١٤ - القاري علي بن سلطان الهروي الحنفي (ت ١٠١٤ هـ) فقد ذكر أن توحيد الألوهية يستلزم توحيد الربوبية دون العكس لقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ. . .﴾ (١).
١٥ - الدهلوي أحمد بن عبد الرحيم (ت ١١٧٦ هـ)، فقد ذكر هذه المسألة وقررها في عدة مواضع من كتبه (٢) بتقرير حسن.
١٦ - شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب (ت ١٢٠٦ هـ) فإنه قد ذكر هذا الأصل وقرره في مواضع (٣) من كتبه ورسائله على أحسن الوجوه.
١٧ - ابن عابدين محمد بن عمر الحنفي (ت ١٢٥٢ هـ) فقد ذكر في حاشيته على رد المحتار تعقيبًا على كلام المؤلف أن الوثنية لا ينكرون الصانع تعالى كما لا يخفى، ثم ذكر أن عبدة الأوثان كانوا يقرون بالله تعالى، قال تعالى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ. .﴾ الآية، ولكن كانوا لا يقرون بالوحدانية. قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٤) [الصافات: ٣٥].
١٨ - ثم هناك علماء كثيرون (٥) صرحوا بهذا فنكتفي بهذا القدر.
стр. 842
كما اعترف بهذه الحقيقة (١) كثير من أهل هذا العصر نكتفي منهم بما ذكره محمد عبد الله دراز، من أن المتدينين مهما بلغوا في الخرافة أي مبلغ لا بد أن يعترفوا بالإله الأعظم، وأما الأصنام والأوثان فيزعمون أنها مهبط لقوة غيبية. . . إلخ (٢).
ولا حاجة إلى إطالة البيان لهذا الواضح البين لولا زعم من يقول (٣): "إن أولئك المشركين ما كانوا جادين فيما يحكي ربنا عنهم من قولهم مسوغين عبادة الأصنام: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] ".
ثم احتج هذا القائل بشبهة وهي:
١ - أن الله سبحانه قد نهى المسلمين من سب أصنامهم بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨].
стр. 843
وزعم أن قول كلمة نقص في الحجارة التي يعبدونها - يتسبب عنه غضبهم غيرة على تلك الحجارة التي يعتقدون من صميم قلوبهم أنها آلهة تنفع وتضر، وأنهم "لو كانوا صادقين بأن عبادتهم لأصنامهم تقربهم إلى الله زلفى ما اجترؤوا أن يسبوه انتقامًا ممن يسبون آلهتهم، فإن ذلك واضح جدًا في أن الله تعالى في نفوسهم أقل من تلك الحجارة".
الجواب عن هذه الشبهة على وجوه:
الوجه الأول (١):
أن سبهم الذي يخشى أن يقع عند سب آلهتهم هو مقابلتهم لمن سب معبودهم بمثل سبه يريدون محض المجاراة فيتجاوزون الحد فيها، كما يقع كثيرًا من المختلفين في الدين والمذهب، يسب نصراني نبي المسلم فيسب المسلم نبيه ويريد عيسى عليهما الصلاة والسلام، ويسب شيعي -يلاحي سنيًا ويماريه- أبا بكر فيسب عليًا والأول يعلم أن سب عيسى كفر كَسَبِّ محمد عليهما الصلاة والسلام والثاني يعلم أن سب علي فسق (٢) كسب أبي بكر ﵄، ومثل هذا يقع كثيرًا بل كثيرًا مَّا يتساب أخوان من أهل دين واحد يسب أحدهما أب الآخر أو معبوده فيقابله بمثل سبه، يغيظه بسب أبيه مضافاً إليه، ويعده إهانة له، فيسبه مضافًا إلى أخيه إهانة لأخيه، وهذا كله من حب الذات، والجهل الحامل على المعاقبة على الجريمة بارتكابها عينها يهين والده المعظم عنده ومعبوده الذي هو أعظم منه احتماء لنفسه وعصبية لها، وقد جاء في الصحيح عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "من الكبائر شتم الرجل والديه
стр. 844
قالوا يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه. . ." (١).
ومما يشهد لهذا الوجه ما ورد في حديث أبي هريرة ﵁ قال: «استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود فقال المسلم: والذي اصطفي محمدًا على العالمين، فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين، فلطم المسلم اليهودي فذهب اليهودي إلى النبي ﷺ واشتكى فقال النبي ﷺ : «لا تخيروني على موسى» (٢).
وقال ﵊: "ما ينبغي لعبد أن يقول: إني خير من يونس بن متى" (٣)، وكل هذا لئلا يفضي إلى المخاصمة والمنازعة ثم يؤدي ذلك إلى الازدراء والانتقاص للمفضول بدون قصد.
وعلى هذا الوجه المتقدم يحمل قوله تعالى: ﴿عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، على أن المراد بالعلم المنفي: "العلم الحضوري الباعث على العمل وهو إرادة السب التي يقصد بها إهانة المسبوب، فإن الساب هنا لا يتوجه قصده إلا إلى إهانة مُخَاطَبه الذي سبه" (٤).
الوجه الثاني:
ليس المراد أنهم يسبونه صريحًا ولكن يخوضون في ذكره فيذكرونه بما لا يليق به ويتمادون في ذلك بالمجادلة فيزدادون في ذكره بما لا يليق بالله تعالى، وقد قال بهذا الوجه الراغب الأصفهاني (٥).
стр. 845
فالمراد أنهم يقولون ما يستلزم سبه بحيث يفهم ذلك منهم، وإن لم يَعْلَم ذلك قَائِلُه (١) وليس ذلك غرضه.
الوجه الثالث:
أن معنى سبهم لله تعالى هو سبهم وعيبهم لأمر المسلمين فيعود ذلك إلى الله تعالى، لا أنهم كانوا يصرحون بسب الله تعالى لأنهم كانوا يقرون أنه خالقهم وإن أشركوا به، وقد قال بهذا الوجه ابن الجوزي (٢).
ويقرب هذا الوجه أن الكفار إذا عيب دينهم فلا بد أن يعيبوا دين المسلمين والشريعة الإسلامية وما جاءت به من العبادات والأحكام، فيؤدي ذلك إلى سب من شرع هذا الدين الحنيف وهو الله تعالى.
الوجه الرابع:
أنهم ربما كان في جهالهم من كان يعتقد بأن إله محمد شيطان يحمله على ادعاء الرسالة، وليس خالق السموات والأرض، فكان يشتم إله محمد على هذا التأويل، وهذا الوجه أبداه الرازي احتمالًا (٣).
ويؤيد هذا الوجه أن المتخاصم ربما يعتقد أن خصمه لا يعبد الله تعالى بل يعبد إلهًا آخر، لأنه يصف معبوده بما لا يصح أن يوصف به الله تعالى عنده، وقد ثبت عن بعض المختلفين في الأديان وفي مذاهب الدين الواحد وصف ربهم وإلههم بصفات، ورب خصومهم وإلههم بصفات تناقضها، أو تضادها كما يقول مثبتو الصفات ونفاتها بعضهم في بعض، مع أن الجميع يقولون: إنهم يعبدون الله خالق السموات والأرض وما بينهما وما فيهما (٤).
стр. 846
الوجه الخامس:
أن هؤلاء يعلمون أن الله أجل وأعظم من أصنامهم، ولكن تهوى أنفسهم هذه الأصنام أكثر وتحبها حبًا أفضل من حب الله تعالى في أشياء مخصوصة باعتباراتٍ مخصوصة، وليس تفضيلًا مطلقًا، وقد أشار إلى هذا الوجه شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث ذكر هذه الآية والآية الآتية وقول أبي سفيان الآتي فأجاب بهذا الوجه (١).
الوجه السادس:
معنى السب لله تعالى هو تماديهم في الشرك به، فالشرك مسبة لله تعالى، وأي مسبة أعظم من عبادة غيره معه أو ادعاء الولد والصاحبة له؟ ويدل على هذا الحديث القدسي، قال تعالى: "يشتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني ويكذبني وما ينبغي له، أما شتمه فقوله إن لي ولدًا. . ." (٢).
