← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12031

صفة الصفوة

ابن الجوزي

Полный текст (1 666 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

ومن الطبقة الخامسة من أهل المدينة ١٨٦- جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ﵈ . يكنى أبا عبد الله أمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق كان مشغولا بالعبادة عن حب الرياسة. وعن عمرو بن أبي المقدام قال كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمد علمت انه من سلالة النبيين. وعن مالك بن انس قال قال جعفر بن محمد لسفيان الثوري يا سفيان إذا أنعم الله عليك بنعمة فأحببت بقاءها ودوامها فاكثر من الحمد والشكر عليها فإن الله قال في كتابه ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] وإذا استبطأت الرزق فاكثر من الاستغفار فإن الله تعالى قال في كتابه ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ [نوح: ١٠-١٢] يعني في الدنيا ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ﴾ [نوح: ١٢] في الآخرة يا سفيان إذا حزبك أمر من سلطان أو غيره فاكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها مفتاح الفرج وكنز من كنوز الجنة.

стр. 527

وعن ابن أبي حازم قال كنت عند جعفر بن محمد إذ جاءه آذنه فقال سفيان الثوري بالباب فقال ائذن له فدخل فقال جعفر يا سفيان انك رجل يطلبك السلطان وأنا اتقي السلطان قم فاخرج غير مطرود فقال سفيان حدثني حتى اسمع وأقوم فقال جعفر حدثني أبي عن جدي أن رسول الله ﷺ قال: "من أنعم الله عليه نعمة فليحمد الله ومن أستبطأ الرزق ليستغفر الله ومن حزبه أمر فليقل: لا حول ولا قوة إلا بالله" ١ فلما قام سفيان قال جعفر خذها يا سفيان ثلاث وأي ثلاث. وعن الهياج بن بسطام قال كان جعفر بن محمد يطعم حتى لا يبقى لعياله شيء. وعن يحيى بن الفرات قال قال جعفر بن محمد لسفيان الثوري لا يتم المعروف إلا بثلاثة بتعجيله وتصغيره وستره. وسئل جعفر بن محمد لم حرم الله الربا قال لئلا يتمانع الناس المعروف. وعن بعض أصحاب جعفر الصادق قال دخلت على جعفر وموسى بين يديه وهو يوصيه بهذه الوصية فكان مما حفظت منها أن قال: يا بني أقبل وصيتي واحفظ مقالتي فانك إن حفظتها تعش سعيدا وتمت حميدا يا بني انه من قنع بما قسم الله له استغنى ومن مد عينه إلى ما في يد غيره مات فقيرا ومن لم يرض بما قسم الله له اتهم الله تعالى في قضائه ومن استصغر زلة نفسه استعصم زلة غيره ومن استصغر زلة غيره استعظم زلة نفسه يا بني من كشف حجاب غيره انكشفت عورات بيته ومن سل سيف البغي قتل به ومن احتفر لأخيه بئراً سقط فيها ومن داخل السفهاء حقر ومن خالط العلماء وقر ومن دخل مداخل السوء اتهم يا بني قل الحق لك وعليك وإياك والنميمة فإنها تزرع الشحناء في قلوب الرجال يا بني إذا طلبت الجود فعليك بمعادنه. وعن احمد بن عمرو بن المقدام الرازي قال وقع الذباب على المنصور فذبه عنه فعاد فذبه حتى اضجره فدخل جعفر بن محمد فقال له المنصور يا أبا عبد الله لم خلق الله الذباب قال ليذل به الجبابرة. وعن الحسن بن سعيد اللخمي عن جعفر بن محمد قال من لم يغضب من الجفوة لم يشكر النعمة.

стр. 528

وعن الحرمازي قال كان رجل من أهل السواد يلزم جعفر بن محمد ففقده فسأل عنه فقال له رجل انه نبطي يريد أن يضع منه فقال جعفر اصل الرجل عقله وحسبه ودينه وكرمه تقواه والناس في آدم مستوون. وعن سفيان الثوري قال سمعت جعفر بن محمد الصادق يقول عزت السلامة حتى لقد خفي مطلبها فإن تكن في شيء فيوشك أن تكون في الخمول فإن طلب في الخمول ولم توجد فيوشك أن تكون في التخلي وليس كالخمول فإن طلبت في التخلي ولم توجد فيوشك أن تكون في الصمت وليس كالتخلي فإن طلب في الصمت فلم توجد فيوشك أن تكون في كلام السلف الصالح والسعيد من وجد في نفسه خلوة يشتغل بها. وعن عبد الله بن الفضيل بن الربيع عن ابيه ولم يحفظ على الدعاء وبعضه عن غيره قال حج أبو جعفر سنة سبع وأربعين ومائة فقدم المدينة وقال ابعث إلي جعفر بن محمد من يأتينا به تعباً قتلني الله إن لم أقتله فتغافل عنه الربيع لينساه ثم أعاد ذكره للربيع وقال أرسل إليه من يأتي به متعبا فتشاغل عنه ثم أرسل إلى الربيع برسالة قبيحة في جعفر وأمره أن يبعث إليه ففعل فلما أتاه قال له يا أبا عبد الله اذكر الله فانه قد أرسل إليك التي لا سوى لها قال جعفر لا حول ولا قوة إلا بالله ثم اعلم أبا جعفر حضوره فلما دخل أوعده وقال أي عدو الله اتخذك أهل العراق إماما يجبون إليك زكاة أموالهم وتلحد في سلطاني وتبغيه الغوائل قتلني الله إن لم أقتلك فقال يا أمير المؤمنين إن سليمان ﵇ أعطى فشكر وان أيوب ابتلي فصبر وان يوسف ظلم فغفر وأنت من ذلك السنخ فقال له أبو جعفر إلي وعندي أبا عبد الله البريء الساحة السليم الناحية القليل الغائلة جزاك الله من ذي رحم افضل ما جزى ذوي الأرحام عن أرحامهم. ثم تناول يده فأجلسه معه على فراشه ثم قال علي بالمنجفة فأتي بدهن فيه غالية فغلفه بيده حتى خلت لجيته قاطرة ثم قال في حفظ الله وفي كلاءته ثم قال يا ربيع ألحق أبا عبد الله جائزته وكسوته انصرف أبا عبد الله في حفظ الله وفي كنفه فانصرف ولحقته فقلت له أني قد رأيت قبل ذلك ما لم تره ورأيت بعد ذلك ما قد رأيت فما قلت يا أبا عبد الله حين دخلت قال قلت اللهم احرسني بعينك التي لا تنام واكنفني بركنك الذي لا يرام واغفر لي بقدرتك علي لا أهلك وأنت رجائي اللهم انك اكبر واجل ممن أخاف واحذر اللهم بك ادفع في نحره واستعذ بك من شره.

