← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12031

صفة الصفوة

ابن الجوزي

Полный текст (1 666 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

أن يقطع لك من ثمنه بمثل ما كان للعمال وقد عهدتك وأنت تخرج من بيتك في الليلة المظلمة الماطرة الوحلة بغير سراج ولعمري لانت يومئذ خير منك اليوم والسلام. وعن رجاء بن حيوة قال كان عمر بن عبد العزيز من أعطر الناس وأخليهم في مشيته فلما استخلف قوموا ثيابه اثني عشر درهما كمته وعمامته وقميصه وقباءه وقرطقه ورداءه وخفية. وعن يونس بن أبي شبيب قال شهدت عمر بن عبد العزيز وهو يطوف بالبيت وان حجزة ازاره لغائبه في عنكه ثم رأيته بعدما استخلف ولو شئت أن اعد أضلاعه من غير أن أمسها لفعلت. وعن مسلمة بن عبد الملك قال دخلت على عمر بن عبد العزيز أعوده في مرضه فإذا عليه قميص وسخ فقلت لفاطمة بنت عبد الملك يا فاطمة اغسلي قميص أمير المؤمنين قالت نفعل إن شاء الله ثم عدت فإذا القميص على حاله فقلت يا فاطمة ألم آمركم أن تغسلوا قميص أمير المؤمنين فان الناس يعودونه؟ قالت والله ما له قميص غيره. وعن الفهري عن أبيه قال كان عمر بن عبد العزيز يقسم تفاح الفيء فتناول ابن له صغير تفاحة فانتزعها من فيه فأوجعه فسعى إلى أمه مستعبرا فأرسلت إلى السوق فاشترت له تفاحا فلما رجع عمر وجد ريح التفاح فقال يا فاطمة هل أتيت شيئا من هذا الفيء قالت لا وقصت عليه القصة فقال والله لقد انتزعتها من ابني لكأنما نزعتها من قلبي ولكن كرهت أن أضيع نصيبي من الله بتفاحة من فيء المسلمين. وعن شيخ من أهل الشام قال لما مات عمر بن عبد العزيز كان استودع مولى إليه سفطا يكون عنده فجاءوه فقالوا السفط الذي كان استودعك عمر قال ما لكم فيه خير فأبوا حتى رفعوا ذلك إلى يزيد بن عبد الملك فدعا بالسفط ودعا بني أمية وقال خيركم هذا فقد وجدنا له سفطا وديعة قد استودعها ففتحوه فإذا فيه مقطعات من مسوح كان يلبسها بالليل. وعن عبد السلام مولى مسلمة بن عبد الملك قال بكى عمر بن عبد العزيز فبكت فاطمة فبكى أهل الدار لا يدري هؤلاء ما أبكي هؤلاء فلما تجلت عنهم العبرة قالت له فاطمة بابي أنت يا أمير المؤمنين مم بكيت قال ذكرت منصرف القوم من بين يدي الله فريق في الجنة وفريق في السعير ثم صرخ وغشي عليه. وعن زياد بن أبي زياد المديني قال أرسلني ابن عامر بن أبي ربيعة إلى عمر بن عبد العزيز

