٢٢- فصل: حوادث الدنيا وحوادث الآخرة .
٩٦- تأملت أمر الدنيا والآخرة، فوجدت حوادث الدنيا حسية طبعية وحوادث الآخرة إيمانية يقينية. والحسيات أقوى جذبًا لمن يقو علمه ويقينه.
стр. 72
٩٧- والحوادث إنما تبقى بكثرة أسبابها: فمخالطة الناس، ورؤية المستحسنات، والتعرض بالملذوذات، يقوي حوادث الحس.
والعزلة والفكر، والنظر في العلم، يقوي حوادث الآخرة.
ويبين هذا: بأن الإنسان إذا خرج يمشي في الأسواق، ويبصر زينة الدنيا، ثم دخل إلى المقابر، فتفكر، ورق قلبه، فإنه يحس بين الحالتين فرقًا بينًا، وسبب ذلك التعرض بأسباب الحوادث.
٩٨- فعليك بالعزلة، والذكر، والنظر في العلم، فإن العزلة حمية، والفكر والعلم أدوية، والدواء مع التخليط لا ينفع، وقد تمكنت منك أخلاط! المخالطة للخلق والتخليط٢ في الأفعال، فليس لك دواء إلا ما وصفت لك.
فأما إذا خالطت الخلق، وتعرضت للشهوات، ثم رمت٣ صلاح القلب، رمت الممتنع.
стр. 73
٢٣- فصل: النفس لا تصبر على الحصر .
٩٩- تأملت حرص النفس على ما منعت منه، فرأيت حرصها يزيد على قدر قوة المنع.
ورأيت في السرب١ الأول: أن آدم ﵇ لما نهي عن الشجرة، حرص عليها مع كثرة الأشجار المغنية عنها.
وفي الأمثال: المرء حريص على ما منع، وتوافق إلى ما لم ينل، ويقال: لو أمر الناس بالجوع، لصبروا، ولو نهوا عن تفتيت البعر؛ لرغبوا فيه، وقالوا: ما نهينا عنه إلا لشيء. وقد قيل:
......................أَحَبُّ شَيْءٍ إِلَى الإِنْسَانِ مَا مُنِعَا
стр. 74
١٠٠- فلما بحثت عن سبب ذلك، وجدت سببين:
أحدهما: أن النفس لا تصبر على الحصر؛ فإنه يكفي حصرها في صورة البدن١، فإذا حصرت في المعنى بمنع، زاد طيشها، ولهذا لو قعد الإنسان في بيته شهرًا، لم يصعب عليه، ولو قيل له: لا تخرج من بيتك يومًا، طال عليه.
والثاني: أنها يشق عليها الدخول تحت حكم، ولهذا تستلذ الحرام، ولا تكاد تستطيب المباح، ولذلك يسهل عليها التعبد على ما ترى وتؤثر، لا على ما يؤثر.
стр. 75
٢٤- فصل: العزلة عن الشر لا عن الخير .
١٠١- ما زالت نفسي تنازعني -بما يوجبه مجلس الوعظ، وتوبة التائبين، ورؤية الزاهدين- إلى الزهد، والانقطاع عن الخلق، والانفراد بالآخرة، فتأملت ذلك، فوجدت عمومه من الشيطان فإن الشيطان يرى أنه لا يخلو لي مجلس من خلق لا يحصون، يبكون، ويندبون على ذنوبهم، ويقوم في الغالب جماعة، يتوبون، ويقطعون شعور الصِّبَا، وربما اتفق خمسون١ ومئة، ولقد تاب عندي في بعض الأيام أكثر من مئة، وعمومهم صبيان، قد نشئوا على اللعب والانهماك في المعاصي.
١٠٢- فكان الشيطان -لبعد غوره في الشر- رآني أجتذب إلي من أجتذب منه، فأراد أن يشغلني عن ذلك بما يزخرفه، ليخلو هو بمن أجتذبه من يده.
ولقد حسن لي الانقطاع عن المجالس، وقال: لا يخلو من تصنع الخلق، لا رذيلة، وأما أن أقصد الناس بما لا يجوز في الشرع، فمعاذ الله.
١٠٣- ثم رأيته يريني في التزهد قطع أسباب ظاهرة الإباحة من الاكتساب! فقلت له: فإن طاب لي الزهد، وتمكنت من العزلة، فنفد ما بيدي، أو احتاج بعض عائلتي ألست أعود القهقهرى؟! فدعني أجمع ما يسد خلتي، ويصونني عن مسألة
стр. 76
الناس؛ فإن مد عمري، كان نعم السبب، وإلا، كان للعائلة، ولا أكون كراكب أراق ماءه لرؤية سراب، فلما ندم وقت الفوات، لم ينتفع بالندم. وإنما الصواب توطئه المضجع قبل النوم، وجمع المال الساد للخلة قبل الكبر، أخذ بالحزم، وقد قال الرسول ﷺ : "لأن تترك ورثتك أغنياء خير لك من أن تتركهم عالة يتكففون الناس"١، وقال: "نعم المال الصالح للرجل الصالح"٢.
١٠٤- وأما الانقطاع، فينبغي أن تكون العزلة عن الشر لا عن الخير، والعزلة عن الشر واجبة على كل حال، وأما تعليم الطالبين، وهداية المريدين، فإنه عبادة العالم.
١٠٥- وإن من تفضيل بعض العلماء إيثاره للتنقل بالصلاة والصوم عن تصنيف كتاب، أو تعليم علم ينفع؛ لأن ذلك بذر يكثر ريعه، ويمتد زمان نفعه.
١٠٦- وإنما تميل النفس إلى ما يزخرفه الشيطان من ذلك لمعنيين: أحدهما: حب البطالة؛ لأن الانقطاع عندها أسهل، والثاني: لحب المدحة، فإنها إذا توسمت بالزهد، كان ميل العوام إليها أكثر.
١٠٧- فعليك بالنظر في السرب الأول، فكن مع السرب المتقدم، وهم الرسول ﷺ وأصحابه ﵃، فهل نقل عن أحد منهم ما ابتدعه جهلة المتزهدين والمتصوفة، من الانقطاع عن العلم؟ والانفراد عن الخلق، وهل كان شغل الأنبياء إلا معاناة الخلق؟ وحثهم على الخير، ونهيهم عن الشر؟!
إلا أن ينقطع من ليس بعالم بقصد الكف عن الشر، فذاك مرتبة المحتمي، يخاف شر التخليط٣، فأما الطبيب العالم بما يتناول، فإنه ينتفع بما يناله.
стр. 77
٢٥- فصل: المقصود من العلم العمل .
١٠٨- تأملت المراد من الخلق، فإذا هو الذل، واعتقاد التقصير والعجز.
стр. 78
١٠٩- ومثلت العلماء والزهاد العاملين صنفين: فأقمت في صف العلماء: مالكًا، وسفيان، وأبا حنيفة، والشافعي، وأحمد. وفي صف العباد: مالك بن دينار، ورابعة، ومعروفًا الكرخي١، وبشر بن الحارث.