стр. 529

وعن الليث بن سعد قال حججت سنة ثلاث عشرة ومائة فأتيت مكة فلما أن صليت العصر رقيت أبا قبيس فإذا أنا برجل جالس وهو يدعو فقال يا رب يا رب حتى انقطع نفسه ثم قال: يا رباه حتى انقطع نفسه ثم قال: يا رب حتى انقطع نفسه ثم قال يا الله يا الله حتى انقطع نفسه ثم قال يا حي يا حي حتى انقطع نفسه ثم قال يا رحيم حتى انقطع نفسه ثم قال يا ارحم الراحمين حتى انقطع نفسه سبع مرات ثم قال اللهم اني اشتهي من هذا العنب فاطعمنيه اللهم أن بردي قد اخلقا قال الليث فوالله ما استتم كلامه حتى نظرت إلى سلة مملوءة عنبا وليس على الأرض يومئذ عنب وبردين موضوعين فأراد أن يأكل فقلت أنا شريكك فقال لي تقدم وكل ولا تأخذ منه شيئا. فتقدمت فأكلت شيئا لم آكل مثله قط وإذا عنب لا عجم له فأكلت حتى شبعت والسلة بحالها ثم قال لي خذ احب البردين إليك فقلت له أما البردان فأنا غني عنهما فقال لي توار عني حتى البسهما فتواريت عنه فارتدى أحدهما وائتزر الآخر ثم اخذ البردين اللذين كانا عليه فجعلهما على عاتقه فنزل فاتبعته حتى إذا كان بالمسعى لقيه رجل فقال اكسني كساك الله يا ابن رسول الله فدفعهما إليه. فلحقت الرجل فقلت له من هذا قال جعفر قال ابن محمد قال الليث فطلبته لأسمع منه فلم أجده. اسند جعفر بن محمد عن أبيه وعن عطاء بن أبي رباح وعكرمة في آخرين. وروي عنه من التابعين جماعة منهم أيوب السختياني ومن الأئمة مالك والثوري وشعبة في آخرين. وتوفي بالمدينة سنة ثمان وأربعين ومائة ﵀.

стр. 530

١٨٧- محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة ابن الحارث بن أبي ذئب عن محمد بن عمر قال كان محمد بن عبد الرحمن يكنى أبا الحارث ولد في سنة ثمانين عام الجحاف وكان من أورع الناس وكانوا يرمونه بالقدر وما كان قدريا وكان يصلي الليل أجمع. واخبرني أخوه قال كان يصوم يوما ويفطر يوما فوقعت الرجفة بالشام فقدم رجل من أهل الشام فحدثه عن الرجفة وكان يوم إفطاره فقلت له قم تغذى قال دعه اليوم فسرد الصوم

стр. 531

من ذلك اليوم إلى أن مات وكان يتعشى بالخبز والزيت وله طيلسان وقميص يشتو فيه ويصيف ويحفظ حديثه كله. ودخل على عبد الصمد بن علي وهو والي المدينة فكلمه في شيء فقال له عبد الصمد: إني لأراك مرائياً فأخذ عوداً أو شيئاً من الأرض فقال: من أرائي؟ فوالله للناس عندي أهون من هذا. وحج أبو جعفر فدعا ابن أبي ذئب فقال نشدتك بالله الست اعمل بالحق؟ أليس تراني اعدل فقال ابن أبي ذئب أما إذا نشدتني بالله فأقول اللهم لا ما أراك تعدل وانك لجائر وأنا لتستعمل الظلمة وتدع أهل الخير. قال محمد بن عمر فحدثني محمد بن إبراهيم وإبراهيم بن يحيى وأخبرت عن عيسى بن علي قالوا فظننا أن أبا جعفر سيعالجه فجعلنا نكف إلينا ثيابنا مخافة أن يصيبنا من دمه فجزع أبو جعفر واغتم وقال له قم فاخرج. ومات ابن أبي ذئب فدفن بالكوفة سنة تسع وخمسين ومائة وهو ابن تسع وسبعين. وعن احمد بن علي الحافظ قال سمع ابن أبي ذئب من عكرمة ونافع وسعيد المقبري وأبي الزناد ومحمد بن المنكدر والزهري وغيرهم. وكان فقيهاً صالحاً يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أقدمه المهدي بغداد فحدث بها ثم رجع يريد المدينة فمات بالكوفة. وقال احمد بن حنبل كان ابن أبي ذئب يشبه بسعيد بن المسيب قيل لأحمد خلف مثله ببلاده قال لا ولا بغيرها.

стр. 532

١٨٨- مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير أبو عبد الله القرشي عن الزبير بن بكار قال كان مصعب بن ثابت من اعبد أهل زمانه صام خمسين سنة. قال الزبير وحدثني يحيى بن مسكين قال ما رأيت أحدا قط اكثر ركوعا وسجودا من مصعب بن ثابت كان يصلي في كل يوم وليلة آلف ركعة ويصوم الدهر. قال محمد بن سعد توفي مصعب بن ثابت سنة سبع وخمسين ومائة ﵀.

стр. 533

من الطبقة السادسة من أهل المدينة ١٨٩- مالك بن انس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي عن محمد بن عمر قال سمعت مالك بن انس يقول قد يكون الحمل ثلاث سنين وقد حمل ببعض الناس ثلاث سنين يعني نفسه قال وسمعت غير واحد يقول حمل بمالك ثلاث سنين. وعن مطرف بن عبد الله قال كان مالك بن انس طويلا عظيم الهامة اصلع ابيض الرأس واللحية شديد البياض إلى الشقرة ولباسه الثياب العدنية الجياد ويكره حلق الشارب ويعيبه ويراه من المثل. وعن أبي مصعب قال سمعت مالك بن انس يقول ما أفتيت حتى شهد لي سبعون اني أهل لذلك. وعنه قال ما أحببت في الفتيا حتى سألت من هو اعلم مني هل يراني موضعا لذلك سألت ربيعة وسألت يحيى بن سعيد فأمراني بذلك فقلت يا أبا عبد الله فلو نهاك قال كنت انتهي لا ينبغي للرجل أن يرى نفسه أهلا لشيء حتى يسأل من هو اعلم منه. وقال خلف دخلت على مالك بن انس فقال لي انظر ما تحت مصلاي أو حصيري فنظرت فإذا بكتاب فقال أقراه فإذا فيه رؤيا رآها له بعض إخوانه فقال رأيت النبي ﷺ في المنام في مسجده وقد اجتمع الناس عليه فقال لهم اني قد خبأت لكم تحت منبري طيبا أو علما وأمرت مالكا أن يفرقه على الناس فانصرف الناس وهم يقولون إذا ينفذ مالك ما أمره به رسول الله ﷺ ثم بكى فقمت عنه. وعن ابن أبي اويس قال كان مالك إذا أراد أن يحدث توضأ وجلس على صدر فراشه وسرح لحيته وتمكن في الجلوس بوقار وهيبة ثم حدث فقيل له في ذلك فقال احب أن اعظم حديث النبي ﷺ ولا أحدث به إلا على طهارة متمكناً وكان يكره أن يحدث في الطريق وهو قائم أو مستعجل فقال احب أن يفهم ما أحدث به عن رسول الله ﷺ .

стр. 534

قال إبراهيم بن المنذر: سمعت معن ابن عيسى يقول: كان مالك بن انس إذا أراد أن يحدث بحديث رسول الله ﷺ اغتسل وتبخر وتطيب، وإذا رفع أحد صوته عنده قال: اغضض من صوتك فإن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] فمن رفع صوته عند حديث رسول الله ﷺ فكأنما رفع صوته فوق صوت رسول الله ﷺ . وعن عبد الله بن وهب قال: سمعت مالك بن انس يقول: ليس العلم بكثرة الرواية وإنما هو نور يضعه الله في القلب. وعنه: قيل لمالك بن انس: ما تقول في طلب العلم؟ قال: حسن جميل، ولكن انظر إلى الذي يلزمك من حين تصبح إلى حين تمسي فالزمه. وعن ابن مهدي قال: سال رجل مالكاً عن مسالة فقال: لا أحسنها فقال الرجل: اني ضربت إليك كذا وكذا لأسألك عنها. فقال له مالك: فإذا رجعت إلى مكانك وموضعك فاخبرهم اني قلت لك لا أحسنها. وعن حنبل بن إسحاق قال: سالت أبا عبد الله عن مالك فقال مالك سيد من سادات أهل العلم وهو إمام في العلم والفقه ثم قال ومن مثل مالك متبع لآثار من تقدم مع عقل وأدب؟ مسانيد مالك اشهر من أن تذكر وهو النجم الثاقب في أهل النقل. وعن ابن أبي اويس قال اشتكى مالك بن انس أياما يسيرة فسالت بعض أهلنا عما قال عند الموت فقال تشهد ثم قال لله الآمر من قبل ومن بعد. وتوفي صبيحة أربع عشرة من شهر ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة في خلافة هارون ودفن بالبقيع وهو ابن خمس وثمانين سنة فذكرت ذلك لمصعب الزبيري فقال مات في صفر ﵀.