стр. 492

في حوائج له فدخلت عليه وعنده كاتب يكتب فقلت السلام عليكم. فقال وعليك السلام ثم انتبهت فقلت السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته فقال يا ابن أبي زياد أننا لسنا ننكر الأولى التي قلت والكاتب يقرأ عليه مظالم جاءت من البصرة فقال لي اجلس فجلست على اسكفة الباب وهو يقرأ وعمر يتنفس صعدا فلما فرغ أخرج من كان في البيت حتى وصيفا كان فيه ثم قام يمشي إلي حتى جلس بين يدي ووضع يديه على ركبتي ثم قال يا ابن أبي زياد استدفأت في مدرعتك هذه قال وعلي مدرعة من صوف واسترحت مما نحن فيه ثم سألني عن صلحاء أهل المدينة رجالهم ونسائهم فما ترك منهم أحدا إلا سألني عن أمور كان أمر بها بالمدينة فأخبرته ثم قال لي يا ابن أبي زياد إلا ترى ما وقعت فيه قال قلت ابشر يا أمير المؤمنين أني أرجو لك خيرا قال هيهات هيهات قال ثم بكى حتى جعلت ارثي له فقلت: يا أمير المؤمنين بعض ما تصنع فإني أرجو لك خيراً قال: هيهات هيهات اشتم ولا اشتم وأضرب ولا أضرب وأوذي ولا أوذي ثم بكى حتى جعلت أرثي له فأقمت حتى قضى حوائجي ثم أخرج من تحت فراشه عشرين دينارا فقال استعن بهذه فانه لو كان لك في الفيء حق أعطيناك حقك إنما أنت عبد فأبيت أن آخذها فقال إنما هي نفقتي فلم يزلبي حتى أخذتها وكتب إلي مولاي الموالي يسأله أن يبيعني منه فأبى واعتقني. وعن عمرو بن مهاجر قال قال لي عمر بن عبد العزيز إذا رأيتني قد ملت عن الحق فضع يدك في تلبابي ثم هزني ثم قال يا عمر ما تصنع؟ وعن عبيد الله بن محمد التميمي قال سمعت أبي وغيره يحدث أن عمر بن عبد العزيز لما ولي منع قرابته ما كان يجري عليهم واخذ منهم القطائع التي كانت في أيديهم فشكوا إلى عمته أم عمر فدخلت فقالت إن قرابتك يشكونك ويزعمون انك أخذت منه خير غيرك قال منعتهم حقا ولا أخذت منهم حقا فقالت أني رأيتهم يتكلمون وأني أخاف أن يهجوا عليك يوما عصيبا فقال كل يوم أخافه دون القيامة فلا وقاني الله شره قال ودعا بدينار وخبث ومجمرة فألقى الدينار في النار وجعل ينفخ على الدينار حتى إذا احمر تناوله بشيء فألقاه على الخبث فنش فقال أي عمة آما تأوين لابن أخيك من مثل هذا فقامت فخرجت على قرابته فقالت تزوجون إلى آل عمر فإذا نزعوا الشبه جزعتم اصبروا له. وعن أبي سليم الهذلي قال وخطب عمر بن عبد العزيز فقال:

стр. 493

أما بعد فان الله لم يخلقكم عبثا ولم يدع شيئا من أمركم سدى وان لكم معادا فخاب وخسر من خرج من رحمة الله وحرم الجنة التي عرضها السموات والأرض واشترى قليلا بكثير فانياً بباق وخوفا بامن إلا ترون أنكم في أسلاب الهالكين وسيخلفها بعدكم الباقون كذلك حتى ترد إلى خير الوارثين في كل يوم وليلة تشيعون غاديا ورائحا إلى الله قد قضى نحبه وانقضى اجله حتى تغيبوه في صدع من الأرض في بطن صدع ثم تدعونه غير ممهد ولا موسد قد خلع الأسباب وفارق الأحباب وسكن التراب وواجه الحساب مرتهنا بعمله فقيرا إلى ما قدم غنيا عما ترك فاتقوا الله قبل نزول الموت وايم الله أني لأقول لكم هذه المقالة وما اعلم عند أحد مكنم من الذنوب ما اعلم عندي وما يبلغني عن أحد منكم ما يسعه ما عندي إلا وددت انه يمكنني تغييره حتى يستوي عيشنا وعيشه وايم الله لو أردت غير ذلك من الغضارة والعيش لكان اللسان مني به ذلولا عالما بأسبابه ولكن سبق من الله كتاب ناطق وسنة عادلة دل فيها على طاعته ونهى فيها عن معصيته. ثم وضع طرف ردائه على وجهه فبكى وشهق وبكى الناس وكانت آخر خطبة خطبها. سعيد بن محمد الثقفي قال سمعت القاسم بن عزوان قال كان عمر بن عبد العزيز يتمثل بهذه الأبيات: أيقظان أنت اليوم أم أنت نائم ... وكيف يطيق النوم حيران هائم فلو كنت يقظان الغداة لحرقت ... مدامع عينيك الدموع السواجم بل أصبحت في النوم الطويل وقد دنت ... إليك أمور مفظعات عظائم نهارك يا مغرور سهو وغفلة ... وليلك نوم والردى لك لازم يغرك ما يغنى وتشغل بالمنى ... كما غر باللذات في النوم حالم وتشغل فيما سوف تكره غبه ... كذلك في الدنيا تعيش البهائم وعن القاسم بن غزوان قال كان عمر بن عبد العزيز يتمثل بهذه الأبيات. وعن هاشم قال لما كانت الصرعة التي هلك فيها عمر دخل عليه مسلمة بن عبد الملك فقال يا أمير المؤمنين انك أفقرت أفواه وولدك من هذا المال وتركتهم علية لا شيء لهم فلو وصيت بهم إلي والى نظرائي من أهل بيتك. قال فقال اسندوني ثم قال أما قولك أني أفقرت أفواه ولدي من هذا المال فوالله أني ما منعتهم حقا هو لهم ولم أعطهم ما ليس لهم وأما قولك لو أوصيت بهم فان وصيي

