كلمة الدعاء اشتراك ومناسبة، وقد تكون تلك النسبة ترادفًا (١)، وقد تكون عمومًا وخصوصًا من وجه (٢)، وقد تكون عمومًا وخصوصًا مطلقًا (٣)، وهذه الكلمات ترد في ثنايا هذه الرسالة مرارًا وتكرارًا، والبحث والتنقيب عن هذه الكلمات، والكشف عن معانيها، وعلاقتها بالدعاء، يزيد معنى الدعاء وضوحًا وبيانًا ويزيد القارئ فهمًا وإدراكًا وإحاطة بالبحث بجوانبه المختلفة، كما أن القرآن الكريم قد ترد فيه بعض هذه الكلمات متعاقبة للدعاء، وهذا يقتضي معرفة معاني هذه الكلمات، وبيان مجيئها بمعنى الدعاء وذكر وجه المناسبة والعلاقة بين هذه الكلمات من جهة، وبين الدعاء من جهة أخرى حتى تتضح الصورة الكاملة لمعنى الدعاء ونظائره. وسأذكر إن شاء الله تعالى هذه الكلمات وأقتصر على الكلمات الكثيرة

стр. 46

التوارد في الكتاب والسنة واستعمال أهل العلم دون الكلمات التي يندر استعمالها أو التي تستعمل في دعاء خاص نادر الوقوع كالتسميت والتشميت فقد وردا بمعنى الدعاء للعاطس والأَلّ بمعنى رفع الصوت بالدعاء والمَلَق بمعنى الدعاء والتضرع (١). فهذه وأمثالها لا أعقد المقارنة بينها وبين كلمة الدعاء، لعدم كثرة استعمالها في الكتاب والسنة وكلام أهل العلم. وهذه الكلمات الدالة على معنى الدعاء يمكن تقسيمها إلى الأقسام التالية: أ - قسم يستعمل مرادفًا للدعاء أو أعم من الدعاء، ومن هذا القسم كلمة العبادة والذكر، والصلاة، والاستعانة. ب - قسم خاص بنوع معين من أنواع الدعاء، وهذا القسم يتنوع إلى ثلاثة أنواع: ١ - النوع الأول: ما كان مختصًا بالاستعمال في دفع المكاره والمضار، ومن هذا النوع: كلمة الاستعاذة، والاستغاثة، والاستجارة، واللياذة، والاستغفار والشفاعة. ٢ - النوع الثاني: ما كان مختصًا بالاستعمال في جلب المنافع والمسار، ومن هذا النوع النوع كلمة السؤال. ٣ - النوع الثالث: ما كان مختصًا بالاستعمال في صفة معينة من صفات الدعاء، ومن هذا النوع كلمة النداء، والجؤار، والابتهال. المطلب الأول: في القسم الأول: وهو ما يستعمل مرادفًا للدعاء أو أعم من الدعاء. ومن كلمات هذا القسم:

стр. 47

العبادة: إن كلمتي الدعاء والعبادة قد تكرر ورودهما في القرآن الكريم على مورد واحد، وتعاقبهما على موضوع واحد أو على موضوعات متشابهة، كما أنه ورد في القرآن جمعهما في آية واحدة وسياق واحد باستعمال إحداهما في صدر الكلام والأخرى في نهايته، أو عطف جملة فيها إحدى الكلمتين على جملة فيها الأخرى، بحيث لو أن إحدى الكلمتين رفعت من مكانها ووضعت الأخرى مكانها لاستقام المعنى ولم يحصل خلل في نظم الكلام فهذه الأساليب تدل على اشتراك الكلمتين في المفهوم أو ترادفهما. ويكفي في الدلالة على اشتراكهما ما ورد في الحديث الصحيح الذي رواه النعمان بن بشير ﵄ قال: "سمعت رسول الله ﷺ يخطب ويقول: "إن الدعاء هو العبادة" ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ " (١).

стр. 48

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 49

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 50

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 51

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 52

فهذا الحديث يدل على اتحاد معناهما ومن هنا فلا بد لي من دراسة معنى العبادة وذكر المناسبة بينها وبين الدعاء وبيان تعاقبهما في استعمال القرآن الكريم حتى يتضح معناهما ومدى اشتراكهما في المفهوم. المعنى اللغوي للعبادة (١): يقال عبد الله يعبده عبادة ومعبدًا ومعبدة وعبودة وعبودية خضع له

