وعند خطاب مرضي عنه: "أفعل وكرامة ومسرة".
وعند خطاب مغضوب عليه: "لا (١) أفعل ولا كيدا ولا هما" و"لأفعلن ورغما (٢) وهوانا".
ومثال الدعاء "سعيا" و"رعيا" و"جدعا" (٣) و"بعدا" ومثال الأمر والنهي قولهم: "قياما لا قعودا" أي: قم (٤) لا تقعد ومن الأمر قوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾.
أي: فاضربوا الرقاب.
ومنه قول الشاعر:
(٣٤٧) - فصبرا في مجال الموت صبرا ... فما نيل الخلوج بمستطاع
فإضمار الناصب في هذا وما أشبهه لازم؛ لأن المصدر بدل من اللفظ به. فذكره جمع بين البدل والمبدل منه.
والفراء يرى ذلك مطردا غير متوقف على سماع. خبرا
стр. 667
كان ما يرد فيه ذلك، أو طلبا بشرط أن يكون الموضع صالحا لوقوع الفعل فيه مجردا.
ورأيه في ذلك عندي صواب.
إلا أن وقوع ذلك في الطلب أكثر من [وقوعه في الخبر؛ لأن دلالة المطلوب على فعل الطلب أقوى وأظهر (١) من] دلالة المخبر به على فعله ولذلك قلت:
ورأيه في طلب يقوى. . . . . . . . . . . .... . . . . . . . . . .
"ص":
وناصب المصدر حتما يضمر ... أيضا لدى توبيخ من يقصر
وشبه ذاك كـ"أفترة (٢) وقد ... تعين الجد وإظهار الجلد"
كذاك في نحو: "اجتهد فإما ... غنما وإما أوبة وسلما"
كذا مكرر وذو حصر (٣) ورد ... إن ناب عن فعل لعين (٤) استند
стр. 668
كـ"أنت سيرا سيرا" إنما أنا (١) ... صبرا" و"ما الملهوف إلا حزنا" (٢)
"ش": حال الموبخ على ما لا يرضى منه مشاهدة فاستُغني بذلك عن إظهار الفعل الموجب لتوبيخه، وجعل مصدره بدلا من اللفظ به كقولك للمتواني: "أتوانيا وقد جد قرناؤك".
ومنه قول جرير (٣):
(٣٤٨) - أعبدا حل في شعبَى غريبا ... ألؤما لا أبالك واغترابا
أي: أتلؤم وتغترب.
وقد يفعل ذلك من يخاطب نفسه كقول عامر بن الطفيل لعنه الله (٤) "أغدة كغدة البعير، وموتا في بيت سلولية".
ومثل هذا عنيت بقولي:
وشبه ذاك. . . . . . . . . . . .... . . . . . . . . . .
стр. 669
ومن أسباب التزام حذف ناصب المصدر أن يقصد به تبيين عاقبة أمر تقدمه كقوله تعالى: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (١).
ومن أسباب ذلك -أيضا- أن يخبر عن اسم عين بفعل جعل مصدره بدلا من اللفظ به مكررا نحو: "أنت سيرا سيرا" أو ذا حصر بـ"إنما" أو بـ"إلا" نحو: "إنما أنا صبرا" و"ما الملهوف إلا حزنا".
والأصل: أنت تسير، وإنما أصبر، وما الملهوف إلا يحزن.
فحذف الفعل حدفا لازما، لأجل التكرار والحصر.
وجعل الثاني في التكرار بدلا منه فامتنع الإظهار، لئلا يجمع بين المبدل منه والبدل ....
وعومل المحصور في التزام الإضمار معاملة المكرر؛ لأن في الحصر من التوكيد ما يقوم مقام التكرار.
فلو ترك التكرار والحصر جاز الإظهار.
واشترط في هذا النوع كونه بعد اسم عين. لأنه لو كان بعد اسم معنى لم يحتج إلى إضمار فعل.
بل كان يتعين الرفع بمقتضى الخبرية نحو: "إنما سيرك
стр. 670
سير البريد".