١١٠- فكلما جد العباد في العبادة، صاح بهم لسان الحال: عباداتكم لا يتعداكم نفعها؛ وإنما يتعدى نفع العلماء، وهم ورثة الأنبياء، وخلفاء الله في الأرض، وهم الذين عليهم المعول، ولهم الفضل إذا أطرقوا وانكسروا، وعلموا صدق تلك الحال.
وجاء مالك بن دينار إلى الحسن، يتعلم منه، ويقول: الحسن أستاذنا.
١١١- وإذا رأى العلماء أن لهم بالعلم فضلًا، صاح لسان الحال بالعلماء: وهل المراد من العلم إلا العمل؟!
وقال أحمد بن حنبل: وهل يراد بالعلم إلا ما وصل إليه معروف؟!
وصح عن سفيان الثوري، قال: وددت أن يدي قطعت ولم أكتب الحديث٢.
وقالت أم الدرداء٣ لرجل: هل عملت بما علمت؟ قال: لا. قالت: فلم تستكثر من حجة الله عليك؟!
وقال أبو الدرداء: ويل لمن لم يعلم ولم يعمل مرّةً، وويل لمن علم ولم يعمل سبعين مرَّةً.
وقال الفضيل: يغفر للجاهل سبعون ذنبًا قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد، فما يبلغ من الكل قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] .
وجاء سفيان إلى رابعة، فجلس بين يديها، ينتفع بكلامها.
فدل العلماء العلم على أن المقصود منه العمل به، وأنه آلة، فانكسروا،
стр. 79
واعترفوا بالتقصير، فحصل الكل على الاعتراف والذل، فاستخرجت المعرفة منهم حقيقة العبودية باعترافهم، فذلك هو المقصود من التكليف.
стр. 80
٢٦- فصل: محبة الخالق توجب قلقًا وشوقًا .
١١٢- تأملت قوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] ، فإذا النفس تأبى إثبات محبة للخالق توجب قلقًا وشوقًا، وقالت: محبته طاعته، فتدبرت ذلك؛ فإذا بها قد جهلت ذلك لغلبة الحس.
١١٣- وبيان هذا: أن محبة الحس لا تتعدى الصور الذاتية، ومحبة العلم والعمل ترى الصور المعنوية فتحبها؛ فإنا نرى خلقًا يحبون أبا بكر ﵁، وخلقًا يحبون علي بن أبي طالب ﵁، وقومًا يتعصبون لأحمد بن حنبل، وقومًا للأشعري١، فيقتتلون، ويبذلون النفوس في ذلك، وليسوا ممن رأى صور القوم، ولا صور القوم توجب المحبة، ولكن لما تصورت لهم المعاني، فدلتهم على كمال القوم في العلوم، وقع الحب لتلك الصور، التي شوهدت بأعين البصائر، فكيف بمن صنع٢ تلك الصور المعنوية وبذلها؟!
١١٤- وكيف لا أحب من وهب لي ملذوذات حسي، وعرفني ملذوذات علمي؟! فإن التذاذي بالعلم، وإدارك العلوم أولى من جميع اللذات الحسية، فهو الذي علمني، وخلق لي إدراكًا، وهداني إلى ما أدركته.
١١٥- ثم إنه يتجلى لي في كل لحظة في مخلوق جديد، أراه فيه بإتقان ذلك الصنع، وحسن ذلك المصنوع. فكل محبوباتي منه وعنه وبه، الحسية والمعنوية، وتسهيل سبل الإدراك به، والمدركات منه، وألذ من كل لذة عرفاني له، فلولا تعليمه، ما عرفته.
стр. 81
١١٦- وكيف لا أحب من أنا به، وبقائي منه، وتدبيري بيده، ورجوعي إليه، وكل مستحسن محبوب هو صنعه، وحسنه، وعطف النفوس إليه؟!
١١٧- فكذلك الكامل القدرة أحسن من المقدور، والعجيب الصنعة أكمل من المصنوع، ومعنى الإدراك أحلى عرفانًا من المدرك.
١١٨- ولو أننا رأينا نقشًا عجيبًا، لاستغرقنا تعظيم النقاش، وتهويل شأنه، وظريف حكمته عن حب المنقوش، وهذا مما تترقى إليه الأفكار الصافية، إذا خرق نظرها الحسيات، ونفذ إلى ما وراءها، فحينئذ نفع محبة الخالق ضرورة.
١١٩- وعلى قدر رؤية الصانع في المصنوع يقع الحب له: فإن قوي، أوجب قلقًا وشوقًا، وإن مال بالعارف إلى مقام الهيبة، أوجب خوفًا، وإن انحرف به إلى تلمح الكرم، أوجب رجاء قويًا: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة: ٦٠] .
стр. 82
٢٧- فصل: قصور العقل عن درك جميع المطلوب .
١٢٠- تأملت حالًا عجيبة، وهي أن الله سبحانة وتعالى قد بنى هذه الأجسام متقنة على قانون الحكمة، فدل بذلك المصنوع على كمال قدرته، ولطيف حكمته.
ثم عاد فنقضها، فتحيرت العقول بعد إذعانها له بالحكمة في سر ذلك بالفعل؟! فأعلمت أنها ستعاد للمعاد، وأن هذه البنية لم تخلق إلا لتجوز في مجاز المعرفة، وتتجر في موسم المعاملة. فسكنت العقول لذلك.
١٢١- ثم رأيت أشياء من هذا الجنس أظرف منه: مثل اخترام شاب ما بلغ بعض المقصود بنيانه! وأعجب من ذلك أخذ طفل من أكف أبويه، يتململان١، ولا يظهر سر سلبه، والله الغني عن أخذه، وهما أشد الخلق فقرًا إلى بقائه! وأظرف منه إبقاء هرم، لا يدري معنة البقاء، وليس له فيه إلا مجرد أذى! ومن هذا الجنس تقتير الرزق على المؤمن الحكيم، وتوسعته على الكافر الأحمق. وفي نظائر لهذه المذكورات يتحير العقل في تعليلها فيبقى مبهوتًا.
стр. 83
فلمْ أزلْ أتلمحُ جملة التكاليف، فإذا عجزت قوى العقل عن الاطاع على حكمة ذلك، وقد ثبت لها حكمة الفاعل، علمت قصورها عن درك جميع الملطوب، فأذعنت مقرة بالعجز، وبذلك تؤدي مفروض تكليفها.
١٢٢- ولَوْ قِيلَ لِلْعقْلِ: قد ثبت عندك حكمة الخالق بما بنى، أفيجوز أن ينقدح١ في حكمته أنه نقض؟ لقال: لا؛ لأني عرفت بالبرهان أنه حكيم، وأنا أعجز عن إدراك علل حكمته، فأسلم على رغمي، مقرًّا بعجزي٢.
стр. 84
٢٨- فصل: فوائد النكاح .
