← Акыда

Акыда · id 1201

الدعاء ومنزلته من العقيدة الإسلامية

جيلان بن خضر العروسي

Полный текст (973 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

٤ - والواقع التاريخي يؤيد ذلك ولا يمكن إنكار الأمر الواقع، ومن ذلك: ١ - أن أكثر من في الجزيرة ارتدوا بعد وفاة النبي ﷺ ، فكثير منهم رجعوا إلى الكفر وعبادة الأوثان وكثير صدقوا من ادعى النبوة كمسيلمة وغيره (١). ٢ - القرامطة الذين أخذوا الحجر الأسود وقتلوا الحجيج وأجمعت الأمة على كفرهم كانوا في شرق الجزيرة. ٥ - اعتراف كثير من العلماء السابقين بوقوع الشرك في هذه الأمة ونكتفي باعتراف الرازي فإنه ذكر أقوال الكفار في عبادتهم الأصنام والأسباب الباعثة لهم على عبادتها ثم قال: "ورابعها: أنهم وضعوا هذه الأصنام والأوثان على صور أنبيائهم وأكابرهم، وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل فإن أولئك الأكابر يكونون شفعاء لهم عند الله تعالى، ونظيره في هذا الزمان اشتغال كثير من الخلق بتعظيم قبور الأكابر على اعتقاد أنهم إذا عظموا قبورهم فإنهم يكونون شفعاء لهم عند الله" (٢). وهذا اعتراف من الرازي بأن كثيراً من أهل زمانه يشتغلون بتعظيم القبور وأنَّه مثل عبادة التماثيل عند المشركين. وأما قوله ﷺ : "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". فالجواب عنه بوجوه: ١ - إن الرسول ﷺ لو لم يخف وقوع الشرك بقبره لما دعا وهو يدل على إمكان وقوعه، وقد دل الواقع على وقوعه، فكم من مستغيث بقبره داع له؟ ٢ - إن الحديث يحمل على إجماع الأمة على جعل قبره وثناً كما

стр. 877

حصل في الأمم السابقة وهذا لم يحصل -بحمد الله تعالى- فلا تجتمع هذه الأمة على ضلالة. ٣ - أو يقال كما قال بعض العلماء بأن الله أجاب دعوة نبيه بأن حفظ قبره بالحيطان الثلاثة التي بنيت على قبره ﷺ ، فلا يستطيع أحد أن يصل إليه حتى ولو أراد عبادته ودعاءه من دون الله تعالى. ٤ - قد حذر المصطفى صلوات الله وسلامه عليه من الشرك بقبره في آخر حياته فقال وهو ينازع: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، قالت عائشة: يحذر ما صنعوا" (١). وقال قبل موته بخمس ليال: "ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك" (٢). وهذا التحذير البليغ منه ﷺ لخوفه أن يتخذ قبره مسجداً ولو كان ذلك لا يمكن وقوعه لما خاف وحذر منه في مثل تلك الحالة التي يحتاج فيه إلى التحذير من الشيء الأهم والأشد خطراً. وأما الجواب (٣) عن الحديث الثالث وهو قوله ﷺ : "وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي" فعلى وجوه: ١ - إن الحديث خاص بالصحابة الذين خاطبهم الرسول ﷺ كما هو ظاهر الخطاب الموجه إليهم -وليس المقصود من الحديث الأمة المحمدية بأجمعها. وهذا يقتضيه الجمع بين هذا الحديث والأحاديث الدالة على وقوع الشرك وقد تقدمت الإشارة إليها. ٢ - أو أن هذه الأمة تفتن في أول أمرها بغير الشرك من فتنة الدنيا،

стр. 878

ولا يمنع وقوع الشرك في آخرها. ٣ - أو أن النبي ﷺ قال هذا قبل أن يوحى إليه بأن الشرك سيقع في طوائف من أمته. ٤ - أو أن الحديث يحمل على أن الشرك لا يقع في جميع الأمة حتى يرجعوا إلى ما كانوا عليه وتجتمع الأمة عليه ولا يمنع من بعضها. والله أعلم. الشبهة (١) السادسة: قول بعضهم: إن أعمال هؤلاء شرك وكفر، ولكنهم لا يعلمون أن ما يفعلونه شرك بل لو عرض أحدهم على السيف لم يقر بأنه شرك بالله تعالى ولا فاعل لما هو شرك، بل لو علم أن ذلك شرك لم يفعله. الجواب: ١ - إن الحكم بالكفر -والعياذ بالله- لا يشترط فيه أن يعلم متلبسه أنه كفر، فقد ذكر الشوكاني أنه تقرر في باب الردة أنه لا يعتبر في ثبوتها العلم بأن ما فعله كفر ثم قال: "وعلى كل حال فالواجب على من اطلع على شيء من هذه الأمور الشركيات التي اتصف بها القبوريون أن يبلغهم الحجة الشرعية، ويخبرهم بأن هذا هو عين ما يفعله المشركون في الجاهلية. فإذا علموا بهذا علماً لا يبقى معه شك ولا شبهة ثم أصروا على ما هم فيه، أخبرهم بأنهم إن لم يتوبوا فقد حلت دماؤهم وأموالهم وانطبق عليهم حكم المشركين" (٢). ٢ - والعلماء صرحوا بأن كلمة الكفر إذا تكلم بها العبد عمداً وإن كانت بغير الاعتقاد -كفر- وممن صرح بذلك علماء الحنفية، ففي أغلب كتبهم في أبواب الردة نصوا على ذلك وقالوا: لا يعذر بالجهل، وقالوا:

стр. 879

إن ذلك هو الأصح عندهم (١) ومثل الحنفية علماء المالكية فقد صرحوا بأن الجهل لا يعذر به عندهم (٢)، وذهب إلى ذلك بعض علماء الشافعية فيما إذا تهاون بعدم تعلمه (٣). قال الإمام القرافي المالكي بعد أن ذكر الأدعية المحرمة أو المكفرة: "واعلم أن الجهل بما تؤدي إليه هذه الأدعية ليس عذراً عند الله تعالى؛ لأن القاعدة الشرعية دلت على أن كل ما يمكن المكلف دفعه لا يكون حجة للجاهل على الله، فإن الله تعالى بعث رسله إلى خلقه برسالته وأوجب عليهم كافة أن يعملوا بها، فالعلم والعمل بها واجبان، فمن ترك التعلم والعمل وبقي جاهلاً فقد عصى معصيتين لتركه واجبين، وإن علم ولم يعمل فقد عصى معصية واحدة بترك العمل. وأما الجهل الذي يمكن رفعه لا سيما مع طول الزمان واستمرار الأيام والذي لا يعلم اليوم يعلم في غد، ولا يلزم من تأخير ما يتوقف على هذا العلم فساد فلا يكون عذراً لأحد، ولذلك ألحق مالك الجاهل في العبادات بالعامد دون الناسي؛ لأنَّه جهل يمكنه رفعه فسقط اعتباره، وكذلك قال الله تعالى في كتابه العزيز حكاية عن نوح ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ أي بجواز سؤاله فاشترط العلم بالجواز قبل الإقدام على الدعاء وهو يدل على أن الأصل في الدعاء التحريم، إلا ما دل الدليل على جوازه، وهذه قاعدة جليلة يتخرج عليها كثير من الفروع الفقهية" (٤).

