← Акыда

Акыда · id 12027

صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان

محمد بشير السهسواني

Полный текст (549 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الحُجُرَاتِ﴾ . وبأن حرمته ميتاً كحرمته حياً، فاستكان له أبو جعفر. اهـ. وهذه الرواية وإن كان فيها مقال كثير ولكنها من مسلمات الخصم. وأيضاً قال القاضي فيه: ولما كثر على مالك الناس قيل له: لو جعلت مستملياً يسمعهم، فقال: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ . وحرمته حياً وميتاً سواء. اهـ. وقال القطسلاني في المواهب: روي عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: إنه لا ينبغي رفع الصوت على نبي حياً ولا ميتاً، وروي عن عائشة ﵂ أنها كانت تسمع صوت الوتد يوتد والمسمار يضرب في بعض الدور المطيفة بمسجد النبي ﷺ ، فترسل إليهم: لا تؤذوا رسول الله ﷺ ، قالوا: وما عمل علي بن أبي طالب ﵁ مصراعي داره إلا بالمناصع توقياً لذلك، نقله ابن زبالة. اهـ. ودلت الآية أيضاً على أنه لا فرق في الصابر بين أن يكون صبره بحيث تكون بينه وبين قبر النبي ﷺ مدة سفر أو لا لوقوع "صبروا" في حيز الشرط الدال على العموم كما قرر الخصم، على أن زيارة قبره ﷺ المعهودة في زماننا هل يرفع فيها الصوت ويجهر له بالقول أم لا؟ والأول منهي عنه لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ . وعن أبي هريرة قال: لما نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ . قال أبو بكر: والذي أنزل عليك الكتاب يا رسول الله لا أكلمك إلا كأخي السرار١ حتى ألقى الله، أخرجه عبد بن حميد والحاكم وصححه، وفي صحيح البخاري: قال ابن الزبير فما كان عمر يُسمع رسول الله ﷺ حتى يستفهمه، ولم يذكر ذلك عن أبيه يعني أبا بكر. قال القسطلاني:

стр. 37

وإن أكابر الصحب ما كانوا يخاطبونه إلا كأخي السرار. اهـ. وبما جاء في صحيح البخاري عن السائب بن يزيد قال: كنت نائماً في المسجد فحصبني رجل، فنظرت فإذا هو عمر بن الخطاب ﵁، فقال: اذهب فائتني بهذين، فجئته بهما فقال: ممن أنتما، ومن أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ . وعن مالك قال: بنى عمر رحبة في ناحية المسجد تسمى البطحاء وقال: من كان يريد أن يلغط أو ينشد شعراً أو يرفع صوته فليخرج إلى هذه الرحبة. رواه في الموطأ، كذا في المشكاة، وعن أبي هريرة في حديث مرفوع في أشراط الساعة فيه "وظهرت الأصوات في المساجد"، وفي رواية "وارتفعت الأصوات في المساجد". وعن مكحول في حديث في أشراط الساعة "وأن تعلو أصوات الفسقة في المساجد". رواه ابن أبي الدنيا مرسلاً، هكذا في الترغيب والترهيب للمنذري. ففي هذا الشق يلزم ثلاث محذورات: (الأول) رفع الصوت في المسجد، و (الثاني) رفع الصوت في مسجد رسول الله ﷺ ، و (الثالث) رفع الصوت عند رسول الله ﷺ . قال القسطلاني في المواهب: ومنها أنه حرم على الأمة نداءه باسمه، قال تعالى: ﴿لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضاً﴾ . أي لا تجعلوا دعاءه وتسميته كدعاء بعضكم بعضاً باسمه ورفع الصوت به، والنداء وراء الحجرات، ولكن قولوا: يا رسول الله، يا نبي الله، مع التوقير والتواضع وخفض الصوت. اهـ. قال الزرقاني بحرمة رفعه عليه، والظرف أي "بينكم" متعلق بتجعلوا لا حال من الرسول، لأنه يوهم أنه لا يحرم نداؤه باسمه بعد وفاته مع أن الحرمة ثابتة مطلقاً. اهـ. وقال القسطلاني في المواهب أيضاً: ومنها أنه يحرم الجهر له بالقول، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾ . اهـ، قال الزرقاني أي خشية ذلك بالرفع والجهر المذكورين، روى البخاري عن ابن أبي مليكة قال كاد

стр. 38

الخيران أن يهلكا: أبو بكر وعمر. لما قدم وفد بني تميم قال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد، وقال عمر: أمر الأقرع بن حابس. فقال أبو بكر لعمر: إنما أردت خلافي. فقال عمر: ما أردت خلافك. فارتفعت أصواتهما عند النبي ﷺ فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ -إلى قوله- عَظِيمٌ﴾ . قال ابن أبي مليكة عن ابن الزبير: فكان عمر بعد إذا حدث النبي ﷺ بحديث حدثه كأخي السرار لم يسمعه حتى يستفهمه. ولم يذكر ذلك عن أبيه، يعني أبا بكر. اهـ. وقال القسطلاني في المواهب: وقال ابن عباس لما نزل قوله تعالى: ﴿لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ . كان أبو بكر لا يكلم رسول الله ﷺ إلا كأخي السرار. اهـ. وقال في المواهب: وينبغي للزائر أن يستحضر من الخشوع ما أمكنه، وليكن مقتصداً في سلامه بين الجهر والإسرار. اهـ. وأيضاً في المواهب: ثم يقول الزائر بحضور قلب وغض طرف وسكون جوارح وإطراق: السلام عليك يا رسول الله.. الخ. وقال ابن حجر في الجوهر المنظم: إذا وقت أو جلس ثم سلم لا يرفع صوته، بل يقتصد فيقول: السلام عليكم أيها النبي ورحمة الله وبركاته.. الخ. وقال السيوطي في (موجز اللبيب في خصائص الحبيب) : ويحرم التقدم بين يديه، ورفع الصوت فوق صوته، والجهر له بالقول، ونداؤه من وراء الحجرات، والصياح به من بعيد. اهـ. والشق الثاني أيضاً باطل، فإن السلام المشروع عند القبر سلام تحية لا سلام دعاء، وسلام التحية لابد فيه من أن يفعل بحيث يسمعه المسلم عليه حتى يرده على المسلم. قال في المواهب وشرحه للزرقاني: ويكثر من الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ بحضرته الشريفة حيث يسمعه ويرد عليه، بأن يقف بمكان قريب منه ويرفع صوته إلى حد لو كان حياً مخاطباً لسمعه عادة اهـ. وقال الزرقاني: والظاهر أن المراد بالعندية قرب القبر بحيث يصدق عليه عرفاً أنه عنده، وبالبعد ما عداه وإن كان بالمسجد اهـ. ولما سدت حجرة عائشة ﵂ التي هي مدفن رسول الله ﷺ وبنيت على القبر حيطان مرتفعة مستديرة حوله ثم بنى عليه جدران من ركني القبر

стр. 39

الشماليين تعذر الوصول إلى قرب القبر، فالزائرون اليوم إنما يسلمون من مسافة لو سلم على حي من تلك المسافة لما سمعه، فكيف يسمعه النبي ﷺ ويرد عليه ولو سلم حياته ﷺ في القبر؟ فإن قيل: إن رسول الله ﷺ بعد الممات يمكن أن يزداد قوة سمعه فيسمع من تلك المسافة؟ فيقال: أي دليل على هذا من كتاب وسنة؟ ومجرد الإمكان العقلي لا يغني من شيء، على أنه هل لذلك تحديد أم لا؟ على الثاني يستوي المسلم من بعيد والمسلم عند القبر، وهذا باطل عند من يقول بقربة الزيارة فإنهم فضلوا السلام عند القبر على السلام من بعيد كالسبكي وابن حجر المكي، وعلى الأول فلا بد من بيانه بدليل شرعي، وأنى له ذلك؟ (الرابع عشر) أنه لو صح الاستدلال بالآية المذكورة لجاز أن يستدل على جواز بيعة رسول الله ﷺ بعد الموت، لقوله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ . وبقوله تعالى في سورة الفتح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ . وهذا لا ينقطع بموته ﷺ تعظيماً له ﷺ كما قال الخصم، ودلت الآية على أنه لا فرق في الجائية بين أن يكون مجيئها بسفر أو غير سفر، لوقوع "جاءوك" في حيز الشرط الدال على العموم كما قال الخصم، ولكون "الذين" من الأسماء الموصولة وهي من ألفاظ العموم، مع أن أحداً من الأمة لم يقل بجواز بيعة رسول الله ﷺ بعد الموت، ولم يفعلها أحد من السلف والخلف. (الخامس عشر) أنه لو دلت الآية على كون زيارة القبر قربة، وعلى أنه شرع لكل مذنب أن يأتي إلى قبره ليستغفر له، لكان القبر أعظم أعياد المذنبين وأجلها، وهذه مضادة صريحة لما قاله رسول الله ﷺ "لا تجعلوا قبري عيداً".

стр. 40

(السادس عشر) أن أعلم الأمة بالقرآن ومعانيه وهم سلف الأمة لم يفهم منهم أحد إلا المجيء إليه في حياته ليستغفر لهم، ولم يكن أحد منهم قط يأتي إلى قبره ويقثول يا رسول الله فعلت كذا وكذا فاستغفر لي، ومن نقل هذا عن أحد منهم فقد جاهر بالكذب والبهت، أفترى عطل الصحابة والتابعون -وهم خير القرون على الإطلاق- هذا الواجب الفرية التي ذم الله سبحانه من تخلف عنها وجعل التخلف عنه من أمارات النفاق، ووفق له من لا يؤبه له من الناس، ولا يعد في أهل العلم١؟. ويالله العجب! أكان ظلم الأمة لأنفسها -ونبيها حي بين أظهرها- موجوداً وقد دعيت فيه إلى المجيء إليه ليستغفر لها وذم من تخلف عن المجيء، فلما توفي ﷺ ارتفع ظلمها لأنفسها بحيث لا يحتاج أحد منهم إلى المجيء إليه ليستغفر له، وهذا يبين أن هذا التأويل الذي تأول عليه المعترض هذه الآية تأويل باطل قطعاً، ولو كان حقاً لسبقونا إليه علماً وعملاً وإرشاداً ونصيحة، ولا يجوز إحداث تأويل في آية أو سنة لم يكن على عهد السلف ولا عرفوه ولا بينوه للأمة٢. وهذان الوجهان الأخيران مأخوذان من الصارم.

