يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله". الحديث رواه مسلم. وكذلك الخروج إلى مسجد غير المساجد الثلاثة قربة لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من غدا إلى المسجد أو راح أعدّ الله له نزله من الجنة كلما غدا أو راح" متفق عليه. ولحديث أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : "أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى". متفق عليه. ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحط عنه بها خطيئة". متفق عليه. وعن بريدة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة". رواه أبو داود والترمذي. وعن أبي أمامة ﵁: "من خرج إلى المسجد فهو ضامن على الله". رواه أبو داود وابن حبان في صحيحه، مع أن السفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة ليس بقربة، وكذلك دخول بيت الله قربة مع أن وسيلته في بعض الأحيان -أي دفع الرشوة التي يأخذها الحجبة- ليس بقربة، كذا في كتب الفقه، وكذلك الحج قربة مع أن وسيلته في بعض الأزمنة والأمكنة دفع الرشوة وإعطاء المكس والخفارة، وهي ليست من القربة في شيء.
و (الثالث) أن القربة على نوعين: نوع ورد الترغيب فيه من الشارع بخصوصه كصلاة الليل والضحى وغيرهما، ونوع لم يرد الترغيب فيه من الشارع بخصوصه بل وقع الترغيب في عام وهي من أفراده، كالنفل الذي يؤدي بعد الظهر عقب الراتبة فإنه لم يرد في حقه ترغيب في حديث بل إنما ورد الترغيب في مطلق التطوع وهو من أفراده، والقربة التي هي من النوع الأول قربة بالذات، وأما القربة التي هي من النوع الثاني فإنها داخلة في عموم الأمر بزيارة القبور١، ولم يثبت حديث في خصوص كون زيارة قبره ﷺ قربة كما عرفت فيما تقدم، فالقربة حقيقة فيما هنالك مطلق الزيارة وهو لا يتوقف على السفر بل تحصل هذه القربة بزيارة قبر من قبور بلد الزائر وقريته،
стр. 72
وإن كان فرده الكامل هو زيارة قبر النبي ﷺ .
و (الرابع) أنا لا نسلم أن مطلق زيارة قبر النبي ﷺ قربة، بل القربة هي الزيارة التي لا يقع فيها شد رحل بدليل حديث "لا تشد الرحال".
و (الخامس) أنه لو سلم كون مطلق زيارة قبر النبي ﷺ قربة فلا نسلم كونها متوقفة على السفر للزيارة، لجواز أن يسافر لزيارة المسجد النبوي أو أمر آخر من التجارة وغيرها، ثم بعد وصول المدينة الطيبة يزور قبر النبي ﷺ ، فحينئذ تكون الزيارة متوقفة على مطلق السفر لا على سفر الزيارة١، فيكون مطلق السفر قربة لا سفر الزيارة، ومطلوب الخصم هذا دون ذاك فلا يتم التقريب.
(السادس) أنه لو سلمت هذه القاعدة فهي إنما هي وسيلة لم ينه الشارع عنها، والسفر للزيارة قد نهى الشارع عنه بدليل حديث "لا تشد الرحال".
قوله: ومن زعم أن الزيارة قربة في حق القريب فقط فقد افترى على الشريعة الغراء فلا يعول عليه.
أقول: هذا ليس من الافتراء على الشريعة في شيء بل هو الحق والصواب، فإن لفظ الزيارة الواقعة في الأحاديث مجمل يشمل الزيارة البدعية والشركية وهما غير مرادتين بالإجماع ولم يعلم أن المراد أي الزيارة، فبين النبي ﷺ المراد منها بفعله، والثابت من قوله ﷺ ليس إلا زيارة القبور القريبة التي ليست بينه ﷺ وبينها مسافة سفر، ولو سلم أن المراد بالزيارة في الأحاديث مطلقها فحديث "لا تشد الرحال" يكون مقيداً لها، على أن لو كانت الزيارة قربة في حق البعيد لفعلها النبي ﷺ أو واحد من أصحابه في زمنه ﷺ أو بعده، ولما لم يفعلها النبي صلى الله عليه ولا أحد من أصحابه في زمنه ﷺ ولا بعده، بل ولا فعلها واحد من التابعين وتبع التابعين علم أن السفر لزيارة القبور ليس من القربة في شيء.
قوله: وأما تخيل بعض المحرومين أن منع الزيارة أو السفر إليها من باب المحافظة
стр. 73
على التوحيد، وأن ذلك مما يؤدي إلى الشرك، فهو تخيل باطل.
أقول: لعل المراد ببعض المحرومين شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀ وأتباعه، ولكن لم أجد بعد١ ذلك التخيل في كلام الشيخ المذكور ولا في كلام أحد من أتباعه، بل قد وجد في غير ما موضع من كلامه ما يدل صراحة على مشروعية زيارة قبر النبي ﷺ ، وقد تقدم نقل بعض عباراته في هذا الباب فتذكر، فعل هذا افتراء على الشيخ ﵀، نعم قد منع شيخ الإسلام الإفراط في تعظيم قبره ﷺ معللاً بالعلة المذكورة، وعليه اعترض السبكي في شفاء الأسقام حيث قال: فإن قلت: الفرق أيضاً أن غيره لا يخشى فيه محذور، وقبره ﷺ يخشى الإفراط في تعظيمه أن يعبد. قلت: هذا كلام تقشعر منه الجلود، ولولا خشية اغترار الجهال به لما ذكرته، فإن فيه تركاً لما دلت عليه الأدلة الشرعية بالآراء الفاسدة الخيالية، وكيف يقدم على تخصيص قوله ﷺ "زوروا القبور" وعلى ترك قوله "من زار قبري وجبت له شفاعتي" وعلى مخالفة إجماع السلف والخلف بمثل هذا الخيال الذي لم يشهد به كتاب ولا سنة، وهذا بخلاف النهي عن اتخاذه مسجداً وكون الصحابة احترزوا عن ذلك للمعنى المذكور، لأن ذلك قد ورد النهي فيه وليس لنا أن نشرع أحكاماً من قبلنا ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ فمن منع زيارة قبر النبي ﷺ فقد شرع في الدين ما لم يأذن به الله، وقوله مردود عليه، ولو فتحنا هذا الخيال الفاسد لتركنا كثيراً من السنن بل ومن الواجبات، والقرآن كله والإجماع المعلوم من الدين بالضرورة وسير الصحابة والتابعين وجميع علماء المسلمين والسلف والصالحين على وجوب تعظيم النبي ﷺ والمبالغة في ذلك، ومن تأمل القرآن العزيز وما تضمنه من التصريح والإيماء إلى وجوب المبالغة في تعظيمه وتوقيره والأدب معه وما كانت الصحابة يعاملونه به من ذلك امتلأ قلبه إيماناً واحتقر هذا الخيال الفاسد واستنكف
стр. 74
أن يصغي إليه، والله تعالى هو الحافظ لدينه ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ و ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ﴾ . وعلماء المسلمين مكلفون بأن يبينوا للناس ما يجب من الأدب والتعظيم والوقوف عند الحد الذي لا يجوز مجاوزته بالأدلة الشرعية، وبذلك يحصل الأمن من عبادة غير الله، ومن أراد الله ضلاله من أفراد الجهال فلن يستطيع أحد هدايته، فمن ترك شيئاً من التعظيم المشروع لمنصب النبوة زاعماً بذلك الأدب مع الربوبية فقد كذب على الله تعالى وضيع ما أمر به في حق رسله، كما أن من أفرط وجاوز الحد إلى جانب الربوبية فقد كذب على رسل الله وضيع ما أمروا به في حق ربهم ، والعدل حفظ ما أمر الله به في الجانبين، وليس في الزيارة المشروعة من التعظيم ما يفضي إلى محذور، انتهى ما ذكره١.
وقد أجاب عنه الإمام العلامة أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي الحنبلي في الصارم المنكى٢ فقال: "قوله: فإن قلت الفرق أيضاً أن غيره لا يخشى فيه محذور وقبره يخشى الإفراط في تعظيمه أن يعبد – سؤال لا تخفى صحته وقوته على أهل العلم والإيمان، وقوله في جوابه: هذا كلام تقشعر منه الجلود ولولا خشية اغترار الجهال به لما ذكرته. فيقال: نعم تقشعر منه جلود عباد القبور الذين إذا دعوا إلى عبادة الله وحده وأن لا يشرك به، ولا يتخذ من دونه وثن يعبد، اشمأزت قلوبهم، واقشعرت جلودهم واكفهرت وجوههم، ولا يخفى أن هذا نوع شبه وموافقة للذين قال الله فيهم ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ . ثم يقال: أما جلود أهل التوحيد المتبعين للرسول، العالمين بمقاصده، الموافقين له فيما أحبه ورغب فيه، وكرهه وحذر منه، فإنها لا تقشعر من هذا الفرق، بل تزيد قلوبهم وجلودهم طمأنينة وسكينة ﴿وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ . وأما الذين في قلوبهم مرض فلا تزيدهم قواعد التوحيد وأدلته، وحقائقه وأسراره إلا رجساً إلى رجسهم، وإذا سلك التوحيد في قلوبهم دفعته قلوبهم وأنكرته ظناً منهم أنه تنقص وهضم
стр. 75
للأكابر وإزراء بهم وحط لهم عن مراتبهم، وأتباع هؤلاء ضعفاء العقول، وهم أتباع كل ناعق، يميلون مع كل صائح، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق، وأما أهل العلم والإيمان فإنما تقشعر جلودهم من مخالفة الرسول فيما أمر، ومن ترك قبول قوله فيما أخبر، ومن قول القائل وإقراره بأن اليقين لا يستفاد بقوله، وأنه يجب أو يشرع الحج إلى قبره ويجعل من أعظم الأعياد، ويحتج بفعل العوام والطغام على أن هذا من دينه، ويقدم هديهم على هدي المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، ويستحل تكفير من نهى عن أسباب الشرك والبدع، ودعا إلى ما كان عليه خيار الأمة وساداتها، ويستحل عقوبته وينسبه إلى التنقص والإزراء، فهذا وأمثاله تقشعر منه جلود أهل العلم والإيمان.
وقوله إن في هذا الفرق "تركا لما دلت عليه الأدلة الشرعية بالآراء الفاسدة الخيالية"، ففي هذا الكلام من قلب الحقائق وترك موجب النصوص النبوية والقواعد الشرعية والمحكم الخاص المقيد، إلى المجمل المتشابه العام المطلق، كما يفعله أهل الأهواء الذين في قلوبهم زيغ، ما نبينه بحول الله ومعونته وتأييده، فإن النصوص التي صحت عنه ﷺ بالنهي عن تعظيم القبور بكل نوع يؤدي إلى الشرك ووسائله من الصلاة عندها وإليها واتخاذها مساجد، وإيقاد السرج عليها، وشد الرحال إليها، وجعلها أعياداً يجتمع لها كما يجتمع للعيد ونحو ذلك، صحيحة صريحة محكمة فيما دلت عليه، وقبور المعظمين مقصودة بذلك النص والعلة، ولا ريب أن هذا من أعظم المحاذير، وهو أصل أسباب الشرك والفتنة به في العالم، فكيف يناقض هذا ويعارض بإطلاق "زوروا القبور" وبأحاديث لا يصح منها شيء البتة في زيارة قبره ولا يثبت خبر واحد، ونحن نشهد بالله أنه لم يقل شيئاً منها، كما نشهد بالله أنه قال تلك النصوص الصحيحة الصريحة، وهؤلاء فرسان الحديث وأئمة النقل ومن إليهم المرجع في الصحيح والسقيم من الآثار، وقد ذكرنا فيما تقدم أنهم لم يصححوا منها خبراً واحداً، ولم يحتجوا منها بحديث واحد، بل ضعفوا جميع ما ورد في ذلك وطعنوا فيه وبينوا سبب ضعفه وحكم عليه جماعة منهم بالكذب والوضع.
