١٦٢٩- وقد كان السلف إذا نشأ لأحدهم ولد؛ شغلوه بحفظ القرآن وسماع الحديث، فيثبت الإيمان في قلبه؛ فقد توانى الناس عن هذا، فصار الولد الفطن يتشاغل بعلوم الأوائل، وينبذ أحاديث الرسول ﷺ ، ويقول: أخبار آحاد! وأصحاب الحديث عندهم يسمون: حشويَّةً!!
١٦٣٠- ويعتقد هؤلاء أن العلم الدقيق علم الطفرة والهيولى، والجزء الذي لا يتجزأ، ثم يتصاعدون إلى الكلام في صفات الخالق، فيدفعون ما صح عن رسول الله ﷺ بواقعاتهم. فيقول المعتزلة: إن الله لا يرى؛ لأن المرئي يكون في جهة، ويخالفون قول رسول الله ﷺ : "إنكم ترون ربكم كما ترون القمر، لا تضامون في رؤيته" ١؛ فأوجب هذا الحديث إيثار رؤيته، وإن عجزنا عن فهم كيفيتها.
١٦٣١- وقد عزل هؤلاء الأغبياء عن التشاغل بالقرآن، وقالوا: مخلوق! فزالت حرمته من القلوب. وعن السنة، وقالوا: أخباره آحاد! وإنما مذاهبهم السرقة من بقراط وجالينوس. وقد استفاد من تبع الفلاسفة أنه يرفه نفسه عن تعب الصلاة والصوم!
١٦٣٢- وقد كان كبار العلماء يذمون علم الكلام، حتى قال الشافعي: حكمي فيهم أن يركبوا على البغال، ويشهروا، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، واشتغل بالكلام. وقد آل بهم الأمر إلى أن اعتقدوا أن من لم يعرف تحرير دليل التوحيد فليس بمسلم!!
فالله الله من مخالطة المبتدعة، وعليكم بالكتاب والسنة، ترشدوا.
стр. 807
٣٦٨- فصل: اغتنام الزمان
١٦٣٣- رأيت العادات قد غلبت الناس في تضييع الزمان، وكان القدماء يحذرون من ذلك.
١٦٣٤- قال الفضيل: أعرف من يعد كلامه من الجمعة إلى الجمعة.
стр. 808
١٦٣٥- ودخلوا على رجل من السلف، فقالو: لعلنا شغلناك؟ فقال: أصدقكم، كنت أقرأ، فتركت القراءة لأجلكم.
١٦٣٦- وجاء رجل من المتعبدين إلى سري السقطي، فرأى عنده جماعَةً، فقال: صرت مناخ البطالين؟ ثم مضى ولم يجلس.
١٦٣٧- ومتى لان المزور؛ طمع فيه الزائر، فأطال الجلوس، فلم يسلم من أذى.
١٦٣٨- وقد كان جماعة قعودًا عند معروف، فأطالوا، فقال: إن ملك الشمس لا يفتر في سوقها، أفما تريدون القيام؟!
١٦٣٩- وممن كان يحفظ اللحظات عامر بن عبد قيس، قال له رجل: قف أكلمك. قال: فأمسك الشمس.
١٦٤٠- وقيل لكرز بن وبرة١: لو خرجت إلى الصحراء؟ فقال: يبطل الروزجار٢.
١٦٤١- وكان داود الطائي يتسفت الفتيت٣، ويقول: بين سف الفتيت وأكل الخبز قراءة خمسين آية.
١٦٤٢- وكان عثمان الباقلاوي٤ دائم الذكر لله تعالى؛ فقال: إني وقت الإفطار أحس بروحي كأنها تخرج، لأجل اشتغال بالأكل عن الذكر.
١٦٤٣- وأوصى بعض السلف أصحابه، فقال: إذا خرجتم من عندي، فتفرقوا، لعل أحدكم يقرأ القرآن في طريقه، ومتى اجتمعتم، تحدثتم.
стр. 809
١٦٤٤- واعلم أن الزمان أشرف من أن يضيع منه لحظة: فإن في "الصحيح". عن رسول الله ﷺ : أنه قال: "من قال: سبحان الله العظيم وبحمده؛ غرست له بها نخلة في الجنة" ١ فكم يضيع الآدمي من ساعات يفوته فيها الثواب الجزيل!
وهذه الأيام مثل المزرعة، فكأنه قيل للإنسان: كلما بذرت حبة، أخرجنا لك ألف كر٢، فهل يجوز للعاقل أن يتوقف في البذر ويتوانى؟!
١٦٤٥- والذي يعين على اغتنام الزمان: الانفراد والعزلة مهما أمكن، والاختصار على السلام أو حاجة مهمة لمن يلقى، وقلة الأكل؛ فإن كثرته سبب النوم الطويل وضياع الليل، ومن نظر في سير السلف، وآمن بالجزاء، بان له ما ذكرته.
стр. 810
٣٦٩- فصل: في معاشرة النساء
١٦٤٦- ينبغي للعاقل أن يتخير امرأة صالحة، من بيت صالح، يغلب عليه الفقر، لترى ما يأتيها به كثيرًا!
١٦٤٧- وليتزوج من يقاربه في السن، فأما الشيخ، فإنه إذا تزوج صبية، آذاها، وربما فجرت، أو قتلته، أو طلبت الطلاق، وهو يحبها، فيتأذى، وليتمم نقصه بحسن الأخلاق، وكثرة النفقة.