١٢٣- تأملت في فوائد النكاح ومعانيه وموضوعه، فرأيت أن الأصل الأكبر في وضعه وجود النسل؛ لأن هذا الحيوان لا يزال يتحلل، ثم يخلف المتحلل الغذاء، ثم يتحلل من الأجزاء الأصلية ما لا يخلفه شيء، فإذا لم يكن بد من فنائه، وكان المراد امتداد أزمان الدنيا، جعل النساء خلفًا عن الأصل.
١٢٤- ولما كانت صورة النكاح تأباها النفوس الشريفة، من كشف العورة، وملاقاة ما لا يستحسن لنفسه، جعلت الشهوة تحث عليه، ليحصل المقصود.
١٢٥- ثم رأيت هذا المقصود الأصلي يتبعه شيء آخر، وهو استفزاع هذا الماء، الذي يؤذي دوام احتقانه، فإن المني ينفصل من الهضم الرابع، فهو من أصفى جوهر الغذاء وأجوده، ثم يجتمع، فهو أحد الذخائر للنفس، فإنها تدخر -لبقائها وقوتها- الدم، ثم المني، ثم تدخر التفل١، الذي هو من أعمدة البدن، كأنه لخوف عدم غيره، فإذا زاد اجتماع المني, أقلق على نحو إقلاق البول للحاقن، إلا أن إقلاقه من حيث المعنى أكثر من إقلاق البول من حيث الصورة، فتوجب كثرة اجتماعه، وطول احتباسه أمراضًا صعبة؛ لأنه يترقى من بخاره إلى الدماغ فيؤْذِي،
стр. 85
وربما أحدث سُمِّيَّةً١، ومتى كان المزاج سليمًا، فالطبع يطلب بروز المني إذا اجتمع، كما يطلب بروز البول٢.
١٢٦- وقد ينحرف بعض الأمزجة، فيقل اجتماعه عنده، فيندر طلبه لإخراجه، وإنما تتكلم عن المزاج الصحيح، فأقول: قد بينت أنه إذا وقع به احتباسه، أوجب أمراضًا، وجدد أفكارًا رديئةً، وجلب العشق والوسوسة ... إلى غير ذلك من الآفات.
١٢٧- وقد نجد صحيح المزاج يخرج ذلك إذا اجتمع، وهو بعد متقلقل، فكأنه الآكل الذي لا يشبع! فبحثت عن ذلك، فرأيته وقوع الخلل في المنكوح: إما لدمامته: وقبح منظره، أو لآفة فيه، أو؛ لأنه غير مطلوب للنفس، فحينئذ يخرج منه، ويبقى بعضه.
فإذا أردت معرفة ما يدلك على ذلك، فقس مقدار خروج المني في المحل المشتهى، وفي المحل الذي هو دونه، كالوطء بين الفخذين، بالإضافة إلى الوطء في محل النكاح، وكوطء البكر بالإضافة إلى وطء الثيب، فعلم حينئذ أن تخير المنكوح يستقضي فضول المني، فيحصل للنفس كمال اللذة، لموضع كمال بروز الفضول.
١٢٨- ثم قد يؤثر هذا في الولد أيضًا، فإنه إذا كان -أي: الولد- من شابين قد حبسا أنفسهما عن النكاح [مدة] مديدة، كان الولد أقوى منه من غيرهما أو من المدمن على النكاح في الأغلب.
١٢٩- ولهذا كره نكاح الأقارب؛ لأنه مما يقبض النفس عن انبساطها، فيتخيل الإنسان أنه ينكح بعضه، ومدح نكاح الغرائب لهذا المعنى٣.
١٣٠- ومن هذا الفن يحصل كثير من المقصود من دفع هذه الفضول المؤذية
стр. 86
بمنكوحٍ مستجدٍّ، وإن كان مستقبح الصورة، ما لا يحصل به في العادة.
ومثال هذا: أن الطاعم إذا امتلأ خبزًا ولحمًا حيث لم يبق فيه فضل لتناول لقمة، [إذا] قدمت إليه الحلوى، فيتناول، فلو قدم أعجب منها، لتناول؛ لأن الجدة لها معنًى عجيب. وذلك أن النفس لا تميل إلى ما ألفت، وتطلب غير ما عرفت، ويتخايل لها في الجديد نوع مراد، فإذا لم تجد مرادها، صدفت١ إلى جديد آخر، فكأنها قد علمت وجود عرض تام بلا كدر، وهي تتخايله فيما تراه٢.
١٣١- وفي هذا المعنى دليل مدفون على البعث؛ لأن [في] خلق [مَنْ] همته متعلقة بلا متعلق نوع عبث، فافهم هذا! فإذا رأت النفس عيوب ما خالطت في الدنيا، عادت تطلب جديدًا، ولذلك قال الحكماء: العشق العمى عن عيوب المحبوب فمن تأمل عيوبه سلا.
١٣٢- ولذلك يستحب للمرأة أن لا تبعد عن زوجها بعدًا ينسيه إياها، ولا تقرب منه قربًا يملها معه، وكذلك يستحب ذلك له، لئلا يمله، أو تظهر لديه مكنونات عيوبها.
١٣٣- وينبغي له ألا يطلع منها على عورة، ويجتهد في ألا يشم منها إلا أطيب٣ ريح، إلى غير ذلك من الخصال التي تستعملها النساء الحكيمات، فإنهن يعلمن ذلك بفطرهن، من غير احتياج إلى تعليم، فأما الجاهلات، فإنهن لا ينظرن في هذا، فيتعجل التفات الأزواج عنهن.
١٣٤- فمن أراد نجابة الولد، وقضاء الوطر، فيتخير المنكوح: إن كان زوجة، فلينظر إليها، فإذا وقعت في نفسه فليتزوجها، وينظر في كيفية وقوعها في نفسه، فإن علامة تعلق حبها بالقلب أنه لا يصرف الطرف عنها، فإذا انصرف
стр. 87
الطرف، قلق القلب بتقاضي١ النظرة، فهذا الغاية، ودونه مراتب على مقاديرها يكون بلوغ الأغراض، وإن كان جارية تشترى، فلينظر إليها أبلغ من ذلك النظر.
١٣٥- ومن قدر على مناطقة المرأة أو مكالمتها بما يوجب التنبيه، ثم ليرى ذلك منها، فإن الحسن في الفم والعينين، وقد نص أحمد على جواز أن يبصر الرجل من المرأة التي يريد نكاحها ما هو عورة، يشير إلى ما يزيد على الوجه٢.
١٣٦- ومن أمكنه أن يؤخر العقد أو شراء الجارية لينظر كيف توقان قلبه، فإنه لا يخفى على العاقل توقان النفس لأجل المستجد، وتوقانها لأجل الحب، فإذا رأى قلق الحب، أقدم، فإنه قد أخبرنا محمد بن عبد الباقي٣، قال: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نعيم٤، قال: حدثنا سليمان بن أحمد، قال: حدثنا عبد الجبار بن أبي عامر، قال: حدثني أبي، قال: حدثني خالد بن سلام، قال: حدثنا عطاء الخراساني٥، قال: مكتوب في التوراة: كل تزويج على غير هوى؛ حسرة وندامة إلى يوم القيامة.
