← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1202

العقد المفرد في الفقه على مذهب الإمام أحمد

أبو عياشة محمد البيومي

Полный текст (700 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المطلب الأول: نبذة عن حياته الشخصية (١) ويشتمل على ثلاثة فروع: الفرع الأول: اسم المؤلف ونسبه ﵀. هو الشيخ العلامة الأديب الأريب اللوذعي، الفقيه الفرضي الفلكي الرياضي، محمد (البيومي) بن محمد بن علي حسن (أبي عياشة) بن بسيوني بن عطية النجار بن يوسف الحسني الدمنهوري المصري، وينتهي نسبه إلى الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄. الفرع الثاني: مولده ﵀ زمانًا ومكانًا: ولد المؤلف صبيحة يوم الجمعة في الرابع من ذي الحجة، سنة ١٢٦٢ هـ - ١٨٤٧ م بدمنهور، وتوفي بها بعد حياة حافلة بالجد والاجتهاد في طلب العلم والتأليف عام ١٣٣٥ هـ - ١٩١٧ م، ﵀ رحمة واسعة. الفرع الثالث: مناقب أسرته ﵀: أسرة الشيخ محمد البيومي أسرة ذات حسب ونسب وشرف، ومقام _________ (١) لمطالعة المزيد عن سيرة المؤلف العطرة، انظر: الإعلام للزركلي (١٢/ ٣٠٣)، ومقدمة الفتح الرباني، بتحقيق العلامة الدكتور: عبد العزيز بن ناصر السبر، ومقدمة منهج السالك إلى بيت الله المبجل في أعمال المناسك، بتحقيق العلامة الدكتور: صالح بن غانم السدلان.

стр. 37

عال، وقدر رفيع، حيث ينتهي نسبه إلى الصحابي الجليل، الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄، ولاهتمامهم بمعالي الأمور وبعدهم عن سفاسفها، فوالده ﵀ هو محمد أبي عياشة، المولود عام ١٢٢٦ هـ، وقد تلقى العلوم العقلية والنقلية في الأزهر على يد نخبة من العلماء الأعلام، أمثال: الشيخ إبراهيم الباجوري، والشيخ علي الزيات، والعلامة مصطفى الذهبي وغيرهم، واشتغل بالعلم والتأليف والمطالعة، ومن آثاره: ١ - الدرر المنثورة في التواريخ المشهورة. ٢ - تحفة الإخوان في الكسوف والخسوف على مر الأزمان. ٣ - تحفة الأحباب في العمل بالإسطرلاب. وظل حريصًا على طلب العلم والتقوى والصلاح حتى توفي يوم الأربعاء في الثامن من شهر ربيع الآخر سنة ١٣٠٨ هـ عن اثنتين وثمانين سنة. وقد خلف ابنان هما: شيخنا محمد البيومي المولود عام ١٢٦٣ ومحمد القطب المولود عام ١٢٧١. أما جده الشيخ علي فقد نشأ صالحًا، مجتهدًا في طلب العلم، ومكث في الأزهر مدة طويلة يتعلم مذهب الشافعية، وتوفي سعيدًا حاجًا في مكة عام ١٢٤٣ هـ. أما جده الشيخ حسن فكان نجارًا لكن مع التقوى والصلاح، وتوفي في عام ١٢٤٣ هـ، وأما جده الشيخ بسيوني فكان أميرًا على دمنهور، وأما أسلافه من بني عطية فما فوق فكانوا يعملون بمهنة النجارة في دمنهور أما أبناء الشيخ فهم ستة: ثلاثة من الذكور، هم: محمد، ومحمد أمين، ومصطفى، وقد قضوا قبل عام ١٣٧٥ هـ وثلاث من الإناث، كانوا أحياءً إلى ذلك التاريخ.

стр. 38

المطلب الثاني: مكانة المؤلف العلمية، وثناء العلماء عليه ﵀ يعد العلامة أبو عياشة الدمنهوري عقلية فذة وعبقرية يرجع إليها في علوم شتى في عصره، فله اشتغال بعلوم وفنون مختلفة ومتنوعة، فله اشتغال بالمذاهب الأربعة والفرائض والقراءات والفلك والرياضيات والهندسة، وقد تلقى العديد من العلوم العقلية والنقلية على يد والده رحمهما الله. وقد أثنى عليه من ترجم له وعرف به، فقد قال عنه الشيخ نصر العادلي، خادم التصحيح في المطبعة الأميرية في آخر رسالة "أقرب المسالك إلى أسمى المطالب في المناسك على المذاهب" وقد طبعت عام ١٣٢٩ هـ في حياة المؤلف: "فإن من إحسان الله علينا، وفضله العميم علينا، طبع هذه الرسالة النفيسة، تأليف الفهامة اللبيب اللوذعي الأديب، حضرة من أثره إلى فهمه يومئ، الأستاذ الشيخ أبي عياشة محمد البيومي حفظه الله". وذُكر في فهرس الخزانة التيمورية بالأستاذ الفاضل الشيخ محمد بيومي، من علماء أوائل القرن الرابع عشر الهجري وكان موجودًا عام ١٣١٢ هـ، وله: برهان التصديق في الرد على مدعي التلفيق.

стр. 39

المطلب الثالث: حياته العملية وذكر أعماله ومؤلفاته لم تذكر المراجع التي ترجمت للمؤلف من أعماله سوى أنه عين عضوًا في مجلس حسبي دمنهور عام ١٣٢٠ هـ. أما مؤلفاته فهي متنوعة في العديد من الفنون، ومنها المطبوع والمخطوط: فمن المطبوع: ١ - خلاصة المختصرات في علم الفرائض والمناسخات، وقد طبع في حياة المؤلف عام ١٣٢٦ هـ وبعد وفاته عام ١٣٣٩ هـ. ٢ - أقرب المسالك إلى أسمى المطالب في أعمال المناسك على المذاهب، طبع على نفقة المؤلف عام ١٣٢٩ هـ بالمطابع الأميرية بمصر. ٣ - الدرة النضيرة في معرفة التواريخ الشهيرة، طبع بالمطبعة الأميرية عام ١٣٣١ هـ. ٤ - منهج السالك إلى بيت الله المبجل في أعمال المناسك، تحقيق الأستاذ الدكتور صالح بن غانم السدلان، أستاذ الدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وقد طبعته دار بلنسية بالرياض عام ١٤١٧ هـ.

стр. 40

٥ - الفتح الرباني في القراءات السبعة من طريق حرز الأماني، تحقيق الدكتور عبد العزيز بن ناصر السبر، أستاذ الدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وقد طبع أيضًا عام ١٤١٧ هـ. ومن المخطوطات التي كتبها المؤلف ولم تر النور بعد: ١ - مقدمة المعرفة في رسم البسيطة والمنحرفة. ٢ - فتح القريب العليم في معرفة تقويم الكواكب من الدر اليتيم. ٣ - تقريب النسائي في الحساب الهوائي. ٤ - تقريب النفع العام في أركان الإسلام. ٥ - الراحة في علم المساحة. ٦ - تحفة الناسك وكفاية الطالب في أعمال المناسك على المذاهب. ٧ - تقريب المقصود لمن يتعاطى العقود على المذاهب الأربعة. ٨ - تحفة الإخوان في تفسير بعض آيات من القرآن. ٩ - دليل السالك إلى البقاع الشريفة في أعمال المناسك على مذهب الإمام أبي حنيفة. ١٠ - إرشاد السالك في أعمال المناسك على مذهب الإمام مالك. ١١ - إسعاف السالك من أقرب المسالك في أعمال المناسك. ١٢ - العبارة الجلية شرح الفكرة السنية في مسألة الوصية. ١٣ - كفاية العوام فيما يلزم الميت من أحكام. ١٤ - تقريب النفع العام في أحكام الإسلام. ١٥ - نزهة الأرواح في أحكام الزواج. ١٦ - القول الفصل المتبع وإزالة الأوهام في بيان السنن والبدع من الأحكام.