١٦٤٨- ولا ينبغي للمرأة أن تقرب من زوجها كثيرًا: فتمل، ولا تبعد عنه، فينساها، ولتكن وقت قربها إليه كاملة النظافة متحسنةً.
١٦٤٩- ولتحذر أن يرى فرجها أو جسمها كله، فإن جسم الإنسان ليس بمستحسن! وكذلك ينبغي له أن لا يريها جسمه؛ وإنما الجماع في الفراش.
стр. 811
١٦٥٠- ورأى كسرى يومًا كيف يسلخ الحيوان ويطبخ، فتقلبت نفسه، ونفى اللحم١، فذكر ذلك لوزيره، فقال: أيها الملك! الطبيخ على المائدة، والمرأة في الفراش. ومعناه: لا تفتش عن ذلك.
١٦٥١- قالت عائشة ﵂: "ما رأيته من رسول الله ﷺ ، ولا رآه مني، قام ليلةً عريانًا، فما رأيت جسمه قبلها"٢.
وهذا الحزم، وبذلك لا يعيب الرجل المرأة؛ لأنه لم ير عيوبها.
وليكن للمرأة فراش، وله فراش، فلا يجتمعان إلا في حال الكمال.
ومن الناس من يستهين بهذه الأشياء؛ فيرى المرأة متبذلة، تقول: هذا أبو أولادي! ويتبذل هو! فيرى كل واحد من الآخر ما لا يشتهي، فينفر القلب، وتبقى المعاشرة بغير محبة، وهذا فصل ينبغي تأمله، والعمل به، فإنه أصل عظيم.
стр. 812
٣٧٠- فصل: فضل القناعة
١٦٥٢- لا عيش في الدنيا إلا للقنوع باليسير؛ فإنه كلما زاد الحرص على فضول العيش، زاد الهم، وتشتت القلب، واستعبد العبد.
وأما القنوع، فلا يحتاج إلى مخالطة من فوقه، ولا يبالي بمن هو مثله؛ إذ عنده ما عنده.
١٦٥٣- وإن أقوامًا لم يقنعوا، وطلبوا لذيذ العيش، فأزروا بدينهم، وذلوا لغيرهم، وخصوصًا أرباب العلم؛ فإنهم ترددوا إلى الأمراء فاستعبدوهم، ورأوا المنكرات، فلم يقدروا على إنكارها، وربما مدحوا الظالم اتقاء لشره؛ فالذي نالهم من الذل وقلة الدين أضعاف ما نالوا من الدنيا.
١٦٥٤- ومن أقبح الناس حالًا من تعرض للقضاء والشهادة. ولقد كانتا
стр. 813
مرتبتين حسنتين: وكان عبد الحميد القاضي١ لا يحابي، فبعث إلى المعتضد، وقال له: قد استأجرت وقوفًا: فأد أجرتها! ففعل، وقال له المعتضد: قد مات فلان، ولنا عليه مال. فقال: أنت تذكر لما وليتني، قلت لي: قد أخرجت هذا الأمر من عنقي ووضعته في عنقك. ولا أقبل هذا الذي تقول إلا بشاهدين.
١٦٥٥- وكذلك كان الشهود: دخل جماعة على بعض الخلفاء؛ فقال الخادم: اشهدوا على مولانا بكذا! فشهدوا، فتقدم المجذوعي إلى الستر، فقال: يا أمير المؤمنين! أشهد عليك بما في هذا الكتاب؟ فقال: اشهد! قال: إنه لا يكفي في ذلك، لا أشهد حتى تقول: نعم. قال: نعم.
١٦٥٦- فأما في زماننا، فتغيرت تلك القواعد من الكل، خصوصًا من يتقرب إليه بالمال ليتشهد، فتراه يسحب ليشهد على ما لا يرى! قال لي أبو المعالي بن شافع٢: كنت أحمل إلى بعض أهل السواد وهو محبوس، وأشهد عليه، وأعلم أنه لولا أنه مكره؛ لجاء إلي بقدميه، وأنا أستغفر الله من ذلك.
١٦٥٧- وليس للشهود جراية٣ فيحملون ذلك لأجلها؛ وإنما الذي يحصل جر الطيلسان، وطرق الباب، وقول المعرف: حرس الله نعمتك، شهادة!
١٦٥٨- ولما قيل لإبراهيم النخعي: تكون قاضيًا! لبس قميصًا أحمر، وجلس في السوق، فقالوا: هذا لا يصلح!
١٦٥٩- ودخل بعض الكبار على الرشيد، وقد أحضره ليوليه القضاء، فسلم وقال له: كيف أنت، وكيف الصبيان؟ فقيل: هذا مجنون! فيا لله! جنون هو العقل. وما أظن الإيمان بالآخرة إلا متزلزلًا في أكثر القلوب. نسأل الله سبحانه سلامةً للدين؛ فإنه قادر.
стр. 814
٣٧١ فصل: التسليم للحكيم .
قد تكرر معناه في هذا الكتاب؛ إلا أن إعادته على النفوس مهمة، لئلا يغفل عن مثله.
١٦٦٠- ينبغي للمؤمن أن يعلم أن الله سبحانه مالك حكيم لا يعبث، وهذا العلم يوجب نفي الاعتراض على القدر.