١٣٧- ثم يبنغي للمتخير أن يتفرس الأخلاق؛ فإنها من الخفي، وإن الصورة إذا خلت من المعنى، كانت كخضراء المدمن ٦، ونجابة الولد مقصودة.
стр. 88
١٣٨- وَفَرَاغُ النَّفْسِ من الاهتمام بود محبوس أصل عظيم، يوجب إقبال القلب على المهمات، ومن فرغ من المهمات العارضة، أقبل على المهمات الأصلية، ولهذا جاء في الحديث: "لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان"١، و "إذا وضع العَشَاء، وحضرت العِشَاء، فابدؤوا بالعَشَاءِ"٢.
١٣٩- فمن قدر على امرأةٍ صالحةٍ في الصورة والمعنى، فليغمض عن عوراتها٣، ولتجتهد هي مراضيه٤، من غير قرب يمل، ولا بعد ينسي، ولتقدم على التصنع٥ له، يحصل الغرضان منها: الولد، وقضاء الوطر، مع الاحتراز الذي أوصيت به، تدوم الصحبة، ويحصل الغناء٦ بها عن غيرها.
١٤٠- فإن قدر على الاستكثار، فأضاف إليها سواها، عالمًا أنه [بذلك] يبلغ الغرض، الذي يفرغ قلبه زيادة تفريغ، كان أفضل لحاله.
١٤١- فإن خاف من وجود الغيرة ما يشغل القلب الذي قد اهتممنا بجمع همته، أو خاف وجود مستحسنة، تشغل قلبه عن ذكر الآخرة، أو تطلب منه ما يوجب خروجه عن الورع، [فحسبه واحدة] .
١٤٢- ويدخل فيما أوصيت به أنه يبعد في المستحسنات العفاف، فليبالغ الواجد لهن في حفظهن وسترهن، فإن وجد ما لا يرضيه، عجل الاستبدال، فإنه سبب السلو، وإن قدر على الاقتصار، فإن الاقتصار على الواحدة أولى، فإن كانت على الغرض قنع، وإن لم تكن استبدل.
١٤٣- ونكاح المرأة المحبوبة يستفرغ الماء المجتمع، فيوجب نجابة الولد وتمامه، وقضاء الوطر بكماله.
стр. 89
١٤٤- ومن خاف وجود الغيرة، فعليه بالسراري، فإنهن أقل غيرة، والاستظراف لهن أمكن من استظراف الزوجات.
١٤٥- وقد كانت جماعة يمكنهم الجمع، وكان النساء يصبرن: فكان لداود ﵊ مئة امرأة، ولسليمان علية الصلاة والسلام ألف امرأة، وقد علم حال نبينا ﷺ وأصحابه.
وكان لأمير المؤمنين علي ﵁ أربع حرائر، وسبع عشرة سريَّةً، وتزوج ابنه الحسن ﵁ بنحو من أربع مئة، وإلى غير هذا مما يطول ذكره فافهم ما أشرت إليه، تفز به إن شاء الله تعالى.
стр. 90
٢٩- فصل: العقاب العاجل
١٤٦- كل شيء خلق الله تعالى في الدنيا، فهو أنموذج١ [ما يكون] في الآخرة، وكل شيء يجري فيها أنموذج ما يجري في الآخرة، فأما المخلوق منها، فقال ابن عباس ﵄: ليس في الجنة شيء يشبه ما في الدنيا إلا الأسماء. وهذا؛ لأن الله تعالى شوق بنعيم إلى نعيم، وخوف بعذاب من عذاب.
١٤٧ فأما ما يجري في الدنيا، فكل ظالم معاقب في العاجل على ظلمه قبل الآجل، وكذلك كل مذنب ذنبًا، وهو معنى قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:٢٣] .
١٤٨- وربما رأى العاصي سلامة بدنه وماله، فظن أن لا عقوبة، وغفلته عما عوقب به عقوبة، وقد قال الحكماء: المعصية بعد المعصية عقاب المعصية، والحسنة بعد الحسنة ثواب الحسنة.
١٤٩- وربما كان العقاب العاجل معنويًا، كما قال بعض أحبار بني إسرائيل: يا رب! كم أعصيك ولا تعاقبني! فقيل له: كم أعاقبك وأنت لا تدري! أليس قد حرمتك حلاوة مناجاتي؟
стр. 91
١٥٠- فمن تأمَّل هذا الجنس من المعاقبة، وجده بالمرصاد، حتى قال وهيب بن الورد١، وقد سئل: أيجد لذة الطاعة من يعصي؟ قال: ولا من هم.
١٥١- فرب شخص أطلق بصره، فحرم اعتبار بصيرته، أو لسانه، فحرم صفاء قلبه، أو آثر شبهة في مطعمة، فأظلم سره، وحرم قيام الليل، وحلاوة المناجاة، إلى غير ذلك، وهذا أمر يعرفه أهل محاسبة النفوس.
١٥٢- وعلى ضده يجد من يتقي الله تعالى من حسن الجزاء على التقوى عاجلًا، كما في حديث أبي أمامة عن النبي ﷺ : "يقول الله تعالى: النظرة إلى المرأة سهم مسموم من سهام الشيطان، من تركه ابتغاء مرضاتي، آتيته إيمانًا يجد حلاوته في قلبه" ٢. فهذه نبذة من هذا الجنس تنبه على مغفلها.
١٥٣- فأما المقابلة الصريحة في الظاهر، فقل أن تحتبس، ومن ذلك قول النبي ﷺ : "الصبحة تمنع الرزق"٣، و "إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه"٤.
وقد روى المفسرون: أن كل شخص من الأسباط جاء باثني عشر ولدًا، وجاء يوسف بأحد عشر بالهمة، ومثل هذا إذا تأمله ذو بصيرة، رأى الجزاء وفهم، كما قال الفضيل: إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق دابتي وجاريتي.
وعن أبي عثمان النيسابوري٥: أنه انقطع شسع نعله٦ في مضيه إلى الجمعة، فتعوق لإصلاحة ساعة، ثم قال: إنما انقطع؛ لأني ما اغتسلت غسل الجمعة.
١٥٤- ومن عجائب الجزاء في الدنيا أنه لما امتدت أيدي الظلم من إخوة
стр. 92
يوسف: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠] ، امتدت أكفهم بين يديه بالطلب يقولون: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: ٨٨] ، ولما صبر هو يوم الهمة١، ملك المرأة٢ حلالًا، ولما بغت عليه بدعواها: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ [يوسف: ٢٥] ، أنطقها الحق بقولها: ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ﴾ [يوسف:٥١] .