стр. 41

١٧ - نهاية الأماني في تلخيص الفتح الرباني في القراءات السبع من طريق حرز الأماني. ١٨ - القول المجدي في شرح لامية ابن الوردي. ١٩ - تقريب الشفا بتعريف حقوق المصطفى ﷺ . ٢٠ - الدر المنضود في أحكام العقود. ٢١ - منظومة في علم الوضع. ٢٢ - العقد المفرد في فقه الإمام المبجل أحمد بن حنبل، وهو كتابنا هذا. وبفضل الله تعالى ثم بفضل جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية أضحت معظم مؤلفات شيخنا محمد البيومي في قسم المخطوطات بالمكتبة المركزية، بعد أن اشتريت جميع مؤلفات أبي عياشة من مكتبة روضة خيري بدسونس بدمنهور مصر، وقد أعد فهرس خاص بهذه المجموعة ليسهل حصول الباحثين عليها. * * *

стр. 42

المبحث الثالث: دراسة عصر المؤلف ويشتمل على أربعة مطالب: المطلب الأول: الحالة السياسية لعصر المؤلف. المطلب الثاني: الحالة الثقافية والتعليمية لعصر المؤلف. المطلب الثالث: الحالة الاقتصادية لعصر المؤلف. المطلب الرابع: الحالة الحضارية والفنية لعصر المؤلف. * * *

стр. 43

المطلب الأول: الحالة السياسية (١) لعصر المؤلف لدراسة الحالة السياسية والأحداث التي مرت بها الدول، والتقلبات التي عاشها الناس إبان فترة معينة أعظم الأثر في إدراك طبيعة ظروفهم وبيئتهم، ومن ثم إدراك مدى تأثيرها عليهم، ومدى تأثر الناس بها، أو تحركهم لتغيير الظروف السلبية، والتفاعل معها، والمؤرخون في العصر الحديث، وخاصة من عني بدراسة تاريخ مصر يرون الفترة التي عاشها إمامنا محمد البيومي أبو عياشة ﵀، بين عامي ١٢٦٣ هـ - ١٨٤٧ م و ١٣٣٥ هـ - ١٩١٧ م، يرونها فترة ثرية بالأحداث العظيمة، والمواقف التاريخية المؤثرة، ليس على صعيد العالم العربي أو العالم الإسلامي، بل على مستوى العالم أجمع، وما ذلك إلا لمكانة مصر وعلو شأن أهلها وعلمائها، ولاستراتيجية موقعها ومنزلتها في الصورة والواقع، حيث هي من العالم موقع القلب في الجملة، فإلى بيان نبذة تاريخية عن الحالة السياسية في الفترة التي عاصرها إمامنا، وبالله العصمة والتوفيق. بدأ الغزو الفرنسي لمصر عام ١٧٩٨ ميلادية بقيادة نابليون بونابرت، لتكون مصر نواة للإمبراطورية الفرنسية في الشرق الأوسط، لكن الحملة الفرنسية فشلت في تحقيق أهدافها، بعد المقاومة المشتركة من قبل الخلافة _________ (١) لمعرفة المزيد عن الحالة السياسية، انظر: موقع تاريخ مصر الحديث، وذاكرة مصر الحديثة، وموقع مكتبة الإسكندرية، على الشبكة العالمية الإلكترونية.

стр. 44

العثمانية والإنجليز والمصريين المماليك، وبعد هروب نابليون إلى باريس سرًا، ومرور ثلاثة أعوام وشهرين على الغزو الفرنسي، أعلنت باريس هزيمتها وانسحابها وعودة جيشها إلى بلاده على ظهور السفن البريطانية، كان ذلك عام ١٨٠١ ميلادية، فتنازع السلطة في مصر آنذاك ثلاثة قوى مختلفة المصالح والمشارب والتوجهات، وكانت قد اتحدت فيما قبل على محاربة الفرنسيين، ثم بدأت كل قوة تعمل على تحقيق أطماعها الخاصة في أرض وادي النيل. القوة الأولى: هي الخلافة العثمانية التي فتحت مصر قبل ثلاثة قرون، فأرادت أن تبقى مصر كإحدى ولاياتها. والقوة الثانية: هي إنجلترا التي كانت تطمع في احتلال المواقع الهامة على شواطئ مصر، في البحرين المتوسط والأحمر، لتضمن لنفسها السيادة في البحار في طريقها إلى الهند. أما القوة الثالثة: فكانت المماليك الذين سبق لهم حكم مصر قبل الفتح العثماني، كما كانت لهم قوة لا يستهان بها إبان الحكم العثماني، وقد تجاهلت هذه القوى الثلاث في تنازعها على السلطة العامل القومي والانتماء الوطني ولم تلق له بالًا، لكن رجلًا واحدًا أدرك مدى تأثير هذا العامل لمن يستعين به، وهو محمد علي قائد الكتيبة الألبانية في الجيش التركي في مصر، فتقرب إلى القوة الوطنية والشعب المصري فأحبه وناصره. وفي عام ١٨٠٥ ميلادية وصل محمد علي إلى منصب الوالي، ولم يجد الباب العالي في الأستانة أمامه إلا أن يصدر قرارًا بذلك، وبهذا حكم محمد علي وأسرته من بعده مصر حكمًا استمر قرنًا ونصفًا من الزمان، وتتابع على حكم مصر أحد عشر حاكمًا منهم الوالي أو الباشا، ومنهم الخديوي، ومنهم السلطان، ومنهم الملك، وهم على التوالي: ١ - محمد علي باشا: مولده ونشأته: ولد محمد علي بمدينة قولة في مقدونيا، عام ١٧٦٩ ميلادية، وفي سن

стр. 45

الشباب انخرط في سلك الجندية، وتزوج من امرأة ذات ثروة واسعة، وأنجبت له إبراهيم وطوسون وإسماعيل، واشتغل بالتجارة فربح منها. حياته العسكرية: عاد محمد علي إلى الحياة العسكرية عندما أغار نابليون على مصر وشرع الباب العالي في الأستانة في تعبئة جيوشه لمحاربة الفرنسيين، فوصل إلى مصر في عام ١٨٠١ ميلادية كمعاون لرئيس كتيبة قولة، وأظهر كفاءة حربية ومهارة عالية وحسن تصرف، فتدرج في الترقية إلى أن أخرج الفرنسيين، فأصبح من الرجال المقربين للوالي الجديد خسرو باشا. وفي مايو ١٨٠٥ ميلادية وصل إلى كرسي والي مصر، وفي العام نفسه وصل قرار تنصيبه من الباب العالي في الأستانة حاكمًا على مصر. أهم الأحداث السياسية في عصره: ١ - قضى على المماليك في مذبحة القلعة الشهيرة عام ١٨١١ ميلادية. ٢ - أرسل جيشه إلى الحجاز فاستولى عليها، ثم استولى على النوبة وعلى جزيرة كريت ثم على فلسطين والشام. وقد أدت هذه الانتصارات وهذا التفوق العسكري، إلى وقوف الدولة العثمانية وبعض الدول الأوروبية ذات المصالح ضده فاجتمعوا في لندن عام ١٨٤٠ ميلادية ووقعوا المعاهدة التي منح بمقتضاها محمد علي رتبة نائب الملك على مصر، وأن تكون مصر بحدودها القديمة وراثية في أسرة محمد علي، للأكبر سنًا من الأولاد والأحفاد، على أن تكون مصر جزءًا من الدولة العثمانية، وأن تدفع الجزية سنويًا للسلطان، وألا يزيد جيشها عن ثمانية عشر ألفًا، وألا تبني سفنًا حربية. مرضه ووفاته: مرض محمد علي عام ١٨٤٨ ميلادية، وصدر فرمان من الباب العالي بالأستانة، بتعيين إبراهيم باشا واليا على مصر، ثم توفي محمد علي عام ١٨٤٩ ميلادية بالإسكندرية، ودفن بمسجد القلعة.