стр. 880

هذا كلام القرافي المالكي وقد نقل بعض كلامه هذا ابن حجر الهيتمي الشافعي مقرراً له (١). ٣ - ثم إن العلماء الذين أعذروا بالجهل قيدوه بشرط عدم قيام الحجة، فأما إذا قامت الحجة الرسالية فلم يعذروه، كما أن الجاهل إذا كان معرضاً عن طلب الحق ولا يريد الحق إذا تمكن منه فلا يعذر، فقد ذكروا (٢) أن من الكفر كفر إعراض، وكفر عناد، وإنما الذي يعذر من يريد الهدى ويؤثره ويحبه ولكنه غير قادر عليه ولا على طلبه لعدم مرشد وبعضهم إنما أعذر من المسائل الدقيقة الخفية، وأما مثل هذه المسألة التي هي أصل الإسلام فلم يعذروا فيه بالجهل. وقد تقدمت (٣) الإشارة إلى هذه المسألة. ٤ - ثم كون الجهل يعذر به على القول به -لا يجعل الشرك أمراً جائزاً ومباحاً ولا يبيح الدفاع عمن يفعل الشرك ولا السكوت عن إنكاره والرضا به. مثال ذلك لو أن رجلاً كان قريب عهد بالإسلام وشرب الخمر لجهله فهو معذور ولكن هذا لا يبيح لمن يراه أن يسكت عنه ولا أن ينكر على من ينكر عليه، كما أن هذا الشارب للخمر إذا عرف بتحريم الخمر في الإسلام ثم استمر -يكون عاصياً. ومثل هذا ما نحن فيه لا يصلح الاعتذار بمسألة الجهل عمن يدعو غير الله تعالى في ديار المسلمين، ويعيش بينهم، كما أنه لا يكون له عذر بعد تعريفه وإقامة الحجة عليه. ٥ - ثم إن العاقل ينبغي له الابتعاد عن الشرك وذرائعه والاحتياط في ذلك حتى ولو كانت المسألة مختلفاً فيها، فإذا كان العلماء في المسائل الخلافية في الفروع يأخذون بالأحوط فكيف يكون الأمر في المسائل

стр. 881

العقدية التي يدور الأمر فيها بين الخروج عن الملة والارتداد والخلود في النار، وإبانة الزوجة وعدم الإرث وغير ذلك، وبين كونه معصية لا تخرج عن الإسلام؟ فالاحتياط فيها أوجب وأوكد بلا شك ولا ريب. الشبهة السابعة (١): ما قيل إن كفر هؤلاء المعتقدين في الأموات من الكفر العملي لا الكفر الجحودي، وقد قيل مثل ذلك في كفر تارك الصلاة، وكفر تارك الحج وغير ذلك من النصوص التي وردت بالحكم بالكفر، وحملها العلماء على الكفر العملي ولم يحملوها على الكفر الاعتقادي الجحودي. وذلك لأنهم مؤمنون بالله ورسوله ﷺ وباليوم الآخر لكن زين لهم الشيطان أن هؤلاء عباد الله الصالحون ينفعون ويشفعون ويضرون فاعتقدوا ذلك جهلاً كما اعتقد ذلك أهل الجاهلية في الأصنام لكن هؤلاء مثبتون للتوحيد لا يجعلون الأولياء آلهة بخلاف الكفار. الجواب (٢) عن هذه الشبهة: إننا نسلم أن الكفر ينقسم إلى قسمين: اعتقادي وعملي. ولكن دعوي أن ما يفعله هؤلاء القبوريون من الكفر العملي في غاية الفساد وذلك للأمور الآتية: ١ - لأن هذا القائل اعترف بكونه يتعلق بالاعتقاد بقوله هؤلاء المعتقدين في الأموات، وهذا من التناقض. ٢ - ثم ما هو الحامل لهؤلاء على دعاء الأموات والاستغاثة بهم وغير ذلك، هل هو مجرد اللعب والعبث من دون اعتقاد فهذا لا يمكن

стр. 882

أن يكون عن العقلاء، أم الباعث عليه الاعتقاد في الميت؟ وإذا ثبت أن الحامل على ذلك هو الاعتقاد فكيف يقال إنه كفر عملي؟ ٣ - ثم إنه لا يقبل الاعتذار عنهم بأن هذا الاعتقاد ناشئ عن الجهل وتزيين الشيطان، وذلك لأن طوائف الكفر وأهل الشرك قاطبة إنما حملهم على الكفر ودفع الحق والبقاء على الباطل الاعتقاد جهلاً، وهل يمكن أن يقال: إن اعتقاد الكفار اعتقاد علم؟ ٤ - قد ثبت أن هؤلاء القبوريين أشد غلواً في الاعتقاد في الأموات من الكفار، وقد بينّا ذلك فيما سبق (١). ٥ - ثم قد تقدم (٢) -بحمد الله تعالى وتوفيقه- بيان استلزام الدعاء للاعتقاد بصفات الربوبية والألوهية وأنَّه لا يمكن تصور الدعاء بدون اعتقاد، وذكرنا الأدلة على ذلك بما لا يدع مجالاً للشك، فلهذا فالقول بأن دعاء غير الله تعالى كفر عملي -يتنافى مع وضع الدعاء وحقيقته ومقتضى معناه، فهو قول غير صحيح. الشبهة الثامنة (٣): قولهم: إن دعاء الصالحين من دون الله تعالى -من الشرك الأصغر كالحلف بغير الله تعالى والطيرة. فالإجابة عن هذه الشبهة على أوجه: أ - لا مساواة بين دعاء غير الله تعالى وبين الحلف بغير الله تعالى

стр. 883

والطيرة، فهناك فروق كثيرة بين الدعاء، والحلف، كما أن هناك فرقاً بين الدعاء والطيرة، فالفروق التي بين الدعاء والحلف هي: ١ - أن الدعاء من أجلّ العبادات وهو مأمور به شرعاً إما أمر وجوب أو استحباب على ما مر (١) في حكمه. وأما الحلف فلم يأمرنا الله به، فهو ليس من العبادات المأمور بها وإنما هو من المباح، وقد استحب إذا كان هناك مصلحة راجحة في التأكيد بالحلف واليمين، ولهذا ورد في القرآن الكريم أَمْرُ الله نبيه بالقسم في أمر الساعة في ثلاثة مواضع (٢)، ولم يأت في غير ذلك البتة (٣). وهذه المواضع الثلاثة كلها فيما يتعلق بالتأكيد على بعث العباد ومعادهم، وأما في غير ما يتعلق بأمر المعاد فلم يرد في القرآن الكريم. ٢ - الدعاء يشتمل على الرغبة والرهبة والرجاء والخوف والتوكل وغيرها من لوازم الدعاء، فمن دعا غير الله فقد أشرك في هذه الأنواع من العبادات وليس كذلك الحلف (٤). ب - ويقال لهذا القائل إنه شرك أصغر: ما الفرق عندك بين السجود لغير الله تعالى وبين الدعاء لغير الله حيث إن الأول شرك أكبر والثاني شرك أصغر عندك، مع أن كليهما قد جاء الأمر بطلبه من العباد، كما أن كليهما من أنواع العبادات، والعبادة صرفها لا يجوز لغير الله تعالى أياً كانت.

стр. 884

مع العلم بأن النهي عن دعاء غير الله تعالى في القرآن أضعاف أضعاف النهي عن السجود لغير الله تعالى، بل لا يعلم نوع من أنواع الكفر والردة ورد فيه من النصوص مثل ما ورد في دعاء غير الله تعالى بالنهي عنه والتحذير من فعله والوعيد عليه (١). ج - قد وقع (٢) النهي عن الشرك في الدعاء في أول الإسلام وجاءت آيات كثيرة جداً في التحذير عنه؛ لأن الدعاء لقضاء الحاجات وإغاثة اللهفان وشفاء المريض هو الذي عليه المشركون وهو أصل شركهم والعكوف والذبح ونحوهما فروع عنه. فلهذا وقع النهي عنه في أول الإسلام بدون تأخير، وأما الحلف بغير الله فلم يرد في القرآن النهي عنه إلا أنه ورد في الأحاديث بعد مدة طويلة وليس في أول الإسلام، وقد وقع من بعض الصحابة ومع ذلك لم يكفرهم الرسول ﷺ . فقد حلف عمر بأبيه، فقال النبي ﷺ : "لا تحلفوا بآبائكم"، وقال: "من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت" (٣). ويقال (٤) في الطيرة مثل هذا الذي سبق، فإنها لم يقع النهي عنها في القرآن وفي أول الدعوة، كما أنها قد يقع شيء منها في قلوب المؤمنين الموحدين، فقد ورد في حديث ابن مسعود ﵁: "الطيرة شرك وما منا إلا … ولكن الله يذهبه بالتوكل" (٥).

стр. 885

فتبين مما سبق الفرق الواضح بين من استغاث بغير الله في الشدائد مبتهلاً متضرعاً، وبين من حلف بغير الله يميناً مجردة لم يقصد تعظيمه كتعظيم الله، أو خطر في قلبه شيء من الطيرة، فالفرق شاسع جداً ولا يخفى إلا على من طمس الله بصيرته. هذا وقد مال الأمير الصنعاني إلى أن الحلف بغير الله يخرج من الملة تمسكاً بظاهر الأدلة (١)، وذهب الجمهور إلى أنه شرك أصغر، هذا إذا لم يقصد تعظيمه كتعظيم الله وإلا فقد اتفقوا على أنه شرك أكبر، وكذلك الطيرة قد تصل إلى الشرك الأكبر إذا كان يرى المتطير أن ذلك من علم الغيب، وأن الطير تخبره عما هو صائر إليه في المستقبل أو أن الأفلاك تدبر أمر الخلائق (٢). الشبهة التاسعة: شبهة المجاز (٣) العقلي: قالوا: ينبغي حمل كلام المسلم على محمل حسن، فإذا أسند فعلاً إلى غير الله تعالى وهو مما لا يصح إسناده إلا إلى الله تعالى ينبغي حمله على المجاز العقلي، وهو شائع معروف. وقالوا: إن القرينة هنا كونه مسلماً موحداً، وإن العلاقة في ذلك هي التسبب والشفاعة. وقبل الخوض في الجواب عن هذه الشبهة نقدم تعريفاً موجزاً للمجاز العقلي.