بخلاف كونه بعد اسم عين فإن ذلك يؤمن معه اعتقاد الخبرية، إذ المعنى لا يخبره به عن العين (١) إلا مجازا كقول الشاعر:
(٣٤٩) -. . . . . . . . . . . ... فإنما هي إقبال وإدبار
أي: ذات إقبال وإدبار.
"ص":
ومنه توكيد لنفسه كما ... "على درهمان عرفا" فاعلم
ومنه نحو: "ذا ابنه حقا" وسم ... مؤكدا لغيره فلا تهم
ومنه ذو التشبه بعد جملة ... معناه، والفاعل حازت (٢) قبله
стр. 671
نحو "له بكا بكاء ثكليط ... و"لك (١) وجد وجد صب مجلى"
"ش": من المصادر الملتزم إضمار ناصبها المؤكد به كلام يتضمن معناه دون لفظه.
فإن لم يكن للكلام محتمل غيره نحو: "له على درهمان عرفان أو اعترافا" سمي مؤكدا لنفسه؛ لأنه بمنزلة إعادة ما قبله، فكأن الذي قبله نفسه.
وإن كان له محتمل غيره نحوك "هو ابني حقا" سمي مؤكدا لغيره لأنه يجعل (٢) ما قبله نصا بعد أن كان محتملا. فهو مؤثر، والمؤكد به متأثر. والمؤثر، والمتأثر غيران (٣).
ومما التزم إضمار ناصبه، المشبه به بعد كلام تام يتضمن معناه مع ما هو فاعل في المعنى نحو: "له بكاءٌ بكاءَ ثكلى".
و"لك وجد وجد صب (٤) مجلى" أي: مخرج عن وطنه.
فالهاء من "له" والكاف من "لك" فاعلان في المعنى.
стр. 672
فلو لم يذكرا (١) لم يجز النصب، بل كان يقال (٢): "هذا بكاء بكاء ثكلي"، و"عجبت من وجد وجد صب" (٣) وكذلك إذا لم تتم الجملة إلا به نحو: "البكاء بكاء ثكلى"، و "الوجد وجد صب".
"ص":
وناب غير مصدر عن مصدر ... يجيء منصوبا بفعل مضمر
كقولهم: "تربا له وجندلا" ... و"عائدا بالله من كل بلا"
"ش": كما جاز أن يحذف ناصب المصدر، ويجعل المصدر (٤) بدلا من اللفظ به جاز أن يفعل مثل ذلك بما وقع موقع المصدر مما (٥) ليس بمصدر.
ولا حاجة إلى أن يتناول بمصدر، بل يجعله الجامد منه مفعولا به نحو: "تربا" و "جندلا"، والمشتق حالا نحو: "عائذا بك" (٦)، فيكون التقدير: ألزمه الله تربا وجندلا، واعتصمت عائذا بك.
стр. 673
وهذا التقدير ونحوه هو الظاهرمن قول سيبويه -رحمه (١) الله (٢) - وما سواه (٣) تكلف لا فائدة فيه.
وهو مذهب المبرد (٤)، واختيار الزمخشري (٥).
стр. 674
باب: المفعول له
"ص":
مصدر ات علة لمصدر ... شاركه في وقته والمصدر
سموه "مفعولا له" وينتصب ... بما به (١) علل، واللام (٢) تجب (٣)
[إن يخل من بعض القيود كـ"سرى" (٤) ... للماء، أو للعشب أو أمر عرا"
و"جيء غدا لقولك "اليوم أجي" ... وقد دعوت رغبة في الفرج] (٥)
стр. 675
فـ"الرغبة" الشروط حازت (١) فاكتفى ... بها (٢) عن اللام بلا (٣) توقف
"ش": المفعول له: كل مصدر نصب لتقديره بلام التعليل.
وشرط وقوعه كذلك مع كونه مصدرا معللا به: أن يصدر (٤) هو وما علل به من فاعل واحد، في وقت واحد كقولك: "دعوت رغبة في الفرج".