стр. 46

٢ - إبراهيم باشا ابن محمد علي باشا: وهو الابن الأكبر لمحمد علي، ولد عام ١٧٨٩ ميلادية، وعين واليًا في حياة والده بعد مرضه بقرار من الباب العالي في ٢ سبتمبر ١٨٤٨ ميلادية. ومما يذكر من الأحداث المهمة التي يذكر فيها: أنه عين قائدًا للحملة الحجازية بين أعوام (١٨١٦ - ١٨١٩) ميلادية، وهي أول حرب خاضها إبراهيم، وفي هذه الحرب استعان بخبرة الأوروبيين في الحروب فاصطحب معه عددًا من الضباط الأجانب منهم الضابط الفرنسي "فيسيير" أحد ضباط أركان الحرب. ظل إبراهيم باشا يحارب في شبه الجزيرة العربية حتى تمكن من تدمير مدينة "الدرعية" عاصمة الدولة السعودية الثانية، ومنحه السلطان العثماني لقب "أمير مكة". ويذكر أنه قاد الجيش المصري الذي قمع ثوار اليونان الخارجين على تركيا، وقاد جيشًا مصريًا وصل به إلى فلسطين والشام وعبر جبال طوروس بين عامي ١٨٣٢/ ١٨٣٣ ميلادية، وانتصر في المعركة الفاصلة بين المصريين والأتراك في نزيب عام ١٨٣٩ ميلادية، ولكن الدول الأوروبية أجبرته على الجلاء عن جميع المناطق التي استولى عليها. وتوفي في حياة والده، ولما يتجاوز الستين من عمره، في ١٠ نوفمبر ١٨٤٨ ميلادية. ٣ - عباس حلمي الأول ابن أحمد طوسون باشا ابن محمد علي باشا: ولد سنة ١٨١٣ ميلادية في جدة ونشأ في مصر، وخلف عمه إبراهيم باشا في تولي مصر بدءًا من عام ١٨٤٨ ميلادية، وهو حفيد محمد علي وابن أخ إبراهيم، وفي عهده اضمحل الجيش والبحرية في مصر وأغلقت كثير من المدارس والمعاهد، عاش عيشة بذخ وانصرف عن التفرغ لشؤون الدولة، على ما يرى بعض المؤرخين، لكنه أعاد لشكيل المجلس الخصوصي عام ١٨٤٩، وعدل اسمه إلى "ديوان محافظة مصر"، كما أنشأ في العام نفسه "مجلس الأحكام"، وكان يشارك المجلس الخصوصي في السلطة التشريعية،

стр. 47

كما كان يشرف على السلطة القضائية، وظل في الحكم قرابة خمس سنوات، واغتيل في قصره في بنها، في يوليو عام ١٨٥٤ ميلادية. ٤ - محمد سعيد باشا ابن محمد علي باشا: وهو عم سلفه عباس الأول ولكنه أصغر منه سنًا، منذ الصغر ألحقه والده محمد علي باشا بخدمة الأسطول، وترقى إلى أن أصبح قائد الأسطول، فهو خامس أمراء البحار في الأسطول المصري. عين واليًا على مصر في ١٤ يوليو عام ١٨٥٤ ميلادية، منح محمد سعيد باشا فرديناند ديليسبس في عام ١٨٥٤ ميلادية امتياز حفر قناة السويس. واشتركت مصر إبان حكمه في حربين: حرب القرم، وحرب المكسيك، وحكم مصر إلى أن توفي في يناير عام ١٨٦٣ ميلادية. ٥ - الخديوي إسماعيل بن إبراهيم بن محمد علي: ولد عام ١٨٣٠ ميلادية، وآلت إليه ولاية مصر عام ١٨٦٣ ميلادية، وحاول أن يسير على نهج جده محمد علي في تحديث مصر والاستقلال بها عن الإدارة العثمانية، ولكن بطريقة التودد ودفع الرشاوى لذوي القوة في الآستانة، فحصل بذلك على لقب خديوي مصر سنة ١٨٦٧ ميلادية. ومما يذكر من الأحداث المهمة التي وقعت إبان فترة حكمه أنه حصر وراثة العرش في أنجاله، وأنشأ دار الكتب في ٢٦ من سبتمبر ١٨٧٠ ميلادية، وعقد معاهدة مع بريطانيا عام ١٨٧٧ ميلادية لإبطال الرق ومنع الاتجار بالرقيق، وكافح تجارة الرقيق في السودان، ووسع أملاك مصر في أفريقيا، وافتتح قناة السويس للملاحة العالمية، ولم تكن الفترة الباقية من حكمه كما كانت سابقتها، بل زادت ديون مصر في عهده زيادة كبيرة، أدت إلى تدخل إنجلترا وفرنسا في شؤون مصر الداخلية بحجة حماية ديونها، وأدت سياسته المالية إلى أن عزله السلطان عبد الحميد الثاني بضغط من إنجلترا وفرنسا في يونيو عام ١٨٧٩ ميلادية، وتنصيب ابنه الآتي ذكره، محمد توفيق باشا خديويًا على مصر.

стр. 48

توفي الخديوي إسماعيل بن إبراهيم باشا بالآستانة، عام ١٨٩٥ ميلادية ودفن بالقاهرة. ٦ - الخديوي محمد توفيق بن إسماعيل باشا ابن إبراهيم بن محمد علي باشا: ولد عام ١٨٥٢ ميلادية، وخلف أباه إسماعيل خديويًا على مصر عام ١٨٧٩ ميلادية، قبل المراقبة الثنائية لفرنسا وبريطانيا على مالية مصر، ومما يذكر: أنه اندلعت في عهده في فبراير عام ١٨٨١ ميلادية أول وقائع الثورة العربية وهي حادثة قصر النيل، ثم واقعة ميدان عابدين في سبتمبر عام ١٨٨١ ميلادية، واحتلت بريطانيا مصر في عام ١٨٨٢ ميلادية، وكان هناك ما يسمى بالحكم الثنائي بين مصر والسودان بين عامي ١٨٨٤/ ١٨٨٥ ميلادية، وتوفي الخديوي محمد توفيق عام ١٨٩٢ ميلادية. ٧ - الخديوي عباس حلمي الثاني بن محمد توفيق بن إسماعيل باشا ابن إبراهيم بن محمد علي باشا: ولد عام ١٨٧٤ ميلادية، وكان أكبر أبناء الخديوي محمد توفيق، وتولى الحكم في يناير عام ١٨٩٢ ميلادية، وحاول أن ينتهج سياسة إصلاحية ويتقرب إلى المصريين، ويقاوم الاحتلال البريطاني، فانتهز الإنجليز فرصة بوادر نشوب الحرب العالمية الأولى، وكان وقتها إذ ذاك خارج مصر، فطلبوا منه عدم العودة إلى مصر، وفرضوا عليها الحماية رسميًا، وخلع الإنجليز الخديوي مقابل ٣٠٠٠٠ جنيهًا مصريًا ليترك ولاية البلاد في ديسمبر ١٩١٤، وتوفي بعد ذاك عام ١٩٤٤ ميلادية بسويسرا. ٨ - السلطان حسين كامل بن إسماعيل باشا ابن إبراهيم باشا ابن محمد علي باشا: ولد عام ١٨٥٣ ميلادية، وهو الابن الثاني لإسماعيل باشا، وأقامه

стр. 49

الإنجليز سلطانًا على مصر من ١٩ ديسمبر عام ١٩١٤ ميلادية، بعد خلع الخديوي عباس حلمي، وبهذا الإعلان من جانب الإنجليز صارت مصر تحت الحماية الإنجليزية. توفي السلطان حسين في أكتوبر عام ١٩١٧ ميلادية، عن ابن واحد هو الأمير كمال الدين حسين وقد تنازل هذا الابن عن حقوقه في تولي السلطنة (١). وبوفاة السلطان حسين كامل بن إسماعيل باشا، يكون إمامنا محمد البيومي أبو عياشة الدمنهوري كذلك قد أفضى إلى ربه، ولحق بخالقه، وتبين بعد هذه المذكرة التاريخية الأحداث السياسية التي عصفت بمصر، وظهر أثرها على مستقبل هذا البلد العامر، التي ولا شك لها أثر ظاهر على المستوى الاقتصادي والديني والثقافي، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. * * * _________ (١) انظر: في تاريخ مصر: التاريخ الإسلامي، للعلامة محمود شاكر (١٢)، وعلى الشبكة العالمية الإلكترونية: موقع تاريخ مصر الحديث، وذاكرة مصر المعاصرة.

стр. 50

المطلب الثاني: الحالة الثقافية والتعليمية لعصر المؤلف قام محمد علي باشا بوضع أولى لبنات التعليم الحديث في مراحله الابتدائية والتجهيزية والخصوصية، كما أنشأ المدارس الحربية والعسكرية والألسن، ومدرسة الطب ومدرسة الولادة ومدرسة الزراعة، كما عمد إلى إرسال البعثات العلمية إلى الخارج، وحاول أبناء محمد علي أن ينهضوا بالبلد، فمن ذلك أن شهدت البلد في عهد الخديوي إسماعيل أول مشروع فكري ظهر في مصر، والمسمى بلائحة رجب أو مشروع علي مبارك عام ١٨٦٧ ميلادية، ثم في عام ١٨٨٠ ميلادية تم إنشاء دار العلوم لتزويد المدارس بالصفوة من معلمي اللغة العربية، وفي عام ١٩٠٨ افتتحت الجامعات الأهلية. أما على صعيد المجامع العلمية والمراكز البحثية: ففي عهد محمد سعيد باشا تم إعادة بناء المجمع العلمي الذي أنشأه نابليون بونابرت عام ١٨٥٩ ميلادية، وفي عام ١٨٦٨ ميلادية ظهرت جمعية المعارف لنشر الثقافة بواسطة التأليف والطباعة والنشر، وظهرت الجمعية الجغرافية عام ١٨٧٥ ميلادية، وظهرت الجمعية الزراعية الملكية عام ١٨٨٠ ميلادية، وتم إنشاء مصلحة الإحصاء، التي اقترحت عمل أول إحصاء للسكان في أواخر عهد الخديوي إسماعيل، ثم تم إنشاء مصلحة المساحة لتهتم بأعمال العمران والأراضي الزراعية.

