← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12028

صيد الخاطر

ابن الجوزي

Полный текст (893 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

٣٥٢- فصل: من رزق همة عالية يعذَّب بمقدار علوها ١٥٤٢- من رزق همة عالية، يعذب بمقدار علوها! كما قال الشاعر١: وإذا كانت النفوس كبارًا ... تعبت في مرادها الأجسامُ وقال الآخر٢: ولكل جسم في النحول بلية ... وبلاء جسمي من تفاوت همتي وبيان هذا أن من علت همته؛ طلب العلوم كلها، ولم يتقصر على بعضها، وطلب من كل علم نهايته، وهذا لا يحتمله البدن. ١٥٤٣- ثم يرى أن المراد العمل، فيجتهد في قيام الليل، وصيام النهار، والجمع بين ذلك وبين العلم صعب، ثم يرى ترك الدنيا، ويحتاج إلى ما لا بد منه، ويحب الإيثار، ولا يقدر على البخل، ويتقاضاه الكرم البذل، ويمنعه عز النفس عن الكسب؛ فإن هو جرى على طبعه من الكرم، احتاج وافتقر، وتأثر بدنه وعائلته، وإن أمسك، فطبعه يأبى ذلك. وفي الجملة، يحتاج إلى معاناة، وجمع بين أضداد؛ فهو أبدًا في نصب لا ينقضي، وتعب لا يفرغ، ثم إذا حقق الإخلاص في الأعمال، زاد تعبه، وقوي وصبة٣. ١٥٤٤- فأين هو، ومن دنت همته؟! إن كان فقيهًا، فسئل عن حديث، قال: ما أعرفه! وإن كان محدثًا، فسئل عن مسألة فقهية، قال: ما أدري! ولا يبالي إن قيل عنه: مقصر!!

стр. 772

١٥٤٥- والعالي الهمة يرى التقصير في بعض العلوم فضيحة قد كشفت عيبه، وقد أرت الناس عورته. والقصير الهمة لا يبالي بمنن الناس، ولا يستقبح سؤالهم، ولا يأنف من رد. والعالي الهمة لا يحمل ذلك. ولكن تعب العالي الهمة راحة في المعنى، وراحة القصير الهمة تعب وشين، إن كان ثم فهم. ١٥٤٦- والدنيا دار سباق إلى أعالي المعالي؛ فينبغي لذي الهمة ألا يقصر في شوطه، فإن سبق، فهو المقصود، وإن كبا جواده مع اجتهاده، لم يلم.

стр. 773

٣٥٣- فصل: المصيبة العظمى رضا الإنسان عن نفسه ١٥٤٧- المصيبة العظمى رضا الإنسان عن نفسه، واقتناعه بعلمه! وهذه محنة قد عمت أكثر الخلق: فترى اليهودي أو النصراني يرى أنه على الصواب، ولا يبحث ولا ينظر في دليل نبوة نبينا ﷺ ، وإذا سمع ما يلين قلبه، مثل القرآن المعجز؛ هرب؛ لئلا يسمع! وكذلك كل ذي هوى يثبت عليه: إما لأنه مذهب أبيه وأهله، أو لأنه نظر نظرا أول فرآه صوابًا، ولم ينظر فيما يناقضه، ولم يباحث العلماء ليبينوا له خطأه! ١٥٤٨- ومن هذا حال الخوارج على أمير المؤمنين علي ﵁؛ فإنهم استحسنوا ما وقع لهم، ولم يرجعوا إلى من يعلم، ولما لقيهم عبد الله بن عباس ﵁، فبين لهم خطأهم، رجع عن مذهبه منهم ألفان. وممن لم يرجع عن هواه ابن ملجم، فرأى مذهبه هو الحق، فاستحل قتل أمير المؤمنين ﵁، ورآه دينًا، حتى إنه لم قطعت أعضاؤه، لم يمانع، فلما طلب لسانه ليقطع، انزعج، وقال: كيف أبقى ساعة في الدنيا لا أذكر الله؟! ومثل هذا ما له دواء. ١٥٤٩- وكذلك كان الحجاج١ يقول: والله، ما أرجو الخير إلا بعد الموت!

стр. 774

هذا قوله! وكم قد قتل من لا يحل قتله، منهم سعيد بن جبيرٍ١ ١٥٥٠- وقد أخبرنا عبد الوهاب، وابن ناصر الحافظ، قالا: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، قال: أخبرنا الحسين بن محمد النصيبي، قال: أخبرنا إسماعيل بن سعيد، قال: حدثنا أبو بكر بن الأنباري، قال: حدثنا أبو عيسى الختلي، قال: حدثنا أبو يعلى، قال: حدثنا الأصمعي، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عباد بن كثير، عن قحذم، قال: وجد في سجن الحجاج ثلاثة وثلاثون ألفًا، ما يجب على واحد منهم قطع، ولا قتل، ولا صلب. ١٥٥١- قلت: وعموم السلاطين يقتلون ويقطعون، ظنًّا منهم جواز ذلك! ولو سألوا العلماء؛ بينوا لهم. ١٥٥٢- وعموم العوام يبارزون بالذنوب اعتمادًا على العفو، وينسون العقاب! ومنهم من يعتمد أني من أهل السنة، أو أن لي حسنات قد تنفع، وكل هذا لقوة الجهل. فينبغي للإنسان أن يبالغ في معرفة الدليل، ولا يساكن شبهته، ولا يثق بعلم نفسه. فنسأل الله السلامة من جميع الآفات.

стр. 775

٣٥٤- فصل ينبغي تأمله: الجزاء بالمرصاد ١٥٥٣- اعلم أن الجزاء بالمرصاد: إن كانت حسنة، أو كانت سيئة. ومن الاغترار أن يظن المذنب إذا لم ير عقوبة أنه قد سومح، وربما جاءت العقوبة بعد مدة، وقل من فعل ذنبًا إلا وقوبل عليه، قال : ﴿من يعمل سوءًا يجز به﴾ [النساء: ١٢٣] . ١٥٥٤- هذا آدم ﵇ أكل لقمة، فقد عرفتم ما جرى عليه. قال وهب بن منبه: أوحى الله تعالى إليه: ألم أصطنعك لنفسي، وأحللتك داري، وأسجدت لك ملائكتي؟! فعصيت أمري، ونسيت عهدي!! وعزتي، لو ملأت الأرض كلها١ مثلك يعبدون، ويسبحون في الليل والنهار، ثم عصوني؛ لأنزلتهم منازل العاصين. فنزع