فالرغبة: مفعول له؛ لأنه مصدر معلل به ما وافقه في الفاعل والزمان.
فإن فقد اتحاد (٥) الفاعل، أو الزمان مع قصد التعليل فلا بد من اللام، أو ما يقوم مقامها نحو:
"جئت لأمرك إياي" و"أحسن إليك غدا لإحسانك الآن".
فإن لم يكن ما قصد به التعليل مصدرا فهو أحق باللام أو ما يقوم مقامها (٦) نحو: "سرى زيد (٧) للماء أو للعشب" أو نحو
стр. 676
ذلك والقائم مقام اللام هو "من" و"في" كقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ﴾ (١)، وكقوله عليه الصلاة (٢) والسلام:
"إن امرأة دخلت النار في هرة [ربطتها، ولم (٣) تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض] (٤)(٥).
"ص":
وتدخل اللام عليه حائزا ... هذي الشروط فاعتقده جائزا
وقل أن يصحبها المجرد ... والعكس في مصحوب "أل" وينشد (٦)(٣٥٠) - "لا أقعد الجبن عن الهيجاء ... ولو توالت زمر الأعداء"
стр. 677
"ش": كل مصدر اجتمعت فيه شروط الانتصاب على أنه مفعول له فجائز جره باللام.
إلا أن ذلك فيما عرف بالأداة أحسن من التجريد. والتجريد أحسن منه في المنكر، ويستوي الأمران في المضاف.
وقد فهم ذلك من قولي:
وقل أن يصحبها المجرد ... والعكس في مصحوب "أل"
ثم ذكرت شاهد مصحوب "أل" (١).
стр. 678
باب: المفعول فيه وهو الظرف
"ص":
مكان أو وقت حوى (١) معنى "في" ... ظرف كـ"رح غدا مع الأشراف"
فانصبه بالواقع فيه أبدا ... ما لم يكن ملفوظ في قد وجدا
والوقت مبهما ومختصا (٢) لذا ... يصلح كـ"امكث يوما أو يوم كذا"
ولا يكون اسم المكان ظرفا ... إلا إذا أبهم كـ"ارجع خلفا"
من ذاك أسماء الجهات جمعا ... وما يضاهيها كـ"عند" و"معا"
стр. 679
كذا المقادير كـ"ميل" وكذا ... ما (١) من سما العامل فيه أخذا
فـ"مقعد" مطرد مع "يقعد" ... و"معقد" مطرد مع "يعقد"
ونحو: "زيد مزجر الكلب" ندر ... ولا ندور فيه إن تلا "زجر"
"ش": المفعول فيه هو ما نصب من اسم زمان، أو مكان مقارن لمعنى "في" دون لفظها.
[وقد تمثل النوعان بقولي:
. . . . . . . . . . . ... "رح غدا مع الأشراف"
فإن "عدا" اسم زمان. و"مع" اسم مكان. وقد قارنهما معني "في" دون لفظها] (٢).
وذكر "مقارنة المعنى" أجود من ذكر (٣) "تقدير في" لأن تقدير "في" يوهم جواز استعمال لفظ "في" مع كل ظرف. وليس الأمر كذلك. [لأن من الظروف ما لا يدخل عليه "في" كـ"عند" و"مع" وكلها مقارن لمعناها ما دام ظرفا.
стр. 680
وأسماء الزمان صالحة لذلك] (١): مبهما، ومختصها.
والمبهم كـ"حين" و"مدة".
والمختص كـ"يوم كذا" وكـ (٢) "ساعة كذا".
تقول: "مكثت عنده حينا من الدهر" و"غبت عنه مدة".
و"صمت [يوم الخميس" و"اعتكفت (٣)] يوم الجمعة"
وأما المكان فلا يكون من أسمائه ظرفا صناعيا إلا ما كان مبهما أو مشتقا من اسم الحدث الذي اشتق منه عامله.