стр. 886

تعريف المجاز العقلي: كلمة المجاز: هي في الأصل مَفْعل من جاز المكان يجوزه إذا تعداه إلى مكان آخر، سمي بذلك لأنهم جازوا به معناه الأصلي إلى معنى آخر (١). وفي الاصطلاح كلمة استعملت في غير ما وضعت له لعلاقة وقرينة مانعة من إرادته (٢). وأما المجاز العقلي: فهو إسناد الفعل أو معناه إلى مُلَابسٍ له -غير ما هو له بتأويل (٣) فالمراد من معنى الفعل ما يتضمن معنى الفعل من اسم الفاعل واسم المفعول والمصدر والصفة المشبهة واسم التفضيل. وللفعل ملابسات شتى منها الفاعل والمفعول والزمان والمكان والسبب (٤) فإذا أسند الفعل إلى هذه الأمور فقد أسند إلى ما يلابسه. وقوله بتأويل أي بنصب قرينة صارفة للإسناد عن أن يكون إلى ما هو له (٥). وقد عرفه السكاكي بقوله: "هو الكلام المقاد به خلاف ما عند المتكلم من الحكم فيه لضرب من التأويل إفادة للخلاف لا بوساطة وضع، كقولك أنبت الربيع البقل وشفى الطبيب المريض وكسا الخليفة الكعبة" ثم قال شارحاً للتعريف: "وإنما قلت خلاف ما عند المتكلم من الحكم فيه دون أن أقول خلاف ما عند العقل لئلا يمتنع طرده بما إذا قال

стр. 887

الدهري عن اعتقادِ جهلٍ، أو جاهلٌ غيره: أنبت الربيع البقل رائياً إنباتَ البقلِ من الربيع فإنه لا يسمى كلامه مجازاً وإن كان بخلاف العقل في نفس الأمر، ولذلك لا تراهم يحملون نحو: أشابَ الصغير وأفنى الكبيرَ … كَرُّ الغداة ومَرُّ العَشِي (١) على المجاز، ما لم يعلموا أو يغلب في ظنهم أن قائله ما قاله عن اعتقاد. . ." (٢). ويستفاد من تعريفه وشرحه له أن شرط إطلاق المجاز العقلي أن يكون ظاهر الكلام يفيد خلاف ما عند المتكلم حسب ما يفهمه المخاطب من ظاهر حال المتكلم وكلامه. ومما يوضح معنى المجاز العقلي معرفة ضده وهو الحقيقة العقلية لأنَّه كما قيل: وبضدها تتميز الأشياء. فلهذا نشير إلى تعريفها بالإيجاز، ومما قيل في تعريفها: "إسناد الفعل أو ما في معناه إلى ما هو له عند المتكلم في الظاهر" (٣). فقولهم "عند المتكلم" يريدون به أن الاعتبار في الحكم هو ما يراه المتكلم في ذلك الحكم ويعتقده، وليس الواقع ونفس الأمر، وقولهم "في الظاهر" إشارة إلى أنه لا يشترط موافقته لاعتقاد المتكلم الحقيقي. فمثلاً لو أخفى المتكلم عقيدته وتظاهر بالإسناد الحقيقي فنحن نعد إسناداً حقيقية (٤). وقد عرف السكاكي الحقيقة العقلية بقوله: "وهي الكلام المقاد به ما عند المتكلم من الحكم فيه، كقولك

стр. 888

أنبت الله البقل وشفى الله المريض وكسا خدم الخليفة الكعبة … وإنما قلت: ما عند المتكلم من الحكم فيه، دون أن أقول ما في العقل من الحكم فيه، ليتناول كلام الدهري إذا قال: أنبت الربيع البقل رائياً إنبات البقل من الربيع، وكلام الجاهل إذا قال: شفى الطبيب المريض رائياً شفاء المريض من الطبيب، حيث عُدَّا منهما حقيقتين مع كونهما غير مفيدين لما في العقل من الحكم فيهما" (١). وبعد هذا العرض للتعريف نبدأ في مناقشة الشبهة والجواب عنها بحول الله تعالى وقوته. ويكون الجواب على طريقتين إحداهما: طريقة من ينفي وجود المجاز في اللغة، وثانيتهما: طريقة من يثبت وجود المجاز في اللغة. الجواب على طريقة من ينفي المجاز: اختلف العلماء في وجود المجاز في اللغة وعدمه، وهذا الخلاف جار (٢) في المجاز العقلي: ١ - فقال قوم: لا يوجد المجاز في اللغة أصلاً. ٢ - وقال آخرون: لا يوجد في القرآن الكريم، ويوجد في اللغة. ٣ - وقالت فرقة ثالثة: بوجوده في القرآن وفي اللغة. وممن قال بالقول الأول: أبو إسحاق (٣) الإسفراييني وأبو علي (٤) الفارسي.

стр. 889

وممن قال بالقول الثاني: الظاهرية وبعض الحنابلة وبعض المالكية وبعض الشافعية. وممن قال بالثالث: أغلب علماء البلاغة والمتأخرون من الأصوليين والفقهاء (١). وقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية المذهب الأول ونصره بعدة أوجه (٢)، كما نصره ابن القيم بأكثر من خمسين وجهًا (٣). وممن رجح هذا القول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (٤) والدكتور لطفي عبد البديع (٥). وهذا المذهب الأول هو الراجح لقوة أدلته، وسلامته من الاعتراضات، وإليك بعض تلك الأدلة والاعتراضات: ١ - إن تقسيم الكلام إلى الحقيقة والمجاز تقسيم حادث بعد انقضاء القرون المفضلة، لم يتكلم به أحد من أئمة اللغة والنحو كالخليل وسيبويه وأبي عمرو بن العلاء (٦).

стр. 890

٢ - ثم إن الذين قسموا لم يستطيعوا أن يفرقوا بينهما بحد صحيح جامع مانع (١). ٣ - العرب نطقت بالحقيقة والمجاز على وجه واحد، فجَعْلُ هذا حقيقةً، وهذا مجازاً ضَرْبٌ من التحكم لأن اسم الأسد وضعٍ للسبع كما وضع للرجل الشجاع (٢)، فمن زعم أنها استخدمت هذا أولاً في ثم في كذا ثانياً فقد ادعى دعوى لا برهان عليها ولا يمكن لبشر على وجه الأرض إثبات ذلك، ولا سبيل إلى العلم بذلك إلا بوحي من الله تعالى (٣). ٤ - بعض الكلمات لها معان كثيرة، من ذلك أن بعض حروف المعاني تدل على عدة معان كمن والباء، وكذلك الأسماء الدالة على عدة معان كالرأس يطلق على رأس الإنسان وأول الدرب ومنبع العين وسيد القوم وأول الشهر وغير ذلك. ٥ - إن بعض الكلمات العربية تدل على المعنى وضده كالجون يدل على السواد وعلى البياض، والقر يدل على الطهر والحيض فأيهما حقيقة وأيهما مجاز؟ (٤). ٦ - "إن الألفاظ المفردة التي هي من أوضاع اللغة لم توضع لتعرف معانيها في أنفسها ولكن لأن يضم بعضها إلى بعض فيعرف فيما بينها فوائد" (٥). فيبطل بهذا ادعاء أن الأسد وضع للحيوان المفترس ولم يوضع للرجل الشجاع .. إلخ.

