← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12028

صيد الخاطر

ابن الجوزي

Полный текст (893 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

٢٤- وقد يهان الشيخ في كبره حتى ترحمه القلوب، ولا يدري أن ذلك لإهماله حق الله تعالى في شبابه! فمتى رأيت معاقبًا؛ فاعلم أنه لذنوبٍ.

стр. 37

١١- فصل: الحسد منشؤه حب الدنيا . ٢٥- تأملت التحاسد بين العلماء، فرأيت منشأه من حب الدنيا، فإن علماء الآخرة يتوادون، ولا يتحاسدون: كما قال : ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ "الحشر:٩"، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ "الحشر:١٠". وقد كان أبو الدرداء١ يدعو كل ليلة لجماعة من إخوانه. وقال الإمام أحمد بن حنبل لولد الشافعي: أبوك من الستة الذين أدعو لهم كل ليلة وقت السحر. ٢٦- والأمر الفارق بين الفئتين: أن علماء الدنيا ينظرون إلى الرئاسة فيها، ويحبون كثرة الجمع والثناء، وعلماء الآخرة بمعزل من إيثار ذلك، وقد كان يتخوفونه، ويرحمون من بلي به. وكان النَّخَعَيُّ٢ لا يستند إلى سارية. وقال علقمة٣: أكره أن يوطأ عقبي، ويقال: علقمة. وكان بعضهم إذا جلس إليه أكثر من أربعة، قام عنهم. وكانوا يتدافعون الفتوى٤، ويحبون الخمول٥. ٢٧ مثل القوم كمثل راكب البحر، وقد خبَّ٦، فعنده شغل إلى أن يوقن

стр. 38

بالنجاة، وإنما كان بعضهم يدعو لبعض، ويستفيد منه؛ لأنهم ركب تصاحبوا فتوادوا، فالأيام والليالي مراحلهم إلى سفر الجنة.

стр. 39

١٢ فصل: من أحب تصفية الأحوال . ٢٨ من أحب تصفية الأحوال١، فليجتهد في تصفية الأعمال، قال الله : ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ "الجن:١٩". وقال النبي ﷺ فيما يروي، عن ربه : "لو أنَّ عبادي أطاعوني، لسقيتهم المطر بالليل، وأطلعت عليهم الشمس بالنهار، ولم أسمعهم صوت الرعد" ٢. وقال صلى الله عليه سلم: "البِرُّ لا يَبْلَى، والإثْمُ لا يُنْسَى، والديان لا ينام، وكما تدين تدان" ٣. وقال أبو سليمان الداراني٤: من صَفَّى، صُفِّيَ له، ومن كدر، كدر عليه، ومن أحسن في ليله، كوفئ في نهاره، ومن أحسن في نهاره، كوفئ في ليله. وكان شيخ يدور في المجالس ويقول: من سره أن تدوم له العافية، فليتق الله . وكان الفضيل بن عياض٥ يقول: إني لأعصي الله، فأعرف ذلك في خلق دابتي وجاريتي. ٢٩ واعلم -وفقك الله- أنه لا يحس بضربةٍ مبنج٦؛ وإنما يعرف الزيادة من النقصان المحاسب لنفسه.

стр. 40

٣٠ ومتى رأيت تكديرًا في حال، فاذكر نعمة ما شكرت، أو زلة قد فعلت. ٣١ واحذر من نفار النعم، ومفاجأة النقم، ولا تغترر بسعة بساط الحلم؛ فربما عجل انقباضه، وقد قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ "الرعد: ١١". وكان أبو علي الروذباري١ يقول: من الاغترار أن تسيء، فيحسن إليك، فتترك التوبة توهمًا أنك تسامح في الهفوات.

стр. 41

١٣ فصل: التكليف أقسام . ٣٢ تَفَكَّرْتُ يومًا في التكليف، فرأيته ينقسم إلى سهل وصَعْبٍ: فأما السهل: فهو أعمال الجوارح؛ إلا أن منه ما هو أصعب من بعض، فالوضوء والصلاة أسهل من الصوم، والصوم ربما كان عند قوم أسهل من الزكاة. وأما الصعب، فيتفاوت، فبعضها أصعب من بعض: فمن المستصعب: النظر والاستدلال الموصلان إلى معرفة الخالق، فهذا صعب عند من غلبت عليه أمور الحس، سهل عند أهل العقل. ومن المستصعب: غلبة الهوى، وقهر النفوس، وكف أكف الطباع عن التصرف فيما يؤثره، وكل هذا يسهل على العاقل النظر في ثوابه، ورجاء عاقبته، وإن شق عاجلًا. ٣٣ وإنما أصعب التكاليف وأعجبها: أنه قد ثبتت حكمة الخالق عند العقل ثم يراه١ يفقر المتشاغل بالعلم، المقبل على العبادة، حتى يعضه الفقر بناجذيه٢، فيذل للجاهل في طلب القوت، ويغني الفاسق مع الجهل حتى تفيض الدنيا عليه٣.

стр. 42

ثم نراه ينشئ الأجسام ويحكمها، ثم ينقض بناء الشباب في مبدئ أمره، وعند استكمال بنائه؛ فإذا به قد عاد هشيمًا. ثم نراه يؤلم الأطفال، حتى يرحمهم كل طبع، ثم يقال له: إياك أن تشك في أنه أرحم الراحمين. ثم يسمع بإرسال موسى إلى فرعون، ويقال له: اعتقد أن الله تعالى أضل فرعون، واعلم أنه ما كان لآدم بد من أكل الشجرة، وقد وبخ بقوله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ﴾ "طه: ١٢١". وفي مثل هذه الأشياء تحير خلق، حتى خرجوا إلى الكفر والتكذيب، ولو فتشوا على سر هذه الأشياء، لعلموا أن تسليم هذه الأمور تكليف العقل ليذعن. هذا أصل، إذا فهم، حصل منه السلامة والتسليم، نسأل الله أن يكشف لنا الغوامض، التي حيرت من ضل، إنه قريب مجيب.