стр. 535

من الطبقة السابعة من أهل المدينة ١٩٠- عبد الله بن عبد العزيز العمري ويكنى أبا عبد الرحمن عن عبد الله بن خبيق قال تعبد عبد الله العمري وسكن المقابر وكان لا يرى إلا وفي يده كتاب يقرؤه وترك مجالسه الناس فسئل عن فعله فقال لم أر أوعظ من قبر ولا انس من كتاب ولا اسلم من الوحدة فقيل له قد جاء في الوحدة ما جاء قال لا تفسد إلا جاهلا. وعن الفضل بن غسان عن أبيه قال رأى العمري رجلا من آل علي يمشي يخطر فأسرع إليه فاخذ بيده فقال يا هذا إن الذي أكرمك الله به لم تكن هذه مشيته قال فتركها الرجل بعد. عن أبي المنذر إسماعيل بن عمر قال سمعت أبا عبد الرحمن العمري يقول أن من غفتلك عن نفسك إعراضك عن الله بان ترى ما يسخطه فتجاوزه ولا تأمر ولا تنهى خوفا ممن لا يملك ضرا ولا نفعا. وقال سمعته يقول من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مخافة المخلوقين نزعت منه هيبة الله تعالى فلو أمر بعض ولده أو بعض مواليه لا ستخف به. وعن أبي قدامة السرخسي قال قام العمري للخليفة على الطريق فقال له فعلت وفعلت فقال له ماذا تريد ماذا تريد قال تعمل بكذا وتعمل بكذا فقال له هارون نعم يا عم نعم يا عم. وعن سعيد بن سليمان قال كنت بمكة في زقاق الشطوى والى جنبي عبد الله بن عبد العزيز العمري وقد حج هارون الرشيد فقال لها إنسان يا أبا عبد الرحمن هو ذا أمير المؤمنين يسعى قد أخلي له المسعى قال العمري للرجال لا جزاك الله عني خيرا كلفتني أمرا كنت عنه غنياً ثم تعلق نعليه وقام فتبعته وأقبل هارون الرشيد من المروة يريد الصفا فصاح به يا هارون فلما نظر إليه قال لبيك يا عم قال ارق الصفا فلما رقيه قال ارم بطرفك إلى البيت. قال قد فعلت قال كم هم قال ومن يحصيهم قال فكم في الناس مثلهم قال خلق لا يحصيهم إلا الله قال اعلم أيها الرجل أن كل واحد منهم يسال عن خاصة

стр. 536

نفسه وأنت وحدك تسال عنهم كلهم فانظر كيف تكون قال فبكى هارون وجلس وجعلوا يعطونه منديلا للدموع. قال العمري أو أخرى أقولها قال قل يا عم قال والله إن الرجل ليسرف في ماله فيستحق الحجر عليه فكيف بمن يسرف في مال المسلمين ثم مضى وهارون يبكي. قال محمد بن خلف سمعت محمد بن عبد الرحمن يقول بلغني أن هارون الرشيد قال اني لأحب أن أحج كل سنة ما يمنعني إلا رجل من ولد عمر ثم يسمعني ما أكره وقد روي لنا من طريق آخر انه لقيه في المسعى فاخذ بلجام دابته فأهوت إليه الأجناد فكفهم عنه الرشيد فكلمه فإذا دموع الرشيد تسيل على معرفة دابته ثم انصرف وانه لقيه مرة فقال يا هارون فعلت وفعلت فجعل يسمع منه ويقول مقبول منك يا عم على الرأس والعين فقال يا أمير المؤمنين من حال الناس كيت وكيت فقال عن غير علمي وأمري وخرج العمري إلى الرشيد مرة ليعظه فلما نزل الكوفة زحف العسكر حتى لو كان نزل بهم مائة آلف من العدو ما زادوا علىهيبته ثم رجع ولم يصل إليه. وعن أبي يحيى الزهري قال قال عبد الله بن عبد العزيز العمري عند موته: بنعمة ربي أحدث اني لم أصبح املك إلا سبعة دراهم من لحاء شجر فتلته بيدي وبنعمة ربي أحدث لو أن الدنيا أصبحت تحت قدمي ما يمنعني أخذها إلا أن أزيل قدمي عنها ما أزلتها. وعن أبي إسماعيل المؤدب قال جاء رجل إلى العمري فقال عظني قال فاخذ حصاة من الأرض فقال زنة هذه من الورع يدخل قلبك خير لك من صلاة أهل الأرض قال زدني قال كما تحب أن يكون الله لك غدا فكن له اليوم. اسند العمري الحديث وأدرك من التابعين أبا طوالة وروى عن أبيه وعن إبراهيم بن سعد. وتوفي بالمدينة سنة أربع وثمانين ومائة وهو ابن ست وستين سنة.

стр. 537

١٩١- موسى بن جعفر بن محمد بن علي ابن الحسين بن علي أبو الحسن الهاشمي ﵈. كان يدعى العبد الصالح لأجل عبادته واجتهاده وقيامه بالليل وكان كريما حليما إذا بلغه عن رجل انه يؤذيه بعث إليه بمال.

стр. 538

عن الفضل بن الربيع عن أبيه انه لما حبس المهدي موسى بن جعفر رأى المهدي في النوم علي بن أبي طالب ﵇ وهو يقول يا محمد: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] . قال الربيع فأرسل إلي ليلا فراعني ذلك فجئته فإذا هو يقرأ هذه الآية وكان أحسن الناس صوتا فقال علي بموسى بن جعفر فجئته به فعانقه وأجلسه إلى جانبه وقال يا أبا الحسن رأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في النوم يقرأ علي كذا فتؤمنني إن تخرج علي أو على أحد من ولدي فقال والله لا فعلت ذلك ولا هو من شأني قال صدقت يا ربيع أعطه ثلاثة آلاف دينار ورده إلى أهله إلى المدينة. قال الربيع فأحكمت أمره ليلا فما أصبح إلا وهو في الطريق خوف العوائق. وعن شقيق بن إبراهيم البلخي قال خرجت حاجا في سنة تسع وأربعين ومائتين فنزلت القادسية فبينا أنا انظر إلى الناس في زينتهم وكثرتهم فنظرت إلى فتى حسن الوجه شديد السمرة يعلو فوق ثيابه ثوب من صوف مشتمل بشملة في رجليه نعلان وقد جلس منفردا فقلت في نفسي هذا الفتى من الصوفية يريد أن يكون كلا على الناس في طريقهم والله لأمضين إليه ولأوبخنه فدنوت منه فلما راني مقبلا قال يا شقيق: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] ثم تركني ومضى فقلت في نفسي إن هذا لأمر عظيم قد تكلم على ما في نفسي ونطق باسمي وما هذا إلا عبد صالح لألحقنه ولأسلنه أن يحالني فأسرعت في إثره فلم ألحقه وغاب عن عيني فلما نزلنا واقصة إذا به يصلي وأعضاؤه تضطرب ودموعه تجري فقلت هذا صاحب امضي إليه واستحله فصبرت حتى جلس وأقبلت نحوه فلما راني مقبلا قال يا شقيق اتل: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢] ثم تركني ومضى فقلت إن هذا الفتى لمن الإبدال وقد تكلم على سري مرتين فلما نزلنا رمالا إذا بالفتى قائم على البئر وبيده ركوة يريد أن يستقي ماء فسقطت الركوة من يده في البئر وأنا انظر إليه ف رأيت قد رمق السماء وسمعته يقول: أنت ربي إذا ظمئت من الما ... ء وقوتي إذا أردت الطعام اللهم سيدي مالي سواها فلا تعدمنيها قال شقيق فوالله لقد رأيت البئر قد ارتفع ماؤها فمد يده فاخذ الركوة وملاها ماء وتوضأ وصلى أربع ركعات ثم مال إلى كثيب رمل فجعل يقبض بيده ويطرحه في الركوة ويحركه ويشرب فأقبلت إليه وسلمت عليه فرد علي السلام