стр. 776

جبريل التاج عن رأسه، وحل ميكائيل الإكليل عن جبينه، وجذب بناصيته، فأهبط. فبكى آدم ثلاث مائة عام على جبل الهند، تجري دموعه في أودية جبالها؛ فنبتت بتلك المدامع أشجار طيبكم هذا١. ١٥٥٥- وكذلك داود ﵇، نظر نظرة، فأوجبت عتابه، وبكاءه الدائم، حتى نبت العشب من دموعه. ١٥٥٦- وأما سليمان ﵇؛ فإن قومًا اختصموا إليه، فكان هواه مع أحد الخصمين، فعوقب، وتغير في أعين الناس، وكان يقول: أطعموني فلا يطعم!. ١٥٥٧- وأما يعقوب ﵇؛ فإنه يقال: إنه ذبح عجلًا بين يدي أمه، فعوقب بفراق يوسف. ١٥٥٨- وأما يوسف ﵇، فأخذ بالهم، وكل واحد من إخوته ولد له اثنا عشر ولدًا، ونقص هو ولدًا لتلك الهمة. ١٥٥٩- وأما أيوب ﵇؛ فإنه قصر في الإنكار على ملك ظالم لأجل خيل كانت في ناحيته، فابتلي. ١٥٦٠- وأما يونس ﵇، فخرج عن قومه بغير إذن، فالتقمه الحوت. ١٥٦١- وأوحى الله إلى أرميا: إن قومك تركوا الأمر، الذي أكرمت به آباءهم، وعزتي، لأهيجن عليهم جنودًا لا يرحمون بكاءهم. فقال: يارب! هم ولد خليلك إبراهيم، وأُمَّة صفيِّك موسى، وقوم نبيك داود. فأوحى الله تعالى إليه: إنما أكرمت إبراهيم وموسى وداود بطاعتي، ولو عصوني، لأنزلتهم منازل العاصين٢. ١٥٦٢- ونظر بعض العباد٣ شخصًا مستحسنًا، فقال له شيخه: ما هذا النظر؟! ستجد غبة٤. فنسي القرآن بعد أربعين سنةً.

стр. 777

١٥٦٣- وقال آخر: قد عبت شخصًا قد ذهب بعض أسنانه، فانتثرت أسناني! ونظرت إلى امرأة لا تحل، فنظر إلى زوجتي من لا أريد! ١٥٦٤- وكان بعض العاقين ضرب أباه، وسحبه إلى مكان؛ فقال له الأب: حسبك! إلى ها هنا سحبت أبي!! ١٥٦٥- وقال ابن سيرين: عيرت رجلًا بالإفلاس، فأفلست. ومثل هذا كثير. ١٥٦٦- ومن أعجب ما سمعت فيه عن الوزير ابن جهير الملقب بالنظام١: أن المقتفي غضب عليه، وأمر بأن تؤخذ منه عشرة آلاف دينار، فدخل عليه أهله محزونين، وقالوا له: من أين لك عشرة آلاف دينار؟! فقال: ما يؤخذ مني عشرة ولا خمسة ولا أربعة. قالوا: من أين لك؟ قال: إني ظلمت رجلًا؛ فألزمته ثلاثة آلاف، فما يؤخذ مني أكثر منها؛ فلما أدى ثلاثة آلاف دينار، وقع الخليفة بإطلاقه ومسامحته في الباقي. ١٥٦٧- وأنا أقول عن نفسي: ما نزلت بي آفة أو غم أو ضيق صدر، إلا بزلل أعرفه، حتى يمكنني أن أقول: هذا بالشيء الفلاني. وربما تأولت فيه بعد، فأرى العقوبة. فينبغي للإنسان أن يترقب جزاء الذنوب، فقل أن يسلم منه. ١٥٦٨- وليجتهد في التوبة؛ فقد روي في الحديث: "ما من شيء أسرع لحاقًا بشيء من حسنة حديثة لذنب قديم" ٢، ومع التوبة يكون خائفًا من المؤاخذة، متوقعًا لها؛ فإن الله تعالى قد تاب على الأنبياء ﵈، وفي حديث الشفاعة: "يقول آدم: ذنبي، ويقول إبراهيم وموسى: ذنبي". ١٥٦٩- فإن قال قائل: قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] : خبر، فهو يقتضي ألا يجاوز عن مذنب، وقد عرفنا قبول التوبة، والصفح عن الخاطئين؟

стр. 778

فالجواب: من وجهين: أحدهما: أن يحمل على من مات مُصِرًّا، ولم يتب؛ فإن التوبة تجب ما قبلها. والثاني: أنه على إطلاقه، وهو الذي أختاره أنا، وأستدل بالنقل والمعنى: أما النقل؛ فإنه لما نزلت هذه الآية، قال أبو بكر: يا رسول الله! أو نجازى بكل ما نعمل؟ فقال: "ألست تمرض؟ ألست تحزن؟ أليس يصيبك اللأواء؟ فذلك ما تجزون به" ١. وأما المعنى، فإن المؤمن إذا تاب وندم، كان أسفه على ذنبه في كل وقت أقوى من كل عقوبة؛ فالويل لمن عرف مرارة الجزاء الدائم، ثم آثر لذة المعصية لحظة!

стр. 779

٣٥٥- فصل: محاسبة النفس قبل أن تحاسب ١٥٧٠- تفكرت في نفسي يومًا تفكر محقق، فحاسبتها قبل أن تحاسب، ووزنتها قبل أن توزن، فرأيت اللطف الرباني: فمنذ الطفولة وإلى الآن أرى لطفًا بعد لطف، وسترًا على قبيح، وعفوًا عما يوجب عقوبة، وما أرى لذلك شكرًا إلا باللسان! ١٥٧١- ولقد تفكرت في خطايا، لو عوقبت ببعضها؛ لهلكت سريعًا، ولو كشف للناس بعضها، لاستحييت. ولا يعتقد معتقد عند سماع هذا أنها من كبائر الذنوب، حتى يظن في ما يظن في الفساق؛ بل هي ذنوب قبيحة في حق مثلي، وقعت بتأويلات فاسدة فصرت إذا دعوت، أقول: اللهم! بحمدك وسترك علي اغفر لي! ١٥٧٢- ثم طالبت نفسي بالشكر على ذلك؛ فما وجدته كما ينبغي. ثم أنا أتقاضى القدر مراداتي، ولا أتقاضى نفسي بصبر على مكروه، ولا بشكر على نعمة. فأخذت أنوح على تقصيري في شكر المنعم، وكوني أتلذذ بإيراد العلم من غير تحقيق عمل به.