فالمبهم ما لا يتميز (٤) مسماه بدون إضافة أو ما يقوم مقامها كأسماء الجهات والمقادير تقول: "قعدت يمين زيد، ويسار عمرو" و"سرت ميلا وفرسخا".
والمشتق من اسم الحدث الذي اشتق منه العامل كـ"مقعد" و"مقعد" من نحو قولك: "اقعد مقعد المناجي" و"اعقد نكاح زيد معقد نكاح عمرو".
ولا يكون هذا النوع ظرفا قياسيا إلا إذا كان العامل فيه موافقا له في الاشتقاق.
стр. 681
فلذا عد من الشواذ قولهم: "هو مني مقعد القابلة"
و"عمرو مزجر الكلب" و"خالد مناط الثريا".
فلو أعمل في المقعد "قعد"، وفي المزجر "زجر"، وفي المناط "ناط" لم يكن في ذلك شذوذ ولا مخالفة للقياس نص على ذلك سيبويه (١).
"ص":
وذو تصرف من الظروف ما ... ظرفية أو (٢) شبهها لن يلزما
стр. 682
وغير ذي التصرف الذي لزم
... ظرفية، أو شبهها من الكلم
فغير "منذ" و"مذ" اسم زمن ... حتم البناء عن تصرف غني
كذاك ما عين من ضحى (١) "سحر" ... "ليل" "نهار" (٢) و"سحير" و"بكر"
وهكذا معينا "عشاء" ... "عشية" "عتمة" "مساء"
ذي لا تصرف (٣)، واصرف إلا "سحرا" ... معينا فهو من الصرف (٤) برا
[و"غدوة" و"بكرة" عكس "بكر" ... إن شاركنا الأعلام فيما يعتبر
واصرفهما إن نكرا فقد كثرا ... وترك تنوين "عشية" نزر
ونحو: "يوم يوم" مما عرضا ... تركيبه تصريفه قد رفضا
كذاك "ذو" و"ذات" إن يضافا ... لزمن، وقد حكوا خلافا
стр. 683
عن خثعم فـ"ذو" و"ذات" صرفا ... في عرفهم كـ"بعض ذي يوما قفا"
واختير في وصف زمان حذفا ... كـ"امكث طويلا" منعه "التصرف] (١)
"ش": من الظروف: "متصرف (٢) منصرف.
وغير متصرف، ولا منصرف.
ومتصرف غير منصرف.
ومنصرف غير متصرف.
فالأول كـ"يوم" و"شهر" و"حول".
والثاني: كـ"سحر" المقصود به التعيين.
والثالث: كـ"غدوة" و"بكرة" علمين لهذين الوقتين قصد بهما التعيين أو لم يقصد.
والرابع: ما عين من "ضحى" و"بكر" و"سحير" و"ليل" و"نهار" (٣) و"عشاء" و"عشية" و"عتمية" و"مساء".
ومن العرب من لا يصرف "عشية" في التعيين.
وأشرت بقولي:
وذو تصرف من الظروف ما ... ظرفية أو شبهها لن يلزما
стр. 684
إلى أن الخروج عن الظرفية إن لم يكن إلا بدخول حرف جر فإنه لا يعتد به.
فلذلك يحكم بعدم تصرف "قبل" و"بعد" و"لدن" و"عند" حال دخول "من" عليهن.
وإنما يثبت (١) تصرف الظرف بالإضافة إليه، أو الإخبار عنه نحو: "اعتكفت نصف اليوم" و"اليوم مبارك".
ولما كانت الظروف التي لا تتصرف كثيرة أقمت مقام تعدادها ضبطها بقولي:
فغير "منذ" و"مذ" اسم زمن ... ختم البناء عن تصرف غني
فأخرجت "منذ" و"مذ" فإنهما محتوما البناء [وليسا مقصودين (٢) لأنهما يخبر عنهما في نحو: "ما رأيته مذ ثلاثة أيام".
وأخرجت بقولي:
. . . . . . . . . . . ... حتم البناء (٣). . . . . . . . . . .]
ما يبنى في حال دون حال كـ"أمس" و"حين" فإنه إن أضيف إلى جملة جاز بناؤه وإعرابه (٤).