стр. 891

وذلك لأنَّه لم يوضع ليدل بمفرده وأما إذا وقع في الكلام التام نحو رأيت أسداً يرمي، فلم يدل إلا على الرجل الشجاع ففي مثل هذا التركيب لا يمكن ادعاء أنه وضع لغير هذا المعنى. هذا ومما ينبغي أن يفهم أن الذين أنكروا وجود المجاز في اللغة لم ينكروا وجود تلك الأمثلة التي ضربها المثبتون، له، وإنما ذهبوا إلى أن ذلك أسلوب من أساليب اللغة العربية وأن الكل حقيقة، والكلمة إذا استعملت في هذا الأسلوب فهي حقيقة، وإذا استعملت في أسلوب آخر فهي أيضاً حقيقة، ولا يمكن أن نقول: إنها في هذا الأسلوب حقيقية وفي الآخر مجازية. قال الدكتور لطفي عبد البديع: "إن منازعة القوم في المجاز، إنما كانت منازعة في صحته على أنه خلاف الأصل الذي ينبغي أن يكون عليه الكلام، وإلا فإن ما أطلق عليه المجاز ثابت في اللغة لا يسع أحداً إنكاره وهو أكثر من أن يحصى فالعرب كما ذكر ابن فارس قالت استوى فلان على متن الطريق ولا متن لها، وفلان على جناح السفر ولا جناح للسفر وشابت لمة الليل، وقامت الحرب على ساق وليس لليل لمة ولا للحرب ساق … ولم يؤثر عن أحد ممن سمعوا هذا الضرب من الكلام قبل ظهور القول بالمجاز بعد القرون الثلاثة الأولى أنه على خلاف الأصل، أو أن ألفاظه استعملت في غير ما وضعت له بحيث ينبغي تأويله لدفع شبهة الكذب عنه والمبالغة" (١). وأما على قول من أثبت المجاز في اللغة فالإجابة تكون على وجوه. وقبل الخوض في تلك الوجوه لا بد من الإشارة إلى أن العلماء من أهل الأصول وأهل البلاغة الذين أثبتوا المجاز اتفقوا على أن الأصل في

стр. 892

الكلام الحقيقة (١)، فلا يخرج عنها إلا بدليل قوي يصرفه إلى المجاز. ومن هنا يمكن لنا الطلب من المخالفين إقامة دليل قوي وصارف واضح للكلام عن الحقيقة، ولن يجدوا إلا الاحتمالات البعيدة والقرائن البعيدة، ومع أنه يمكن أن نكتفي بهذا الأصل ونتمسك به، لكنا لا نكتفي بذلك ونتبرع بالجواب عن هذه الشبهة بوجوه: أ - إن حد المجاز العقلي الذي أشرنا إليه من قبل- لا ينطبق على دعاء الأموات وندائهم والاستغاثة بهم إذا اعتبرنا حال الداعين واعتقادهم فالإسناد الواقع في كلام من يدعو الأموات -إسناد حقيقي ينطبق عليه حد الحقيقة العقلية، ولا ينطبق عليه حد المجاز العقلي، وذلك لأن علماء البلاغة ذكروا أن العبرة في الإسناد ليكون مجازاً عقلياً -أن يكون الحكم المفاد منه خلاف ما يعتقده المتكلم ولا يشترط أن يكون خلاف الواقع ونفس الأمر، وقالوا: إن قول الدهري: أنبت الربيع البقل لا يسمى مجازاً، وكذلك قول الشاعر: أشاب الصغير وأفنى الكبير … كر الغداة ومر العشي وكذلك قالوا في نحو شفى الطبيب المريض. قالوا هذه الأمثلة حقيقة عقلية إذا وقعت ممن يرى تأثير المسند إليه في النسبة وقد تقدم بيان ذلك في التعريف. فعلى هذا فكثير ممن يدعون الأموات والغائبين، فالإسناد الواقع في كلامهم حقيقة عقلية وليس مجازاً عقلياً، لاعتقادهم التأثير والتصرف في الكون وغير ذلك لمن يدعونهم كما تقدم في مبحث علاقة الدعاء بالعقيدة، فقد بينّا هناك بما لا يدع مجالاً للشك أن كثيراً منهم يعتقد

стр. 893

التأثير والتصرف وسيأتي قريباً نقل عباراتهم الصريحة في اعتقاداتهم وقد علم في علم البلاغة أن الكلام يحمل على الحقيقة إذا لم يعلم حال المتكلم، وأما إذا علم حاله كما هنا فيحمل على الحقيقة من باب أولى. وعلى هذا فتأويلهم لكلام من يصرح بتصرفه في الكون، وإغاثته لمن يستغيث به في البر والبحر، وعلمه بحال المريد وخواطره. وكذلك تأويلهم لكلام من يدعو الأموات معتقداً فيمن يدعوه السماع والعلم بحاله وضره ونفعه واستطاعته على الإغاثة .. إلخ فتأويل كلام هؤلاء لا يدخل تحت المجاز العقلي بل هو صريح وواضح أنه من الحقيقة العقلية. ثم إن بعض علماء البلاغة ذكروا أن تقدير الفاعل الموجد المؤثر في نحو "سرتني رؤيتك" حيث قدر بعضهم "سرني الله وقت رؤيتك" -إن هذا التقدير تقدير لما لم يقصد في الاستعمال، ولا يتعلق به الغرض في التراكيب (١). ومثل هذا المثال الإسناد الواقع في كلام الداعين لغير الله تعالى لأن المتكلمين به لا يقصدون تقدير الفاعل الذي هو الله تعالى، ولا يتعلق به الغرض في التركيب. ويزيد هذا الوجه وضوحاً الوجه التالي: ب - إن كل تأويل يعود على أصل النص بالإبطال فهو باطل (٢) ومن هذا القبيل تأويل كلام الداعين لغير الله، فإنه يوجد في كلامهم ما يدل صراحة على إخلاص الرجاء والرغبة للمدعو وحده، فلو أولنا كلامهم فقد أبطلنا تلك الدلالة الصريحة على إسناد الرجاء إلى الولي، والتأويل معناه إخبار عن مراد المتكلم لا إنشاؤه.

стр. 894

"ويعرف مراد المتكلم بطرق متعددة منها أن يصرح بإرادة ذلك المعنى، ومنها أن يستعمل اللفظ الذي له معنى ظاهر بالوضع، ولا يبين بقرينة تصحب الكلام أنه لم يرد ذلك المعنى، فكيف إذا حف بكلامه ما يدل على أنه أراد حقيقته وما وضع له؟ " (١). وقد علمنا مراد بعض هؤلاء بما صرحوا به في كلامهم أنهم يريدون إسنادًا حقيقيًا فكيف نؤول كلامهم بما يبطل دلالته؟ وسيأتي سرد كلام بعضهم في مبحث صور من الدعاء غير المشروع" وفيه التصريح بإخلاص الاستغاثة بغير الله تعالى. فتبين من هذا أن الذي يدعي صرف كلامهم عن ظاهره وحقيقته فقد ادعى معرفته لمراد كلامهم ومراد الواضع أيضًا، فإن لم تكن دعواه مطابقة المراد المتكلم والواضع - كان كاذبًا على المتكلم والواضع معًا (٢) ومراد هؤلاء الداعين للأموات بكلامهم واضح جدًا، قال النعمي: "والذي يدل عليه سيرهم وأحوالهم القولية والفعلية أن ما يقع منهم عند التطام موج البحر ونازلة باغتة وجزئيات لا تنحصر - ليس من قبيل التوسل، بل لا يتبادر إلى أذهانهم ولا يخطر في أفكارهم إلا الولي وأما الله تعالى فمنسي أو يشرك معه الولي" (٣). والذي بقي لله في عقائدهم هو الإمكان فقط دون الأثر (٤)، ومن هنا نستطيع أن نقول: "إن في هذه الألفاظ ما يتعذر أو يتعسر تأويله أو كلها كذلك" (٥). والحاصل أن الحمل على المجاز العقلي إنما يجوز إذا: "لم يصدر