стр. 43

١٤ فصل: لا تُضَيّعْ لحظة في غير قربةٍ . ٣٤- ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه، وقدر وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير قربة، ويقدم الأفضل فالأفضل من القول والعمل. ٣٥- ولتكن نيته في الخير قائمة من غير فتور بما لا يعجز عنه البدن من العمل، كما جاء في الحديث: "نية المؤمن خير من عمله" ١. ٣٦- وقد كان جماعة من السلف يبادرون اللحظات٢، فنقل عن عامر بن

стр. 44

عَبْدِ قَيْسٍ١: أن رجلًا قال له: كلمني! فقال له: أمسك الشمس٢! وقال ابن ثابت البناني٣: ذهبت ألقن أبي، فقال: يا بني! دعني، فإني في وردي السادس. ودخلوا على بعض السلف عند موته وهو يصلي، فقيل له، فقال: الآن تطوى صحيفتي. ٣٧ فإذا علم الإنسان -وإن بالغ في الجد- بأن الموت يقطعه عن العمل، عمل في حياته ما يدون له أجره بعد موته: فإن كان له شيء من الدنيا، وقف وقفًا، وغرس غرسًا، وأجرى نهرًا، ويسعى في تحصيل ذرية تذكر الله بعده، فيكون الأجر له، أو أن يصنف كتابًا في العلم؛ فإن تصنيف العالم ولده المخلد، وأن يكون عاملًا بالخير، عالمًا فيه، فينقل من فعله ما يقتدي الغير به؛ فذلك الذي لم يمت. ................ قَدْ مَاتَ قَوْمٌ وَهُمْ فِي النَّاسِ أحياءُ٤

стр. 45

١٥ فصل: حِيَلُ الشيطان ومكرُه ٣٨- رأيت من أعظم حيل الشيطان ومكره أن يحيط١ أرباب الأموال بالآمال، والتشاغل باللذات القاطعة عن الآخرة وأعمالها! فإذا "شغلهم"٢ بالمال تحريضًا على جمعه، وحثًّا على تحصيله، أمرهم بحراسته بخلًا به، فذلك من متين حيله، وقوي مكره. ٣٩- ثم دفن في هذا الأمر من دقائق الحيل الخفية أن خوف من جمعه المؤمنين، فنفر طالب الآخرة منه، وبادر التائب يخرج ما في يده.

стр. 46

ولا يزال الشيطان يحرضه على الزهد، ويأمره بالترك، ويخوفه من طرقات الكسب، إظهارًا لنصحه، وحفظ دينه، وفي خفايا ذلك عجائب من مَكْرِهِ! ٤٠- وربما تكلم الشيطان على لسان بعض المشايخ الذين يقتدي بهم التائب؛ فيقول له: اخرج من مالك! وادخل في زمرة الزهاد! ومتى كان لك غداء أو عشاء، فلست من أهل الزهد، ولا تنال مراتب العزم، وربما كرر عليه الأحاديث البعيدة عن الصحة، والواردة على سبب ولمعنى؛ فإذا أخرج ما في يده، وتعطل عن مكاسبه، عاد يعلق طمعه بصلة الإخوان، أو يحسن عنده صحبة السلطان؛ لأنه لا يقوى على طريق الزهد والترك إلا أيامًا، ثم يعود الطبع، فيتقاضى مطلوباته، فيقع في أقبح مما فر منه، ويبذل أول السلع في التحصيل دينه وعرضه، ويصير متمنْدَلًا به١، ويقف في مقام اليد السفلى. ٤١- ولو أنه نظر في سير الرجال ونبلائهم، وتأمل صحاح الأحاديث عن رؤسائهم، لعلم أن الخليل ﵊ كان كثير المال حتى ضاقت بلدته بمواشيه، وكذلك لوط ﵊، وكثير من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والجم الغفير من الصحابة. وإنما صبروا عند العدم، ولم يمتنعوا عن كسب ما يصلحه، ولا من تناول المباح عند الوجود. وكان أبو بكر ﵁ يخرج للتجارة والرسول ﷺ حي، وكان أكثرهم يخرج فاضل ما يأخذ من بيت المال، ويسلم من ذل الحاجة إلى الإخوان. وقد كان ابن عمر لا يرد شيئًا، ولا يسأل. ٤٢- وإني تأملت على أكثر أهل الدين والعلم هذه الحال، فوجدت العلم شغلهم عن المكاسب في بداياتهم، فلما احتاجوا إلى قوام نفوسهم ذلوا، وهم أحق بالعز. ٤٣- وقد كانوا قديمًا يكفيهم بيت المال فضلات الإخوان، فلما عدمت في

стр. 47

هذا الأوان، لم يقدر متدين على شيءٍ إلا ببذل شيء من دينه، وليته قدر، فربما تلف الدين، ولم يحصل له شيء. ٤٤- فالواجب على العاقل أن يحفظ ما معه، وأن يجتهد في الكسب ليربح مداراة ظالم أو مداهنة جاهل، ولا يلتفت إلى ترهات المتصوفة، الذين يدعون في الفقر ما يدعون، فما الفقر إلا مرض العجزة، وللصابر على الفقر ثواب الصابر على المرض، اللهم! إلا أن يكون جبانًا عن التصرف، مقتنعًا بالكفاف؛ فليس ذلك من مراتب الأبطال، بل هو من مقامات الجبناء الزهاد. وأما الكاسب١ ليكون المعْطِيَ لا المُعْطَى، والمتصدق لا المتصدق عليه، فهي من مراتب الشجعان الفضلاء، ومن تأمل هذا، علم شرف الغنى، ومخاطرة الفقر.

стр. 48

١٦- فصل: حظوظ الفضلاء من الدنيا ٤٥- تأملت أحوال الفضلاء، فوجدتهم في الأغلب قد بخسوا من حظوظ الدنيا، ورأيت الدنيا غالبًا في أيدي أهل النقائص. ٤٦- فنظرت في الفضلاء، فإذا هم يتأسفون على ما فاتهم مما ناله أولو النقص، وربما تقطع بعضهم أسفًا على ذلك، فخاطبت بعض المتأسفين، فقلت له: ويحك! تدبر أمرك، فإنك غالط من وجوه: أحدها: أنه إن كانت لك همة في طلب الدنيا، فاجتهد في طلبها، تربح التأسف على فوتها، فإن قعودك متأسفًا على ما ناله غيرك -مع قصور اجتهادك- غاية العجز. والثاني: أن الدنيا إنما تراد لتعبر لا لتعمر، وهذا هو الذي يدلك عليه علمك، ويبلغه فهمك، وما يناله أهل النقص من فضولها١ يؤذي أبدانهم وأديانهم، فإذا عرفت ذلك، ثم تأسفت على فقد ما فقده أصلح لك، كان تأسفك عقوبة لتأسفك

стр. 49

على ما تعلم المصلحة في بعده، فاقنع بذلك عذابًا عاجلًا إن سلمت من العذاب الآجل. والثالث: أنك قد علمت بخس حظ الآدمي في الجملة من مطاعم الدنيا ولذاتها، بالإضافة إلى الحيوان البهيم؛ لأنه ينال ذلك أكثر مقدارًا مع أمن، وأنت تناله مع خوف، وقلة مقدار؛ فإذا ضوعف حظك من ذلك لجنسك، كان ذلك لاحقًا بالحيوان البهيم، من جهة أنه يشغله ذلك عن تحصيل الفضائل، وتخفيف المؤن يحث صاحبه على نيل المراتب. فإذا آثرت مع قلة الفضول الفضول١، عدت على ما علمت بالإزراء، فشنت علمك٢، ودللت على اختلاط رأيك٣.