стр. 539

فقلت أطعمني من فضل ما أنعم الله به عليك. فقال يا شقيق لم تزل نعمة الله علينا ظاهرة وباطنة فأحسن ظنك بربك ثم ناولني الركوة فشربت منها فإذا سويق وسكر فوالله ما شربت قط ألذ منه ولا أطيب ريحا منه فشبعت ورويت فاقمت أياما لا اشتهي طعاما ولا شرابا ثم لم أره حتى دخلنا مكة فرايته ليلة إلى جنب قبة الشراب في نصف الليل يصلي بخشوع وانين وبكاء فلم يزل كذلك حتى ذهب الليل فلما رأى الفجر جلس في مصلاه يسبح الله ثم قام فصلى الغداة وطاف بالبيت أسبوعا وخرج فتبعته فإذا له حاشية وموال وهو على خلاف ما رايته في الطريق ودار به الناس من حوله يسلمون عليه فقلت لبعض من رايته يقرب منه من هذا الفتى فقال هذا موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵈ فقلت قد عجبت أن تكون هذه العجائب إلا لمثل هذا السيد. وعن احمد بن إسماعيل قال بعث موسى ين جعفر إلى الرشيد من الحبس رسالة كانت انه لن ينقضي عني يوم من البلاء إلا انقضى عنك معه يوم من الرخاء حتى نفضي جميعا إلى يوم ليس له انقضاء يخسر فيه المبطلون. ولد موسى بن جعفر ﵇ بالمدينة في سنة ثمان وعشرين وقيل تسع وعشرين ومائة وأقدمه المهدي بغداد ثم رده إلى المدينة فأقام بها إلى أيام الرشيد فقدم الرشيد المدينة فحمله معه وحبسه بغداد إلى أن توفي بها لخمس بقين من رجب في سنة ثلاث وثمانين ومائة. آخر المصطفين من المدنيين المعروفين.

стр. 540

ذكر المصطفين من عباد المدينة الذين لم تعرف أسماؤهم ١٩٢- عابد من رعاة المدينة قال عبد العزيز قال نافع خرجت مع ابن عمر في بعض نواحي المدينة ومعه أصحاب له فوضعوا سفرة فمر بهم راع فقال له عبد الله هلم يا راعي فاصب من هذه السفرة فقال اني صائم فقال له عبد الله في مثل هذا اليوم الشديد حره وأنت في هذه الشعاب في آثار هذه الغنم وبين الجبال ترعى هذه الغنم وأنت صائم فقال الراعي أبادر أيامي الخالية فعجب ابن عمر وقال هل لك أن تبيعنا شاة من غنمك نجتزرها ونطعمك من لحمها ما تقطر عليه وتعطيك ثمنها؟ قال إنها ليست لي إنها لمولاي قال فما عسيت أن يقول كل مولاك إن قلت أكلها الذئب فمضى الراعي وهو رافع إصبعه إلى السماء وهو يقول فأين الله؟ قال فلم يزل أين عمر يقول قال الراعي فأين الله فما عدا إن قدم المدينة فبعث إلى سيده فاشترى منه الراعي والغنم فاعتق الراعي ووهب له الغنم ﵀.

стр. 541

١٩٣- عابد آخر قال ابن يزيد بن اسلم قال محمد بن المنكدر اني لليلة مواجة هذا المنبر جوف الليل أدعو إذا أنا بإنسان عند اسطوانة مقنع رأسه فاسمعه يقول أي رب إن القحط قد اشتد على عبادك وإني مقسم عليك يا رب إلا سقيتهم قال فما كان إلا ساعة إذا سحابة قد أقبلت ثم أرسلها الله وكان عزيزا أين المنكدر أن يخفى عليه أحد من أهل الخير فقال هذا بالمدينة ولا اعرفه فما سلم الإمام تقنع وانصرف واتبعه ولم يجلس للقاص حتى أتى دار انس فدخل موضعا خرج مفتاحا ثم دخل قال فلما أصبحت أتيته فإذا أنا اسمع نجرا في بيته فسلمت وقلت ادخل قال ادخل فإذا هو ينجر أقداحا يعملها فقلت كيف أصبحت أصلحك الله قال فاستشهرها وأعظمها مني فلما رأيت ذلك قلت أخي سمعت أقسامك البارحة على الله يا أخي هل لك في نفقة تغنيك عن هذا وتفرغك لما تريد من الآخرة قال لا ولكن غير ذلك لا تذكرني لأحد حتى أموت ولا تأتيني يا ابن المنكدر فانك أن تأتني تشهرني للناس فقلت اني احب أن

стр. 542

ألقاك قال: ألقني في المسجد وكان فارسيا قال فما ذكر ذلك ابن المنكدر لأحد حتى مات الرجل. قال ابن وهب بلغني انه انتقل من تلك الدار فلم ير ولم يدر أين ذهب فقال أهل تلك الدار الله بيننا وبين ابن المنكدر اخرج عنا الرجل الصالح.

стр. 543

عابد آخر من أهل المدينة ... ١٩٤- عابد آخر عن محمد بن المنكدر قال كانت لي سارية في مسجد رسول الله ﷺ اجلس اصلي إليها بالليل فقحط أهل المدينة سنة فخرجوا يستقون فلم يسقوا فلما كان من الليل صليت عشاء الآخرة في مسجد رسول الله ﷺ ثم جئت فتساندت إلى ساريتي فجاء رجل اسود تعلوه صفرة متزر بكساء وعلى رقبته كساء اصغر منه. أي رب خرج أهل حرم نبيك يستسقون فلم تسقهم فأنا اقسم عليك لما سقيتهم. قال ابن المنكدر فقلت مجنون قال فما وضع يده حتى سمعت الرعد ثم جاءت السماء بشيء من المطر أهمني الرجوع إلى أهلي فلما سمع المطر حمد الله بمحامد لم اسمع يمثلها قط قال ثم قال ومن أنا وما أنا حيث استجبت إلي ولكن عذت بحمدك وعذت بطولك ثم قام فتوشح بكسائه الذي كان متزرا به وألقى الكساء الآخر الذي كان على ظهره في رجليه ثم قام فلم يزل قائما يصلي حتى إذا أحسن الصبح سج سجد وأوتر وصلى ركعتي الصبح ثم أقيمت صلاة الصبح فدخل في الصلاة مع الناس ودخلت معه فلما سلم الإمام قام فخرج وخرجت خلفه حتى انتهى إلى باب المسجد فخرج يرفع ثوبه ويخوض الماء فخرجت خلفه رافعا ثوبي أخوض الماء فلم ادر أين ذهب. فلما كانت الليلة الثانية صليت العشاء في مسجد رسول الله ﷺ ثم جئت إلى ساريتي فتوسدت إليها وجاء فقام فتوشح بكسائه وألقى الكساء الآخر الذي كان على ظهره في رجليه وقام يصلي فلم يزل قائما حتى إذا خشى الصبح سجد ثم أوتر ثم صلى ركعتي الفجر وأقيمت الصلاة فدخل مع الناس في الصلاة ودخلت معه فلما سلم الإمام خرج من المسجد وخرجت خلفه فجعل يمشي وابتعه حتى دخل دارا قد عرفتها من دور المدينة ورجعت إلى المسجد. فلما طلعت الشمس وصليت خرجت حتى أتيت الدار فإذا أنا به قاعد يخرز وإذا هو