стр. 76
وكذلك دعواه إجماع السلف والخلف على قوله، فإذا أراد بالسلف المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان فلا يخفى أن دعوى إجماعهم مجاهرة بالكذب، وقد ذكرنا غير مرة فيما تقدم أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة شيء في هذا إلا عن ابن عمر وحده فإنه ثبت عنه إتيان القبر للسلام عند القدوم من سفر، ولم يصح هذا عن أحد غيره، ولم يوافقه عليه أحد من أصحاب رسول الله ﷺ لا من الخلفاء الراشدين ولا من غيرهم، وقد ذكر عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن عبيد الله بن عمر أنه قال: ما نعلم أحداً من أصحاب النبي ﷺ فعل ذلك إلا ابن عمر، وكيف ينسب مالك إلى مخالفة إجماع السلف والخلف في هذه المسألة وهو أعلم أهل زمانه بعمل أهل المدينة قديماً وحديثاً، وهو يشاهد التابعين الذين شاهدوا الصحابة وهم جيرة المسجد وأتبع الناس للصحابة، ثم يمنع الناذر من إتيان القبر ويخالف إجماع الأمة؟ هذا لا يظنه إلا جاهل كاذب على الصحابة والتابعين وأهل الإجماع.
"وقد نهى علي بن الحسين زين العابدين -الذي هو أفضل أهل بيته وأعلمهم في وقته- ذلك الرجل الذي كان يجيء إلى فرجة كانت عند القبر فيدخل فيها فيدعو، واحتج عليه بما سمعه من أبيه عن جده علي بن أبي طالب ﵃ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تتخذوا قبري عيداً ولا بيوتكم قبوراً، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم" وكذلك ابن عمه الحسن بن الحسن بن علي شيخ أهل بيته كره أن يقصد الرجل القبر للسلام عليه ونحوه عند غير دخول المسجد، ورأى أن ذلك من اتخاذه عيداً، وقال للرجل الذي رآه عند القبر: مالي رأيتك عند القبر؟ فقال: سلمت على النبي ﷺ . فقال: إذا دخلت المسجد فسلم. ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا بيتي عيداً ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم" ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء.
"وكذلك سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري أحد الأئمة الأعلام وقاضي المدينة في عصر التابعين ذكر عنه ابنه إبراهيم أنه كان لا يأتي القبر قط، وكان يكره إتيانه، أفيظن بهؤلاء السادة الأعلام أنهم خالفوا الإجماع وتركوا تعظيم صاحب
стр. 77
القبر وتنقصوا به؟ فهذا لعمر الله هو الكلام الذي تقشعر منه الجلود.
"وليس مع عباد القبور من الإجماع إلا ما رأوا عليه العوام والطغام في الأعصار التي قل فيها العلم والدين، وضعفت فيها السنن، وصار المعروف فيها منكراً والمنكر معروفاً من اتخاذ القبر عيداً والحج إليه، واتخاذه منسكاً للوقوف والدعاء، كما يفعل عند مواقف الحج بعرفة ومزدلفة، وعند الجمرات، وحول الكعبة، ولا ريب أن هذا وأمثاله في قلوب عباد القبور لا ينكرونه ولا ينهون عنه، بل يدعون إليه ويرغبون فيه، ويحضون عليه، ظانين أنه من تعظيم الرسول ﷺ والقيام بحقوقه، وإن من لم يوافقهم على ذلك أو خالفهم فيه فهو منتقص تارك للتعظيم الواجب، وهذا قلب لدين الإسلام وتغيير له، ولولا أن الله ضمن لهذا الدين أن لا تزال طائفة من الأمة قائمة به لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى قيام الساعة لجرى عليه ما جرى على دين أهل الكتاب قبله، وكل ذلك باتباع المتشابه، ولما لا يصح من الحديث، وترك النصوص المحكمة الصحيحة الصريحة.
وقوله١: إن من منع زيارة قبره فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، وليس لنا ذلك. جوابه٢ أن يقال: أما من منع مما منع الله ورسوله منه، وحذر مما حذر منه الرسول بعينه، ونبه على المفاسد التي حذر منها الرسول ﷺ بتعظيم القبور وجعلها أعياداً واتخاذها أوثاناً ومناسك يحج إليها كما يحج إلى البيت العتيق، ويوقف عندنا للدعاء والتضرع والابتهال كما يفعل عند مناسك الحج، وجعلها مستغاثاً للعالمين ومقصداً للحاجات، ونيل الرغبات، وتفريج الكربات، فإنه لم يشرع ديناً لم يأذن به الله، وإنما شرعه من خالف ذلك ودعا إليه ورغب فيه، وحض النفوس عليه، واستحب الحج إلى القبر وجعله عيداً يجتمع إليه كما يجتمع للعيد، وجعله منسكاً للوقوف والسؤال والاستغاثة به، فأي الفريقين الذي شرع من الدين ما لم يأذن به الله إن كنتم تعلمون؟
ونحن نناشد عباد القبور هل هذا الذي ذكرناه عنهم وأضعافه كذب عليهم، أو هو أكبر مقاصدهم وحشو قلوبهم؟ والله المستعان.
стр. 78
"وقوله١: والقرآن كله والإجماع المعلوم من الدين بالضرورة وسير الصحابة والتابعين وجميع علماء المسلمين والسلف الصالحين على وجوب تعظيم النبي ﷺ والمبالغة في ذلك. جوابه: أنه قد عرف بما قررناه أهل تعظيمه المتبعون له، الموافقون لما جاء به والتارك لتعظيمه بتقرير خلاف ما جاء به، والحض على ما حذر منه، والتحذير مما رغب فيه، وترك ما جاء به لآراء الرجال وعقولهم، وتقريره وتقرير سلفه أن اليقين والهدى لا يستفاد بكلامه، وأن ما عليه عباد القبور هو من الغلو لا من التعظيم الذي هو من لوازم الإيمان، فلا حاجة إلى إعادته.
"وقوله": من تأمل القرآن وما تضمنه من التصريح والإيماء إلى وجوب المبالغة في تعظيمه وتوقيره والأدب معه، وما كانت الصحابة تعامله به من ذلك، امتلأ قلبه إيماناً واحتقر هذا الخيال الفاسد واستنكف أن يصغي إليه.
جوابه أن يقال: أنت وأضرابك من أقل الناس نصيباً من ذلك التعظيم، وإن كان نصيبكم من الغلو الذي ذمه وكرهه ونهى عنه نصيباً وافراً. فإن أصل هذا التعظيم وقاعدته التي يبتنى عليها هو طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر. وأنت وأضرابك اكتفيتم من طاعته بأن أقمتم غيره مقامه، تطيعونه فيما قاله، وتجعلون كلامه بمنزلة النص المحكم، وكلام المعصوم أن التفتم إليه بمنزلة المتشابه، فما وافق نصوص من اتخذتموه من دونه قبلتموه، وما خالفها تأولتموه أو رددتموه أو أعرضتم عنه ووكلتموه إلى عالمه، فنحن ننشدكم الله هل تتركون نصوص من قلدتموه لنصه؟ أو تتركون نصه لنص من قلدتموه، واكتفيتم من خبره عن الله وصفاته بخبر من عظمتموه من المتكلمين الذين أجمع الأئمة الأربعة والسلف على ذمهم والتحذير منهم والحكم عليم بالبدعة والضلالة، فاكتفيتم من خبره عن الله وصفاته بخبر هؤلاء، وجعلتم خبرهم قواطع عقلية، وأخباره ظواهر لفظية لا تفيد اليقين، ولا يجوز تقديمها على أقوال المتكلمين.
ثم مع هذا العزل الحقيقي عظمتم ما يكره تعظيمه من القبور، وشرعتم فيها وعندها ضد ما شرعه، وعدتم بهذا التعظيم على مقصوده بالإبطال فعظمتم بزعمكم ما يكره
стр. 79
تعظيمه، وتقربتم إليه بما يباعدكم منه، واستهنتم بالإيمان كله في تعظيمه، ونبذتموه وراء ظهوركم، واتخذتم من دونه من عظمتم أقواله غاية التعظيم حتى قدمتموها عليه، وما أشبه هذا بغلو الرافضة في علي ﵁ وهم أشد الناس مخالفة له، وكذلك غلو النصارى في المسيح وهم من أبعد الناس منه، وإن ظنوا أنهم معظمون له، فالشأن كل الشأن في التعظيم الذي لا يتم الإيمان إلا به، وهو لازم وملزوم له، والتعظيم الذي لا يتم الإيمان إلا بتركه، فإن إجلاله عن هذا الإجلال واجب، وتعظيمه عن هذا التعظيم متعين.
"وقوله: إن المبالغة في تعظيمه واجبة. أيريد بها المبالغة بحسب ما يراه كل أحد تعظيماً حتى الحج إلى قبره، والسجود له والطواف به، واعتقاد أنه يعلم الغيب، وأنه يعطي ويمنع ويملك لمن استغاث به دون الله الضر والنفع، وأنه يقضي حوائج السائلين، ويفرج كربات المكروبين، وأنه يشفع فيمن شاء، ويدخل الجنة من يشاء؟ فدعوى وجوب المبالغة في هذا التعظيم مبالغة في الشرك وانسلاخ من جملة الدين، أم يريد بها التعظيم الذي شرعه الله ورسوله ﷺ من وجوب محبته وطاعته ومعرفة حقوقه، وتصديق أخباره وتقديم كلامه على كلام غيره، ومخالفة غيره لموافقته ولوازم ذلك؟ فهذا التعظيم لا يتم الإيمان إلا به، ولكن هذا المعترض وأضرابه عن ذلك بمعزل، وإذا أخذ الناس منازلهم من هذا التعظيم فمنزلتهم منه أبعد منزل، وهو وحقوقه كما قال الأول:
نزلوا بمكة في قبائل هاشم ... ونزلت بالبيداء أبعد منزل
"وقوله: إن من ترك شيئاً من التعظيم المشروع لمنصب النبوة زاعماً بذلك الأدب مع الربوبية إلى آخر كلامه، فنعم ولكن الشأن في التعظيم المشروع وتركه وهل هو إلا طاعته وتقديمها على طاعة غيره، وتقديم خبره على خبر غيره، وتقديم محبته على محبة الولد والوالد والناس أجمعين. فمن ترك هذا فقد كذب على الله وعصى أمره وترك ما أمر به من التعظيم، وأما جعل قبره الكريم عيداً تشد المطايا إليه كما تشد إلى البيت العتيق، ويصنع عنده ما يكرهه الله ورسوله ويمقت فاعله، ويتخذ موقفاً للدعاء
стр. 80
وطلب الحاجات وكشف الكربات، فمن جعل ذلك من دينه فقد كذب عليه وبدل دينه". انتهى.
هذا آخر ما في الصارم، ومحصوله أن شيخ الإسلام لا يقول إن نفس الزيارة مما يؤدي إلى الشرك، إنما يقول: إن الإفراط في تعظيم قبره ﷺ -بأن يجعل قبره الكريم عيداً أو يتخذ مسجداً أو موقفاً، أو تطلب الحاجات عنده، أو يعتقد وجوب زيارة قبره ﷺ أو استحبابه استحباباً متأكداً فوق ما يثبت من قوله ﷺ "فزوروها" أو من فعله ﷺ في زيارة قبور المسلمين- مما يؤدي إلى الشرك، ولا يبعد أن يقال إن نفس الزيارة وإن كانت مشروعة عند شيخ الإسلام وجميع المسلمين ولكنها بالنسبة إلى العوام والطغام قد تفضي إلى الشرك، فإذن يمنعون عن نفس الزيارة قطعاً للذريعة وسداً للوسيلة، كما لو كانت زيارة قبر أحد غيره ﷺ بالنسبة إلى العوام مفضية إلى الشرك فيمنع العوام عن نفس الزيارة هناك أيضاً. وهذا أمر جلي لا يجحده من فهم باب قطع الذرائع وسد الوسائل حق الفهم من أهل الفقه والحديث، ويدل عليه آيات بينات وأحاديث صحيحة وعبارات السلف والخلف من المتقدمين والمتأخرين لم تتعرض لذكرها خشية الإطناب.