стр. 50

١٧- فصل: أحوال الناس مع المحظورات . ٤٧- تأملت إقدام العلماء على شهوات النفس المنهي عنها، فرأيتها مرتبة تزاحم الكفر، لولا تلوح١ معنًى: وهو أن الناس عند مواقعة المحظور ينقسمون: ١- فمنهم جاهل بالمحظور أنه محظور، فهذا له نوع عذر. ومنهم من يظن المحظور مكروهًا لا محرمًا، فهذا قريب من الأول، وربما دخل في هذا القسم آدم ﷺ . ٢- ومنهم من يتناول فيغلط، كما يقال: إن آدم ﵊ نهي عن شجرةٍ بعينها، فأكل من جنسها لا من عينها! ٣- ومنهم من يعلم التحريم، غير أن غلبات الشهوة أنسته تذكر ذاك، فشغله ما رأى عما يعلم.

стр. 51

ولهذا لا يذكر السارق القطع؛ بل يغيب بكليته في نيل الحظ، ولا يذكر راكب الفاحشة الفضيحة ولا الحد؛ لأن ما يرى يذهله عما يعلم. ٤- ومنهم من يعلم الحظر، ويذكره؛ [غير أنه يغتر بالحلم والعفو. وهذا وإن كان صحيحًا] ١؛ غير أن الأخذ بالحزم أولى بالعاقل٢، كيف، وقد علم أن هذا الملك الحكيم قطع اليد في ربع دينار٣، وهدم بناء الجسم المحكم بالرجم بالحجارة لالتذاذ ساعة٤، وخسف، ومسخ، وأغرق ... ؟!

стр. 52

١٨- فصل: ميزان العدل لايحابي ٤٨- من تأمل أفعال البارئ سبحانه، رآها على قانون العدل، وشاهد الجزاء مرصدًا للمجازي، ولو بعد حين، فلا ينبغي أن يغتر مسامح، فالجزاء قد يتأخر. ٤٩- ومن أقبح الذنوب التي قد أعد لها الجزاء العظيم: الإصرار على الذنب، ثم يصانع١ صاحبه باستغفار وصلاة وتعبد، وعنده أن المصانعة تنفع!. ٥٠- وأعظم الخلق اغترارًا من أتى ما يكرهه الله، وطلب منه ما يحبه هو، كما روي في الحديث: "والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني"٢.

стр. 53

٥١- ومما ينبغي للعاقل أن يترصده وقوع الجزاء، فإن ابن سيرين١ قال: عيرت رجلًا فقلت: يا مفلس! فأفلست بعد أربعين سنةً. وقال ابن الجلاء٢: رآني شيخ لي وأنا أنظر إلى أمرد! فقال: ما هذا؟! لتجدن غبها، فَنُسِّيتُ القرآن بعد أربعين سنة. ٥٢- وبالضد من هذا، كل من عمل خيرًا، أو صحح نية، فلينتظر جزاءها الحسن، وإن امتدت المدة، قال الله : ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ "يوسف: ٩٠". وقال ﵊: "من غض بصره عن محاسن امرأة، أثابه الله إيمانًا يجد حلاوته في قلبه" ٣ فليعلم العاقل أن ميزان العدل لا يحابي.

стр. 54

١٩- فصل: أكثر أحوال الصوفية منحرف عن الشريعة . ٥٣- تأملت أحوال الصوفية والزهاد، فرأيت أكثرها منحرفًا عن الشريعة، بين جهل بالشرع، وابتداع بالرأي، يستدلون بآيات لا يفهمون معناها، وبأحاديث لها أسباب، وجمهورها لا يثبت. فمن ذلك أنهم سمعوا في القرآن العزيز: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ " آل عمران: ١٨٥"، ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ﴾ "الحديد: ٢٠"، ثم سمعوا في الحديث: "للدنيا أهون على الله من شاة ميتة على أهلها"١، فبالغوا في هجرها من غير بحث عن حقيقتها! وذلك أنه ما لم يعرف حقيقة الشي، فلا يجوز أن يمدح ولا أن يذم.

стр. 55

٥٤- فإذا بحثنا عن الدنيا، رأينا هذه الأرض البسيطة، التي جعلت قرارًا للخلق، تخرج منها أقواتهم، ويدفن فيها أمواتهم. ومثل هذا لا يذم لموضع المصلحة فيه. ٥٥- ورأينا ما عليها من ماء وزرع وحيوان، كله لمصالح الآدمي، وفيه حفظ لسبب بقائه، ورأينا بقاء الآدمي سببًا لمعرفة ربه، وطاعته إياه وخدمته، وما كان سببًا لبقاء العارف العابد يمدح ولا يذم. ٥٦- فبان لنا أن الذم إنما هو لأفعال الجاهل، أو العاصي في الدنيا، فإنه إذا اقتنى المال المباح، وأدى زكاته، لم يلم؛ فقد علم ما خلف الزبير وابن عوف وغيرهما، وبلغت صدقة عليٍّ ﵁ أربعين ألفًا، وخلف ابن مسعود تسعين ألفًا، وكان الليث بن سعد١ يستغل٢ كل سنة عشرين ألفًا، وكان سفيان٣ يتجر بمال، وكان ابن مهدي٤ يستغل كل سنة ألفي دينار. ٥٧- وإن أكثر من النكاح والسراري، كان ممدوحًا لا مذمومًا؛ فقد كان للنبي ﷺ زوجات وسراري، وجمهور الصحابة كانوا على الإكثار في ذلك، وكان لعلي بن أبي طالب ﵁ أربع حرائر، وسبع عشرة أمة، وتزوج ولده الحسن نحوًا من أربع مئةٍ. ٥٨- فإن طلب التزوج للأولاد، فهو الغاية في التعبد، وإن أراد التلذذ، فمباح، يندرج فيه من التعبد ما لا يحصى، من إعفاف نفسه والمرأة. إلى غير ذلك. وقد أنفق موسى ﵇ من عمره الشريف عشر سنين في مهر ابنة شعيب؛ فلولا ذلك. وقد أنفق موسى ﵇ من عمره الشريف عشر سنين في مهر ابنة شعيب، فلولا أن النكاح من أفضل الأشياء، لما ذهب كثير من زمان الأنبياء فيه. وقد قال ابن