وهذا التمادي في الشرك يحصل من التعصب للآلهة وذلك أن الخصم عندما يسمع سبه وسب معبوده -لا يصغي إلى الحجة ولا يلقي لها بالًا بل يحاول أن يدفع البراهين الساطعة والأدلة الدامغة بدون تأمل ولا روية، ولكن عندما يعلم أن خصمه لا يريد إهانته ولا سب معبوده وإنما يريد الحق والإنصاف- يصغي إلى حجة خصمه وأدلته، ويفكر فيها بجد، وقد يصل في النهاية إلى الاقتناع ولهذا أمرنا الله تعالى بالمجادلة بالتي هي أحسن، قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦].
هذا وقد بقيت وجوه أخرى ذكرت (٣) في توجيه الآية مثل أن المراد
стр. 847
من سب الله سب رسوله، أو أن الآية في القائلين بالدهر ونفاة الصانع، وهذه الوجوه ضعيفة لا تناسب سياق الآية فالوجوه السابقة كافية لمن يريد الحق والله الموفق ..
٢ - كما احتج هذا القائل (١) أيضًا بآية ثانية زاعمًا أنها تدل على أن الله تعالى أقل في نفوسهم من الحجارة وهي قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٦].
الجواب: أن الآية -بحمد الله- تدل على عكس فهم هذا الزاعم وذلك لأن معناها كما قال ابن عباس ومجاهد.
أنهم -يسمون لله جزءًا من الحرث-، ولشركائهم وأوثانهم جزءًا، فما ذهبت به الريح أو سقط من جزء أوثانهم إلى جزء الله ردوه وقالوا: الله غني عن هذا، وأما ما ذهب من جزء الله إلى جزء أوثانهم لم يردوه وقالوا: إنها فقيرة ومحتاجة.
وقال السدي: "إذا هلك الذي يصنعون لشركائهم وكثر الذي لله قالوا: ليس بُدٌّ لآلهتنا من نفقة، وأخذوا الذي لله فأنفقوه على آلهتهم، وإذا أجدب الذي لله وكثر الذي لآلهتهم قالوا لو شاء أزكى الذي له فلا يردون عليه شيئًا مما للآلهة" (٢).
هذان التفسيران المأثوران يدلان على أن الله تعالى أعظم في نفوسهم من آلهتهم، لوصفهم الله تعالى بالغنى على التفسير الأول وبالمشيئة المطلقة على الثاني، ولوصفهم أوثانهم بالفقر والحاجة، وعدم المشيئة.
стр. 848
وهذا واضح جدًا فالآية تدل على عكس ما زعمه، ثم إنا لو سلمنا أنها تدل على أن الله أقل من أصنامهم فلا نسلم أنها تدل على عدم اعتقادهم بالربوبية، لما مر في الآية السابقة من الوجه الخامس من أن التفضيل في أشياء مخصوصة ليس تفضيلًا مطلقًا.
٣ - واحتج أيضًا بشبهة أخرى ثالثة وهي قول (١) أبي سفيان يوم أحد "اعل هبل" وقال: "ينادي صنمهم المسمى بهبل أن يعلو في تلك الشدة رب السموات والأرض ويقهره ليغلب هو وجيشه جيش المؤمنين الذي يريد أن يغلب آلهتهم" (٢).
الجواب عن هذه الشبهة بوجوه:
١ - إن معنى اعل هبل -ظهر دينك (٣) - أو أظهر دينك (٤)، وعلى هذا فهو يخبر بظهور دين هبل على دين المسلمين وليس على خالق السموات والأرض، أو يدعوه بأن يظهر دينه على دين المسلمين ويؤيد الأول تفسير ابن الجوزي له بقوله: "أي علا دينك" (٥).
٢ - ولو سلمنا أن معناه أن هبل أعلى من إله المسلمين فهو على قصد أن إله المسلمين غير خالق السموات والأرض، فإن المشركين لا يعترفون بأن الله هو الذي أرسل محمدًا لله بل يقولون إنه ساحر وكاذب وشاعر إلى آخر ذلك.
ومن الدلائل الصريحة في ذلك قول سهيل بن عمرو في قصة
стр. 849
الحديبية عندما أملى الرسول ﷺ على الكاتب وهو علي بن أبي طالب "هذا ما قاضي عليه محمد رسول الله" فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله فقال النبي ﷺ : "والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد الله" (١).
٣ - وإذا كان هناك احتجاج بكلام الكفار في الحرب فيقال لهذا القائل: ماذا تقول في قول أبي جهل يوم بدر: "اللهم أقطعنا للرحم وأتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة فكان ذلك استفتاحًا منه فنزلت: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ (٢) [الأنفال: ١٩].
فقد استفتح أبو جهل بالرب دون اللات والعزى وهبل.
الخلاصة:
قد تبين مما سبق أن أكثر الأمم معترفون بتوحيد الربوبية، وخاصة مشركو العرب الذين نزل فيهم القرآن وأنهم إنما أشركوا بصرفهم العبادة لغير الله تعالى بزعمهم الشفاعة والوساطة والتقريب، وأن القول بنفي الربوبية لا يعرف إلا ما يقال احتمالًا وافتراضًا أو من شرذمة قليلة فسدت فطرتها فتنكرت لما تفرضه الفطرة، وتوجبه البديهة وتظاهرت بالإنكار مع أنها في الحقيقة تقر بذلك ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]، وقال موسى لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢].
стр. 850
وهذا الاعتقاد بالوساطة للأصنام والأوثان وغيرها - لا يمنع من أنه قد يوجد (١) بعض الأفراد القليلين الذين قد ينسون الله بالكلية فيقصدون آلهتهم فقط وإن كانوا يعترفون ويعلمون بالنظر البرهاني أن لا بد من الاعتراف بالله تعالى.
ولكن مناقشتنا ليست في هؤلاء القلة وإنما هي في جمهور المشركين الذين نزل فيهم القرآن وقاتلهم رسول الله ﷺ فهؤلاء قطعًا يقرون بالربوبية ويعتقدون في الأصنام الشفاعة والتقريب وهم جَادُّونَ فيما يعتقدونه من ذلك كما دلت عليه الأدلة القاطعة التي ذكرناها ولله الحمد.
الشبهة (٢) الثانية:
قالوا: إن دعاء الصالحين والاستغاثة بهم ليس عبادة لهم وبالتالي فليس شركًا ولا تنطبق عليه النصوص الواردة في منع دعاء غير الله تعالى، لأن المراد بالدعاء في تلك الآيات هو العبادة وليس بمعنى السؤال والنداء والطلب.
стр. 851
وأما الدعاء بمعنى النداء والسؤال فيجوز صرفه لغير الله تعالى، فالممنوع هو دعاء غير الله تعالى بمعنى العبادة لا بمعنى السؤال.
وقالوا: فنحن لم نعبد غير الله تعالى، وإنما المقصود بدعائنا هو التوسل والتشفع فقط لا العبادة.
الجواب عن هذه الشبهة بوجوه:
١ - إن هذا القول يصادم النصوص الواضحة التي سمت دعاء المسألة عبادة وهي كثيرة: فمن ذلك قوله ﷺ : «الدعاء العبادة» (١).
ومن ذلك بعض الآيات التي وردت فيها كلمة الدعاء ومتصرفاتها وأريد بها دعاء المسألة نصًا، فلا يمكن تأويلها بالعبادة فهي آيات صريحة في موضع النزاع، منها قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠، ٤١].
وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٦].
وقوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [الرعد: ١٤].
فالمراد بالدعاء في هذه الآيات دعاء المسألة كما هو واضح من سياق الآيات.
ويدل على ذلك في الآية الأولى قوله: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ﴾ لأن الكشف هو إجابة الدعاء. كما يدل على ذلك في الآية الثانية قوله: ﴿فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ
стр. 852
عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ لأن كشف الضر أو تحويله هو إجابة الدعاء.
ويدل السياق في الآية الثالثة مع المثل المضروب وكلمة لا يستجيبون على أن المراد بالدعاء دعاء المسألة.
