وروي "منفس" من قول الشاعر:
(٣٣٢) - لا تجزعي إن منفسا أهلكته ... فإذا (١) هلكت فعند ذلك فاجزعي
بالنصب على إضمار الموافق.
وبالرفع على إضمار المطاوع، والتقدير: لا تجزعي إن هلك منفس أهلكته.
ولا يجوز في نحو "زيد" من قولك: "زيد غيب (٢) عنه، أو ذهب به" إلا الرفع، لأن الجار والمجرور، في موضع رفع، فلو فسر عامله عاملا فيما تقدم لم يكن المفسر إلا رافعا. فإن عمل المفسر مثل عمل المفسر.
وقد أجاز ابن السراج (٣)، والسيرافي أن يقدر إسناد
стр. 632
"ذهب" ونحوه إلى ما يدل عليه (١) من مصدر.
فيكون المجرور على هذا في موضع نصب، وينصب (٢) الاسم السابق.
وهذا قول يلزم منه جواز الاقتصار على "ذهب" لأنه على قولهما مسند إلى منوي، والجار والمجرور فضله. ومثل هذا لا يوجد (٣) في كلام العرب فلا يلتفت إليه.
стр. 633
باب: تعدي الفعل ولزومه
"ص":
إن تم الفعل اسم مفعول نعت ... بـ"واقع" أو "متعد" كـ"مقت"
فانصب به مدلول ذاك الوصف ... إن لم ينب عن فاعل ذي حذف (١)
وما بنوا منه اسم مفعول بلا ... تمام انسب للزوم كـ"امثلا"
"ش": الفعل الذي يصلح أن يصاغ منه اسم مفعول تام يسمي (٢) متعديا، ومجاوزا، وواقعا، كـ"مقت فهو ممقوت" و"نعت فهو منعوت" والمراد بالتمام (٣): الاستغناء عن حرف جر.
فلو صيغ منه اسم مفعول مفتقر إلى حرف جر سمي الفعل "لازما".
стр. 634
وقد يقال فيه "متعد بحرف جر" وذلك مثل: "غضب زيد على عمرو فهو مغضوب عليه" و"زهد فيه فهو مزهود فيه" "عجب منه فهو معجوب منه".
فهذه أفعال لازمة؛ لأن اسم المفعول المبني منها الا يستغني عن اقترانه بحرف جر.
بخلاف الأول كـ"نعت فهو منعوت" فإن اسم مفعوله تام أي: غني عن اقترانه بحرف جر.
"ص":
والتزموا لزوم ما على "فعل". ... وما جرى مجراه معنى كـ"بخل"
وما اقتضى تكونا أو عرضا ... أو كان مثل "ازور" وزنا و"انقضى"
كذا "افعلل" والمضاهي "افعنللا" ... وما بإلحاق كذين جعلا
وهكذا ما طاوع المعدي ... لواحد كـ"مده فامتدا"
"ش": حاصل هذه الأبيات: التنبيه على ما لا يوجد من الأفعال متعديا بنفسه.
فمنه ما يستدل عليه بمجرد (١) وزنه.
стр. 635
ومنه ما يستدل عليه بمعناه، وإن (١) كان على وزن صالح للتعدية.
فالأول ما كان على "فعل" كـ"ظرف" و"عذب" و"جنب" أو على "فعل" أو "فعل" بشرط كون الوصف منهما على "فعيل" (٢) كـ"بخل فهو بخيل" و"ذل فهو ذليل".
أو على "افعل" كـ"ازور" و"احمر". أو على "انفعل" كـ"انقضى" و"انصرف".
أو على "افعلل" كـ "اقشعر" و "اشمأز".
أو على افعنلل" كـ"احرنجم" (٣) و"اثعنجر" (٤).
وكذا ما ألحق بـ"افعلل و"افعنلل".
كـ"اكوهد الفرخ" -إذا ارتعد-[و"احرنبى الديك" إذا انتفش] (٥).
فهذه الأوزان دلائل على عدم التعدي من غير حاجة إلى الكشف عن معانيها.
وأما الذي يستدل على عدم تعديه بمعناه:
فما اقتضى تكونا كـ"حدث" و"نبت" أو عرضا كـ
стр. 636
"مرض" و "برئ"
ومنه (١) الاستدلال بمطاوعة المتعدي إلى واحد. كـ"ضاعفت الحساب فتضاعف"، و"دحرجت الشيء فتدحرج" و"نعمته فتنعم".