стр. 685
فعلم بعد إخراج ما خرج منع تصرف "إذا" و"متى" و"أيان" و"قط" و"عوض" ونحو ذلك من أسماء الزمان المحتومة البناء.
ثم نبهت على ضابط يميز (١) ما لا يتصرف من الظروف (٢) فقلت:
ونحو "يوم يوم" مما عرضا ... تركيبه (٣) تصريفه قد رفضا
ثم بينت أن "ذا" و"ذات" إذا أضيفا (٤) إلى زمان لا يتصرفان عند خثعم ويتصرفان عندهم كقول بعضهم:
(٣٥١) - عزمت على إقامة ذي صباح ... لأمر ما يُسود من يَسود
стр. 686
ثم نبهت على أن صفة الزمان إذا حذف وأقيمت (١) مقامه المختار ملازمتها للظرفية.
ولذلك ضعف أن يقال: "سير عليه طويل" واختير أن يقال: "سير عليه طويلا" -بالنصب.
"ص":
ومن يرد ظرفية اسم موضع ... مختص ابدى "في" ليسمع (٢) من يعي (٣)
كـ"نام في الدار" و"في الحصن انحصر" ... و"هند في القصر" و"زيد في هجر"
وغير هذا -نادرا- قد جعلا ... واستعملوا كالمعتدي دخلا
مع المكان لا سواه كـ"دخل ... سعد (٤) محلنا و"في الأمر الخلل"
"ش": لا يتعدى إلى المكان المختص فعل إلا إن (٥) تعدى إلى مفعول به كقولك: "قصدت المسجد" و"عمرت الدار".
فإن قصد إيقاع فعل فيه كما يوقع في المكان المبهم لزم ذكر "في" كقولك (٦): "أقمت في البلد" (٧) و"اعتكفت في المسجد".
стр. 687
فإن ورد شيء بخلاف ذلك عند نادرا كقول الشاعر:
(٣٥٢) - فلأبغينكم قنا وعوارضا ... ولأقبلن الخيل لأبة ضرغد
أراد: في قنا وعوارض. وهما موضعان مختصان
فأجراهما مجرى الأمكنة المبهمة.
وإلى نحو (١) هذا أشرت بقولي:
وغير هذا نادرا قد جعلا .... . . . . . . . . . .
وليس هذا بضرورة لتمكن الشاعر من أن يقول:
فلأبغينكم في قنا وعوارض .... . . . . . . . . . .
بتسكين النون والميم.
فإن كان الفعل المتعلق بالمكان المختص "دخل" جاز أن يتعدى إليه بنفسه، لا على أنه ظرف، بل على أنه مفعول به متعدى (٢) إليه بحرف.
ثم حذف حرف الجر تخفيفا، لكثرة الاستعمال فوقع الفعل عليه، ونصبه، كما يتفق لغيره.
стр. 688
ولو كان انتصاب المكان بعد "دخل" على الظرفية لجاز أن يقع ذلك المنتصب خبر مبتدأ؛ إذ ليس في الكلام ما يكون ظرف لفعل، ولا يكون ظرفا لمبتدأ.
ولا يجوز الحكم على (١) "دخل" بأنه (٢) متعد بنفسه [إلى المكان المختص؛ لأنه لو تعدى بنفسه إلى المكان على أنه مفعول به لتعدى بنفسه] (٣) إلى غير المكان، ولم يحتج معه إلى حرف جر في نحو (٤) قولهم: "دخلت في الأمر".
"ص":
وظرف اتٍ صلة أو خبرا ... أو صفة ناصبه (٥) لن يظهرا
واستره ستر عامل المفعول به ... في غير هذي فهو غير مشتبه
"ش": إذا وقع الظرف صلة، أو خبرا، أو صفة استُغني عن إظهار ناصبه، واكتفي بتقديره.
إلا أنه في الصلة فعل بإجماع، وفي غير الصلة يجوز أن يكون ناصب الظرف فعلا، ويجوز أن يكون اسم فاعل.