стр. 41

قوله: وقد قال تعالى: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ . ولا شك عند من له أدنى مسكة من ذوق العلم أن من خرج لزيارة رسول الله ﷺ يصدق عليه أنه خرج مهاجراً إلى الله ورسوله، لما يأتي من الأحاديث الدالة على أن زيارته ﷺ بعد وفاته كزيارته في حياته، وزيارته في حياته داخلة في الآية الكريمة قطعاً، فكذا بعد وفاته بنص الأحاديث الشريفة الآتية. أقول: هذا كله مأخوذ من كلام ابن حجر المكي في الجوهر المنظم، وهو مردود من وجوه: (الأول) أن الآية واردة في الهجرة من دار الشرك إلى دار الاسلام، يدل عليه سياق الآية وسباقها١، فإن أولها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً إِلاَّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُواًّ غَفُوراً وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً﴾ . ويدل عليه أيضاً شأن نزولها: أخرج أبو يعلى وابن أبي حاتم والطبراني -قال السيوطي٢ بسند رجاله ثقات- عن ابن عباس قال: خرج ضمرة بن جندب من بيته مهاجراً، فقال لقومه: احملوني فأخرجوني من أرض الشرك إلى أرض رسول الله ﷺ ، فمات في الطريق قبل أن يصل إلى النبي ﷺ فنزل الوحي: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ﴾ الآية. كذا في فتح القدير للإمام الشوكاني ﵀، ويدل عليه أيضاً معنى الهجرة: قال في المصباح والهجرة –بالكسرة- مفارقة بلد إلى غيره، فإن كانت قربة لله فهي الهجرة الشرعية اهـ. وفي الصحاح: والمهاجرة من أرض إلى أرض ترك الأولى للثانية اهـ. وفي القاموس: والهجرة -بالكسر والضم- الخروج من أرض إلى أخرى اهـ. وفي

стр. 42

النهاية: الهجرة في الأصل الاسم من الهجر ضد الوصل، وقد هجره هجراً وهجراناً، ثم غلب على الخروج من أرض إلى أرض وترك الأولى للثانية، وفي مجمع البحار: الهجرة في الأصل الاسم من الهجر ضد الوصل، ثم غلب على الخروج من أرض إلى أرض. فقد علم من ههنا أنه لابد في معنى الهجرة من أمرين: (الأول) الخروج من أرض إلى أرض (والثاني) ترك الأولى للثانية، والخروج لزيارة النبي ﷺ في حياته يتحقق فيه الأمر الأول لا الثاني، ويدل على كون الأمرين معتبرين في معنى الهجرة أحاديث: منها ما روى الشيخان عن جابر بن عبد الله أن أعرابياً بايع رسول الله ﷺ فأصاب الأعرابي وعك بالمدينة، فأتى النبي ﷺ فقال: يا محمد أقلني بيعتي، فأبى رسول الله ﷺ . ثم جاءه فقال: أقلني بيعتي، فأبى، ثم جاءه فقال: أقلني بيعتي، فأبى. فخرج الأعرابي، فقال رسول الله ﷺ "إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وتنصع طيبها". ومنها ما روى مسلم عن جابر قال: جاء عبد فبايع النبي ﷺ على الهجرة، ولم يشعر أنه عبد، فجاء سيده يريده، فقال له النبي ﷺ "بعنيه" فاشتراه بعبدين أسودين، ولم يبايع أحداً بعده حتى يسأله: أعبد هو أو حر؟ ومنها ما رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فسأله عن الهجرة فقال: "ويحك إن الهجرة شأنها شديد، فهل لك من إبل"؟ قال: نعم، قال "فتعطي صدقتها"؟ قال: نعم. قال "فهل تمنح منها"؟ قال: نعم. قال "فتحلبها يوم وردها "؟ قال: نعم. قال" فاعمل من وراء البحار فإن الله لن يترك من عملك شيئاً"١. ومنها ما روى البخاري ومسلم عن العلاء بن الحضرمي قال: قال رسول الله ﷺ "ثلاث للمهاجر بعد الصدر" ٢. ومنها ما رواه البخاري عن سعد بن أبي وقاص قلت: يا رسول الله أخلف٣

стр. 43

بعد أصحابي؟ قال: "إنك لن تخلف فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة، ولعلك تخلف حتى ينتفع بك أقوام، ويضر بك آخرون. اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم". لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله ﷺ أن توفي بمكة١. ومنها ما رواه البخاري عن عائشة ﵂ أنها قالت: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة وعك أبو بكر، فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول: كل امرئ مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله وكان بلال إذا أقلع عنه الحمى يرفع عقيرته ويقول: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل؟ وهل أردن يوماً مياه مجنة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل؟ اللهم العن شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة وأمية بن خلف كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء. ثم قال رسول الله ﷺ : "اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم بارك لنا في صاعنا وفي مدنا وصححها لنا وانقل حماها إلى الجحفة". قال القاضي في الحديث الأول: إنما استقاله على الهجرة ولم يرد الارتداد عن الإسلام٢، قال ابن بطال: بدليل أنه لم يرد حل ما عقده إلا بموافقة النبي ﷺ على ذلك، ولو أراد الردة ووقع فيها لقتله إذ ذاك، وإنما لم يقله بيعته لأنها إن كانت بعد الفتح فهي على الإسلام فلم يقله إذ لا يحل الرجوع إلى الكفر، وإن كانت قبله فهي على الهجرة والمقام معه بالمدينة، ولا يحل للمهاجر أن يرجع إلى وطنه، كذا قال القسطلاني. قال النووي: قال العلماء إنما لم يقله النبي ﷺ بيعته لأنه لا يجوز لمن أسلم أن

стр. 44

يترك الإسلام، ولا لمن هاجر إلى النبي ﷺ للمقام عنده أن يترك الهجرة ويذهب إلى وطنه أو غيره. اهـ. وقال النووي في الحديث الثاني: وفيه ما كان عليه النبي ﷺ من مكارم الأخلاق والإحسان العام، فإنه كره أن يرد ذلك العبد خائباً مما قصده من الهجرة وملازمة الصحبة، فاشتراه ليتم له ما أراده اهـ. وقال القطسلاني في الحديث الثالث "فسأله عن الهجرة": أي أن يبايعه على أن يقيم بالمدينة "ويحك إن الهجرة شأنها " أي القيام بحقها "شديد" لا تستطيع القيام بحقها "فاعمل من وراء البحر" فلا تبال أن تقيم في بلدك ولو كنت في أقصى بلاد الإسلام اهـ. وقال القسطلاني في الحديث الرابع: وهو بعد الرجوع من منى من غير زيادة، وجوز بعضهم الإقامة بعد الفتح. قال النووي: معنى الحديث: إن الذين هاجروا من مكة قبل الفتح إلى رسول الله ﷺ حرم عليهم استيطان مكة والإقامة بها، ثم أبيح لهم إذا وصلوها بحج أو عمرة أو غيرهما أن يقيموا بعد فراغهم ثلاثة أيام ولا يزيدوا عن الثلاثة. وقال القاضي عياض: في هذه الحديث حجة لمن منع المهاجر قبل الفتح من المقام بمكة بعد الفتح، قال: هو قول الجمهور، وأجاز لهم جماعة بعد الفتح مع الاتفاق على وجوب الهجرة عليهم قبل الفتح ووجوب سكنى المدينة لنصرة النبي ﷺ ومواساتهم له بأنفسهم، وأما غير المهاجر ومن آمن بعد ذلك فيجوز له سكنى أي بلد أراد سواء مكة وغيرها بالاتفاق. هذا كلام القاضي اهـ. وقال القطسلاني في الحديث الخامس "ولا تردهم على أعقابهم": بترك هجرتهم ورجوعهم عن استقامتهم. "أن توفى" أي لأجل وفاته "بمكة" التي هاجر منها اهـ. وقال القسطلاني في الحديث السادس: وتأمل كيف تعزى أبو بكر ﵁ عند أخذ الحمى بما ينزل به من الموت الشامل للأصيل والغريب، وبلال ﵁ تمنى الرجوع إلى وطنه على عادة الغرباء، يظهر لك فضل أبي بكر على غيره من الصحابة ﵃ اهـ.

стр. 45

ومنها ما روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كلا إني عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، والمحيا محياكم والممات مماتكم". قال النووي: معنى هذه الجملة أنهم رأوا رأفة النبي ﷺ بأهل مكة وكف القتل عنهم فظنوا أنه يرجع إلى سكنى مكة والمقام فيها دائماً ويرحل عنهم ويهجر المدينة، فشق ذلك عليهم، فأوحى الله تعالى إليه ﷺ فأعلمهم بذلك اهـ. وأيضاً قال: فمعناه إني هاجرت إلى الله وإلى دياركم لاستيطانها، فلا أتركها ولا أرجع عن هجرتي الواقعة لله تعالى، بل أنا ملازم لكم، المحيا محياكم، والممات مماتكم، إني لا أحيا إلا عندكم، ولا أموت إلا عندكم. اهـ. ومنها ما روى الترمذي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ لمكة: "ما أطيبك من بلد وأحبك إلىّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك". ومنها ما روى مسلم عن سلمة بن الأكوع أنه دخل على الحجاج فقال: "يا ابن الأكوع ارتددت على عقبيك، تعربت، قال: لا ولكن رسول الله ﷺ أذن لي في البدو". قال النووي: قال القاضي عياض أجمعت الأمة على تحريم ترك المهاجر هجرته ورجوعه إلى وطنه، وعلى أن ارتداد المهاجر أعرابياً من الكبائر، ولهذا أشار الحجاج، إلى أن أعلمه سلمة أن خروجه إلى البادية إنما هو بإذن النبي ﷺ ، قال: ولعله رجع إلى غير وطنه، أو لأن الغرض في ملازمة المهاجر أرضه التي هاجر إليها وفرض ذلك إنما كان في زمن النبي ﷺ لنصرته، أو ليكون معه، أو لأن ذلك إنما كان قبل فتح مكة لمواساة النبي ﷺ ومؤازرته ونصرة دينه وضبط شريعته اهـ. ومن ثم قال عثمان ﵁ لما قال له الصحابة ﵃ -وقد حوصر- الحق بالشام: لن أفارق هجرتي، ومجاورة رسول الله ﷺ فيها. كذا في الجوهر المنظم لابن حجر المكي. فقد علم من تلك الأحاديث أن الأمرين المذكورين معتبران في معنى الهجرة. وجملة القول في هذا المقال أن ليست الهجرة عين الخروج لزيارته ﷺ ، بل بينهما

стр. 46

عموم وخصوص من وجه يجتمعان في مادة كمن هاجر في حياته ﷺ إلى المدينة وزار النبي ﷺ ، ويفترقان كمن هاجر بعد وفاة النبي ﷺ من دار حرب إلى دار الإسلام فيصدق عليه أنه خرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله، فإن معنى "إلى الله وإلى رسوله" حيث أمر الله ورسوله، كذا في المدارك، ولا يصدق عليه أنه زار النبي ﷺ وكمن زار النبي ﷺ في المدينة ثم رجع إلى وطنه فيصدق عليه أنه زار، ولا يصدق عليه أنه هاجر، فدخول زيارته ﷺ في حياته في الآية الكريمة ممنوع فضلاً عن دخول الزيارة فيها بعد مماته. (والثاني) أن مثل من يستدل بهذه الآية على كون الزيارة قربة كمثل من يستدل على كون الزيارة قربة بحديث: "انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسلي أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة أو أدخله الجنة" متفق عليه، وحديث: "لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها" متفق عليه، وحديث: "ما أغبرَّت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار" رواه البخاري، وحديث: "من فصل في سبيل الله فمات أو قتل أو وقصه فرسه أو بعيره أو لدغته هامة أو مات على فراشه بأي حتف شاء فإنه شهيد وإن له الجنة". رواه أبو داود، وحديث: "إن الهجرة تهدم ما كان قبلها "، وحديث: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله" وجميع الآيات التي ورد فيها ذكر الهجرة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ . وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ . وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ . وغير ذلك من الآيات، مع أن أحداً من أهل العلم والدين لم يستدل بهذه الأحاديث والآيات على كون الزيارة قربة. (والثالث) أنه لو سلم دخول زيارته ﷺ في الآية الكريمة في الحياة فلا نسلم