١٦٦١- وقد لهج خلق بالاعتراض قدحًا في الحكمة، وذلك كفر. وأولهم إبليس في قوله: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص: ٧٦] ومعنى قوله: إن تفضيلك الطين على النار ليس بحكمة!!
وقد رأيت من كان فقيهًا دأبه الاعتراض؛ وهذا لأن المعترض ينظر إلى صورة الفعل، ولو أن صورة الفعل صدرت من خلوق مثلنا، حسن أن يعترض عليه؛ فأما من نقصت الأفهام عن مطالعة حكمته، فاعتراض الناقص الجاهل عليه جنون.
١٦٦٢- فأما اعتراض الخلعاء فدائم: لأنهم يريدون جريان الأمور على أغراضهم، فمتى انكسر لأحدهم غرض، اعترض.
١٦٦٣- وفيهم من يتعدى إلى ذكر الموت، فيقول: بنى ونقض!!
وكان لنا رفيق، قرأ القرآن والقراءات، وسمع الحديث الكثير، ثم وقع في الذنوب، وعاش أكثر من سبعين سنة، فلما نزل به الموت، ذكر لي أنه قال: قد ضاقت الدنيا إلا من روحي!! ومن هذا الجنس سمعت شخصًا يقول عند الموت: ربي يظلمني!! وهذا كثير!
١٦٦٤- ويكره أن يحكى كلام الخلعاء في جنونهم واعتراضاتهم الباردة.
ولو فهموا أن الدنيا ميدان مسابقة، ومارستان صبر، ليبين بذلك أثر الخالق، لما اعترضوا، والذي طلبوه من السلامة وبلوغ الأغراض أمامهم١ لو فهموا، فهم كالروزجاري٢، يتلوث بالطين، فإذا فرغ، لبس ثياب النظافة.
стр. 815
ولما أريد نقض هذا البدن الذي لا يصلح للبقاء، نحيت عنه النفس الشريفة، وبني بناءً يقبل الدوام١.
١٦٦٥- وبعد هذا، فقل للمعترض: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظ﴾ [الحج: ١٥] .
قل له: إن اعترض، لم يمنع ذلك جريان القدر، وإن سلم، جرى القدر؛ فلأن يجري وهو مأجور خير من أن يجري وهو مأزور.
١٦٦٦- وما أحسن سكوت وضاح اليمن٢ لما اختبأ في صندوق، فقال السلطان: أيها الصندوق! إن كان فيك ما نظن، فقد محونا أثرك، وإن لم يكن؛ فليس بدفن خشب من جناح؛ فلو أنه صاح، ما انتفع بشيء، ولربما أخرج فقتل أقبح قتلة.
стр. 816
٣٧٢- فصل: من تلمح أحوال الدنيا علم أن مراد الحق اجتنابها
١٦٦٧- من تلمح أحوال الدنيا، علم أن مراد الحق سبحانه اجتنابها؛ فمن مال إلى مباحها ليلتذ؛ وجد مع كل فرحة ترحة١، وإلى جانب كل راحة تعبًا، وآخر كل لذة نغصًا يزيد عليها، وما رفع شيء من الدنيا؛ إلا ووضع.
أحب الرسول ﷺ عائشة ﵁، فجاء حديث الإفك، ومال إلى زينب، فجاء: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] .
١٦٦٨- ثم يكفي أنه إذا حصل محبوبه، فعين العقل ترى فراقه، فيتنغص عنده وجوده، كما قال الشاعر:
أتم الحزن عندي في سرور ... تيقن عنه صاحبه انتقالا
١٦٦٩- فيعلم العاقل أن مراد الحق بهذا التكدير التنفير عن الدنيا، فيبقى أخذ
стр. 817
البلغة منها ضرورة، وترك الشواغل، فيجتمع الهم في خدمة الحق، ومن عدل عن ذلك؛ ندم على الفوات.
стр. 818
٣٧٣- فصل: العاقل يدبر بعقله عيشته في الدنيا
١٦٧٠- العاقل يدبر بعقله عيشته في الدنيا، فإن كان فقيرًا؛ اجتهد في كسب وصناعة تكفه عن الذل للخلق، وقلل العلائق، واستعمل القناعة، فعاش سليمًا من منن الناس عزيزًا بينهم.
وإن كان غنيًّا، فينبغي له أن يدبر في نفقته، خوف أن يفتقر، فيحتاج إلى الذل للخلق، ومن البلية أن يبذر في النفقة، ويباهي بها ليكمد الأعداء، كأنه يتعرض بذلك -إن أكثر- لإصابته بالعين!
١٦٧١- وينبغي التوسط في الأحوال، وكتمان ما يصلح كتمانه. ولقد وجد بعض الغسالين مالًا، فأكثر في النفقة، فعلم به؛ فأخذ منه المال، وعاد إلى الفقر.
وإنما التدبير حفظ المال، والتوسط في الإنفاق، وكتمان ما لا يصلح إظهاره.
١٦٧٢- ومن الغلط إطلاع الزوجة على قدر المال؛ فإنه إن كان قليلًا؛ هان عندها الزوج، وإن كان كثيرًا؛ طلبت زيادة الكسوة والحلي! قال الله : ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُم﴾ [النساء: ٥] . وكذلك الولد.