стр. 780

١٥٧٣- وقد كنت أرجو مقامات الكبار، فذهب العمر، وما حصل المقصود!! فوجدت أبا الوفاء ابن عقيل قد ناح نحو ما نحت، فأعجبتني نياحته، فكتبتها ها هنا، قال لنفسه: يا رعناء! تقومين الألفاظ ليقال: مناظر وثمرة هذا أن يقال: يا مناظر! كما يقال للمصارع: الفاره١. ضيعت أعز الأشياء وأنفسها عند العقلاء -وهي أيام العمر- حتى شاع لك بين من يموت غدًا اسم مناظر، ثم ينسى الذاكر والمذكور إذ درست٢ القلوب! هذا إن تأخر الأمر إلى موتك؛ بل ربما نشأ شاب أفره منك، فموهوا له، وصار الاسم له. والعقلاء عن الله تشاغلوا بما إذا انطووا نشرهم٣، وهو العمل بالعلم، والنظر الخالص لنفوسهم. أف لنفسي! وقد سطرت عدة مجلدات في فنون العلوم٤، وما عبق بها فضيلة، إن نوطرت، شمخت، وإن نوصحت؛ تعجرفت، وإن لاحت الدنيا؛ طارت إليها طيران الرخم٥، وسقطت عليها سقوط الغراب على الجيف، فليتها أخذت أخذ المضطر من الميتى توقر٦ في المخالطة عيوبًا تبلي، ولا تحتشم نظر الحق إليها، وإن انكسر لها غرض؛ تضجرت، إن أمدت٧ بالنعم؛ اشتغلت عن المنعم!! أفٍ والله مني، اليوم على وجه الأرض، وغدًا تحتها! والله، إن نتن جسدي بعد ثلاث تحت التراب أقل من نتن خلائقي وأنا بين الأصحاب! والله، إنني قد بهرني حلم هذا الكريم عني، كيف يسترني٨، وأنا أتهتك،

стр. 781

ويجمعني وأنا أتشتت؟! وغدًا يقال: مات الحبر العالم الصالح، ولو عرفوني حق معرفتي بنفسي، ما دفنوني. والله، لأنادين على نفسي نداء المكشفين معايب الأعداء، ولأنوحن نوح الشاكلين للأبناء، إذ لا نائح لي ينوح علي لهذه المصائب المكتومة، والخلال المغطاة، التي قد سترها من خبرها، وغطاها من علمها. والله، ما أجد لنفسي خلة أستحسن أن أقول متوسلًا بها: اللهم! اغفر لي كذا بكذا. والله، ما التفت قط إلا وجدت منه سبحانه برًّا يكفيني، ووقاية تحميني من تسلط الأعداء، ولا عرضت حاجة فمددت يدي إلا قضاها. هذا فعله معي، وهو رب غني عني، وهذا فعلي، وأنا عبد فقير إليه!! ولا عذري لي فأقول: ما دريت، أو: سهوت. والله، لقد خلقني خلقًا صحيحًا سليمًا، ونور قلبي بالفطنة، حتى إن الغائبات والمكنونات تنكشف لفهمي، فوا حسرتاه على عمر انقضى فيما لا يطابق الرضا! وا حرماني لمقامات الرجال والفطناء! يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله، وشماتة العدو بي! وا خيبة من أحسن الظن بي إذا شهدت الجوارح علي! وا خذلاني عند إقامة الحجة! سخر -والله- مني الشيطان، وأنا الفطن!! اللهم، توبة خالصة من هذه الأقذار، ونهضة صادقة لتصفية ما بقي من الأكدار، وقد جئتك بعد الخمسين، وأنا من خلق١ المتاع، وأبى العلم إلا أن يأخذ بيدي إلى معدن الكرم، وليس لي وسيلة إلا التأسف والندم؛ فوالله ما عصيتك جاهلًا بمقدار نعمك، ولا ناسيًا لما أسلفت من كرمك، فاغفر لي سالف فعلي.

стр. 782

٣٥٦- فصل: عداوة الأقارب صَعبة ١٥٧٤- عداوة الأقارب صعبة، وربما دامت، كحرب بكرٍ وتغلب ابني

стр. 783

وائل١، وعبس وذبيان ابني بغيض٢، والأوس والخزرج ابني قيلة٣. قال الجاحظ٤: تعدت هذه الحرب أربعين عامًا. والسبب في هذا أن كل واحد من الأقارب يكره أن يفوقه قريبه، فيقع التحاسد. ١٥٧٥- فينبغي لمن فضل على أقاربه أن يتواضع لها، ويرفعهم جهده، ويرفق بهم؛ لعله يسلم. قال رجل لرسول الله ﷺ : لي أقارب أصلهم فيقطعوني؟ فقال: "فكأنما تسفهم المل، ولن يزال معك من الله ظهير ما دمت على ذلك" ٥.

стр. 784

٣٥٧- فصل: المؤمن العاقل لا يلتفت إلى حاسده ١٥٧٦- رأيت كلاب الصيد، إذا مرت بكلاب المحلة، نبحتها هذه، وبالغت، وأسرعت خلفها، وكأنها تراها مكرمة مجللة، فتحسدها على ذلك! ورأيت كلاب الصيد حينئذ لا تلتفت إليها، ولا تعيرها الطرف١، ولا تعد نباحها شيئًا! فرأيت أن كلاب الصيد كأنها ليست من جنس تلك الكلاب؛ لأن تلك غليظة البدن، كثيفة الأعضاء، لا أمانة لها، وهذه لطيفة، دقيقة الخلقة، ومعها آداب قد ناسبت خلقتها اللطيفة، وأنها تحبس الصيد على مالكها خوفًا من عقابه، أو مراعاة لشكر نعمته عليها. فرأيت أن الأدب وحسن العشرة يتبع لطافة البدن، وصفاء الروح، وهكذا المؤمن العاقل، لا يلتفت إلى حاسده، ولا يعده شيئًا؛ إذ هو في واد، وذاك في واد، وذاك يحسده على الدنيا، وهذا همته الآخرة، فيا بعد ما بين الواديين!