стр. 544

إسكاف فلما راني عرفني وقال أبا عبد الله مرحبا ألك حاجة تريد أن اعمل لك خفا فجلست فقلت الست صاحبي بارحة الأولى فاسود وجهه وصاح بي وقال ابن المنكدر ما أنت وذاك قال وغضب قال ففرقت والله منه وقلت اخرج من عنده الآن. فلما كان في الليلة الثالثة صليت العشاء الآخرة في مسجد رسول الله ﷺ ثم أتيت ساريتي فتساندت إليها فلم يجيء قال قلت أنا لله ما صنعت فلما أصبحت جلست في المسجد حتى طلعت الشمس ثم خرجت حتى أتيت الدار التي كان فيها فإذا باب البيت مفتوح وإذا ليس في البيت شيء فقال لي أهل الدار يا أبا عبد الله ما كان بينك وبين هذا أمس قلت ما له قالوا لما خرجت من عنده أمس بسط كساءه في وسط البيت ثم لم يدع في بيته جلدا ولا قالبا إلا وضعه في كسائه ثم حمله ثم خرج فلم ندر أين ذهب؟ قال محمد بن المنكدر فما تركت بالمدينة دارا اعلمها إلا طلبته فيها فلم أجده ﵀.

стр. 545

١٩٥- عابد آخر عن محمد بن المنكدر قال جئت إلى المسجد فإذا أنا برجل عند المنبر يدعو بالمطر فجاء المطر بصوت ورعد فقال يا رب ليس هكذا قال فمطرت قال فتبعته حتى دخل دار آل حزم أو دار آل عمر فعرفت مكانه فجئته من الغد فعرضت شيئا فأبى وقال لا حاجة لي بهذا فقلت حج معي فقال هذا شيء لك فيه اجر فاكره أن انفس عليك فإما شيء آخذه فلا.

стр. 546

١٩٦- عابد آخر عن محمدبن سويد أن أهل المدينة قحطوا وكان فيها رجل صالح لازما لمسجد النبي ﷺ فبينما هم في دعائهم إذ أنا برجل عليه طمران خلقان فصلى ركعتين أوجز فيهما ثم بسط يديه إلى الله تعالى فقال يا رب أقسمت عليك إلا أمطرت علينا الساعة فلم يرد يده ولم يقطع دعاءه حتى تفشت بالغيوم ومطروا حتى صاح أهل المدينة الغرق فقال يا رب إن كنت تعلم انهم قد اكتفوا فارفع عنهم. فسكن وتبع الرجل صاحب المطر حتى عرف موضعه ثم بكر عليه فنادى أهل البيت فخرج الرجل فقال قد أتيتك في حاجة قال وما هي قال تخصني بدعوة فقال سبحان الله أنت وتسألني أن أخصك بدعوة ما الذي بلغك ما رأيت عني فاخبره فقال ورأيتني قال نعم قال أطعت الله فيما أمرين ونهاني وسألته فأعطاني.

стр. 547

١٩٧- عابد علوي من أهل المدينة عن أبي عامر الواعظ قال بينا أنا جالس في مسجد رسول الله ﷺ إذ جاءني غلام اسود برقعة فقراتها فإذا فيها مكتوب: بسم الله الرحمن الرحيم متعك الله بمسامرة الفكرة ونعمك بمؤانسة العبرة وأفردك بحب الخلوة يا أبا عامر أنا رجل من إخوانك بلغني قدومك المدينة فسررت بذلك وأحببت زيارتك وبي من الشوق إلى مجالستك والاستماع إلى محادثتك ما لو كان فوقي لأظلني ولو كان تحتي لأقلني فسألتك بالذي حباك بالبلاغة لما ألحفتني جناح التوصل بزيارتك والسلام. قال أبو عامر فقمت مع الرسول حتى أتى بي إلى قباء فأدخلني منزلا رحبا خربا فقال لي قف ها هنا حتى استأذن لك فوقفت فخرج فقال لي لج فدخلت عليه فإذا ببيت مفرد في الخربة له باب من جريد النخل وإذا بكهل قاعد مستقبل القبلة تخاله من الوله مكروبا ومن الخشية محزوبا قد ظهرت في وجهه أحزانه وذهبت من البكاء عيناه ومرضت أجفانه فسلمت عليه فرد علي السلام ثم تحلل فإذا هو أعمى اعرج مسقام فقال لي يا أبا عامر غسل الله من ران الذنوب قلبك لم يزل قلبي إليك تواقا والى استماع الموعظة منك مشتاقا وبي جرح نغل قد أعيا الواعظين دواؤه واعجز المتطببين شفاؤه وقد وصف لي نفع مراهمك للجراح والألم فلا تال يرحمك الله في إيقاع الترياق وان كان مر المذاق فإني ممن يصبر على ألم الدواء رجاء الشفاء. قال أبو عامر فنظرت إلى منظر بهرني وسمعت كلاما قطعني فأفكرت طويلا ثم تأتى لي من كلامي ما تأتى وسهل من صعوبته ما منه رق لي فقلت يا شيخ ارم ببصر قلبك في ملكوت السماء واجل سمع معرفتك في سكان الأرجاء فتنتقل بحقيقة إيمانك إلى جنة المأوى فترى ما اعد الله فيها للأولياء ثم تشرف على نار لظى فترى ما اعد الله للأشقياء فشتان ما بين الدارين أليس الفريقان في الأموات سواء؟ قال أبو عامر فإن انه وصاح صيحة وزفر والتوى وقال الله يا أبا عامر وقع دواؤك على دائي وأرجو أن يكون عندك شفائي زدني يرحمك الله قال فقلت له يا شيخ الله عالم بسريرتك مطلع على حقيقتك شاهدك في خلوتك بعينه كنت عند استتارك من خلقه ومبارزته قال فصاح صيحة كصيحته الأولى ثم قال من لفقري من لفاقتي من لذنبي من لخطيئتي أنت لي يا مولاي وإليك منقلبي. ثم خر ميتا ﵀.