قوله١: " ومنها أمران لا بد منهما: أحدهما وجوب تعظيم النبي ﷺ ورفع رتبته عن سائر الخلق، والثاني إفراد الربوبية واعتقاد أن الرب ﵎ منفرد بذاته وصفاته وأفعاله عن جميع خلقه".
أقول: لا يخفى ما في هذا الحصر من النظر، فإنه لا بد هناك من أمر ثالث وهو عدم إحداث ما ليس من أمر الدين مما لم يأذن به الله ورسوله، بل من أمر رابع هو الاجتناب عما نهى الله عنه ورسوله، فمن أحدث في أمر الزيارة ما ليس عليه دليل
стр. 81
شرعي أو ارتكب ما نهى الله عنه ورسوله فقد صار مبتدعاً ضالاً١.
قوله: ومن بالغ في تعظيمه ﷺ بأنواع التعظيم ولم يبلغ به ما يختص بالباري فقد أصاب الحق وحافظ على جانب الربوبية والرسالة جميعاً، وذلك هو القول الذي لا إفراط فيه ولا تفريط.
أقول: فيه نظر عويص، فإن من أنواع التعظيم ما هو محدث، ومنها ما هو منهي عنه، مع أنهما مما لا يختص بالباري . فكيف يقال لمرتكبه أنه أصاب الحق؟
قوله: وأما قوله ﷺ " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى"، فمعناه أن لا تشد الرحال إلى مسجد لأجل تعظيمه والصلاة فيه إلا إلى المساجد الثلاثة –إلى قوله- وهذا التقدير لا بد منه، ولو لم يكن التقدير هكذا لاقتضى منع شد الرحال للحج والجهاد والهجرة من دار الكفر ولطلب العلم وتجارة الدنيا وغير ذلك، ولا يقول بذلك أحد.
أقول: عدم التقدير المذكور لو اقتضى منع شد الرحال إلى الأمور المذكورة فأي محذور فيه؟ فإن الآيات والأحاديث الدالة على وجوبها أو جوازها تقع مخصصة لعموم حديث "لا تشد الرحال"، وبناء العام على الخاص مسألة مشهورة، على أن ذكر الحج في الأمور المذكورة غفلة شديدة، إذ حديث "لا تشد الرحال" لا يقتضي
стр. 82
منع شد الرحال للحج أصلاً١.
قوله: قال العلامة ابن حجر في الجوهر المنظم: ومما يدل أيضاً لهذا التأويل للحديث المذكور التصريح به في حديث سنده حسن، وهو قوله ﷺ : "لا ينبغي للمطي أن تشد رحالها إلى مسجد يبتغى الصلاة فيه، غير المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى".
أقول: هذا الحديث رواه أحمد في مسنده عن شهر بن حوشب قال: سمعت أبا سعيد الخدري وذكر عنده صلاة في الطور فقال: قال رسول الله ﷺ " لا ينبغي أن تشد رحال إلى مسجد ينبغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا. ولا ينبغي لامرأة دخلت في الإسلام أن تخرج من بيتها مسافرة إلا مع بعل أو ذي محرم منها. ولا ينبغي الصلاة في ساعتين من النهار: من بعد صلاة الفجر إلى أن ترتحل الشمس، ولا بعد العصر إلى أن تغرب الشمس. ولا ينبغي الصوم في يومين من الدهر: يوم الفطر من رمضان والأضحى". قال الهيثمي في مجمع الزوائد قلت: هو في الصحيح بنحوه، وإنما أخرجته لغرابة لفظه. انتهى. فحكم الهيثمي عليه بالغرابة.
والجواب عنه بوجوه: (الأول) أن هذا الحديث ضعيف لأن في سنده شهر ابن حوشب، وهو وإن وثقه جماعة من الأئمة فقد جرحه جماعة من النقاد هي أكثر عدداً من الأولى.
قال الدارقطني في سننه: شهر بن حوشب ليس بالقوي. وقال في موضع آخر منه: حدثنا صالح بن أحمد قال: سألت موسى بن هارون عن هذا الحديث، قال: ليس بشيء، فيه شهر بن حوشب، وشهر ضعيف اهـ. وقال مسلم في صحيحه: وحدثنا
стр. 83
عبيد الله بن سعيد قال سمعت النضر يقول: سئل ابن عون عن حديث شهر وهو قائم على أسكفة الباب فقال: إن شهراً نزكوه إن شهراً نزكوه١. قال أبو الحسين مسلم بن الحجاج: يقول أخذته ألسنة الناس، تكلموا فيه، وحدثني الحجاج بن الشاعر قال حدثنا شبابة قال: قال شعبة: ولقد لقيت شهراً فلم أعتد به اهـ. قلت: نقل مسلم جرحه عن ابن عون وشعبة وسكت عليه، ولم ينقل توثيقه عن أحد، وهذا يدل على أن الراجح عنده الجرح، ومن ثم والله أعلم لم يورد حديثه في صحيحه إلا مقروناً بغيره.
وقال الترمذي في جامعه قال أحمد بن حنبل: لا بأس بحديث عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب. قال محمد٢: شهر حسن الحديث وقوى أمره، وقال إنما تكلم فيه ابن عون. ثم روى عن هلال بن أبي زينب عن شهر بن حوشب حدثنا أبو داود أخبرنا النضر بن شميل عن ابن عون قال: إن شهراً نزكوه، قال أبو داود قال النضر: نزكوه أي طعنوا فيه ا. هـ قال الذهبي في الميزان: شهر بن حوشب الأشعري عن أم سلمة وأبي هريرة وجماعة، وعنه قتادة وداود بن أبي هند وعبد الحميد بن بهرام وجماعة. قال أحمد: روى عن أسماء بنت يزيد أحاديث حساناً. وروى ابن أبي خيثمة ومعاوية ابن أبي صالح عن ابن معين ثقة، وقال أبو حاتم: ليس هو بدون أبي الزبير ولا يحتج به، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وروى النضر بن شميل عن ابن عون قال: إن شهراً نزكوه، وقال النسائي وابن عدي: ليس بالقوي. يحيى بن أبي بكير الكرماني حدثني أبي قال: كان شهر على بيت المال فأخذ منه دراهم فقال قائل:
لقد باع شهر دينه بخريطة ... فمن يأمن القراء بعدك يا شهر
стр. 84
وقال الدولابي: شهر لا يشبه حديثه حديث الناس، كأنه مولع بزمام ناقة النبي ﷺ . قال السعدي قال الفلاس: كان يحيى بن سعيد لا يحدث عن شهر، وكان عبد الرحمن يحدث عنه. أبو داود أخبرنا شعبة عن أبي إسحاق عن عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر، قال شعبة فلقيت ابن عطاء فسألته فقال حدثني زياد بن مخراق، فقدمت على زياد فسألته، فقال حدثني رجل من بني ليث عن مجاهد عن شهر من حديث عقبة بن عامر عن عمر بن الخطاب في الوضوء. معاذ بن معاذ سألت ابن عون عن حديث هلال بن أبي زينب عن شهر عن أبي هريرة عن النبي ﷺ "لا تجف الأرض من دم الشهيد حتى تبتدره زوجتهاه" فقال ما يصنع بشهر؟ إن شعبة قد ترك شهراً. يحيى القطان عن عباد بن منصور قال: حججت مع شهر بن حوشب فسرق عيبتي.
وقال علي بن حفص المدايني سألت شعبة عن عبد الحميد بن بهرام فقال: صدوق، إلا أنه يحدث عن شهر. قال أحمد بن حنبل: عبد الحميد حديثه مقارب من حديث شهر وكان يحفظها كأنه يقرأ سورة وهي سبعون حديثاً. سيار بن حاتم حدثنا جعفر بن سليمان عن أبي بكر عن شهر بن حوشب قال: لما قتل ابن آدم أخاه مكث آدم مائة سنة لا يضحك، ثم أنشأ يقول:
تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبر قبيح
تغير كل ذي لون وطعم ... وكل بشاشة الوجه المليح
إسحاق بن المنذر صدوق حدثنا عبد الحميد بن بهرام عن شهر عن ابن عباس مرفوعاً قال "لكل نبي حرم وحرمي المدينة". قال ابن عدي حدثنا محمد بن يحيى المروذي حدثنا إسحاق قال أبو عيسى الترمذي قال محمد –هو البخاري-: شهر حسن الحديث، وقوّى أمره، وقال أحمد بن عبد الله العجلي" ثقة شامي، وروى عباس عن يحيى: ثبت، وقال يعقوب بن شيبة شهر ثقة طعن فيه بعضهم، قال ابن عدي: شهر ممن لا يحتج به، ولا يتدين بحديثه، قلت: قد ذهب إلى الاحتجاج به جماعة، فقال حرب الكرماني عن أحمد: ما أحسن حديثه، ووثقه، وهو حمصي، وروى حنبل عن أحمد: ليس به
стр. 85
بأس، وقال الفسوي: شهر وإن تكلم فيه ابن عون فهو ثقة، قلت: أما روايته عن بلال وتميم الداري فظاهرة الانقطاع، قال صالح جزرة: قدم على الحجاز فحدث بالعراق ولم يوقف منه على كذب، وكان رجلاً يتنسك. وتفرد ثابت عنه عن أم سلمة أن النبي ﷺ نهى عن كل مسكر ومفتر. انتهى.
قال المنذري في الترغيب والترهيب: شهر بن حوشب قال ابن عون نزكوه، وقال سبابة عن شعبة لقيت شهراً فلم أعتد به، وقال ابن عدي شهر ممن لا يعتد بحديثه ولا يتدين بدينه، وقال أبو حاتم: ليس بدون أبي الزبير، ولا يحتج به، وقال النسائي وغيره: ليس بالقوي، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال يعقوب بن شيبة: شهر ثقة طعن فيه بعضهم، ووثقه ابن معين وأحمد بن حنبل والعجلي والفسوي، وروى له مسلم مقروناً، واحتج به غير واحد. انتهى.
وقال النووي في شرح صحيح مسلم: ويدل عليه أيضاً أن شهراً ليس متروكاً بل وثقه كثيرون من كبار أئمة السلف أو أكثرهم، فممن وثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وآخرون. وقال أحمد بن حنبل: ما أحسن حديثه ووثقه، وقال أحمد بن عبد الله العجلي: هو تابعي ثقة، وقال ابن أبي خيثمة عن يحيى بن معين: هو ثقة، ولم يذكر ابن أبي خيثمة غير هذا، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال الترمذي قال محمد –يعني البخاري- شهر حسن الحديث وقوى أمره، وقال: إنما تكلم فيه ابن عون. ثم روى عن هلال بن أبي زينب عن شهر. وقال يعقوب بن أبي شيبة: شهر ثقة، وقال صالح بن محمد: شهر روى عنه الناس من أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل الشام، ولم يوقف منه على كذب وكان رجلاً يتنسك أي يتعبد إلا أنه روى أحاديث لم يشركه فيها أحد. اهـ.
قال الحافظ في التقريب: شهر بن حوشب الأشعري الشامي مولى أسماء بنت يزيد ابن السكن صدوق كثير الإرسال والأوهام اهـ. وقال في الخلاصة: شهر بن حوشب مولى أسماء بنت يزيد بن السكن أبو سعيد الشامي أرسل عن تميم الداري وسلمان، وروى عن مولاته وابن عباس وعائشة وأم سلمة وجابر وطائفة، وعنه قتادة وثابت والحكم وعاصم بن بهدلة، ووثقه ابن معين وأحمد، وقال يعقوب بن سفيان: شهر
стр. 86
وإن قال ابن عون نزكوه فهو ثقة، وقال ابن معين ثبت، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال أبو زرعة: لا بأس به لم يلق عمرو بن عبسة، وقال البخاري وجماعة: مات سنة مائة وقيل سنة إحدى عشرة ا. هـ
إذا دريت ما تلونا عليك من العبارات فقد علمت أن القوم قد تحزبوا في شهر ثلاثة أحزاب: فحزب يقتصر على الجرح، وحزب يقتصر على التوثيق، وحزب يجمع بين الجرح والتعديل.