стр. 785

٣٥٨- فصل: ملاحظتُهُ مِنْ أهم الأشياء ١٥٧٧- ينبغي لمن آمن بالله تعالى أن يسلم له في أفعاله، ويعلم أنه حكيم ومالك، وأنه لا يعبث١؛ فإن خفيت عليه حكمة فعله، نسب الجهل إلى نفسه، وسلم للحكيم المالك؛ فإذا طالبه العقل بحكمة الفعل، قال: ما بانت لي، فيجب على تسليم الأمر لمالكه. ١٥٧٨- وإن أقوامًا نظروا بمجرد العقل إلى كثير من أفعال الحق سبحانه؛ فرأوها لو صدرت من مخلوق، نسب فيها إلى ضد الحكمة، فنسبوا الخالق إلى ذلك!! وهذا الكفر المحض، والجنون البارد! والواجب نسبة الجهل إلى النفوس؛ فإن العقول قاصرة عن مطالعة حكمته، وأول من فعل ذلك إبليس؛ فإنه قد رآه قد فضل طينًا على نارٍ، والعقل يرى النار أفضل، فعاب حكمته، وعمت هذه المحنة خلقًا ممن ينسب إلى العلم، وكثيرًا من العوام، فكم قد رأينا عالمًا يعترض، وعاميًّا يرد فيكفر! وهذه محنة قد شملت أكثر الخلق، يرون عالمًا يضيق عليه، وفاسقًا وسع عليه، فيقولون: هذا لا يليق بالحكمة!! ١٥٧٩- وقد علم العلماء أن الله تعالى قد فرض الزكوات والخراج والجزية والغنائم والكفارات ليستغني بها الفقراء، فاختص بذلك الظلمة، وصانع من تجب عليه الزكاة بإخراج بعضها؛ فجاع الفقير! فينبغي أن نذم هؤلاء الظلمة، ولا نعترض على من قدر الكفاية للفقراء. وقد حصل في ضمن هذا عقوبة الظالمين في حبسهم الحقوق، وابتلاء الفقراء بصبرهم عن حظوظهم. ١٥٨٠- وأكثر هؤلاء المعترضين لا يكادون يسلمون وقت خروج الروح من اعتراض يخرج إلى الكفر، فتخرج النفس كافرةً.

стр. 786

فكم عاميٍّ يقول: فلان قد ابتلي، وما يستحق! ومعناه: أنه قد فعل به ما لا يليق بالصواب، وقد قال بعض الخلعاء: أيا رب تخلق أقمار ليل ... وأغصان بان، وكثبان رمل وتنهى عبادك أن يعشقوا ... أيا حاكم العدل ذا حكم عدل ومثل هذا ينشده جماعة من العلماء ويستحسنونه، وهو كفر محض!! وما فهم هؤلاء القائلين لهذا [سر النهي ولا معناه] ؛ لأنه ما نهى عن العشق؛ وإنما نهى عن العمل بمقتضى العشق من الأشياء المحرمة، كالنظر، واللمس، والفعل القبيح. ١٥٨١- وفي الامتناع عن المشتهى دليل على الإيمان بوجود الناهي، كصبر العطشان في رمضان عن الماء، فإنه دليل على الإيمان بوجود من أمر بالصوم، وتسليم النفوس إلى القتل والجهاد دليل على اليقين بالجزاء. ثم المستحسن أنموذج ما قد أعد، فأين العقل المتأمل؟! كلا، لو تأمل، وصبر قليلًا، لربح كثيرًا. ١٥٨٢- ولو ذهبت أذكر ما قد عرفت من اعتراض العلماء والعوام؛ لطال، ومن أحسن الناس حالًا في ذلك ما يحكى عن ابن الراوندي أنه جاع يومًا، واشتد جوعه، فجلس على الجسر وقد أمضه١ الجوع، فمرت خيل مزينة بالحرير والديباج، فقال: لمن هذه؟ فقالوا: لعلي بن بلتق غلام الخليفة. فمرت جوار مستحسنات، فقال: لمن هذه؟ فقالوا: لعلي بن بلتق، فمر به رجل، فرآه، وعليه أثر الضر، فرمى إليه رغيفين، فأخذهما، ورمى بهما، وقال: هذا لعلي بن بلتق، [وهذان لي] ؟! ونسي الجاهل الأحمق أنه بما يقول ويعترض ويفعل أهل٢ [لهذه] ٣ المجاعة. ١٥٨٣- فيا معترضين وهم في غاية النقص -على من لا عيب في فعله! أنتم

стр. 787

في البداية من ماءٍ وطينٍ، وفي الثاني من ماءٍ مهينٍ، ثم تحملون الأنجاس على الدوام، ولو حبس عنكم الهواء، لصرتم جيفًا، ولو أليق....١ منكم أهلككم، وكم من رأي يراه حازمكم؛ فإذا عرضه على غيره، تبين له قبح رأيه. ثم المعاصي منكم زائدة في الحد، فما فيكم إلا الاعتراض على المالك الحكيم؟! ولو لم يكن في هذه البلاوي٢ إلا أن يراد منا التسليم؛ لكفى. ١٥٨٤- ولو أنه أنشأ الخلق ليدلو على وجوده. ثم أهلكهم، ولم يعدهم، كان ذلك له؛ لأنه مالك؛ لكنه بفضله وعد بالإعادة والجزاء والبقاء الدائم في النعيم. فمتى ما جرى أمر لا تعرف علته، فانسب ذلك إلى قصور علمك، وقد ترى مقتولًا ظلمًا، وكم قد قتل وظلم، حتى قوبل ببعضه. وقل أن يجري لأحد آفة إلا ويتسحقها، غير أن تلك الآفات المجازى بها غائبة عنا، ورأينا الجزاء وحده. فسلم تسلم، واحذر كلة اعتراض أو إضمار، فربما أخرجتك من دائرة الإسلام.

стр. 788

٣٥٩- فصل: أحوال الناس في العيد تشبه أحوالهم يوم القيامة ١٥٨٥- رأيت الناس يوم العيد، فشبهت الحال بالقيامة: فإنهم لما انتبهوا من نومهم، خرجوا إلى عيدهم كخروج الموتى من قبورهم إلى حشرهم. ١٥٨٦- فمنهم من زينته الغاية، ومركبة النهاية١، ومنهم المتوسط، ومنهم المرذول، وعلى هذا أحوال الناس يوم القيامة: قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ ، أي: ركبانًا: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم] ، أي: عطاشًا، وقال ﵊: "يحشرون ركبانًا ومشاة وعلى وجوههم" ٢، ومن الناس من يداس في زحمة العيد، وكذلك الظلمة، يطؤهم الناس بأقدامهم في القيامة.

стр. 789

١٥٨٧- ومن الناس يوم العيد الغني المتصدق، كذلك يوم القيامة أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة. ومنهم الفقير السائل، الذي يطلب أن يعطى، كذلك يوم الجزاء: "أعددت شفاعتي لأهل الكبائر"١، ومنهم من لا يعطف عليه: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ، وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء] . ١٥٨٨- والأعلام منشورة في العيد، كذلك أعلام المتقين في القيامة، والبوق يضرب، كذلك يخبر بحال العبد، فيقال: يا أهل الموقف! إن فلانًا قد سعد سعادة لا شقاوة بعدها، وإن فلانًا قد شقي شقاوة لا سعادة بعدها. ١٥٨٩- ثم يرجعون من العيد بالخواص إلى باب الحجرة يخبرون بامتثال الأوامر: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١] ، فيخرج التوقيع إليهم: ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان: ٢٢] . ومن هو دونهم يختلف حاله: فمنهم من يرجع إلى بيت عامر ﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤] ، ومنهم متوسط، ومنهم من يعود إلى بيت فقر. فاعتبروا يا أولي الألباب.