وحكم عامل الظرف في غير الصلة، والخبر، والصفة
стр. 689
بالنسبة إلى الإظهار والإضمار حكم المفعول به، وقد تقدم بيان ذلك في بابه.
"ص":
وجعلوا مصادرا ظروفا ... في الوقت هذا شائع معروفا
كـ"حن زيد ظعن (١) الحجاج" ... و"كان ذاك إمرة (٢) الحجاج"
وفي المكان جاء ذاك نزرا ... وظرفا اسم جثة قد يجرى
كمثل: "لا آتيك مغزى الفزر" ... و"القارظين" و"ابن سعد" فادر (٣)
و"الشمس" أعطوا و"النجوم" و"القمر" ... ظرفية كـ"الفرقدين اذكر عمر"
"ش": جعل المصدر ظرفا من باب حذف المضاف، وقيام المضاف إليه مقام.
وشرط ذلك إفهام تعيين مقدار نحو: "كان ذلك خفوق النجم" أو "صلاة العصر" و"انتظر به (٤) نحر جزورين" و"سير عليه ترويحتين".
стр. 690
وقد يعامل بهذه (١) المعاملة ظرف المكان نحو: "جلست قرب زيد" أي: مكان قربه.
وجعلت أيضا أسماء أعيان ظروفا كقولهم: "لا أفعل ذلك معزى الفزر" و"لا أكلم زيدا القارظين" و"لا أسالم عمرا هبيرة بن سعد".
ومن كلام العرب الفصيح: "لأفعلن ذلك الشمس والقمر" أي: مدة طلوعهما. و"لا أكلم فلانا الفرقدين".
فينصبون هذا وأشباهه نصب الظروف. والتقدير: لا أفعل ذلك مدة فرقة غنم الفزر (٢). ومدة مغيب القارظين (٣). ومدة مغيب هبيرة بن سعد (٤).
ولأفعلن ذلك مدة بقاء الشمس والقمر، أو مدة طلوعهما، وهذا سبيل التوقيت بـ"الفرقدين" وغيرهما.
стр. 691
باب: المفعول معه
"ص":
اسم يلي فضلة الواو كـ"مع" ... من بعد فعل أو كفعل قد وقع
ينصبه ما قبل مفعولا معه ... كـ"هند سارت والطريق مسرعه"
و"كان سير خالد، والنيلا ... عند خلو الناب والفصيلا (١)
"ش": المفعول به: هو الاسم المذكور فضلة بعد واو بمعنى "مع" مسبوقة بفعل أو شبهة.
فذكرت "فضلة" احترازا من نحو: "اشتراك زيد وعمرو".
وذكرت الواو احترازا من نحو: "سرت مع النيل".
وقيدتها: بمعنى "مع" احترازا من نحو: "سرت والنيل
стр. 692
في زيادة" و"لو خليت والأسد قاصدك لأكلك".
وشرطت (١) كون ذلك بعد فعل، أو ما هو كفعل احترازا من نحو: "أنت ورأيك" و"كل رجل وضيعته".
ومثال الواقع بعد فعل: "مررت والطريق" أي: مع الطريق.
ومثال الواقع بعد ما هو كالفعل: "كان سيره (٢) والنيل عند خلو الناقة وفصيلها" أي: مع النيل ومع فصيلها.
ومن إعمال شبه الفعل في المفعول معه قول الشاعر:
(٣٥٣) - فقدني وإياهم فإن ألق بعضهم ... يكونوا كتعجيل السنام المسرهد
وأنشد أبو علي:
стр. 693
(٣٥٤) - لا تحبسنك أثوابي فقد جمعت ... هذا ردائي مطويا وسربالا
فجعل أبو علي "سربالا" مفعولا معه، وعامله "مطويا".
وأجاز أن يكون عامله "هذا".