١٥٥- ولو أن شخصًا ترك معصية لأجل الله تعالى، لرأى ثمرة ذلك، وكذلك إذا فعل طاعة، وفي الحديث: "إذا أملقتم، فتاجروا الله بالصدقة" ٣، أي: عاملوه لزيادة الأرباح العاجلة.
١٥٦- ولقد رأينا من سامح نفسه بما يمنع منه الشرع طلبًا للراحة العاجلة، فانقلبت أحواله إلى التنغص العاجل، وعكست عليه المقاصد.
١٥٧- حكى بعض المشايخ أنه اشترى في زمن شبابه جارية، قال: فلما ملكتها، تاقت نفسي٤ إليها، فما زلت أسأل الفقهاء لعل مخلوقًا يرخص لي، فكلهم قال: لا يجوز النظر إليها بشهوة، ولا لمسها، ولا جماعها إلا بعد حيضها. قال: فسألتها؟ فأخبرتني أنها اشتريت وهي حائض، فقلت: قرب الأمر، فسألت الفقهاء؟ فقالو: لا يعتد بهذه الحيضة حتى تحيض في ملكه، قال: فقلت لنفسي وهي شديدة التوقان لقوة الشهوة، وتمكن القدرة، وقرب المصاقبة٥: ما تقولين؟ فقالت: الإيمان بالصبر على الجمر شئت أم أبيت، فصبرت إلى أن حان ذلك، فأثابني الله تعالى على ذلك الصبر بنيل ما هو أعلى منها وأرفع.
стр. 93
٣٠- فصل: قد يخفي الإنسان عمله فيظهره الله عليه .
١٥٨- نَظَرتُ في الأدلة على الحق ، فوجدتها أكثر من الرمل، ورأيت من
стр. 94
أعجبها أن الإنسان قد يخفي ما لا يرضاه الله ، فيظهره الله سبحانه عليه، ولو بعد حين، وينطق الألسنة به، وإن لم يشاهده الناس.
وربما أوقع صاحبه في آفة يفضحه بها بين الخلق، فيكون جوابًا لكل ما أخفى من الذنوب، وذلك ليلعم الناس أن هنالك من يجازي على الزلل، ولا ينفع من قدره وقدرته حجاب ولا استتار، ولا يضاع لديه عمل.
١٥٩- وكذلك يخفي الإنسان الطاعة، فتظهر عليه، ويتحدث الناس بها وبأكثر منها، حتى إنهم لا يعرفون له ذنبًا، ولا يذكرونه إلا بالمحاسن، ليعلم أن هنالك ربًّا لا يضيع عمل عامل.
١٦٠- وإن قلوب الناس لتعرف حال الشخص وتحبه أو تأباه، وتذمه أو تمدحه -[وفق ما] ١ يتحقق بينه٢ وبين الله تعالى- فإنه يكفيه كل هم، ويدفع عنه كل شر، وما أصلح عبد ما بينه وبين الخلق، دون الحق، إلا انعكس مقصوده، وعاد كل شر، وما أصلح عبد ما بينه وبين الخلق، دون الحق، إلا انعكس مقصوده، وعاد حامده ذامًّا.
стр. 95
٣١- فصل: غلبة الجهل والهوى على أكثر الناس
١٦١- تأملت الأرض ومن عليها بعين فكري، فرأيت خرابها أكثر من عمرانها، ثم نظرت في المعمور منها، فوجدت الكفار مستولين على أكثره، ووجدت أهل الإسلام في الأرض قليلًا بالإضافة إلى الكفار.
١٦٢- ثم تأملت المسلمين، فرأيت الأكساب قد شغلت جمهورهم عن الرازق، وأعرضت بهم عن العلم الدال عليه.
١٦٣- فالسطان مشغول بالأمر والنهي، والذات العارضة١ له، ومياه أغراضه جارية لا سكر٢ لها، ولا يتلقاه أحد بموعظة، بل بالمدحة التي تقوي هوى النفس!!
стр. 96
وَإِنَّمَا ينبغي أن تقاوم الأمراض بأضدادها، كما قال عمر بن المهاجر: قال لي عمر بن عبد العزيز: إذا رأيتني قد حدت عن الحق، فخذ بثيابي، وهزني، وقل: مالك يا عمر؟! وقال عمر بن الخطاب ﵁: رحم الله من أهدى إلينا عيوبنا، فأحوج الخلق إلى النصائح والمواعظ السلطان.
١٦٤- وأما جُنُودُهُ، فجمهورهم في سكر الهوى، وزينة الدنيا، وقد انضاف إلى ذلك الجهل، وعدم العلم، فلا يؤلمهم ذنب، ولا ينزعجون من لبس حرير، أو شرب خمر، حتى ربما قال بعضهم: إيش يعمل الجندي؟! أيلبس القطن؟ ثم أخذهم للأشياء من غير وجهها، فالظلم معهم كالطبع!
١٦٥- وأرباب البوادي قد غمرهم الجهل، وكذلك أهل القرى، [ماأكثر] ١ تقلبهم في الأنجاس، وتهوينهم لأمر الصلوات!! وربما صلت المرأة منهن قاعدة!
١٦٦- ثم نظرت في التجار، فرأيتهم قد غلب عليهم الحرص، حتى لا يرون سوى وجوه الكسب، كيف كانت، وصار الربا في معاملاتهم فاشيًا، فلا يبالي أحدهم من أين تحصل له الدنيا! وهم في باب الزكاة مفروطون، ولا يستوحشون من تركها، إلا من عصم الله.
١٦٧- ثم نظرت في أرباب المعاش، فوجدت الغش في معاملاتهم عامًّا وكذلك والتطفيف والبخس، وهم مع هذا مغمورون بالجهل!
١٦٨- ورأيت عامة من له ولد يشغله ببعض هذه الأشغال طلبًا للكسب قبل أن يعرف ما يجب عليه وما يتأدب به.
١٦٩- ثم نظرت في أحوال النساء، فرأيتهم قليلات الدين، عظيمات الجهل، ما عندهن من الآخرة خبر إلا من عصم الله، فقلت: واعجبًا! فمن بقي لخدمة الله ومعرفته؟!
١٧٠- فنظرت، فإذا العلماء، والمتعلمون، والعباد، والمتزهدون، فتأملت العباد والمتزهدين، فرأيت جمهورهم يتعبد بغير علم، ويأنس إلى تعظيمه، وتقبيل يده،
стр. 97
وكثرة أتباعه، حتى إن أحدهم لو اضطر أن يشتري حاجة من السوق لم يفعل، لئلا ينكسر جاهه! ثم تترقى بهم رتبة الناموس إلى ألا يعودوا مريضًا، ولا يشهدوا جنازة، إلا أن يكون عظيم القدر عندهم.
ولا يتزاورون، بل ربما ضن١ بعضهم على بعض [بلقاءٍ] ، فقد صارت النواميس٢ كالأوثان، يعبدونها ولا يعلمون! وفيهم من يقدم على الفتوى بجهل، لئلا يخل بناموس التصدر! ثم يعيبون٣ العلماء لحرصهم على الدنيا، ولا يعلمون أن المذموم من الدنيا ما هم فيه لا تناول المباحات!