стр. 47

دخول زيارته ﷺ بعد الممات فيها، والأحاديث الدالة على أن زيارته ﷺ بعد وفاته كزيارته في حياته لم يثبت واحد منها كما سيأتي: قوله: أما السنة فما يأتي من الأحاديث. أقول: تلك الأحاديث ليس شيء منها قابلاً لأن يحتج به، كما ستطلع عليه عن قريب. قوله: وأما القياس فقد جاء أيضاً في السنة الصحيحة المتفق عليها الأمر بزيارة القبور.. الخ. أقول: الاستدلال بالسنة التي فيها الأمر بزيارة القبور استدلال بالسنة لا بالقياس، ولذا ذكر السبكي هذا الاستدلال في الاستدلال بالسنة في شفاء الأسقام ونصه هذا: وأما السنة فما ذكرناه في الباب الأول والثاني من الأحاديث وهي أدلة على زيارة قبره ﷺ بخصوصه، وفي السنة الصحيحة المتفق عليها الأمر بزيارة القبور، فقبر النبي ﷺ سيد القبور داخل في عموم القبور المأمور بزيارتها اهـ ملخصاً، وهذا الغلط قد صدر من المؤلف تقليداً لابن حجر المكي في الجوهر المنظم، وعبارته هكذا: وأما القياس فقد جاء أيضاً في السنة الصحيحة المتفق عليها الأمر بزيارة القبور، فقبر نبينا منها أولى وأحرى، وأحق وأعلى، بل لا نسبة بينه وبين غيره. قوله: وأما إجماع المسلمين فقد قال العلامة ابن حجر في الجوهر المنظم في زيارة قبر النبي المكرم ﷺ : قد نقل جماعة من الأئمة حملة الشرع الشريف الذين عليهم المدار والمعول الإجماع. أقول ليس في المسألة إجماع، لتحقق ثبوت الخلاف فيها عن بعض المجتهدين، وإن كان قوله ضعيفاً من حيث الدليل. قال شيخ الإسلام في أثناء كلمه: مع أن نفس زيارة القبور مختلف في جوازها، قال ابن بطال في شرح البخاري: كره قوم زيارة القبور لأنه روي عن النبي ﷺ أحاديث في النهي عنها، وقال الشعبي: لولا أن رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور لزرت قبر النبي ﷺ . وقال إبراهيم النخعي: كانوا

стр. 48

يكرهون زيارة القبور. وعن ابن سيرين مثله. قال: وفي مجموعه قال علي بن زياد: سئل مالك عن زيارة القبور فقال: قد نهى عنه ﵊ ثم أذن فيه، فلو فعل ذلك إنسان ولم يقل إلا خيراً لم أر بذلك بأساً، وليس من عمل الناس، وروي عنه أنه كان يضعف زيارتها، فهذا قول طائفة من السلف، ومالك في القول الذي رخص فيه يقول: ليس من عمل الناس، وفي الآخر ضعفها فلم يستحبها لا في هذا ولا في هذا، اهـ ما حكاه الشيخ، كذا في الصارم، وأما ما قال ابن حجر المكي في الجوهر المنظم "شاذ لا يلتفت إليه لمخالفة إجماع غيرهما" فهو مردود من وجهين: (الأول) أن قوله "لمخالفة إجماع غيرهما" غير صحيح، فإن ابن سيرين ومالكاً في قول موافق لهما. (والثاني) سلمنا أنه شاذ لكن كاف لنقض الإجماع كما تقرر في الأصول، وما قال ابن حجر المكي من أنه مؤول بفرض تسليمه الاعتداد به فهو لا يأتي في قبر نبينا ﷺ الله عليه وسلم لا يخفى سخافته. قوله: واحتج القائلون بوجوب الزيارة بقوله ﷺ : "من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني" رواه ابن عدي بسند يحتج به. أقول: في سند ابن عدي نعمان بن شبل ومحمد بن محمد بن النعمان بن شبل، وهما ضعيفان جداً، أما النعمان فقد قال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير: النعمان ضعيف جداً، وقال الذهبي في الميزان: النعمان بن شبل الباهلي البصري عن أبي عوانة ومالك، قال موسى بن هارون: كان متهماً. وقال ابن حبان: يأتي بالطامات. وقال في تنزيه الشريعة: النعمان بن شبل الباهلي البصري عن أبي عوانة ومالك قال موسى بن هارون: كان متهماً. وقال ابن حبان: يأتي بالطامات، وعن الأثبات بالمقلوبات، وقال في الصارم: قد اتهمه موسى بن هارون الحمال. وقال أبو حاتم البستي: يأتي عن الثقات بالطامات، وعن الأثبات بالمقلوبات. وأما محمد بن محمد بن النعمان فقال الحافظ في اللسان: محمد بن محمد بن النعمان ابن شبل الباهلي عن مالك روى عنه الوراق وقد طعن فيه الدارقطني واتهمه، وقال في تنزيه الشريعة: محمد بن محمد بن النعمان ابن شبل الباهلي طعن فيه الدارقطني واتهمه،

стр. 49

وقال في الصارم: والطعن فيه على ابنه محمد بن محمد بن النعمان كما ذكر ذلك شيخ الصنعة إمام عصره وفريد دهره ونسيج وحده الحافظ الكبير أبو الحسن الدارقطني ولم يخالفه أحد يعتمد على قوله اهـ. وقال الحافظ في التقريب: محمد بن محمد بن النعمان بن شبل الباهلي البصري متروك اهـ. فقولك "بسند يحتج به" باطل قطعاً، ومن ثم صرح جماعة من أهل النقد بضعف الحديث وجماعة بوضعه، ولم يذهب أحد إلى صحته أو حسنه، إنما تفرد به ابن حجر المكي وقلده على القارئ ولا عبرة بتحسينهما فإنهما ليسا بأهل لذلك ومن يدعي فعليه الإثبات. قوله: ويدل لذلك أحاديث كثيرة صحيحة صريحة لا يشك فيها إلا من انطمس نور بصيرته. أقول: ليس في الباب حديث واحد صحيح فضلاً عن الأحاديث الكثيرة الصحيحة، ولا أراك شاكاً في أن هذا القول غلط واضح وخطأ بين، فإن السبكي مع شدة سعيه في هذا الباب لم يثبت في زعمه إلا حسن حديثين أو صحتهما، الأول "من زار قبري وجبت له شفاعتي" والثاني "من جاءني زائراً لا تعمله حاجة إلا زيارتي كان حقاً عليّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة" هذان الحديثان فيهما أيضاً كلام شديد كما سيأتي، وبالجملة ادعاء صحة الأحاديث الكثيرة في زيارة قبر النبي ﷺ باطل بالبداهة. قوله: منها ﷺ "من زار قبري وجبت له شفاعتي". أقول في هذا الحديث كلام من وجهين: (الأول) أن في سنده موسى بن هلال العبدي وهو ضعيف، قال الحافظ ابن حجر في لسان الميزان قال أبو حاتم: مجهول، وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه، ثم ذكر أي ابن القطان١ كلامهم في موسى بن هلال وقال: الحق أنه لم تثبت عدالته، وفي أسئلة البرقاني أنه سأل الدارقطني عن موسى

стр. 50

ابن هلال فقال: هو مجهول، وقد أورد شيخنا في الذيل وهو المذكور فيه وأطلق عليه ذلك أبو حاتم اهـ ملخصاً. فإن قلت: قال الحافظ ابن حجر فيه قال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، قلت هو صالح الحديث فقد حصل التوثيق. (قلت) : هاتان الكلمتان للتوثيق مما يكتب حديث صاحبها للاعتبار لا للاحتجاج، قال السيوطي في التدريب: الرابعة وهي سادسة بحسب ما ذكرنا "صالح" فإنه يكتب حديثه للاعتبار، وزاد العراقي فيها: صدوق إن شاء الله تعالى، أرجو أن لا بأس به، صويلح اهـ. وبالجملة فموسى بن هلال في عداد من ينجبر ضعفه بالمتابعة وتعدد الطرق، فلينظر هل تابع أحد موسى بن هلال في رواية هذا الحديث أم لا؟ وعلى الأول فهل ذلك المتابع صالح للمتابعة أم لا؟ فأقول: قد تابعه مسلم بن سالم الجهني وهو لا يصلح للمتابعة، فإن أبا داود السجستاني قال في حقه: إنه ليس بثقة، نص عليه الحافظ في اللسان. ومن يكتب في حقه هذا اللفظ فهو لا يصلح للمتابعة. قال السيوطي في التدريب: وإذا قالوا متروك الحديث أو ذاهبه أو كذاب فهو ساقط لا يكتب حديثه ولا يعتبر به ولا يستشهد، إلا أن هاتين مرتبتان وقبلهما مرتبة أخرى ولا يعتبر بحديثها أيضاً، وقد أوضح ذلك العراقي، فالمرتبة التي قبل وهي الرابعة رد حديثه، ردوا حديثه، مردود الحديث، ضعيف جداً، واه بمرة، طرحوا حديثه، مطرح، مطرح الحديث، ارم به، ليس بشيء، لا يساوي شيئاً، يليها متروك الحديث، تركوه، ذاهب، ذاهب الحديث، ساقط، هالك، فيه نظر، سكتوا عنه، لا يعتبر به، لا يعتبر بحديثه، ليس بالثقة، ليس بثقة، غير ثقة اهـ. (الثاني) أن في سنده عبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيف، قال أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي في الصارم: وقد تكلم في عبد الله العمري جماعة من أئمة الجرح والتعديل ونسبوه إلى سوء الحفظ والمخالفة للثقات في الروايات. قال أبو حاتم محمد بن حبان البستي في كتاب المجروحين من المحدثين: عبد الله بن

стр. 51

عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري أخو عبيد الله بن عمر من أهل المدينة يروي عن نافع، روى عنه العراقيون وأهل المدينة، كان ممن غلب عليه الصلاح والعبادة حتى غفل عن حفظ الأخبار، وجودة الحفظ للآثار، فوقع المناكير في روايته، فلما فحش خطؤه استحق الترك، ومات سنة ثلاث وأربعين ومائة، حدثنا الهمداني حدثنا عمرو بن علي قال: كان يحيى بن سعيد لا يحدث عن عبد الله بن عمر. قال أبو حاتم: وهو الذي روى عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان إذا توضأ خلل لحيته. وروى عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "من أتى عرافاً يسأله لم تقبل له صلاة أربعين يوماً". وروى عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ أسهم للفارس سهمين وللراجل سهماً -فيما يشبه هذا من المقلوبات والملزوقات التي ينكرها من أمعن في العلم وطلبه من مظانه. وقال أبو عيسى والترمذي في جامعه: وعبد الله بن عمر ضعفه يحيى بن سعيد من قبل حفظه. وقال البخاري في تاريخه: عبد الله بن عمر بن حفص العمري المدني القرشي كان يحيى بن سعيد يضعفه. وقال النسائي في كتاب الكنى: أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر ضعيف. وقال العقيلي: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سألت يحيى بن معين عن عبد الله بن عمر العمري فقال ضعيف. حدثنا عبد الله قال: سألت أبي عن عبد الله بن عمر فقال كذا وكذا. وقال أبو زرعة الدمشقي قيل لأحمد بن حنبل: كيف حديث عبد الله بن عمر؟ فقال: كان يزيد في الأسانيد ويخالف، وكان رجل صالحاً، وقد ذكر العقيلي هذا القول عن الإمام أحمد بن حنبل من رواية أبي بكر الأثرم عنه، وروى إسحاق بن منصور عن يحيى ابن معين قال: عبد الله بن عمر صويلح. وقال عبد الله بن علي بن المديني عن أبيه: ضعيف، وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال يعقوب بن شيبة: صدوق، في حديثه اضطراب. وقل صالح بن محمد البغدادي: لين، مختلط الحديث، وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم اهـ. قال الحافظ في التقريب: عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أبو عبد الرحمن المدني ضعيف عابد اهـ. فإن قلت: قد ورد عن أئمة الجرح والتعديل في حقه ما يدل على حسن روايته