"ص":
وإن خلا من فعل أو معناه ... فاجتنب النصب وقد تراه
من بعد "ما" استفهام أو "كيف" لأن ... يضمر فعل الكون من (١) بعد زمن
من ذاك "والجماعة" الذي يلي (٢) ... "أزمان قومي" وهو (٣) شاهد جلي
"ش": قد تقدم التنبيه على أن من شرط نصب المفعول معه ثبوت فعل أو ما هو كفعل قبل الواو، وأن ذكر ذلك احتراز من نحو: "كل رجل وضيعتُهُ".
стр. 694
وقد روي عن بعض العرب (١) النصب بعد: كيف و"ما" الاستفهامية على إضمار "كان" نحو: "ما أنت والكلام فيما لا يعنيك؟ " و"كيف أنت وقصعة من ثريد؟ " (٢).
ومنه قول أسامة الهذلي (٣):
(٣٥٥) - وما أنت والسير في متلف ... يبرح بالذكر الضابط
وأنشد سيبويه للراعي (٤):
стр. 695
(٣٥٦) - أزمان قومي والجماعة كالذي ... لزم الرحالة أن تميل مميلا
وجعل "الجماعة" مفعولا معه منصوبا بفعل محذوف تقديره: "أزمان كان قومي" (١).
وإليه أشرت بقولي:
من ذاك "والجماعة" الذي يلي ... "أزمان قومي". . . . . . . . . . .
والله (٢) أعلم (٣).
стр. 696
"ص":
والعطف إن يمكن بلا ضعف أحق ... والنصب مختار (١) لدى ضعف (٢) النسق
كـ"اذهب وزيدا" و"اذهب انت وأبو ... عمرو" و"جاءوهم وناس طلبوا"
والنصب إن لم يجز (٣) العطف يجب ... أو اعتقد إضمار عامل تصب (٤)
وإن يكن أمكن مع تكلف ... فرجح النصب بلا توقف
"ش": مثال إمكان العطف دون ضعف: "كنت أنا وزيد كالأخوين"، و"اذهب أنت وربك" (٥).
ومثال ما يختار فيه النصب لضعف النسق: "اذهب وزيدا" فرفع "زيد" بأن ينسق (٦) على فاعل "اذهب" جائز
стр. 697
على ضعف لأن العطف على ضمير الرفع المتصل لا يحسن، ولا يقوى إلا بعد توكيد أو ما يقوم مقامه.
فلما ضعف العطف رجح النصب؛ لأن فيه سلامة من ارتكاب وجه ضعيف للناطق عنه مندوحة.
ومثال ما يجب فيه النصب لعدم جواز العطف: "مالك وزيدا" فـ"زيدا" (١) هنا واجب النصب؛ لأن عطفة على الكاف لا يجوز إذ لا يعطف على ضمير الجر إلا بإعادة الجار.
فإن جر على إضمار جار آخر مدلول عليه بالسابق جاز ووجه بما وجهت به قراءة حمزة (٢): "واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحامِ" (٣). أي: وبالأرحام.
стр. 698
فحذفت (١) الباء لدلالة الباء التي قبلها عليها وبقي عملها.
ومثله قول الشاعر:
(٣٥٧) - فاليوم قربت تهوجنا وتشتمنا ... فاذهب فما بك والأيام من عجب
فلو (٢) قيل على تقدير (٣) لام ثانية (٤): "ما لك وزيد" لم يمتنع.
وللكلام على مسائل العطف، وحذف الجار موضع آخره (٥) هو به أولى.
وإن أمكن العطف بتكلف فالنصب راجح -أيضا-
стр. 699
فمن ذلك قولهم (١): "لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها".
فإن العطف فيه ممكن على تقدير: لو تركت الناقة ترأم فصيلها وترك فصيلها لرضاعها (٢) لرضعها.
وهذا تكلف وتكثير عبارة.
بخلاف أن يقال: لو تركت الناقة مع فصيلها، أو لفصيلها.
ومما يترجح فيه (٣) النصب باعتبار المعية على النصب باعتبار العطف قول الشاعر:
(٣٥٨) - إذا أعجبتك الدهر حال من امرئ ... فدعه وواكل أمره واللياليا
أي: وأكل حاله الليالي (٤).