فمن الأول الدارقطني وموسى بن هارون وابن عون وشعبة ومسلم والنسائي وابن عدي وأبو بكير والدولابي ويجيى بن سعيد وعباد بن منصور.
ومن الثاني أحمد بن حنبل والبخاري والترمذي وابن معين وأبو زرعة والعجلي ويعقوب بن أبي شيبة والفسوي.
ومن الثالث أبو حاتم الرازي وصالح بن محمد وابن حجر العسقلاني.
ومن البين أن حديث شهر -على رأي الحزب الأول- ليس مما يحتج به قطعاً، وكذلك على رأي الجامعين بين التوثيق والجرح لا يكون حديث منفرداً قابلاً للاحتجاج، فإن أبا حاتم قد نص على أنه لا يحتج به، وأما صالح بن محمد فإنه قال: روى أحاديث لم يشركه فيها أحد، فيكون عنده منكر الحديث، والحافظ ابن حجر قد صرح بأنه كثير الإرسال والأوهام، وقد ثبت في الأصول أن حديث منكر الحديث وكثير الأوهام مما لا يحتج به.
قال ابن الصلاح: ولا تقبل رواية من كثرت الشواذ والمناكير في حديثه، جاء عن شعبة أنه قال: لا يجيئك الحديث الشاذ إلا من الرجل الشاذ، ولا تقبل رواية من عرف بكثرة السهو في رواياته إذا لم يحدث من أصل صحيح اهـ. وأيضاً من شرائط من يحتج بروايته أن يكون عدلاً ضابطاً لما يرويه، وكونه منكر الحديث كثير الأوهام مشعر بعدم ضبطه، فيكون حديثه على رأي أربعة عشر إماماً مما لا يحتج به، وعلى رأي ثمانية أئمة مما يحتج به، وكثرة العدد من المرجحات كما تقرر في الأصول.
قال الحافظ في الفتح، باب الخلع: ويؤخذ من إخراج البخاري هذا الحديث في الصحيح فوائد: منها أنا الأكثر إذا وصلوا وأرسل الأقل قدم الواصل ولو كان الذي أرسل أحفظ، ولا يلزم منه أنه تقدم رواية الواصل على المرسل دائماً اهـ.
стр. 87
فالراجح أن حديث شهر مما لا يحتج به منفرداً، ومن ثم لم يرو عنه مسلم إلا مقروناً بغيره، على أن الجرح مقدم على التعديل.
قال ابن الصلاح في مقدمته: إذا اجتمع في شخص جرح وتعديل، فالجرح مقدم، لأن المعدل يخبر عما ظهر من حاله والجارح مخبر عن باطن خفي على المعدل، فإن كان عدد المعدلين أكثر فقد قيل التعديل أولى، والصحيح الذي عليه الجمهور أن الجرح أولى لما ذكرنا اهـ. فإن قلت: الجرح المبهم غير مقبول وجرح شهر كذلك فلا يقبل. قلت: بعض جروحه مفسر كجرح أبي بكير حيث قال: كان شهر على بيت المال فأخذ منه دراهم، وكجرح عباد بن منصور فإنه قال: حججت مع شهر بن حوشب فسرق عيبتي. والبعض الآخر وإن كان مبهماً والجرح المبهم لا يقبل، ولكن يقبل لأن يتوقف في قبول حديثه.
قال ابن الصلاح في مقدمته: ولقائل أن يقول إنما يعتمد الناس في جرح الرواة ورد حديثهم على الكتب التي صنفها أئمة الحديث في الجرح أو في الجرح والتعديل، وقلما يتعرضون لبيان السبب، بل يقتصرون على مجرد قولهم فلان ضعيف، وفلان ليس بشيء، ونحو ذلك، أو هذا حديث ضعيف، وهذا حديث غير ثابت، ونحو ذلك، فاشتراط بيان السبب يفضي إلى تعطيل ذلك وسد باب الجرح في الأغلب والأكثر. وجوابه أن ذلك وإن لم نعتمده في إثبات الجرح والحكم به فقد اعتمدناه في أن توقفنا عن قبول حديث من قالوا فيه مثل ذلك، بناء على أن ذلك أوقع عندنا فيهم ريبة قوية يوجب مثلها التوقف، ثم من انزاحت عنه الريبة منهم ببحث عن حاله أوجب الثقة بعدالته قبلنا حديثه ولن نتوقف، كالذين احتج بهم صاحبا الصحيحين وغيرهما ممن فيهم مثل هذا الجرح من غيرهم، فافهم ذلك فإنه مخلص حسن اهـ.
ولو سلم أن شهراً عدل ضابط، فعلى هذا أيضاً لا يقبل حديثه لأنه شاذ، رواه مخالفاً لمن هو أوثق وأحفظ وأضبط منه، فإن قزعة مولى زياد روى عن أبي سعيد الخدري هذا الحديث، وليس فيه ذكر المستثنى منه.
стр. 88
قال البخاري في صحيحه١: حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا شعبة عن عبد الملك قال: سمعت قزعة مولى زياد قال: سمعت أبا سعيد الخدري يحدث بأربع عن النبي ﷺ فأعجبنني وآنقنني٢ قال: "لا تسافر المرأة يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم. ولا صوم في يومين: الفطر والأضحى، ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام ومسجد الأقصى، ومسجدي".
وقال مسلم في صحيحه حدثنا قتيبة بن سعيد وعثمان بن أبي شيبة جميعاً عن جرير، قال قتيبة: حدثنا جرير عن عبد الملك وهو ابن عمير عن قزعة عن أبي سعيد قال: سمعت منه حديثاً فأعجبني، فقلت له: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: فأقول على رسول الله ﷺ ما لم أسمع؟ قال: ما سمعته يقول؟ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى"، وسمعته يقول: "لا تسافر المرأة يومين من الدهر إلا ومعها ذو محرم منها أو زوجها".
وقال الترمذي في جامعه: حدثنا ابن أبي عمر أخبرنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن قزعة عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تشد الرحال إلى إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجدي هذا، ومسجد الأقصى" قال: هذا حديث حسن صحيح اهـ.
ومن أجل ذلك حكم صاحب مجمع الزوائد على حديث شهر بالغرابة، وقزعة أثبت من شهر، وحسبك في توثيقه أنه من رجال الصحيحين، ولا أعلم أحدا ذكره بجرح، ولذا والله أعلم لم يذكره الذهبي في الميزان لأنه موضوع لذكر الضعفاء، ولو كان فيه جرح خفيف وجرحه من لا يعتمد على جرحه.
стр. 89
وروى قزعة وغيره عن غير أبي سعيد هذا الحديث، وليس فيه أيضاً ذكر المستثنى منه، فقد روى سعيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول، ومسجد الأقصى"، هذا لفظ البخاري.
ولفظ مسلم في رواية هكذا: "لا تشد الرجال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى". وفي رواية: "تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد".
وروى سلمان الأغر عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد: مسجد الكعبة، ومسجدي، ومسجد إيليا"، رواه مسلم.
وروى أبو سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: الكعبة ومسجدي هذا، ومسجد الأقصى" رواه الدارمي. وروى حجية بن عدي عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى"، رواه الطبراني في المعجم الصغير.
وروى قزعة بن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: إلى المسجد الحرام، وإلى المسجد الأقصى، وإلى مسجدي هذا" رواه ابن ماجه.
وروى أبو سلمة بن عبد الرحمن من حديث أبي هريرة عن بصرة بن أبي بصرة الغفاري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تعمل المطي إلا على ثلاثة مساجد: إلى المسجد الحرام، وإلى مسجدي هذا، وإلى مسجد إيلياء أو بيت المقدس"، رواه مالك في الموطأ. قال ابن عبد البر الصواب أبا بصرة١ واسمه جميل بن أبي بصرة، والغلط من يزيد لا من مالك، وفي التقريب: أبو بصرة الغفاري جميل بن بصرة اهـ. فيكون حديث شهر شاذاً مردوداً.
стр. 90
قال السيوطي في التدريب في بيان الشاذ "فالصحيح التفصيل: فإن كان الثقة بتفرده مخالفاً لمن هو أحفظ منه وأضبط؟ عبارة ابن الصلاح: لما رواه من هو أولى بالحفظ لذلك، وعبارة شيخ الإسلام: لمن هو أرجح منه لمزيد ضبط أو كثرة عدد أو غير ذلك من وجوه الترجيحات "كان ما انفرد به شاذاً مردوداً"
قال شيخ الإسلام: ومقابله يقابله يقال له المحفوظ، قال: مثاله ما رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من طريق ابن عيينة عن ابن عباس "أن رجلاً توفي على عهد رسول الله ﷺ لم يدع وارثاً إلا مولى هو أعتقه"، الحديث، وتابع ابن عيينة على وصله ابن جريج وغيره، وخالفهم حماد بن زيد رواه عن عمرو بن دينار عن عوسجة ولم يذكر ابن عباس، قال أبو حاتم: المحفوظ حديث ابن عيينة.
قال شيخ الإسلام: فحماد بن زيد من أهل العدالة والضبط، ومع ذلك رجح أبو حاتم رواية من هم أكثر عدداً منه، قال: وهذا هو المعتمد في حد الشاذ بحسب الاصطلاح.
ومن أمثلته في المتن ما رواه أبو داود والترمذي من حديث عبد الواحد بن زياد عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً "إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه"، قال البيهقي: خالف عبد الواحد العدد الكثير في هذا، فإن الناس إنما رووه من فعل النبي ﷺ لا من قوله، وانفرد عبد الواحد من بين ثقات أصحاب الأعمش بهذا اللفظ. انتهى.
قال الذهبي في الميزان: عبد الواحد بن زياد بن شيبة العبدي البصري أحد المشاهير احتجا به في الصحيحين، وتجنبا تلك المناكير التي نقمت عليه فيحدث عن الأعمش بصيغة السماع عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا صلى أحدكم الركعتين قبل الصبح فليضطجع على يمينه" أخرجه أبو داود. انتهى
وقال السيوطي في بحث المنكر مثل الأول، وهو المنفرد المخالف لما رواه الثقات، رواية مالك عن الزهري عن علي بن حسين عن عمر بن عثمان عن أسامة بن زيد عن رسول الله ﷺ قال: "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم" فخالف مالك غيره
стр. 91
من الثقات في قوله: "عمر بن عثمان"، بضم العين.
وذكر مسلم في التمييز أن كل من رواه من أصحاب الزهري قال بفتحها وأن مالكاً وهم في ذلك.
قال العراقي: وفي هذا التمثيل نظر، لأن الحديث ليس بمنكر، ولم يطلق عليه أحد اسم النكارة فيما رأيت، وغايته أن يكون السند منكراً أو شاذاً لمخالفة الثقات لمالك، ولا يلزم من شذوذ في السند ونكارته وجود ذلك الوصف في المتن.
وقد ذكر ابن الصلاح في نوع المعل أن العلة الواقعة في السند قد تقدح في المتن، وقد لا تقدح كما سيأتي، قال فالمثال الصحيح لهذا القسم ما رواه أصحاب السنن الأربعة من رواية همام بن يحيى عن ابن جريج عن الزهري عن أنس ﵁ قال: "كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه". قال أبو داود بعد تخريجه: هذا حديث منكر، وإنما يعرف عن ابن جريج عن زياد بن سعد الزهري عن أنس "أن النبي ﷺ اتخذ خاتماً من ورق ثم ألقاه" قال: والوهم فيه من همام ولم يروه إلا همام، وقال النسائي بعد تخريجه: هذا حديث غير محفوظ، فهمام بن يحيى ثقة احتج به أهل الصحيح، ولكن خالف الناس فروى عن ابن جريج هذا المتن بهذا السند، وإنما روى الناس عن ابن جريج الحديث الذي أشار إليه أبو داود. فلهذا حكم عليه بالنكارة اهـ.