стр. 52

وتقويته كما في الكاشف وتهذيب التهذيب، قلت: تلك الألفاظ إنما هي صويلح، لا بأس به، صدوق، ليس به بأس، يكتب حديثه، ثقة في حديثه اضطراب، صالح ثقة، فمنها ما يكتب حديثه للاعتبار والاستشهاد لا للاحتجاج، ومنها ما يكتب حديثه وينظر فيه. وطريق النظر أن يقابل حديثه بحديث الضابطين فإن كان أكثره موافقاً فهو ضابط يحتج بحديثه ولا تضره مخالفته النادرة، وإن كانت المخالفة أكثر والموافقة نادرة ففي ضبطه خلل لا يحتج به. وعبد الله بن عمر العمري كثير المخالفة، قال أبو حاتم محمد بن حبان البستي في كتاب المجروحين: كان ممن غلب عليه الصلاح والعبادة حتى غفل عن حفظ الأخبار وجودة الحفظ للآثار فوقع المناكير في روايته، فلما فحش خطؤه استحق الترك اهـ. ومنها ما يدل على أن حديثه بانفراده لائق للاحتجاج وهو لفظ ثقة، وهذا مما كتبه يعقوب بن شيبة وابن معين، ولكن يعلم بعد البحث والنظر أن هذه اللفظة ليست نصاً على كونه قابلاً للاحتجاج عموماً، فإن لفظة "ثقة" تطلق على معاني: (الأول) العدل المطلق، (والثاني) العدل الضابط، (والثالث) رجل لم يرد في حقه جرح ولا تعديل، وشيخه والذي يروي عنه ثقتان، ولم يأت بحديث منكر، فيحتمل أن يكون المراد في كلامهما بالثقة العدل المطلق، وحديث العدل المطلق لا يصح الاحتجاج به حتى يكون ضابطاً، ومما يعين ذلك الاحتمال أن يعقوب بن شيبة قال مع ذلك: في حديثه اضطراب، ويحيى بن معين قال مع ذلك: ضعيف. قوله: وفي رواية "حلت له شفاعتي" رواه الدراقطني وكثير من أئمة الحديث. أقول: هذا اللفظ رواه البزار في مسنده وإسناده هكذا: حدثنا قتيبة حدثنا عبد الله بن إبراهيم حدثنا عبد الرحمن بن زيد عن أبيه عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "من زار قبري حلت له شفاعتي". وفي هذا السند ضعيفان: (أحدهما) عبد الله بن إبراهيم الغفاري، (والآخر) عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. قال ابن عبد الهادي في الصارم المنكى: واعلم أن هذا الحديث الذي ذكره من رواية البزار حديث ضعيف منكر ساقط الإسناد لا يجوز الاحتجاج بمثله عند أحد من أئمة الحديث وحفاظ الأثر كما سنبين ذلك إن شاء الله تعالى. وقتيبة شيخ البزار

стр. 53

هو ابن المرزبان روى عنه غير هذا الحديث، وأما عبد الله بن إبراهيم فهو ابن أبي عمرو الغفاري أبو محمد المدني، يقال إنه من ولد أبي ذر الغفاري، وهو شيخ ضعيف الحديث جداً منكر الحديث، وقد نسبه بعض الأئمة إلى الكذب ووضع الحديث نعوذ بالله من الخذلان. قال أبو داود: وهو شيخ منكر الحديث. وقال الدراقطني: حديثه منكر. وقال الحاكم أبو عبد الله: يروي عن جماعة من الثقات أحاديث موضوعة لا يرويها عنهم غيره. وقال البزار عقب رواية حديثه: وعبد الله بن إبراهيم حدّث بأحاديث لا يتابع عليها. وقال أبو حاتم بن حبان البستي: عبد الله بن أبي عمرو الغفاري شيخ يروي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وأهل المدينة. واسم أبيه إبراهيم، روى عنه سلمة بن شبيب والناس، كان ممن يأتي عن الثقات بالمقلوبات، وعن الضعفاء بالملزوقات، روى عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "ما جزت ليلة أسري بي من سماء إلى سماء إلا رأيت اسمي مكتوباً محمد رسول الله أبو بكر الصديق" وهذا خبر باطل، فلست أدري البلية منه أو من عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، على أن عبد الرحمن بن زيد ليس هذا من حديثه بمشهور، فكان القلب إلى أنه من عمل عبد الله بن أبي عمرو١ أميل اهـ. وأيضاً قال في الصارم: وذكر ابن عدي لعبد الله بن إبراهيم أحاديث كثيرة منكرة بل موضوعة، ثم قال: وعامة ما يرويه لا يتابعه عليه الثقات، وقال العقيلي: عبد الله بن إبراهيم الغفاري كان يغلب على حديثه الوهم. وأما عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فضعيف غير محتج به عند أهل الحديث، قال الفلاس: لم أسمع عبد الرحمن بن مهدي يحدث عنه، وقال أبو طالب عن أحمد بن حنبل: ضعيف، وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين: ليس حديثه بشيء وقال البخاري وأبو حاتم الرازي: ضعفه علي بن المديني جداً، وقال أبو داود وأبو زرعة والنسائي والدراقطني: ضعيف. وقال ابن حبان: كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم، حتى أكثر من ذلك في روايته من رفع المراسيل وإسناد الموقوف فاستحق الترك.

стр. 54

وقال الحاكم أبو عبد الله: روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه، وقال ابن خزيمة: عبد الرحمن بن زيد ليس ممن يحتج أهل الحديث بحديثه، وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: حدث عن أبيه لا شيء، وقال محمد بن عبد الله بن الحكم: سمعت الشافعي يقول: ذكر رجل لمالك حديثاً فقال: من حدثك؟ فذكر إسناداً منقطعاً، فقال: اذهب إلى عبد الرحمن بن زيد يحدثك عن أبيه عن نوح. وقال الربيع بن سليمان سمعت الشافعي يقول: سأل رجل عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: حدثك أبوك عن أبيه عن جده أن سفينة نوح طافت بالبيت وصلت ركعتين؟ قال: نعم اهـ. وقال في الخلاصة: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم المدني عن أبيه، وعنه وكيع وابن وهب وقتيبة وخلق، ضعفه أحمد وابن المديني والنسائي وغيرهم، مات سنة اثنتين وثمانين ومائة، وقال الذهبي في الميزان: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العمري مولاهم المدني أخو عبد الله وأسامه، قال أبو يعلى الموصلي سمعت يحيى بن معين يقول: بنو زيد بن أسلم ليسوا بشيء، وروى عثمان الدرامي أن يحيى بن معين يقول: بنو زيد ضعفاء. وقال البخاري: عبد الرحمن ضعفه علي جداً. وقال النسائي: ضعيف. وقال أحمد: عبد الله ثقة والآخران ضعيفان اهـ. وقال الترمذي في جامعه: وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف في الحديث، ضعفه أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وغيرهما من أهل الحديث، وهو كثير الغلط اهـ. وقال الحافظ ابن حجر في اللسان وذكر -يعني عبد الحق- أن البزار رواه أيضاً، وإنما رواه البزار من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف أيضاً. وفيه أيضاً عبد الله بن إبراهيم الغفاري وقد تكلموا فيه أيضاً اهـ. وقال في تنزيه الشريعة: عبد الله بن إبراهيم الغفاري ويقال ابن أبي عمرو نسبه ابن حبان إلى وضع الحديث. وقال الذهبي في الميزان: نسبه ابن حبان إلى أن يضع الحديث. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه. وقال الدراقطني: حديثه منكر. وذكر له ابن عدي الحديثين اللذين في جزء ابن عرفة في فضل أبي بكر وعمر وهما باطلان. وقال الحاكم: عبد الله يروي عنجماعة من الضعفاء أحاديث موضوعة اهـ ملخصاً. وقال في تهذيب التهذيب قال أبو داود: منكر الحديث. وقال ابن حبان: يضع الحديث. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه اهـ.

стр. 55

وقال الحافظ في التقريب: عبد الله بن إبراهيم بن أبي عمرو الغفاري أبو محمد المدني متروك، ونسبه ابن حبان إلى الوضع، من العاشرة اهـ. وقال الذهبي في الكاشف: عبد الله بن إبراهيم بن الغفاري المدني، عن إبراهيم بن مهاجر ومالك، وعنه الكديمي وأبو قلابة، متهم. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "من زار قبري حلت له شفاعتي" رواه البراز، وفيه عبد الله بن إبراهيم الغفاري وهو ضعيف اهـ، وقال في تنزيه الشريعة في حق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال الحاكم: روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيه عليه، وقال الذهبي في التذهيب: ضعفه أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم. وقال أبو حاتم: كان في نفسه صالحاً وفي الحديث واه، وضعفه ابن المديني جداً. وقال الحافظ في التقريب: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي مولاهم ضعيف اهـ. وقال الذهبي في الكاشف: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم المدني عن أبيه وابن المنكدر وعنه أصبغ وقتيبة وهشام، ضعفوه اهـ. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال "من زار قبري حلت له شفاعتي". رواه البزار، وفيه عبد الله بن إبراهيم الغفاري وهو ضعيف اهـ، وقال الحافظ في التلخيص: ورواه البزار من حديث زيد بن أسلم عن ابن عمر، وفي إسناده عبد الله بن إبراهيم الغفاري وهو ضعيف اهـ. وقال الإمام الحافظ صفي الدين أحمد بن عبد الله الخزرجي الأنصاري في الخلاصة: عبد الله بن إبراهيم بن عمر الغفاري أبو محمد المدني عن أبيه وإبراهيم بن مهاجر، وعنه الحسن بن عرفة وسلمة بن شبيب: قال ابن حبان: يضع اهـ. وقال في التهذيب: قال ابن عدي عامة ما يرويه لا يتابعه عليه الثقات. وقال الدراقطني: حديثه منكر اهـ. قوله: وقد أطال الإمام السبكي في كتابه المسمى شفاء السقام في زيارة قبر خير الأنام في بيان طرق هذا الحديث وبيان من صححه من الأئمة. أقول: قد ردّ الإمام ابن عبد الهادي على السبكي رداً شنيعاً في كتابه المسمى (الصارم المنكى) وقد بين من ضعفه من الأئمة. قوله: منها رواية "من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي".

стр. 56

أقول: هذا الحديث رواه الدراقطني في سننه وإسناده هكذا: حدثنا أبو عبيد والقاضي أبو عبد الله وابن مخلد قالوا حدثنا محمد بن الوليد البسري حدثنا وكيع حدثنا خالد بن أبي خالد وأبو عون عن الشعبي والأسود بن ميمون عن هارون بن أبي قزعة عن رجل من آل حاطب عن حاطب قال: قال رسول الله ﷺ : "من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي، ومن مات بأحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة". قال في الصارم والجواب أن يقال: هذا الحديث الذي جعله ثامناً هو بعينه الحديث السادس والسابع، فهو حديث واحد ضعيف مضطرب الإسناد، وهذه الرواية التي ذكرها لم تزده إلا اضطراباً في الإسناد، وفي المتن أيضاً، وقد أخرجها البيهقي في كتاب شعب الإيمان من طريق الدارقطني ثم قال: كذا وجدته في كتابه، وقال غيره سوار بن ميمون وقيل ميمون بن سوار، ووكيع هو الذي يروي عنه أيضاً. وفي تاريخ البخاري: ميمون بن سوار العبدي عن هارون بن أبي قزعة عن رجل من ولد حاطب عن رسول الله ﷺ : "من مات في أحد الحرمين". قال يوسف بن راشد حدثنا وكيع حدثنا ميمون. والحاصل أن هذه الرواية المذكورة عن محمد بن الوليد عن وكيع لم تزد الحديث إلا ضعفاً واضطراباً في إسناده وفي لفظه، فالحديث حديث واحد مجهول الإسناد مضطرب اضطراباً شديداً، ومداره على هارون أبي قزعة، وقيل ابن قزعة، وقيل ابن أبي قزعة، وبعض الرواة يذكره وبعضهم يسقطه، وشيخه بعضهم يذكره وبعضهم يسقطه، وبعضهم يقول فيه عن رجل من آل عمر، وبعضهم يقول عن رجل من آل الخطاب، وبعضهم يقول عن رجل من ولد حاطب، ثم الرجل المبهم بعضهم يسنده عن عمر، وبعضهم يسنده عن حاطب، وبعضهم يرسله ولا يسنده لا عن حاطب ولا عن عمر، وهو الذي ذكره البخاري وغير واحد، ثم الراوي عن هارون يسميه بعض الرواة سوار بن ميمون ويقلبه بعضهم فيقول ميمون ابن سوار، ويسميه بعضهم الأسود بن ميمون، ولا يرتاب من عنده أدنى معرفة بعلم المنقولات أن مثل هذا الاضطراب الشديد من أقوى الحجج وأبين الأدلة على ضعف الخبر، وسقوطه وردّه، وعدم قبوله وترك الاحتجاج به، ومع هذا الاضطراب