стр. 790

٣٦٠- فصل: يتضمن نصيحة للعلماء والزهاد ١٥٩٠- يا قوم! قد علمتم أن الأعمال بالنيات، وقد فهمتم قوله تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِص﴾ [الزمر: ٣] ، وقد سمعتم عن السلف أنهم كانوا لا يعلمون، ولا يقولون حتى تتقدم النية وتصح. ١٥٩١- أيذهب زمانكم يا فقهاء في الجدل والصياح، وترتفع أصواتكم عند اجتماع العوام تقصدون المغالبة؟! أوما سمعتم: "من طلب العلم ليباهي به العلماء، أو ليماري به السفهاء، أو ليصرف به وجوه الناس إليه؛ لم يرح رائحة الجنة" ٢ ثم يقدم أحدكم على الفتوى، وليس من أهلها، وقد كان السلف يتدافعونها.

стр. 791

١٥٩٢- ويا معشر المتزهدين! إنه يعلم السر وأخفى! أتظهرون الفقر في لباسكم، وأنتم تستوفون شهوات النفوس، وتظهرون التخاشع والبكاء في الجلوات دون الخلوات؟! كان ابن سيرين يضحك ويقهقه، فإذا خلا؛ بكى أكثر الليل، وقال سفيان لصاحبه: ما أوقحك! تصلي والناس يرونك؟! أفدي ظباء فلاة ما عرفن بها ... مضغ الكلام، ولا صبغ الحواجيب ١٥٩٣- آهٍ للمرائي من يوم: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُور﴾ [العاديات: ١٠] ، وهي النيات! فأفيقوا من سكركم، وتوبوا من زللكم، واستقيموا على الجادة: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] .

стр. 792

٣٦١- فصل: تخليط بعض العلماء والعبّاد ١٥٩٤- رأيت جمهور الناس حائدين عن الشريعة، جارين على ما ألفوا من العادة وقد يخلص منهم فريقان: علماء وعباد. ١٥٩٥- فتأملت جمهور العلماء؛ فرأيتهم في تخليط: منهم من يقتصر على معاملات الدنيا، ويعرض عن معاملات الآخرة: إما لجهله بها، أو لثقل أمرها عليه، فهو لا يجري على ما يثقل عليه مما يوجبه العلم، ويتبع في الباقي العادات! وربما تخايل أنه يسامح في الخطايا، لكونه عالما، وقد نسي أن العلم حجة عليه. ومنهم: من هو واقف مع صورة العلم، غافل عن المقصود بالعلم، وفيهم: من يخالط السلطان، فيتأذى المخالط بما يرى من الذنوب والظلم، ولا يمكنه الإنكار، وربما مدح! ويتأذى السلطان بصحبته، فيقول: لولا أني على صواب ما جالسني هذا! ويتأذى العوام، فيقولون: لولا أن أمر السلطان قريب، ما خالطه هذا العالم! ورأيت الأشراف يثقون بشفاعة آبائهم، وينسون أن اليهود من بني إسرائيل! ١٥٩٦- وأما الفريق الثاني، وهم العباد، فرأيت أكثرهم في تخليط: أما الصحيحو القصد منهم؛ فعلى غير الجادة في أكثر عملهم: قد وضع لهم جماعة من المتقدمين كتبًا فيها دفائن قبيحة، وأحاديث غير صحيحة، ويأمرون فيها بأشياء

стр. 793

تخالف الشريعة، مثل كتب الحارث المحاسبي، وأبي عبد الله الترمذي١، وقوت القلوب لأبي طالب المكي، وكتاب "الإحياء" لأبي حامد الطوسي؛ فإذا فتح المبتدئ عينه، وهم بسلوك الطريق بهذه الكتب؛ حملته٢ إلى الخطايا؛ لأنهم قد بنوا على أحاديث محالة٣، ويذمون الدنيا، ولا يدرون ما المذموم منها؟ فيتصور المبتدئ ذم ذات الدنيا، فيهرب المنقطع إلى الجبل، وربما فاتته الجماعة والجمعة، ويقتصر على البلط والكمثرى٤ فيورثه القولنج، ويقنع بعضهم بشرب اللبن، فينحل الطبع، أو يأكل الباقلاء والعدس فيحدث له قراقر٥!! ١٥٩٧- وإنما ينبغي لقاصد الحج أن يرفق أوّلًا بالناقة ليصل، ألا ترى للفطن من الأتراك، يهتم بفرسه قبل تحصيل قوت نفسه؟! ١٥٩٨- وربما تصدى القاص لشرح أحوال قوم من السلف والمتزهدين، فيتبعهم المريد، فيتأذى بذلك! ومتى رددنا ذلك المنقول، وبينا خطأ فاعله؛ قال الجهال. أترد على الزهاد؟! وإنما ينبغي اتباع الصواب، ولا ينظر إلى أسماء المعظمين في النفوس؛ فإنا نقول: قال أبو حنيفة: ثم يخالفه الشافعي! وإنما ينبغي أن يتبع الدليل. ١٥٩٩- قال المروذي: مدح أحمد بن حنبل النكاح، فقلت له: قد قال إبراهيم بن أدهم، فصاح وقال: وقعنا في بنيات الطريق! عليك بما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه. ١٦٠٠- وتكلم أحمد في الحارث المحاسبي؛ ورد على سري السقطي حين قال: لما خلق الله الحروف، وقف الألف، وسجدت الباء! فقال: نفروا الناس عنه. فالحق لا ينبغي أن يحابي؛ فإنه جد. ١٦٠١- وإني أرى أكثر الناس قد حادوا عن الشريعة، وصار كلام المتزهدين