стр. 56

عبَّاس ﵄: خيار هذه الأمة أكثرها نساء، وكان يطأ جارية له، وينزل في أخرى، وقالت سرية١ الربيع بن خثيم٢: كان الربيع يعزل٣. ٥٩- وأما المطعم، فالمراد منه تقوية هذا البدن لخدمة الله ، وحق على ذي الناقة أن يكرمها لتحمله. وقد كان النبي ﷺ يأكل ما وجد، فإن وجد اللحم أكله، ويأكل لحم الدجاج٤، وأحب الأشياء إليه الحلوى والعسل٥، وما نقل عنه أنه امتنع من مباح. وجيء علي ﵁ بفالوذج٦، فأكل منه، وقال: ما هذا؟ قالوا: يوم النوروز٧. فقال: نورزونا كل يوم. وإنما يكره الأكل فوق الشبع، واللبس على وجه الاختيال والبطر. ٦٠- وقد اقتنع أقوام بالدون من ذلك؛ لأن الحلال الصافي لا يكاد يمكن فيه تحصيل المراد؛ وإلا فقد لبس النبي ﷺ حلة اشتريت له بسبعة وعشرين بعيرًا٨، وكان لتميم الداري حلة اشتريت بألف درهم يصلي فيها بالليل. ٦١- فجاء أقوام، فأظهروا التزهد، وابتكروا طريقة زينها لهم الهوى، ثم تطلبوا لها الدليل، وإنما ينبغي للإنسان أن يتبع الدليل، لا أن يتبع طريقًا، ويتطلب دليلها!

стр. 57

ثم انقسموا: ١- فمنهم متصنع في الظاهر، ليث الشرى١ في الباطن، يتناول في خلواته الشهوات، وينعكف على اللذات، ويرى الناس بزيه أنه متصوف متزهد، وما تزهد إلا القميص، وإذا نظر إلى أحواله، فعنده كِبْرُ فرعون. ٢- ومنهم سليم الباطن، إلا أنه في الشرع جاهل. ٣- ومنهم من تصدر، وصنف، فاقتدى به الجاهلون في هذه الطريقة، وكانو كعمي اتبعوا أعمى، ولو أنهم تلمحوا٢ للأمر الأول، الذي كان عليه الرسول ﷺ والصحابة ﵃، لما زاغوا. ٦٢- ولقد كان جماعة من المحققين لا يبالون بمعظم في النفوس إذا حاد عن الشريعة، بل يوسعونه لومًا، فنقل عن أحمد أنه قال له المروذي٣: ما تقول في النكاح؟ فقال: سنة النبي ﷺ . فقال: فقد قال إبراهيم٤. قال: فصاح بي، وقال: جئتنا بِبُنَيَّاتِ الطريق؟ ٥. وقيل له: إن سَرِيًّا السقطي٦ قال: لما خلق الله تعالى الحروف، وقف الألف، وسجدت الباء.. فقال: نَفِّرُوا الناس عنه. ٦٣- واعلم أن المحقق لا يهوله اسم معظم، كما قال رجل لعلي بن أبي طالب ﵁: أتظن أنا نظن أن طلحة والزبير كان على الباطل؟ فقال له: إن الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحق، تعرف أهله. ٦٤- ولعمري، إنه قد وقر في النفوس تعظيم أقوام، فإذا نقل عنهم شيء،

стр. 58

فسمعه جاهل بالشرع، قبله، لتعظيمهم في نفسه، كما ينقل عن أبي يزيد١ ﵁: أنه قال: تراعنت٢ على نفسي، لحلفت لا أشرب الماء سنة٣. وهذا إذا صح عنه، كان خَطَأً قَبِيْحًا، وزلةً فاحشةً؛ لأن الماء ينفذ الأغذية إلى البدن، ولا يقوم مقامه شيء؛ فإذا لم يشرب، فقد سعى في أذى بدنه، وقد كان يستعذب الماء لرسول الله صلى الله عليه وسلم٤. أفترى هذا فعل من يعلم أن نفسه ليست له، وأنه لا يجوز التصرف فيها إلا عن إذن مالكه؟! ٦٥- وكذلك ينقلون عن بعض الصوفية: أنه قال: سرت إلى مكة على طريق التوكل حافيًا، فكانت الشوكة تدخل في رجلي، فأحكها بالأرض، ولا أرفعها، وكان عَلَيَّ مسح٥، فكانت عيني إذا آلمتني، أدلكها بالمسح، فذهبت إحدى عيني. وأمثال هذا كثير، وربما حملها القصاص على الكرامات، وعظموها عند العوام، فيخايل لهم أن فاعل هذا أعلى مرتبة من الشافعي وأحمد. ولعمري، إن هذا من أعظم الذنوب، وأقبح العيوب: لأن الله تعالى قال: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ "النساء: ٢٩"، وقال النبي ﵊: "إن لنفسك عليك حقًّا" ٦. وقد طلب أبو بكر رضي الله عه في طريق الهجرة للنبي ﷺ ظلًّا، حتى رأى صخرة، ففرش له في ظلها٧. ٦٦- وقد نقل عن قدماء هذه الأمة بدايات هذا التفريط، وكان سببه من وجهين: أحدهما: الجهل بالعلم. والثاني: قرب العهد بالرهبانية.