стр. 494

ووليي فيهم الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين بني أحد الرجلين إما رجل يتقي الله فسيجعل الله له مخرجاً وإما رجل مكب على المعاصي فإني لم اكن أقويه على معاصي الله. ثم بعث إليهم وهم بضعة عشر ذكرا قال فنظر إليهم فذرفت عيناه ثم قال بنفسي الفتية الذين تركتهم عيلة لا شيء لهم فإني بحمد الله قد تركتهم بخير أي بني إن أباكم مثل بين أمرين بين أن تستغنوا ويدخل أبوكم النار أو تفتقروا ويدخل أبوكم الجنة فكان أن تفتقروا ويدخل الجنة أحب إليه من أن تستغنوا ويدخل النار قوموا عصمكم الله. وعن ليث بن أبي رقية عن عمر انه لما كان مرضه الذي قبض فيه قال أجلسوني فأجلسوه ثم قال أنا الذي أمرتني فقصرت ونهيتني فعصيت ولكن لا اله إلا الله ثم رفع رأسه واحد النظر فقالوا له انك لتنظر نظرا شديدا فقال أني لأرى حضرة ما هم بأنس ولا جان ثم قبض ﵁. اسند عمر بن عبد العزيز عن عبد الله بن عمر وانس بن مالك وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب وعمر بن أبي سلمة والسائب بن يزيد ويوسف بن عبد الله ابن سلام. وقد أرسل الحديث عن القدماء منهم عبادة بن الصامت والمغيرة بن شعبة وتميم الداري وعائشة وأم هانئ. وقد روى عن خلق كثير من كبار التابعين كسعيد بن المسيب وعبد الله بن إبراهيم بن قارظ وسالم وأبي سلمة وعروة وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وخارجة بن زيد وعامر بن سعد بن أبي وقاص وأبي بردة بن أبي موسى والربيع بن سبرة وعراك ابن مالك وأبي حازم والزهري والقرظي في خلق كثير يطول ذكرهم وقد ذكرنا مسنداته عنهم في كتاب أفردناه لأخباره وفضائله ولهذا اقتصرنا على هذه النبذة من أخباره ها هنا. وتوفي ﵁ لعشر ليال بقين من رجب سنة إحدى ومائة وهو ابن تسع وثلاثين سنة واشهر وكانت خلافته سنتين وخمسة اشهر ومات بدير سمعان وقبر هناك وكان له ﵁ أولاد إلا انه كان عينهم.

стр. 495

١٧٣- عبد الملك ابن عمر بن عبد العزيز ونحن نذكر ها هنا طرفا من أخباره وان كان دون طبقة أبيه لكنا ألحقناه به لان مات في حياة أبيه. وعن بعض مشيخة أهل الشام قال كنا نرى أن عمر بن عبد العزيز إنما ادخله في العبادة ما رأى من ابنه عبد الملك.