стр. 794

كأنه شريعة لهم! فيقال: قال أبو طالب المكي: كان من السلف من يزن قوته بكربة١، فينقص كل يوم!! وهذا شيء ما عرفه رسول الله ﷺ ولا أصحابه؛ وإنما كانوا يأكلون دون الشبع، فأما الحمل على النفس بالجوع، فمنهي عنه. ١٦٠٢- ويقول: قال داود الطائي لسفيان: إذا كنت تشرب الماء البارد، متى تحب الموت؟! وكان ماؤه في دن٢! ". وما علم أن للنفس حظًّا، وأن شرب الماء الحار يرهل٣ المعدة، ويؤذي، وأن رسول الله ﷺ كان يبرد الماء. ١٦٠٣- ويقول آخر منهم: منذ خمسين سنة أشتهي الشواء، ما صفَا لي درهمه!! ويقول آخر: أشتهي أن أغمس جزرة في دبس، فما صح لي!!. أتراهم أرادوا حبة منذ خرجت من المعدن٤ ما دخلت في شبهة؟! هذا شيء ما نظر فيه رسول الله ﷺ ؛ وإن كان الورع حسنًا، ولكن لا على حمل المشاق الشديدة. ١٦٠٤- وهذا بشر الحافي يقول: لا أحدث؛ لأني أشتهي أن أحدث!!. وهذا تعليل لا يصلح؛ لأن الإنسان مأمور بالنكاح، وهو من أكبر المشتهى. ١٦٠٥- وكان بشر حافيًا، حتى قيل له: الحافي! ولو ستر أمره بنعلين، كان أصلح، والحفاء يؤذي العين، وليس من أمر الدنيا٥ في شيء؛ فقد كان لرسول الله ﷺ نعلان٦. ١٦٠٦- وما كانت سيرة رسول الله ﷺ وأصحابه على ما المتزهدون عليه اليوم؛ فقد كان رسول الله ﷺ يضحك، ويمزح، ويختار المستحسنات، ويسابق عائشة ﵂، وكان يأكل اللحم، ويحب الحلوى، ويتسعذب له الماء، وعلى هذا كان طريقة أصحابه.

стр. 795

١٦٠٧- فأظهر المتزهدون طرائق كأنها ابتداء شريعةٍ، وكلها على غير الجادة، ويحتجون بقول المحاسبي والمكي، ولا يحتج أحد منهم بصحابي ولا تابعي، ولا بإمام من أئمة الإسلام؛ فإن رأوا عالمًا لبس ثوبًا جميلًا، أو تزوج مستحسنةً، أو أفطر بالنهار، أو ضحك؛ عابوه!! ١٦٠٨- فينبغي أن يعلم أن أكثر من صح قصده منهم على غير الجادة: لقلة علمهم، حتى إن بعضهم يقول: منذ ثمانين سنة ما اضطجعت!، ويقول آخر: حلفت لا أشرب الماء سنةً١!!. وهؤلاء على غير الصواب؛ فإن للنفس حقًّا. ١٦٠٩- فأما من ساء قصده، ممن نافق وراءى لاجتلاب الدنيا، وتقبيل الأيدي، فلا كلام معه، وهم جمهور المتصوفة؛ فإنهم رفعوا الثياب الملونة، ليراهم الناس بعين الترك للزينة، وما معهم أحسن من السقلاطون٢؛ وإنما رقع القدماء للفقر. فهم في اللذات. وجمع المال، وأخذ الشبهات، واستعمال الراحة واللعب، ومخالطة السلاطين. وهؤلاء قد كشفوا القناع، وباينوا زهد أوائلهم، بلى، أعجب منهم من ينفق هذا عليهم.

стр. 796

٣٦٢- فصل: جعل الله لأحوال الآدمي أمثلة ليعتبر بها ١٦١٠- إن الله جعل لأحوال الآدمي أمثلة ليعتبر بها: فمن أمثلة أحواله القمر، الذي يبتدئ صغيرًا، ثم يتكامل بدرًا، ثم يتناقص بانمحاق، وقد يطرأ عليه ما يفسده كالكسوف؛ فكذلك الآدمي أوله نطفه، ثم يترقى من الفساد إلى الصلاح؛ فإذا تم، كان بمنزلة البدر الكمل، ثم تتناقص أحواله بالضعف، فربما هجم الموت قبل ذلك هجوم الكسوف على القمر، قال الشاعر: والمرء مثل هلالٍ عند طلعتِهِ ... يبدو ضئيلًا لطيفًا ثم يتسقُ

стр. 797

يزداد حتى إذا ما تم أعقبه ... كر الجديدين نقصًا، ثم ينمحق١ ١٦١١- ومن أمثلة حالة دود القز؛ فإنه يكون حيًّا٢ إلى أن يبتدئ نبات قوته، حال كانتقال الطفل، ثم يرقد كغفلة الآدمي عن النظر في العواقب، ثم ينتبه، فيحرص على الأكل كحرص الشره على تحصيل الدنيا، ثم يسدي٤ على نفسه كما يحطب الآدمي الأوزار على دينه؛ فيرتهن في ذلك الحبس، كما يرتهن الميت في قبره، ثم يقرض، فيخرج خلقًا آخر، كما تنشر الموتى غرلًا٥ بهمًا٦. وقد دله على البعث تكون النطفة كميت، ثم تصير آدميًّا، وإلقاء الحب تحت الأرض فيفسد، ثم يهتز خضرًا. إذا المرء كانت له فكرَه ... ففي كل شيء له عبرَه

стр. 798

٣٦٣- فصل: إنما فضل العقل بتأمل العواقب . ١٦١٢- إنما فضل العقل بتأمل العواقب؛ فأما القليل العقل؛ فإنه يرى الحال الحاضرة، ولا ينظر إلى عاقبتها، فإن اللص يرى أخذ المال، وينسى قطع اليد! والبطال يرى لذة الراحة، وينسى ما تجني من فوات العلم وكسب المال، فإذا كبر فسئل عن علم؛ لم يدر، وإذا احتاج، سأل؛ فذل، فقد أربى ما حصل له من التأسف على لذة البطالة، ثم يفوته ثواب الآخرة بترك العمل في الدنيا. وكذلك شارب الخمر، يلتذ تلك الساعة، وينسى ما يجني من الآفات في الدنيا والآخرة! وكذلك الزنا؛ فإن الإنسان يرى قضاء الشهوة، وينسى ما يجني من فضيحة الدنيا والحد، وربما كان للمرأة زوج، فألحقت الحمل من هذا به، وتسلسل الأمر.

стр. 799

فقس على هذه النبذة، وانتبه للعواقب، ولا تؤثر لذة تفوت خيرًا كثيرًا، وصابر المشقة، تحصل ربحًا وافرًا.