стр. 53

وذل له وأطاعه، وتأله له وتنسك. فالعبادة والعبودة، والعبودية: الخضوع والتذلل، والطاعة والانقياد، والتأله والتنسك، يقال: طريق معبد أي مذلل وطئته الأقدام وذللته. قال طرفة بن العبد (١): تُبَارِي عِتَاقًا نَاجِيَاتٍ وَأَتْبَعَتْ … وَظِيْفًا وظيفًا فوق مَوْرٍ مُعَبَّد (٢) يعني بالمور الطريق، وبالمعبد المذلل الموطوء، ومن ذلك قيل للبعير المذلل بالركوب في الحوائج: معبد، كما يقال أيضًا للبعير المَهْنُوء بالقَطِرَان: معبد. قال طرفة بن العبد أيضًا: إِلى أَنْ تَحَامَتْنِي العشيرةُ كُلُّها … وأُفْرِدتُ إِفْرادَ البعير الْمُعَبَّدِ (٣) وإنما قيل: معبد للبعير المهنوء بالقطران لأنه يتذلل لشهوته القطران فلا يمتنع. وذكر ابن فارس أن هذه المادة تدل على أصلين كأنهما متضادان:

стр. 54

أحدهما اللين والذل، والآخر الشدة والغلظ، فمن الأول العبد المملوك، والبعير المعبد، والطريق المعبد، ومن الثاني العَبَدَة وهي القوة والصلابة، يقال: هذا ثوب له عَبدَة إذا كان صفيقًا قويًا (١). هذا ومن استعمال العبادة بمعنى الطاعة والانقياد قوله تعالى: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [يس: ٦٠] أي لا تطيعوه، وقوله تعالى: ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧]، أي مطيعون متذللون لنا يدينون لنا والعرب تسمي كل من دان للملك عابدًا له (٢). فتحصل مما سبق أن العبادة في اللغة الخضوع والتذلل، والطاعة، وهل تطلق العبادة على كل خضوع وتذلل أو كل طاعة أم هناك تقييد؟. قال الزجاج: "ومعنى العبادة في اللغة الطاعة مع الخضوع" (٣) فقيد الطاعة بالخضوع. وقال ابن سيده: "وكل خضوع ليس فوقه خضوع فهو عبادة، طاعة كان للمعبود أو غير طاعة، وكل طاعة لله على جهة الخضوع والتذلل فهي عبادة، والعبادة نوع من الخضوع لا يستحقه إلا المنعم بأعلى أجناس النعم كالحياة والفهم والسمع والبصر" (٤). فعلى هذا لا يقال كما قال الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت ١٧٥ هـ): "عبد يعبد عبادة إلا لمن يعبد الله وأما عبدٌ خَدَمَ مولاه فلا يقال عبده" (٥). وأيد عدم الإطلاق إلا في حق الله تعالى الزمخشري وتبعه الصنعاني

стр. 55

فإنه قال في تعريف العبادة: "والعبادة أقصى غاية الخضوع والتذلل … ولذلك لم تستعمل إلا في الخضوع لله تعالى لأنه مولى أعظم النعم، فكان حقيقيًا بأقصى غاية الخضوع" (١). كما يؤيد ذلك أيضًا كلام الراغب الأصفهاني حيث قال: "العبودية إظهار التذلل، والعبادة أبلغ منها لأنها غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال وهو الله تعالى" (٢). ولكن الراغب لم ينف الاستعمال اللغوي، وإنما نفى الاستحقاق. وقد ذهب إلى قريب من تعريف الزمخشري الشيخ محمد رشيد رضا تبعًا لشيخه محمد عبده حيث قال: "ضَرْبٌ من الخضوع بالغٌ حَدَّ النهاية، ناشئٌ عن استشعارِ القلب عظمةً للمعبود لا يعرف منشأها، واعتقادِه بسلطة له لا يدرك كنهها وماهيتها، وقُصَارَى ما يعرفه منها أنها محيطة به، ولكنها فوق إدراكه" (٣). وقريب من هذا تعريف الشيخ عبد الرحمن المعلمي بأنها الخضوع طلبًا للنفع الغيبي (٤) وقال في كتابه العبادة: خضوع اختياري يطلب به نفع غيبي فإن كان الله زيد "بسلطان" وإن كان لغيره زيد "بغير سلطان" (٥).