стр. 548

قال أبو عامر فأسقط في يدي وقلت ماذا جنيت على نفسي إذ خرجت علي جارية عليها مدرعة من صوف وخمار من صوف قد ذهب السجود بجبهتها وانفها واصفر لطول القيام لونها وتورمت قدماها فقالت أحسنت والله يا حادي قلوب العارفين ومثير أشجان غليل المحزونين لا نسي لا هذا المقام رب العالمين يا أبا عامر هذا الشيخ والدي مبتلى بالسقم منذ عشر سنين صلى حتى اقعد وبكى حتى عممت وكان يتمناك على الله ويقول حضرت مجلس أبي عامر البناني فأحيا موات فكري وطرد وسن نومي وان سمعته ثانيا قتلني فجزاك الله من واعظ ومتعك من حكمتك بما أعطاك. ثم اكتب على أبيها تقبل عينيه وتبكي وتقول يا أبي أبتاه يا من أعماه البكاء على ذنبه يا أبي يا أبتاه يا من قتله ذكر وعيد ربه ثم علا البكاء والنحيب والاستغفار والدعاء وجعلت تقول يا أبي يا أبتاه يا حليف الحرقة والبكاء يا أبي يا أبتاه يا جليس الابتهال والدعاء يا أبي يا أبتاه يا صريع المذكرين والخطباء يا أبي يا أبتاه يا قتيل الوعاظ والحكماء. قال أبو عامر فأجبتها وقلت أيها الباكية الحيرى النادبة الثكلى إن أباك نحبه قد قضى وورد دار الجزاء وعاين كل ما عمل وعليه يحصى في كتاب عند ربي لا يضل ربي ولا ينسى فمحسن فله الزلفى أو مسيء فوارد دار من أساء. فصاحت الجارية كصيحة أبيها وجعلت ترشح عرقا وخرجت مبادرا إلى مسجد المصطفى محمد ﷺ وفزعت إلى الصلاة والدعاء والاستغفار والتضرع والبكاء حتى كان عند العصر فجاءني الغلام الأسود فآذنني بجنازتهما فقلت احضر الصلاة عليهما ودفنهم فحضرت وسالت عنهما فقيل لي من ولد الحسين بن علي بن أبي طالب. قال أبو عامر فما زلت جزعا مما حنيت حتى رايتهما في المنام عليهما حلتان خضراوان فقلت مرحبا بكما وأهلا فما زلت حذار مما وعظتكما به فماذا صنع الله بكما فقال الشيخ: أنت شريكي في الذي نلته ... مستاهلا ذاك أبا عامر وكل من أيقظ ذا غفلة ... فنصف ما يعطاه للأمر من رد عبدا آبقا مذنبا ... كان كمن قد راقب القاهر واجتمعا في دار عدن وفي ... جوار رب سيد غافر

стр. 549

١٩٨- عابد آخر عن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير وكان مصعب يصلي في اليوم والليلة آلف ركعة ويصوم الدهر قال بت ليلة في المسجد بعد ما خرج الناس منه فإذا برجل قد جاء إلى بيت النبي ﷺ فاسند ظهره إلى الجدار فقال اللهم انك تعلم اني كنت أمس صائما ثم أمسيت فلم افطر على شيء اللهم فإني أمسيت اشتهي الثريد فأطعمنيه من عندك قال فنظرت إلى وصيف داخل من خوخة المنارة ليس في خلقه وصفاء الناس ومعه قصعة فأهوى بها إلى الرجل فوضعها بين يديه وجعل الرجل يأكل وحصبني فقال هلم فجئته وظننت أنا من الجنة فأحببت أن آكل منها فأكلت منها لقم فأكلت طعاما لا يشبه طعام أهل الدنيا ثم احتشمت فقمت فرجعت لمجلس فلما فرغ من أكله اخذ الوصف القصعة ثم أهوى راجعا من حيث جاء وقام الرجل منصرفا فتبعته لأعرفه فلا ادري أي سلك؟ فظننته الخضر ﵇.

стр. 550

ومن عقلاء المجانين بالمدينة ١٩٩- أبو نصر المصاب عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك قال كان عندنا رجل مجنون يكنى أبا نصر من جهينة ذاهب العقل في غير ما الناس فيه لا يتكلم حتى يكلم وكان يجلس مع أهل الصفة في آخر مسجد الرسول ﷺ وكان إذا سئل عن شيء أجاب فيه جوابا حسنا معجبا. فأتيته يوما وهو في آخر المسجد مع أهل الصفة منكسا رأسه واضعا جبهته بين ركبتيه فجلست إلى جنبه فحركته فانتبه فزعا فأعطيته شيئا كان معي فأخذه وقال قد صادف منا حاجة فقلت له يا أبا نصر مال الشرف قال حمل ما ناب العشيرة أدناها وأقصاها والقبول من محسنها والتجاوز عن مسيئها. قلت له فما المروءة قال إطعام الطعام وإفشاء السلام وتوقي الأدفاس. قلت له فما السخاء قال جهد مقل قلت له فما البخل قال أف وحول وجهه عني فقلت تجيبني قال قد أجبتك. قال وقدم علينا هارون فأخلى له المسجد فوقف على قبر رسول الله ﷺ وعى منبره وفي موقف جبريل ﵇ واعتنق اسطوانة التوبة ثم قال قفوا بي على أصحاب الصفة فلما أتاهم حرك أو نصر وقيل هذا أمير المؤمنين فرفع رأسه وقال أيها الرجل انه ليس بين عبدا الله وأمة نبيه ﷺ ورعيتك وبين الله خلق غيرك وان الله سائلك عنهم فاعد للمسألة

стр. 551

ذكر المصطفيات من عابدات المدينة مليكة بنت المنكدر ... ذكر المصطفيات من عابدات المدينة ٢٠٠- فمن المعروفات مليكة بنت المنكدر عن موسى بن عبد الملك أبو عبد الرحمن المرزوي قال قال مالك بن دينار بينا أنا أطوف بالبيت إذا أنا بامرأة جهيرة في الحجر وهي تقول أتيتك من شقة بعيدة مؤملة لمعروفك فأنلني معروفا من معروفك تغنيني به عن معروف من سواك يا معروفا يا لمعروف فعرفت أيوب السختياني فسألنا عن منزلها وقصدناها وسلمنا عليها فقال لها أيوب قولي خيرا يرحمك الله قالت وما أقول أشكو إلى الله قلبي وهواي فقد أضرا بي وشغلاني عن عبادة ربي قوما فإني أبادر طي صحيفتي. قال أيوب فما حدثت نفسي بامرأة قبلها فقلت لها لو تزوجت رجلا كان يعنيك على ما أنت عليه قالت لو كان مالك بن دينار أو أيوب السختياني ما أردته فقلت أنا مالك بن دينار وهذا أيوب وهذا أيوب السختياني فقالت أف لقد ظننت انه يشغلكما ذكر الله عن محادثة النساء وأقبلت على صلاتها فسالنا عنها فقالوا هذه مليكة بنت المنكدر. وعن أبي خالد البراد قال كلمنا ابنة المنكدر في تخفيف بعض العبادة فقالت دعوني أبادر طي صحيفتي رحمها الله.

стр. 552

٢٠١- فاطمة بنت محمد بن المنكدر عن إبراهيم بن مسلم القرشي قال كانت فاطمة بنت محمد بن المنكدر تكون نهارها صائمة فإذا جنها الليل تنادي بصوت حزين هدا الليل واختلط الظلام وأوى كل حبيب إلى حبيبه وخلوتي بك أيها المحبوب أن تعتقني من النار رحمها الله.