стр. 59

وقد كان الحسن١يعيب فرقدًا السبخي٢ ومالك بن دينار٣ في زهدهما، فرئي عنده طعام فيه لحم، فقال: لا رغيفي مالك، ولا صحني فرقد. ورأى على فرقد كساءً فقال: يا فرقد! إن أكثر أهل النار أصحاب الأكسية. ٦٧- وكم قد زوق قاص مجلسه بذكر أقوام خرجوا إلى السياحة بلا زاد ولا ماء، وهو لا يعلم أن هذا من أقبح الأفعال، وأن الله تعالى لا يجرب عليه، فربما سمعه جاهل من التائبين، فخرج، فمات في الطريق، فصار للقائل نصيب من إثمه!! وكم يروون عن ذي النون٤. أنه لقي امرأة في السياحة، فكلمها وكلمته، وينسون الأحاديث الصحاح: "لا يحل لامرأة أن تسافر يومًا وليلةً إلا بمحرم" ٥!! ٦٨- وكم ينقلون أن أقوامًا مشوا على الماء، وقد قال إبراهيم الحربي٦. لا يصح أن أحدًا مشى على الماء قط! فإذا سمعوا هذا، قالوا: أتنكرون كرامات الأولياء الصالحين؟! فنقول: لسنا من المنكرين لها، بل نتبع ما صح، والصالحون هم الذين يتبعون الشرع، ولا يتعبدون بآرائهم. وفي الحديث: "إن بني إسرائيل شددوا فشدد الله عليهم"٧. ٦٩- وكم يحثون على الفقر، حتى حملوا أقوامًا على إخراج أموالهم، ثم آل بهم الأمر: إما إلى التسخط عند الحاجة، وإما إلى التعرض بسؤال الناس! ٧٠- وكم تأذى مسلم بأمرهم الناس بالتقلل! وقد قال النبي ﷺ : "ثلثٌ طعَامٌ،

стр. 60

وَثُلُثٌ شرابٌ، وثُلُثٌ نَفَسٌ" ١، فما قنعوا حتى أمروا بالمبالغة في التقلل. فحكى أبو طالب المكي٢ في "قوت القلوب": أن فيهم من كان يزن قوته بِكَرَبَةٍ٣ رطبةٍ، ففي كل ليلة يذهب من رطوبتها قليل. وكنت أنا٤ ممن اقتدى بقوله في الصبا، فضاق المعيُ، وأوجب ذلك مرض سنين! أفترى هذا شيئًا تقتضيه الحكمة، أو ندب إليه الشرع؟! وإنما مطلية الآدمي قواه، فإذا سعى في تقليلها، ضعف عن العبادة. ٧١- "ولا تقولن: الحصول على الحلال المحض مستحيل، لذلك وجب الزهد، تجنبًا للشبهات، فإن المؤمن حسبه أن يتحرى في كسبه هو الحلال، ولا عليه من الأصول التي نبتت منها هذه الأموال"٥ فإنا لو دخلنا ديار الروم، فوجدنا أثمان الخمور، وأجرة الفجور، كان لنا حلالًا بوصفه الغنيمة. أفتريد حلالًا على معنى أن الحبة٦ من الذهب لم تنتقل منذ خرجت من المعدن٧ على وجه لا يجوز؟ فهذا شيء لم ينظر فيه رسول الله ﷺ . أو ليس قد سمعت أن الصدقة عليه حرام، فلما تصدق على بربرة بلحم، فأهدته؛ جاز له أكل تلك العين لتغير الوصف٨. ٧٢- وقد قال أحمد بن حنبل: أكره التقلل من الطعام، فإن أقوامًا فعلوه، فعجزوا عن الفرائض، وهذا صحيح، فإن المتقلل لا يزال يتقلل إلى أن يعجز عن النوافل، ثم الفرائض، ثم يعجز عن مباشرة أهله وإعفافهم، وعن بذل القوى في الكسب لهم، وعن فعل خير قد كان يفعله.

стр. 61

٧٣- ولا يهولنك ما تسمعه من الأحاديث التي تحث على الجوع، فإن المراد بها: إما الحث على الصوم، وإما النهي عن مقاومة الشبع١، فأما تنقيص المطعم على الدوام، فمؤثر في القوى فلا يجوز. ٧٤- ثم في هؤلاء المذمومين من يرى هجر اللحم، والنبي ﷺ كان يود أن يأكله كل يوم٢. ٧٥- واسمع مني بلا مُحَابَاةٍ: لا تحتجن علي بأسماء الرجال، فتقول: قد قال بشر٣، وقال إبراهيم بن أدهم، فإن من احتج بالرسول ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم أقوى حجة. على أن لأفعال أولئك وجوهًا تحملها عليهم بحسن الظن. ولقد ذاكرت بعض مشايخنا ما يروى عن جماعة من السادات أنهم دفنوا كتبهم! فقلت له: ما وجه هذا؟ فقال: أحسن ما نقول أن نسكت! يشير إلى أن هذا جهل من فاعله، وتأولت أنا لهم، فقلت: لعل ما دفنوا من كتبهم فيه شيء من الرأي، فما رأوا أن يعمل الناس به. ولقد روينا في الحديث٤ عن أحمد بن أبى الحواري٥: أنه أخذ كتبه؛ فرمى بها في البحر، وقال: نعم الدليل كنت، ولا حاجة لنا إلى الدليل بعد الوصول إلى المذلول! وهذا إذا أحسنا به الظن، قلنا: كان فيها من كلامهم ما لا يرتضيه، فأما إذا كانت علومًا صحيحة، كان هذا من أفحش الإضاعة. وأنا وإن تأولت لهم هذا؛ فهو تأويل صحيح في حق العلماء منهم: لأنا قد روينا عن سفيان الثوري أنه قد أوصى بدفن كتبه، وكان ندم على أشياء كتبها عن