стр. 51

أما من ناحية الطباعة والصحافة: فلم تعرف مصر الطباعة إلا أثناء وجود الحملة الفرنسية بين عامي (١٧٩٨ - ١٨٠١) ميلادية، ثم شهدت مصر منذ تولى محمد علي الحكم عهدًا جديدًا حيث بدأت مظاهر التجديد الإداري والاقتصادي تظهر على الحياة في مصر، فكان على الوالي - محمد علي - أن يرى ضرورة متابعة ما يحدث في الأقاليم والمصالح على أن يقدم ملخصًا عنها في نهاية كل شهر، أطلق على هذا التقرير اسم "جورنال الخديوي" وكان يطبع بمطبعة القلعة، حيث كانت ترفع تقارير الأقاليم إلى ناظر عام يرسلها لديوان الجورنال العام لبحثها وعرضها على محمد علي، ثم يبلغ قرار الوالي إلى المجالس، وبذلك يعتبر جورنال الخديوي أقدم الصحف المصرية على الإطلاق، وتحول عام ١٨٢٨ ميلادية إلى صحيفة الوقائع المصرية التي تُعد أول صحيفة رسمية مصرية. * * *

стр. 52

المطلب الثالث: الحالة الاقتصادية لعصر المؤلف مر الاقتصاد المصري بمراحل عديدة عبر تاريخنا الحديث، ابتداءً من عصر محمد علي حيث ازدهرت الزراعة والصناعة، ثم حدثت أزمة الدين في مصر وقام الخديوي إسماعيل بإنشاء صندوق الدين، الذي نتج عنه قيمًا بعد إنشاء بنك مصر الدولي، كما اهتم محمد علي بالصناعة التي تطورت تطورًا كبيرًا في عهده والتي أصبحت ثاني عماد للدولة بعد التعليم بكافة أشكالها، وكان أول مصنع حكومي بمصر هو مصنع الخرنفش للنسيج، وكان ذلك في سنة ١٨١٦ ميلادية، ثم بدأت تتوالي المصانع سواء الحربية أو غيرها الأمر الذي أدى بمحمد علي إلى اتباع سياسة خاصة للنهوض بهذه المصانع بدأها أولًا باستقدام الخبراء والصناع المهرة من الدول الأوروبية، لتخريج كوادر مصرية من رؤساء وعمال وصناع وفنيين، ومن ثم إحلالهم محل الأجانب بالتدريج. أما من حيث تنمية القطاع الزراعي فقد أولى محمد علي الزراعة اهتمامًا كبيرًا فأقام مشروعات كبرى لتنظيم الري والمياه كالقناطر الخيرية وترعة المحمودية التي أمدت الإسكندرية بمياه النيل، وأدخل المحاصيل النقدية إلى مصر خاصة محصول القطن، وكذلك بعض المنتجات الأخرى المستخدمة في الصناعة. ثم حاول أبناء محمد علي أن يسلكوا مسلكه في محاولة اللحاق

стр. 53

بالحضارة الأوروبية، فقد شهدت البلاد في عهد الخديوي إسماعيل باشا نهضة تمثلت في الإصلاح الإداري، كما شهدت الصناعة والزراعة نهضة وازدهارًا كبيرًا في عهده. * * *

стр. 54

المطلب الرابع: الحالة الحضارية والفنية في عصر المؤلف تزخر مصر بالعديد من الأبنية والمنشآت المتنوعة، من مساجد وقصور وقلاع وحصون وفنادق ومدارس وجامعات ومتاحف وغيرها، لها تاريخ زاخر، وتحتفظ داخلها بذكريات لو تحدث بها ما سكت أبد الدهر، ولو كتب عنها المؤرخون والصحفيون لمَا توقفت أقلامهم، يحكون حكاية الإبداع والجمال. ولقد ظهرت في حياة المؤلف ﵀ بدايات الثورة والتجديد في عالم البناء، وتغيير نمط البنايات وطراز المسكن، حيث صار يوحي أو يقتبس من الطراز الفرنسي أو الأوروبي على وجه العموم ويقوم بالتصميم والإشراف مهندسون ومختصون أوروبيون جلبوا أو مكثوا في مصر لهذا العمل، ويظهر هذا جليًا مثلًا في جامع محمد علي باشا في قلعة الجبل، وقد فرغ من بنائه عام ١٨٦٠ ميلادية، ويظهر التجديد كذلك في وسط القاهرة بالعمارات الخديوية بشارع عماد الدين، التي يرجع تاريخ إنشائها إلى عام ١٩١١ ميلادية، على يد المعماري أنطونيو لاشاك، وهي من أوائل العمارات المتعددة الأدوار والمهيأة للأغراض السكنية، والتي شيدت في وسط البلد، ويتبع طرازها الأرت نوفو، وتمثل صرحًا لا مثيل له في العمارة المصرية الحديثة آنذاك. ومن ذلك عمارة أسيكيو رازيوني في وسط القاهرة، ومن ذلك أيضًا منزل أحمد عرابي باشا، والذي يعد تحفة معمارية رهيبة، وتحول فيما بعد إلى مستشفى باسم سترانجفورد.

стр. 55

أما من ناحية القصور الملكية والرئاسية فقد زخرت مصر بالعديد من القصور الملكية مثل: القصر العالي، قصر نازلي هانم، قصر إبراهيم باشا، قصر محمد علي، قصر النيل، قصر بنها، قصر النزهة، قصر القبة، قصر المغارة، سراي عابدين، سراي الحلمية، سراي الإلهامية، سراي الأزبكية، سراي إبراهيم باشا يكن، وغيرها كثير. فعلى سبيل المثال نجد قصر القبة وهو من أكبر القصور في مصر، وهو يستخدم حاليًا كمقر لنزول الضيوف الأجانب من رؤساء وغيرهم، وقد بناه الخديوي إسماعيل في أوائل ١٨٠٠ ميلادية، ويبعد عدة كيلومترات شمال وسط القاهرة، وكانت تحيط به الحقول الزراعية والقرى الريفية ثم تحول إلى أحد قصور رئاسة الجمهورية بعد ثورة يوليو ١٩٥٢ ميلادية. وأيضًا قصر عابدين، وهو من أهم وأشهر القصور التي شيدت خلال حكم أسرة محمد علي باشا لمصر، فقد كان القصر مقرًا للحكم من عام ١٨٧٢ ميلادية، حتى عام ١٩٥٢ ميلادية، وقد شهد خلالها القصر أهم الأحداث التي كان لها دور كبير في تاريخ مصر الحديث والمعاصر. وكان الخديوي إسماعيل قد أمر ببناء قصر عابدين فور توليه الحكم في مصر عام ١٨٦٣ م، ويرجع اسم القصر إلى "عابدين بك"، أحد القادة العسكريين في عهد محمد علي باشا وكان يمتلك قصرًا صغيرًا في مكان القصر الحالي، فاشتراه إسماعيل من أرملته وهدمه، وضم إليه أراضي واسعة ثم شرع في تشييد هذا القصر العظيم وغيرها من القصور. أما من حيث المتاحف وقيمتها الفنية، ومدى حرص حكام مصر على إبراز هذا الجانب فيعكسه كثرة وتنوع المتاحف وتعدد اتجاهاتها، حيث تحفل بمصر بالعديد من المتاحف، منها: المتحف المصري، المتحف الحربي، المتحف اليوناني والروماني، متاحف قصر عابدين، متحف الأسلحة، متحف الأوسمة والنياشين، متحف الفن الإسلامي وغيرها. فالمتحف المصري: أنشأته مصلحة الآثار المصرية عام ١٨٣٥ ميلادية، وأقيم أول متحف لحفظ الآثار المصرية في القاهرة في مبنى صغير في