стр. 895

من ذلك المتكلم شيء من الألفاظ والأعمال الكفرية مما هو كفر بواح وشرك قراح. وأما إذا صدر منه شيء من تلك الألفاظ والأعمال فلا يحمل كلامه على المجاز العقلي" (١). جـ ـ إن الأمثلة التي ضربوها للمجاز العقلي مثل أنبت الربيع البقل هي في الأمور الظاهرة التي تكون العلاقة والقرينة واضحة، وتكون تلك القرينة من الأسباب الظاهرة ولها تعلق ومباشرة حقيقية، فأما في الأمور التي يكون التأثير فيها بالقوة الغيبية وبدون مباشرة الأسباب الظاهرة فلا يمكن قياس ذلك على تلك الأمثلة، وذلك لعدم المماثلة المشروطة في القياس. والمشكلة الرئيسية عند هؤلاء أنهم لم يفرقوا بين الإسناد إلى الأسباب الظاهرة التي هي موجودة في كلام العرب وهي محمولة على السببية، وهو الذي سموه بالمجاز العقلي، وبين الإسناد إلى الأسباب الباطنة التي تأثيرها غير مباشر ويكون بقوة غيبية وتأثير غيبي. ولنضرب الأمثلة على ذلك، فإذا قال القائل أنبت الربيع البقل يكون القائل قد أسند الإنبات إلى غيره تعالى وهو الربيع، وذلك لأنه سبب ظاهر ومباشر، فهنا الحمل على المجاز واضح وواقع في كلام الناس. والشرع أباح مثل هذا، لأن استحضار السببية عند التكلم - قريب لا لبس فيه وأما إذا قال القائل: رزقني سيدي فلان الولد وأراد أنه تسبب وتوسط له في ذلك، فقد أسند إلى سبب غير مباشر وإلى تأثير غيبي وليس هناك سبب ظاهر حصل من سيدي فلان حتى يحمل الكلام على المجاز العقلي. فهذا هو الفرق بين المثالين: ولكن هؤلاء خلطوا بين المثالين وجعلوا الحكم واحدًا، مع أن

стр. 896

استحضار نية السببية في المثال الثاني غير واضح وليس قريب المأخذ من اللفظ. قال الإمام الدهلوي ﵀: "وكذلك الرزق والشفاء على وجهين فقولنا: رزق الأمير الجند المفهوم منه أنه فرق الأموال التي جمعها بالقوة الناسوتية، وقولنا: "شفى الطبيب المريض" اجتهد كلَّ الجهد، وسعى كلَّ السعي بفكره الذي يشابه فكر المريض بتعيين دواء فيه حرًا وبردًا وغيرهما من خواص العالم فأعقبه الصحة. وقولنا: رزق الله تعالى خلقه، وشفى الله عبده أنه أراد أن يجتمع إليه المال من غير ملابسة بالأعمال الناسوتية ولا مشابهة بالناسوتية فاجتمع أولًا أو أن يزول مرضه ويحدث فيه الصحة فكان كما أراد" (١). فالفرق بين المثالين أن الأول يكون تأثير المسند إليه بقوة مناسبة لإنسانيته وبشريته وهي القوة المباشرة الظاهرة وأما الثاني فيكون تأثير المسند إليه بقوة غير مناسبة لبشريته وهى القوة الغيبية وبدون اتصال مباشر ظاهر للأعين والأبصار، والأمثلة التي يدور النقاش فيها من باب المثال الثاني لا الأول كما هو واضح، ويؤيد هذا الوجه ما يلي: د - ومما يؤيد الفرق بين المثالين أن علماء البلاغة اشترطوا في القرينة أن تكون قريبة المأخذ وواضحة وأن يكون الشبه بين الطرفين جليًا. وقالوا: إن الأسد لا يطلق على الرجل أبخر الفم مع اشتراكهما في البخر لأن تلك القرينة بعيدة وغير قريبة المأخذ (٢)، فلا يتبادر الذهن عند إطلاق الأسد على الرجل أن المراد من الإطلاق أنه أبخر الفم بل الذي يتبادر أنه شجاع.

стр. 897

هـ - ثم "إن العلماء القائلين بالمجاز لم يقولوا بدخول المجاز والتأويل في كل كلام بل قالوا: "المجاز والتأويل لا يدخل في المنصوص وإنما يدخل في الظاهر المحتمل له" (١). وهؤلاء الداعون للأموات كلامهم نص واضح جلي في مرادهم فكيف نؤوله ونطلب له الحيل والمخارج ونجادل عنهم؟ ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩)﴾ [النساء: ١٠٩]. والعلماء نصوا على أنه ليس كل كلام قابلًا للتأويل، قال البقاعي ﵀: "إنه ليس كل كلام يقبل تأويله وصرفه عن ظاهره، وذلك يرجع إلى قاعدة الإقرار بشيء، وتعقيبه بما يرفع شيئًا مَّا من معناه ولا خلاف عند الشافعية في أنه إن كان مفصولًا لا يقبل، وأما إذا كان موصولًا ففيه خلاف، ومن صورة ما لا ينفع فيه الصرف عن الظاهر كما لو أقر ببيع أو هبة ثم قال: كان ذلك فاسدًا فأقررت بظني الصحة فإنه لا يصدق في ذلك" (٢). والمجاز العقلي القرينة المدعاة ليست متصلة بالكلام بل هي مفصولة فلا خلاف عند الشافعية في عدم اعتباره في الحكم. وإذا ثبت أنه لا يقبل كل كلام التأويل فمن العلماء من "غلب جانب الحرمة الله ولرسوله فمنع التأويل مطلقًا" (٣). فعلى هذا فلا يقبل التأويل فيما يتعلق بحق الله تعالى ورسوله ﷺ وقال بعضهم مفرقًا بين الكلام الذي يؤول والذي لا يؤول: "إنما نؤول كلام من ثبتت عصمته حتى نجمع بين كلاميه لعدم جواز الخطأ عليه،

стр. 898

وأما من لم تثبت عصمته فجائز عليه الخطأ والمعصية والكفر فنؤاخذه بظاهركلامه، ولا يقبل منه ما أول كلامه عليه مما لا يحتمله، أو مما يخالف الظاهر" (١). فعلى هذا فالتأويل خاص بما وقع في الكتاب والسنّة مما ظاهره التعارض والسبب في أن الذين أجازوا التأويل في الكلام عامة قالوا بعدم جواز دخول التأويل فيما هو نص في مراد المتكلم لا يحتمل غيره، لأن ذلك كذب ظاهر على المتكلم وتحميل لكلامه ما لا يحتمله (٢). ولا يوجد في العلماء من يجيز تأويل كل كلام بدون قيد ولا شرط. و- ثم إننا لو أولنا كلام هؤلاء باحتمال المجاز العقلي فماذا نفعل بأعمالهم الشركية فهل يمكن تأويلها أيضًا؟ وإذا قلنا نؤول فبأي شيء نؤول سجودهم على أعتاب الأضرحة وطوافهم بالقباب، وذبحهم للقرابين وبذلهم للنذور؟ "فهل هذه الأعمال أيضًا مؤولة، لوقوعها عمن لا يعتقد التأثير مع أن هذه العبادات من خالص حق الله تعالى، وصرفها لغيره شرك؟ " (٣). ز - إن فتح باب التأويل على مصراعيه يؤدي إلى فساد عظيم وخطر جسيم في اللغات والأديان ومصالح الدنيا، فأما فساد اللغات فإن "العبد لا يعلم ما في ضمير صاحبه إلا بالألفاظ الدالة على ذلك فإذا حمل السامع كلام المتكلم على خلاف ما وضع له، وخلاف ما يفهم منه عند التخاطب عاد على مقصود اللغات بالإبطال ولم يحصل مقصود المتكلم ولا مصلحة

стр. 899

المخاطب، وكان ذلك أقبح من تعطيل اللسان عن كلامه فإن غاية ذلك أن تفوت مصلحة البيان، وإذا حمل على ضد مقصوده فوت مصلحة البيان وأوقع في ضد المقصود … " (١) وأما فساد الدين فإن التأويل هو الذي فتح الباب للفرق الزائغة وأصحاب المقاصد السيئة لمحاولة هدم الإسلام تحت ستار التأويل. ولا يخفى ما فعلته الروافض والجهمية بنصوص الكتاب والسنة الخبرية بدعوى التأويل في أمور العقيدة الهامة، ثم جاءت الباطنية فأعملت معاولها في النصوص المتبقية من الشرائع العملية وأمور المعاد، واحتجت بالحجج التي احتج المأولون السابقون من الجهمية والرافضة الذين أولوا النصوص الخبرية. فلم يستطع هؤلاء الرد على الباطنية بعد أن تعاونوا في تلك المحاولة اليائسة لهدم الشريعة (٢). وأما فساد مصالح الدنيا، فإنه لا يمكن لأمة من الأمم أن تعيش في ظل نظام التأويل فإنه لو فتح الباب للتأويل لا يمكن لأي قاض أن يحكم في قضية مَّا، ولا يمكن لأي فرد في المجتمع أن يثق بكلام الآخر لاحتماله للتأويل، وبهذا ترفع الثقة من بين الناس. قال الحافظ ابن عبد البر: "ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبارات" (٣). وقال الغزالي: "إن الألفاظ إذا صرفت عن مقتضى ظواهرها بغير اعتصام بنقل عن صاحب الشرع وبغير ضرورة تدعو إلى ذلك من دليل العقل اقتضى ذلك بطلان الثقة بالألفاظ … والباطن لا ضبط له بل