стр. 62

قومٍ، وقال: حملني شهوة الحديث، وهذا؛ لأنه كان يكتب عن الضعفاء والمتروكين، فكأنه لما عسر عليه التمييز، أوصى بدفن الكل. وكذلك من كان له رأي من كلامه، ثم رجع عنه، جاز أن يدفن الكتب التي فيها ذلك. فهذا وجه التأويل للعلماء. ٧٦- فأما المتزهدون الذين رأوا صورة فعل العلماء، ودفنوا كتبًا صالحةً، لئلَّا تشغلهم عن التعبد، فإنه جهل منهم؛ لأنهم شرعوا في إطفاء مصباح يضيء لهم، مع الإقدام على تضييع مال لا يحل تضييعه. ٧٧- ومن جملة من عمل بواقعة دفن كتب العلم يوسف بن أسباط١، ثم لم يصبر عن التحديث، فخلط، فعد في الضعفاء. أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك٢، قال: أخبرنا محمد بن المظفر الشامي، قال: أخبرنا أحمد بن محمد العتيقي، قال: حدثنا يوسف بن أحمد، قال: حدثنا محمد بن عمرو العقيلي٣، قال: حدثنا محمد بن عيسى، قال: أخبرنا أحمد بن خالد الخلال، قال: سمعت شعيب بن حرب٤ يقول: قلت ليوسف بن أسباط: كيف صنعت بكتبك؟ قال: جئت إلى الجزيرة، فلما نضب الماء دفنتها، حتى جاء الماء عليها فذهبت. قلت: ما حملك على ذلك؟ قال: أردت أن يكون الهمُّ همًّا واحدًا. قال العقيلي: وحدثني آدم: قال: سمعت البخاري٥، قال: قال صدقة: دفن يوسف بن أسباط كتبه، وكان بعد يغلب عليه الوهم، فلا يجيء كما ينبغي. ٧٨- قال المؤلف: قلت: الظاهر أن هذه كتب علم ينفع؛ ولكن قلة العلم أوجبت هذا التفريط، الذي قصد به الخير، وهو شر، فلو كانت كتبه من جنس كتب

стр. 63

الثوري -فإن فيها عن ضعفاء، ولم يصح له التمييز- قرب الحال؛ إنما تعليله بجمع الهم، هو الدليل على أنها ليست كذلك، فانظر إلى قلة العلم ماذا تؤثر مع أهل الخير! ٧٩- ولقد بلغنا في الحديث عن بعض من نعظمه، ونزوره: أنه كان على شاطئ دجلة، فبال، ثم تيمم! فقيل له: الماء قريب منك! فقال: خفت ألا أبلغه! وهذا، وإن كان يدل على قصر الأمل، إلا أن الفقهاء إذا سمعوا عنه مثل هذا الحديث، تلاعبوا به، من جهة أن التيمم إنما يصح عند عدم الماء، فإذا كان الماء موجودًا، كان تحريك اليدين بالتيمم عبثًا، وليس من ضرورة وجود الماء أن يكون إلى جانب المحدث، بل لو كان على أذرع كثيرة، كان موجودًا، فلا فعل للتيم، ولا أثر حينئذ. ٨٠- ومن تأمل هذه الأشياء، علم أن فقيهًا واحدًا -وإن قل أتباعه، وخفت إذا مات أشياعه- أفضل من ألوف تتمسح العوام بهم تبرُّكًا! ويشيع جنائزهم ما لا يحصى. وهل الناس إلا صاحب أثر يتبعه، أو فقيه يفهم مراد الشرع، ويفتي به؟! نعوذ بالله من الجهل وتعظيم الأسلاف تقليدًا لهم بغير دليل، فإن من ورد المشرب الأول، رأى سائر المشارب كدرة. ٨١- والمحنة العظمى مدائح العوام، فكم غرت! كما قال علي ﵁: ما أبقى خفق النعال وراء الحمقى من عقولهم شيئًا. ولقد رأينا وسمعنا من العوام أنهم يمدحون الشخص، فيقولون: لا ينام الليل، ولا يفطر النهار، ولا يعرف زوجة، ولا يذوق من شهوات الدنيا شيئًا، قد نحل جسمه، ودق عظمه، حتى إنه يصلي قاعدًا، فهو خير من العلماء الذين يأكلون، ويتمتعون! ذلك مبلغهم من العلم. ولو فقهوا، علموا أن الدنيا لو اجتمعت في لقمته، فتناولها عالم يفتي عن الله، ويخبر بشريعته، كانت فتوى واحدة منه، يرشد بها إلى الله تعالى خيرًا وأفضل من عبادة ذلك العابد باقي عمره، وقد قال ابن عباس ﵁: فقيه واحد أشد على إبليس من ألف عابد.

стр. 64

٨٢- ومن سمع هذا الكلام، فلا يظنن أنني أمدح من لا يعمل بعلمه؛ وإنما أمدح العاملين بالعلم، وهم أعلم بمصالح أنفسهم؛ فقد كان فيهم من يصلح على خشن العيش، كأحمد بن حنبل، وكان فيهم من يستعمل رقيق العيش، كسفيان الثوري مع ورعه، ومالك مع تدينه، والشافعي مع قوة فقهه. ولا ينبغي أن يطالب الإنسان بما يقوى عليه غيره، فيضعف هو عنه، فإن الإنسان أعرف بصلاح نفسه، وقد قالت رابعة١: إن كان صلاح قلبك في الفالوذج، فكله. ٨٣- ولا تكونن أيها السامع ممن يرى صور الزهد، فرب متنعم لا يريد التنعم، وإنما يقصد المصلحة، وليس كل بدن يقوى على الخشونة، خصوصًا من قد لاقى الكد، وأجهده الفكر، أو أمضه٢ الفقر؛ فإنه إن لم يرفق بنفسه، ترك واجبًا عليه من الرفق بها. فهذه جملة، لو شرحتها بذكر الأخبار والمنقولات لطالب؛ غير أني سطرتها على عجل حين جالت في خاطري. والله ولي النفع برحمته.

стр. 65

٢٠- فصل: أمر النفس وماهيتها . ٨٤- قد أشكل على الناس أمر النفس١ وماهيتها٢، مع إجماعهم على وجودها، ولا يضر الجهل بذاتها مع إثباتها. ٨٥- ثم أشكل عليهم مصيرها بعد الموت، ومذهب أهل الحق أن لها وجودًا بعد موتها، وأنها تنعم وتعذب، قال أحمد بن حنبل: أرواح المؤمنين في الجنة، وأرواح الكفار في النار. وقد جاء في أحاديث الشهداء: "أنها في حواصل طير خضر تعلق من