قال المؤلف: قد علم من العبارة المنقولة أن العلة الواقعة في السند قد تقدح في المتن ومثل لها ابن الصلاح بالإرسال والوقف، وكم من أحاديث رواتها ثقات عدت من الشواذ لمخالفة روايات الثقات، وتلك المخالفة الموجبة لشذوذها قد تكون في السند بحيث توجب شذوذ المتن أيضاً، وقد تكون في نفس المتن.
فمن أمثلة القسم الأول حديث محمد بن فضيل الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن للصلاة أولاً وآخراً" قال الترمذي في جامعه قال أبو عيسى: سمعت محمداً يقول: حديث الأعمش عن مجاهد في المواقيت أصح من حديث محمد بن فضيل عن الأعمش، وحديث محمد بن فضيل خطأ أخطأ فيه محمد ابن فضيل: حدثنا هناد حدثنا أبو أسامة عن أبي إسحاق الفزاري عن الأعمش عن
стр. 92
مجاهد قال: كان يقال إن للصلاة أولاً وآخراً، فذكر نحو حديث محمد بن فضيل عن الأعمش، نحوه بمعناه اهـ. وقال الدارقطني: هذا لا يصح مسنداً، وهمَ في إسناده ابن فضيل، وغيره يرويه عن الأعمش عن مجاهد مرسلاً، أخبرنا أبو سهل بن زياد أخبرنا محمد بن أحمد بن النضر حدثنا معاوية بن عمرو أخبرنا زائدة عن الأعمش عن مجاهد قال: كان يقال إن للصلاة أولاً وآخراً، ثم ذكر هذا الحديث وهو أصح من قول ابن فضيل، وقد تابع زائدة عبثر بن القاسم. وحدثنا أبو بكر الشافعي حدثنا محمد بن شاذان أخبرنا معلى بن منصور أخبرني أبو زبيد –وهو عبثر- أخبرنا الأعمش عن مجاهد عن النبي ﷺ نحوه، اهـ. مع أن محمد بن فضيل ثقة من رجال الصحيحين.
قال الذهبي في الميزان: إن محمد بن فضيل بن غزوان كوفي صدوق مشهور، كان صاحب حديث ومعرفة، وثقه ابن معين، وقال أحمد: حسن الحديث شيعي، وقال النسائي: لا بأس به ا. هـ ملخصاً. وقال الحافظ في التقريب: صدوق عارف، رمي بالتشيع اهـ. وقال أبو زرعة: صدوق كذا في التهذيب، وقال الذهبي في الكاشف: ثقة شيعي اهـ.
ومنها حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه". عند جماعة قال الحافظ في البلوغ: رواه الدارقطني والحاكم ورجاله ثقات، إلا أن المحفوظ عند أبي داود وغيره إرساله.
ومنها حديث ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من وهب هبة فهو أحق بها ما لم يثب عليها"، قال الحافظ في البلوغ: رواه الحاكم وصححه، والمحفوظ من رواية ابن عمر عن عمر من قوله اهـ. وقال في تخريج الهداية: وعن ابن عمر أخرجه الحاكم والدارقطني وإسناده صحيح، إلا أن البيهقي قال: غلط فيه عبد الله بن موسى عن حنظلة عن سالم عنه، والصواب رواية ابن وهب عن حنظلة عن سالم عن ابن عمر عن عمر قوله، وهكذا قال ابن عيينة عن عمرو عن سالم. انتهى
стр. 93
وقال الدارقطني: حدثنا أبو علي الصفار من أصل كتابه حدثنا علي بن سهل بن المغيرة حدثنا عبد الله بن موسى أخبرنا حنظلة عن أبي سفيان قال: سمعت سالم بن عبد الله عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "من وهب هبة فهو أحق بها ما لم يثبت منها"، لا يثبت هذا مرفوعاً، والصواب عن ابن عمر عن عمر مرفوعاً. انتهى ما في سنن الدارقطني، هكذا في النسخة المكتوبة في سنة تسع وعشرين وسبع مائة المقروءة على ابن الجزري بلفظ: والصواب عن ابن عمر عن عمر مرفوعاً. ولعله من سهو الناسخ، والصواب: عن ابن عمر عن عمر موقوفاً كما قال الحافظ، والله أعلم.
ومنها حديث عكرمة أن أخت عبد الله ابن أبيّ أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، الحديث الذي روي مرسلاً، فإن البخاري قدم هنالك الموصول على المرسل لكثرة الواصلين.
قال الحافظ في الفتح: ويؤخذ من إخراج البخاري في هذا الحديث في الصحيح فوائد: (منها) أن الأكثر إذا وصلوا وأرسل الأقل قدم الواصل، ولو كان الذي أرسل أحفظ، ولا يلزم منه أنه تقدم رواية الواصل على المرسل دائماً. (ومنها) أن الراوي إذا لم يكن في الدرجة العليا من الضبط ووافقه من هو مثله اعتضد وقاومت الروايتان رواية الضابط المتقن، انتهى. مع أن رجاله كلهم ثقات أثبات.
ومن أمثلة القسم الثاني حديث عبد الرحمن بن سابط عن أبي أمامة ﵁ قال: قيل يا رسول الله أي الدعاء أسمع؟ قال: "جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات" رواه الترمذي.
قال الحافظ في شرح الأذكار: قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وفيما قاله نظر، لأن فيه عللاً: (منها) الشذوذ فإنه جاء عن خمسة من أصحاب أبي أمامة أصل الحديث من رواية صاحب النبي ﷺ عن عمرو بن عبسة واقتصروا كلهم على الشق الأول، انتهى ملخصاً. مع أن عبد الرحمن بن سابط ثقة من رجال صحيح مسلم. (ومنها) حديث أبي إسحاق عن الأسود عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ ينام وهو
стр. 94
جنب ولا يمس ماء، رواه الترمذي. قال: وقد روى غير واحد عن الأسود عن عائشة عن النبي ﷺ أنه كان يتوضأ قبل أن ينام، وهذا أصح من حديث أبي إسحاق عن الأسود، وقد روى عن أبي إسحاق هذا الحديث شعبة والثوري وغير واحد، ويرون أن هذا غلط من أبي إسحاق، انتهى. مع أن أبا إسحاق ثقة من رجال الصحيحين.
(ومنها) حديث أبي قيس عن هزيل بن شرحبيل عن المغيرة بن شعبة قال: توضأ النبي ﷺ ومسح على الجوربين والنعلين رواه الترمذي، فإن راويه عبد الرحمن ابن ثروان أبا قيس الأودي مع أنه ثقة، وثقه ابن معين وغيره وهو من رجال صحيح البخاري لما خالف الثقات في رواية هذا الحديث عد حديثه هذا من الشواذ، فإن نافع بن جبير روى هذا الحديث عن عروة بن المغيرة عن أبيه المغيرة بن شعبة، أخرجها البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه، وأن عامراً الشعبي رواه عن عروة بن المغيرة عن أبيه أخرجها البخاري ومسلم وأبو داود والدارمي والدارقطني، وأن أشعث رواه عن الأسود بن هلال عن المغيرة أخرجها مسلم، وأن مسلماً روى عن مسروق عن المغيرة بن شعبة أخرجها مسلم والنسائي، وإن بكر بن عبد الله المزني رواه عن عروة بن المغيرة بن شعبة عن أبيه أخرجها مسلم، وأن ابن سيرين رواه عن عمرو بن موهب الثقفي عن المغيرة بن شعبة أخرجها النسائي والدارقطني، وأن عبد الرحمن بن أبي الزناد رواه عن أبيه عن عروة بن الزبير عن المغيرة بن شعبة أخرجها أبو داود والترمذي والدارقطني، وأن عباد بن زيد رواه عن عروة بن المغيرة بن شعبة عن أبيه رواه أبو داود ومالك بغير ذكر عروة، وأن قتادة رواه عن الحسن وعن زرارة بن أوفى عن المغيرة بن شعبة أخرجها أبو داود، وأن بكر ابن عامر البجلي رواه عن عبد الرحمن بن أبي أنعم عن المغيرة بن شعبة أخرجها أبو داود، وأن إسماعيل بن محمد بن سعد رواه عن حمزة بن المغيرة بن شعبة عن أبيه، وأن بكر بن عبد الله المزني رواه عن حمزة ابن المغيرة بن شعبة عن أبيه أخرجها النسائي، وأن بكر بن عبد الله المزني رواه عن ابن المغيرة عن أبيه أخرجها أبو داود والنسائي والدارقطني، وليس في رواية هؤلاء الثقات الأثبات المسحُ على الجوربين
стр. 95
ومن أجل ذلك ضعفه الأئمة.
قال النسائي: لا أعلم أحداً تابع أبا قيس، والصحيح عن المغيرة المسح على الخفين، وقال أبو داود: كان ابن مهدي لا يحدث به، وقال البيهقي: ضعف هذا الحديث الثوري وابن مهدي وابن معين وأحمد وابن المديني ومسلم، كذا في تخريج الهداية للحافظ ابن حجر.
قوله: وأما التوسل فقد صح صدوره من النبي ﷺ ، فقد صح في أحاديث كثيرة منها أنه ﷺ كان من دعائه: "اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك"، وهذا توسل لا شك فيه. وصح في أحاديث كثيرة أنه كان يأمر أصحابه أن يدعوا بها، فمنها ما رواه ابن ماجه بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من خرج من بيته إلى الصلاة فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وأسألك بحق ممشاي هذا إليك، فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياء ولا سمعة" اهـ.
أقول في حديث أبي سعيد كلام من وجوه:
(الأول) أن في سنده عطية بن سعد العوفي، وهو وإن كان ممن اختلف في الاحتجاج به، لكن الراجح والمحقق أنه ضعيف، وها أنا أذكر عبارات القوم ثم أرجح ما هو الراجح فنقول: قال الذهبي في الميزان: عطية بن سعد العوفي الكوفي تابعي شهير ضعيف عن ابن عباس وأبي سعيد وابن عمر، وعنه مسعر وحجاج بن أرطأة وطائفة وابنه الحسن، قال أبو حاتم: يكتب حديثه ضعيف، وقال سالم المرادي: كان عطية يتشيع، وقال ابن معين: صالح، وقال أحمد: ضعيف الحديث، وكان هشيم يتكلم في عطية.
وروى ابن المديني عن يحيى قال: عطية وأبو هارون وبشر بن حرب عندي سواء. وقال أحمد: بلغني أن عطية كان يأتي الكلبي فيأخذ عنه التفسير كان يكنيه بأبي سعيد فيقول، قال أبو سعيد، قلت: يعني يوهم أنه الخدري. وقال النسائي
стр. 96
وجماعة: ضعيف اهـ. وقال المنذري في الترغيب والترهيب: عطية بن سعد العوفي قال أحمد وغيره: ضعيف الحديث، وقال أبو حاتم: ضعيف يكتب حديثه، ووثقه ابن معين وغيره، وحسن له الترمذي غير ما حديث، وأخرج حديثه ابن خزيمة في صحيحه وقال: في القلب من عطية شيء اهـ.
وقال الحافظ ابن القيم في الهدى في بيان سنة الجمعة: عطية العوفي قال البخاري كان هشيم تكلم فيه، وضعفه أحمد وغيره. وقال البيهقي: عطية العوفي لا يحتج به، ومبشر بن عبيد الحمصي منسوب إلى وضع الحديث، والحجاج بن أرطأة لا يحتج به.
قال بعضهم: ولعل الحديث انقلب على بعض هؤلاء الثلاثة الضعفاء لعدم ضبطهم وإتقانهم اهـ ملخصاً. وقال الحافظ ابن حجر في التقريب: عطية بن سعد ابن جنادة بضم الجيم بعدها نون خفيفة العوفي الجدلي بفتح الجيم والمهملة الكوفي أبو الحسن صدوق يخطئ كثيراً، كان شيعياً مدلساً من الثالثة، مات سنة إحدى عشرة١ اهـ.