стр. 57

الشديد في الإسناد، فاللفظ مضطرب أيضاً اضطراباً شديداً مشعراً بالضعف وعدم الضبط. وأما ما وقع من الزيادة في الإسناد عن وكيع عن خالد بن أبي خالد وأبي عون أو ابن عون عن الشعبي أو بإسقاط الشعبي فإنها زيادة منكرة غير محفوظة، وليس للشعبي مدخل في إسناد هذا الحديث، وخالد بن أبي خالد وأبو عون أو ابن عون قد ذكر في الرواية الأولى أنهما يرويان عن الشعبي وفي الأخرى أنهما يرويان عن هارون بن أبي قزعة، ولم يذكر في الأولى عمن أسند الشعبي الحديث، وأسقط في الأخرى ذكره بالكية، وذكر الرجل الذي يروي عنه هارون الحديث، وكل ذلك مشعر بشدة الضعف وعدم الضبط. وقوله عن خالد بن أبي خالد وهم، وإنما هو ابن أبي خلدة، قال البخاري في تاريخه: خالد بن أبي خلدة الحنفي الأعور، سمع الشعبي وإبراهيم، روى عنه الثوري ومروان ابن معاوية منقطع، وقال ابن أبي حاتم: خالد بن أبي خلدة الحنفي الأعور روى عن الشعبي وإبراهيم وروى عنه الثوري وابن عيينة ومروان بن معاوية سمعت أبي يقول. والحاصل أن ذكر هذه الزيادة المظلمة في الإسناد لم يزد في الحديث قوة بل لم يزده إلا ضعفاً واضطراباً، فقد تبين أن هذا الحديث الذي احتج به المعترض على شيخ الإسلام وجعله ثلاثة أحاديث هو حديث واحد غير صحيح اهـ. وقال في الصارم تحت حديث: "من زار قبري – أو من زارني – كنت له شفيعاً أو شهيداً". ومدار الحديث على هارون، وهو شيخ مجهول لا يعرف له ذكر إلا في هذا الحديث، وقد ذكره أبو الفتح الازدي وقال: هو متروك الحديث لا يحتج به، وقال أبو بشر محمد بن أحمد بن حماد الدولابي في كتاب الضعفاء والمتروكين له: هارون أبو قزعة روى عنه ميمون بن سوار لا يتابع عليه، قاله البخاري، وقال أبو أحمد ابن عدي في كتاب الكامل في معرفة الضعفاء وعلل الأحاديث: هارون أبو قزعة، سمعت ابن حماد يقول قال البخاري: هارون أبو قزعة روى عنه ميمون بن سوار لا يتابع عليه، قال ابن عدي: وهارون أبو قزعة لم ينسب، وإنما روى الشيء الذي أشار إليه البخاري.

стр. 58

هذا جميع ما ذكره ابن عدي في ترجمة هارون، ولو كان عنده شيء عن أمره غير ما قاله البخاري لذكره كما هي عادته. فقد تبين أن مدار هذا الحديث على هارون بن قزعة، وهو شيخ لا يعرف إلا بهذا الحديث الضعيف، ولم يشتهر من حاله ما يوجب قبول خبره، ولم يذكره ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل، ولا ذكره الحاكم أبو أحمد في كتاب الكنى، ولم يذكر النسائي في كتاب الكنى أيضاً اهـ. قال الحافظ في اللسان: هارون بن قزعة عن رجل في زيارة قبر النبي ﷺ قال البخاري: لا يتابع عليه. قال الأزدي: هارون أبو قزعة يروي عن رجل من آل حاطب المراسيل. قلت: فتعين أنه الذي أراد الأزدي، وقد ضعفه أيضاً يعقوب بن شيبة، وذكره العقيلي والساجي وابن الجارود في الضعفاء، وأورد العقيلي حديثه من طريق الجندي اهـ ملخصاً. وقال الحافظ أيضاً في اللسان: هارون بن قزعة لا يعرف، قال الأزدي: متروك اهـ. وقال البخاري روى عنه ميمون بن سوار لا يتابع عليه. قلت: ما يبعد أن الأزدي أراد من فوقه الذي تقدم. اهـ. قوله: وفي رواية "من جاءني زائراً لا تعمله حاجة إلا زيارتي كان حقاً عليّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة". أقول: رواه الطبراني، وفي سنده مسلمة بن سالم الجهني. قال في اللسان: مسلم بن سالم الجهني البصري كان يكون بمكة، قال أبو داود السجستاني: ليس بثقة اهـ. وقال في التقريب: مسلم بن سالم الجهني بصري، كان يكون بمكة، ضعيف. ويقال فيه مسلمة بزيادة هاء اهـ. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من جاءني زائراً لا تعمله حاجة إلا زيارتي كان حقاً عليّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة" رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وفيه مسلمة بن سالم وهو ضعيف. قال الإمام ابن عبد الهادي في الصارم: هذا الحديث ليس فيه ذكر زيارة القبر ولا ذكر الزيارة بعد الموت مع أنه حديث ضعيف الإسناد، منكر المتن، لا يصلح الاحتجاج به ولا يجوز الاعتماد على مثله، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، ولا رواه الإمام أحمد في مسنده ولا أحد من الأئمة المعتمد على ما أطلقوه في روايتهم،

стр. 59

ولا صححه إمام يعتمد على تصحيحه، وقد تفرد به هذا الشيخ الذي لم يعرف بنقل العلم ولم يشتهر بحمله ولم يعرف من حاله ما يوجب قبول خبره وهو مسلمة بن سالم الجهني الذي لم يشتهر إلا برواية هذا الحديث المنكر وحديث آخر موضوع ذكره الطبراني بالإسناد المتقدم ومتنه "الحجامة في الرأس أمان من الجنون والجذام والبرص والضرس" وروى عنه حديث آخر منكر من رواية غير العبادي، وإذا انفرد مثل هذا الشيخ المجهول الحال القليل الرواية بمثل هذين الحديثين المنكرين عن عبيد الله بن عمر أثبت آل عمر بن الخطاب ﵁ في زمانه وأحفظهم عن نافع عن سالم عن أبيه عبد الله بن عمر من بين سائر أصحاب عبيد الله الثقات المشهورين، والأثبات المتقنين، علم أنه شيخ لا يحل الاحتجاج بخبره، ولا يجوز الاعتماد على روايته. هذا مع أن الراوي عنه وهو عبد الله بن محمد العبادي أحد الشيوخ الذين لا يحتج بما تفردوا به، وقد اختلف عليه في إسناد الحديث فقيل عنه عن نافع عن سالم كما تقدم، وقيل عنه عن نافع وسالم، وقد خالفه من هو أمثل منه وهو مسلم بن حاتم الأنصاري وهو شيخ صدوق فرواه عن مسلمة بن سالم عن عبد الله – يعني العمري- عن نافع عن سالم عن ابن عمر قال: قال رسول اله ﷺ : "من جاءني زائراً لم ينزعه حاجة إلا زيارتي كان حقاً عليّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة". هكذا رواه الحافظ أبو نعيم عن أبي محمد بن حبان عن محمد بن أحمد بن سليمان الهروي عن مسلم بن حاتم الأنصاري، وهذه الرواية رواية مسلم بن حاتم التي قال فيها عن عبد الله وهو العمري الصغير المكبر١ الضعيف أولى من رواية العبادي التي اضطرب فيها وقال عن عبيد الله يعني العمري الكبير المصغر الثقة الثبت، وكلا الروايتين لا يجوز الاعتماد عليهما لمدارهما على شيخ واحد غير مقبول الرواية وهو مسلمة بن سالم، وهو شيبه بموسى بن هلال صاحب الحديث المتقدم الذي يرويه عن عبد الله العمري أو عن أخيه عبيد الله وقد أختلف عليه في ذلك كما اختلف على مسلمة. اهـ.

стр. 60

قوله: وفي رواية "من جاءني زائراً كان له حقاً على الله أن أكون له شفيعاً يوم القيامة". أقول: قد روى١ أبو بكر بن المقري في معجمه بهذه اللفظة، وفي سنده أيضاً مسلمة بن سالم الجهني. قوله: وفي رواية لأبي يعلى والدراقطني والطبراني والبيهقي وابن عساكر "من حج فزار قبري –وفي رواية فزارني– بعد وفاتي عند قبري كان كمن زارني في حياتي". أقول: في سنده حفص بن أبي داود وليث بن أبي سليم، وفي بعض طرقه الحسن ابن طيب وأحمد بن رشدين، وكلهم ضعفاء مجروحون، قال الإمام ابن عبد الهادي في الصارم: واعلم أن هذا الحديث لا يجوز الاحتجاج به ولا يصلح الاعتماد على مثله، فإنه حديث منكر المتن، ساقط الإسناد، لم يصححه أحد من الحفاظ، ولا احتج به أحد من الأئمة، بل ضعفوه وطعنوا فيه، وذكر بعضهم أنه من الأحاديث الموضوعة والأخبار المكذوبة، ولا ريب في كذب هذه الزيادة فيه، وأما الحديث بدونها فهو منكر جداً، وراويه حفص بن أبي داود هو حفص بن سليمان أبو عمر الأسدي الكوفي البزار القاري الغاضري، وهو صاحب عاصم بن أبي النجود في القراءة وابن امرأته، وكان مشهوراً بمعرفة القراءة ونقلها، وأما الحديث فإنه لم يكن من أهله ولا ممن يعتمد عليه في نقله، ولهذا جرحه الأئمة وضعفوه وتركوه، واتهمه بعضهم، قال عثمان بن سعيد الدارمي وغيره عن يحيى بن معين: ليس بثقة. وذكر العقيلي عن يحيى أنه سئل عنه فقال: ليس بشيء، وقال عبد الله بن الإمام أحمد سمعت أبي يقول: حفص بن سليمان أبو عمر القاري متروك الحديث. وقال البخاري: تركوه. وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني قد فرغ منه من دهر، وقال مسلم بن الحجاج: متروك. وقال علي بن المديني: ضعيف الحديث وتركته على عمد. وقال النسائي: ليس بثقة ولا يكتب حديثه. وقال مرة: متروك الحديث. وقال صالح بن محمد