стр. 496

وعن إسماعيل بن أبي حكيم قال غضب عمر بن عبد العزيز يوما فاشتد غضبه وكان فيه حدة وعبد الملك حاضر فلما سكن غضبه قال يا أمير المؤمنين أنت في قدر نعمة الله عليك وموضعك الذي وضعك الله به وما ولاك من أمر عباده يبلغ بك الغضب بما آري قال كيف قلت فأعاد عليه كلامه فقال آما تغضب يا عبد الملك فقال ما تغنى سعة جوفي إن لم اردد فيه الغضب حتى لا يظهر منه شيء اكرهه. دخل عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز على عمر فقال يا أمير المؤمنين إن لي إليك حاجة فأخلني وعنده مسلمة بن عبد الملك فقال عمر اسردون عمك قال نعم فقال مسلمة وخرج وجلس بين يديه فقال يا أمير المؤمنين ما أنت قائل لربك غدا إذا سالك فقال رأيت بدعة تمتها أو سنة فلم تحيها فقال له يا بني أشيء حملك الرغبة إلي أم رأي رايته من قبل نفسك قال لا والله ولكن رأي رايته من قبل نفسي عرفت انك مسؤول فما أنت قائل فقال له أبوه رحمك الله وجزاك من ولد خيرا فوالله أني لأرجو أن تكون من الأعوان على الخير يا بني إن قومك قد شدوا هذا الأمر عقدة عقدة وعروة عروة ومتى ما أريد مكابرتهم على انتزاع ما في أيدهم لم آمن أن يفتقوا علي فتقا تكثر فيه الدماء والله لزوال الدنيا أهون علي من أن يهراق في سببي محجة من دم أو ما ترضى أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة ويحيي فيه سنة حتى يحكم الله بيننا بالحق وهو خير الحاكمين. وعن إسماعيل بن أبي حكيم قال دخل عبد الملك على أبيه عمر فقال أين وقع لك رأيك فيما ذكر لك مزاحم من رد المظالم فقال علي إنفاذه فرفع عمر يده ثم قال الحمد لله الذي جعل لي من ذريتي من يعينني على أمر ديني نعم يا بني اصلي الظهر إن شاء الله ثم اصعد المنبر فأردها على رؤوس الناس فقال عبد الملك يا أمير المؤمنين من لك بالظهر ومن لك إن بقيت أن تسلم لك نيتك فقال عمر فقد تفرق الناس للقائلة فقال عبد الملك تأمر مناديك فينادي الصلاة جامعة ثم يجتمع الناس فأمر مناديه فنادى. وعن ابن أبي عبلة قال جلس عمر يوما للناس فلما انتصف النهار ضجر ومل فقال للناس مكانكم حتى انصرف إليكم ودخل ليستريح ساعة فجاء إليه ابنه عبد الملك فسأل عنه فقالوا دخل فاستأذن عليه فأذن له فلما دخل قال يا أمير المؤمنين ما أدخلك قال أردت أن

стр. 497

استريح ساعة قال أو آمنت الموت أن يأتيك ورعيتك على بابك ينتظرونك وأنت محتجب عنهم فقام عمر فخرج إلى الناس. وعن زياد بن أبي حسان انه شهد عمر بن عبد العزيز حين دفن ابنه عبد الملك استوى قائما وأحاط به الناس فقال والله يا بني لقد كنت برا بابيك والله ما زلت منذ وهبك الله لي مسرورا بك ولا والله ما كنت قط اشد سرورا ولا أرجى لحظي من الله فيك منذ وضعتك في المنزل الذي صيرك الله إليه فرحمك الله وغفر لك ذنبك وجزاك بأحسن عملك ورحم كل شافع يشفع لك بخير من شاهد وغائب رضينا بقضاء الله وسلمنا لأمره الحمد لله رب العالمين ثم انصرف. اقتصرنا على هذا القدر من أخبار عبد الملك لانا قد أدرجنا أخباره في الكتاب الذي جمعنا فيه أخبار أبيه والله الموفق ﵀ ورحم أباه.