стр. 553

من المجهولات الأسماء: ٢٠٢- امرأة كانت في زمن عمر بن الخطاب ﵁: عن عبد الله بن زيد بن اسلم عن أبيه عن جده اسلم قال بينا أنا مع عمر بن الخطاب وهو يعس المدينة إذ أعيا واتكأ على جانب جدار في جوف الليل وإذا امرأة تقول لابنتها يا ابتناه قومي إلى ذلك اللبن فامذقيه بالماء فقالت لها يا أمتاه وما علمت ما كان من عزمة أمير المؤمنين اليوم قالت وما كان من عزمته يا بنية قالت انه أمر مناديا فنادى ألا يشاب

стр. 554

اللبن بالماء فقالت لها يا بنية قومي إلى اللبن فامذقيه بالماء فانك بموضع لا يراك عمر ولا منادي عمر فقالت الصبية لامها يا أمتاه ما كنت لأطيعه في الملأ واعصيه في الخلاء. وعمر يسمع كل ذلك فقال يا اسلم علم الباب واعرف الموضع ثم مضى في عسسه حتى أصبح فلما أصبح قال يا اسلم امض إلى الموضع فانظر من القائلة ومن المقول لها وهل لهم من بعل فأتيت الموضع فنظرت فإذا الجارية أيم لا يعل لها وإذا تيك أمها وإذ ليس لهم رجل. فأتيت عمر بن الخطاب فأخبرته فدعا عمر ولده فجمعهم فقال هل فيكم من يحتاج إلى امرأة أزوجه ولو كان بابيكم حركة إلى النساء ما سبقه منكم أحد إلى هذه المرأة فقال عبد الله لي زوجة وقال عبد الرحمن لي زوجة وقال عاصم يا أبتاه لا زوجة لي فزوجني فبعث إلى الجارية فزوجها من عاصم فولدت لعاصم بنتا وولدت البنت وولدت الابنة عمر بن عبد العزيز. قال الشيخ كذا وقع في رواة الآجري وهو غلط ولا ادري من أي الرواة. وإنما الصواب: فولدت لعاصم بنتا وولدت البنت عمر بن عبد العزيز كذلك نسبة العلماء.

стр. 555

٢٠٣- عابدة أخرى عن عبد الله بن المبارك أن امرأة قالت لعائشة اكشفي لي عن قبر النبي ﷺ فكشفت لها عنه فبكت حتى ماتت.

стр. 556

٢٠٤- عابدة أخرى عن إبراهيم بن عبد الله المديني قال حدثني أصحابنا أن امرأة كانت بالمدينة ترهق فدخلت المقابر ذات يوم فإذا هي بجمجمة قد بدت. فوالله ما عاودتني تلك الوسوسة بعد تلك الليلة. قال فصرخت ثم رجعت منيبة فدخل عليها نساؤها فقلن ما هذا فقلت: بكى قلبي لذكر الموت لما ... رأيت جماجما جوف القبور ثم قالت اخرجن عني فلا تأتيني منكن امرأة ترغب في خدمة الله تعالى. ثم أقبلت على العبادة حتى ماتت على ذلك.

стр. 557

٢٠٥- عابدة أخرى عن أبي أيوب رجل من قريش أن امرأة من أهله كانت تجتهد في العبادة وتديم الصيام وتطيل القيام فأتاها الملعون فقال إلى كم تعذبين هذا الجسم وهذه الروح ولو أفطرت وقصرت عن الصيام والقيام كان أدوم لك وأقوى. قالت فلم يزل يوسوس لي حتى هممت والله بالتقصير. قالت ثم دخلت مسجد رسول الله ﷺ معتصمة بقبره وذلك بين المغرب والعشاء فحمدت الله وصليت على رسوله ثم ذكرت ما نزل بي من وسواس الشيطان واستغفرت وجعلت ادعوا الله أن يصرف عني كيده ووساوسه قالت فسمعت صوتا من ناحية القبر يقول: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦] قالت فرجعت مذعورة وجلة القلب فوالله ما عاودتني تلك الوسوسة بعد تلك الليلة.

стр. 558

٢٠٦- عابدتان مدنيتان بلغنا عن عبد الله ابن أخت مسلم بن سعد انه قال أردت الحج فدفع إلي خالي مسلم عشرة آلاف درهم وقال لي إذا قدمت المدينة فانظر أفقر أهل بيت بالمدينة فأعطهم إياها فلما دخلت سألت عن أفقر أهل بيت بالمدينة فدللت على أهل بيت فطرقت الباب فأجابتني امرأة من أنت فقلت أنا رجل من أهل بغداد أودعت عشرة آلاف وأمرت أن أسلمها إلى أفقر أهل بيت بالمدينة وقد وصفهم لي فخذوها فقالت يا عبد الله إن صاحبك اشترط أفقر أهل بيت وهؤلاء الذين بازائنا أفقر منا فتركتهم وأتيت أولئك فطرقت الباب فأجابتني امرأة فقلت لها مثل الذي قلت لتلك المرأة فقالت يا عبد الله نحن وجيراننا في الفقر سواء فاقسمها بيننا وبينهم. انتهى ذكر أهل المدينة.

стр. 559

ذكر المصطفين من طبقات أهل مكة من التابعين ومن بعدهم فمن الطبقة الأولى: ٢٠٧- عبيد بن عمير بن قتادة الليثي يكنى أبا عاصم عن مجاهد قال كنا نفتخر بفقيهنا وقاضينا فأما فقيهنا فابن عباس وأما قاضينا فعبيد بن عمير. وعنه عن عبيد بن عمير قال إن أعظمكم هذا الليل أن تكابدوه وبخلتم بالمال أن تنفقوه جبنتم عن العدو أن تقاتلوه فاكثروا من ذكر الله . وعنه عن عبيد بن عمير قال ما المجتهد فيكم إلا كاللعب فيما مضى. وعن قيس بن سعد عن عبيد بن عمير قال إن أهل ليتلقون الميت يتلقى الراكب يسألونه فإذا سألوه ما فعل فلان فمن كان قد مات يقول ألم يأتك؟ فيقولون إن الله واتا إليه راجعون ذهب به إلى أمه الهاوية. اسند عبيد بن عمير عن أبي بن كعب وأبي ذر وأبي قتادة وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وأبي هريرة وابن عباس وعائشة في جماعة من الصحابة. وروي عنه من كبار التابعين مجاهد وعطاء وأبو حازم في آخرين ﵀.

стр. 560

ومن الطبقة الثانية ٢٠٨- مجاهد بن جبير يكنى أبا الحجاج قال عبد الرحمن بن أبي حاتم هو مولى عبد الله بن السائب بن أبي السائب المخزومي ويقال مولى زيد بن الحارث المخزومي. عن الأعمش قال كنت إذا رأيت مجاهدا ظننت انه خَرْ بندجٌ ضلّ حمارهُ فهو مهتمّ. وعن ليث عن مجاهد قال من أعز نفسه أذل دينه ومن أذل نفسه اعز دينه. وعنه عن مجاهد قال: إن الله ليصلح بصلاح العبد ولده وولد ولده. وعنه عن مجاهد قال: إن العبد إذا اقبل إلى الله بقلبه اقبل الله بقلوب المؤمنين إليه. وعنه عن مجاهد قال لا تحد النظر إلى أخيك ولا تسأله من أين جئت وأين تذهب. وعنه عن مجاهد قال كانوا يكتفون من الكلام باليسير. عن محمد بن إسحاق بن أبان بن صالح عن مجاهد قال عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات أقِفُه على كل آية أسأله كيف أُنزلت وكيف كانت. وعن خالد بن زيد عن مجاهد قال إن القرآن يقول اني معك ما اتبعتني فإذا لم تعمل بي اتبعتك. وعن مجاهد قال إن لبني آدم جلساء من الملائكة فإذا ذكر الرجل أخاه المسلم بخير قالت الملائكة ولك بمثله وإذا ذكره بسوء قالت الملائكة ابن آدم المستور عورته أربع على نفسك واحمد الله الذي ستر عورتك. وعن عمر بن ذر قال قال مجاهد ما من مرض يمرضه العبد إلا ورسول ملك الموت عنده حتى إذا كان آخر مرض يمرضه العبد أتاه ملك الموت فقال أتاك رسول بعد رسول فلم تعبا به وقد أتاك رسول يقطع أثرك من الدنيا. وعن مجاهد قال يؤمر العبد إلى النار يوم القيامة فيقول ما كان هذا ظني فيقال ما كان ظنك فيقول أن تغفر لي فيقول خلوا سبيله.