стр. 66

شَجَرِ الجَنَّةِ"١. ٨٦- وقد أخذ بعض الجهلة بظواهر أحاديث النعيم، فقال: إن الموتى يأكلون في القبور وينكحون، والصواب من ذلك: أن النفس تخرج بعد الموت إلى نعيم أو عذاب، وأنها تجد ذلك إلى يوم القيامة، فإذا كانت القيامة، أعيدت إلى الجسد، ليتكمل لها التنعم بالوسائط. ٨٧- وقوله: "فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ" دليل على أن النفوس لا تنال لذة إلا بواسطة، إن كانت٢ تلك اللذة لذة مطعم أو مشرب، فأما لذات المعارف والعلوم، فيجوز أن تنالها بذاتها مع عدم الوسائط. ٨٨- والمقصود من هذا المذكور أني رأيت بعض الانزاعاج من الموت، وملاحظة النفس بعين العدم عنده، فقلت لها: إن كنت مصدقة الشريعة، صار الكلام في بيان صحة الشريعة، فقالت: لا ريب عندي. قلت: فاجتهدي في تصحيح الإيمان، وتحقيق التقوى، وأبشري حينئذ بالراحة من ساعة الموت، فإني لا أخاف عليك إلا من التقصير في العمل. واعلمي أن تفاوت النعيم بمقدار درجات الفضائل، فارتفعي بأجنحة الجد إلى أعلى أبراجها، واحذري من قانص٣ هوى، أو شرك غزة٤، والله الموفق.

стр. 67

٢١ فصل: تكليف البدن وتكليف العقل . ٨٩- قلت يومًا في مجلسي: لو أن الجبال حملت ما حملت، لعجزت؛ فلما عدت إلى منزلي، قالت لي النفس: كيف قلت هذا، وربما أوهم الناس أن بك بلاء، وأنت في عافية في نفسك وأهلك؟! وهل الذي حملت إلا التكليف الذي يحمله الخلق كلهم؟! فما وجه هذه الشكوى؟!

стр. 68

فَأَجَبْتُهَا: إني لما عجزت عما حملت، قلت هذه الكلمة، لا على سبيل الشكوى، ولكن للاسترواح، وقد قال كثير من الصحابة والتابعين قبلي: ليتنا لم نخلق! وما ذاك إلا لأثقال عجزوا عنها، ثم من ظن أن التكاليف سهلة فما عرفها. أترى يظن الظان أن التكاليف غسل الأعضاء برطل من الماء، أو الوقوف في محراب لأداء ركعتين؟! هيهات! هذا أسهل التكليف! وإن التكليف هو الذي عجزت عنه الجبال، ومن جملته: أنني إذا رأيت القدر يجري بما لا يفهمه العقل، ألزمت العقل الإذعان للمقدر، فكان من أصعب التكليف، وخصوصًا فيما لا يعلم العقل معناه، كإيلام الأطفال، وذبح الحيوان، مع الاعتقاد بأن المقدر لذلك، والآمر به أرحم الراحمين، فهذا مما يتحير العقل فيه، فيكون تكليفه التسليم وترك الاعتراض، فكم بين تكليف البدن وتكليف العقل! ولو شرحت هذا لطال، غير أني أعتذر عما قلته، فأقول عن نفسي -وما يلزمني حال غير-: إنني رجل حبب إلي العلم من زمن الطفولة، فتشاغلت به، ثم لم يحبب إلي فن واحد منه، بل فنونه كلها، ثم لا تقتصر همتي في فن على بعضه، بل أروم استقصاءه، والزمان لا يسع، والعمر أضيق، والشوق يقوى، والعجز يظهر، فيبقى وقوف بغض المطلوبات حسرات. ٩٠- ثم إن العلم دلني على معرفة المعبود، وحثني على خدمته، ثم صاحت بي الأدلة عليه إليه، فتوقفت بين يديه، فرأيته في نعته، وعرفته بصفاته، وعاينت بصيرتي من ألطافه ما دعاني إلى الهيمان٢ في محبته، وحركني إلى التخلي لخدمته، وصار يملكني أمر كالوجد، كلما ذكرته، فعادت خلوتي في خدمتي له أحلى عندي من كل حلاوة. ٩١- فكلما ملت إلى الانقطاع عن الشواغل إلى الخلوة، صاح بي العلم: أين تمضي؟! أتعرض عني، وأنا سبب معرفتك به؟! فأقول له: إنما كنت دليلًا، وبعد

стр. 69

الوصول يستغنى عن الدليل، قال: هيهات! كلما زدت، زادت معرفتك لمحبوبك، وفهمت كيف القرب منه. ودليل هذا: أنك تعلم غدًا أنك اليوم في نقصان. أوما تسمعة يقول لنبيه ﷺ : ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] ؟! ٩٢- ثم ألست تبغي القرب منه؟! فاشتغل بدلالة عباده عليه، فهي حالات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام! أما علمت أنهم آثروا تعليم الخلق على خلوات التعبد، لعلمهم أن ذلك آثر عند حبيبهم؟! أما قال الرسول ﷺ لعلي ﵁: "لأن يهدي الله بك رجلًا خير لك من حُمْرِ النَّعَم" ١؟! فلما فهمت صدق هذه المقالة، تهوست على تلك الحالة٢، وكلما تشاغلت بجمع الناس، تفرق همي٣، وإذا وجدت مرادي من نفعهم، ضعفت أنا، فأبقى في حيز التحير مترددًا، لا أدري على أي القدمين أعتمد؟ ٩٣- فإذا وقفت متحيزًا؛ صاح العلم: قم لكسب العيال، وادأب في تحصيل ولد يذكر الله، فإذا شرعت في ذلك، قلص ضرع٤ الدنيا وقت الحلب، ورأيت باب المعاش مسدودًا في وجهي؛ لأن صناعة العلم شغلتني عن تعلم صناعة. ٩٤- فإذا التفت إلى أبناء الدنيا، رأيتهم لا يبيعون شيئًا من سلعها إلا بدين المشتري! أو ليت من نافقهم أو راءاهم نال من دنياهم، بل ربما ذهب دينه، ولم يحصل مراده!! فإن قال الضجر: اهرب! قال الشرع: "كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت"٥، وإن قال العزم: انفرد! قال: فكيف بمن تعول؟! ٩٥- فغاية الأمر أنني أشرع في التقلل من الدنيا، وقد ربيت في نعيمها، وغذيت بلبانها٦، ولطف مزاجي فوق لطف وضعه بالعادة، فإذا غيرت لباسي،