стр. 498

١٧٤- امر بن عبد الله بن الزبير بن العوام عن مالك بن انس قال: كان عامر بن عبد الله بن الزبير يقف عند موضع الجنائز يدعو وعليه قطيفة فربما سقطت عنه القطيفة وما يشعر بها. وعنه قال: ربما خرج عامر بن عبد الله بن الزبير منصرفاً من العتمة من مسجد رسول الله ﷺ فيعرض له الدعاء قبل أن يصل إلى منزله فيرفع يديه فما يزال كذلك حتى ينادي بالصبح فيرجع إلى المسجد فيصلي الصبح بوضوء العتمة. قال معن وسمعت أن عامر بن عبد الله ربما أخرج البدرة فيها عشرة آلاف درهم فيقسمها فما يصلي العتمة ومعه منها درهم. وعن سفيان بن عيينة قال: اشترى عامر بن عبد الله بن الزبير نفسه من الله بتسع دياتٍ. وعن أبي مودود قال: كان عامر بن عبد الله بن الزبير يتحيّن العباد وهم سجود أبا حازم وصفوان بن سليم وسليمان بن شحم، وأشباههم فيأتيهم بالصرّة فيها الدنانير والدراهم فيضعها عند نعالهم بحيث يحسون بها ولا يشعرون بمكانه. فيقال له: ما يمنعك أن ترسل بها إليهم؟ فيقول: اكره أن يتمعَّر وجه أحدهم إذا نظر إلى رسولي وإذ لقيني. وعن عياش بن المغيرة قال: كان عامر بن عبد الله بن الزبير إذا شهد جنازة وقف على

стр. 499

القبر فقال: إلا أراك ضيقاً؟ إلا أراك دقعاً؟ إلا أراك مظلماً؟ إن سلمت لأتاهبن لك اهبتك. فأول شيء تراه عيناه من ماله يتقرب به إلى ربه وإن كان رقيقه ليتعرضون له عند انصرافه من الجنائز ليعتقهم. وعن مصعب بن عبد الله قال: سمع عامر بن عبد الله المؤذن وهو يجود بنفسه ومنزله قريب من المسجد فقال: خذوا بيدي فقيل له: انك عليل قال: اسمع داعي الله فلا أجيبه فاخذوا بيده فدخل في صلاة المغرب فركع مع الإمام ركعةً ثم مات. اسند عامر عن أبيه وغيره من الصحابة وحدث عن خلق كثيرٍ من التابعين قال محمد بن سعد توفي عامر قبل هشام بن عبد الملك أو بعده بقليل ومات سنة أربع وعشرين ومائة.

стр. 500

١٧٥- أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وكان على قضاء المدينة فلما ولي عمر بن عبد العزيز ولاه إمرة المدينة روى عطاف بن خالد عن أمه عن إمرة أبي بكر محمد بن عمور بن حزم أنها قالت ما اضطجع أبو بكر على فراشه منذ أربعين سنة بالليل. توفي أبو بكر في سنة عشرين ومائة وهو ابن أربع وثمانين سنة ﵀.

стр. 501

١٧٦- محمد بن كعب القرظي يكنى أبا حمزة عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب القرظي قال إذا أراد الله بعبد خيرا جعل فيه ثلاث خصال فقها في الدين وزهادة في الدنيا وبصرا بعيوبه. عن يزيد بن عبد الملك بن المغيرة عن محمد بن كعب قال من قرأ القرآن متع بعقله وان بلغ مائتي سنة. روى أبو كثير النصري قال قالت أم محمد بن كعب القرظي لمحمد يا بني لولا أني أعرفك صغيرا طيبا وكبيرا طيبا لظننت انك أحدثت ذنبا موبقا لما أراك تصنع بنفسك في الليل والنهار قال يا أماه وما يؤمنني أن يكون الله قد اطلع علي وأنا في بعض ذنوبي فمقتني فقال اذهب لا اغفر لك مع أن عجائب القرآن ترد بي على أمور حتى انه لينقضي الليل ولم افرغ من حاجتي.