стр. 900

تتعارض فيه الخواطر ويمكن تنزيله على وجوه شتى" (١). وقال شمس الدين الجزري: "ولو فتح باب تأويل كل كلام ظاهره الكفر لم يكن في الأرض كافر" (٢). وقال الحافظ الذهبي: وإن فتحنا باب الاعتذار عن المقالات وسلكنا طريق التأويلات المستحيلات، لم يبق في العالم كفر ولا ضلال وبطلت كتب الملل والنحل واختلاف الفرق" (٣). وقال ابن رشد في معرض رده على الذين يؤولون أمور المعاد: وأما إذا أوّلت -أي نصوص المعاد- فإنما يؤول الأمر فيها إلى أحد أمرين: إما أن يسلط التأويل على هذه وأشباه هذه في الشريعة فتتمزق الشريعة كلها، وتبطل الحكمة المقصودة منها، وإما أن يقال في هذه كلها: إنها من المتشابهات، وهذا كله إبطال للشريعة ومَحْوٌ لها من النفوس من غير أن يشعر الفاعل لذلك بعظيم ما جناه على الشريعة" (٤). وقال الألوسي: "ولو قلنا: إن الألفاظ لا عبرة لها لأمكن لكل من تكلم بكلام يحكم على قائله بالردة اتفاقًا أن يقول: لم تحكمون بردتي؟ فيذكر احتمالًا ولو بعيدًا يخرج به عما كفر به، ولما احتاج إلى توبة ولا توجه عليه لوم" (٥). حـ - ولكون التأويل يؤدي إلى هذه المفاسد لم يترك الشارع الحكيم الأمور سدى بل أناط الحكم بظواهر الألفاظ وما تقتضيه بأساليبها التركيبية، وأما ما وراء الألفاظ من السرائر والضمائر فإلى الله تعالى، قال عمر ﵁: "إن أناسًا كانوا يأخذون بالوحي في عهد

стр. 901

رسول الله ﷺ ، وإن الوحي قد انقطع وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرًا أمناه وقربناه وليس إلينا من سريرته شيء الله يحاسب سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا لم نأمنه ولم نصدقه، وإن قال: إن سريرته حسنة" (١). وهذا الذي قاله الفاروق ﵁ تبعه فيه كافة العلماء لم يخالف في ذلك منهم أحد، بل أجمع عليه العلماء من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم من أهل الاجتهاد الصحيح (٢). قال ابن حجر الهيتمي الشافعي: "المدار في الحكم بالكفر على الظواهر، ولا نظر للمقصود والنيات ولا نظر لقرائن حاله" (٣). ويدل لذلك الحديث المتفق عليه عن أم سلمة ﵂ عن النبي ﷺ : "إنما أنا بشر وأنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضى له على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء، فلا يأخذ منه شيئًا فإنما أقطع له قطعة النار" (٤). ط - إن العلماء لم يعذروا في الألفاظ الكفرية بالتورية ولا بالجهل إلا في بعض صور الجهل التام. فقد قال العلماء: "لو نطق بكلمة الردة، وزعم أنه أضمر تورية كفر ظاهرًا وباطنًا" (٥). وعللوا عدم العذر بحصول التهاون منه (٦). فالحكم إنما يتعلق بالتكلم بألفاظ الكفر فمن تلفظ بها فقد كفر ولا يقبل منه ما يدعيه من الجهل أو التأويل إلا في بعض الصور.

стр. 902

قال بعضهم: "وإن كان قائلها -أي كلمة الكفر- لم يرد ظاهرها فهو كافر بقوله، ضال بجهله، ولا يعذر في تأويله لتلك الألفاظ، إلا أن يكون جاهلًا بالأحكام جهلًا تامًا عامًا، ولا يعذر في جهله لمعصيته لعدم مراجعة العلماء والتصانيف على الوجه الواجب من المعرفة" (١). ويستفاد من هذا أن الجهل أيضًا ليس بعذر في مثل هذه الأمور الاعتقادية الواضحة، فإن العلماء لم يعذروا بالجهل في باب الكفر إلا في بعض المسائل الدقيقة أو في التي لها شبهة قوية تمنع الحكم حتى تبين وقد تقدمت (٢) الإشارة إلى ذلك. ي ـ الأهم من هذا كله هو أن المشركين الذين نزل فيهم القرآن الكريم وحكم بكفرهم كانوا يعتقدون السببية والتوسط، وهذا هو حجة من يرى المجاز العقلي ويبيح إسناد الدعاء لغير الله تعالى. فلو أن اعتقاد السببية والتوسط ينفع في حمل كلام من يدعو غير الله تعالى على المجاز العقلي، ويمنع من الحكم عليه بالشرك، لكان الله تعالى أعذر المشركين الذين يعتقدون التسبب والوساطة، ولحكم بكفر من يعتقد الاستقلال فقط، وأما من اعتقد أن الأصنام تقربهم إلى الله زلفى وأنها شفعاء عند الله فاستثناهم ولم يحكم بكفرهم، ولكن رأينا أن الله تعالى حكم على الكل بالكفر والشرك في كتابه العزيز، فلا ينفع ادعاء المجاز العقلي ولا الجدال عنهم بمثل هذه التأويلات البعيدة والحيل الفاسدة، قال تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩)﴾ [النساء: ١٠٩]. وقد تقدم سابقًا بما لا يدع مجالًا للشك أن المشركين الأوائل كانوا يقرون بالربوبية والتأثير المطلق الله تعالى، وإنما يعتقدون الشفاعة والوساطة

стр. 903

والتسبب فكما لم ينفعهم ذلك الاعتقاد ولم يعذرهم الله تعالى، فكذلك من دعا غير الله تعالى من الأموات والغائبين وادعى الوساطة والشفاعة والتسبب لا ينفعه ذلك. مع أننا بينّا أن كثيرًا منهم يعتقد التأثير لا الوساطة فقط، كما بينّا ما في شبهة الوساطة والشفاعة من المحاذير والمفاسد - فلله الحمد وهو المستعان وعليه التكلان.

стр. 904

ملحق يشتمل على صور من الأدعية الشركية والبدعية وعلى نماذج من الأدعية الشرعية المأثورة صور من الأدعية الشركية والمبتدعة المنتشرة في العالم الإسلامي: قد انتشرت الأدعية الشركية والمبتدعة في العالم الإسلامي انتشارًا واسعًا حتى صار بعض الناس يعتقدها أنها هي الدعاء المشروع، وإذا أنكر عليه منكر ظن أنه جاء بدين جديد. ولكثرة تلك الأدعية المخالفة للدعاء المشروع لا نستطيع حصرها بل ولا عشرها وإنما نقتصر على نماذج منها يعرف منها ما بقي، ونذكر تلك الأدعية وننقلها كما هي مع اشتمال بعضها على الكفر الصريح من دعاء غير الله تعالى والاستغاثة به، وطلب المدد والإنقاذ وغير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى؟ ويشتمل بعضها على الاعتداء، وبعضها على التوسل البدعي، وإنما ذكرنا هذه النماذج لئلا يقال: إن دعاء غير الله تعالى الذي تحدثنا عنه طويلًا أمرٌ غير واقع في حياة المسلمين كما ذلك من يقول: إن هذه يزعم الأمة المرحومة لا يقع فيها الشرك، ثم ليقف القارئ بنفسه على تلك الأدعية الشركية والبدعية كما هي، ثم ليحكم هل ادعينا عليهم افتراء أم هي الحقيقة والواقع المرير؟. وإليك هذه النماذج: أ - صور من الأدعية الشركية والبدعية عند الشيعة: فهؤلاء عندهم الأدعية الشركية والبدعية الكثيرة جدًا، فهم يدينون

стр. 905

بالاستغاثة والاستمداد من الأئمة ويعدون ذلك من أهم القربات والطاعات، ويدل على مدى صدق ما نقول ما أخرجه الكليني في الكافي أهم كتبهم عن جعفر الصادق في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ قال: "نحن والله الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العبد إلا بمعرفتنا" (١)، ومثله في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ نحن الأوصياء" (٢). فهم يعتقدون أن الله لا يقبل عملًا إلا إذا دُعِيَ بالأئمة، فلهذا لا يخلو دعاؤهم غالبًا من الاستمداد بهم أو التوسل بهم، ولكون ذلك كثيرًا عندهم نختار نماذج قليلة من أدعيتهم. فمن صور الأدعية الشركية المنتشرة لدى الشيعة ما يسمى عندهم بالزيارة الجامعة وهي من أوثق الزيارات عندهم، ويعدونها أحسن الزيارات الجامعة متنًا وإسنادًا (٣)، وهي طويلة في نحو خمس صفحات، وفيها: "خلقكم الله أنوارًا فجعلكم بعرشه محدقين … أشهد الله وأشهدكم أني مؤمن بكم وبما آمنتم به … مستجير بكم زائر لكم، لائذٌ عائذٌ بقبوركم، مستشفع إلى الله بكم، ومتقرب بكم إليه ومقدمكم أمام طلبتي وحوائجي وإرادتي في كل أحوالي وأموري … بكم فتح الله، وبكم يختم، وبكم ينزل الغيث وبكم يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، وبكم ينفس الهم، ويكشف الضر … " (٤).