стр. 800

٣٦٤- فصل: هيهات أن يصح الدين مع تحصيل اللذات ١٦١٣- ليس في الدنيا عيش إلا لعالم أو زاهد. بلى، قد يقع في صفاء حالهما كدر، وهو أن العالم يشتغل بالعلم، أو بالانقطاع عن الكسب، وقد تكون له عائلة؛ فربما تعرض بالسلطان ففسد حاله، وكذلك الزاهد. ١٦١٤- فينبغي للعالم والعابد أن يتحركا في معاش، كنسخ بأجرة، أو عمل الخواص١، و٢ إن فتح له بشيءٍ، اقتنع باليسير؛ فلا يستعبده أحد، كما كان أحمد بن حنبل له أجرة لعلها لا تبلغ دينارًا يتقوت بها، ومتى لم يقنع، أفسدت مخالطة السلاطين والعوام دينه. ١٦١٥- وفي الناس من يريد التوسع في المطاعم، ومنهم: من لا يوافقه خشن العيش، وهيهات أن يصح الدين مع تحصيل اللذات! ١٦١٦- وإذا قنع العالم والزاهد بما يكفي، لم يتبذل [أحدهما] للسلطان، ولم يتسخدم بالتردد إلى بابه، ولم يحتج الزاهد إلى تصنع. والعيش اللذيذ للمنقطع، الذي لا يتبذل به، ولا يحمل منة.

стр. 801

٣٦٥- فصل: تفاوت الناس في الفهوم ١٦١٧- ما أكثر تفاوت الناس في الفهوم! حتى العلماء يتفاوتون التفاوت الكثير في الأصول والفروع: فترى أقوامًا يسمعون أخبار الصفات، فيحملونها على ما يقتضيه الحس، كقول قائلهم: ينزل بذاته إلى السماء، وينتقل!! وهذا فهم رديء؛ لأن المنتقل يكون من مكان إلى مكان، ويوجب ذلك كون المكان أكبر١

стр. 802

منه، ويلزم منه الحركة، وكل ذلك محال على الحق . ١٦١٨- وأما في الفروع: فكما يروى عن داود١: أنه قال في قوله ﷺ : "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه" ٢، فقال: إن بال غيره؛ جاز!! فما يفهم المراد من التنجيس، بل يأخذ بمجرد اللفظ!! وكذلك يقول: لحم الخنزير حرام: لا جلده!! نعوذ بالله من سوء الفهم. ١٦١٩- وكذلك يتفاوت الشعراء الذين شغلهم التفطن لدقائق الأحوال: كقول قائلهم٣: لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدةٍ دَمَا والجفنات عدد يسير، فلو قال: الجفان؛ لكان أبلغ! ولو قال: بالدجى، لكان أحسن! ويفطرن دليل على القلة. وكذلك قول القائل٤: همها العطر والفراش، ويعلو ... ها لجين ولؤلؤ منظوم وهذا قاصر؛ فإنه لو فعلت هذا سوداء، لحسنها؛ إنما المادح هو القائل٥: ألم ترياني كلما جئت طارقًا ... وجدت بها طبيبًا وإن لم تطيب وكذا قول القائل: أدعوا إلى هجرها قلبي فيتبعني ... حتى إذا قلت هذا صادق نزعا ولو كان صادقًا في المحبة لما كان له قلب يخاطبه، وإذا خاطبه في الهجر، لم يوافقه؛ إنما المحب الصادق هو القائل: يقولون: لو عاتبت قلبك لارعوى ... فقلت: وهل للعاشقين قلوب؟ ومثل هذا إذا نوقش كثير؛ فأقل موجود في الناس الفهم والغوص على دقائق المعاني.

стр. 803

٣٦٦- فصل: لذة الدنيا شيبت بالنُّغَص ١٦٢٠- من تأمل الدنيا؛ علم أنه ليس فيها لذة أصلًا، فإن وجدت لذة، شيب بالنغص، التي تزيد على اللذة أضعافًا. ١٦٢١- فمن اللذات النساء، فربما لم تثبت المستحسنة، وربما لم تحب الزوج، فمتى علم ذلك، يعزل عنها، وربما خانت، وذلك الهلاك: فإن تمت المرادات، فذكر الفراق زائد في التألم على الالتذاذ. ١٦٢٢- ومن اللذات الولد: ومقاساة البنت إلى أن تتزوج، وما تلقى من زوجها، وخوف عارها: محن قبيحة. والابن إن مرض ذاب الفؤاد، وإن خرج عن حد الصلاح زاد الأسف، وإن كان عدوًّا، فمراده هلاك الأب، ثم إن تم المراد، فذكر فراقه يذيب القلوب. ١٦٢٣- ولو أن فاسقًا أحب بعض المردان: انهتك عرضه في الدنيا، وذهب دينه، ثم لا يلبث أن تتغير حليته، فيصير مبغوضًا، مع ما سبق من الهتكة والإثم. وكم قد غلبت شهوة رجل وطئ الجواري السود، فجاء الولد أسود؛ فبقي عارًا عليه١. ١٦٢٤- ومن هذا الجنس الالتذاذ بالمال، وفي تحصيله آثام، وفراقه حسرة، وذهاب العمر فيه غبن. وهذا أنموذج لما لم يذكر! فينبغي لمن وفقه الله سبحانه: أن يأخذ الضروري الذي يميل إلى سلامة الدين والبدن والعافية، ويهجر الهوى الذي نغصه تتضاعف على لذته. ١٦٢٥- ومن صبر على ما يكره قصد النفع في العاقبة؛ التذ أضعافًا، كطالب العلم؛ فإنه يتعب يسيرًا، وينال خير الدارين، مع سلامة العاقبة. ولذة البطالة تعقب عدم العلم والعمل، فيزيد الأسى على اللذة أضعافًا.

стр. 804

فالله الله أن يغلبك هواك العاجل، ومتى هم الهوى بالتوثب، فامنعه، وزن عاجله بآجله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩] .

стр. 805

٣٦٧- فصل: من حيل إبليس ١٦٢٦- رأيت إبليس قد احتال بفنون الحيل على الخلق، وأمال أكثرهم عن العلم الذي هو مصباح السالك، فتركهم يتخبطون في ظلمات الجهل، وشغلهم بأمور الحس١، [فهم يحسنون ما يحسنه الحس] ، ولا يلتفتون إلى مشورة العقل؛ فإذا ضاق بأحدهم عيشه، أو نكب، اعترض فكفر: فمنهم من ينسب ذلك غلى الدهر، ومنهم من يسب الدنيا! وهذا تسفيف٢؛ لأن الدهر والدنيا لا يفعلان؛ وإنما هو عيب للمقدر. ومنهم من يخرجه الأمر إلى جحد الحكمة، فيقول: أي فائدة في نقص المبنى؟! ١٦٢٧- وزعم بعضهم أنه لا يتصور عود المنقوض، وأنكروا البعث، ويقولون: ما جاء من ثم أحد! ونسوا أن الوجود ما انتهى بعد، ولو خلفنا٣؛ لصار الإيمان بالغيب عيانًا، ولا يصلح أن يستدل على الإحياء بالأحياء. ١٦٢٨- ثم نظر إبليس، فرأى في المسلمين قومًا فيهم فطنة، فأراهم أن الوقوف على ظواهر الشريعة حالة يشاركهم فيها العوام، فحسن لهم علوم الكلام، وصاروا يحتجون بقول بقراط٤ وجالينوس وفيثاغورس٥!! وهؤلاء ليسوا بمتشرعين، ولا تبعوا نبينا ﷺ ؛ وإنما قالوا بمقتضى ما سولت لهم أنفسهم.