١٦٧٣- وكذلك الأسرار، ينبغي أن تحفظ، وأن يحذر منها ومن الصديق، فربما انقلب، فقد قال الشاعر:
احذر عدوك مرَّةً ... واحذر صديقك ألف مرَّه
فلربما انقلب الصديـ ... ـق فكان أعلم بالمضرَّه
١٦٧٤- بحمد الله تعالى قد نجز ما توخاه الفكر الفاتر من تقييد ما جمعه القلم، من "صيد الخاطر"، مقتصرًا فيه على ما به "التخلي من الأمراض النفسية، والتحلي بالآداب الشرعية، والأخلاق المرضية"، جعله الله تعالى خير هاد على منبر الوعظ والإرشاد، وأنفع كتاب تجلى في مرايا الظهور لهداية العباد، والحمد لله أولًا وآخرًا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 819
لَفْتَةُ الكِبْدِ إلى نصيحَةِ الوِلْدِ
بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين.
٣٧٤- المقدمة
١٦٧٥- الحمد لله الذي أنشأ الأب الأكبر١ من تراب، وأخرج ذريته من الترائب٢ والأصلاب، وعضد٣ العشائر بالقرابة والأنساب، وأنعم علي بالعلم وعرفان الصواب، وأحسن تربيتي في الصبا٤، وحفظني في الشباب، ورزقني ذرية أرجو بوجودهم٥ وفور٦ الثواب: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ، رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم] .
١٦٧٦- أما بعد؛ فإني لما عرفت شرف النكاح، وفضل٧ الأولاد، ختمت ختمة، وسألت الله تعالى أن يرزقني عشرة أولاد، فرزقنيهم٨، فكانوا: خمسة ذكور، وخمس إناث، فمات من الإناث اثنتان، ومن الذكور أربعة، فلم يبق من الذكور سوى ولدي أبي القاسم٩، فسألت الله تعالى أن يجعل فيه الخلف الصالح، وأن يبلغ به المنى والمناجح.
стр. 820
١٦٧٧- ثم رأيت منه نوع توان١ عن الجهد في طلب العلم، فكتبت له٢ هذه الرسالة، أحثه بها، وأحركه على سلوك طريقي في كسب العلم، وأدله على الالتجاء٣ إلى الموفق ، مع علمي بأنه لا خاذل لمن وفق، ولا مرشد لمن أضل؛ لكن قد قال تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر﴾ [العصر: ٣] ، وقال: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: ٩] ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 821
١/ ٣٧٥- فصل: تميز الآدمي بالعقل
١٦٧٨- اعلم يا بني -وفقك الله للصواب- أنه لم يتميز الآدمي بالعقل إلا ليعمل بمقتضاه، فاستحضر عقلك، وأعمل فكرك، واخل بنفسك.
١٦٧٩- تعلم بالدليل أنك مخلوق مكلف، وأن عليك فراض أنت مطالب بها، وأن الملكين يحصيان ألفاظك ونظراتك، وأن أنفاس الحي خطاه إلى أجله١، ومقدار اللبث في الدنيا قليل، والحبس في القبول طويل، والعذاب على موافقة الهوى وبيل٢، فأين لذة أمس؟ رحلت وأبقت ندمًا!!. وأين شهوة النفس؟ كم نكست رأسًا، وأزلت قدمًا، وما سعد من سعد إلا بخلاف هواه، ولا شقي من شقي إلا بإيثار دنياه.
فاعتبر بمن مضى من الملوك والزهاد، أين لذة هؤلاء؟ وأين تعب أولئك؟ بقى الثواب الجزيل، والذكر الجميل للصالحين٣، والقالة٤ القبيحة والعقاب الوبيل للعاصين، وكأنه ما جاع من جاع، ولا شبع من شبع.
١٦٨٠- والكسل عن الفضائل بئس الرفيق، وحب الراحة يورث من الندم ما يربو٥ على كل لذة، فانتبه واتعب لنفسك.
стр. 822
١٦٨١- واعلم أن أداء الفرائض واجتناب المحارم لازم، فمتى تعد الإنسان فالنار النار!!.
١٦٨٢- ثم اعلم أن طلب الفضائل نهاية مراد المجتهدين.
١٦٨٣- ثم الفضائل تتفاوت، فمن الناس من يرى الفضائل: الزهد في الدنيا، ومنهم من يراها التشاغل بالتعبد.
١٦٨٤- وعلى الحقيقة، فليست الفضائل الكاملة إلا الجمع بين العلم والعمل، فإذا حصلا رفعات صاحبهما إلى تحقيق معرفة الخالق ، وحركاه إلى محبته وخشيته والشوق إليه.
فتلك الغاية المقصودة، و"على قدر أهل العزم تأتي العزائم"١، وليس كل مريد٢ مرادًا٣، ولا كل طالب واجدًا، ولكن على العبد الاجتهاد، و"كل ميسر لما خلق له"٤ والله المستعان.
стр. 823
٢/ ٣٧٦- فصل: معرفة الله بالدليل أول ما ينبغي النظر فيه
١٦٨٥- وأول ما ينبغي النظر فيه: معرفة الله تعالى بالدليل، ومعلوم أن من رأى السماء مرفوعة، والأرض موضوعة، وشاهد الأبنية المحكمة خصوصًا في جسد نفسه؛ علم أنه لا بد للصنعة من صانع، وللمبني من بان.