стр. 906

ففي هذا الكلام غلو شديد متفاحش، ففيه وصف الأئمة بالقدم وهو إشارة إلى قدم الأئمة وأوليتهم، وقد تسرب منهم إلى الصوفية ويسمونه بالحقيقة المحمدية ويريدون أن أصل العالم من نور محمد وعلي والأئمة (١)، كما أن فيه طلب الاستجارة واللياذة والعياذة من غير الله تعالى وفيه خطاب للموتى والغائبين، ولا يقال إنه خطاب لصاحب القبر المزور مثل السلام لأن هؤلاء يريدون خطاب جميع الأئمة، بمن فيهم غائبهم المنتظر مع العلم بأن قبورهم ليست في مكان واحد حتى يصح خطابهم جملة واحدة كأنهم في مكان واحد، كما أن في هذا اعتقاد أنهم الواسطة بين الله وبين الخلق في حوائجهم بل فيه اعتقاد أنهم الواسطة في الحوادث الكونية، من إنزال الغيث وإمساك السماء - تعالى الله عما يقولون - فكأن الله لا يفعل شيئًا إلّا لجبر خاطر الأئمة وإرضائهم، فلولا الأئمة ما أوجد العالم، وكأن الله محتاج إليهم في تدبير الكون تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا. ومن أدعيتهم الشركية مع الحث على الاستغاثة بالإمام علي ﵁ قولهم: ناد عليًا مظهر العجائب … تجده عونًا لك في النوائب كل هم وغم سينجلي … بولايتك يا علي يا علي (٢) وتسربت الاستغاثة بهذين البيتين إلى المتصوفة (٣). ومن أدعيتهم الشركية ما أخرجه صاحب الكافي بسنده عن بعضهم "إذا أحزنك أمر فقل في آخر سجودك، يا جبرئيل، يا محمد، يا جبرئيل،

стр. 907

يا محمد - تكرر ذلك - اكفياني ما أنا فيه فإنكما كافيان واحفظاني بإذن الله فإنكما حافظان" (١). وقريب من هذا دعاء آخر يسمى دعاء فرج حضرت حجة وهو "يا محمد يا علي، يا علي، يا محمد اكفياني، فإنكما كافيان وانصراني فإنكما ناصران، يا مولانا يا صاحب الزمان، الغوث، الغوث، أدركني أدركني، الساعة، الساعة، العجل، العجل، العجل" (٢). ففي هذا الدعاء الاستغاثة بمحمد وعلي وطلب الكفاية والنصرة منهما ووصفهما بهما، وفيه نداء صاحب الزمان -مهديهم الغائب في السرداب- وطلب الغوث والنجدة والإدراك في الساعة على سرعة وعجل، فبالله عليك ما الذي بقي الله تعالى من مخ الدعاء ولبه وخالصه وهل بقي شيء آخر لا يطلب إلا من الله تعالى! وأما الاعتداء في أدعيتهم فحدث ولا حرج، فإذا دعا الأئمة واستغاثَ فلا بد أن يلعن من ظلمهم ومن لا يواليهم، ويكفي للدلالة على ذلك ما ورد في الدعاء المشهور عندهم بدعا (٣) صنمي قريش، ففيه

стр. 908

اعتداء وقح على مقام الشيخين أبي بكر وعمر وأمهات المؤمنين ﵃. وأما التوسل البدعي فما أكثره في أدعيتهم فقلما يخلو دعاء من أدعيتهم من التوسل بأئمتهم (١)، فكأن التوسل شرط أساسي لقبول الدعاء عندهم. ومن الأدعية الشركية المنتشرة بين الروافض: الدعاء المسمى عندهم بدعاء الاستئذان، أي الدعاء الذي يدعى به قبل دخول المشهد أو قبل دخول المسجد النبوي، وهو: "اللهم إني أعتقد حرمة صاحب هذا المشهد الشريف في غيبته، كما أعتقدها في حضرته، وأعلم أن رسولك وخلفاءك ﵈ أحياء عندك يرزقون، يرون مقامي، ويسمعون كلامي، ويردون سلامي، وأنك حجبت عن سمعي كلامهم، وفتحت باب فهمي بلذيذ مناجاتهم … وأستأذنك يا رسول الله وأستأذن خليفتك الإمام المفترض طاعته … أأدخل يا حجة الله … " (٢). وفي هذا الدعاء من الشرك الاعتقاد بأن الأئمة الغائبين الميتين يرونه ويسمعون كلامه ولهذا يستأذن على رسول الله ﷺ من بعيد وعلى الحجة الغائب، وفي هذا اعتقاد علم الغيب المحيط لغير الله تعالى، كما أن فيه الاعتقاد بالسمع المحيط لغير الله تعالى. وقد تسرب هذا الاستئذان على صاحب المشهد من بعيد إلى المتصوفة (٣).

стр. 909

ومن أدعيتهم الشركية دعاؤهم في زيارة الغائب في السرداب: "السلام على الحق الجديد، والعالم الذي علمه لا يبيد، السلام على محيي المؤمنين ومبير الكافرين" (١). ففي هذا وصف للغائب بأن علمه باق أبدًا وأنه المحيي المميت وهذه صفات خاصة بالله تعالى، ودعاؤهم أيضًا في زيارته: "اللهم صلِّ على حجتك في أرضك وخليفتك في بلادك … وخير من تقمص وارتدى … ومفرج الكرب، ومزيل الهم وكاشف البلوى" (٢)، ففي هذا الدعاء من الشرك وصفه بأنه المفرج للكرب .. إلخ، وهذه صفات خاصة بالله تعالى لاسيما وأنها مطلقة ولم تقيد بتفريج كربة معينة مثلًا، وفيه من الغلو وصفه بأنه أفضل من الأنبياء والمرسلين لأنهم داخلون فيمن تقمص وارتدى. ب - صور من الأدعية الشركية أو البدعية عند المتصوفة والقبوريين: فالأدعية الشركية والبدعية كثيرة في استغاثات المتصوفة والقبوريين وفي نداءاتهم وابتهالاتهم، فكثيرًا ما نجد بعضهم ينظم القصائد في ذلك ويصف من يستغيث به من المخلوقين بأوصاف الربوبية والألوهية، وإليك بعض ذلك: يقول أحدهم مخاطبًا البدوي راجيًا استغاثته: أتيت حماك الرحب استمطر الندى … وبذل أيادٍ ما لهن مضارع وحاشا وكلّا أن أخيب وأن لي … فؤادًا بقصد الغير ما هو قانع

стр. 910

نحوتك أرجو منك سالف عادتي … فجد لي واستعفني بما أنا طامع أغيرك ينحوه المؤمل أو سوى … رحابك أهل تثنى إليه المطالع (١) فهذه الأبيات غاية في التضرع والتملق والانكسار بين يدي البدوي فإذا لم يكن مثل هذا عبادة ودعاء -لغير الله تعالى- فليس هناك ما يتصور أن يكون دعاء لغير الله تعالى، ثم إن هذه الأبيات صريحة في أن المقصود بهذا الدعاء هو البدوي فقط، وليس المراد منها الشفاعة المزعومة إلى الله تعالى فلا ينفع فيها ما يسمى بالمجاز العقلي، وقد تقدمت مناقشة ذلك بحمد الله تعالى. فقد محض السؤال للبدوي وخصه به وقصره عليه بقوله: أغيرك ينحوه المؤمل وبقوله: وأن لي فؤادًا بقصد الغير … فيدخل في هذا الغير الله . ومثله قول آخر في البدوي أيضًا: وحماك أبغي يا أبا الفتيان في … خطب أهاج القلب من حسراته من لي سواك أرومه في كشفه … أو ارتجي إن ضقت من وثباته عار عليك إذا رددت خويدمًا … قصر الفؤاد عليك في حاجاته (٢) ويقول آخر في البدوي أيضًا: إني أتيتك يا ذا المشرع العالي … فانظر بلحظك في شأني وفي حالي ولا تكلني إلى من ليس ينصرني … ولا إلى ذي جفا للعهد لي قالي ففاقتي لك يا ذا الطول قد علمت … من كسر قلبي ومن حالي ومن قالي وقد تحاميت في الجاه المديد فلا … تردني خائبًا من فيض إفضالي ومن أولى بغوث منك يا أملي … ومنتهى رحلتي ومنائي بل وآمالي