стр. 806

١٦٢٩- وقد كان السلف إذا نشأ لأحدهم ولد؛ شغلوه بحفظ القرآن وسماع الحديث، فيثبت الإيمان في قلبه؛ فقد توانى الناس عن هذا، فصار الولد الفطن يتشاغل بعلوم الأوائل، وينبذ أحاديث الرسول ﷺ ، ويقول: أخبار آحاد! وأصحاب الحديث عندهم يسمون: حشويَّةً!! ١٦٣٠- ويعتقد هؤلاء أن العلم الدقيق علم الطفرة والهيولى، والجزء الذي لا يتجزأ، ثم يتصاعدون إلى الكلام في صفات الخالق، فيدفعون ما صح عن رسول الله ﷺ بواقعاتهم. فيقول المعتزلة: إن الله لا يرى؛ لأن المرئي يكون في جهة، ويخالفون قول رسول الله ﷺ : "إنكم ترون ربكم كما ترون القمر، لا تضامون في رؤيته" ١؛ فأوجب هذا الحديث إيثار رؤيته، وإن عجزنا عن فهم كيفيتها. ١٦٣١- وقد عزل هؤلاء الأغبياء عن التشاغل بالقرآن، وقالوا: مخلوق! فزالت حرمته من القلوب. وعن السنة، وقالوا: أخباره آحاد! وإنما مذاهبهم السرقة من بقراط وجالينوس. وقد استفاد من تبع الفلاسفة أنه يرفه نفسه عن تعب الصلاة والصوم! ١٦٣٢- وقد كان كبار العلماء يذمون علم الكلام، حتى قال الشافعي: حكمي فيهم أن يركبوا على البغال، ويشهروا، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، واشتغل بالكلام. وقد آل بهم الأمر إلى أن اعتقدوا أن من لم يعرف تحرير دليل التوحيد فليس بمسلم!! فالله الله من مخالطة المبتدعة، وعليكم بالكتاب والسنة، ترشدوا.

стр. 807

٣٦٨- فصل: اغتنام الزمان ١٦٣٣- رأيت العادات قد غلبت الناس في تضييع الزمان، وكان القدماء يحذرون من ذلك. ١٦٣٤- قال الفضيل: أعرف من يعد كلامه من الجمعة إلى الجمعة.

стр. 808

١٦٣٥- ودخلوا على رجل من السلف، فقالو: لعلنا شغلناك؟ فقال: أصدقكم، كنت أقرأ، فتركت القراءة لأجلكم. ١٦٣٦- وجاء رجل من المتعبدين إلى سري السقطي، فرأى عنده جماعَةً، فقال: صرت مناخ البطالين؟ ثم مضى ولم يجلس. ١٦٣٧- ومتى لان المزور؛ طمع فيه الزائر، فأطال الجلوس، فلم يسلم من أذى. ١٦٣٨- وقد كان جماعة قعودًا عند معروف، فأطالوا، فقال: إن ملك الشمس لا يفتر في سوقها، أفما تريدون القيام؟! ١٦٣٩- وممن كان يحفظ اللحظات عامر بن عبد قيس، قال له رجل: قف أكلمك. قال: فأمسك الشمس. ١٦٤٠- وقيل لكرز بن وبرة١: لو خرجت إلى الصحراء؟ فقال: يبطل الروزجار٢. ١٦٤١- وكان داود الطائي يتسفت الفتيت٣، ويقول: بين سف الفتيت وأكل الخبز قراءة خمسين آية. ١٦٤٢- وكان عثمان الباقلاوي٤ دائم الذكر لله تعالى؛ فقال: إني وقت الإفطار أحس بروحي كأنها تخرج، لأجل اشتغال بالأكل عن الذكر. ١٦٤٣- وأوصى بعض السلف أصحابه، فقال: إذا خرجتم من عندي، فتفرقوا، لعل أحدكم يقرأ القرآن في طريقه، ومتى اجتمعتم، تحدثتم.

стр. 809

١٦٤٤- واعلم أن الزمان أشرف من أن يضيع منه لحظة: فإن في "الصحيح". عن رسول الله ﷺ : أنه قال: "من قال: سبحان الله العظيم وبحمده؛ غرست له بها نخلة في الجنة" ١ فكم يضيع الآدمي من ساعات يفوته فيها الثواب الجزيل! وهذه الأيام مثل المزرعة، فكأنه قيل للإنسان: كلما بذرت حبة، أخرجنا لك ألف كر٢، فهل يجوز للعاقل أن يتوقف في البذر ويتوانى؟! ١٦٤٥- والذي يعين على اغتنام الزمان: الانفراد والعزلة مهما أمكن، والاختصار على السلام أو حاجة مهمة لمن يلقى، وقلة الأكل؛ فإن كثرته سبب النوم الطويل وضياع الليل، ومن نظر في سير السلف، وآمن بالجزاء، بان له ما ذكرته.

стр. 810

٣٦٩- فصل: في معاشرة النساء ١٦٤٦- ينبغي للعاقل أن يتخير امرأة صالحة، من بيت صالح، يغلب عليه الفقر، لترى ما يأتيها به كثيرًا! ١٦٤٧- وليتزوج من يقاربه في السن، فأما الشيخ، فإنه إذا تزوج صبية، آذاها، وربما فجرت، أو قتلته، أو طلبت الطلاق، وهو يحبها، فيتأذى، وليتمم نقصه بحسن الأخلاق، وكثرة النفقة. ١٦٤٨- ولا ينبغي للمرأة أن تقرب من زوجها كثيرًا: فتمل، ولا تبعد عنه، فينساها، ولتكن وقت قربها إليه كاملة النظافة متحسنةً. ١٦٤٩- ولتحذر أن يرى فرجها أو جسمها كله، فإن جسم الإنسان ليس بمستحسن! وكذلك ينبغي له أن لا يريها جسمه؛ وإنما الجماع في الفراش.
следующие страницы →