стр. 56

فعلى هذا لا تطلق العبادة إلا باعتبار الاعتقاد بالسلطة الغيبية، وأما الخضوع بغير اعتقاد للسلطة الغيبية للمخضوع له فليس بعبادة ويفهم من هذا أن العبادة لا تطلق في حق المخلوق، فهذا القول يعكر عليه ما ورد من إطلاق العبادة في حق المخلوق نحو قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ [يونس: ١٨]، وقوله: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧]، ويمكن الإجابة عن هذا بأن الأصل أن لا تستعمل إلا في حق الله تعالى، أو أنه لا يستحقها إلّا هو، كما هو نص عبارة ابن سيده والراغب المتقدمتين. وأما إذا استعملت في غير حق الله تعالى فلاعتقاد العابد السلطة الغيبية لمعبوده فصار إلهه ومعبوده، وكأنه مولى أعظم النعم، فلهذا صرف له ما لا يصرف إلا لذي السلطة القاهرة الغيبية الذي هو العبادة فتحصل من هذا أن قول الزمخشري أن العبادة لم تستعمل إلا في الخضوع لله تعالى لا يستقيم إلا على إرادة أصل الاستعمال أو إرادة الاستحقاق، أو يقال: إنه لاحظ المعنى الشرعي ولم يلاحظ الاستعمال اللغوي وقد أشار إلى هذا الوجه الأخير الشيخ حسين بن مهدي النعمي (١). المعنى الشرعي للعبادة: قد تنوعت عبارات العلماء في بيان وشرح معنى العبادة الشرعي، ولكثرة تلك التعريفات نشير إلى بعضها: ١ - قال ابن كثير: "وفي الشرع عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف" (٢). ٢ - ونحوه قول شيخ الإسلام: "وهي اسم يجمع كمال الحب لله ونهايته، وكمال الذل لله ونهايته، فالحب الخلي عن ذل، والذل الخلي عن

стр. 57

حب لا يكون عبادة وإنما العبادة ما يجمع كمال الأمرين" (١). ونحوه قوله الآخر: "وعبادة الله وحده يدخل فيها كمال المحبة لله وحده، وكمال الخوف منه وحده، والرجاء له والتوكل عليه" (٢). ودلالة العبادة على المحبة ناتجة من أن آخر مراتب الحب هو التتيم، يقال: تَيم الله أي عبد الله فالمتيم المعبد لمحبوبه، ومن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابدًا له، ولو أحب شيئًا ولم يخضع له لم يكن عابدًا له كما قد يحب ولده وصديقه (٣). وعرفها أيضًا بقوله: "اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة" (٤). ٣ - وعرفها الرازي بقوله: "فهي فعل أو قول أو ترك فعل أو ترك قول، ويؤتى به لمجرد اعتقاد أن الآمر به عظيم يجب قبوله" (٥)، وقال أيضًا: "عبارة عن الفعل الذي يؤتى به لغرض تعظيم الغير" (٦). ٤ - وعرفها صالح بن مهدي المقبلي اليمني (ت ١١٠٨ هـ) بقوله: "الاعتراف بما ينبغي بالقول والفعل" ومن لازم الاعتراف الضراع (٧). ٥ - وقال النعمي: "هي وقفك النفس على مطلوب حكم الله تركًا وعملًا واعتقادًا أو استعمال نفسك له وحده تركًا وعملًا واعتقادًا على مقتضى حكمه الطلبي" (٨).

стр. 58

٦ - وعرفها بعضهم بأنها: "ما أمر به شرعًا من غير اطراد عرفي، ولا اقتضاء عقلي" (١). وهذا التعريف ربما يفهم منه أنها خاصة بجانب الأمر فقط والصحيح أنها تشمل جانب الترك الذي هو النهي، والمأثور عن السلف وأهل اللغة تفسيرها بالطاعة فيدخل الأمران (٢). وفي بعض هذه التعريفات نظر لا يخفى ومناقشة هذه التعريفات تطول، وهناك تعريفات أخرى تدور حول هذه التعريفات المذكورة (٣).

стр. 59

وأحسن هذه التعريفات هو ما قاله ابن كثير وابن تيمية رحمهما الله تعالى وذلك لأنه يمثل حقيقة العبادة ويبينها بأدق تعبير وأوجزه مع الشمول والإحاطة. قال الشيخ يوسف القرضاوي في ترجيحه لتعريف شيخ الإسلام ابن تيمية: "فهو ينظر إلى العبادة نظرة أعمق وأوسع فهو يحلل معناها إلى عناصره البسيطة، فيبرز إلى جوار المعنى الأصلي في اللغة وهو غاية الطاعة والخضوع عنصرًا جديدًا له أهمية كبرى في الإسلام وفي كل الأديان عنصرًا لا تتحقق العبادة - كما أمر الله - إلا به، وذلك هو عنصر الحب، فبغير هذا العنصر العاطفي الوجداني لا توجد العبادة التي خلق الله لها الخلق … " (١). فتبين بهذه التعريفات أن الدين كله داخل في مفهوم العبادة بدون استثناء، فعلى هذا فدعاء المسألة داخل في العبادة، وهو واحد من أفراد العبادة الكثيرة المتنوعة بل هو من أجلها وأما دعاء العبادة فهو والعبادة سيان كما هو واضح. ولبيان هذه الحقيقة لا بد من استعراض استعمال القرآن الكريم لهاتين الكلمتين في الأساليب المتنوعة، وقد تقدمت الإشارة إلى أنهما يتعاقبان على موضوع واحد أو على موضوعات متشابهة وإلى أنهما قد يردان في آية واحدة، ونورد بعض الأمثلة على ذلك ونقارن بعضهما ببعض على شكل مجموعات. أمثلة تعاقبهما على موضوع واحد: ١ - قوله تعالى: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ [الحج: ١٢].