стр. 911

وصن بعزك يا ذا الطول وجهي … عن سؤال غيرك ممن حاله بالي وقد نزلت بباب فاز قاصده … بكل قصد وتعظيم وإجلال (١) وهذه الأبيات صريحة في قصر الدعاء والطلب على البدوي، فبالله عليك قل لي: ماذا أبقى هذا الشاعر الله تعالى؟ فهل لو أخلص أحدنا الدعاء الله تعالى يستطيع أن يقول الله تعالى أكثر من هذا؟ ومن أدعيتهم الشركية قولهم في الشيخ عبد القادر الجيلاني: شيئًا لله يا عبد القادر. فقد نص كثير من العلماء على أنها شرك كما تقدم (٢) ففيها استشفاع بالله عليه وقد استعظمه النبي ﷺ (٣) ومع هذا، فهذه الكلمة منتشرة في كثير من أرجاء العالم الإسلامي - إلى الآن - فنداء الشيخ عبد القادر والاستغاثة به والغلو فيه منتشر جدًا. فقد كان بعضهم يدعوه بقوله: "يا غوثي أنت المحيي وأنت المميت، وأن النبي هو القاسم وأنت الموصل" (٤). ففي هذا نداء ودعاء لعبد القادر، ووصف له بصفات الربوبية، فإنا لله وإنا إليه راجعون. والشيخ عبد القادر يلقب عندهم بالغوث الأعظم فهم لم يرضوا له أن يكون غوثًا فقط حتى جعلوه هو الغوث الأعظم، فأين الله تعالى في مخيلتهم؟؟ فهذا لم يصل إليه المشركون الأوائل. وأما التوسل البدعي فبحر (٥) لا ساحل له في أدعيتهم، لأن من

стр. 912

استحسن الاستغاثة والاستمداد من الميت فمن باب أولى أن يستحسن التوسل به إلى الله تعالى، فلهذا لا نحتاج إلى ضرب الأمثلة الكثيرة. فمن أمثلة ذلك ما ذكره أصحاب التيجاني من صيغ التوسل أن يقول: "يا رب توسلت إليك بحبيبك ورسولك وعظيم القدر عندك سيدنا محمد ﷺ في قضاء الحاجة التي أريدها" يقول هذا مائة مرة ثم يقول: "أسألك وأتوجه إليك بجاه القطب الكامل سيدنا أحمد بن محمد التيجاني وجاهه عندك أن تعطيني كذا وكذا، ويسمي حاجته بعينها عشرًا" (١). ويقول آخر في توسلاته بالأولياء بعد أن عدد أسماء كثيرين متوسلًا بهم: وبالباز عبد القادر الجيلي … أقرت جميع الأولياء للمزية وبالقطبى أحمد الرفاعي من حظي … يد المصطفى في القبر فاز بقبلة بشيخ الدسوقي والدميري والديلمي … والدرديري الرباني هم أهل رفعة وأحمد ابن علوان أحمد البدوي … وأحمد بن إدريس أهل الصبابة (٢) ونختم هذا بما ذكره الشيخ حسين بن مهدي النعمي من مشاهداته. قال ﵀: "ومن عجيب ما أتته العامة من الطرائف والغرائب الفاحشة ما شاهدناه بالمعاينة مكتوبًا على راية مشهد من المشاهد: "هذه راية البحر التيار، فلان بن فلان، به أستغيث وأستجير، وبه أعوذ من النار". وقول بعضهم في قصيدة:

стр. 913

يا سيدي يا صفي الدين يا سندي … يا عمدتي بل ويا ذخري ومفتخري أنت الملاذ لما أخشى ضرورته … وأنت لي ملجأ من حادث الدهر امدد بمواد اللطف منك وكن … لي الكفيل بكشف الضر ونيل الظفر وامنن علي بتوفيق وعافية … وخير خاتمة مهما انقضى عمري وكف عنا أكف الظالمين إذا … امتدت بسوء وأمر مؤلم نكر فإني عبدك الراجي لودك ما … آمله يا صفي السادة الغرر وقد مددت يد الرجوي على ثقة … مني لنيل الذي أملت من وطري فلا ندري: أي معنى اختص به الخالق بعد هذه المنزلة من كيفية مطلب أو تحصيل مأرب؟ وماذا أبقى هذا المشرك الخبيث لخالقه من الأمر؟ " (١). وبعد: فهذه الصور التي نقلناها غيض من فيض، ذكرناها ليطلع القارئ على مدى ما وصل إليه انتشار الأدعية الشركية والبدعية في العالم الإسلامي، ثم ليكون شاهدًا واضحًا على ما كررناه في الرسالة من اعتقاد بعض المسلمين لمن يدعونهم من دون الله تعالى - صفات الربوبية والألوهية - من التصرف المطلق والعلم بالغيب والسمع البصر المحيطين واستحقاق الدعاء والرجاء والخوف .. إلخ. ثم ليتضح أن ما يدعيه المجادلون عن هؤلاء الداعين للأموات أنهم لا يريدون إلا التوسل والمجاز العقلي والشفاعة … باطل لا أساس له من الصحة، ففي الصور التي نقلناها رَدٌّ على هذا الادعاء، ففيها التصريح بأن المدعو من دون الله تعالى هو المقصود بالدعاء والرغبة واللجأ، وأنه لا ملجأ إلا إليه ولا باب إلا بابه، إلى غير ذلك مما يدفع في وجه من يريد تأويله وتخريجه على محمل لم يرده قائله ولم يدر بخلده ولم يخطر بباله ولم يضمره عند التكلم به.

стр. 914

مع أن المحمل الذي يريدون حمله عليه أيضاً هو عقيدة المشركين الأوائل، فهم يعتقدون الوساطة والشفاعة والتقريب إلى الإله الأكبر. قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ [يونس: ١٨]

стр. 915

نماذج مختارة من الأدعية المأثورة الواردة في الكتاب والسنة بعد أن سقنا نماذج من الأدعية الشركية والبدعية يستحسن أن نسوق نماذج من الأدعية المأثورة التي جاءت في الكتاب والسنة الصحيحة، إذْ بضدها تتميز الأشياء؛ وليرى القارئ الفرق الشاسع بين النموذجين فالأدعية المأثورة يتجلى فيها صدق التوجه إلى الله تعالى، وإخلاص الرغبة له، وتجريده بالطلب والالتجاء والتذلل، والانطراح بين يديه، والإعراض عما سوى الله تعالى، وقصر التوجه عليه، وإظهار العجز والمسكنة والفقر إلى رحمة الله تعالى، كما يظهر في الأدعية المأثورة عذوبةُ الألفاظ ووجازتُها، مع غزارة المعاني وسُمُوِّها، واشتمالها على المطالب العالية من خيري الدنيا والآخرة، كما يتضح فيها الإيمان المطلق بربوبية الله تعالى وألوهيته وأسمائه الحسنى وصفاته العلى، فهي في الغالب تتضمن ما يدل على التوحيد بأنواعه الثلاثة، وتُفتَتَح أو تختم باسم عظيم من أسماء الله الحسنى يناسب المقام، كما أنها مشتملة على تنزيهٍ لجناب الله وتعظيمه وتقديسه، كما يتجلى فيها حسن الأدب مع الله تعالى في الخطاب، وحسن عرض الحوائج والرغائب. كما أنها -من جانب آخر- معصومة مأمونة من الوقوع في الخطأ والزلل، أو الإثم أو اللحن، أو سوء الأدب. كما أنها بعيدة كل البعد عن أيِّ التفات إلى غير الله تعالى؛ فليس فيها التوسل البدعي -فضلاً عن دعاء غير الله تعالى أو الاستغاثة به-
следующие страницы →