وقد ذكرنا فيما تقدم (١) أمثلة أخرى مع نقل كلام العلماء في ذلك.
٢ - إن أكثر استعمال الدعاء في الكتاب والسنة واللغة ولسان العرب ومن بعدهم من العلماء في السؤال والطلب كما قال العلماء من أهل اللغة وغيرهم (٢).
وقد تقدم (٣) بيان ذلك في تعريف الدعاء ولله الحمد.
ومن الأدلة على أن الاستعمال الأكثر للدعاء إنما هو في السؤال والطلب صنيع المؤلفين من المحدثين وغيرهم، حيث يعقدون في كتبهم بباب الدعوات أو كتاب الدعوات أو مثل هذه العبارة ثم يوردون ما يتعلق بدعاء المسألة فقط (٤).
وأغلبهم لا يتعرضون لدعاء العبادة في تلك الكتب والأبواب.
ومثل هؤلاء آخرون الذين أفردوا كتبًا خاصة بالدعاء وهي كتب كثيرة للمتقدمين (٥) والمتأخرين لم يذكروا في تلك الكتب إلا مما يتعلق بدعاء المسألة.
فهذا يدل على أن الاستعمال الغالب لكلمة الدعاء في لسان المصنفين من العلماء -إنما هو في دعاء المسألة-.
стр. 853
٣ - لو سلمنا أن المراد بالدعاء في الآيات -العبادة- لا نسلم بأن دعاء المسألة لا يدخل في العبادة، فإنه إن لم يكن الدعاء من العبادة فلا عبادة يمكن تصورها، لأن الدعاء يتضمن أنواعًا من العبادات وليس عبادة واحدة فقط، فهو يتضمن الرجاء والخوف والتوكل والتضرع والابتهال والخشية والطمع والتوجه إلى الله والإقبال عليه والانطراح بين يديه وحسن الظن بالله، والمراقبة الله، كما أنه يتضمن سؤاله وذكره وثناءه والتوسل إليه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا.
فإذا لم تكن هذه الأمور عبادة فلا يمكن أن نتصور عبادة وقد وردت الأدلة الصحيحة بأن الدعاء هو العبادة وأنه مخها وروحها، قال ﷺ في حديث النعمان بن بشير ﵄: الدعاء هو العبادة "فثبت بهذا أن الدعاء عبادة من أجلّ العبادات فإن لم يكن الإشراك فيه شركًا، فليس في الأرض شرك، وإن كان في الأرض شرك فالشرك في الدعاء أولى أن يكون شركًا من الإشراك في غيره من أنواع العبادات" (١).
فتحصل من هذا أن الدعاء داخل في العبادة، وأن الآيات والأحاديث الواردة في العبادة والتحذير من صرفها لغير الله تعالى تشمل وتعم جميع أنواع العبادت ومن أجلها دعاء المسألة، وقد قدمنا تلازم نوعي الدعاء وأن دعاء العبادة يستلزم الطلب والسؤال، فلا ينفع الخصم تأويل معنى الدعاء إلى العبادة وتضييقه لمفهوم العبادة حيث يظن أنها خاصة بالصلاة والصوم والحج.
قال الأمير الصنعاني جوابًا لمن حصرها في الصلاة والصوم إلخ:
"هذا جهل بمعنى العبادة فإنها ليست منحصرة فيما ذكرت بل رأسها وأساسها الاعتقاد، وقد حصل في قلوبهم ذلك بل يسمونه معتقدًا ويصنعون له ما تفرع عن الاعتقاد من دعائهم وندائهم والتوسل بهم
стр. 854
والاستغاثة والحلف والنذر وغير ذلك" (١).
٤ - وأما ادعاء (٢) أن هذا الطلب والسؤال الذي يصرف لغير الله ليس بدعاء بل هو نداء فالآيات إنما وردت في التحذير من الدعاء، وأما النداء للغائب فجائز.
فهذا الادعاء غير صحيح لأمور (٣).
أ - إن الله قد سمي النداء دعاء في كثير من الآيات منها ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)﴾ [مريم: ٢ - ٤].
سمي الله النداء دعاء في هذه الآية لأن مدلولهما واحد من باب الترادف على معنى واحد (٤)، وقال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة: ١٧١]. فعطف النداء على الدعاء عطف مرادف. وقال تعالى: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء: ٧٦] وسمي ذلك دعاء في آية أخرى فقال: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠)﴾ [القمر: ١٠].
ب - ثم يقال: وأي فرق بين ما إذا سأل العبد ربه حاجة وبين ما إذا طلبها من غيره ميت أو غائب بأن الأول يسمى دعاء والثاني نداء؟ (٥).
ولا فرق بين الأمرين لا في اللغة ولا في الشرع.
ج - ثم يقال أيضاً: وأي فرق بين سؤال الميت حاجة وبين سؤالها
стр. 855
من صنم ونحوه بأن الثاني يسمى دعاء والأول نداء؟ فإن قال: الكل يسمى نداء لا دعاء، فهذا مشاقة للقرآن ومحادة الله ورسوله (١)؛ لأنَّه قد وردت آيات كثيرة جداً تسمي نداءَ ما يعبد من دون الله دعاء وذكرنا أمثلتها في التعريف (٢) فيما تقدم.
٥ - وأما ادعاء أن دعاء الصالحين لا يسمى عبادة وإنما يسمى توسلاً أو شفاعة أو تبركاً إلى آخر تلك التأويلات فهو قول باطل لأن الأسماء لا أثر لها ولا تغير المعاني، ضرورة لغوية وعقلية وشرعية، فتغيير الاسم لا يغير حقيقة المسمى ولا يزيل حكمه (٣)؛ لأن العبرة بالمقاصد لا بالألفاظ والأسماء، كما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، وقال ﵊: إنما الأعمال بالنيات" (٤).
وقد أخبر المصطفى صلوات الله وسلامه عليه أنه سيأتي قوم يشربون الخمر ويسمونها بغير اسمها (٥).
فالخمر هي من الخمر ولو سموها -زوراً وبهتاناً- شراباً روحياً أو غير ذلك الأسماء البراقة الخادعة.
وكذلك دعاء -غير الله تعالى- لا يتغير بتسميته توسلاً وتشفعاً وتبركاً، وكذلك تسمية من يعتقدون فيه أولياء لا تخرجهم عن اسم الأصنام والأوثان، إذ هم معاملون لهم معاملة المشركين للأصنام ويطوفون
стр. 856
بهم طواف الحجاج ببيت الله الحرام ويخاطبون الميت بالكلمات الكفرية ويهتفون بأسمائهم عند الشدائد (١).
قال ابن القيم: فالشرك والكفر هو شرك وكفر لحقيقته ومعناه لا لاسمه ولفظه، فمن سجد لمخلوق وقال: ليس هذا بسجود له هذا خضوع وتقبيل الأرض بالجبهة أو هذا إكرام لم يخرج بهذه الألفاظ عن كونه سجوداً لغير الله، وكذلك من ذبح للشيطان ودعاه واستعاذ به وتقرب إليه بما يحب فقد عبده وإن لم يسم ذلك عبادة (٢).
فتبين مما سبق أن ما يفعله عباد القبور من دعاء أصحابها وسؤالهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات والتقرب إليهم بالذبائح والنذور عبادة منهم للمقبورين وإن كانوا لا يسمونه ولا يعتقدونه عبادة.
ومن كيد الشيطان أنه لما علم أن كل من قرأ القرآن أو سمعه ينفر من الشرك ومن عبادة غير الله تعالى ألقى في قلوب الجهال أن ما يفعلونه مع المقربين وغيرهم ليس عبادة لهم وإنما هو توسل وتشفع بهم والتجاء إليهم ونحو ذلك، فسلب العبادة والشرك اسمهما من قلوبهم وكساهما أسماء لا تنفر عنها القلوب (٣).
٦ - إن السبب الذي أوقعهم فيما قالوا أنهم ضيقوا مفهوم العبادة وظنوا أنها لا تشمل إلا نحو السجود والركوع.