стр. 56

حديقة الأزبكية، ثم نقلت الآثار إلى قلعة صلاح الدين، ثم أهداها الخديوي عباس إلى ولي عهد النمسا عام ١٨٥٥ ميلادية، وفي عام ١٨٥٨ ميلادية أقام "ماريبت" وكان مديرًا لمصلحة الآثار متحفًا آخر صغيرًا على شاطئ النيل في بولاق، ثم نقلت الآثار مرة أخرى إلى الجيزة عام ١٨٩١ ميلادية. بدأ العمل في المتحف الحالي عام ١٨٩٧ ميلادية، وتم افتتاحه عام ١٩٠٢ ميلادية في عهد الخديوي "عباس حلمي الثاني"، وقد صمم بناء المتحف المهندس الفرنسي مارسيل دور نون على الطراز الكلاسيكي المحدث، واستخدمت الخرسانة المسلحة لأول مرة في البناء بمصر. أما المتحف الحربي: فيعد من المتاحف المصرية المتخصصة، ويأتي في الصدارة بين المتاحف الحربية العالمية، بمقاييس الثراء الشامخ للمجموعات التي يتضمنها، ويرجع تاريخ المبنى إلى عصر محمد علي، ومؤسس المتحف الحربي الملك فؤاد الأول ابن الخديوي إسماعيل. أما من حيث فنون التمثيل والمسرح والأوبرا، والذي عرف في أكتوبر عام ١٨٤١ ميلادية، واعتبرت الأوبرا القديمة في القاهرة هي الأولى في قارة أفريقيا، واعتبر مسرحها واحدا من أوسع مسارح العالم رقعة واستعدادا وفخامة، وقد لاقت عروض الأوبرا في تلك الفترة نجاحًا علي المستوى الفني، وفي عام ١٨٦٩ أقام الخديوي إسماعيل أول أوبرا في مصر وذلك لاستقبال أمراء أوروبا الذين يشاركون في افتتاح قناة السويس، وأول أوبرا عرضت هي أوبرا عايدة التي ألفها عالم الآثار الفرنسي مريت باشا آنذاك.

стр. 57

المبحث الرابع: التعريف بالكتاب وفيه ستة مطالب: المطلب الأول: توثيق الكتاب. المطلب الثاني: أهمية الكتاب. المطلب الثالث: مصطلحات الكتاب. المطلب الرابع: مصادر الكتاب والتعريف الموجز بها. المطلب الخامس: منهج الكتاب. المطلب السادس: تقييم الكتاب. * * *

стр. 58

المطلب الأول: توثيق الكتاب حين يبدأ الطالب في دراسة وتحقيق كتاب معين لعالم ما فإنه لا بد وأن يتأكد من صحة نسبة الكتاب لمؤلفه، ورضاه عنه، واقتناعه به، حتى ينسب ما فيه إليه، ويتحمل تبعاته من الثناء والمدح والتصحيح والقدح، وأنا أرجح بعلمي المتواضع أن كتاب العقد المفرد في الفقه على مذهب الإمام المبجل أحمد بن حنبل، هو للعلامة الشيخ محمد البيومي بن محمد بن أبي عياشة بن علي بن حسن الهاشمي الدمنهوري، المولود عام ١٢٦٣ والمتوفى عام ١٣٣٥ بدمنهور بمصر. وأرجح أنه خطه بيده ونقحه وهذبه ورضي عنه، وأخرجه بخط نسخي جميل، يسر الناظرين ويمتع الباحثين، وسبب الجزم بهذه النسبة أمور عديدة: أحدهما: أن المؤلف ﵀ نسب هذا الكتاب لنفسه في المسودة والمبيضة من مقدمة الكتاب، حيث بيَّن اسمه كاملًا، ومذهبه الفقهي، والحافز لتأليف الكتاب، وحاجة الحنابلة إليه في مكانه وزمانه، ومصادره التي سيعتمد عليها في النقل والتوثيق والإحالة. ثانيًا: نسبة هذا الكتاب في فهارس المخطوطات إلى المؤلف، حيث نص فهرس مكتبة روضة خيري بمصر على نسبة الكتاب لمؤلفه، وكذلك فهرس مكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، نقلًا عن فهرس مكتبة روضة خيري بمصر.

стр. 59

ثالثًا: أن من جمع أسماء المخطوطات وأماكن تواجدها ووصف حالتها نسب الكتاب إلى المؤلف، حيث نص القاضي الدكتور ناصر السلامة حفظه الله على نسبة الكتاب لمؤلفه في كتابه القيم: معجم فهارس مخطوطات الفقه الحنبلي وأصوله في المملكة العربية السعودية. رابعًا: جمع من المعاصرين حققوا رسائل علمية للمؤلف وذكروا من تراثه المخطوط الذي اطلعوا عليه كتابنا هذا: العقد المفرد. ومن خلال ما سبق يتبين بجلاء صحة نسبة الكتاب والعنوان لمؤلفه وبالله التوفيق. * * *

стр. 60

المطلب الثاني أهميه الكتاب ومميزاته لهذا الكتاب أهمية عظيمة بين الكتب عامة، وبين الكتب الفقهية خاصة، وبين الكتب الحنبلية بوجه أخص. وذلك لأن الكتاب يعظم قدره وتكبر فائدته ويسمو شرفه بقدر ما فيه من الهدى والعلم والحكمة والبينات، شأنه شأن العلم، إذ تتفاوت العلوم أهمية بتفاوت شأن المعلوم، فكذلك الكتب لأنها خزانات العلوم، وأنفاس العلماء، وأرواحهم يسكبونها في مدادها. والفقه أهميته كبيرة ومنزلته عظيمة في الدين، ولذلك كان النبي ﷺ يحث ويحض صحابته الكرام على التفقه والتعلم ويقول: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة"، ولما للفقه من مكانة كبيرة ومنزلة سامية عظيمة فقد كان النبي ﷺ يدعو بالفقه لمن يحب ويعلم حرصه على العلم، قال ابن عباس ﵁: دخل النبي ﷺ الخلاء، فوضعت وضوء للنبي ﷺ ، فلما خرج قال النبي ﷺ "من وضع هذا؟ "، فقيل: ابن عباس، فقال النبي ﷺ : "اللَّهم فقهه في الدين"، وفي رواية: "اللَّهم علمه الكتاب" (١). وللفقه أثر عظيم في بيان محاسن الشريعة، وكلها محاسن، ولذلك أثنى النبي ﷺ على الفقهاء الذين يقتدون بالسنة والتوسط والاعتدال _________ (١) أخرجه مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل عبد الله بن عباس، برقم (٢٤٧٧).

стр. 61

في قوله: "إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة" (١). ثم إن الكتاب بين الكتب الفقهية المذهبية قيم وجليل، وذلك أن التأليف المذهبي يثري المذهب، وينقح أقوال مجتهديه، ويصحح قواعده، ويطرح الشاذ والضعيف، فكلما استمرت حركة التأليف، استمرت حركة التحقيق والتنقيح والتصحيح، وهذا الخلاف المذهبي ليس من اختلاف التضاد وهو الاختلاف المذموم الممنوع، بل هو من الخلاف المحمود المبني على التنوع، المبني على الاجتهاد الدائر بين الأجر والأجرين، قال تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ (٢)، ويقول النبي ﷺ : "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد" (٣)، إذ إن كل إمام نص على أن فتياه ما وافقت الدليل وتابعت السنة، وإن خالف قوله قول رسول الله ﷺ فالقول ما قال رسول الله ﷺ . ثم إن الكتاب بين أشقائه الكتب الأخرى في المذهب الحنبلي جليل القدر، عظيم النفع، إذ حرص مؤلفه ﵀ على أن يتميز كتابه بمميزات تجعله مرغوبًا مطلوبًا. وهذه المميزات كثيرة عديدة، وهي: أولًا: أن المؤلف لخص المذهب وجمع في كتابه الفروع المتناثرة في بوتقة وطاقة واحدة، متناسقة متناسبة مؤتلفة مؤتلقة، جاذبة للمبتدئين وقريبة من المتوسطين وموثقة للمنتهين. ثانيًا: أنه نقل رأي المتأخرين من محققي المذهب في المسائل والروايات التي اختلف النقل فيها عن الإمام، أو اختلف فيها اجتهاد _________ (١) أخرجه مسلم، كتاب الجمعة، باب التغليظ في ترك الجمعة، برقم (٨٦٩). (٢) (النحل / ٦٩). (٣) أخرجه البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، برقم (٦٩١٩).