١٦٨٦- ثم يتأمل صدق الرسول ﷺ إليه، وأكبر الدلائل القرآن الذي أعجز الخلق أن يأتوا بسورة من مثله.
١٦٨٧- فإذا ثبت عنده وجود الخالق -جل وعلا- وصدق الرسول ﷺ ؛ وجب تسليم عناية٥ إلى الشرع، فمتى لم يفعل؛ دل على خلل في اعتقاده.
стр. 824
١٦٨٨- يجب عليه١ أن يعرف ما يجب عليه من الوضوء والصلاة والزكاة- إن كان له مال- والحج، وغير ذلك من الواجبات، فإذا عرف قدر الواجب قام بها.
١٦٨٩- فينبغي لذي الهمة أن يترقى إلى الفضائل فيتشاغل بحفظ القرآن وتفسيره، وبحديث الرسول ﷺ ، وبمعرفة سيرته وسير أصحابه والعلماء بعدهم، ليتخير مرتبة الأعلى فالأعلى، ولا بد من معرفة ما يقيم به لسانه من النحو، ومعرفة طرف مستعمل من اللغة.
١٦٩٠- والفقه أصل٢ العلوم، والتذكير٣ حلواؤها، وأعمها نفعًا، وقد رتبت في هذه المذكورات من التصانيف ما يغني عن كل ما سبق من تصانيف القدماء وغيرها بحمد الله ومنه، فأغنيتك عن تطلب الكتب، وجمع الهمم للتصنيف، وما تقف همة إلا لخساستها؛ وإلا فمتى علت الهمة فلا تقنع بالدون.
١٦٩١- وقد عرفت بالدليل أن الهمة مولودة مع الآدمي؛ وإنما تقصر بعض الهمم في بعض الأوقات، فإذا حثت سارت. ومتى رأيت في نفسك عجزًا فسل المنعم، أو كسلًا فالجأ إلى الموفق، فلن تنال خيرًا إلا بطاعته، ولا يفوتك خير إلا بمعصيته، فمن الذي أقبل عليه فلم يرد٤ كل مراد؟ ومن الذي أعرض عنه فمضى بفائدة، أو حظي بغرض من أغراضه؟!. أو ما سمعت قول الشاعر٥:
والله ما جئتكم زائرًا ... إلا وجدت الأرض تطوى لِي
ولا ثنيت العزم عن بابكمْ ... إلا تعثرت بأذيالِي
стр. 825
٣/ ٣٧٧- فصل: تدبير اللطيف عبده الضعيف
١٦٩٢- وانظر -يا بني- إلى نفسك عند الحدود١، فتلمح: كيف حفظك
стр. 826
لها؟ فإنه من راعى روعي١، ومن أهمل ترك.
١٦٩٣- وإني لأذكر لك بعض أحوالي، لعلك تنظر إلى اجتهادي، وتسأل الموفق لي؛ فإن أكثر الإنعام لم يكن بكسبي؛ وإنما هو من تدبير اللطيف بي، فإني أذكر نفسي ولي همة عالية، وأنا في المكتب ابن ست سنين، وأنا قرين الصبيان الكبار، قد رزقت عقلًا وافرًا في الصغر، يزيد على عقل الشيوخ، فما أذكر أني لعبت في طريق مع الصبيان قط، ولا ضحكت ضحكًا خارجًا٢. حتى إني كنت، ولي سبع سنين أو نحوها أحضر رحبة الجامع، فلا أتخير حلقة مشعبذ٣، بل أطلب المحدث فيتحدث بالسير٤ الطويل، فأحفظ جميع ما أسمعه، وأذهب إلى البيت فأكتبه.
١٦٩٤- ولقد وفق لي شيخنا أبو الفضل ابن ناصر ﵀، وكان يحملني إلى الشيوخ، فأسمعني "المسند"٥ وغيره من الكتب الكبار، وأنا لا أعلم ما يراد مني، وضبط لي مسموعاتي إلى أن بلغت، فناولني ثبتها٦، ولازمته إلى أن توفي ﵀ فنلت٧ به معرفة الحديث والنقل.
١٦٩٥- ولقد كان الصبيان ينزلون إلى دجلة، ويتفرجون على الجسر، وأنا في زمن الصغر آخذ جزءًا وأقعد حجرة٨ من الناس إلى جانب الرقة٩، فأتشاغل بالعلم.
١٦٩٦- ثم ألهمت الزهد، فسردت الصوم، وتشاغلت بالتقلل من الطعام، وألزمت نفسي الصبر، فاستمرت، وشمرت، ولازمت وعالجت١٠ السهر، ولم أقنع بفن من العلوم، بل كنت أسمع الفقه والوعظ والحديث، وأتبع الزهاد.
стр. 827
١٦٩٧- ثم قرأت اللغة، ولم أترك أحدًا ممن يروي ويعظ، ولا غريبًا يقدم إلا وأحضره، وأتخير الفضائل.
١٦٩٨- وكنت إذا عرض لي أمران أقدم في أغلب الأحوال حق الحق، فأحسن الله تدبيري وتربيتي، وأجراني على ما هو الأصلح لي، ودفع عني الأعداد والحساد ومن يكيدني، وهيأ لي أسباب العلم، وبعث إلي الكتب من حيث لا أحتسب، ورزقني الفهم، وسرعة الحفظ، والحظ وجودة التصنيف، ولم يعوزني شيئًا من الدنيا؛ بل ساق إلي من الرزق مقدار الكفاية وأزيد.