كما ظنوا أن العبادة لا يكون صرفها لغير الله شركاً إلا إذا اعتقد التأثير من دون الله، وقد صرح بعضهم بذلك. فقال: وإنما النداء الذي يكون عبادة هو نداء من يعتقدون ألوهيته واستحقاقه العبادة، فيرغبون إليه ويخضعون بين يديه فالذي يوقع في الإشراك هو اعتقاد ألوهية غير الله
стр. 857
تعالى واعتقاد التأثير، وأما النداء لمن لا يعتقد ألوهيته ولا تأثيره فليس بشرك وإن كان لميت أو غائب أو جماد (١). وقال غيره: إن العبادة هي اعتقاد ربوبية المخضوع له فإن انتفى ذلك الاعتقاد لم يكن ما يأتي به من الخضوع الظاهري من العبادة شرعاً مهما كان المأتي به ولو سجوداً (٢). وهذا باطل لأمور:
أ - لأن الشرك جعل شريك الله تعالى فيما يستحقه ويختص به من العبادة الباطنة والظاهرة، كالحب والخضوع والخوف والرجاء والدعاء …
فمتى أشرك مع الله غيره في شيء من ذلك فهو مشرك بربه، قد عدل به سواه وجعل له نداً من خلقه، ولا يشترط في ذلك أن يعتقد له شركة في الربوبية أو استقلالاً بشيء منها (٣).
ب - ثم يقال لهم إن ظنكم أن العبادة لا يكون صرفها لغير الله شركاً إلا إذا اعتقد التأثير -يدل على أن الشرك لا يكون إلا اعتقادياً، وأن اللفظ لا يكون كفراً إلا إذا طابق الاعتقاد، وهذا يقتضي سد أبواب الشرائع ويخالف ما ذكره الفقهاء في باب الردة من التكفير بألفاظ يذكرها بعض الناس من غير اعتقاد (٤)، وهذا الجواب على سبيل التنزل معهم وإلا فكثير منهم يعتقدون ما يقولون.
ج - ثم يقال لهؤلاء الذين ضيقوا مفهوم العبادة: إن السجود عبادة ومثله الدعاء والنذر والذبح فما الفارق الذي أباح صرف هذا دون هذا؟ بل الذي ورد في خصوص الدعاء أكثر مما ورد من السجود (٥).
د - ويقال لهم أيضاً: إن هذا جهل بمعنى العبادة فإنها ليست
стр. 858
منحصرة في السجود والصلاة والصيام إلخ، "بل رأسها وأساسها الاعتقاد، وقد حصل في قلوبهم ذلك بل يسمونه معتقداً ويصنعون له ما تفرع عن الاعتقاد من دعائهم وندائهم والتوسل بهم والاستغاثة والاستعانة والحلف والنذر وغير ذلك" (١).
هـ - ويقال أيضاً لمن قال: إنه لم يقصد بدعاء الأموات والنحر لهم عبادتهم: "فلأي مقتضى صنعت هذا الصنيع؟ فدعاؤك للميت عند نزول أمر بك لا يكون إلا لشيء في قلبك عبر عنه لسانك، فإن كنت تهذي بذكر الأموات عند عروض الحاجات من دون اعتقاد منك فأنت مصاب بعقلك" (٢).
٧ - هذا ومما يدل على أن ادعاءهم بأنهم يريدون من الدعاء التوسل .. الخ ليس صحيحاً أن بعض هؤلاء يعترف بأنه لا فرق بين التوسل والاستشفاع بالأولياء، وبين الاستغاثة والدعاء والنداء وطلب تفريج الكربات من الأولياء فالكل من باب واحد لأن المهم هو عدم اعتقاد التأثير المستقل للأولياء.
ومع هذا إذا نوقشوا واحتج عليهم بأن القسم الثاني الذي هو الاستغاثة .. إلخ شرك صريح بدليل الآيات البينات.
قالوا: إنها تؤول إلى التوسل والشفاعة.
فدل هذا على أن هذا الكلام إنما هو تلبيس للحقائق وتسمية للأشياء بغير اسمها وإلا فهم باعترافهم لا يرون فرقاً بين الأمرين، وأن الكل ليس بمحظور بل هو مستحب وأدب من آداب الدعاء.
وهذه عبارات بعضهم تنادي عليهم بذلك:
قال السبكي: "اعلم أنه يجوز ويحسن التوسل، والاستغاثة،
стр. 859
والتشفع بالنبي ﷺ إلى ربه " (١).
ثم ذكر أن معنى الاستغاثة طلب الغوث، فالمستغيث يطلب من المستغاث به أن يحصل له الغوث من غيره، وإن كان أعلى منه، فالتوسل والتشفع والتوجه والاستغاثة بالنبي ﷺ وسائر الأنبياء والصالحين ليس لها معنى في قلوب المسلمين غير ذلك … وإذا صح المعنى فلا عليك في تسميته توسلاً أو تشفعاً أو توجهاً أو استغاثة.
ثم ذكر أنه لو سلم أن لفظ الاستغاثة يستدعي النصر على المستغاث منه فالعبد يستغيث بالنبي ﷺ وغيره من الصالحين متوسلاً بهم إلى الله ليغيثه على من استغاث منه، والمستغاث به في الحقيقة هو الله تعالى، والنبي ﷺ واسطة بينه وبين المستغيث (٢)، ويقول أيضاً: "فالله تعالى مستغاث، فالغوث منه خلقاً وإيجاداً، والنبي ﷺ مستغاث، والغوث منه تسبباً وكسباً" (٣).
فهو يعترف بأن الاستغاثة بالصالحين لا مانع منها، ويعلل ذلك بأن القصد من الاستغاثة بهم كونهم واسطة بين المستغيث بهم وبين الله تعالى.
وقد عرف أن هذا الاعتقاد بالواسطة هو عين ما يعتقده المشركون الأوائل.
كما يري أن إسناد الاستغاثة إلى المخلوق بمعنى أنهم مكتسبون لها ومتسببون فيها لا مانع، فهو يشير بهذا إلى كسب الأشعري المعروف.
فعلى قوله فإسناد الاستغاثة إلى النبي ﷺ في حال مماته كإسناد الاستغاثة إليه في حال حياته؛ لأن الكل من باب الكسب والتسبب، وأما المؤثر الحقيقي في الحالتين فهو الله تعالى.
стр. 860
وذكر الهيتمي مثل كلام السبكي السابق ولعله نقله منه ومما قاله (١): "فهو مستغاث به حقيقة والغوث منه خلقاً وإيجاداً، والنبي ﷺ مستغاث به مجازاً (٢) والغوث منه تسبباً وكسباً فهو على حد قوله تعالى: وما رميت ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، أي وما رميت خلقاً وإيجاداً إذ رميت تسبباً وكسباً ولكن الله رمى خلقًا وإيجاداً، وقوله تعالى: فلم تقتلوهم ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧].
وبالجملة فإطلاق لفظ الاستغاثة لمن يحصل منه غوث باعتبار الكسب أمر معلوم لا شك فيه لغة ولا شرعاً، فإذا قلت: أغثني يا الله، تريد الإسناد الحقيقي باعتبار الخلق والإيجاد، وإذا قلت: أغثني يا رسول الله، تريد الإسناد المجازي باعتبار الكسب والتوسط".
ففي هذا الكلام الأمور التالية:
١ - أنه يجوز طلب الاستغاثة من الرسول ﷺ ، وكذا من الصالحين، لأنَّه لا فرق ذلك بين عندهم.
٢ - إن المستغاث به الذي هو النبي ﷺ أو الولي، يغيث ويقع الغوث منه في حال مماته مثل ما يقع منه في حال حياته بدون أدنى أي فرق بين الحالتين، وقد علم بالضرورة الفرق بين الحالتين، فعدم الفرق باطل.