[ومنه "ثلمته (٢) فثلم"، و"ثرمته (٣) فثرم" (٤)].
"ص":
وعد لازما بحرف جر ... كـ"انقد لزيد واقربن من عمرو"
وحذف حرف الجر مع "أنَّ" و"أنْ" ... مطرد إلا إذا ما اللبس عن (٥)
وفي محل نحو "أنْ" هذا (٦) نظر ... أذو انتصاب هو أم مما يجر (٧)؟
وأثبت الأخفش في عطف على ... نحو "أن" المذكور جرا نقلا
стр. 637
وانصب لحذف (١) ما يجر غير "أن" ... و"أن" والمجرور ليس بالحسن
والحذف مع سواهما لا تستبح (٢) ... إن لم يؤيده سماع متضح
وابن سليمان اطراده رأى ... إن لم يخف لبس كـ"من زيدا نأى"
"ش": يجوز أن يعدَّى الفعل (٣) اللازم بحرف الجر إلى "أنَّ" و "أنْ" وغيرهما نحو: "عجبت من أنك ذاهب" [و"من أن قام زيد" و"من قعود عمرو".
ويجوز حذف حرف الجر من "أنَّ" و"أنْ" فيقال: "عجبت أنك ذاهب"] (٤) و"أن قام زيد".
ولا يجوز حذفه من غيرهما فلا يقال: "عجبت قعود عمرو" (٥).
فإن ورد الحذف مع غير "أنَّ" و"أنْ" عد نادرا، ولم يقس عليه إلا أن يكون من الأفعال التي جمع لها التعدي واللزوم كثيرا مع اتفاق المعنى. كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.
стр. 638
ومذهب الخليل (١) والكسائي في "أنَّ" و"أنْ" أنهما في محل جر بعد حذف حرف الجر.
ومذهب سيبويه والفراء أنهما في محل نصب.
ويؤيد قول الخليل قول الشاعر أنشده الأخفش:
(٣٣٣) - وما زرت ليلى أن تكون حبيبة ... إليَّ ولا دين بها أنا طالبه
فجر المعطوف على "أنْ" فعلم أن "أنْ" في محل جر.
стр. 639
وحكم ما سوى "أنَّ" و"أنْ" إذا حذف ما يجره أن ينصب كقوله:
(٣٣٤) - لدن بهز الكف يعسل متنه ... فيه كما عسل الطريق الثعلب
وقد يحذف الجار ويبقى الجر كقوله:
(٣٣٥) - إذا قيل: أي الناس شر قبيلة؟ ... أشارت كليب بالأكف الأصابع
أراد: أشارت إلى كليب. فحذف "إلى" وأبقى عملها.
[ورأى علي بن سليمان الأخفش اطراد الحذف والنصب فيما لا لبس فيه كقول الشاعر:
(٣٣٦) - تحن فتبدي ما بها من صبابة ... وأخفي الذي لولا الأسى لقضاني
أي: لقضى عليَّ] (١).
стр. 640
"ص":
وجمع اللزوم والتعدي ... لواحد مع اتحاد القصد
وجمعا مع اختلاف المعتبر ... نحو: "فغرت الفم" و"الفم فغر"
"ش": من الأفعال أفعال استعملت بوجهين والمعنى واحد كـ"نصحت"، و"شكرت" و"كلت" و"وزنت" يقال: "شكرته" و"شكرت له" و"نصحته" و"نصحت له" و"كلته" و"كلت له" و"وزنته" و"وزنت له".
قال الله (١) تعالى (٢): ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ (٣).
ومن الأفعال أفعال جمع لها التعدي. واللزوم مع اختلاف المعنى كـ"فغر زيد فاه، وشجاه" (٤) بمعنى: فتحه،
стр. 641
و"فغر الفم (١)، وشجا" بمعنى: انفتح.
ومن ذلك "زاد" و"نقص" يكونان متعديين، ولازمين وإذا تعديا: تعديا (٢) إلى مفعولين كقوله تعالى: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ (٣).
"ص":
وما إلى اثنين تعدي غير ما ... ذكرته حيث ذكرت "علما"
فأجمعهما له، أو (٤) اتركنهما (٥) ... معا أو اترك ما أردت منهما
"ش": حاصل ما أشير إليه هنا أن كل فعل يتعدى إلى مفعولين وليس هو من باب "ظن" لك أن تذكر مفعوليه معا كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (٦).