стр. 70

وخشنت مطمعي؛ لأن القوت لا يحتمل الانبساط١ نفر الطبع لفراق العادة، فحل المرض، فقطع عن واجبات، وأوقع في آفات! ومعلوم أن لين اللقمة بعد التحصيل من الوجه المستطابة، ثم تخشينها لمن لم يألف سعي في تلف النفس. فأقول: كيف أصنع؟! وما الذي أفعل؟! وأخلو بنفسي في خلواتي، وأتزيد من البكاء على نقص حالاتي، وأقول: أصف حال العلماء، وجسمي يضعف عن إعادة العلم!! وحال الزهاد، وبدني لا يقوى على الزهد!! وحال المحبين، ومخالطة الخلق تشتت همي، وتنقش صور المحبوبات من الهوى في نفسي، فتصدأ مرآة قلبي!! وشجرة المحبة تحتاج إلى تربية في تربة طيبة تسقى ماء الخلوة من دولاب الفكرة. وإن آثرت التكسب، لم أطق، وإن تعرضت لأبناء الدنيا، مع أن طبعي الأنفة من الذل، وتديني يمنعني، فلا يبقى للميل مع هذين الجاذبين أثر! ومخالطة الخلق يؤذي النفس مع الأنفاس، فلا تحقيق التوبة أقدر عليه، ولا نيل مرتبة من علم أو عمل أو محبة يصح لي. فإذا رأيتني كما قال القائل: أَلْقَاهُ فِي الْيَمِّ مَكْتُوفًا وَقَالَ لَهُ ... إِيَّاكَ إِيَّاكَ أَنْ تَبْتَلَّ بِالْمَاءِ تحيرت في أمري، وبكيت على عمري، وأنادي في فلوات خلواتي بما سمعته من بعض العوام، وكأنه وصف حالي: وَاحَسْرَتِي كَمْ أُدَارِيْ فِيكَ تَعْثِيرِي ... مِثْلَ الأَسِيرِ بِلا حَيْلٍ ولَا سَيْرِ مَا حِيْلَتِي فِي الْهَوَى قَدْ ضَاعَ تَدْبِيرِي ... لَمَّا شَكَلْتَ جَنَاحِي قُلْتَ لِي طِيْرِي٢

стр. 71

٢٢- فصل: حوادث الدنيا وحوادث الآخرة . ٩٦- تأملت أمر الدنيا والآخرة، فوجدت حوادث الدنيا حسية طبعية وحوادث الآخرة إيمانية يقينية. والحسيات أقوى جذبًا لمن يقو علمه ويقينه.

стр. 72

٩٧- والحوادث إنما تبقى بكثرة أسبابها: فمخالطة الناس، ورؤية المستحسنات، والتعرض بالملذوذات، يقوي حوادث الحس. والعزلة والفكر، والنظر في العلم، يقوي حوادث الآخرة. ويبين هذا: بأن الإنسان إذا خرج يمشي في الأسواق، ويبصر زينة الدنيا، ثم دخل إلى المقابر، فتفكر، ورق قلبه، فإنه يحس بين الحالتين فرقًا بينًا، وسبب ذلك التعرض بأسباب الحوادث. ٩٨- فعليك بالعزلة، والذكر، والنظر في العلم، فإن العزلة حمية، والفكر والعلم أدوية، والدواء مع التخليط لا ينفع، وقد تمكنت منك أخلاط! المخالطة للخلق والتخليط٢ في الأفعال، فليس لك دواء إلا ما وصفت لك. فأما إذا خالطت الخلق، وتعرضت للشهوات، ثم رمت٣ صلاح القلب، رمت الممتنع.

стр. 73

٢٣- فصل: النفس لا تصبر على الحصر . ٩٩- تأملت حرص النفس على ما منعت منه، فرأيت حرصها يزيد على قدر قوة المنع. ورأيت في السرب١ الأول: أن آدم ﵇ لما نهي عن الشجرة، حرص عليها مع كثرة الأشجار المغنية عنها. وفي الأمثال: المرء حريص على ما منع، وتوافق إلى ما لم ينل، ويقال: لو أمر الناس بالجوع، لصبروا، ولو نهوا عن تفتيت البعر؛ لرغبوا فيه، وقالوا: ما نهينا عنه إلا لشيء. وقد قيل: ......................أَحَبُّ شَيْءٍ إِلَى الإِنْسَانِ مَا مُنِعَا

стр. 74

١٠٠- فلما بحثت عن سبب ذلك، وجدت سببين: أحدهما: أن النفس لا تصبر على الحصر؛ فإنه يكفي حصرها في صورة البدن١، فإذا حصرت في المعنى بمنع، زاد طيشها، ولهذا لو قعد الإنسان في بيته شهرًا، لم يصعب عليه، ولو قيل له: لا تخرج من بيتك يومًا، طال عليه. والثاني: أنها يشق عليها الدخول تحت حكم، ولهذا تستلذ الحرام، ولا تكاد تستطيب المباح، ولذلك يسهل عليها التعبد على ما ترى وتؤثر، لا على ما يؤثر.

стр. 75

٢٤- فصل: العزلة عن الشر لا عن الخير . ١٠١- ما زالت نفسي تنازعني -بما يوجبه مجلس الوعظ، وتوبة التائبين، ورؤية الزاهدين- إلى الزهد، والانقطاع عن الخلق، والانفراد بالآخرة، فتأملت ذلك، فوجدت عمومه من الشيطان فإن الشيطان يرى أنه لا يخلو لي مجلس من خلق لا يحصون، يبكون، ويندبون على ذنوبهم، ويقوم في الغالب جماعة، يتوبون، ويقطعون شعور الصِّبَا، وربما اتفق خمسون١ ومئة، ولقد تاب عندي في بعض الأيام أكثر من مئة، وعمومهم صبيان، قد نشئوا على اللعب والانهماك في المعاصي. ١٠٢- فكان الشيطان -لبعد غوره في الشر- رآني أجتذب إلي من أجتذب منه، فأراد أن يشغلني عن ذلك بما يزخرفه، ليخلو هو بمن أجتذبه من يده. ولقد حسن لي الانقطاع عن المجالس، وقال: لا يخلو من تصنع الخلق، لا رذيلة، وأما أن أقصد الناس بما لا يجوز في الشرع، فمعاذ الله. ١٠٣- ثم رأيته يريني في التزهد قطع أسباب ظاهرة الإباحة من الاكتساب! فقلت له: فإن طاب لي الزهد، وتمكنت من العزلة، فنفد ما بيدي، أو احتاج بعض عائلتي ألست أعود القهقهرى؟! فدعني أجمع ما يسد خلتي، ويصونني عن مسألة
следующие страницы →