стр. 61

البغدادي: لا يكتب حديثه، وأحاديثه كلها مناكير. وقال زكريا الباجي: يحدث عن سماك وعلقمة بن مرثد وقيس بن مسلم وعاصم أحاديث بواطيل. وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث. وقال ابن أبي حاتم سألت أبي عنه فقال: لا يكتب حديثه هو ضعيف الحديث لا يصدق متروك. قال ما حاله في الحروف؟ قال: أبو بكر بن عياش أثبت منه. وقال عبد الرحمن بن يوسف بن خراش: كذاب متروك يضع الحديث. وقال الحاكم أبو أحمد: ذاهب الحديث. وقال الدارقطني: ضعيفه. وقال أبو حاتم بن حبان: كان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل. وكان يأخذ كتب الناس فينسخها ويرويها من غير سماع، وقال ابن عدي أخبرنا الباجي حدثنا أحمد بن محمد البغدادي قال سمعت يحيى بن معين يقول: "كان حفص بن سليمان وأبو بكر بن عياش من اعلم الناس بقراءة عاصم، وكان حفص أقرأ من أبي بكر، وكان أبو بكر صدوقاً، وكان حفص كذاباً. وروى ابن عدي لحفص أحاديث منكرة غير محفوظة منها هذا الحديث الذي رواه في الزيارة، قال: وهذه الأحاديث يرويها حفص بن سليمان، ولحفص غير ما ذكرت، وعامة حديثه عمن روى عنهم غير محفوظ. وقال العقيلي حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا يحيى القطان قال ذكر شعبة حفص بن سليمان وقال: كان يأخذ كتب الناس وينسخها، وقال شعبة: أخذ مني حفص بن سليمان كتاباً فلم يرده، وقال العقيلي أيضاً: حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا الحسن بن علي حدثنا شبابة قال: قلت لأبي بكر بن عياش: أبو عمر رأيته عند عاصم؟ قال: قد سألني عن هذا غير واحد ولم يقرأ على عاصم أحد إلا وأنا أعرفه، ولم أر هذا عند عاصم قط. وقال أبو بشر الدولابي في كتاب الضعفاء والمتروكين: حفص بن سليمان متروك الحديث. وقد روى البيهقي في السنن الكبير حديث حفص الذي رواه في الزيارة وقالك تفرد به حفص وهو ضعيف. وقال في شعب الإيمان: وروى حفص بن أبي داود – وهو ضعيف – عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عمر مرفوعاً: "من حج فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي". أخبرنا أبو سعد الماليني أنبأنا أبو أحمد

стр. 62

ابن عدي حدثنا عبد الله بن أحمد البغوي حدثنا أبو الربيع الزهراني حدثنا حفص بهذا الحديث، وأخبرنا علي بن أحمد بن عبدان أنبأنا أحمد بن عبيد حدثني محمد بن إسحاق الصفار حدثنا بكار حدثنا حفص بن سليمان فذكره وقال: قال رسول الله ﷺ . قال البيهقي: تفرد به حفص وهو ضعيف في رواية الحديث. هكذا ضعف البيهقي حفصاً في كتاب السنن الكبير وفي كتاب شعب الإيمان وذكر أنه تفرد برواية هذا الحديث. فإذا كانت هذه حال حفص عند أئمة هذا الشأن فكيف يحتج بحديث رواه أو يعتمد على خبر نقله؟ مع أنه قد اختلف عليه في رواية هذا الحديث فقيل عنه عن ليث بن أبي سليم كما تقدم مع أن ليثاً مضطرب الحديث عندهم، وقيل عنه عن كثير ابن شنظير عن ليث، قال أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي: حدثنا يحيى بن أيوب المقابري حدثنا حسان بن إبراهيم حدثنا حفص بن سليمان عن كثير بن شنظير عن ليث ابن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ :"من حج فزارني بعد وفاتي عند قبري فكأنما زارني في حياتي". اهـ وأيضاً قال في الصارم: وليث بن أبي سليم مضطرب الحديث قاله الإمام أحمد بن حنبل. وقال أبو معمر القطيعي: كان ابن عيينة يضعف ليث بن أبي سليم، وقال يحيى بن معين والنسائي: ضعيف، وقال السعدي: يضعف حديثه. وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري حدثنا يحيى بن معين عن يحيى بن سعيد القطان أنه كان لا يحدث عن ليث بن أبي سليم، وقال أحمد بن سليمان الرُّهاوي عن مؤمل بن المفضل قلنا لعيسى بن يونس: ألم تسمع من ليث بن أبي سليم؟ قال: قد رأيته وكان قد اختلط، وكان يصعد المنارة بارتفاع النهار فيؤذن. وقال ابن أبي حاتم سمعت أبي وأبا زرعة يقولان: ليث لا يشتغل به، هو مضطرب الحديث. وقال أيضاً سمعت أبا زرعة يقول: ليث بن أبي سليم لين الحديث، لا تقوم به الحجة عند أهل العلم بالحديث. اهـ. وقال الذهبي في الميزان في ترجمة حفص بن سليمان: وكان ثبتاً في القراءة، واهياً في الحديث، فإنه كان لا يتقن الحديث ويتقن القرآن ويجودّه، وإلا فهو في نفسه

стр. 63

صادق اهـ. وأيضاً فيه قال حنبل بن إسحاق عن أحمد: ما به بأس، وروى الحسين بن حبان عن ابن معين قال: هو أصح قراءة من أبي بكر وأبو بكر أوثق منه. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: متروك الحديث. فهذه رواية ابن أبي حاتم عن عبد الله، وأما رواية أبي علي الصواف عن عبد الله عن أبيه فقال: صالح. وقال ابن معين أيضاً: ليس بثقة. وقال البخاري: تركوه، وقال أبو حاتم: متروك، وقال ابن خراش: كذاب يضع الحديث. وقال ابن عدي: لا يصدق، عامة أحاديثه غير محفوظة، وقال ابن حبان يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل، وكان يأخذ كتب الناس فينسخها ويرويها من غير سماع. وقال أحمد بن حنبل أخبرنا يحيى القطان قال: ذكر شعبة حفص بن سليمان فقال: كان يأخذ كتب الناس وينسخها، أخذ مني كتاباً فلم يرده، وقال أحمد بن محمد الحضرمي: سألت يحيى بن معين عن حفص بن سليمان أبي عمرو البزار فقال: ليس بشيء اهـ، وقال الذهبي في الكاشف: ثبت في القراءة لا الحديث. قال البخاري: تركوه. انتهى. وقال الحافظ ابن حجر في التقريب: حفص بن سليمان الأسدي أبو عمرو البزاز الغاضري بمجمعتين وهو حفص بن أبي داود القارئ صاحب عاصم ويقال له حفيص متروك الحديث مع إمامته في القراءة. اهـ. وقال الحافظ في التلخيص: أما حفص فهو ابن سليمان ضعيف الحديث، وإن كان أحمد قال فيه صالح اهـ. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: وفيه حفص بن أبي داود القارئ وثقه أحمد وضعفه جماعة اهـ. وقال في الخلاصة: حفص بن سليمان الأسدي الغاضري بمعجمتين ثم مهملة أبو عمرو البزاز ابن امرأة عاصم ويقال له حفيص بن أبي داود الكوفي المقرئ عن علقمة ابن مرثد ومحارب بن دثار، وعنه آدم بن أبي إياس، ومحمد بن سليمان لوين وعلى بن حجر وخلق، قال البخاري: تركوه في رواية الحديث، وأما القراءة فهو فيها ثبت بإجماع اهـ. وقال في تنزيه الشريعة: حفص بن أبي داود، وهو حفص بن سليمان صاحب القراءة، قال ابن خراش: كذاب يضع الحديث، اهـ وقال الحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري في ترجمة ليث بن أبي سلم: فيه خلاف، وقد حدث عنه الناس

стр. 64

وضعفه يحيى والنسائي، وقال ابن حبان: اختلط في آخر عمره. وقال مؤمل بن الفضل سألت عيسى بن يونس عن ليث فقال: رأيته وكان قد اختلط، وكنت ربما مررت به ارتفاع النهار وهو على المنارة يؤذّن، وقال الدارقطني: كان صاحب سنة، إنما أنكروا عليه الجمع بين عطاء وطاوس ومجاهد حسبُ، ووثقه ابن معين في رواية. اهـ. وقال النووي في شرح صحيح مسلم: وأما ليث بن سليم فضعفه الجماهير، قالوا: واختلط واضطربت أحاديثه، قالوا: وهو ممن يكتب حديثه، قال أحمد بن حنبل: هو مضطرب الحديث ولكن حدَّث الناس عنه، وقال الدارقطني وابن عدي: يكتب حديثه، وقال كثيرون: لا يكتب حديثه، وامتنع كثيرون من السلف من كتابة حديثه اهـ، وقال في تهذيب الأسماء: اتفق العلماء على ضعفه، وقال ابن جملة في فوائده: وأكثر المحدثين على تضعيفه في الحديث، وصرح جماعة من أئمتهم بتركه. اهـ. وفي الأنساب للسمعاني: ليث بن أبي سليم بن زُنيم الليثي من الأبناء، وأصله من أبناء فارس، واسم أبي سليم أنس، كان مولده بالكوفة فكان معلماً بها يروي عن مجاهد وطاوس وروى عنه الثوري وأهل الكوفة، وكان من العباد، ولكن اختلط في آخر عمره حتى لا يدري ما كان يحدث به، وكان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، ويأتي عن الثقات بما ليس من أحاديثهم، كل كان منه من اختلاط، تركه يحيى بن القطان وابن مهدي وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين، ومات ليث سنة ثلاث وأربعين ومائة، قال عيسى بن يونس: ليث بن أبي سليم كان قد اختلط، ربما مررت به ارتفاع النهار وهو على المنارة يؤذن. وذكر محمد بن خلف العسقلاني أنه رأى مجاهداً في النوم فقال له: يا أبا الحجاج أي شيء حال ليث بن أبي سليم عندكم؟ قال: مثل حاله عندكم، هكذا في تراجم الحفاظ للبدخشى، وقال الحافظ في التقريب: الليث بن أبي سليم بن زُنيم بالزاى والنون مصغراً، واسم أبيه أيمن، وقيل أنس، وقيل غير ذلك صدوق، اختلط أخيراً ولم يتميز حديثه فترك اهـ. وقال الحافظ في الفتح: قوله ولم يصح وذلك لضعف

стр. 65

إسناده واضطرابه، تفرد به ليث بن أبي سليم وهو ضعيف. اهـ. وقال الذهبي في الميزان في ترجمة الحسن بن الطيب: الحسن بن الطيب البلخي عن قتيبة، قال ابن عدي: كان له عم يقال له الحسن بن شجاع فادعى كتبه حيث وافق اسمه اسمه، أخبرني بهذا عبدان، وكان عبدان يروي عن عمه، وقال ابن عدي: وقد حدث أيضاً بأحاديث سرقها، وكان قد حمل إلى بغداد وقرئ عليه، وقال الخطيب: حدث عن هدبة وقتيبة وأبي كامل الجحدري، روى عنه ابن المظفر والزيات وطائفة، قال البرقاني: إنه ذاهب الحديث، وقال الدارقطني: لا يساوي شيئاً، يحدث بما لا يسمع، وعن مطين: إنه كذاب. اهـ. وقال في الميزان في ترجمة أحمد بن رشدين قال ابن عدي: كذبوه وأنكرت عليه أشياء، قلت: فمن أباطيله رواية الطبراني وغيره عنه قال: حدثنا حميد بن علي البجلي الكوفي حدثنا ابن أبي لهيعة عن أبي عثانة عن عقبة بن عامر مرفوعاً "قالت الجنة يا رب، أليس وعدتني أن تزينني بركنين؟ قال: ألم أزينك بالحسن والحسين؟ فماست الجنة كما تميس العروس" اهـ. وقال في تنزيه الشريعة: أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين بن سعد أبو جعفر المصري، قال ابن عدي: كذبوه، اهـ. وقال السيوطي في التدريب: وأوهى أسانيد المصريين أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين بن سعد عن أبيه عن جده عن قرة بن عبد الرحمن عن كل من روى عنه فإنها نسخة كبيرة اهـ. وقال الحافظ في اللسان: محمد بن حجاج بن رشدين المهري عن أبيه عن جده قال العقيلي: في حديثه نظر، روى عنه ابنه أحمد بن محمد، ويروى أيضاً عن ابن وهب. توفي سنة ٢٣١. اهـ. وقال ابن عدي: كأن بيت رشدين خصوا بالضعف، رشدين ضعيف، وابنه حجاج ضعيف، وللحجاج ابن يقال له محمد ضعيف. قلت: وابن محمد أحمد ضعيف، وقد تقدم، ويقال له أحمد بن رشدين ينسب إلى جده الأعلى. اهـ. قوله: وفي رواية "من حج فزارني في مسجدي بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي".