وأن تتركهما معا كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ (٧).
стр. 642
ولك أن تذكر (١) أحدهما كقوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ (٢).
"ص":
والأصل سبق فاعل معنى كـ"من" ... من "ألبسن من زارنا نسج اليمن"
ويلزم الأصل لموجب عرا ... وترك ذاك (٣) الأصل حتما قد يرى
وقس على المحصي بباب الفاعل ... واحكم بحكم الشكل للمشاكل
فنحو: "ألبس ثوبه زيدا" قبل ... ونحو: "أسكن ربها الدار" حظل
"ش": ذو (٤) الفاعلية في المعنى كـ"زيد" من قولك: "أعطيت زيدا درهما" فإنه آخذ
وكـ"عمرو" من قولك: "ألبست عمرا جبة" فإنه لابس، وكـ"من" من قولي:
. . . . . . . . . . . ... ألبسن من زارنا نسج اليمن
فالأصل (٥) تقديم ما كان كـ"من" في المثال المنظوم.
стр. 643
فإذا كان ذو الفاعلية في المعنى متميزا (١) من الآخر لم يمتنع تأخيره نحو: "أعطيت درهما زيدا".
وإذا خيف التباسه بالآخر وجب تقديمه نحو: "أعطيت زيدا عمرا" فإن هذا في ذا الباب كـ"ضرب موسى عيسى" في "باب الفاعل".
وإذا أضيف العاري من الفاعلية إلى ضمير عائد على ذي الفاعلية جاز تأخيره نحو: "ألبس (٢) ثوبه زيدا".
فإن هذا في ذا الباب كـ"ضرب غلامه زيد" في باب الفاعل.
وإذا أضيف ذو الفاعلية إلى ضمير العاري منها وجب تقديمه نحو: "أسكن الدار ربها".
لأنك لو قلت: "أسكن ربها الدار". لزم تقديم الضمير على مفسر متأخر لفظا ورتبة فلم يجر. كما لم يجز: "ضرب غلامه زيدا" ومن أجاز هذا أجاز ذلك (٣).
وقد تقدم في ذلك ما لا (٤) يحتاج [إلى بيانه] (٥).
стр. 644
"ص":
وحذف مفعول أجز إن سلما ... من سب يوجب أن يلتزما
كما إذا كان جوابا، أو قصد ... حصر به كـ"إنما لمت النكد"
"ش": المفعول إذا لم يكن من باب "ظن" فضله. فحذفه جائز إن لم يعرض له ما يمنع (١) من ذلك.
كما إذا كان جوابه كقولك "زيدا" لمن قال: "من ضرب؟ "
وكما إذا كان مقصودا بحضر نحو: "ما ضربت إلا زيدا".
فلو حذف في الأول لم يحصل جواب.
ولو حذف في الثاني لزم نفي الضرب -مطلقا- والمقصود نفيه مقيدا، فلزم ذكر المفعول لذلك.
والله أعلم (٢).
стр. 645
باب: التنازع في العمل
"ص":
إن عاملان اقتضيا في اسم عمل ... قبل فللواحد منهما العمل
والثاني أولى عند أهل البصرة ... واختار عكسا غيرهم ذا أسرة
"ش": إنما قلت:
. . . . . . . . . . . عاملان .... . . . . . . . . . .
ولم أقل: "فعلان".
ليدخل في قولي: "تنازع فعلين نحو: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ (١)، وتنازع اسم وفعل نحو: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ﴾ (٢)، وتنازع اسمين نحو قول الشاعر.
стр. 646
(٣٣٧) - عهدت مغيثا مغنيا من أجرته ... فلم أتخذ إلا فناءك موئلا
ومثله عند بعضهم قول الآخر (١):
(٣٣٨) - قضى كل ذي دين فوفى غريمه ... وعزة ممطول معنى غريمها
وقلت:
. . . . . . . . . . . اقتضيا .... . . . . . . . . . .
فنسبت الاقتضاء لهما لأخرج بذلك العاملين (٢) المؤكد أحدهما بالآخر نحو قول الشاعر] (٣):
(٣٣٩) - فأين إلى أين النجاء ببغلتي ... أتاك أتاك اللاحقون احبس احبس
стр. 647
فـ"أتاك أتاك" عاملان في اللفظ، والثاني منهما لا اقتضاء له إلا التوكيد.