стр. 62

المتقدمين والمتوسطين من الأصحاب، فبذلك صح أن يعتمد هذا الكتاب في حكاية المذهب، كما يعتمد على الروض المربع وكشاف القناع ومنتهى الإرادات والوجيز والغنية والمغني وغيرها من الكتب المعتمدة في حكاية المذهب. ثالثًا: أن المؤلف اعتمد في كتابه طريقة الجمع بين كتابين، وهو نوع فريد من التأليف، وظاهرة تستحق أن تدرس، ويمعن فيها النظر، حيث حظي المذهب الحنبلي في عصور المتأخرين بالجمع بين الكتب، فمثلًا العلامة أحمد الشويكي، يجمع بين كتابي المقنع لابن قدامة والتنقيح المشبع للمرداوي في كتابه التوضيح، والعلامة العسكري جمع بين المقنع والتنقيح في كتابه التصحيح لكنه لم يتمه، وقيل: إن الشويكي أتم النقص في التوضيح والله أعلم، وجاء ابن النجار الحنبلي فكتب منتهى الإرادات في الجمع بين المقنع والتنقيح وزيادات، وجاء عالمنا وجمع بين الروض المربع ونيل المآرب في كتابه العقد المفرد في مذهب الإمام المبجل أحمد بن حنبل. رابعًا: من مزايا هذا الكتاب أنه جمع الفقه كله، من أوله إلى آخره، فلم يكتف بدراسة مسألة أو فصل أو باب أو كتاب، بل جمع كتب الفقه كلها بين دفتي كتابه بأسلوب سهل متجانس قريب، فأصبح مقصدًا للراغبين والمتعلمين. خامسًا: عناية المؤلف ﵀ بذكر النوادر والغرائب من المسائل، وفي هذا النوع من التأليف عدة فوائد إذا خلا من التكلف والتعمق والتعقيد، وذلك لما فيه من ترويض لعقل الفقيه، وتعويده على السبر والتقسيم والتحليل، ومن ثم تكييف المسألة والحكم عليها، وذكر النوادر والغرائب يبين مدى حرص علماء الدين وحملة الشريعة على استباق الزمان لبيان الأحكام، ووضع الحلول للناس قبل وقوعهم في المشكلات والمعضلات، وبهذا يظهر مدى ملائمة الشريعة لحاجات الناس، وسعتها ومرونتها أعظم من أن يضيق بها الناس، وانظر على سبيل المثال لا الحصر الصفحات التالية: (١٣١/ ١٣٧/ ٥٧٨).

стр. 63

سادسًا: تجانس الألفاظ في الجملة، وسبكها وبعدها عن التعقيد والتكلف الذي يحيل المعنى في الجملة، فالكتاب لا يستغني عنه الراغب المبتدي، ولا المحقق المنتهي. سابعًا: عناية المؤلف ﵀ بذكر مجموعة من القواعد والضوابط والكليات الفقهية، كلما سنحت الفرصة ودعت الحاجة، وشأن هذه القواعد الفقهية أن تجمع المتفرق وتلم المتناثر، وتضم المتجانس وتقرب البعيد، وكلما كثر إيرادها كانت الفائدة أعم، والنفع أكثر، وهي للفقيه دليل أو كالدليل، وانظر على سبيل المثال لا الحصر الصفحات التالية: (١٦٢/ ٤٠٠/ ٤٠٤/ ٤١٥). ثامنًا: عناية المؤلف ﵀ بذكر دقائق الفروقات الفقهية، بين أنواع العبادات والمعاملات المتشابهة، والعناية بذكر الفروقات تعني رسوخ القدم في العلم، وطول الباع في الفقه، إذ من الفقهاء من تمر عليه الفروقات مرور الكرام، ومنهم من يسبرها ويحللها، وهنا تظهر حدة الفهم ودقة النظر والإحساس المرهف، وانظر على سبيل المثال لا الحصر: (١٣٦/ ١٦٢). تاسعًا: خصص المؤلف بابًا جامعًا في المعاملات، جمع فيه العقود وأحكامها الفقهية المتشابهة، وشأن هذا الجمع أن يقرب البعيد ويجمع المتفرق، وانظر صفحة: (٣٨٦). عاشرًا: عناية المؤلف ﵀ بذكر التعليل العقلي والتبرير المنطقي، للحكم الفقهي وهكذا شأن الفقيه، أن يجمع في استدلاله بين صحيح المنقول وصحيح المعقول، فيكون حديثه ورأيه أمضى من حد السيف، وأسطع من شعاع الشمس، وكثيرًا ما عانى الناس من فقيه لا ينظر إلى روح النص ومعناه الشامل، أو فقيه يعتمد الرأي والتحسين والتقبيح العقلي، فيضرب برأيه النصوص، والحق أن يعمل فكره في النص ثم يجمع إليه ما يوافقه من الفقه والرأي الصحيح. حادي عشر: عناية المؤلف ﵀ بذكر أنواع عديدة من الحيوانات والنباتات والطوائف والأمراض والصنائع والمواضع والمعادن، مما له أثر في

стр. 64

الحكم ويختلف باختلافه، مما يدل على عنايته بالجانب الحضاري - كغيره من الفقهاء - الذي يقترب من معايشة واقع الناس، وتلمس حاجاتهم ومعرفتها، وانظر إلماحًا لما ذكر في جميع الحواشي السفلية للبحث تجد حشدًا عظيمًا مما ذكر. ثاني عشر: يظهر في الكتاب بجلاء عناية المؤلف - رجمه اللهُ - بتعريف المصطلحات الفقهية، إذ عنى الفقهاء بالحدود الفقهية، وشرط الطرد والعكس في التعريف وبيان المحترزات، حيث إنه إذا تصور الحد بشكل صحيح كان الحكم صحيحًا؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وبلغ عدد الحدود التي عرفها المؤلف أكتر من مائتي حد. ثالث عشر: عناية المؤلف ﵀ بالحصر والعدد، كلما مرت به الشروط والأسباب والأركان والواجبات والنواقض والسنن والمكروهات، وشأن هذه الطريقة النبوية الفريدة أن تجمع الكثير في اللفظ اليسير. رابعة عشر: عناية المؤلف ﵀ بذكر الأحكام الاعتقادية في أصول الدين، بدءًا من الصغيرة وانتهاءً بالكفر القولي والعملي والاعتقادي، وفي هذا فائدة عظيمة وهي أن الفقهاء لا يهملون جانب الاعتقاد في أصول الدين، بل يرون الدين قولًا وعملًا، وأن العمل يؤثر في القوله، والقول يؤثر في العمل طردًا وعكسًا، وانظر على سبيل المثال لا الحصر الصفحات: (٣٣٦/ ٥٢١/ ٦٩٠). خامس عشر: عناية المؤلف ﵀ بذكر الأعذار والحالات الطارئة، التي تخالف الحكم المنصوص، وهذا نصف العلم من وجهة نظري، وذلك أن من الأحكام الشرعية ما يخص الأصحاء وكاملي الأهلية، وهذا نصف العلم، ومنها ما يخص ناقصي وفاقدي الأهلية، فمن هذا التقسيم والنسبة، صح أن يكون العلم بالأعذار نصف العلم، وقد وقفت على ما يقرب من (١٩٩) عذرًا ذكرها المؤلف تباعًا أثناء عرضه للمسائل، لعل الله أن يعين على إخراجها في دراسة فقهية مستقلة.

стр. 65

سادس عشر: عناية المؤلف ﵀ بذكر تقديم وتوطئة وتمهيد للباب التالي في نهاية الباب السابق، وبهذا تظهر حسن الصناعة الفقهية، والتمكن من التعامل مع الألفاظ والأحكام، وهذا أمر في غاية الحسن والجمال والإبداع، وانظر مثالًا لهذا كما في نهاية كتاب البيع وبداية كتاب الخيار، ونهاية ميراث أهل الملل وبداية ميراث المطلقة. * * *

стр. 66

المطلب الثالث: مصطلحات الكتاب لكل مؤلف نهج وطريقة تميزه ومصطلحات تخصه، وهي كالمفتاح للاستفادة من الكتاب، وللمؤلف ﵀ مصطلحات في الأعلام والكتب وذكر الخلاف المذهبي والخلاف المذاهبي، والمؤلف ﵀ لم يبين في مقدمته مراده من المصطلحات التي عبَّر عنها، لكن هذا الأمر لا يعتبر إشكالًا كبيرًا في تعيين المراد من الأعلام والكتب أو حكاية الخلاف المذهبي أو المذاهبي؛ لأن الكتاب لما كان يعنى بالفقه الحنبلي، وكانت مصادر الكتاب معتمدة في حكاية المذهب، وكان نسق الأبواب التي رتبها المؤلف على طريقة الحنابلة، فإننا نجزم أن المصطلحات التي أطلقها المؤلف لم يقصد منها إلا ما يقصده الحنابلة في مذهبهم. فمثلًا: ذكر المؤلف من العلماء ابن عبد القوي، وابن عقيل، والشيباني، والبهوتي، وتقي الدين، فهذه اختصارات لأسمائهم وأعلامهم، التي يعرفون بها داخل المذهب، حيث يقصد بابن عبد القوي: العلامة محمد بن عبد القوي بن بدران المقدسي المرداوي، وستأتي ترجمته. ويقصد بابن عقيل: أبي الوفاء، العلامة أبي علي بن عقيل بن محمد البغدادي، وستأتي ترجمته. ويقصد بالشيباني: العلامة أبي عمر عبد القادر بن عمر التغلبي، حيث لم ينص على أنه المراد، لكنه اقتبس الفعل بلفظه من نيل المآرب، من دون الإحالة على المصدر فتبين أنه المراد. ويقصد بالبهوتي: الإمام العلامة مصحح المذهب، منصور بن يونس