стр. 66

أقول: رواه بهذا اللفظ بعض الحفاظ في زمن عبد الله بن منده، وفي سنده حفص بن سليمان وليث بن أبي سليم وقد تقدم الكلام فيهما، قال في الصارم: وقال بعض الحفاظ في زمن عبد الله بن منده: حدثنا أبو الحسن حامد بن حماد بن المبارك السر من رأى١ بنصيبين حدثنا أبو يعقوب إسحاق بن سيار بن محمد النصيبي حدثنا عمر بن سيار بمصر حدثنا حفص بن سليمان، عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن عبد الله بن عمر قال: قال النبي ﷺ :"من حج فزارني في مسجدي بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي" هكذا رواه بهذا اللفظ اهـ. قوله: وفي رواية "من زارني إلى المدينة كنت له شفيعاً وشهيداً". أقول: قال في (الصارم) والجواب أن يقال: هذا اللفظ المذكور غلط في هذا الحديث -حديث نافع عن ابن عمر- ولفظ الزيارة فيه غير محفوظ، ولو كان محفوظاً لم يكن فيه حجة على محل النزاع، والمحفوظ في هذا عن أيوب السختياني ما رواه هشام الدستوائي وسفيان بن موسى عنه عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت فنه من مات بها كنت له شفيعاً أو شهيداً". هذا هو حديث أيوب عن نافع، ليس فيه ذكر الزيارة أصلاً، وكذلك رواه الحسن بن أبي جعفر الجعفري -وهو ضعيف- عن أيوب عن نافع عن ابن عمر، ورواه وهيب عن أيوب عن نافع مرسلاً عن النبي ﷺ ، ورواه إسماعيل بن علية عن أيوب قال نبئت عن نافع قال: قال رسول الله ﷺ . قال موسى بن هارون: ووهيب وابن علية اثبت من الدستوائي ومن الجعفري ومن سفيان بن موسى، وقد ذكرنا ألفاظ هذا الحديث فيما تقدم، وذكرنا من رواته نافعاً من أصحابه، وحكينا ما ذكره الدارقطني وغيره في ذلك، وقد وقف هذا المعترض على ما ذكره في كتاب العلل من الاختلاف في إسناد الحديث ومتنه ولم ينقل منه إلا طريقاً واحدة أخطأ فيها، ولفظاً

стр. 67

واحداً وهم فيه الناقل، وأعرض عن ذكر الطرق الواضحة والألفاظ الصحيحة، وهل هذا إلا عين الخذلان أن ينظر الرجل في ألفاظ الحديث وطرقه في موضع واحد فينقل منها الضعيف السقيم، ويدع القوي الصحيح من غير بيان لذلك، ثم يعتل بأن النسخة التي نقل منها سقيمة. وهذا الحديث الذي نقله المعترض من كتاب العلل للدارقطني أخطأ راويه في إسناده، ووهم في متنه، أما خطؤه في إسناده فقوله: "عن عون بن موسى" وإنما هو سفيان بن موسى، وهو شيخ من أهل البصرة روى له مسلم في صحيحه حديثاً واحداً متابعة يرويه عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "إذا أقيمت الصلاة ووضع العشاء فابدءوا بالعشاء" وقد ذكر ابن أبي حاتم أنه سئل عنه فقال مجهول، وذكره ابن حبان في آفات الثقات. وأما وهمه في متنه فقوله ﷺ : "من زارني إلى المدينة" ولفظ الزيارة في حديث أيوب عن نافع ليس بصحيح، والمعروف من حديثه عنه "من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليفعل"، وأصح منه الفظ الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يصبر عن لأوائها وشدتها أحد إلا كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة". اهـ. قوله: وفي رواية: "من زارني إلى المدينة كنت له شفيعاً وشهيداً، ومن مات بأحد الحرمين بعثه الله من الآمنين يوم القيامة". رواه بهذه الزيادة أبو داود الطيالسي. أقول: قال في (الصارم) والجواب أن يقال: هذا الحديث ليس بصحيح لانقطاعه وجهالة إسناده واضطرابه، ولأجل اختلاف الرواة في إسناده واضطرابهم فيه جعله المتعرض ثلاثة أحاديث، وهو حديث واحد ساقط الإسناد لا يجوز الاحتجاج به ولا يصلح الاعتماد على مثله كما سنبين ذلك إن شاء الله تعالى، وقد خرجه البيهقي في كتاب شعب الإيمان وفي كتاب السنن الكبير، وقال في كتاب السنن بعد تخريجه، هذا إسناد مجهول. (قلت) : وقد خالف أبو داود غيره في إسناده ولفظه، وسوار بن ميمون شيخه يقلبه بعض الرواة ويقول ميمون بن سوار، وهو شيخ مجهول،

стр. 68

لا يعرف بعدالة ولا ضبط، ولم يشتهر بحمل الحديث ونقله. وأما شيخ سوار في هذه الرواية رواية أبي داود فإنه شيخ مبهم، وهو أسوأ حالاً من المجهول، وبعض الرواة يقول فيه" عن رجل من آل عمر" كما في هذه الرواية، وبعضهم يقول: "عن رجل من ولد حاطب"، وبعضهم يقول: "عن رجل من آل الخطاب". وقد قال البخاري في تاريخه: ميمون بن سوار العبدي عن هارون أبي قزعة عن رجل من ولد حاطب عن رسول الله ﷺ : "من مات في أحد الحرمين" قاله يوسف بن راشد حدثنا وكيع حدثنا ميمون، هكذا سماه البخاري ميموناً من رواية وكيع عنه، ولم يذكر فيه عمر، وزاد فيه ذكر هارون، وقال: "عن رجل من ولد حاطب". وفي هذا مخالفة لرواية أبي داود من وجوه. وقال في حرف الهاء من التاريخ هارون أبو قزعة عن رجل من ولد حاطب عن النبي ﷺ : "من مات في أحد الحرمين" روى عنه ميمون بن سوار لا يتابع عليه، وقال العقيلي في كتاب الضعفاء: هارون بن قزعة مدني، روى عنه سوار بن ميمون حدثني آدم قال سمعت البخاري يقول: هارون بن قزعة مدني لا يتابع عليه، هكذا ذكر العقيلي هارون بن قزعة، والذي في تاريخ البخاري: هارون أبو قزعة، وقد يكون اسم أبي هارون قزعة وهارون يكنى بأبي قزعة. ثم قال العقيلي: حدثنا محمد بن موسى حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي حدثنا عبد الملك بن إبراهيم الجدي حدثنا شعبة عن سوار بن ميمون عن هارون بن قزعة عن رجل من آل الخطاب عن النبي ﷺ قال: "من زارني متعمداً كان في جواري يوم القيامة، ومن مات في أحد الحرمين بعثه الله من الآمنين يوم القيامة". قال العقيلي بعد ذكر هذا الحديث: الرواية في هذا لينة. (قلت) : هكذا في هذه الرواية: "عن رجل من آل الخطاب" وهو يوافق رواية الطيالسي "عن رجل من آل عمر"، وكأنه تصحيف من حاطب، والذي في تاريخ البخاري "عن رجل من ولد حاطب" وليس في هذه الرواية التي ذكرها العقيلي ذكر عمر كما في رواية الطيالسي، وكذلك رواية وكيع التي ذكرها البخاري، وليس فيها ذكر عمر أيضاً، فالظاهر أن ذكره وهم من

стр. 69

الطيالسي، وكذلك إسقاطه هارون من روايته وهم أيضاً. اهـ. قوله: ثم ذكر أحاديث كلها تدل على مشروعية الزيارة. أقول: قد رد على كلها صاحب الصارم، فلم يبق واحد منها قابلاً لأن يحتج به على مشروعية الزيارة. قوله: فتلك الأحاديث كلها مع ما ذكرنا صريحة في ندب بل تأكد زيارته ﷺ حياً وميتاً للذكر والأنثى. أقول: قد عرفت فيما تقدم أن تلك الأحاديث ليست قابلة لأن يحتج بها على حكم من الأحكام الشرعية، على أن بعضا فيها غير دال على المطلوب، فإنه ليس فيه ذكر القبر ولا ذكر الوفاة. قوله: والزيارة شاملة للسفر، لأنها تستدعي الانتقال من مكان الزائر إلى مكان المزور كلفظ المجيء الذي نصت عليه الآية الكريمة. أقول: هب أن الزيارة مطلقة شاملة للسفر، ولكن قوله ﷺ : "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى". مقيد لذلك الإطلاق، والتأويل الذي ذكره صاحب الرسالة ستطلع على فساده، على أن لفظ الزيارة مجمل كالصلاة والزكاة والربا فإن كل زيارة قبر ليست قربة بالإجماع للقطع بأن الزيارة الشركية والبدعية غير جائزة، فلما زار النبي ﷺ القبور وقع ذلك الفعل بياناً لمجمل الزيارة، ولا يثبت السفر من فعله ﷺ مع أن الخروج إلى مطلق المسجد أيضاً شامل للسفر وهو قربة كما سيأتي بيانه، فيكون السفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة أيضاً قربة والخصم أيضاً لا يقول به، وكذلك الصلاة والذكر شاملان لجميع الصلوات المبتدعة والأذكار المحدثة، فلو سوغ الاستدلال بمثل تلك الإطلاقات للزم جواز تلك الصلوات المبتدعة والأذكار المحدثة. قوله: وإذا كانت كل زيارة قربة كان كل سفر إليها قربة. أقول: هذا إما مبنى على القاعدة الآتية وهي فاسدة كما سيأتي بيانه، والمبني على

стр. 70

الفاسد فاسد، أو مبني على أن الزيارة شاملة للسفر فالجواب ما تقدم آنفاً من كون لفظ الزيارة مجملاً ووقوع فعل النبي ﷺ بياناً لإجماله وكون حديث: "لا تشد الرحال" الحديث مقيداً لإطلاق الزيارة على تقدير تسليم شمول الزيارة للسفر. قوله: وقد صح خروجه ﷺ لزيارة قبور أصحابه بالبقيع وبأحد، فإذا ثبت مشروعية الانتقال لزيارة قبر غير قبره ﷺ فقبره الشريف أولى. أقول: الثابت بالحديث المذكور إنما هو مشروعية الانتقال الذي هو دون السفر للزيارة، ولا ينكره أحد، والانتقال الذي تنكر مشروعيته هو السفر وهو ليس بثابت. قوله: والقاعدة المتفق عليها أن وسيلة القربة المتوقفة عليها قربة -إلى قوله-: صريحة في أن السفر للزيارة قربة مثلها. أقول: فيه كلام من وجوه: (الأول) أن هذه القاعدة في أي كتاب من كتب الأصول والفقه؟ وما الدليل عليها من الكتاب والسنة؟ ولابد من نقل الإجماع عليها. و (الثاني) أن هذه القاعدة منقوضة بأن إتيان مسجد قباء والصلاة فيه ركعتين قربة لما روى الشيخان عن ابن عمر ﵄ قال: كان النبي ﷺ يأتي مسجد قباء كل سبت ماشياً وراكباً ويصلي فيه ركعتين، وعن أسيد بن ظهير الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "صلاة في مسجد قباء كعمرة" رواه الترمذي وابن ماجه والبيهقي، وعن سهل بن حنيف قال: قال رسول الله ﷺ : "من توضأ فأحسن الوضوء ثم دخل مسجد قباء فركع فيه أربع ركعات كان ذلك عدل رقبة" رواه الطبراني في الكبير. مع أن السفر إلى قباء ليس بقربة، فإنه سفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، وكذلك تحية المسجد في غير المساجد الثلاثة قربة، لحديث أبي قتادة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس" متفق عليه. وكذلك الغدوّ إلى مسجد غير المساجد الثلاثة لتعليم الآيتين إذ قراءتهما قربة لحديث عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أفلا