ولو اقتضى عملا لقيل: أتاك أتوكن أو أتوك أتاك وقلت (١):
. . . . . . . . . . . قبل .... . . . . . . . . . .
تنبيها على أن التنازع لا يتأتى بين (٢) عاملين متأخرين نحو: "زيد قام وقعد".
لأن كل واحد من المتأخرين مشغول بمثل ما شغل به الآخر من ضمير الاسم السابق، فلا تنازع بينهما.
بخلاف المتقدمين نحو: "قام وقعد زيد".
فإن كل واحد من الفعلين موجه في المعنى إلى "زيد" وصالح للعمل في لفظه.
стр. 648
فأعمل أحدهما في ظاهره، والآخر في ضميره. وإلى هذا أشرت بقولي:
. . . . . . . . . . . ... فللواحد منهما العمل
والمختار عند البصريين إعمال الثاني. وعند الكوفيين إعمال الأول.
فإن اقتضى رفعا دون الثاني تعين عند الفراء إعماله.
والله أعلم (١).
"ص":
وأعمل المهمل في ضمير ما ... تنازعاه والتزم ما التزما
كـ"يحسنان ويسيء ابناكا" ... و"قد بغي واعتديا عدباكا".
ونحو: "أعطى وسألت الله" قد ... أباه يحيى والكسائي اعتقد
جوازه بشرط حذف المرتفع ... ومن يؤخره فيحيى يتبع
كذاك عازي الرفع للفعلين ... في نحو: "يمشي ويشي ابن القين"
"ش": المراد بالمهمل هنا: الذي لم يسلط على الاسم الظاهر نحو "أعطى" من قولنا: "أعطى وسألت الله".
стр. 649
ففي "أعطى" ضمير مفسر بما بعده.
فنحو هذا مما أعمل فيه الثاني، وأضمر فيه مع الأول ضمير مرفوع أجازه البصريون.
ولم يجزه الكوفيون تجنبا لإضمار قبل ذكر المفسر.
والذي تجنبوه قد استعملت العرب مثله، كقول رجل من فصحاء طيئ:
(٣٤٠) - جفوني ولم أجف الأخلاء إنني ... لغير جميل من خليلي مهمل
وكقوله:
(٣٤١) - هوينني وهويت الغانيات إلى ... أن شبت وانصرفت (١) عنهن آمالي
فتقدمت الواو من "جفوني" والنون من "هوينني" على مفسريهما فعلم أن ذلك وأمثاله جائز.
стр. 650
وقد حكى ابن كيسان أن الكوفيين وافقوا البصريين في جواز تقديم الضمير على مفسره المبدل منه نحو: "يقومون الزيدون" و"رأيتهم العمرين" مع أن البدل (١) تابع، وتأخير التابع واجب.
فيلزمهم تجويز ما منعوا من نحو: "ضربوني وضربت الزيديين" فإنه مساوٍ لما أجازوه في الاشتمال على ضمير مذكور قبل مفسر واجب التأخير.
وإذا ثبت هذا فليعلم أن مثال: "يحسنان ويسيء ابناك جائز عند البصريين، ممتنع عند الكوفيين، لما فيه من تقدير فاعل "يحسن" أعنى: الألف على مفسره المؤخر وهو "ابناك".
فلو حذفت الألف صحت المسألة عند الكسائي، ولم يبال بحذف الفاعل لثبوت الدلالة عليه.
والفراء يمنع ذلك مع الإثبات، ومع الحذف.
فلو جيء بضمير الفاعل مؤخرا صحت المسألة عنده نحو: "يحسن ويسيء ابناك [هما"
ذكر ذلك ابن كيسان.
وأجاز الفراء أيضا أن يقال (٢): "يحسن ويسيء
стр. 651
ابناك"] (١) على أن يكون الفاعل مرتفعا بالفعلين معا.
وإلى هذين الوجهين أشرت بقولي:
. . . . . . . . . . . .... . . . . . . . . . . ومن يؤخره
أي: الفاعل (٢).
. . . . . . . . . . . .... . . . . . . . . . . فيحيى يتبع
كذاك عاز الرفع للفعلين ... في نحو: "يمشي ويشي ابن القين" (٣)
أي: الذي يعزو (٤) رفع الفاعل إلى الفعلين معا متبع للقراء، فإن ذلك مذهبه (٥).