стр. 67

البهوتي، وستأتي ترجمته لاحقًا. ويقصد بتقي الدين: شيخ الإسلام، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني. ويقصد بالأسماء المختصرة للكتب التي أحال عليها الكتب الحنبلية المشهورة: فيقصد بالمنتهى: منتهى الإرادات في الجمع بين المقنع والتنقيح وزيادات، لابن النجار محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي الفتوحي الحنبلي. ويقصد بالوجيز: كتاب الوجيز على مذهب الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، للعلامة أبي عبد الله الحسين بن يوسف الدجيلي الحنبلي. ويقصد المؤلف بكتاب الإقناع: الكتاب الموسوم بالإقناع لطالب الانتفاع، للعلامة شرف الدين موسى بن أحمد الحجاوي، وشرحه كشاف القناع للعلامة منصور بن يونس البهوتي. ويقصد المؤلف بالمغني: الكتاب العظيم الموسوم بالمغني شرح مختصر الخرقي، للإمام موفق الدين أبي محمد بن قدامة المقدسي. ويقصد المؤلف بالتنقيح: كتاب التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع، للعلامة القاضي علاء الدين علي بن سليمان المرداوي. ويقصد المؤلف بالغنية: كتاب الغنية لطالبي طريق الحق ، للإمام عبد القادر الجيلاني ﵀. أما المسائل الفقهية ذات الأقوال المختلفة والأوجه المتعددة فإن المؤلف يشير إلى الخلاف داخل المذهب، ويؤيد الراجح وما استقرت عليه الفتيا بقوله: والأولى والأحوط والأفضل، وإذا لم يترجح له رأي في المسألة يقول: ففيه خلاف. ثم إن هذا المتن ليس مقصودًا منه الفقه المقارن ولا حكاية المسائل الخلافية، حيث لم يتطرق المؤلف ﵀ للمسائل الخلافية إلا في ثلاثة مواضع: أولها: مسألة نقض الوضوء بمس الفرج. وثانيها: إقامة الصلاة جماعة في مسجد له إمام راتب. وثالثها: نسيان التسمية حين الذبح، والنكاح بلا ولي. وقمت بتحرير الخلاف وبيان محل النزاع، وانظر الصفحات: (١٢٩/ ١٦٩/ ٥٧٨/ ٦٥٧)، وبالله التوفيق.

стр. 68

المطلب الرابع: مصادر الكتاب والتعريف الموجز بها للكتاب مصدران أساسيان نص عليهما المؤلف ﵀ في مقدمته، وهناك كتب أخرى اقتبس منها المؤلف ومن ثم أحال عليها: الكتاب الأول: الروض المربع شرح زاد المستقنع، الشرح للعلامة منصور البهوتي، والمتن للعلامة شرف الدين موسى الحجاوي، الذي اختصر فيه متن المقنع، للشيخ موفق الدين بن قدامة المقدسي، والبهوتي وضع عبارة الزاد بين قوسين ثم يشرحها مع المتن من حيث المعنى فاصلًا إياه لفظًا بجعله بين قوسين ويذكر المؤلف شيئًا من الأحكام النقلية والعقلية ويورد بعض العلل للأحكام، وعده العلامة بكر أبو زيد ﵀ ضمن الكتب المعتمدة والموثوقة في حكاية المذهب (١). والكتاب الثاني: نيل المآرب شرح دليل الطالب، الشرح للعلامة عبد القادر التغلبي، والمتن للعلامة مرعي بن يوسف الكرمي المتوفى عام ١٠٣٣ هـ، وانتقد هذا الشرح العلامة ابن بدران الدمشقي في المدخل، ونقل هذا النقد العلامة بكر أبو زيد ﵀، في المدخل المفصل بأنه شرح لم يبين ويجلي مراد المؤلف ومقصوده، لكن للشرح حاشيتان جليلتا القدر تممتا نقصه: _________ (١) انظر: المنهج الفقهي العام لعلماء الحنابلة (٣٤٨)، والمدخل المفصل في فقه الإمام أحمد (٧٧١/ ١٠٢٧).

стр. 69

الأولى: للشيخ مصطفى الدوماني، المتوفى عام ١٢٠٠ هـ. والثانية: تيسير المطالب إلى فهم وتحقيق نيل المآرب شرح دليل الطالب، للعلامة عبد الغني اللبدي، المتوفى عام ١٣١٩ هـ (١). والكتاب الثالث: منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح وزيادات، للعلامة المحقق تقي الدين محمد بن أحمد الفتوحي الحنبلي المصري الشهير بابن النجار المتوفى عام ٩٧٢ هـ، جمع فيه مؤلفه بين كتابي المقنع لابن قدامة وكتاب التنقيح المشبع لتحرير أحكام المقنع للمرداوي، وسبب تأليف الكتاب أن التنقيح غير مستغن عن أصله فمن عنده المقنع يحتاج إلى التنقيح وبالعكس فاستخار المؤلف - كما يحكي عن نفسه، وما خاب من استخار - فجمع مسائل الكتابين في كتاب واحد وسماه: منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح وزيادات (٢). والكتاب الرابع: التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع، للعلامة القاضي علاء الدين علي بن سليمان السعدي المرداوي الصالحي المتوفى عام ٨٨٥ هـ، ذكر مصنفه أنه اختصره من كتابه الجليل الإنصاف ليرجح ما أطلق الموفق فيه الخلاف في كتاب المقنع أو يصحح ما ذكر أنه المذهب وهو غير الراجح من المذهب أو ما أخل به من شرط أو قيد صحيح في المذهب، قال المرداوي: فإذا وجدت في هذا الكتاب لفظًا أو حكمًا مخالفًا لأصله فاعتمده، فإنه وضع عن تحرير وهو موافق للإنصاف وتصحيح الفروع للمؤلف، وهو مطبوع في مجلد (٣). والكتاب الخامس: المغني شرح مختصر الخرقي، لموفق الدين بن قدامة المقدسي، ويعتبر كتابه من أعظم الكتب ليس في المذهب الحنبلي _________ (١) انظر: المدخل المفصل (٧٩١ - ٧٩٥). (٢) انظر: المنهج الفقهي العام لعلماء الحنابلة (٣٤٣)، والمدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد (٢/ ٧٧٩). (٣) انظر: المدخل المفصل (٧٣١).

стр. 70

فقط، بل في الفقه الإسلامي، يذكر فيه مؤلفه نص المسألة من المختصر، ثم يشرحها ثم يذكر روايات مذهب أحمد ثم يذكر أقوال المذاهب، ثم يقوم المؤلف بالترجيح، والمؤلف في هذا يتوسع في ذكر الفروع، ويزيد على مسائل الخرقي ما يشبهها مما ليس مذكورًا في المختصر، ويقوم بعزو الأخبار إلى كتب الحديث المصنفة، قال العز بن عبد السلام: ما رأيت في كتب الإسلام مثل المحلى لابن حزم والمغني للشيخ موفق الدين في جودتهما وتحقيق ما فيهما (١). والكتاب السادس: الإقناع لطالب الانتفاع، للعلامة شرف الدين موسى بن أحمد بن موسى بن سالم أبو النجا الحجاوي المقدسي، المتوفى عام ٩٦٨ هـ، وقد ذكر العلامة بكر أبو زيد أن هذا الكتاب مستل من كتاب المستوعب للسومري المتوفى ٦١٦ هـ، وقد شرحه العلامة منصور البهوتي في كشاف القناع، والكتاب مختصر يذكر مؤلفه الأحكام مجردة من الأدلة ولا يورد التعليل لكنه يرجح ما رجحه محققو المذهب (٢). والكتاب السابع: الفروع، للإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي، المتوفى عام ٧٦٢ هـ، ولقي هذا الكتاب الكثير من المدح والثناء من قبل العلماء، وقد شرحه ابن العماد الحنبلي في المقصد المنجح لفروع ابن مفلح، والمؤلف لا يقتصر على ذكر المذهب بل يذكر من يوافق المذهب أو يخالفه، وهو مجرد من الأدلة وإذا اختلف الترجيح يطلق الخلاف، وإذا حكى المذهب فإنه يحكيه بلفظ الصحيح والأصح والمشهور والأشهر والمذهب (٣). _________ (١) انظر: المنهج الفقهي العام (٣٢٦)، والمدخل المفصل (٦٩٤)، ومصطلحات الفقه الحنبلى (٣٠٧). (٢) انظر: المنهج الفقهي العام لعلماء الحنابلة (٣٤١)، والمدخل المفصل في فقه الإمام أحمد (٧٦٥). (٣) انظر: المنهج الفقهي العام لفقهاء الحنابلة (٣٢٩)، ومصطلحات الفقه الحنبلي (٣١٠)، والمدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد (٧٥٤).