وقال الذهبي في الكاشف: عطية بن سعد العوفي أبو الحسن عن أبي سعيد وطائفة وعنه ابناه عمر والحسن ومسعر ومرة وخلق، ضعفوه، مات سنة ١١١ اهـ.
وقال الحافظ صفي الدين بن أحمد بن عبد الله الخزرجي في الخلاصة: عطية بن سعد بن جنادة العوفي بفتح المهملة وإسكان الواو بعدها فاء الجدلي بفتح الجيم أبو الحسن الكوفي عن أبي هريرة وأبي سعيد وابن عباس، وعنه ابناه عمر والحسن وإسماعيل ابن أبي خالد ومسعر وخلق، ضعفه الثوري وهشيم وابن عدي، وحسن له الترمذي أحاديث، قال مطين: مات سنة إحدى عشرة ومائة اهـ.
وقال في التهذيب: قال أبو حاتم وابن سعد مع ضعفه يكتب حديثه اهـ. وقال المنذري في تلخيصه لسنن أبي داود: عطية ضعيف الحديث، وقال في غير ما موضع لا يحتج بحديثه، وقال في موضع: في إسناده محمد بن الحصين بن عطية العوفي عن أبيه
стр. 97
عن جده وثلاثتهم ضعفاء، وقال في موضع: في إسناده عطية العوفي وهو ضعيف، وقال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير تحت حديث أبي سعيد "من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره"، أبو داود وابن ماجه، وفيه عطية بن سعد العوفي وهو ضعيف، وأعله أبو حاتم والبيهقي وعبد الحق بن القطان بالضعف والاضطراب اهـ.
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: عطية مختلف في الاحتجاج به، وفي موضع: وفيه الحجاج بن أرطأة وعطية وكلاهما فيه كلام، وفي موضع: وفيه عطية وثقه ابن معين وضعفه جماعة تضعيفا لينا اهـ. وقال الدارقطني في سننه تحت حديث عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "طلاق الأمة اثنتان وعدتها حيضتان"، وحديث عبد الله ابن عيسى عن عطية عن ابن عمر عن النبي ﷺ منكر غير ثابت من وجهين: (أحدهما) أن عطية ضعيف وسالم ونافع أثبت منه وأصح رواية، (والوجه الآخر) أن عمر بن شبيب ضعيف الحديث لا يحتج بروايته والله أعلم اهـ.
فهذه عبارات القوم في عطية، وقد اتضح من هذه العبارات أمور: (الأول) أن الذهبي مختاره التضعيف حيث قال في حقه في الميزان: تابعي شهير ضعيف. يؤيد ما قاله في الكاشف من قوله ضعفوه، ولم ينقل هناك القول بالتوثيق، فعلم أنه رجح التضعيف. وقال في الميزان في ترجمة الحكم بن فضيل عن عطية العوفي: (قلت) وقد وثقه أبو داود وعطية واه. وقال في الميزان في ترجمة فضيل بن مرزوق: وقال ابن حبان منكر الحديث جداً، كان ممن يخطئ على الثقات، ويروى عن عطية الموضوعات، (قلت) عطية أضعف منه اهـ، وكذا اختار الحافظ ابن القيم تضعيفه في الهدى، وكذا المنذري في تلخيصه لسنن أبي داود في غير ما موضع، والحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير، والدارقطني في سننه.
(والثاني) أن عطية وأبا هارون وبشر بن حرب سواء كما نقل عن يحيى، أما أبو هارون فاسمه عمارة بن جوين. قال الذهبي في الميزان: عمارة بن جوين أبو هارون العبدي تابعي لين بمرة، كذبه حماد بن زيد. وقال شعبة: لأن أقدم فتضرب عنق أحب إلي من أن أحدث عن أبي هارون. وقال أحمد: ليس بشيء، وقال ابن
стр. 98
معين: ضعيف لا يصدق في حديثه. وقال س متروك الحديث. وقال الدارقطني: يتلون خارجي وشيعي، فيعتبر بما روى عنه الثوري. وقال ابن حبان: كان يروي عن أبي سعيد ما ليس من حديثه. وروى معاوية بن صالح عن يحيى: ضعيف، يحيى القطان قال: قال شعبة: كنت أتلقى الركبان أسأل عن أبي هارون العبدي فقدم، فرأيت عنده كتاباً فيه أشياء منكرة في علي ﵁ فقلت: ما هذا الكتاب؟ قال: هذا الكتاب حق، قال القطان: لم يزل ابن عون يروي عن أبي هارون حتى مات، قال الجوزجاني: أبو هارون كذاب مفتر، ابن عدي حدثنا الحسن بن سفيان حدثني عبد العزيز بن سلام حدثني علي بن مهران سمعت بهز بن أسد سمعت شعبة يقول: أتيت أبا هارون فقلت أخرج إلى ما سمعته من أبي سعيد، فأخرج إلي كتابا فإذا فيه حدثنا أبو سعيد أن عثمان أدخل حفرته وإنه لكافر بالله؟ فدفعت الكتاب في يده وقمت. الأثرم حدثنا يحيى بن آدم حدثنا معلى بن خالد قال لي شعبة: لو شئت أن يحدثني أبو هارون العبدي عن أبي سعيد بكل شيء أرى أهل واسط يصنعونه بالليل لفعلت.
وقال ابن معين: كانت عند أبي هارون صحيفة يقول: هذه صحيفة الوحي، قال السليماني: سمعت أبا بكر بن حامد يقول سمعت صالح بن محمد أخبرنا علي وسئل عن أبي هارون العبدي فقال: أكذب من فرعون.
أبو أحمد الزبيري حدثنا سفيان عن أبي هارون سمعت أبا سعيد قال: كانت لي جارية كنت أعزل عنها فولدت أحب الناس إلي، رواه محمد بن كثير عن الثوري. وبالإسناد الثاني عن أبي سعيد مرفوعاً "وإذا ضرب أحدكم خادمه فذكر الله فارفعوا أيديكم"اهـ.
وأما بشر بن حرب فقال الذهبي في الميزان: بشر بن حرب أبو عمر الندبي البصري، والندب حي من الأزد، له عن أبي سعيد وجماعة، وعنه شعبة وحماد بن زيد، ضعفه علي ويحيى، وقال أحمد: ليس بالقوي، وقال ابن خراش: متروك، وكان حماد بن زيد يمدحه، وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: سألت ابن المديني عنه فقال: كان ثقة عندنا، وقال
стр. 99
ابن عدي لا بأس به عندي، لا أعرف له حديثاً منكرا.
وحيث كان عطية سواء لهما١ صدق عليه أنه لين بمرة، كذاب ليس بشيء لا يصدق في حديثه، متروك الحديث، كذاب مفتر، أكذب من فرعون فعلم أن في عطية كلاماً شديداً لا كما قال الهيثمي. وضعفه جماعة تضعيفاً ليناً، والغرض من نقل هذا ليس أن إطلاق تلك الكلمات عليه مختار عندي، فإن المختار عندي قول أبي حاتم: ضعيف يكتب حديثه. فإنه أعدل الأقوال وأصوبها، ولكن المقصود التنبيه على خطأ الهيثمي في قصر التضعيف على تضعيف لين.
(والثالث) أنه مدلس كما صرح به الحافظ ابن حجر، ويدلس شر تدليس كما قال الإمام أحمد: بلغني أن عطية كان يأتي الكلبي فيأخذ عنه التفسير، كان يكنيه بأبي سعيد، فيقول قال أبو سعيد، يعني أنه يوهم أنه الخدري، فهذا تدليس أي تدليس، قال في توضيح الأفكار: فإن صادف شهرة راو ثقة يمكن أخذ ذلك الراوي عنه فمفسدته أشد كما وقع لعطية العوفي في تكنية محمد بن السائب الكلبي أبا سعيد فكان إذا حدث عنه يقول حدثني أبو سعيد، فيوهم أنه أبو سعيد الخدري، لأن عطية كان قد لقيه وروى عنه، وهذا أشد ما بلغنا من مفسدة تدليس الشيوخ اهـ. يعني ما قال الحافظ ابن حجر اهـ.
(والرابع) أن جماعة من النقاد أعلوا حديث أبي سعيد "من أسلف في شيء فلا يصرفة إلى غيره" بالضعف، كما نقله الحافظ في تلخيص الحبير مع أن رواته كلهم إلى عطية موثقون، فما جاء فيه الضعف إلى من قبله، فإن سنده في سنن أبي داود هكذا: حدثنا محمد بن عيسى أخبرنا أبو بدر عن زياد بن خيثمة عن سعد –يعني الطائي- عن عطية بن سعد عن أبي سعيد الخدري.
وفي سنن ابن ماجه هكذا: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا شجاع بن الوليد حدثنا زياد بن خيثمة عن سعد عن عطية عن أبي سعيد، وفي رواية أخرى هكذا: حدثنا عبد الله بن سعيد حدثنا شجاع بن الوليد عن زياد بن خيثمة عن عطية عن أبي
стр. 100
سعيد، قال ابن ماجه فذكر مثله، لم يذكر سعداً، أما محمد بن عيسى فقال الحافظ في التقريب: محمد بن عيسى بن نجيح أبو جعفر الطباع البغدادي نزيل أذنة١ ثقة فقيه، كان من أعلم الناس بحديث هيثم، من العاشرة، مات سنة أربع وعشرين وله أربع وسبعون اهـ.
وقال في الخلاصة: محمد بن عيسى بن نجيح البغدادي أبو جعفر الطباع سكن أذنة، عن محمد بن مطرف وابن إبراهيم بن سعد وهيثم وخلق، وعنه البخاري تعليقاً وأبو داود والذهلي والدارمي، وقال أبو حاتم: ثقة مأمون، وقال أبو داود: وكان يحفظ نحوا من أربعين ألف حديث اهـ.
وقال في الكاشف: محمد بن عيسى بن الطباع أبو جعفر أخو إسحاق ويوسف، نزل أذنة، وروى عن مالك وأبي غسان ومحمد بن مطرف وعبدة، وعنه الدارمي وأحمد بن جليد الحلبي وعلق له البخاري، وكان حافظاً مكثراً فقيهاً، قال وكان يحفظ نحواً من أربعين ألف حديث، وقال أبو حاتم: ثقة مأمون، ما رأيت أحفظ للأبواب منه اهـ.
وأما أبو بدر فاسمه شجاع بن الوليد قال في التقريب: شجاع بن الوليد بن قيس السكوني أبو بدر الكوفي صدوق ورع له أوهام، من التاسعة، مات سنة أربع ومائتين اهـ، ورمز له الحافظ ع الدال على أنه روى له أصحاب الأصول الستة، وقال في الكاشف: شجاع بن الوليد وأبو بدر السكوني الحافظ الصالح عن الأعمش وهشام ابن عروة وعنه ابنه الوليد اهـ.
وقال في الخلاصة: شجاع بن الوليد بن قيس السكوني أبو بدر الكوفي نزيل بغداد محدث صالح عن الأعمش وهشام وعطاء بن السائب، وعنه محمد بن عبد الرحيم البزار وأحمد بن محمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وابنه الوليد بن شجاع، قال أحمد: كان شيخاً صالحاً صدوقاً، وقال أحمد بن أبي خيثمة وعبد الخالق بن منصور: ثقة، قال ابن سعد: مات سنة أربع ومائتين، له في البخاري فرد حديث اهـ. وقال في
стр. 101
الميزان: شجاع بن الوليد أبو بدر الكوفي السكوني الحافظ صدوق مشهور، روى عن مغيرة بن مقسم وليث، وعنه ابنه الوليد وأبو خيثمة وخلق، وثقه ابن معين وغيره، قال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم: لين الحديث شيخ ليس بالمتين، لا يحتج به إلا أن عنده عن محمد بن عمرو أحاديث صحاح، وقال المروزي: قلت لأبي عبد الله: أبو بدر ثقة؟ قال: أرجو أن يكون صدوقاً قد جالس الصالحين، وروى وكيع عن الثوري قال: ليس في الكوفة أعبد من أبي بدر اهـ ملخصاً.