стр. 60

٢ - قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا … ﴾ [الأنعام: ٧١]. ٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ [يونس: ١٠٦]. فهذه المجموعة من الآيات التي استعمل فيها متصرفات الدعاء مثل المجموعة التالية التي استعمل فيها متصرفات العبادة من حيث الموضوع ومضمون الكلام فكلا المجموعتين في بيان جهالة المشركين حيث صرفوا عبادتهم لما لا ينفعهم ولا يضرهم، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ﴾ [الفرقان: ٥٥]. وقال عز من قائل: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ [يونس: ١٨]. وقال سبحانه: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [المائدة: ٧٦]. وقال تعالى: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٦]. ومن ذلك أيضًا: قوله تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٥]. وقال سبحانه: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ١٤]. وقال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩]. فهذه المجموعة من الآيات التي استعمل فيها مادة الدعاء مثل المجموعة التالية التي استعمل فيها مادة العبادة فالمجموعتان فيهما الأمر بإخلاص العبادة لله تعالى. قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]. ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢].

стр. 61

﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤]. ومن أمثلة استعمالهما في موضوعات متشابهة قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ [العنكبوت: ١٧]. ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل: ٧٣]. فهذه المجموعة التي استعمل فيها مادة العبادة تتحدث عن أن المعبودين من دون الله لا يملكون الرزق لعابديهم فكذلك الآيات الآتية التي تتحدث عن أن المدعوين من دون الله لا يملكون شيئًا كما أنهم لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا غيرهم فموضوع المجموعتين متشابه وقريب جدًا. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣]. ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٧]. ومن أمثلة ورودهما في جملة واحدة وسياق واحد أو جملتين مقترنتين وذلك بجعل أحدهما مكان الآخر إذ لو رفع أحدهما ووضع الآخر موضعه لاستقام المعنى مما يدل على اتحاد معناهما. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٦]. ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي﴾ [غافر: ٦٦]. ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٨، ٤٩].

стр. 62

﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، ففي هذه الآية "وضع عبادتي موضع دعائي" (١)، فإنه لو قيل: إن الذين يستكبرون عن دعائي لاستقام المعنى. ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥، ٦]. فهذه الاستعمالات بهذه الأساليب المتنوعة، والمتكررة في عدة آيات، تدل على أن معناهما واحد في هذه التراكيب، وأن مفهومهما متحد، أو أنهما متقاربان ومشتركان في المعنى. وليس معنى هذا أن كلمة الدعاء قد انمحت دلالتها على السؤال والطلب ولا تدل إلا على معنى العبادة كما يظنه بعض الذين يجيزون سؤال غير الله تعالى بل هي تدل على معنى السؤال والطلب إما تضمنًا أو استلزامًا ولا ينفك أحدهما عن الآخر بل هما متلازمان كما سيأتي (٢). فتحصل مما تقدم أن النسبة بين العبادة والدعاء الترادف والتوافق، هذا إذا افترقا، وأما إذا اجتمعا فقد يفرق بين معنييهما، وذلك بأن يراد من الدعاء دعاء المسألة، ويراد بالعبادة امتثال الأوامر واجتناب المناهي، وإلى هذا المعنى أشار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بقوله: "فأحد الاسمين يتناول الآخر عند تجرده عنه، ولكن إذا جمع بينهما فإنه يراد بالسائل، الذي يطلب جلب المنفعة، ودفع المضرة، بصيغ السؤال والطلب، ويراد بالعابد من يطلب ذلك بامتثال الأمر، وإن لم يكن في ذلك صيغ سؤال" (٣). فاتضح بهذا أنهما ليسا في كل الأساليب متحدين في المفهوم