"ص":
ولا تجيء مع أول قد أهملا ... بمضمر لغير رفع أوهلا (٦)
بل احذفنه إن يكن غير خبر ... وجيء به مؤخرا أعني الخبر
стр. 652
ونحو: "ترضيه ويرضيك" ندر ... ومثله لو شاع لم يعد النظر
وأظهر إن يكن ضمير خبرا ... لغير ما يطابق المفسرا
نحو: "أظن ويظناني أخا ... زيدا وعمرا أخوين في الرخا"
والحذف والإضمار غير ممتنع ... في المذهب الكوفي فاسمع (١) وأطع
لكن لدى الإضمار طابق (٢) مخبرا ... عنه مخالفا لما قد فسرا
"ش": إذا أهمل الأول من المتنازعين، ومطلوبه غير رفع لم يجز عند الأكثرين أن يجاء معه بضمير المتنازع فيه.
بل يحذف إن كان غير خبر نحو: "ضربت وضربني زيد".
وإن كان خبرا جيء به مؤخرا: ليؤمن حذف ما لا يجوز حذفه، وتقديم ضمير منصوب على مفسر لا تقدم له بوجه.
مثال ذلك "ظنني وظننت زيدا عالما إياه".
стр. 653
فـ"إياه" مفعول ثان لـ"ظنني" ولا يجوز (١) تقديمه عند الجميع. ولا حذفه عند البصريين.
وأما عند الكوفيين فيجوز حذفه؛ لأنه مدلول عليه بثاني مفعولي الفعل الآخر. وأشرت بقولي:
ونحو "ترضيه ويرضيك" .... .... . . . . . . . . . .
إلى قول الشاعر:
(٣٤٢) - إذا كنت ترضيه ويرضيك صاحب ... جهارا فكن في الغيب أحفظ للود
(٣٤٣) - وألغ أحاديث الوشاة فقلما ... يحاول واش غير هجران ذي ود
ومثله قول الآخر:
(٣٤٤) - ألا هل أتاها على نأيها (٢) ... بما فضحت قومها غامد
стр. 654
وقولي:
. . . . . . . . . . . ... ومثله لو شاع لم يعد النظر
أي: لو شاع إثبات الضمير المنصوب مع المتقدم المهمل لكان له وجه من النظر لأنه تقديم مفسر على مفسر فيغتفر كما اغتفر تقديم غيره من المفسرات على مفسراتها.
بل كما اغتفر ذلك في المرفوع.
فإن اعتذر عن (١) المرفوع بأنه لا يجوز حذفه قيل: فمن المنصوب ما لا يجوز حذفه، وهو ما كان خبر مبتدأ في الأصل نحو: "ظنني إياه" و"ظننت زيدا عالما".
وأيضا فإن الاهتمام [بذكر مفسر الشيء بحسب الاهتمام] (٢) بذكره ومعلوم أن الاهتمام بذكر المرفوع أشد من الاهتمام بذكره غيره.
ومن الاهتمام بالضمير تقديم مفسره، وقد ترك ذلك في المرفوع هو أقوى فتركه في المنصوب لكونه أضعف أحق وأولى.
والإشارة بقولي:
стр. 655
"وأظهر أن يكن ضميرا خبرا ... لغير ما يطابق المفسرا"
إلى نحو: "ظنت وظناني عالما الزيدين (١) عالمين" على إعمال الأول.
فإن "الزيدين" و"عالمين" مفعولا "ظننت".
و"عالما" ثاني مفعول "ظناني" (٢) وهو والياء من "ظناتي" (٣) مبتدأ وخبر في الأصل.
وعدل إلى إظهار (٤) "عالم" لأنه لو اضمر فإما أن يجعل مطابقا للمفسر وهو ثاني مفعولي "ظننت".
أو لأول مفعولي "ظننت".
أو لأول مفعولي "ظناني" وهو الياء. وكلاهما عند البصريين غير جائز.
أما الأول فلأن (٥) فيه إخبارا عن مفرد بمثنى.
وأما الثاني فلأن فيه إعادة ضمير مفرد على مثنى.
وأجاز الكوفيون (٦) في مثل هذا: الإضمار مراعى به
стр. 656
جانب المخبر عنه فيقولون: "ظننت وظناني إياه الزيدين (١) عالمين".
وأجازوا أيضا "ظننت وظناني الزيدين عالمين" بالحذف، وهذا حاصل الأبيات التي آخرها:
. . . . . . . . . . . .... . . . . . . . . . . لما قد فسرا
والكلام على "أظن ويظناني أخا زيدا وعمرا أخوين" كالكلام على "ظننت وظناتي عالما الزيدين عالمين".