وأما زياد بن خيثمة فقال في التقريب: زياد بن خيثمة الجعفي الكوفي ثقة من السابعة اهـ. وقال في الخلاصة: زياد بن خيثمة الجعفي عن الشعبي ومجاهد وعنه زهير بن معاوية وهشيم ووكيع، وثقه ابن معين اهـ. ورمز له في الخلاصة م ٤ الدال على أنه روى له مسلم وأصحاب السنن الأربعة، وقال في الكاشف: زياد بن خيثمة الكوفي عن الشعبي ومجاهد وعنه هشيم ووكيع ثقة اهـ.
وأما سعد الطائي فقال الحافظ في التقريب: سعد أبو مجاهد الطائي الكوفي لا بأس به من السادسة، ورمز له خ د ت ق وهذا يدل على أنه من رجال البخاري، وقال في الخلاصة: سعد الطائي أبو مجاهد الكوفي عن محل بن خليفة وعنه إسرائيل والأعمش وثقه ابن حبان اهـ. وقال في التهذيب: ووكيع اهـ.
وأما محمد بن عبد الله بن نمير الواقع في سند ابن ماجه فقال الحافظ في التقريب: محمد بن عبد الله بن نمير الهمداني بسكون الميم الكوفي أبو عبد الرحمن ثقة حافظ فاضل من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين١ اهـ، وقال في الخلاصة: محد بن عبد الله ابن نمير بضم النون الهمداني خارفي بمعجمة أبو عبد الرحمن الكوفي الحافظ أحد الأعلام عن أبي خالد الأحمر وابن عيينة وأبي معاوية وخلق وعنه خ م د ق، عظمه أحمد وأجله، وقال النسائي: ثقة مأمون، قال ابن حبان: مات سنة أربع وثلاثين ومائتين اهـ. وقال في الكاشف: محمد بن عبد الله بن نمير أبو عبد الرحمن الخارفي الحافظ الزاهد عن المطلب بن زياد وابن عيينة وخلق، وعنه خ م د ق ومطين وأبو يعلى، قال أبو إسماعيل الترمذي: كان أحمد بن حنبل يعظم ابن نمير تعظيماً
стр. 102
عجيباً، وقال أحمد بن صالح: ما رأيت بالعراق مثله اهـ.
وأما عبد الله بن سعيد -الواقع في سند ابن ماجه الآخر- فقال الحافظ في التقريب: عبد الله بن سعيد بن حصين الكندي أبو سعيد الأشج الكوفي ثقة من صغار العاشرة مات سنة سبع وخمسين١ اهـ.
وقال في الخلاصة: عبد الله بن سعيد بن حصين الكندي الكوفي أبو سعيد الأشج الحافظ أحد الأئمة عن عبد السلام بن حرب وأبي خالد الأحمر والمحاربي وابن إدريس وهشيم وطبقتهم وعنه ع قال أبو حاتم: ثقة إمام أهل زمانه، قيل مات سنة سبع وخمسين ومائتين اهـ.
وقال في الكاشف: عبد الله بن سعيد أبو سعيد الأشج الكندي الحافظ عن هشيم والمطلب بن زياد وعنه ع وابن أبي حاتم، قال أبو حاتم: ثقة إمام أهل زمانه. وقال الشطوى٢: ما رأيت أحفظ منه اهـ.
فقد ثبت أن ضعف الحديث المذكور ليس إلا من قبل عطية، ولذا صرح به الحافظ، فعلم أنه عند هؤلاء النقاد ضعيف.
(والخامس) أن وجه ضعف عطية ليس منحصراً في التشيع والتدليس، بل له وجه آخر أيضاً غيرهما وهو عدم الضبط وكثرة الخطأ، صرح به الحافظ ابن القيم في الهدى والحافظ ابن حجر في التقريب، فليفهم.
(السادس) أن جارحيه أكثر من موثقيه، فلنعد الجارحين فنقول: من الجارحين أبو حاتم وسالم المرادي وأحمد وهشيم ويحيى والنسائي والبيهقي والثوري وابن عدي وعبد الحق والذهبي والمنذري والحافظ ابن القيم والحافظ ابن حجر والدارقطني، ومن الموثقين ابن معين والترمذي، فما وزانهما في جنب ذلك السواد الأعظم
стр. 103
إذا تمهد هذا فنقول: الراجح في عطية الضعف، فإن جارحيه أكثر من معدّليه، ولأن كلام الموثقين أيضاً لا يقتضي أن حديثه فيما تفرد به مما يحتج به، فإن ابن معين قال في حقه صالح كما في الميزان، وهذه اللفظة في المرتبة السادسة من مراتب التوثيق، فهذا توثيق لين، وحكمه أنه يكتب حديث للاعتبار، فهذا التوثيق لا ينافي القول بالضعف، وأما الترمذي فلم يصرح بتوثيقه، نعم حسن له غير ما حديث، وتحسينه لا يدل على أن عطية ممن يحتج بحديثه في كل موضع، فإنه ربما يحسن الحديث لمجيئه من طريق أخرى، ولاحتمال أن يكون التحسين في موضع قد ثبت عند الترمذي التصريح بالتحديث فيه، فإن عطية مدلس، وحديث المدلس إنما يقبل إذا صرح بالتحديث، على أن الترمذي متساهل في التصحيح والتحسين، ولذا لم يعتمد العلماء عليه في هذا الباب، وردوا على تصحيحه وتحسينه في غير ما موضع.
قال الذهبي في الميزان في ترجمة كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف بن زيد المزني: وأما الترمذي فروى من حديثه "الصلح جائز بين المسلمين" وصححه، فلذا لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي اهـ.
وقال في (البرهان شرح مواهب الرحمن) : وقال ابن دحية في العلم المشهور: وكم حسن الترمذي في كتابه من أحاديث موضوعة وأسانيد واهية، منها هذا الحديث اهـ. وابن حزم قد زعم أنه مجهول، والمجهول لا يعتبر تحسينه وتصحيحه، كذا في توضيح الأفكار، وهذا القول وإن كان متعقباً ولكن المقصود هناك تعداد من لم يعتمد على تصحيح الترمذي وتحسينه، وقال المنذري في الترغيب والترهيب: وأنبّه على كثير مما حضر في حال الإملاء مما تساهل أبو داود في السكوت عن تضعيفه، أو الترمذي في تحسينه، أو ابن حبان والحاكم في تصحيحه، لا انتقادا عليهم ﵃، بل مقياساً للتبصر في نظائرها من هذا الكتاب، وكل حديث عزوته إلى أبي داود وسكت عنه فهو كما ذكر أبو داود، ولا ينزل عن درجة الحسن، وقد يكون على شرط الصحيحين اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في (تلخيص الحبير) تحت حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 104
سئل عن العمرة أواجبة؟ قال "لا وإن تعتمر فهو أولى" اهـ: في تصحيحه أي الترمذي نظر كثير من أجل الحجاج، فإن الأكثر على تضعيفه، والاتفاق على أنه مدلس، وقال النووي: ينبغي أن لا يغتر بكلام الترمذي في تصحيحه فقد اتفق الحفاظ على تضعيفه اهـ.
وقال في التلخيص تحت حديث جد كثير١ في تكبير العيد: وقد قال البخاري والترمذي: إنه أصح شيء في هذا الباب، وأنكر جماعة تحسينه على الترمذي. وقال تحت حديث عبد الله بن مسعود في عدم رفع اليدين: هذا الحديث حسنه الترمذي، وصححه ابن حزم، وقال ابن المبارك: لم يثبت عنه، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: هذا خطأ، وقال أحمد بن حنبل وشيخه يحيى بن آدم: هو ضعيف. نقله البخاري عنهما وتابعهما على ذلك، وقال أبو داود: ليس بصحيح، وقال الدارقطني: لم يثبت، وقال ابن حبان في الصلاة: هذا أحسن خبر روى أهل الكوفة في نفي رفع اليدين في الصلاة عند الركوع وعند الرفع منه، وهو في الحقيقة أضعف شيء يعول عليه، وإن له عللاً تبطله. وهؤلاء الأئمة إنما طعنوا كلهم في طريق عاصم بن كليب الأولى اهـ.
ومن ثم صرح العلماء بأن ما حسنه الترمذي أو صححه ليس من جنس ما صححه إمام من الأئمة أو حسنه حتى يكون مما يجب العمل به، بل هو اصطلاح جديد، قال في (توضيح الأفكار) : فإن قلت قد صرحوا بأن عنده –أي الترمذي- نوع تساهل في التصحيح، فقد حكم بالحسن مع وجود الانقطاع في أحاديث في سننه، وحسن فيها بعض ما انفرد به راويه كما صرح هو بذلك، فإنه يورد الحديث ثم يقول عقيبه: إنه حسن غريب، وحسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، قلت: هذا كله لا يضر، لأن ذلك اصطلاح جديد له، ومن بلغ النهاية في الإمامة والحفظ
стр. 105
لا ينكر عليه ابتداع اصطلاح يختص به، وحينئذ فلا مشاحة في الاصطلاح، وبهذا يجاب عما استشكلوه من جمعه بين الصحة والحسن على متن واحد مع ما هو معلوم من تغابرهما اهـ. أي كلام ابن حجر الهيتمي.
قلت: إذا كان اصطلاح الترمذي أن الحسن والصحيح شيء واحد، فإنه لا يصح حمل قوله صحيح على المعنى الذي نحن بصدده، بل يحمل على أنه قسم من الحسن.
ثم قال: وقد وقع للبغوي في المصابيح اصطلاح آخر في الصحيح والحسن، فجعل الصحيح ما رواه الشيخان أو أحدهما في كتابيهما، والحسن ما روى غيرهما. وقد اخترع غيره اصطلاحاً آخر كالحاكم والخطيب، فإنهما اصطلحا على إطلاق الصحة على جميع ما في سنن أبي داود والنسائي، ووافقهما في النسائي جماعة منهم أبو علي النيسابوري وأبو أحمد بن عدي والدارقطني، اهـ. ملتقطاً من فهرست ابن حجر الهيتمي. وإنما نقلته لئلا يقع الناظر على تصحيح الترمذي أو تحسين البغوي فيظن أنه من قسم ما صححه إمام من الأئمة، أو تحسين بالمعنى الذي ذكره المصنف وغيره للصحيح، بل لا بد من معرفة اصطلاح الإمام الذي قال صحيح أو حسن قبل ذلك اهـ.
وقال في (توضيح الأفكار) بعد ذكر صحيح ابن خزيمة وابن حبان: وعلى كل حال فلا بد للتأهل من الاجتهاد والنظر، ولا يقلد هؤلاء ومن نحا نحوهم، فكم حكم ابن خزيمة بالصحة لما لا يرتقي عن رتبة الحسن، بل فيما صححه الترمذي من ذلك جملة مع أنه يفرق بين الحسن والصحيح. انتهى ما قال ابن حجر في فهرسته. قلت: فلا تأخذ مما قاله المصنف والزين وغيرهما حكماً كلياً اهـ.