стр. 63

بل لكل واحد منهما مفهومه الخاص وذلك عند الاجتماع، وأما عند الافتراق والتجرد فيتناول مفهوم أحدهما الآخر. ومثل الدعاء غيره من أنواع العبادات الكثيرة، مثل التوكل والتقوى والطاعة فإن هذه الألفاظ إذا اقترنت كان لها معنى خاص وإذا انفردت عمت، قال شيخ الإسلام: "ومن هذا الباب لفظ العبادة، فإذا أمر بعبادة الله مطلقًا دخل في عبادته كل ما أمر الله به، فالتوكل عليه مما أمر الله به والاستعانة به مما أمر الله به، فيدخل ذلك في مثل قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وفي قوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، ثم قد يقرن بها اسم آخر كما في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، وقول نوح: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ (١) [نوح: ٣]، وذكر شيخ الإسلام أيضًا أن: "العبادة إذا أفردت دخل فيها التوكل ونحوه وإذا قرنت بالتوكل صار التوكل قسيمًا لها" (٢) ولا يخفى أن الدعاء مثل التوكل تمامًا. ثم إن هذا المذكور من تنوع معنى العبادة بحسب الاجتماع والتفرق ليس خاصًا بها، فهذا الأسلوب كثيرًا ما يجيء في القرآن، تتنوع دلالة اللفظ في عمومه، وخصوصه بحسب الإفراد والاقتران كلفظ المعروف والمنكر ولفظ الفقراء والمساكين ولفظ البر والتقوى، ولفظ الإيمان والإسلام، ولفظ الكفر والفسوق والمعصية، ولفظ الصالح والصديق، وهذا باب واسع كثر وروده في القرآن الكريم (٣).

стр. 64

الخلاصة: إن الدعاء والعبادة تكون النسبة بينهما تارة الترادف وتارة العموم والخصوص المطلق. فإذا أريد بالدعاء دعاء العبادة تكون النسبة الترادف. وإذا أريد من الدعاء دعاء المسألة فالنسبة العموم بالنسبة للعبادة والخصوص بالنسبة للدعاء، فإن العبادة أعم مطلقًا فتشمل الدعاء والتوكل والمحبة وغيرها من أنواع العبادات والدعاء خاص بالسؤال والطلب. وإن شئت تقول: النسبة بينهما التلازم كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى في نوعي الدعاء وتلازمهما. الذكر: الكلمة الثانية من القسم الأول: الذكر: وقد ورد في الأحاديث وآثار السلف وكتب أهل العلم إطلاق الذكر على الدعاء أو العكس وكذلك عطف أحدهما على الآخر فلهذا ينبغي بيان العلاقة التي بينهما وبيان السبب في إطلاق أحدهما على الآخر، وذلك باستعراض معنى الذكر لغة وشرعًا وبيان إطلاق الدعاء على الذكر ووجه ذلك ثم بيان النسبة بينهما. المعنى اللغوي والشرعي للذكر: الذكر في أصل اللغة: "الحفظ للشيء، وعدم نسيانه، وجري الشيء على اللسان" (١)، وقيل: "أصل الذكر في اللغة التنبيه على الشيء، ومن ذكَّرك شيئًا فقد نبهك عليه وإذا ذكَّرته فقد نبهته عليه" (٢).

стр. 65

وأما في الشرع: فقد ورد إطلاق الذكر على أمور: قال بعضهم: إن الذكر يطلق على الصلاة، وقراءة القرآن، والتسبيح، والدعاء، والشكر، والطاعة (١). وزاد بعضهم غير هذه الأمور مما ورد إطلاق لفظ الذكر عليه في الكتاب والسنة (٢). وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي (٣): "وإذا أطلق ذكر الله شمل كل ما يقرب العبد إلى الله من عقيدة، أو فكر، أو عمل قلبي، أو عمل بدني، أو ثناء على الله، أو تعلم علم نافع وتعليمه، ونحو ذلك فكله ذكر لله تعالى" (٤). وهذه الأمور التي أشار إليها السعدي تتنوع إلى خمسة أنواع ويطلق على كلها الذكر وهي: ١ - ذكر أسماء الرب ﵎ وصفاته والثناء عليه بها وتنزيهه إما إنشاءً أو إخبارًا. ٢ - ذكر أمره ونهيه، وأحكامه إخبارًا أو امتثالًا. ٣ - ذكره بكلامه الذي أنزله وتعبدنا بتلاوته.

стр. 66

٤ - ذكر آلائه وإحسانه وأياديه ومواقع فضله. ٥ - ذكره بدعائه واستغفاره والتضرع إليه (١). إذا عرفنا هذه الأنواع - نستطيع أن نقول -: إن دعاء المسألة هو النوع الأخير الذي هو ذكره بدعائه، واستغفاره، ومع هذا فقد ورد في أحاديث كثيرة إطلاق الدعاء على الذكر الأعم من معنى دعاء المسألة. ومن تلك الأحاديث: قوله ﷺ : "أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له … " (٢). وقوله ﷺ فيما رواه جابر بن عبد الله ﵄: "أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله" (٣).