١٧١- ثم تأملت العلماء والمتعلمين، فرأيت القليل من المتعلمين عليه أمارة النجابة؛ لأن أمارة النجابة طلب العلم للعمل به، وجمهورهم يطلب منه ما يصيره شبكة للكسب: إما ليأخذ قضاء مكان، أو ليصير قاضي بلد، أو قدر ما يتميز به عن أبناء جنسه، ثم يكتفي.
١٧٢- ثم تأملت العلماء، فرأيت أكثرهم يتلاعب به الهوى، ويستخدمه، فهو يؤثر ما يصده العلم عنه، ويقبل على ما ينهاه، ولا يكاد يجد ذوق معاملة الله سبحانه؛ وإنما همته أن يقول [وحسب] .
١٧٣- إلا أن الله لا يخلي الأرض من قائم له بالحجة، جامع بين العلم والعمل، عارف بحقوق الله تعالى، خائف منه، فذلك قطب الدنيا، ومتى مات، أخلف الله عوضه، وربما لم يمت حتى يرى من يصلح للنيابة عنه في كل نائبة، ومثل هذا لا تخلو الأرض منه، فهو بمقام النبي في الأمة.
وهذا الذي أصفه يكون قائمًا بالأصول، حافظًا للحدود، وربما قل علمه، أو قلت معاملته، فأما الكاملون في جميع الأدوات، فينذر وجودهم، فيكون في الزمان البعيد منهم واحد.
١٧٤- ولقد سبرت٤ السلف كلهم، فأردت أن استخرج منهم من جمع بين
стр. 98
العلم حتى صار من المجتهدين، وبين العمل حتى صار قدوة للعابدين، فلم أر أكثر من ثلاثة١: أولهم: الحسن البصري، وثانيهم: سفيان الثوري، وثالثهم: أحمد بن حنبل، وقد أفردت لأخبار كل واحد منهم كتابًا، وما أنكر على من ربعهم بسعيد بْنِ المُسَيَّبِ٢.
١٧٥- وإن كان في السلف سادات؛ إلا أن أكثرهم غلب عليه فن، فنقص من الآخرة، فمنهم من غلب عليه العلم، ومنهم من غلب عليه العمل، وكل هؤلاء كان له الحظ الوافر من العلم، والنصيب الأوفى من المعاملة والمعرفة.
١٧٦- ولا ييأس من وجود من يحذو حذوهم، وإن كان الفضل بالسبق لهم، فقد أطلع الله الخضر على ما خفي على موسى عليه السلام٣، فخزائن الله مملوءة، وعطاؤه لا يقف على شخص.
١٧٧- ولقد حكي لي عن ابن عقيل٤: أنه كان يقول عن نفسه: أنا عملت في قارب ثم كسر وهذا غلط، فمن أين له؟! فكم من معجب بنفسه كشف له من غيره ما عاد يحقر نفسه على ذلك!! وكم من متأخر سبق متقدمًا!! وقد قيل:
إنَّ اللَّيالِيَ وَالأَيَّامَ حَامِلَةٌ ... وَلَيْسَ يَعْلَمُ غَيْرُ اللهِ مَا تَلِدُ
стр. 99
آفات الشهوات وفو ائد الصبر عنها
...
٣٢- فصل: آفات الشهوت وفوائد الصبر عنها.
١٧٨- رأيت ميل النفس إلى الشهوات زائدًا في المقدار، حتى إنها إذا مالت،
стр. 100
مالت بالقلب والعقل والذهن، فلا يكاد "المرء" ينتفع بشيء من النصح١! فصحت بها يومًا، وقد مالت بكليتها إلى شهوة: ويحك! قفي لحظة، أكلمك كلمات، ثم افعلي ما بدا لك! قالت: قل، أسمع. قلت: قد تقرر قلة ميلك إلى المباحات من الشهوات، وأما جل ميلك، فإلى٢ المحرمات، وأنا أكشف لك عن الأمرين، فربما رأيت الحلوين مرين:
أما المباحات من الشهوات، فمطلقة لك، ولكن طريقها صعب: لأن المال قد يعجز عنها، والكسب قد لا يحصل معظمها، والوقت الشريف يذهب بذلك، ثم شغل القلب بها وقت التحصيل، وفي حالة الحصول، ويحذر٣ الفوات، ثم ينغصها من النقص ما لا يخفى على مميز: إن كان مطعمًا، فالشبع يحدث آفات، وإن كان شخصًا، فالملل أو الفراق أو سوء الخلق، ثم ألذ النكاح أكثرة إيهانًا٤ للبدن، إلى غير ذلك مما يطول شرحه.
وأما المحرمات، فتشتمل على ما أشرنا إليه من المباحات، وتزيد عليها بأنها آفة العرض، ومظنة٥ عقاب الدنيا وفضيحتها، و [هناك] وعيد الآخرة، ثم الجزع كلما ذكرها التائب.
١٧٩- وفي قوة قهر الهوى لذة تزيد على كل لذة، ألا ترى إلى كل مغلوب بالهوى كيف يكون ذليلًا؛ لأنه قهر، بخلاف غالب الهوى؛ فإنه يكون قوي القلب عزيزًا؛ لأنه قهر؟!
١٨٠- فالحذر الحذر من رؤية المشتهى بعين الحسن، كما يرى اللص لذة أخذ المال من الحرز٦، ولا يرى بعين فكره القطع٧! وليفتح عين البصيرة، لتأمل العواقب، واستحالة اللذة نغصة، وانقلابها عن كونها لذة، إما لملل، أو لغيرة من الآفات، أو لانقطاعها بامتناع الحبيب، فتكون المعصية الأولى كلقمة تناولها جائع،
стр. 101
فما ردت كلب الجوع١، بل شهت الطعام٢.
١٨١- وليتذكر الإنسان لذة قهر الهوى مع تأمل فوائد الصبر عنه، فمن وفق لذلك، كانت سلامته قريبة منه.
стр. 102
٣٣- فصل: القلب عارف والقواطع كثيرة .
١٨٢- خطر لي خاطر، والمجلس قد طاب، والقلوب قد حضرت، والعيون جارية، والرؤوس مطرقة، والنفوس قد ندمت على تفريطها، والعزائم قد نهضت لإصلاح شؤونها، وألسنة اللوم تعمل في الباطن على تضييع الحزم، وترك الحذر، فقلت لنفسي: ما بال هذه اليقظة لا تدوم؟! فإني أرى النفس واليقظة في المجلس متصادقين متصافيين؛ فإذا قمنا عن هذه التربة٣، وقعت الغربة.
فتأملت ذلك، فرأيت أن النفس ما تزال متيقظة، والقلب ما يزال عارفًا، غير أن القواطع كثيرة، والفكر الذي ينبغي استعماله في معرفة الله سبحانة وتعالى قد كل مما يستعمل في اجتلاب الدنيا، وتحصيل حوائج النفوس، والقلب منغمس في ذلك، والبدن أسير مستخدم.