وأيضاً قال في (توضيح الأفكار) : اعلم أنه يظهر من كلام المنصف أنه يعمل بما حسنه الترمذي، وقد عرفت مما سقناه عن الحافظ ابن حجر أنه حسن الترمذي أحاديث فيها ضعيف، وفيها من رواية المدلسين ومن كثر غلطه وغير ذلك، فكيف يعمل بتحسينه وهو بهذه الصفة؟ وقد نقل الحافظ عن الخطيب أنه قال: أجمع أهل العلم على أن الخبر لا يجب قبوله إلا من العاقل الصدوق المأمون على ما يخبر به، قال الحافظ أيضاً: وقد صرح أبو الحسن بن القطان أحد الحفاظ النقاد من أهل
стр. 106
الغرب في كتابه (بيان الوهم والإيهام) بأن هذا القسم لا يحتج به كله بل يعمل به في فضائل الأعمال، ويتوقف على العمل به في الأحكام، إلا إذا كثرت طرقه أو عضده اتصال عمل أو موافقة شاهد صحيح أو ظاهر القرآن، وهذا حسن قوي واثق ما أظن منصفاً يأباه دال على أن الحديث إذا وصفه الترمذي بالحسن لا يلزم أن يحتج به، لأنه أخرج حديث خيثمة البصري عن الحسن عن عمران بن حصين وقال بعده: هذا حديث حسن، وليس إسناده بذاك. وقال في كتاب العلم بعد أن أخرج حديثاً في فضل العلم: هذا حديث حسن، وإنما لم نقل هذا الحديث صحيح لأنه يقال إن الأعمش دلس فيه، فقال: حدثت عن أبي صالح عن أبي هريرة، فحكم له بالحسن للتردد الواقع فيه، وامتنع عن الحكم عليه بالصحة لذلك، لكن في كل من المثالين نظر، لاحتمال أن يكون سبب تحسينه لهما إنما جاء من وجه آخر كما تقدم تقريره، ولكن محل بحثنا هنا هل يلزم من الوصف بالحسن الحكم له بالحجة أم لا بل يتوقف، والقلب إلى ما حررة ابن القطان أميل. وأيضاً قال فيه: ثم قال –أي الحافظ في نكته على ابن الصلاح-: إنه يدل على أن الحديث إذا وصفه الترمذي بالحسن لا يلزم أن يحتج به، فإنه أخرج حديثاً من طريق خيثمة البصري عن الحسن عن عمران بن الحصين، وقال بعده: هذا حديث حسن، وليس إسناده بذاك، وقد قدمنا ذلك اهـ. وأيضاً قال فيه: على أنه لا يعزب عنك ما أسلفناه فيما صححه أو حسنه من البحث فتذكر اهـ.
ومن أجل ذلك قد رد المنذري في (تلخيص سنن أبي داود) على الترمذي في غير ما موضع ولم يقبل تصحيحه وتحسينه.
فمنه ما قال تحت حديث المغيرة بن شعبة إن رسول الله ﷺ توضأ ومسح على الجوربين والنعلين: أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح، وذكر أبو بكر البيهقي حديث المغيرة هذا وقال: ذلك حديث منكر ضعفه سفيان الثوري وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني ومسلم بن الحجاج. وأبو قيس الأودي اسمه عبد الرحمن بن مروان الأودي الكوفي هو وإن كان
стр. 107
البخاري قد احتج به، فقد قال الإمام أحمد بن حنبل: لا يحتج بحديثه، وسئل عنه أبو حاتم الرازي فقال: ليس بقوي، هو قليل الحديث وليس بحافظ، قيل له كيف حديثه؟ قال صالح، هو لين الحديث اهـ.
ومنه ما قال تحت حديث علي إن رسول الله ﷺ كان يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن، الحديث، قال الترمذي: حسن صحيح، وذكر أبو بكر البزار أنه لا يروى عن علي إلا من حديث عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة، وحكى البخاري عن عمرو بن مرة: كان عبد الله يعني ابن سلمة يحدثنا فنعرف وننكر وكان قد كبر، لا يتابع في حديثه. وذكر الإمام الشافعي هذا الحديث وقال: وإن لم يكن أهل الحديث يثبتونه. وذكر الخطابي أن الإمام أحمد بن حنبل ﵁ كان يوهن حديث علي هذا.
ومنه ما قال تحت حديث أبي عطية قال: كان مالك بن حويرث يأتينا إلى مصلانا هذا فأقيمت الصلاة، الحديث. قال الترمذي: حسن. وسئل أبو حاتم الرازي عن أبي عطية قال: لا يعرف ولا يسمى اهـ.
قلت: قال الترمذي تحت حديث أبي عطية في تعجيل الإفطار: وأبو عطية اسمه مالك بن أبي عامر الهمداني، ويقال مالك بن عامر وهو أصح. هذا آخر كلام الترمذي، فقول أبي حاتم "لا يسمى" يعارضه١.
ومنه ما قال تحت حديث وائل بن حجر في باب وضع الركبتين قبل يديه: قال الترمذي: حسن، قال الدارقطني: تفرد به يزيد عن شريك ولم يحدث به عن عاصم ابن كليب غير شريك، وشريك ليس بالقوي فيما يتفرد به، وقال أبو بكر البيهقي: هذا حديث يعد في أفراد شريك القاضي، وإنما تابعه همام مرسلاً، هكذا ذكره البخاري وغيره من الحفاظ المتقدمين. قلت: قال الترمذي نفسه تحت حديث جابر إن النبي ﷺ توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثا ثلاثا، قال: نعم، وشريك كثير الغلط، وقد استغرب الترمذي حديث علي "أنا دار الحكمة وعلي بابها" وأنكره من جهة تفرد شريك، ولم يحسنه.
стр. 108
ومنه ما قال تحت حديث "لا جلب ولا جنب": وأخرج الترمذي من حديث الحسن البصري عن عمران بن حصين وقال: حديث حسن صحيح. وقد ذكر علي بن المديني وأبو حاتم الرازي وغيرهما من الأئمة أن الحسن لم يسمع من عمران بن حصين اهـ.
قلت: قد حسن الترمذي حديث الحسن عن عمران وصححه في ما موضع، منه حديث في ميراث الجد، ومنه حديث في الكي، ومنه حديث "لا أركب الأرجوان ولا ألبس المعصفر"، ومنه حديث في الجلب على الخيل في السباق.
ومنه ما قال تحت حديث سعيد بن المسيب عن عتاب بن أسيد قال: أمر رسول الله ﷺ أن تخرص العنب كما تخرص النخل. أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب. وذكر غير الترمذي أنه هذا الحديث منقطع، وما ذكره ظاهر جدا فإن عتاب بن أسيد توفي في اليوم الذي توفي فيه أبو بكر الصديق ﵁، ومولد سعيد بن المسيب في خلافة عمر سنة خمس عشرة على المشهور، وقيل كان مولده بعد ذلك، والله أعلم.
ومنه ما قال تحت حديث أبي سلمة عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: سمعت رسول اله ﷺ يقول: "قال الله تعالى: أنا الرحمن وهي الرحم"، وأخرجه الترمذي وقال: حديث صحيح. وفي تصحيحه نظر، قال يحيى بن معين: أبو سلمة ابن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه شيئاً، وذكر غيره أن أبا سلمة وأخاه حميداً لم يصح لهما سماع من أبيهما.
ومنه ما قال تحت حديث ابن عباس ﵄ قال: وقت رسول الله ﷺ لأهل المشرق العقيق. وأخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن. هذا آخر كلامه، وفي إسناده يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف، وذكر البيهقي أنه تفرد به. قلت: وقد صحح الترمذي حديث ابن أبي زياد في مواضع:
منها حديث علي في المذي، وحديث أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم، وحديث أن العباس دخل على النبي ﷺ مغضباً. وقد حسن أيضاً حديثه في حديث إنها
стр. 109
دخلت العمرة في الحج، وفي حديث عبد الله بن عمر في التولي يوم الزحف، مع أن يزيد ليس من رجال الحسن، فكيف الصحيح؟ قال الذهبي: يزيد بن أبي زياد الكوفي أحد علماء الكوفة المشاهير المجمع على سوء حفظه، قال يحيى: ليس بالقوي، وقال أيضا: لا يحتج به، وقال ابن المبارك: ارم به، وقال شعبة: كان يزيد بن أبي زياد رفاعا١، وقال علي بن عاصم قال لي شعبة: ما أبالي إذا كتبت عن يزيد بن أبي زياد أن لا أكتبه عن أحد، وقال وكيع: يزيد بن أبي زياد عن إبراهيم بن علقمة عن عبد الله –يعني حديث الرايات- ليس بشيء، وقال أحمد: حديثه ليس بذاك، وحديثه عن إبراهيم يعني في الرايات ليس بشيء. ثم ذكر حديث الرايات قال: قلت هذا ليس بصحيح.
أما أحسن ما روى أبو قدامة سمعت أبا أسامة يقول في حديث يزيد عن إبراهيم في الرايات: لو حلف عندي خمسين يميناً قسامة ما صدقته أبداً، أهذا حديث إبراهيم؟ أهذا مذهب علقمة؟ أهذا مذهب عبد الله؟ قال ابن عدي: يزيد بن أبي زياد مولى بني هاشم يكنى أبا عبد الله، علي بن المنذر حدثنا ابن فضيل قال: كان يزيد بن أبي زياد من أئمة الشيعة الكبار، خرج له مسلم مقروناً بآخر اهـ.
قال المنذري في الترغيب والترهيب: يزيد بن أبي زياد الكوفي أحد الأعلام، قال يحيى: لا يحتج به، وقال مرة: ليس بالقوي، ووهاه ابن المبارك، وقال علي بن عاصم قال لي شعبة: ما أبالي إذا كتبت عن يزيد بن أبي زياد أن لا أكتبه عن أحد، وقال أحمد: حديثه ليس بذاك، وأخرج له مسلم مقروناً، وحسن له الترمذي اهـ.
قال الحافظ ابن حجر في التقريب: يزيد بن أبي زياد الهاشمي مولاهم الكوفي ضعيف، كبر فتغير، صار يتلقن، وكان شيعياً، من الخامسة، مات سنة ست وثلاثين٢ اهـ.
قال الذهبي في الكاشف: يزيد بن أبي زياد الكوفي مولى بني هاشم عن مولاه عبد الله بن الحارث بن نوفل وابن جحيفة وابن أبي ليلى، وعنه زائدة وابن إدريس،
стр. 110
شيعي عالم فهيم صدوق رديء الحفظ لين ولم يترك اهـ.
وقال في الخلاصة: يزيد بن أبي زياد الهاشمي عن مولاه عبد الله بن الحارث بن نوفل وأبي جحيفة، وعنه زائدة بن قادمة وأبو عوانة وابن فضيل، وقال: كان من أئمة الشيعة الكبار، وقال ابن عدي: يكتب حديثه، وقال الحافظ شمس الدين الذهبي: هو صدوق رديء الحفظ، قال مطين: مات سنة سبع وثلاثين ومائة، روى له مسلم مقروناً اهـ.
ومنه ما قال في حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "يلبي المعتمر حتى يستلم الحجر" وأخرجه الترمذي وقال صحيح، هذا آخر كلامه، وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وقد تكلم فيه جماعة من الأئمة اهـ. قلت: قال المنذري في الترغيب والترهيب: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي صدوق إمام ثقة رديء الحفظ كثيراً، كذا قال الجمهور فيه. وقال ابن حبان: كان رديء الحفظ فاحش الخطأ فكثر المناكير في حديثه فاستحق الترك، تركه أحمد ويحيى كذا قال اهـ.
قال الحافظ في التقريب: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي القاضي أبو عبد الرحمن صدوق سيء الحفظ جدا اهـ. وقال في الخلاصة: قال أبو حاتم: محله الصدق، شغل بالقضاء فساء حفظه، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال العجلي: كان فقيهاً صاحب سنة جائز الحديث اهـ. وقال الذهبي في الكاشف: قال أحمد سيء الحفظ، وقال أبو حاتم محله الصدق اهـ.
ومنه ما قال تحت حديث واثلة بن الأسقع ﵁ في ميراث ابن الملاعنة: قال الترمذي: حسن، وفي إسناده عمرو بن رؤبة التغلبي قال البخاري: فيه نظر، وسئل أبو حاتم الرازي فقال: صالح الحديث. قيل تقوم به الحجة؟ فقال: لا ولكن صالح، وقال الخطابي: وهذا الحديث غير ثابت عند أهل النقل، وقال البيهقي: لم يثبت البخاري ولا مسلم هذا الحديث لجهالة بعض رواته اهـ.
ومنه ما قال تحت حديث عائشة ﵂ في تقبيل الميت: قال الترمذي حسن صحيح، وفي إسناده عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب وقد تكلم