стр. 67

ومن ذلك حديث ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ يدعو عند الكرب يقول: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب السموات والأرض ورب العرش العظيم" (١). وحديث سعد بن أبي وقاص رفعه: "دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله تعالى له" (٢). وقد أجاب عدة علماء عما يبدو في الظاهر من إشكال في إطلاق الدعاء على الذكر والثناء في هذه الأحاديث السابقة، ومن العلماء الذين أجابوا عن ذلك: أ - سفيان بن عيينة، فقد سئل عن دعاء يوم عرفة فقال: إنما هو ذكر، وليس فيه دعاء، ثم قال: أما علمت قول الله حيث يقول: إذا شغل عبدي ثناؤه علي عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" (٣).

стр. 68

قال: هذا تفسيره ثم قال: أما علمت قول أمية (١) بن أبي الصَّلت حين أتى ابن جدعان (٢) يطلب نائله وفضله: أأطلب حاجتي أم قد كفاني … حياؤك إن شيمتك الحياء إذا أثنى عليك المرء يومًا … كفاه من تعرضه الثناء (٣) قال سفيان ﵀، هذا مخلوق حين ينسب إلى أن يكتفى بالثناء عليه فكيف بالخالق ﵎؟ (٤). فعلى هذا القول إن الذكر ليس طلبًا ولكنه تعرض للنوال والعطاء. ب - وقد ذهب ابن تيمية وابن القيم إلى أن الثناء نفسه يعد نوعًا من أنواع الطلب وذلك لأن الثناء يتضمن الطلب فقد سمى النبي ﷺ : الحمد دعاء، في حديث: "وأفضل الدعاء الحمد لله" مع أن الحمد: "ثناء

стр. 69

محض، لأن الحمد متضمن الحب والثناء، والحب أعلى أنواع الطلب للمحبوب، فالحامد طالب للمحبوب فهو أحق أن يسمى داعيًا من السائل الطالب، فنفس الحمد والثناء متضمن لأعظم الطلب، فهو دعاء حقيقة، بل أحق أن يسمى دعاء من غيره من أنواع الطلب الذي هو دونه" (١). جـ - وعلل أبو إسحاق الزجاج تسمية الذكر والثناء دعاء، بأن الدعاء معناه النداء، فالإنسان يصدر في الذكر والثناء بالنداء كأن يقول: يا الله لا إله إلا أنت، ويقول: ربنا لك الحمد، إذا قال هذا فقد دعاه أولًا ثم أتى بالثناء والتوحيد (٢). د - وعلل العز بن عبد السلام ذلك بقوله: لما كان الذكر يترتب عليه ما يترتب على الدعاء شابه الدعاء فسمي به (٣). هـ - وقال الخطابي: إن الداعي يفتتح دعاءه بالثناء على الله سبحانه ويقدمه أمام مسألته، فسمى الثناء دعاء، إذ كان مقدمة له وذريعة إليه على مذهبهم في تسمية الشيء باسم سببه (٤). و- وقال محب الدين الطبري (٥) في حديث دعاء عرفة: "معناه أفضل ما يستبدل به عن الدعاء يوم عرفة، لا إله إلا الله وحده لا شريك له" (٦). ز - وعلل الدهلوي ذلك فقال: "وسر قوله ﵇: "أفضل

стр. 70

الدعاء الحمد لله" أن الدعاء على قسمين: والحمد لله يفيدهما جميعًا، فإن الشكر يزيد النعمة ولأنها معرفة ثبوتية" (١). هذا حاصل ما أجاب به العلماء عن إطلاق الدعاء على الذكر ولكن هذين الوجهين الأخيرين لا ينطبقان على كل الأحاديث التي ورد فيها إطلاق الدعاء على الذكر فهما خاصان ببعضها، فالأجوبة الأولى هي الأقوى والأقوم. النسبة بين الدعاء والذكر: قد علم مما سبق أن الذكر يعم جميع أفعال العبد، وتصرفاته، إذا نوى بها الطاعة فهو يشمل الأنواع السابقة، فمفهومه أوسع من دعاء المسألة ومن هنا يمكن أن نقول: إن مفهومه ومفهوم دعاء العبادة متساويان، فهما مترادفان، هذا إذا أريد من الدعاء دعاء العبادة وأما إذا أريد من الدعاء دعاء المسألة فتكون النسبة بينهما العموم والخصوص المطلق، لأن الذكر أعم مطلقًا من الدعاء لأن الدعاء لا ينفك عن كونه ذكرًا، وأما الذكر فيكون سؤالًا وغير سؤال، وإن شئت قلت: النسبة بينهما التلازم، فإن دعاء المسألة ذكر وثناء وتضرع وافتقار، كما أن في الذكر طلب جلب النفع ودفع الضر ورجاء الثواب وخوف العقاب. قال الخطابي ﵀: "وفيه - أي دعاء المسألة - معنى الثناء على الله وإضافة الجود والكرم عليه" (٢). وقال شيخ الإسلام ﵀: "إن كل واحد من الدعاء والذكر يتضمن الآخر ويدخل فيه" (٣). والحاصل أن العلاقة بين الدعاء والذكر إما ترادف واتحاد، وإما عموم وخصوص مطلق، وإما تلازم، ولا يتصور انفكاك أحدهما عن