وبينا الفكر يجول في اجتلاب الطعام والشراب والكسوة، وينظر في صدد ذلك، وما يدخره لغده وسنته، اهتم بخروج الحدث، وتشاغل بالطهارة، ثم اهتم بخروج الفضلات المؤذية٤، ومنها المني، فاحتاج إلى النكاح، فعلم أنه لا يصح إلا باكتساب كسب الدنيا، فتفكر في ذلك، وعمل بمقتضاه.
ثم جاء الولد، فاهتم به وله، وإذا الفكر عامل في أصول الدنيا وفروعها؛ فإذا حضر الإنسان المجلس، فإنه لا يحضر جائعًا ولا حاقنًا، بل يحضره جامعًا لهمته، ناسيًا ما كان من الدنيا على ذكره، فيخلو الوعظ بالقلب، فيذكره بما ألف، ويجذبه بما عرف، فينهض عمال القلب في زوارق عرفانه، فيحضرون النفس إلى باب
стр. 103
المطالبة بالتفريط، ويؤاخذون الحس بما مضى من العيوب، فتجري عيون الندم، وتنعقد عزائم الاستدراك.
ولو أن هذه النفس خلت عن المعهودات التي وصفتها، لتشاغلت بخدمة بارئها، ولو وقعت في سورة حبة١، لاستوحشت عن الكل شغلًا بقربة، ولهذا اعتمد الزهاد الخلوات، وتشاغلوا بقطع المعوقات، وعلى قدر مجاهدتهم في ذلك نالوا من الخدمة مرادهم، كما أن الحصاد على مقدار البذر.
١٨٣- غير أني تلمحت في هذه الحالة دقيقة، وهو أن النفس لو دامت لها اليقظة، لوقعت فيما هو شر من فوت ما فاتها، وهو العجب بحالها، والاحتقار لجنسها٢! وربما ترقت بقوة علمها وعرفانها إلى دعوى قولها: "لي، وعندي، واستحق ... " فتركها في حومة٣ ذنوبها تتخبط، فإذا وقفت على الشاطيء، قامت بحق ذلة العبودية، [وذلك] أولى لها.
هذا حكم الغالب من الخلق، ولذلك شغلوا عن هذا المقام، فمن بذر، فصلح له، فلا بد له من هفوة تراقبها عين الخوف من عقابها رفقًا بها، تصح له عبوديته، وتسلم له عبادته، وإلى هذا المعنى أشار الحديث الصحيح: "لو لم تذنبوا، لذهب الله بكم، وجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون، فيغفر لهم"٤.
стр. 104
٣٤- فصل: ما يفعله جهلة المتزهدين .
١٨٤- تفكرت، فرأيت أن حفظ المال من المتعين، وما يسميه جهلة المتزهدين توكلًا -من إخراج ما في اليد- ليس بالمشروع! فإن النبي ﷺ قال لكعب بن مالك: "أمسك عليك بعض مالك" ١، أو كما قال له. وقال لسعد: "لأن
стр. 105
تترك ورثتك أغنياء خَيْرٌ [لَكَ] من أن تتركهم عالة يتكففون الناس".
فإن اعترض جاهل فقال: جاء أبو بكر ﵁ بكل ماله١. فالجواب: أن أبا بكر صاحب معاش وتجارة؛ فإذا أخرج الكل، أمكنه أن يستدين عليه فيتمعيش، فمن كان على هذه الصفة، لا أذم إخراجه لماله.
وإنما الذم متطرق إلى من يخرج ماله، وليس من أرباب المعايش، أو يكون من أولئك، إلا أنه ينقطع عن المعاش، فيبقى كلًا٢ على الناس، يستعطيهم، ويعتقد أنه على الفتوح٣، وقلبه متعلق بالخلق، وطمعه ناشب فيهم، ومتى حرك بابه، نهض قلبه، وقال: رزق قد جاء!!
وهذا أمر قبيح بمن يقدر على المعاش، وإن لم يقدر، كان إخراج ما يملك أقبح؛ لأنه يتعلق قلبه بما في أيدي الناس، وربما ذلك لبعضهم، أو تزين له بالزهد، وأقل أحواله أن يزاحم الفقراء والمكافيف٤ والزمنى٥ في الزكاة.
١٨٥- فعليك بالسرب الأول٦، فانظر: هل فيهم من فعل ما يفعله جهلة المتزهدين؟! وقد أشرت في أول هذا إلى أنهم كسبوا، وخلفوا الأموال، فرد إلى الشرب الأول٧ الذي لم يطرق، فإنه الصافي، واحذر من المشارع٨ المطروقة بالآراء الفاسدة، الخارجة في المعنى على الشريعة، مدعية٩ بلسان حالها أن الشرع ناقص يحتاج إلى ما يتم به!
стр. 106
١٨٦- واعلم -وفقك الله تعالى- أن البدن كالمطية، ولا بد من علف المطية، والاهتمام به، فإذا أهملت ذلك، كان سببًا لوقوفك عن السير.
وقد رئي سلمان ﵁ يحمل طعامًا على عاتقه، فقيل له: أتفعل هذا وأنت صاحب رسول الله ﷺ ؟! فقال: إن النفس إذا أحرزت قوتها، اطمأنت.
وقال سفيان الثوري: إذا حصلت قوت شهر، فتعبد.
١٨٧- وقد جاء أقوام ليس عندهم سوى الدعاوى، فقالوا: هذا شك في الرازق، والثقة بي أولى!! فإياك وإياهم.
١٨٨- وربما ورد مثل هذا عن بعض صدور الزهاد من السلف١، فلا يعول عليه، ولا يهولنك خلافهم، فقد قال أبو بكر المروذي: سمعت أحمد بن حنبل يرغب في النكاح، فقلت له: قال ابن أدهم.. فما تركني أتمم حتى صاح علي وقال: أذكر لك حال رسول الله ﷺ وأصحابه، وتأتيني ببنيات الطريق؟!.
١٨٩- واعلم -وفقك الله- أنه لو رفض الأسباب شخص يدعي التزهد، وقال: لا آكل، ولا أشرب، ولا أقوم من الشمس في الحر، ولا استدفئ من البرد! كان عاصيًا بالإجماع، وكذلك لو قال -وله عائلة-: لا أكتسب، ورزقهم على الله تعالى! فأصابهم أذى، كان آثمًا، كما قال ﵊: "كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت".
١٩٠- واعلم أن الاهتمام بالكسب، يجمع الهم، ويفرغ القلب، ويقطع الطمع في الخلق، فإن الطبع له حق يتقاضاه، وقد بين الشرع ذلك، فقال ﷺ : "إن لنفسك عليك حقًّا، وإن لعينك عليك حقًّا".