стр. 71

يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله". الحديث رواه مسلم. وكذلك الخروج إلى مسجد غير المساجد الثلاثة قربة لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من غدا إلى المسجد أو راح أعدّ الله له نزله من الجنة كلما غدا أو راح" متفق عليه. ولحديث أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : "أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى". متفق عليه. ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحط عنه بها خطيئة". متفق عليه. وعن بريدة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة". رواه أبو داود والترمذي. وعن أبي أمامة ﵁: "من خرج إلى المسجد فهو ضامن على الله". رواه أبو داود وابن حبان في صحيحه، مع أن السفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة ليس بقربة، وكذلك دخول بيت الله قربة مع أن وسيلته في بعض الأحيان -أي دفع الرشوة التي يأخذها الحجبة- ليس بقربة، كذا في كتب الفقه، وكذلك الحج قربة مع أن وسيلته في بعض الأزمنة والأمكنة دفع الرشوة وإعطاء المكس والخفارة، وهي ليست من القربة في شيء. و (الثالث) أن القربة على نوعين: نوع ورد الترغيب فيه من الشارع بخصوصه كصلاة الليل والضحى وغيرهما، ونوع لم يرد الترغيب فيه من الشارع بخصوصه بل وقع الترغيب في عام وهي من أفراده، كالنفل الذي يؤدي بعد الظهر عقب الراتبة فإنه لم يرد في حقه ترغيب في حديث بل إنما ورد الترغيب في مطلق التطوع وهو من أفراده، والقربة التي هي من النوع الأول قربة بالذات، وأما القربة التي هي من النوع الثاني فإنها داخلة في عموم الأمر بزيارة القبور١، ولم يثبت حديث في خصوص كون زيارة قبره ﷺ قربة كما عرفت فيما تقدم، فالقربة حقيقة فيما هنالك مطلق الزيارة وهو لا يتوقف على السفر بل تحصل هذه القربة بزيارة قبر من قبور بلد الزائر وقريته،

стр. 72

وإن كان فرده الكامل هو زيارة قبر النبي ﷺ . و (الرابع) أنا لا نسلم أن مطلق زيارة قبر النبي ﷺ قربة، بل القربة هي الزيارة التي لا يقع فيها شد رحل بدليل حديث "لا تشد الرحال". و (الخامس) أنه لو سلم كون مطلق زيارة قبر النبي ﷺ قربة فلا نسلم كونها متوقفة على السفر للزيارة، لجواز أن يسافر لزيارة المسجد النبوي أو أمر آخر من التجارة وغيرها، ثم بعد وصول المدينة الطيبة يزور قبر النبي ﷺ ، فحينئذ تكون الزيارة متوقفة على مطلق السفر لا على سفر الزيارة١، فيكون مطلق السفر قربة لا سفر الزيارة، ومطلوب الخصم هذا دون ذاك فلا يتم التقريب. (السادس) أنه لو سلمت هذه القاعدة فهي إنما هي وسيلة لم ينه الشارع عنها، والسفر للزيارة قد نهى الشارع عنه بدليل حديث "لا تشد الرحال". قوله: ومن زعم أن الزيارة قربة في حق القريب فقط فقد افترى على الشريعة الغراء فلا يعول عليه. أقول: هذا ليس من الافتراء على الشريعة في شيء بل هو الحق والصواب، فإن لفظ الزيارة الواقعة في الأحاديث مجمل يشمل الزيارة البدعية والشركية وهما غير مرادتين بالإجماع ولم يعلم أن المراد أي الزيارة، فبين النبي ﷺ المراد منها بفعله، والثابت من قوله ﷺ ليس إلا زيارة القبور القريبة التي ليست بينه ﷺ وبينها مسافة سفر، ولو سلم أن المراد بالزيارة في الأحاديث مطلقها فحديث "لا تشد الرحال" يكون مقيداً لها، على أن لو كانت الزيارة قربة في حق البعيد لفعلها النبي ﷺ أو واحد من أصحابه في زمنه ﷺ أو بعده، ولما لم يفعلها النبي صلى الله عليه ولا أحد من أصحابه في زمنه ﷺ ولا بعده، بل ولا فعلها واحد من التابعين وتبع التابعين علم أن السفر لزيارة القبور ليس من القربة في شيء. قوله: وأما تخيل بعض المحرومين أن منع الزيارة أو السفر إليها من باب المحافظة

стр. 73

على التوحيد، وأن ذلك مما يؤدي إلى الشرك، فهو تخيل باطل. أقول: لعل المراد ببعض المحرومين شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀ وأتباعه، ولكن لم أجد بعد١ ذلك التخيل في كلام الشيخ المذكور ولا في كلام أحد من أتباعه، بل قد وجد في غير ما موضع من كلامه ما يدل صراحة على مشروعية زيارة قبر النبي ﷺ ، وقد تقدم نقل بعض عباراته في هذا الباب فتذكر، فعل هذا افتراء على الشيخ ﵀، نعم قد منع شيخ الإسلام الإفراط في تعظيم قبره ﷺ معللاً بالعلة المذكورة، وعليه اعترض السبكي في شفاء الأسقام حيث قال: فإن قلت: الفرق أيضاً أن غيره لا يخشى فيه محذور، وقبره ﷺ يخشى الإفراط في تعظيمه أن يعبد. قلت: هذا كلام تقشعر منه الجلود، ولولا خشية اغترار الجهال به لما ذكرته، فإن فيه تركاً لما دلت عليه الأدلة الشرعية بالآراء الفاسدة الخيالية، وكيف يقدم على تخصيص قوله ﷺ "زوروا القبور" وعلى ترك قوله "من زار قبري وجبت له شفاعتي" وعلى مخالفة إجماع السلف والخلف بمثل هذا الخيال الذي لم يشهد به كتاب ولا سنة، وهذا بخلاف النهي عن اتخاذه مسجداً وكون الصحابة احترزوا عن ذلك للمعنى المذكور، لأن ذلك قد ورد النهي فيه وليس لنا أن نشرع أحكاماً من قبلنا ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ فمن منع زيارة قبر النبي ﷺ فقد شرع في الدين ما لم يأذن به الله، وقوله مردود عليه، ولو فتحنا هذا الخيال الفاسد لتركنا كثيراً من السنن بل ومن الواجبات، والقرآن كله والإجماع المعلوم من الدين بالضرورة وسير الصحابة والتابعين وجميع علماء المسلمين والسلف والصالحين على وجوب تعظيم النبي ﷺ والمبالغة في ذلك، ومن تأمل القرآن العزيز وما تضمنه من التصريح والإيماء إلى وجوب المبالغة في تعظيمه وتوقيره والأدب معه وما كانت الصحابة يعاملونه به من ذلك امتلأ قلبه إيماناً واحتقر هذا الخيال الفاسد واستنكف

стр. 74

أن يصغي إليه، والله تعالى هو الحافظ لدينه ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ و ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ﴾ . وعلماء المسلمين مكلفون بأن يبينوا للناس ما يجب من الأدب والتعظيم والوقوف عند الحد الذي لا يجوز مجاوزته بالأدلة الشرعية، وبذلك يحصل الأمن من عبادة غير الله، ومن أراد الله ضلاله من أفراد الجهال فلن يستطيع أحد هدايته، فمن ترك شيئاً من التعظيم المشروع لمنصب النبوة زاعماً بذلك الأدب مع الربوبية فقد كذب على الله تعالى وضيع ما أمر به في حق رسله، كما أن من أفرط وجاوز الحد إلى جانب الربوبية فقد كذب على رسل الله وضيع ما أمروا به في حق ربهم ، والعدل حفظ ما أمر الله به في الجانبين، وليس في الزيارة المشروعة من التعظيم ما يفضي إلى محذور، انتهى ما ذكره١. وقد أجاب عنه الإمام العلامة أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي الحنبلي في الصارم المنكى٢ فقال: "قوله: فإن قلت الفرق أيضاً أن غيره لا يخشى فيه محذور وقبره يخشى الإفراط في تعظيمه أن يعبد – سؤال لا تخفى صحته وقوته على أهل العلم والإيمان، وقوله في جوابه: هذا كلام تقشعر منه الجلود ولولا خشية اغترار الجهال به لما ذكرته. فيقال: نعم تقشعر منه جلود عباد القبور الذين إذا دعوا إلى عبادة الله وحده وأن لا يشرك به، ولا يتخذ من دونه وثن يعبد، اشمأزت قلوبهم، واقشعرت جلودهم واكفهرت وجوههم، ولا يخفى أن هذا نوع شبه وموافقة للذين قال الله فيهم ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ . ثم يقال: أما جلود أهل التوحيد المتبعين للرسول، العالمين بمقاصده، الموافقين له فيما أحبه ورغب فيه، وكرهه وحذر منه، فإنها لا تقشعر من هذا الفرق، بل تزيد قلوبهم وجلودهم طمأنينة وسكينة ﴿وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ . وأما الذين في قلوبهم مرض فلا تزيدهم قواعد التوحيد وأدلته، وحقائقه وأسراره إلا رجساً إلى رجسهم، وإذا سلك التوحيد في قلوبهم دفعته قلوبهم وأنكرته ظناً منهم أنه تنقص وهضم

стр. 75

للأكابر وإزراء بهم وحط لهم عن مراتبهم، وأتباع هؤلاء ضعفاء العقول، وهم أتباع كل ناعق، يميلون مع كل صائح، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق، وأما أهل العلم والإيمان فإنما تقشعر جلودهم من مخالفة الرسول فيما أمر، ومن ترك قبول قوله فيما أخبر، ومن قول القائل وإقراره بأن اليقين لا يستفاد بقوله، وأنه يجب أو يشرع الحج إلى قبره ويجعل من أعظم الأعياد، ويحتج بفعل العوام والطغام على أن هذا من دينه، ويقدم هديهم على هدي المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، ويستحل تكفير من نهى عن أسباب الشرك والبدع، ودعا إلى ما كان عليه خيار الأمة وساداتها، ويستحل عقوبته وينسبه إلى التنقص والإزراء، فهذا وأمثاله تقشعر منه جلود أهل العلم والإيمان. وقوله إن في هذا الفرق "تركا لما دلت عليه الأدلة الشرعية بالآراء الفاسدة الخيالية"، ففي هذا الكلام من قلب الحقائق وترك موجب النصوص النبوية والقواعد الشرعية والمحكم الخاص المقيد، إلى المجمل المتشابه العام المطلق، كما يفعله أهل الأهواء الذين في قلوبهم زيغ، ما نبينه بحول الله ومعونته وتأييده، فإن النصوص التي صحت عنه ﷺ بالنهي عن تعظيم القبور بكل نوع يؤدي إلى الشرك ووسائله من الصلاة عندها وإليها واتخاذها مساجد، وإيقاد السرج عليها، وشد الرحال إليها، وجعلها أعياداً يجتمع لها كما يجتمع للعيد ونحو ذلك، صحيحة صريحة محكمة فيما دلت عليه، وقبور المعظمين مقصودة بذلك النص والعلة، ولا ريب أن هذا من أعظم المحاذير، وهو أصل أسباب الشرك والفتنة به في العالم، فكيف يناقض هذا ويعارض بإطلاق "زوروا القبور" وبأحاديث لا يصح منها شيء البتة في زيارة قبره ولا يثبت خبر واحد، ونحن نشهد بالله أنه لم يقل شيئاً منها، كما نشهد بالله أنه قال تلك النصوص الصحيحة الصريحة، وهؤلاء فرسان الحديث وأئمة النقل ومن إليهم المرجع في الصحيح والسقيم من الآثار، وقد ذكرنا فيما تقدم أنهم لم يصححوا منها خبراً واحداً، ولم يحتجوا منها بحديث واحد، بل ضعفوا جميع ما ورد في ذلك وطعنوا فيه وبينوا سبب ضعفه وحكم عليه جماعة منهم بالكذب والوضع.
следующие страницы →