"ص":
وكون ذا المفعول سابقا لما ... يصحبه جوز بعض العلما
стр. 700
بذا ابن جني قضى في قول من ... قال: "وفحشا غيبة" وقد (١) وهن
وفي النحاة من أبي القياس في (٢) ... ذا الباب فهو بالسماع يكتفي
"ش": اختار (٣) أبو الفتح ابن جني في الخصائص تقديم المفعول معه على مصحوبة نحو: "جاء والطيالسة البرد".
واستدل بقول الشاعر:
(٣٥٩) - جمعت وفحشا غيبة ونميمة ... ثلاث خصال (٤) لست عنها بمرعوي (٥)
стр. 701
ومثله قوله الآخر:
(٣٦٠) - أكنيه حين أناديه لأكرمه ... ولا ألقبه والسوءة اللقبا
على رواية من نصب "السوءة" و"اللقب".
أراد: ولا ألقبه اللقب والسوءة. أي: مع السوءة (١).
стр. 702
لأن من اللقب ما يكون لغيره سوءة كتلقيب الصديق أبي بكر ﵁ "عتيقا" لعتاقة وجهه. فلهذا قال هذا (١) الشاعر: ولا ألقبه اللقب مع السوءة فيفهم من هذا أنه (٢) إن لقبه لا مع السوءة فلا جناح عليه والله أعلم.
ولا حجة لابن جني في البيتين (٣) لإمكان جعل الواو فيهما عاطفة قدمت هي ومعطوفها. وذلك في الأول ظاهر.
وأما الثاني فعلى أن يكون أصله: "ولا ألقبه اللقب وأسوء السوءة" ثم حذف ناصب "السوءة" كما حذف ناصب "العيون" (٤) من قوله:
(٣٦١) - وزججن الحواجب والعيونا
стр. 703
ثم قدم (١) العاطف، ومعمول الفعل المحذوف.
وأشرت بقولي:
وفي النحاة من أبى القياس في (٢) ... ذا الباب. . . . . . . . . . .
إلى قول أبي الحسن الأخفش:
"قوم من النحويين يقيسون هذا في كل شيء، وقوم يقصرونه على ما سمع منه".
يريد: من النحويين من يجيز القياس في النصب على المفعول معه، ومنهم من لا يجيزه.
قال أبو علي: "وقوى أبو الحسن قصره على ما سمع".
стр. 704
باب: الاستثناء
"ص":
مخرج أو كمخرج مستثنى ... من بعد "إلا" أو كـ"إلا" معنى
وهو إذا ما كان بعضا متصل ... وغيره منقطع، ومنفصل
"ش": قد تناول (١) قولي:
. . . . . . . . . . . ... من بعد "إلا" أو كـ"إلا" معنى
كل ما استثنى من جنسه بـ"ألا" أو بغيرها من أدوات الاستثناء الآتي ذكرها.
ولا حاجة إلى الاحتراز من "إلا" التي أصلها: "إن لا" كقوله تعالى: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوه﴾ (٢).
ولا من "إلا" التي تؤول بمعنى "غير" كقوله (٣)
стр. 705
تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (١).
لأن السابق إلى ذهن السامع عند ذكر "إلا" معنى الاستثناء، فأغنى ذلك عن احتراز (٢)، لا سيما وقد تقدم ذكر "مخرج".
وقولي:
وهو إذا ما كان بعضا متصل .... . . . . . . . . . .
مثاله: "قام الرجال (٣) إلا زيدا"
. . . . . . . . . . . ... وغيره منقطع (٤) ومنفصل
مثاله: "ما فيها رجل إلا حمارا".
وذكر البعضية [في قولي:
وهو إذا ما كان بعضا (٥) متصل] (٦) .... . . . . . . . . . .
أولى من ذكر الجنسية لأن المستثنى قد يكون بعد ما هو من جنسه وهو منقطع غير متصل (٧) كقولك: "قام بنوك إلا ابن زيد".