стр. 657
باب: المفعول المطلق وهو المصدر
"ص":
المصدر اسم مفهم معني صدر ... أو قام بالشيء (١) كـ"ضربط و"حذر"
والفعل منه اشتق والوصف معا ... في قولنا، والعكس غيرنا ادعى
"ش": "الضرب": مثال لما يفهم منه معنى صدر عن فاعل. و"الحذر": مثال لما يفهم منه معنى قام بالشيء؛ لأن الحذر (٢) لا يفعله الإنسان بنفسه، فيوصف بصدور (٣).
بل هو معنى يحدث (٤) في نفسه، ويقوم بها.
والفعل مشتق من المصدر؛ لأن المشتق فرع، والمشتق منه أصل وكل فرع يتضمن الأصل وزيادة عليه.
стр. 658
ولا شك في أن الفعل يتضمن المصدر والوقت فثبتت (١) فرعيته وأصلية المصدر؛ لأنه دل على بعض ما يدل عليه الفعل.
وهذا مذهب البصريين. وهو الصحيح.
وبنفس ما ثبتت فرعية الفعل ثبتت فرعية أسماء الفاعلين، وأسماء المفعولين.
فإن "ضاربا" مثلا يتضمن المصدر، وزيادة الدلالة على ذات الفاعل للضرب.
و"مضروب" يتضمن المصدر، وزيادة الدلالة على ذات الموقع به الضرب فهما مشتقان من "الضرب".
وكذلك سائر الصفات المشبهة (٢) بـ"ضارب و"مضروب".
"ص":
بمثله أو فرعه ينتصب ... كـ"سيرك السير الحثيث متعب"
وعدا أوتوكيدان أو تنويعا ... به أبانوا كـ"اركعوا ركعوا"
أو "ركعتين" أو "ركوعا حسنا" ... و"اخشع خشوع التاركين للونى"
стр. 659
"ش": ناصب المصدر:
إما مثله كـ"سيرك السير الحثيث متعب".
وإما فرعه، والإشارة بذلك إلى الفعل نحو: "قم (١) قياما"، وإلى اسم الفاعل نحو: "زيد قائم قياما"، وإلى (٢) اسم المفعول نحو: "هو مضروب ضربا".
والحامل على ذكره مع عامله.
إما مجرد التوكيد كـ"اركع ركوعا".
[وإما بيان العدد كـ"اركع ركعتين"] (٣)
وإما بيان النوع كـ"اركع ركوعا حسنا".
. . . . . . . . . . . ... و"اخشع خشوع التاركين للوني"
والونَى: الفتور يقصر ويمد.
"ص":
وقد ينوب عنه وصف أو عدد ... أو "كل" أو "بعض" كـ"كل الجد جد"
كذا الذي رادف كـ"ادلج سري" ... أو كان نوعا كـ"رجعت القهقهرى"
أو آلة، أو عائدا عليه ... أو ما يشيرون به إليه
стр. 660
"ش": يقوم مقام المصدر:
وصفه كـ"سرت أحسن السير".
وعدده (١) كـ"ضربته عشر ضربات".
أو "كل" أو (٢) "بعضط كـ"جد في أمره كل الجد، ورفق بعض الرفق" وما رادفه أو دل على نوع منه كـ"ادلج سري" و"رجع القهقهرى" أو كان اسم آلته كـ"ضربته سوطا".
أو كان ضميره (٣) نحو [قوله تعالى]: ﴿لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ (٤) أو كان مشارا به إليه كـ"اضربه ذاك الضرب المعروف" (٥).
"ص":
وما لتوكيد فوحد أبدا ... وثن واجمع غيره حيث بدا
كـ"قلت قولين وأقوالا أخر" ... كذلك "الأقدار" في جمع "القدر"
"ش": ما جيء به لمجرد التوكيد فهو بمنزلة تكرير الفعل.
والفعل لا يثنى ولا يجمع فكذلك ما هو بمنزلته.
стр. 661
وأما ما جيء به لبيان العدد أو (١) الأنواع فلا بد من قبوله للتثنية والجمع.