стр. 71

الآخر، فلهذا كانت أغلب الكتب المصنفة في الأذكار تشتمل على الأدعية وبالعكس، ومن هنا جاءت تسمية المؤلفين الكتب المصنفة في الأذكار والأدعية تترجم عن هذا المعنى وتعبر عنه بعناوينها البارزة والمتعددة والحاوية لهذا المعنى، فمن تلك المؤلفات كتب سميت بعنوان كتاب الذكر أو الأذكار، وأخرى سميت باسم الدعاء أو الأدعية، وأخرى بالجمع بين الاسمين كتاب الذكر والدعاء، أو الأذكار والأدعية، أو الدعوات والأذكار، إلى غير ذلك وكلها مضمونها واحد وتهدف إلى هدف واحد. الكلمة الثالثة من القسم الأول: الصلاة: الصلاة معناها في اللغة: الدعاء (١)، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقد قالت عائشة ﵂ في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]. أنزل ذلك في الدعاء (٢) فيكون معنى بصلاتك: بدعائك. وقال تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ … ﴾ إلى قوله: ﴿ … وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ أي دعواته (٣)، وقال ﷺ : "إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان صائمًا فليصل، وإن كان مفطرًا فليطعم" (٤) أي فليدع لهم بالبركة والخير، وكل داع فهو مصل ومنه قول الأعشى (٥):

стр. 72

لها حارس لا يبرح الدهر بيتها … وإن ذبحت صلى عليها وزمزما (١) يعني بذلك دعا لها. وقال الأعشى أيضًا: تقول بنتي وقد قَرُبْتُ مُرْتَحِلًا … يا رب جَنّب أبي الأوصَابَ والوَجَعَا عليك مثلُ الذي صليتِ فاغْتَمِضِي … نومًا فإِنَّ لجنبِ المرءِ مضطجَعَا (٢) يقول: عليكِ من الدعاء مثل الذي دعيته لي. وقال أيضًا: وَقَابَلَهَا الرِّيحُ في دَنّها … وصلى على دَنّها وارتسم (٣) أي دعا لها: ألا تَحْمَضَ ولا تَفْسُد (٤). وجاءت تسمية الصلاة الشرعية مأخوذة من هذا الأصل اللغوي، قال ابن جرير الطبري ﵀: "وأرى أن الصلاة المفروضة سميت صلاة، لأن المصلي متعرض لاستنجاح طلبته من ثواب الله بعمله مع ما يسأل ربه فيها من حاجاته - تعرضَ الداعي بدعائه ربه - استنجاح حاجاته وسؤله" (٥). وقال شيخ الإسلام ﵀: "إن الصلاة الشرعية هي دعاء كلها فإن الدعاء هو قصد المدعو تارة لذاته وتارة لمسألته أمرًا منه وهذا كالشخص يدعو غيره ويطلبه ويقصده

стр. 73

تارة لذاته، وتارة لأمر يطلبه منه، والصلاة تتضمن هذين النوعين: عبادة الله والثناء عليه والسؤال له" (١). وبهذا تقرر أن الصلاة الشرعية معناها الدعاء كما أن الصلاة في اللغة هي الدعاء. وقد اختلف في الصلاة الشرعية، هل هي باقية على معناها اللغوي الذي هو الدعاء أم لا؟. ومثل الصلاة غيرها من الأسماء الشرعية كالإيمان والإسلام والزكاة. أ - فقالت المعتزلة والخوارج وطائفة من الفقهاء: إنها اسم شرعي منقول عن معناه اللغوي فهو اسم مخترع، لم يلاحظ فيه معناه الأصلي. فعلى هذا القول لا علاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي. ب - وقال الجمهور: إنها باقية في الشرع على ما كانت عليه في اللغة ثم اختلف هؤلاء: ١ - فمنهم من قال: إن الشارع زاد في أحكامها وضم إليها شروطًا وقيودًا ولم يزد في معنى الاسم. فالصلاة معناها الدعاء، واشترط للاعتداد بها الركوع والسجود .. إلخ. ٢ - ومنهم من قال: إن الشارع تصرف فيها - تصرف أهل العرف -، فهي بالنسبة إلى اللغة مجاز، وبالنسبة إلى عرف الشارع حقيقة، فعلى هذا فالشارع زاد في معنى الاسم، حيث كانت الصلاة لا تطلق في اللغة إلا على الدعاء فزاد في معناها الركوع والسجود .. إلخ. فالشارع زاد في معنى الاسم والحكم. وهذا شبيه بتصرف أهل العرف في الكلمة فقد