٣ - إن إسناد الغوث إلى المخلوق إسناد كسب وتسبب، وليس إسناد إيجاد وخلق، وهذه العقيدة في الإسناد في الأفعال هي عامة عندهم الأفعال الاختيارية، وهو قول الأشعري في مسألة قدرة العبد على
стр. 861
الفعل وأن ذلك كسب وليس فعلاً وهو يرجع في الحقيقة إلى قول الجبرية كما تقدمت (١) الإشارة إلى ذلك. فهذا اعتراف منهم بأنهم يعتقدون أن الاستغاثة قد وقعت فعلاً وحصلت من المستغاث به، وأنَّه يقدر على الإغاثة وإن كانوا يؤولون في معنى القدرة، وأن المؤثر الحقيقي هو الله تعالى.
٤ - إنه لا فرق بين الاستغاثة وبين التوسل والتشفع وأن المراد من الكل هو توسط النبي أو الولي في قضاء الحاجات.
وقد علمنا أن عقيدة التوسط والشفاعة هي التي يعتقدها المشركون.
وقد نقل (٢) كلام الهيتمي هذا -أحمد زيني دحلان- واحتج به وممن صرح بذلك الدجوي (٣) فإنه قال:
"والحاصل أنه لا يكفر المستغيث إلا إذا اعتقد الخلق والإيجاد لغير الله تعالى … فإنه إن اعتقد الإيجاد لغير الله كفر على خلاف للمعتزلة في خلق الأفعال وإن اعتقد التسبب والاكتساب لم يكفر، وأنت تعلم أن غاية ما يعتقد الناس في الأموات هو أنهم متسببون ومكتسبون كالأحياء لا أنهم خالقون موجدون كالإله، إذ لا يعقل أن يعتقد فيهم الناس أكثر من الأحياء، وهم لا يعتقدون في الأحياء إلَّا الكسب والتسبب، فإذا كان هناك غلط فليكن في اعتقاد التسبب والاكتساب لأن هذا هو غاية ما يعتقده المؤمن في المخلوق وإلا لم يكن مؤمناً والغلط في ذلك ليس كفراً ولا شركاً" (٤).
стр. 862
وهذا الكلام مع خطورته واعتراف صاحبه بأنه لا يضر قصد الميت للاستغاثة على قضاء الحاجات - قد انتحله بعض المعاصرين (١).
وممن صرح بعدم الفرق بين الاستغاثة والتوسل وغيرهما الكوثري، فقد ذكر أن الاستغاثة والاستعانة والتوسل من باب واحد (٢).
هذا ومما يلاحظ على هؤلاء الذين نقلنا كلامهم أنهم احتجوا بمسألة خلق أفعال العباد على المذهب الأشعري، وهذا لا يفيدهم شيئاً بل يبين اعتقادهم ويكشفه على حقيقته لاعتقادهم للموتى ما يعتقدونه للأحياء.
ثم إن مسألة خلق أفعال العباد لا تلازم بينها وبين دعاء الأولياء والصالحين بوجه ما وإنما ظن هؤلاء أن من قال بأن الله يخلق أفعال العباد يبيح ويجيز دعاء الصالحين، ومن قال: إن العبد يخلق أفعال نفسه يحرم عليه ذلك (٣).
وهذا ظن سيئ لأن كلا الفريقين لا فرق بينهم في منع طلب ما لا يقدر عليه إلا الله من غير الله تعالى، لأن ذلك ليس من باب الكسب المباشر بل يكون من التأثير بالقوة والسلطان الغيبي بدون مباشرة الأسباب؛ لأن من يدعوهم يعتقد أنهم يؤثرون في حاجته بدون مباشرة للأسباب الظاهرة، وهذا من خصائص الله تعالى.
الشبهة الثالثة:
قولهم: إن تلك النصوص إنما وردت في الأصنام فقط، والأولياء والصالحون ليسوا مثل الأصنام، فمن يدعوهم ليس مثل من يدعو الأصنام. والجواب (٤):
стр. 863
١ - إن المشركين الذين وردت فيهم تلك النصوص ليسوا كلهم يعبدون الأصنام فإن منهم من يعبد الأولياء والصالحين، ومنهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد الأنبياء، ومنهم من يعبد الأحجار وهي في الأصل صور رجال صالحين، والأدلة على ذلك كثيرة من القرآن الكريم ومن أوضحها قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء: ٥٦، ٥٧].
فهذه الآية في العقلاء بدون شك وإن اختلف المفسرون في تعيينهم:
أ - فقيل الجن، فقد روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "كان نفر من الإنس يعبدون نفراً من الجن فأسلم النفر من الجن واستمسك الإنس بعبادتهم فنزلت: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ وفي رواية: "فأسلم الجنيون، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون" (١).
ب - وفي رواية أخرى عن عبد الله بن مسعود أنها نزلت في الملائكة ومثله عن عبد الرحمن بن زيد (٢).
جـ - وفي رواية أنهم عزير وعيسى وأمه والملائكة، روي ذلك عن ابن عباس ومجاهد (٣).
стр. 864
فهذه الأقوال المنقولة عن السلف في تفسير هذه الآية ليس بينها اختلاف؛ لأنها عامة تشمل كل هذه الأقوال إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ثم إنه ليس مراد من فسرها بالجن أو الملائكة أنها خاصة بذلك وإنما مراده مجرد التمثيل.
قال شيخ الإسلام: "وهذه الأقوال كلها حق، فإن الآية تعم كل من كان معبوده عابدًا لله سواء كان من الملائكة أو من الجن أو من البشر والسلف ﵃ في تفسيرهم يذكرون جنس المراد بالآية على نوع التمثيل، كما يقول الترجمان لمن سأله ما معنى لفظ الخبز فيريه رغيفاً فيقول هذا، فالإشارة إلى نوعه لا إلى عينه.
وليس مرادهم بذلك تخصيص نوع دون نوع مع شمول الآية للنوعين، فالآية خطاب لكل من دعا من دون الله مدعواً وذلك المدعو يبتغي إلى الله الوسيلة ويرجو رحمته ويخاف عذابه، وهذا موجود في الملائكة والجن والإنس" (١).
فمعنى (٢) الآية أن الذين يدعونهم المشركون هم أنفسهم يتقربون إلى الله بالطاعات ويرجونه ويخافونه فكيف يجوز دعاؤهم؟ وهذا كقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ [الكهف: ١٠٢].
وأما القول بأنها لا تعم إلا الذين كانوا أحياء في وقت النزول وهم الملائكة والجن لأنهم هم الذين يتقربون ويرجون ويخافون وقت نزول الآية.
وأما الذين ماتوا مثل عزير ومريم فلا تشملهم (٣) ففيه نظر؛ لأنَّه يمكن أن يقال: إن الآية تذكر صفتهم في حال حياتهم فقد كانوا يتقربون
стр. 865
إلى الله تعالى (١)، ويمكن أن يقال أيضاً: إنهم لا زالوا يتقربون كما ورد أن موسى يصلي في قبره (٢)، وأما الرجاء والخوف فلا ينقطع إلا بعد دخول الجنة يوم القيامة.
فتبين بهذا أن الآية عامة في المعبودين من العقلاء بدون تخصيص صنف دون صنف.
وقد اتفقت أقوال المفسرين على أن هذه الآية في المدعوين العقلاء وليست في الأصنام وإليك قول الرازي: "اعلم أن المقصود من هذه الآية الرد على المشركين وقد ذكرنا أن المشركين كانوا يقولون: ليس لنا أهلية أن نشتغل بعبادة الله تعالى، فنحن نعبد بعض المقربين من عباد الله، وهم الملائكة، ثم أنهم اتخذوا لذلك الملك الذي عبدوه تمثالاً وصورة، واشتغلوا بعبادته على هذا التأويل، والله تعالى احتج على بطلان قولهم في هذه الآية فقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ وليس المراد الأصنام لأنَّه تعالى قال في صفتهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ وابتغاء الوسيلة إلى الله تعالى لا يليق بالأصنام البتة" (٣).
ومما يدل على أن المشركين الذين نزل فيهم القرآن يعبدون غير الأصنام ما بيّنه الله في كتابه من الشرك بالملائكة، والشرك بالأنبياء، والشرك بالصالحين، والشرك بالكواكب، والشرك بالأصنام، والشرك بالجن، وأصل ذلك كله الشرك بالشيطان، فقال تعالى في الشرك بالملائكة والأنبياء ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾ [آل عمران: ٧٩، ٨٠] وقال
стр. 866
تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]، وقال في الشرك بالملائكة والأنبياء والصالحين: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧]. وقال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١].