١٩١- ومثال الطبع مع المريد السالك كمثل كلب لا يعرف الطارق، فكل من رآه يمشي، نبح عليه، فإن ألقى إليه كسرة، سكت عنه؛ فالمراد من الاهتمام بذلك جمع الهم لا غير، فافهم هذه الأصول، فإن فهمها مهم.
стр. 107
٣٥- فصل: أفضل الأمور أوساطها .
١٩٢- تأملت في شهوات الدنيا، فرأيتها مصايد هلاك، وفخوخ تلف، فن قوى عقله على طبعه وحكم عليه، يسلم، ومن غلب طبعه، فيا سرعة هلكته!
١٩٣- ولقد رأيت بعض أبناء الدنيا كان يتوفق إلى التسري، ثم يستعمل الحرارات المهيجة للباه١، فما لبث أن انحلت حرارته الغريزية وتلف.
١٩٤- ولم أر في شهوات النفس أسرع هلاكًا من هذه الشهوة، فإنه كلما مال الإنسان إلى شخص مستحسن، أوجب ذلك حركة الباه زائدًا عن العادة، وإذا رأى أحسن منه، زادت الحركة، وكثر خروج المني زائدًا عن الأول، فيفنى جوهر الحياة أسرع شيء.
وبالضد من هذا أن تكون المرأة مستقبحة، فلا يوجب نكاحها خروج الفضلة المؤذية كما ينبغي، فيقع التأذي بالاحتباس، وقوة التوق إلى منكوح.
١٩٥- وكذلك المفرط في الأكل، فإنه يجني على نفسه كثيرًا من الجنايات، والمقصر في مقدار القوت كذلك. فعلمت أن أفضل الأمور أوساطها.
١٩٦- والدنيا مفازة، فينبغي أن يكون السائق٢ فيها العقل، فمن سلم زمام راحلته إلى طبعه وهواه، فيا عجلة تلفه!
هذا فيما يتعلق بالبدن والدنيا، فقس عليه أمر الآخرة، فافهم.
стр. 108
٣٦- فصل: لا تحرموا طيبات ما أحل لكم .
١٩٧- بلغني عن بعض زهاد زماننا أنه قدم إليه طعام، فقال: لا آكل! فقيل له: لم؟! قال: لأن نفسي تشتهيه، وأنا منذ سنين ما بلغت نفسي ما تشتهي!
١٩٨- فقلت: لقد خفيت طريق الصواب عن هذا من وجهين، وسبب خفائها عدم العلم:
стр. 109
أما الوجه الأول: فإن النبي ﷺ لم يكن على هذا ولا أصحابه، وقد كان ﵊ يأكل لحم الدجاج١، ويحب الحلوى والعسل.
ودخل فرقد السبخي على الحسن وهو يأكل الفالوذج، فقال: يا فرقد! ما تقول في هذا؟ فقال: لا آكله، ولا أحب من أكله، فقال الحسن: لعاب النحل، بلباب البر، مع سمن البقر؛ هل يعيبه مسلم؟!
وجاء رجل إلى الحسن، فقال: إن لي جارًا لا يأكل الفالوذج، فقال: ولم؟! قال: يقول: لا أؤدي شكره. فقال: إن جارك جاهل، وهل يؤدي شكر الماء البارد؟!
وكان سفيان الثوري يحمل في سفره الفالوذج والحمل المشوي، ويقول: إن الدابة إذا أحسن إليها، عملت.
وما حدث في الزهاد بعدهم من هذا الفن، فأمور مسروقة من الرهبانية، وأنا خائف من قوله تعالى: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ [المائدة:٨٧] ولا يحفظ عن أحد من السلف الأول من الصحابة من هذا الفن شيء، إلا أن يكون ذلك لعارض.
وأما سبب ما يروى عن ابن عمر ﵄: أنه اشتهى شيئًا فآثر به فقيرًا، وأعتق جاريته رميثة، وقال: إنها أحب الخلق إلى، فهذا وأمثاله حسن؛ لأنه إيثار بما هو أجود عند النفس من غيره، وأكثر لها من سواه، فإذا وقع في بعض الأوقات، كسرت بذلك الفعل سورة هواها أن تطغى بنيل كل ما تريد.
فأما من دام على مخالفتها على الإطلاق، فإنه يعمي قلبها، ويبلد خواطرها، ويشتت عزائمها، فيؤذيها أكثر مما ينفعها، وقد قال إبراهيم بن أدهم: إن القلب إذا أكره، عمي، وتحت مقالته سر لطيف، وهو أن الله قد وضع طبيعة الآدمي على معنى عجيب، وهو أنها تختار الشيء من الشهوات مما يصلحها، فتعلم باختيارها له صلاحه، وصلاحها به. وقد قال حكماء الطب: ينبغي أن يفسح للنفس فيما تشتهي
стр. 110
من المطاعم، وإن كان فيه نوع ضرر؛ لأنها إنما تختار ما يلائمها؛ فإذا قمعها الزاهد في مثل هذا، عاد على بدنه بالضرر، ولولا جواذب الباطن من الطبيعة، ما بقي البدن، فإن الشهوة للطعام تثور١، فإذا وقعت الغنية بما يتناول، كفت الشهوة.
فالشهوة مريد ورائد، ونعم الباعث هي على مصلحة البدن، غير أنها إذا أفرطت، وقع الأذى، ومتى منعت ما تريد على الإطلاق مع الأمن من فساد العاقبة، عاد ذلك بفساد أحوال النفس، ووهن الجسم، واختلاف السقم، الذي تتداعى به الجملة، مثل أن يمنعها الماء عند اشتداد العطش، والغذاء عند الجوع، والجماع عند قوة الشهوة، والنوم عند غلبته، حتى إن المغتم إذا لم يتروح بالشكوى، قتله الكمد.
فهذا أصل، إذا فهمه هذا الزاهد، علم أنه قد خالف طريق الرسول ﷺ وأصحابه من حيث النقل، وخالف الموضوع من حيث الحكمة.
ولا يلزم على هذا قول القائل: فمن أين يصفو المطعم؟ لأنه إذا لم يصف، كان الترك ورعًا، وإنما الكلام في المطعم الذي ليس فيه ما يؤذي في باب الورع، وكان ما شرحته جوابًا للقائل: ما أبلغ نفسي شهوة على الإطلاق.
والوجه الثاني: أني أخاف على الزاهد أن تكون شهوته انقلبت إلى الترك؛ فصار يشتهي ألا يتناول، وللنفس في هذا مكر خفي، ورياء دقيق، فإن سلمت من الرياء للخلق، كانت الآفة من جهة تعلقها بمثل هذا الفعل، وإدلالها في الباطن به، فهذه مخاطرة وغلط.
وربما قال بعض الجهال: هذا صد عن الخير وعن الزهد! وليس كذلك، فإن الحديث قد صح عن النبي ﷺ : أنه قال: "كل عمل ليس عليه أمرنا، فهو رد"٢.
ولا ينبغي أن يغتر بعباده جريج٣، ولا بتقوى ذي الخويصرة٤.