стр. 71

والكتاب الثامن: الوجيز في مذهب الإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، للعلامة سراج الدين أبي عبيد الله الحسين بن يوسف الدجيلي الحنبلي، المتوفى عام ٧٣٢ هـ، والكتاب لقيمته العلمية الجليلة حظي بشرح العلامة بهاء الدين الزركشي، وأحمد بن عبد العزيز المعروف أيضًا بابن النجار وحشا عليه بعض العلماء ونظمه بعضهم، وهو كتاب مذهبي، يعتمد ذكر الراجح من المذهب، ولا يعرج على ذكر الأدلة العقلية والنقلية (١). والكتاب التاسع: الغنية لطالبي طريق الحق ، وهو كتاب جليل القدر، وقد جاء فريدًا في تأليفه؛ إذ ذكر فيه مؤلفه ﵀ ثلاثة علوم تهم القارئ المسلم، فابتدأ بالفقه وذكر أبواب العبادات، ثم ثنى بذكر العقائد والفرق الإسلامية، ثم ثلث بذكر الأخلاق والآداب الإسلامية والمواعظ الحسنة، المأخوذة من القرآن والسنة في الجملة، وعلى الكتاب حواشٍ في تخريج الأحاديث والحكم عليها (٢). _________ (١) انظر: المنهج الفقهي العام لعلماء الحنابلة (٣٢٨)، والمدخل المفصل في فقه الإمام أحمد (٧٤٨). (٢) طبع الكتاب في مجلدين في أربع وسبعمائة صفحة بتحقيق الشيخ: صلاح محمد عويضة، وطبع دار الكتب العلمية بلبنان، عام ١٩٩١ ميلادية.

стр. 72

المطلب الخامس: منهج الكتاب من خلال تتبع كتابنا العقد المفرد تظهر بجلاء طريقة المؤلف المتسقة والمؤتلفة، من أول الكتاب إلى آخره، ويظهر ذلك فيما يلي: أولًا: عرف المؤلف ﵀ في أول مقدمته بنسبه ومولده ومذهبه، انظر صفحة: (١٠٧). ثانيًا: نص المؤلف ﵀ على سبب تأليفه للكتاب ومدى الحاجة الماسة إليه، وانظر صفحة: (١٠٧). ثالثًا: نص المؤلف ﵀ على جلالة مذهب أحمد، وقوته في الاستدلال، وتبنيه المسلك الأحوط في كثير من الأحوال، وانظر صفحة: (١٠٧). رابعًا: ذكر المؤلف ﵀ المراجع الرئيسية التي سينقل منها، ويحيل عليها، وانظر صفحتي: (١٠٨). خامسًا: قسم المؤلف كتابه إلى كتب، وجعل تحت الكتب أبوابًا، وجعل تحت الأبواب فصولًا، لكنه ختم بابين فقط بتنبيه، وهما: سنن الصلاة ومكروهاتها وباب الجمعة، وختم الكتاب بتتمة، وانظر تباعًا (١٨١/ ٢٢١/ ٧١٤). سادسًا: اقتبس المؤلف ﵀ من كتاب نيل المآرب طريقة التبويب

стр. 73

والترتيب، واقتبس من كتاب الروض المربع طريقة عرض المسائل وذكر الخلاف المذهبي، والإحالة على كتب المذهب التي تحكي الراجح من الخلاف. سابعًا: يلتزم المؤلف بالتعريف بالمصطلح الفقهي للباب أو الكتاب غالبًا، دون التعريف اللغوي، إلا في كتابين كتاب الصلاة والمناسك، وانظر صفحتي: (١٥٢/ ٢٨٥). ثامنًا: يعتمد المؤلف ذكر الخلاف المذهبي في أربع وستين مسألة، اختلف النقل فيها عن الإمام، أو اختلف فيها اجتهاد الأصحاب، لقوة أدلتها، أو اختلاف أوجه النظر فيها، وانظر الصفحات: (٤٠١/ ٤٠٣/ ٤٩٧) وغيرها. تاسعًا: لم يعتمد المؤلف ذكر الخلاف خارج المذهب إلا في أربع مسائل، مسألة نقض الوضوء بمس الذكر، ومسألة إقامة الصلاة جماعة بمسجد فيه إمام راتب، ومسألة النكاح بلا ولي، ومسألة نسيان التسمية على الذبيحة حين التذكية، وانظر الصفحات: (١٢٩/ ١٦٩/ ٥٧٨/ ٦٥٨). عاشرًا: يعمد المؤلف إلى ذكر الأوصاف التي تتفق مع الحكم، ثم يثني بذكر الأوصاف التي تخرج عن القاعدة، والأحوال الطارئة. الحادي عشر: يعمد المؤلف إلى تعريف مصطلحات فقهية تمر به عرضًا، لكنه يعرفها تعريفًا تقريبيًا. الثاني عشر: يعمد المؤلف إلى ذكر العديد من أنواع الحيوانات والنباتات والأمراض والمعادن والصنائع والمواضع، التي من شأنها أن تثري الفروع الفقهية، وشأن الحكم أن يختلف باختلاف الحال والزمان والمكان. الثالث عشر: اعتنى المؤلف ﵀ عناية خاصة بذكر القواعد الفقهية والضوابط والكليات، التي من شأنها أن تجمع العلم وتختزله وتختصره. الرابع عشر: ينص المؤلف ﵀ على ذكر نوادر المسائل، وغرائب الواقعات، التي من شأنها أن تحرك عقل الفقيه، وتوسع من أفقه.

стр. 74

الخامس عشر: في الغالب أن المؤلف ﵀ يختم كل باب بتوطئة وتمهيد للباب الذي يليه، وهذا من حسن الصنع وإتقان العمل. السادس عشر: كتب المؤلف ﵀ كتابه على اصطلاح المتقدمين في قواعد الإملاء، مع أنه من علماء القرن الرابع عشر الهجري، فكان يكثر من التسهيل وحذف الهمز، تتبعًا لطريقة المتقدمين، وقد أثبت الكلمات على حسب القواعد الإملائية الحديثة.

стр. 75

المطلب السادس: تقييم الكتاب الكتاب متميز من حيث ما سبق ذكره من المميزات العديدة، لكن الكتاب جهد بشري يعتريه الخلل والنقص، كما يعتري كاتبه، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ (١)، وأبى الله تعالى العصمة لشيء من الكتب إلا لكتابه، قال تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ (٢). فمن الأمور التي أرى أنها لو أضيفت إلى الكتاب لكان أجمل وأمتع مما هو عليه: أولًا: عند تصفح الكتاب يتضح تأثر المؤلف ﵀ باللغة العربية القديمة، وبعده عن لغة معاصريه ومفرداتهم ومصطلحاتهم، والكتاب ألف حسب تأريخ مؤلفه عام ١٣٣٠ هـ، ولو أن المؤلف جمع مادة الكتابين وصاغها بلغة معاصرة قريبة، أو على صورة مواد فقهية لكانت فيما يبدو من وجهة نظري أجدى وأنفع، وأبعد عن التعقيد، وأقرب لذهن القارئ، والله أعلم. ثانيًا: إغفال المؤلف ﵀ لذكر المسائل المعاصرة، والتمثيل بالمخترعات الحديثة، وقد ذكر ﵀ من المسائل المعاصرة مسألة الصيد _________ (١) (الروم: ٥٤). (٢) (فصلت: ٤٢).
следующие страницы →