وقال في الشرك بالملائكة والجن: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ [سبأ: ٤٠، ٤١]. ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ [الجن: ٦]، وقال تعالى في الشرك بالشيطان ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النحل: ١٠٠].
٢ - ثم لو سلمنا أن تلك النصوص وردت في الأصنام فقط على سبيل التنزل فإننا نقول: إن تلك الأصنام هي تماثيل لقوم صالحين فقد ثبت في ود وسواع ويغوث .. إلخ أنها أسماء رجال صالحين من قوم نوح. كما ثبت أن اللات رجل يلت السويق للحجيج.
وقد تقدم (١) ذكر ذلك.
وعلى هذا فعبادة الأصنام ترجع في الحقيقة إلى عبادة الصالحين فهي الأساس في العبادة وأصل الفتنة.
وقد ذكر كثير من علماء الإسلام هذا المعنى وبينوا أن عبادة الأصنام ترجع إلى عبادة العقلاء من الملائكة والأنبياء والصالحين أو الكواكب (٢).
стр. 867
كما أقر بهذا الباحثون المعاصرون كما ذكر ذلك الدكتور محمد عبد الله دراز فإنه قال: "فاعلم أن كلمات الباحثين في نفسيات المتدينين وعقلياتهم قد تطابقت على أنه ليس هناك دين أياً كانت منزلته من الضلال والخرافة، وقف عند ظاهر الحس، واتخذ المادة المشاهدة معبودة لذاتها وأنَّه ليس أحد من عباد الأصنام والأوثان كان هدف عبادته في الحقيقة هياكلها الملموسة، ولا رأى في مادتها من العظمة الذاتية ما يستوجب لها منه هذا التبجيل والتكريم، وكل أمرهم هو أنهم كانوا يزعمون هذه الأشياء مهبطاً لقوة غيبية أو رمزاً لسر غامض يستوجب منهم هذا التقديس البليغ فهي في نظرهم أشبه شيء بالتمائم والتعويذات التي يتفاءل أو يتبرك بها أو يستدفع بها شيء من الحسد أو السحر … ثم ضرب مثالاً لذلك بالزنوج الذين في جبال النوبة وأنهم يعبدون رجلاً يسألونه دفع البلاء وجلب النفع بالمطر والرزق، ويبالغون في دعائه واسترضائه، فإن لم يحصل مطلوبهم سجنوه وربما قتلوه.
فدل هذا على أنهم يعتقدون فيه علم الأسرار والقدرة على قضاء الحاجات إلى حد محدود، كما هو الحال في المعتقدين في الأولياء والقديسين ولا ذلك يمنع من اعتقادهم في الإله الأعظم" (١).
٣ - ثم إن تلك النصوص عامة شاملة لجميع المدعوين من دون الله سواء كانوا من الأصنام الجامدات أو العقلاء. لأن تلك النصوص وردت بألفاظ العموم فتشمل الجميع.
وبعض تلك النصوص جاءت بألفاظ خاصة بالعقلاء نحو ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)﴾ [النحل: ٢٠، ٢١]. وليست هذه الآية في الأصنام كما يزعمه من لم يتدبر، لأن الذين لم يخبر به إلا عن العقلاء ولأن الأصنام من الأخشاب والأحجار لا يحلها الموت (٢).
стр. 868
وبهذا يتبين أن النصوص عامة لكل المدعوين من العقلاء وغيرهم، ومن ادعى التخصيص بغير العقلاء فعليه البرهان ولا برهان له يدل على الفرق بين العقلاء وغيرهم "لأن الحكم واحد إذا حصل لمن يعتقد في الولي والقبر ما كان يحصل لمن كان يعتقد في الصنم والوثن، إذ ليس الشرك هو مجرد إطلاق بعض الأسماء على بعض المسميات، بل الشرك هو يفعل لغير الله شيئاً يختص به سبحانه سواء أطلق على ذلك الغير ما كان تطلقه عليه الجاهلية أو أطلق عليه اسماً آخر فلا اعتبار بالاسم قط …
وقد علم كل عالم أن عبادة الكفار للأصنام لم تكن إلا بتعظيمها واعتقاد أنها تضر وتنفع، والاستغاثة بها عند الحاجة والتقرب لها في بعض الحالات بجزء من أموالهم وهذا كله قد وقع من المعتقدين في القبور … " (١).
وإنما قلنا بأن الآيات جاءت بألفاظ العموم لأنها جاءت بصيغة الموصول وهي من صيغ العموم (٢) كقوله: والذين تدعون ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)﴾ [فاطر: ١٣]، وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ [يونس: ١٠٦]، وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الإسراء: ٥٦].
فهذه الموصولات في كلام الله وكلام رسوله واقعة على كل مدعو ومعبود نبياً كان أو ملكاً أو صالحاً إنسياً أو جنياً، حجراً أو شجراً متناولة لذلك بأصل الوضع، فإن الصلة كاشفة ومبينة للمراد وهي واقعة على كل مدعو من غير تخصيص، وهي أبلغ وأدل وأشمل من الأعلام الشخصية والجنسية.
стр. 869
وهذا هو الوجه في إيثارها على الأعلام، وشرط الصلة أن تكون معهودة عند المخاطب، والمعهود عند من يعقل من أصناف بني آدم أن الأنبياء والملائكة والصالحين قد عُبِدوا مع الله وقصدهم المشركون بالدعاء في حاجاتهم (١).
فتبين مما سبق بطلان القول بأن النصوص واردة في الأصنام، واتضح أنها عامة لكل معبود من دون الله تعالى.
الشبهة (٢) الرابعة:
قولهم: إن المشركين الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون أن لا إله إلا الله ويكذبون الرسول ﷺ ، وينكرون البعث ويكذبون القرآن ونحن نشهد الشهادتين ونؤمن بالبعث ونصلي ونصوم .. إلخ فكيف تجعلوننا مثلهم بمجرد قصدنا الأولياء للشفاعة؟ واحتجوا على هذا بحديث: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا … وحديث أسامة وغيرهما من الأحاديث الآمرة بالكف عمن قال: لا إله إلا الله.
جـ (٣) - الإقرار بالشهادتين والاعتراف بالشريعة الإسلامية لا يغني عن الاحتراز من الوقوع في نواقض الإسلام، ولا يلزم من ذلك بقاء الرجل على الإسلام ولو أتى بالكفريات وبما يناقض الشهادتين، والأدلة على ذلك كثيرة:
١ - إجماع (٤) العلماء رحمهم الله تعالى على أن من صدق الرسول ﷺ في شيء وكذبه في شيء يكفر، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
стр. 870
يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ [النساء: ١٥٠، ١٥١].
وقد علم أن التوحيد أهم أركان الإسلام فمن أنكره أو أنكر بعض جوانبه فقد كفر.
٢ - وقد وقع في التاريخ الإسلامي ما يدل على إجماع العلماء على تكفير من أنكر بعض الشيء من الدين ومن ذلك:
أ - إجماع الصحابة رضوان الله عليهم على قتال المرتدين بعد مناقشة عمر لأبي بكر وبيانه له، فلم يحصل بينهم في قتالهم خلاف مع أن بعضهم لا زال يقر بالإسلام.
ب - قد حرق علي ﵁ الذين غلوا فيه وألّهوه، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ولا التابعين وقد أنكر عليه ابن عباس الإحراق بالنار، لا أصل قتلهم (١).
٣ - فقهاء المذاهب يعقدون أبواباً في أحكام الردة ولو أن المسلم لا يمكن وقوع الكفر منه لما كانت حاجة إلى عقد تلك الأبواب.
وقد ذكروا في تلك الأبواب ما هو أقل بكثير مما نحن فيه.