١٦٩٩- ووضع لي من القبول في قلوب الخلق فوق الحد، وأوقع كلامي في نفوسهم فلا يرتابون بصحبته، وقد أسلم علي يدي نحو من١ مائتين من أهل الذمة، ولقد تاب في مجالسي أكثر من مائة ألف، وقد قطعت أكثر من عشرين ألف سالف مما يتعاناه الجهال.
١٧٠٠- ولقد كنت أدور على المشايخ لسماع الحديث، فينقطع نفسي في العدو لئلا أسبق، وكنت أصبح، وليس لي مأكل، وأمسي وليس لي مأكل، ما أذلني الله لمخلوق قط؛ ولكنه ساق رزقي لصيانة عرضي، ولو شرحت أحوالي لطال الشرح.
وها أنا قد ترى ما آلت حالي إليه، وأنا أجمعه لك في كلمة واحدة، وهي قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّه﴾ [البقرة: ٢٨٢] .
стр. 828
٤/ ٣٧٨- فصل: اجتهد ما دام في الوقت سعة
١٧٠١- فانتبه يا بني لنفسك، واندم على ما مضى من تفريطك، واجتهد في لحاق الكاملين، ما دام في الوقت سعة، واسق غصنك ما دامت فيه رطوبة، واذكر ساعتك التي ضاعت فكفى بها عظة، ذهبت لذة الكسل فيها، وفاتت مراتب الفضائل.
стр. 829
١٧٠٢- وقد كان السلف الصالح ﵏ يحبون جمع كل فضيلة، ويبكون على فوات واحدة منها، قال إبراهيم بن أدهم ﵀: دخلنا على عابد مريض، وهو ينظر إلى رجليه ويبكي، فقلنا: ما لك تبكي؟ فقال: ما اغبرتا في سبيل الله. وبكى آخر فقالوا: ما يبكيك؟ فقال: علي يوم مضى ما صمته، وعلى ليلة ذهبت ما قمتها.
١٧٠٣- واعلم -يا بني- أن الأيام تبسط ساعات، والساعات تبسط أنفاسًا، وكل نفس خزانة؛ فاحذر أن يذهب نفس بغير شيء، فترى في القيامة خزانة فارغة فتندم.
١٧٠٤- وقد قال رجل لعامر بن عبد قيسٍ: قف أكلمك، فقال: أمسك الشمس.
١٧٠٥- وقعد قوم عند معروف ﵀ فقال: أما تريدون أن تقوموا؛ فإن ملك الشمس يجرها لا يفتر!.
١٧٠٦- وفي الحديث: "من قال: سبحان الله العظيم وبحمده؛ غرست له نخلة في الجنة"، فانظر إلى مضيع الساعات كم يفوته من النخيل!.
١٧٠٧- وقد كان السف يغتنمون اللحظات، فكان كهمس١ ﵀ يختم القرآن كل يوم وليلة ثلاث مرات، وكان أربعون رجلًا من السلف يصلون الصبح بوضوء العشاء، وكانت رابعة العدوية تحيي الليل كله؛ فإذا طلع الفجر هجعت هجعة حقيقة، ثم قامت فزعة، وقالت لنفسها: النوم في القبور طويل.
стр. 830
٥/ ٣٧٩- فصل: النظر في حقيقة الدنيا
١٧٠٨- ومن تفكر في الدنيا قبل أن يوجد رأى مدة طويلة؛ فإذا تفكر فيها بعد أن يخرج منها؛ رأى مدة طويلة، وعلم أن اللبث في القبور طويل، فإذا تفكر في يوم القيامة علم أنه خمسون ألف سنة، فإذا تفكر في اللبث في الجنة أو النار علم أنه لا
стр. 831
نهاية له؛ فإذا عاد إلى النظر في مقدار بقائه في الدنيا فرضنا ستين سنةً مثلًا؛ فإنه يمضي ثلاثين سنةً في النوم، ونحوًا من خمس عشرة في الصبا؛ فإذا حسب الباقي؛ كان أكثره في الشهوات والمطاعم والمكاسب، فإذا خلص ما للآخرة؛ وجد فيه من الرياء والغفلة كثيرًا، فبماذا تشتري الحياة الأبدية، وإنما الثمن هذه الساعات؟.
стр. 832
٦/ ٣٨٠- فصل: لا تيأس من الخير
١٧٠٩- ولا يؤيسك -يا بني- من الخير ما مضى من التفريط؛ فإنه قد انتبه خلق كثير بعد الرقاد الطويل.
١٧١٠- فقد حدثني الشيخ أبو حكيم عن قاضي القضاة الشيخ أبي الحسن الدامغاني١ ﵀ قال: كنت في صبوتي متشاغلًا بالبطالة غير ملتفت إلى العلم، فأحضرني أبي، أبو عبد الله٢ ﵀ وقال لي: يا بني! لست أبقى لك أبدًا، فخذ عشرين دينارًا، وأفتح لك دكان خباز وتكسب، فقلت له: ما هذا الكلام؟! قال: فافتح دكان بزاز٤ بالعلم، واجتهدت، ففتح الله تعالى عَلَيَّ.