"ص":
وعامل الذي (٢) أتي مؤكدا ... سقوطه امنع أبدا فتعضدا
وحذف ما لغيره أجز كما ... مع غير مصدر، وحذف حتما
مع كل مصدر يكون بدلا ... من (٣) فعله كـ"ندلا" الذ كـ"اندلا"
واعز لهذا النوع ما من عمل ... يليه، أو قل: فعله ذو العمل
[وبعض ما عن ناصب ناب التزم ... إهمال فعله فوضعه عدم
كـ"بله" ذا إضافة بمعنى ... "ترك" ويبني إن عن "اترك" أغنى (٤)] (٥)
"ش": المصدر المؤكد يقصد به تقوية عامله، وتقرير (٦) معناه، وحذفه منافٍ لذلك فلم يجز.
стр. 662
بخلاف المصدر المبين عددا، أو (١) نوعا فإنه يدل على معنى زائد على معنى الفعل فأشبه المفعول به. فجاز حذف عامله كما جاز حذف عامل المفعول به.
وحذف عامل المصدر المبين على ضربينك جائز وواجب.
فمن الجائز قولك لمن قال: "أي سير سرت؟ ":
"سيرا (٢) سريعا" ولمن قال: "ما تجد في الأمر": "بلى جدا كثيرا" (٣).
ولمن تهيأ لاعتكاف (٤)، أو فرغ منه: "اعتكافا مقبولا" ولمن قدم من سفر: "قدوما مباركا".
ومن الحذف الواجب: حذف عامل المصدر الذي يذكر بدلا من اللفظ بفعله. وهو على ضربين: خبر وطلب.
فالخبر نحو قولك عند تذكر نعمة: "حمدا لا كفرا".
والطلب كقوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ (٥) وكقول الشاعر:
стр. 663
(٣٤٥) - يمرون بالدهنا خفافا عيابهم ... ويرجعن من دارين بجر الحقائب
(٣٤٦) - على حين ألهي الناس جل أمورهم ... فندلا زريق المال ندل الثعالب
وإلى هذا البيت (١) أشرت بقولي:
. . . . . . . . . . . .... . . . . . . . . . . كـ"ندلا" الذ كـ"اندلا"
يقال: ندل الشيء ندلا، إذا اختطفه.
واختلف فيما ينتصب (٢) بعد هذا النوع من المصادر (٣):
стр. 664
فمذهب جماعة من كبار النحويين أن العامل هو المصدر لأنه خلف عن فعله، وفعله قد صار نسيا منسيا.
ومذهب آخرين أن العامل هو الفعل نفسه؛ لأنه لا غنى عن نسبه نصب المصدر نفسه إليه (١) وذلك موجب للاعتماد عليه (٢)، وعدم الإعراض عنه (٣).
وبعض هذه المصادر المجعولة بدلا من اللفظ بالفعل لا فعل له أصلا كـ"بله" (٤) إذا استعمل (٥) مضافا فإنه حينئذ منصوب نصب "ضرب الرقاب" وجيء به بدلا من اللفظ بـ"اترك" كما جيء بـ"ضرب الرقاب" بدلا من اللفظ بـ"اضربوا الرقاب".
ولما لم يكن لـ"بله" فعل من لفظه احتيج إلى تقدير فعل من معناه وهو "اترك" (٦) لأن "بله الشيء" بمعنى: ترك الشيء.
فعمل "اترك" فيه من جنس قول القائل: "اتركه
стр. 665
رفضا" و"ذره ودعا" (١).
ومن نصب ما بعد "بله" جعله اسم فعل بمعنى "اترك".
وفي البيت إشارة إلى هذا كله.
"ص":
وما له فعل يجيء خبرا ... أو طلبا ممن دعا أو أمرا (٢)
وفيهما الفرا قياسا اتبع ... إن وقعا حيث يرى الفعل يقع (٣)
ورأيه في طلب يقوي ومن ... في خبر وافقه (٤) فما وهن
"ش": يستغنى بذكر المصدر الذي له فعل عن فعله في الخبر والدعاء والأمر والنهي.
فمثال ذلك في الخبر قول القائل عند تذكر نعمة: "حمدا وشكرا لا كفرا".
وعند تذكر شدة: "صبرا لا جزعا".
وعند ظهور ما يعجب: "عجبا".
стр. 666
وعند خطاب مرضي عنه: "أفعل وكرامة ومسرة".
وعند خطاب مغضوب عليه: "لا (١) أفعل ولا كيدا ولا هما" و"لأفعلن ورغما (٢) وهوانا".