٤ - قد وردت آيات تدل على ارتداد من ارتكب بعض الكفريات مع كونهم من أصحاب رسول ﷺ يجاهدون معه ويقاتلون الكفار، قال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ [التوبة: ٧٤]. وقال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا
стр. 871
مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦]. وهؤلاء كانوا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فلو كان مجرد الشهادتين يمنع الحكم بالكفر لما كفرهم، وحكم بأنهم كفروا بعد إيمانهم.
٥ - كما أنه قد وردت آيات أخر تبين أن من أشرك يبطل عمله حتى ولو كان من الأنبياء والمرسلين مع أن الله عصمهم، فكيف بغيرهم؟ قال تعالى بعد ذكر جملة من الأنبياء: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾ [الأنعام: ٨٨]. وقال جل شأنه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ [الزمر: ٦٥].
٦ - الأنبياء والرسل الكرام وجلة الصالحين كانوا يخافون على أنفسهم الشرك، ولو كان مجرد النطق بالشهادتين يكفي ولا يضر الإتيان بما يناقض ذلك لما خافوا على أنفسهم من الشرك. قال إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٥، ٣٦]. وقد حذر النبي ﷺ أمته من الشرك فقال: يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل فقيل له: وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال: قولوا: اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئاً نعلمه ونستغفرك لما لا نعلم (١).
٧ - ويقال أيضاً في الجواب: "إن الجامع بين المشركين من الأولين والآخرين موجود وهو الشرك، فالحكم في ذلك واحد لا فرق فيه لعدم الفارق ووجود الجامع.
стр. 872
وفي أصول الفقه: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ويلزم من هذا الاعتراض أن يقال: كل حكم نزل على سبب مخصص في قضية سالفة فهو لا يتعداها إلى غيرها.
وهذا باطل، وتعطيل لجريان الأحكام الشرعية على جميع البرية" (١) لأنَّه يلزم من اعتقاد أن الآيات لا تشمل إلا المشركين الأوائل الذين نزلت فيهم أنها لا حكم لها الآن، فالذي يجب على الإنسان إذا قرأ القرآن أن لا يحسب أن المخاصمة كانت مع قوم انقرضوا، بل الواقع أنه ما من بلاء كان فيما سبق من الزمان إلا وهو موجود اليوم بطريق الأنموذج (٢) بحكم الحديث: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة … " (٣).
وأما احتجاجهم بالأحاديث الآمرة بالكف عمن قال: لا إله إلا الله فيقال: إن الأحاديث تدل على وجوب الكف عمن قالها إلا إن تبين منه ما يناقض تلك الكلمة (٤)، كدعاء غير الله تعالى والاستغاثة بالأولياء .. إلخ.
وقد ثبت في بعض طرق الأحاديث ما يفيد ذلك وهو قوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁ في بعض طرقه عند مسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به" (٥). فقوله ﷺ : "ويؤمنوا بي وبما جئت به" يدل على وجوب الإيمان بكل ما جاء به الرسول ﷺ ، ولا يكفي مجرد الإيمان بالشهادتين فقط.
كما ورد نحوه في حديث آخر وهو ما أخرجه مسلم أيضاً من حديث أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
стр. 873
"من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله" (١).
فدل على اشتراط الكفر والبراءة مما يعبد من دون الله وأنَّه لا يكتفي بمجرد النطق بلا إله إلا الله.
ويدل لذلك أيضاً قوله ﷺ في الحديث الذي احتجوا به "إلا بحقها". وفي رواية: "إلا بحق الإسلام" (٢).
وحقها إفراد الإلهية والعبودية لله تعالى، والقبوريون لم يفردوا الإلهية والعبادة فلم تنفعهم كلمة الشهادة فإنها لا تنفع إلا مع التزام معناها، كما لم ينفع اليهود قولها لإنكارهم بعض الأنبياء" (٣).
وقد صرح بعض العلماء بأن حديث الأمر بالكف بالإقرار بالشهادة خاص بمشركي العرب، وأما من كان يقر بالتوحيد كاليهود فلا يكتفي بقوله: لا إله إلا الله لأنها من اعتقاده، فلا بد من إيمانه بجميع ما جاء به الرسول ﷺ (٤).
فاتضح بما سبق أن كلمة الشهادتين وإقامة الصلاة .. إلخ إنما يفيد من التزم: بمقتضى ذلك ولم يأت بما يناقضه، وأما من لم يلتزم بذلك وأتى بالنواقض فلا يمنعه.
الشبهة (٥) الخامسة:
قولهم: إن الشرك لا يقع في الأمة المحمدية الأمة المرحومة خير
стр. 874
الأمم ولا سيما في الجزيرة العربية المطهرة. واحتجوا على هذا بأحاديث:
١ - حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم" (١).
٢ - وحديث: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد" (٢) فدعاء النبي ﷺ مجاب فيقتضي ذلك أن قبره لن يعبد.
٣ - وحديث عقبة بن عامر مرفوعاً: "وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ولكن أخاف عليكم أن تتنافسوا فيها" (٣).
الجواب عن الحديث الأول بأوجه:
١ - إن معنى الحديث: "إنه يئس أن يجتمعوا كلهم على الكفر" (٤) وأن يرتدوا عن الإسلام عن بكرة أبيهم لأن الله تعالى قد وعد باستخلاف المسلمين في الأرض وتمكينه لهم فيها، وأول ما تنطبق عليه تلك الأرض الموعود أهلها بالتمكين فيها جزيرة العرب. قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥].
وقد أجاب الله تعالى دعوة النبي ﷺ بأن لا يسلط على أمته عدوًا يستبيح بيضتهم (٥).
стр. 875
فكل هذا يدل على أن أهل الجزيرة العربية لا يمكن اجتماعهم على الارتداد عن الإسلام.
٢ - الذي ثبت في لفظ الحديث هو نسبة اليأس إلى الشيطان مبنياً للفاعل ولم يقل الرسول ﷺ "أيس" بالبناء للمفعول، ولو قدر أنه يئس من عبادته في جزيرة العرب أبد الآبدين فإنما ذلك حسب ظنه وتخمينه لا عن علم؛ لأنَّه لا يعلم الغيب وهذا من مفاتيح الغيب الخمس لأنَّه الأمور المستقبلية (١). قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ [لقمان: ٣٤].
وهذا الظن منه يخالف ما أخبر به الرسول ﷺ وهو الوجه التالي.
٣ - قد أخبر الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه في أحاديث صحيحة ومتعددة بوقوع الشرك في أمته، ومن ذلك ما هو خاص بالجزيرة، فمن ذلك قوله ﷺ فيما رواه أبو هريرة ﵁: "لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة" (٢). وذو الخلصة صنم لدوس كانوا يعبدونه في الجاهلية وهو في جنوب الجزيرة.
وقوله: "لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى" (٣).
واللات كانت بالطائف والعزى كانت بوادي نخلة (٤) قرب مكة.
стр. 876
٤ - والواقع التاريخي يؤيد ذلك ولا يمكن إنكار الأمر الواقع، ومن ذلك:
١ - أن أكثر من في الجزيرة ارتدوا بعد وفاة النبي ﷺ ، فكثير منهم رجعوا إلى الكفر وعبادة الأوثان وكثير صدقوا من ادعى النبوة كمسيلمة وغيره (١).
٢ - القرامطة الذين أخذوا الحجر الأسود وقتلوا الحجيج وأجمعت الأمة على كفرهم كانوا في شرق الجزيرة.
٥ - اعتراف كثير من العلماء السابقين بوقوع الشرك في هذه الأمة ونكتفي باعتراف الرازي فإنه ذكر أقوال الكفار في عبادتهم الأصنام والأسباب الباعثة لهم على عبادتها ثم قال: "ورابعها: أنهم وضعوا هذه الأصنام والأوثان على صور أنبيائهم وأكابرهم، وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل فإن أولئك الأكابر يكونون شفعاء لهم عند الله تعالى، ونظيره في هذا الزمان اشتغال كثير من الخلق بتعظيم قبور الأكابر على اعتقاد أنهم إذا عظموا قبورهم فإنهم يكونون شفعاء لهم عند الله" (٢).