стр. 561

وعن الأعمش عن مجاهد قال كان بالمدينة أهل بيت ذوو حاجة عندهم راس شاة فأصابوا شيئا فقالوا لو بعثنا هذا الرأس إلى من هو أحوج إليه منا قال فبعثوا به فلم يزل يدور بالمدينة حتى رجع إلى أصحابه الذين خرج من عندهم. وعنه قال كنا عند مجاهد فقال القلب هكذا وبسط كفه فإذا أذنب الرجل ذنبا قال هكذا وعقد وأحدا ثم أذنب وعقد اثنين ثم ثلاثا ثم أربعا ثم رد الإبهام على الأصابع في الذنب الخامس ثم يطبع على قلبه. قال مجاهد: فأيكم يرى أنه لم يطبع على قلبه. وعن عمر بن ذر عن مجاهد قال إذا أراد أحدكم أن ينام فليستقبل القبلة ولينم على يمينه وليذكر الله وليكن آخر كلامه عند منامه لا اله إلا الله فإنها وفاء لا يدري لعلها تكون منيته ثم قرأ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] . اسند مجاهد عن ابن عباس وابن عمر وابن عمرو وجابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة ورافع بن خديج في آخرين وحدث عن عائشة إلا أن حديثه عنها مرسل لأنه لم يسمع منها. وحدث عنه من أعلام التابعين عطاء وطاوس وعكرمة في خلق كثير. ذكر وفاته: قال الفضل بن ذكين مات مجاهد سنة اثنتين ومائة يوم السبت وهو ساجد وقال يوسف بن سليمان توفي مجاهد بمكة سنة ثلاث ومائة. وعن يحيى بن سعيد قال مات مجاهد سنة أربع ومائة وقال ابن جريج بلغ مجاهد يوم مات ثلاثا وثمانين سنة رحمه الله تعالى.

стр. 562

٢٠٩- عطاء بن أبي رباح اسم أبي رباح اسلم وكان عطاء من مولدي الجند نشا بمكة وهو مولى آل أبي ميسرة الفهري وكان عطاء يكنى أبا محمد. عن أبي عبد الله يعني احمد بن حنبل قال العلم خزائن يقسم الله لمن احب لو كان يخص بالعلم أحد لكان بيت النبي ﷺ أولى، كان عطاء بن أبي رباح حبشيا وكان يزيد بن بي حبيب نوبيا اسود وكان الحسن مولى للأنصار. وكان ابن سيرين مولى للأنصار.

стр. 563

وقال إبراهيم بن إسحاق الحربي كان عطاء بن أبي رباح عبدا اسود لامرأة من أهل مكة وكان انفه كأنه باقلاة قال وجاء سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين إلى عطاء هو وابناه فجلسوا إليه وهو يصلي فلما صلى انفتل إليهم فما زالوا يسألونه عن مناسك الحج وقد حول قفاه إليهم ثم قال سليمان لابنيه قوما فقاما فقال يا ابني لاتنيا في طلب العلم فإني لا أنسى ذلنا بين يدي هذا العبد الأسود. وعن احمد بن محمد قال كانت الحلقة في الفتيا بمكة في المسجد الحرام لابن عباس وبعد ابن عباس لعطاء بن أبي رباح. وعن سلمة بن كهيل قال ما رأيت أحدا يريد بهذا العلم وجه الله غير هؤلاء الثلاثة عطاء وطاوس ومجاهد. وعن ابن جريج قال كان المسجد فراش عطاء بن أبي رباح عشرين سنة. وعن عمر بن ذر قال ما رأيت مثل عطاء قط وما رأيت على عطاء قميصا ولا رأيت عليه ثوبا يساوي خمسة دراهم. وعن إسماعيل بن أمية قال كان عطاء يطيل الصمت فإذا تكلم يخيل إلينا انه يؤيد وعن عمرو بن سعيد عن أمه قالت قدم ابن عمر مكة فسألوه فقال أتجمعون لي يا أهل مكة المسائل وفيكم ابن أبي رباح. وعن عبد الله بن إبراهيم بن عمرو بن كيسان قال اخبرني أبي قال اذكرهم في زمان بني أمية يأمرون في الحاج صائحا يصيح لا يفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح فإن لم يكن عطاء فعبد الله بن أبي نجيح وعن الأوزاعي قال ما رأيت أحدا خشع لله من عطاء ولا أطول حزنا من يحيى بن أبي كثير. وعن يعلى بن عبيد قال دخلنا على محمد بن سوقة فقال أحدثكم بحديث لعله إن ينفعكم فانه قد نفعني ثم قال قال لنا عطاء بن أبي رباح يا بني أخي إن من كان قبلكم كانوا يكرهون فضول الكلام وكانوا يعدون فضوله ما عدا كتاب الله إن تقراه وتأمر بمعروف أو تنهى عن منكر أو تنطق بحاجتك في معيشك التي لا بد لك منها أتنكرون أن عليكم حافظين كراما كاتبين عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد أما يستحي أحدكم أن لو نشرت عليه صحيفته التي أمل صدر نهاره فإن اكثر ما فيها ليس من أمر دينه ولا دنياه.

стр. 564

وعن ابن جريج قال كان عطاء بعدما كبر وضعف يقوم إلى الصلاة فيقرا مائتي آية من البقرة وهو قائم ما يزول منه شيء ولا يتحرك. وعن ابن عيينة قال قلت لابن جريح ما رأيت مصليا مثلك قال لو رأيت عطاء. وعن معاذ بن سعيد قال كنا عند عطاء بن أبي رباح فتحدث رجل بحديث فاعترض له آخر في حديثه فقال عطاء سبحان الله ما هذه الأخلاق ما هذه الأخلاق اني لأسمع الحديث من الرجل وأنا اعلم منه به فأريه اني لا أحسن منه شيئا. وعن عثمان بن الأسود قال قلت لعطاء الرجل يمر بالقوم فيقذفه بعضهم أيخبره قال لا المجالس بالأمانة. وعن ابن أبي ليلى قال حج عطاء سبعين حجة وعاش مائة سنة اسند عطاء عن ابن عمر وابن عمرو وأبي سعيد وأبي هريرة وزيد بن خالد الجهني وابن عباس وابن الزبير في آخرين من الصحابة. وروى عنه جماعة من التابعين كعمرو بن دينار والزهري وقتادة وأيوب في آخرين ومات عطاء بمكة في سنة خمس عشرة ومائة وقيل سنة أربع عشرة وهو ابن ثمان وثمانين سنة ﵀.

стр. 565

٢١٠- عبد الله بن عبيد بن عمير وكان من افصح أهل مكة. عن هارون البربري عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال الإيمان قائد والعمل سائق والنفس حرون فإذا ونى قائدها لم تستقم لسائقها وإذا ونى سائقها لم تستقم لقائدها ولا يصلح هذا إلا مع هذا حتى تقوم على الخير الإيمان بالله مع العمل لله والعمل لله مع الإيمان بالله. وعن الوصافي عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال لا ينبغي لمن اخذ بالتقوى وزن بالورع أن يذل لصاحب الدنيا. وعن وهب بن جرير قال أنبأ أبي قال سمعت عبد الله بن عبيد بن عمير يقول بعث سليمان بن داود إلى مارد من مردة الجن فأتي به فلما كان على باب سليمان اخذ عودا وذرعه بذراعه ثم رمى به من وراء الحائط فوقع بين يدي سليمان فقال ما هذا فاخبر بما صنع المارد فقال أتدرون ما أراد قالوا لا قال يقول اصنع ما شئت فانك تصير إلى مثل هذا من الأرض. اسند عبد الله عن أبيه وغيره وتوفي سنة ثلاث عشرة ومائة بمكة وكان صالحا.
следующие страницы →