ومثال الدعاء "سعيا" و"رعيا" و"جدعا" (٣) و"بعدا" ومثال الأمر والنهي قولهم: "قياما لا قعودا" أي: قم (٤) لا تقعد ومن الأمر قوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾.
أي: فاضربوا الرقاب.
ومنه قول الشاعر:
(٣٤٧) - فصبرا في مجال الموت صبرا ... فما نيل الخلوج بمستطاع
فإضمار الناصب في هذا وما أشبهه لازم؛ لأن المصدر بدل من اللفظ به. فذكره جمع بين البدل والمبدل منه.
والفراء يرى ذلك مطردا غير متوقف على سماع. خبرا
стр. 667
كان ما يرد فيه ذلك، أو طلبا بشرط أن يكون الموضع صالحا لوقوع الفعل فيه مجردا.
ورأيه في ذلك عندي صواب.
إلا أن وقوع ذلك في الطلب أكثر من [وقوعه في الخبر؛ لأن دلالة المطلوب على فعل الطلب أقوى وأظهر (١) من] دلالة المخبر به على فعله ولذلك قلت:
ورأيه في طلب يقوى. . . . . . . . . . . .... . . . . . . . . . .
"ص":
وناصب المصدر حتما يضمر ... أيضا لدى توبيخ من يقصر
وشبه ذاك كـ"أفترة (٢) وقد ... تعين الجد وإظهار الجلد"
كذاك في نحو: "اجتهد فإما ... غنما وإما أوبة وسلما"
كذا مكرر وذو حصر (٣) ورد ... إن ناب عن فعل لعين (٤) استند
стр. 668
كـ"أنت سيرا سيرا" إنما أنا (١) ... صبرا" و"ما الملهوف إلا حزنا" (٢)
"ش": حال الموبخ على ما لا يرضى منه مشاهدة فاستُغني بذلك عن إظهار الفعل الموجب لتوبيخه، وجعل مصدره بدلا من اللفظ به كقولك للمتواني: "أتوانيا وقد جد قرناؤك".
ومنه قول جرير (٣):
(٣٤٨) - أعبدا حل في شعبَى غريبا ... ألؤما لا أبالك واغترابا
أي: أتلؤم وتغترب.
وقد يفعل ذلك من يخاطب نفسه كقول عامر بن الطفيل لعنه الله (٤) "أغدة كغدة البعير، وموتا في بيت سلولية".
ومثل هذا عنيت بقولي:
وشبه ذاك. . . . . . . . . . . .... . . . . . . . . . .
стр. 669
ومن أسباب التزام حذف ناصب المصدر أن يقصد به تبيين عاقبة أمر تقدمه كقوله تعالى: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (١).
ومن أسباب ذلك -أيضا- أن يخبر عن اسم عين بفعل جعل مصدره بدلا من اللفظ به مكررا نحو: "أنت سيرا سيرا" أو ذا حصر بـ"إنما" أو بـ"إلا" نحو: "إنما أنا صبرا" و"ما الملهوف إلا حزنا".
والأصل: أنت تسير، وإنما أصبر، وما الملهوف إلا يحزن.
فحذف الفعل حدفا لازما، لأجل التكرار والحصر.
وجعل الثاني في التكرار بدلا منه فامتنع الإظهار، لئلا يجمع بين المبدل منه والبدل ....
وعومل المحصور في التزام الإضمار معاملة المكرر؛ لأن في الحصر من التوكيد ما يقوم مقام التكرار.
فلو ترك التكرار والحصر جاز الإظهار.
واشترط في هذا النوع كونه بعد اسم عين. لأنه لو كان بعد اسم معنى لم يحتج إلى إضمار فعل.
بل كان يتعين الرفع بمقتضى الخبرية نحو: "إنما سيرك
стр. 670
سير البريد".
بخلاف كونه بعد اسم عين فإن ذلك يؤمن معه اعتقاد الخبرية، إذ المعنى لا يخبره به عن العين (١) إلا مجازا كقول الشاعر:
(٣٤٩) -. . . . . . . . . . . ... فإنما هي إقبال وإدبار
أي: ذات إقبال وإدبار.
"ص":
ومنه توكيد لنفسه كما ... "على درهمان عرفا" فاعلم
ومنه نحو: "ذا ابنه حقا" وسم ... مؤكدا لغيره فلا تهم
ومنه ذو التشبه بعد جملة ... معناه، والفاعل حازت (٢) قبله