وهذا اعتراف من الرازي بأن كثيراً من أهل زمانه يشتغلون بتعظيم القبور وأنَّه مثل عبادة التماثيل عند المشركين.
وأما قوله ﷺ : "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". فالجواب عنه بوجوه:
١ - إن الرسول ﷺ لو لم يخف وقوع الشرك بقبره لما دعا وهو يدل على إمكان وقوعه، وقد دل الواقع على وقوعه، فكم من مستغيث بقبره داع له؟
٢ - إن الحديث يحمل على إجماع الأمة على جعل قبره وثناً كما
стр. 877
حصل في الأمم السابقة وهذا لم يحصل -بحمد الله تعالى- فلا تجتمع هذه الأمة على ضلالة.
٣ - أو يقال كما قال بعض العلماء بأن الله أجاب دعوة نبيه بأن حفظ قبره بالحيطان الثلاثة التي بنيت على قبره ﷺ ، فلا يستطيع أحد أن يصل إليه حتى ولو أراد عبادته ودعاءه من دون الله تعالى.
٤ - قد حذر المصطفى صلوات الله وسلامه عليه من الشرك بقبره في آخر حياته فقال وهو ينازع: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، قالت عائشة: يحذر ما صنعوا" (١). وقال قبل موته بخمس ليال: "ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك" (٢).
وهذا التحذير البليغ منه ﷺ لخوفه أن يتخذ قبره مسجداً ولو كان ذلك لا يمكن وقوعه لما خاف وحذر منه في مثل تلك الحالة التي يحتاج فيه إلى التحذير من الشيء الأهم والأشد خطراً.
وأما الجواب (٣) عن الحديث الثالث وهو قوله ﷺ : "وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي" فعلى وجوه:
١ - إن الحديث خاص بالصحابة الذين خاطبهم الرسول ﷺ كما هو ظاهر الخطاب الموجه إليهم -وليس المقصود من الحديث الأمة المحمدية بأجمعها.
وهذا يقتضيه الجمع بين هذا الحديث والأحاديث الدالة على وقوع الشرك وقد تقدمت الإشارة إليها.
٢ - أو أن هذه الأمة تفتن في أول أمرها بغير الشرك من فتنة الدنيا،
стр. 878
ولا يمنع وقوع الشرك في آخرها.
٣ - أو أن النبي ﷺ قال هذا قبل أن يوحى إليه بأن الشرك سيقع في طوائف من أمته.
٤ - أو أن الحديث يحمل على أن الشرك لا يقع في جميع الأمة حتى يرجعوا إلى ما كانوا عليه وتجتمع الأمة عليه ولا يمنع من بعضها. والله أعلم.
الشبهة (١) السادسة:
قول بعضهم: إن أعمال هؤلاء شرك وكفر، ولكنهم لا يعلمون أن ما يفعلونه شرك بل لو عرض أحدهم على السيف لم يقر بأنه شرك بالله تعالى ولا فاعل لما هو شرك، بل لو علم أن ذلك شرك لم يفعله. الجواب:
١ - إن الحكم بالكفر -والعياذ بالله- لا يشترط فيه أن يعلم متلبسه أنه كفر، فقد ذكر الشوكاني أنه تقرر في باب الردة أنه لا يعتبر في ثبوتها العلم بأن ما فعله كفر ثم قال: "وعلى كل حال فالواجب على من اطلع على شيء من هذه الأمور الشركيات التي اتصف بها القبوريون أن يبلغهم الحجة الشرعية، ويخبرهم بأن هذا هو عين ما يفعله المشركون في الجاهلية. فإذا علموا بهذا علماً لا يبقى معه شك ولا شبهة ثم أصروا على ما هم فيه، أخبرهم بأنهم إن لم يتوبوا فقد حلت دماؤهم وأموالهم وانطبق عليهم حكم المشركين" (٢).
٢ - والعلماء صرحوا بأن كلمة الكفر إذا تكلم بها العبد عمداً وإن كانت بغير الاعتقاد -كفر- وممن صرح بذلك علماء الحنفية، ففي أغلب كتبهم في أبواب الردة نصوا على ذلك وقالوا: لا يعذر بالجهل، وقالوا:
стр. 879
إن ذلك هو الأصح عندهم (١) ومثل الحنفية علماء المالكية فقد صرحوا بأن الجهل لا يعذر به عندهم (٢)، وذهب إلى ذلك بعض علماء الشافعية فيما إذا تهاون بعدم تعلمه (٣).
قال الإمام القرافي المالكي بعد أن ذكر الأدعية المحرمة أو المكفرة: "واعلم أن الجهل بما تؤدي إليه هذه الأدعية ليس عذراً عند الله تعالى؛ لأن القاعدة الشرعية دلت على أن كل ما يمكن المكلف دفعه لا يكون حجة للجاهل على الله، فإن الله تعالى بعث رسله إلى خلقه برسالته وأوجب عليهم كافة أن يعملوا بها، فالعلم والعمل بها واجبان، فمن ترك التعلم والعمل وبقي جاهلاً فقد عصى معصيتين لتركه واجبين، وإن علم ولم يعمل فقد عصى معصية واحدة بترك العمل.
وأما الجهل الذي يمكن رفعه لا سيما مع طول الزمان واستمرار الأيام والذي لا يعلم اليوم يعلم في غد، ولا يلزم من تأخير ما يتوقف على هذا العلم فساد فلا يكون عذراً لأحد، ولذلك ألحق مالك الجاهل في العبادات بالعامد دون الناسي؛ لأنَّه جهل يمكنه رفعه فسقط اعتباره، وكذلك قال الله تعالى في كتابه العزيز حكاية عن نوح ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ أي بجواز سؤاله فاشترط العلم بالجواز قبل الإقدام على الدعاء وهو يدل على أن الأصل في الدعاء التحريم، إلا ما دل الدليل على جوازه، وهذه قاعدة جليلة يتخرج عليها كثير من الفروع الفقهية" (٤).
стр. 880
هذا كلام القرافي المالكي وقد نقل بعض كلامه هذا ابن حجر الهيتمي الشافعي مقرراً له (١).
٣ - ثم إن العلماء الذين أعذروا بالجهل قيدوه بشرط عدم قيام الحجة، فأما إذا قامت الحجة الرسالية فلم يعذروه، كما أن الجاهل إذا كان معرضاً عن طلب الحق ولا يريد الحق إذا تمكن منه فلا يعذر، فقد ذكروا (٢) أن من الكفر كفر إعراض، وكفر عناد، وإنما الذي يعذر من يريد الهدى ويؤثره ويحبه ولكنه غير قادر عليه ولا على طلبه لعدم مرشد وبعضهم إنما أعذر من المسائل الدقيقة الخفية، وأما مثل هذه المسألة التي هي أصل الإسلام فلم يعذروا فيه بالجهل.
وقد تقدمت (٣) الإشارة إلى هذه المسألة.
٤ - ثم كون الجهل يعذر به على القول به -لا يجعل الشرك أمراً جائزاً ومباحاً ولا يبيح الدفاع عمن يفعل الشرك ولا السكوت عن إنكاره والرضا به. مثال ذلك لو أن رجلاً كان قريب عهد بالإسلام وشرب الخمر لجهله فهو معذور ولكن هذا لا يبيح لمن يراه أن يسكت عنه ولا أن ينكر على من ينكر عليه، كما أن هذا الشارب للخمر إذا عرف بتحريم الخمر في الإسلام ثم استمر -يكون عاصياً.
ومثل هذا ما نحن فيه لا يصلح الاعتذار بمسألة الجهل عمن يدعو غير الله تعالى في ديار المسلمين، ويعيش بينهم، كما أنه لا يكون له عذر بعد تعريفه وإقامة الحجة عليه.
٥ - ثم إن العاقل ينبغي له الابتعاد عن الشرك وذرائعه والاحتياط في ذلك حتى ولو كانت المسألة مختلفاً فيها، فإذا كان العلماء في المسائل الخلافية في الفروع يأخذون بالأحوط فكيف يكون الأمر في المسائل