١٧١١- وحكى لي بعض أصحاب أبي محمد الحلواني ﵀ قال: مات أبي وأنا ابن إحدى وعشرين سنة، وكنت موصوفًا بالبطالة، فأتيت أتقاضى بعض سكان دار قد ورثتها؛ فسمعتهم يقولون: جاء المدبر، أي الربيط٥، فقلت لنفسي: يقال عني هذا؛ فجئت إلى والدتي فقلت: إذا أردت طلبي فاطلبيني من مجلس الشيخ أبي الخطاب٦، ولازمته؛ فما خرجت إلا إلى القضاء، فصرت قاضيًا مدة.
стр. 833
قلت: ورأيته أنا، وهو يفتي ويناظر.
١٧١٢- فألزم نفسك -يا بني- الانتباه عند طلوع الفجر، ولا تتحدث بحديث الدنيا؛ فقد كان السلف الصالح ﵏ لا يتكلمون في ذلك الوقت بشيء من أمور الدنيا، وقل عند انتباهك من النوم: "الحمد لله الذي أحياني بعدما أماتني وإليه النشور" ١، الحمد لله الذي: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيم﴾ [الحج: ٦٥] .
١٧١٣- ثم قم إلى الطهارة، واركع سنة الفجر، واخرج إلى المسجد خاشعًا، وقل في طريقك: "اللهم إني اسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا، إني لم أخرج أَشَرًا ولا بَطَرًا، ولا رياءً ولا سمعةً، خرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، وأسألك أن تجيرني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت"٢.
واقصد الصلاة إلى يمين الإمام؛ فإذا فرغت من الصلاة فقل: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير" -عشر مرات٣- ثم سبح عشرًا، واحمد عشرًا، وكبر عشرًا٤، واقرأ آية الكرسي٥، واسأل الله سبحانه قبول الصلاة.
١٧١٤- فإن صح لك، فاجلس ذاكرًا الله تعالى إلى أن تطلع الشمس وترتفع، ثم صل واركع ما كتب لك، وإن كان ثماني ركعات، فهو حسن.
стр. 834
١٧١٥- فإذا أعدت درسك إلى وقت الضحى الأعلى، فصل الضحى ثماني ركعات، ثم تشاغل بمطالعة، أو نسخ إلى وقت العصر، ثم عد إلى درسك من بعد العصر إلى وقت المغرب، وصل بعد المغرب ركعتين بجزأين، فإذا صليت العشاء؛ فعد إلى دروسك.
١٧١٦- ثم اضطجع على شقك الأيمن، فسبح ثلاثًا وثلاثين، واحمد ثلاثًا وثلاثين، وكبر أربعًا وثلاثين١، وقل "اللهم قني عذابك، يوم تجمع عبادك" ٢.
١٧١٧- وإذا فتحت عينيك من النوم فاعلم أن النفس قد أخذت حظها، فقم إلى الوضوء، وصل في ظلام الليل ما أمكن، واستفتح بركعتين خفيفتين، ثم بعدهما ركعتين بجزأين من القرآن، ثم تعود إلى درس العلم، فإن العلم أفضل من كل نافلة.
стр. 835
٧/ ٣٨١- فصل: العزلةُ أصل كل خير
١٧١٨- وعليك بالعزلة، فهي أصل كل خيرٍ، واحذر من جليس السوء، وليكن جلساؤك الكتب، والنظر في سير السلف.
١٧١٩- ولا تشتغل بعلم حتى تحكم ما قبله، وتلمح سير الكاملين في العلم والعمل، ولا تقنع بالدون، فقد قال الشاعر١:
ولم أر في عيوب الناس شَيْئًا ... كنقص القادرين على التَّمَامِ
١٧٢٠- واعلم أن العلم يرفع الأراذل؛ فقد كان خلق كثير من العلماء لا نسب لهم يذكر، ولا صورة تستحسن.
١٧٢١- وكان عطاء بن أبي رباح٢ أسود اللون، مستوحش الخلقة، وجاء إليه سليمان بن عبد الملك -وهو خليفة- ومعه ولداه٣، فجلسوا يسألونه عن المناسك،
стр. 836
فحدثهم، وهو معرض عنهم بوجهه، فقال الخليفة لولديه: قوما ولا تنيا، ولا تكسلا في طلب العلم، فما أنسى ذلنا بين يدي هذا العبد الأسود.
١٧٢٢- وكان الحسن مولى -أي: مملوكًا- وابن سيرين ومكحول وخلق كثير؛ وإنما شرفوا بالعلم والتقوى.
стр. 837
٨/ ٣٨٢- فصل: اقتنع تعزّ
١٧٦٣- واجتهد يا بني في صيانة عرضك من التعرض لطلب الدنيا، والذل لأهلها، واقنع تعز، فقد قيل: من قنع بالخبز والبقل لم يستعبده أحد.
١٧٢٤- ومر١ أعرابي على البصرة فقال: من سيد هذه البلدة٢؟ قيل له: الحسن البصري، قال: وبم٣ سادهم؟ قالوا: لأنه استغنى عن دنياهم، وافتقروا إلى علمه.
١٧٢٥- واعلم -يا بني- أن أبي كان موسرًا وخلف ألوفًا من المال، فلما بلغت، دفعوا لي عشرين دينارًا ودارين، وقالوا لي: هذه التركة كلها، فأخذت الدنانير، واشتريت بها كتبًا من كتب العلم، وبعت الدارين، وأنفقت ثمنهما في طلب العلم، ولم يبق لي شيء من المال، وما ذل أبوك في طلب العلم قط، ولا خرج يطوف في البلدان كغيره من الوعاظ، ولا بعث رقعة إلى أحد يطلب منه شيئًا قط، وأموره تجري على السداد ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣] .
стр. 838
٩/ ٣٨٣- فصل: متى صحّت التقوى رأيت كل خير
١٧٢٦- يا بني! ومتى صحت التقوى رأيت كل خير، والمتقي لا يرائي الخلق، ولا يتعرض لما يؤذي دينه، ومن حفظ حدود الله حفظه الله. قال
стр. 839
١٠/ ٣٨٤- فصل: سمو الهمة إلى الكمال
١٧٣١- وينبغي أن تسمو همتك إلى الكمال، فإن خلقًا وقوفًا مع الزهد، وخلقًا تشاغلوا بالعلم، وندر أقوام جمعوا بين العلم الكامل، والعمل الكامل.
١٧٣٢- واعلم أني قد تصفحت التابعين ومن بعدهم، فما رأيت أحظى بالكمال من أربعة أنفس: سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل ﵄، وقد كانوا رجالًا؛ وإنما كانت لهم همم ضعفت عندنا، وقد كان في السلف خلق كثير لهم همم عالية، فإذا أردت أن تنظر إلى أحوالهم، فانظر في كتاب صفة الصفوة١ وإن شئت تأمل أخبار سعيد، والحسن، وسفيان، وأحمد ﵃، فقد جمعت لكل واحد منهم كتابًا.
стр. 840
١١/ ٣٨٥- فصل: الحفظ رأس المال والتصرف ربح
١٧٣٣- وقد علمت يا بني أني صنفت مائة كتاب١، فمنها التفسير الكبير٢: عشرون مجلدًا، والتاريخ٣: عشرون مجلدًا، وتهذيب المسند عشرون مجلدًا، وباقي الكتب بين كبار وصغار، يكون خمسة مجلدات، ومجلدين، وثلاثة وأربعة، وأقل وأكثر؛ كفيتك بهذه التصانيف عن استعارة الكتب، وجمع الهمم في التأليف.
١٧٣٤- فعليك بالحفظ! وإنما الحفظ رأس المال والتصرف ربح، واصدق في الحالتين في الالتجاء إلى الحق سبحانه، فراع حدوده، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ
стр. 841
١٢/ ٣٨٦- فصل: من أعرض عن العمل منع البركة
١٧٣٥- وإياك أن تقف مع صورة العلم دون العمل به؛ فإن الداخلين على الأمراء، والمقبلين على أهل الدنيا قد أعرضوا عن العمل بالعلم، فمنعوا البركة، والنفع به.
стр. 842
١٣/ ٣٨٧- فصل: على قدر انتفاعك بالعلم ينتفع السمَّاعون
١٧٣٦- وإياك أن تتشاغل بالتعبد من غير علم، فإن خلقًا كثيرًا من المتزهدين المتصوفة ضلوا طريق الهدى، إذ عملوا بغير علم.
١٧٣٧- واستر نفسك بثوبين جميلين لا يشهرانك بين أهل الدنيا برفعتهما، ولا بين المتزهدين بضعتهما.
١٧٣٨- وحاسب نفسك عند كل نظرة وكلمة وخطوة؛ فإنك مسؤول عن ذلك، وعلى قدر انتفاعك بالعلم ينتفع السماعون، ومتى لم يعمل الواعظ بعلمه زلت موعظته عن القلوب، كما يزل الماء عن الحجر، فلا تعظن إلا بنية، ولا تمشين إلا بنية، ولا تأكلن لقمة إلا بنية، ومع مطالعة أخلاق السلف ينكشف لك الأمر.
стр. 843
١٤/ ٣٨٨- فصل: عليك بقراءة هذه الكتب
١٧٣٩- وعليك بكتاب "منهاج المريدين" فإنه يعلمك السلوك، واجعله جليسك ومعلمك، وتلمح كتاب "صيد الخاطر" فإنك تقع بواقعات تصلح لك دينك ودنياك، وتحفظ كتاب "جنة النظر" فإنه يكفي في تلقيح فهمك للفقه، ومتى تشاغلت بكتاب "الحدائق" أطلعك على جمهور الحديث، وإذا التفت إلى كتاب "الكشف" أبان لك مستور ما في "الصحيحين" من الحديث، ولا تشاغلن بكتب التفاسير التي
стр. 844
صنفتها الأعاجم، وما ترك "المغني" و"زاد المسير" لك حاجةً! في شيء من التفسير١. وأما ما جمعته لك من كتب الوعظ فلا حاجة بعدها إلى زيادة أصلًا.
стр. 845
حسن المدارة
...
١٥/ ٣٨٩- فصل: حسن المداراة
١٧٤٠- وكن حسن المداراة للخق، مع شدة الاعتزال عنهم، فإن العزلة راحة من خلطاء السوء، ومبقية للوقار؛ فإن الواعظ -خاصة- ينبغي له ألا يرى متبذلًا، ولا ماشيًا في السوق، ولا ضاحكًا، ليحسن الظن به، فينتفع بوعظه، فإذا اضطررت إلى مخالطة الناس؛ فخالطهم بالحلم عنهم، فإنك إن كشفت عن أخلاقهم لم تقدر عن مداراتهم.