стр. 74

يخصون مدلول الكلمة اللغوي ببعض الأفراد أو يجعلونه أعم، فنحو كلمة الدابة تطلق في اللغة على كل ما يَدِبُّ على الأرض فخصت في عرف الناس بالفرس، وفي عرف بعضهم بالحمار، ومثلها الرقبة: تطلق على العضو المخصوص، ثم استعملت في العرف في جميع البدن. ٣ - ومنهم من قال: إن الشارع لم ينقلها، ولم يغيرها، ولكن استعملها مقيدة لا مطلقة (١). فالصلاة لم تنقل عن معناها اللغوي الذي هو الدعاء، ولكنها استعملت في دعاء مخصوص، كما أن أهل اللغة يستعملون الكلمة مطلقة في معناها العام، ثم يستعملونها خاصة ومقيدة بالإضافة أو لام التعريف. فتعتبر الكلمة في مثل هذا من اسم الجنس لا يدل على شخص معين إلا بالقيد (٢)، فالشارع استعمل لفظ الصلاة على وجه يختص بمراده ولم يستعمله مطلقًا وهو إنما قال: "أقيموا الصلاة" بعد أن عرفهم الصلاة المأمور بها فكان التعريف منصرفًا إلى الصلاة التي يعرفونها، لم ينزل لفظ الصلاة، وهم لا يعرفون معناه (٣). وهذا المسلك الذي سلكه الشارع موجود في أساليب العرب يأتي أحدهم إلى الكلمة فيقيدها أو يخصها بشيء، فالشارع أتى إلى بعض الكلمات فاستعملها مقيدة، ومختصة، إما بالإضافة أو اللام. وهذه الأقوال المتقدمة أرجحها القول الأخير وذلك للأمور التالية:

стр. 75

١ - أن الأقوال الأخرى لم تسلم من الاعتراض والاستشكال. ٢ - ولأن الأصل بقاء الكلمة على معناها، وعدم الزيادة، ولم يأت من ادعى عكس ذلك ببرهان قاطع. ٣ - ولأن مثلَ هذا الاستعمال من تقييد المراد بالكلمة، أو تخصيصها معروفٌ في أساليب اللغة. وقد رجح هذا المذهب الأخير شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى، قال ابن تيمية: "والتحقيق أن الشارع لم ينقلها ولم يغيرها، ولكن استعملها مقيدة لا مطلقة" (١) هذا ما ذكره في اسم الإيمان. ومما ذكره ابن تيمية فيما يختص بموضوع الصلاة الذي نحن بصدده ما معناه: إن الصلاة بالمعنى العام تتضمن كل ما كان ذكرًا لله أو دعاء له، وهذا المعنى - وهو دعاء الله - أي قصده والتوجه إليه المتضمن ذكره على وجه الخشوع والخضوع، هو حقيقة الصلاة الموجودة في جميع موارد اسم الصلاة كصلاة القائم والقاعد والقارئ والناطق والأخرس وإن تنوعت حركاتها وألفاظها فإن إطلاق لفظ الصلاة على مواردها هو بالتواطئ المنافي للاشتراك، والمجاز، وذلك لأن اسم الجنس العام المتواطئ المطلق إذا دل على نوع أو عين يكون قد دل على شيئين: على المعنى المشترك الموجود في جميع الموارد، وعلى ما يختص به هذا النوع أو العين، فاللفظ المشترك الموجود في جميع التصاريف يدل على القدر المشترك، وما قرن باللفظ من لام التعريف مثلًا يدل على الخصوص والتعيين، فاسم الصلاة مثلًا فيه عموم وإطلاق، ولا يستعمل إلا مقرونًا بقيد يخصه ببعض موارده كصلواتنا، وصلاة الملائكة، والصلاة من الله سبحانه (٢).
следующие страницы →