стр. 502

وقال محمد بن كعب لان أقرا في ليلتي حتى اصبح إذا زلزلت الأرض زلزالها سورة الزلزلة والقارعة سورة القارعة لا أزيد عليهما وأتفكر فيهما وأتردد احب إلي من أن اهذ القرآن هذا أو قال انثره نثرا. وعن عيسى بن يونس قال كنا عند محمد بن كعب القرظي فاتاه رجل فقال يا عبد الله ما تقول في التوبة قال ما أحسنها قال أف رأيت إن أعطيت الله عهدا أن لا اعصيه أبدا فقال له محمد فمن حينئذ اعظم جرما منك تتألى على الله أن لا ينفذ فيك أمره. اسند محمد بن كعب عن زيد بن أرقم والمغيرة بن شعبة وأبي هريرة وانس وابن عباس وعبد الله بن يزيد الخطمي في آخرين من الصحابة ﵃. قال الواقدي مات سنة سبع عشرة أو ثمان عشرة ومائة وقال غيره سنة تسع وعشرين وقيل كان يقص على أصحابه فسقط المسجد عليه وعليهم فقتلهم ﵀.

стр. 503

١٧٧- أبو عمرو بن حماس وقد اختلف علينا في اسمه فقيل يوسف بن يونس وقيل يونس بن يوسف. قال محمد بن طلحة كان أبو عمرو متعبدا متجهدا يصلي الليل وكان شديد النظر إلى النساء فدعا الله أن يذهب بصره فذهب بصره فلم يحتمل العمى فدعا الله أن يرد عليه بصره فبينا هو في المسجد إذ رفع رأسه فنظر إلى القنديل فدعا غلامه فقال ما هذا قال القنديل قال وذاك وذاك يعد قناديل المسجد وخر ساجدا شكر الله إذ رد عليه بصره فكان بعد ذلك إذا رأى المرأة طأطأ رأسه وكان يصوم الدهر. وعن مالك بن انس قال كان يونس بن يوسف من العباد أو من خيار الناس. شك عبد الرحمن فاقبل ذات يوم وهو رائح من المسجد فلقيته امرأة فوقع في نفسه منها فقال اللهم انك جعلت لي بصري نعمة وقد خشيت أن يكون علي نقمة فاقبضه إليك قال فعمي وكان يروح إلى المسجد يقوده ابن أخ له فإذا استقبل به الاسطوانة اشتغل الصبي يلعب مع الصبيان فان نابته حاجة حصبه فاقبل إليه فبينا هو ذات يوم ضحوة في المسجد إذ أحس في بطنه بشيء فحصب الصبي فشغل الصبي مع الصبيان حتى خاف الشيخ على نفسه فقال اللهم انك كنت جعلت لي بصري نعمة وخشيت أن يكون نقمة فسألتك فقبضته إليك وقد خشيت الفضيحة فرده إلي فانصرف إلى منزله صحيحا يمشي. قال مالك فرأيته أعمى ورأيته صحيحا.

стр. 504

ومن الطبقة الرابعة من أهل المدينة ١٧٨- محمد بن مسلم بن شهاب الزهري يكنى أبا بكر عن إبراهيم بن سعد عن أبيه قال: ما أرى أحداً جمع بعد رسول الله ﷺ ما جمع ابن شهاب. وقال مالك بن أنس: ما أدركت فقيها محدّثاً غير واحد. فقلت من هو؟ فقال ابن شهاب الزهري. وعنه أنه قال: إن هذا الحديث دينٌ فانظروا عمّن تأخذون دينكم والله لقد أدركت ها هنا، وأشار إلى مسجد رسول الله ﷺ سبعين رجلاً كلّهم يقول، قال فلان، قال رسول الله ﷺ فلم آخذ عن أحد منهم حرفاً لأنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن، ولقد قدم علينا محمد بن شهاب الزهري وهو شاب فازدحمنا على بابه لأنه كان من أهل هذا الشأن. وقال أيوب: ما رأيت أحداً اعلم من الزهري فقال صخر بن جويرية: ولا الحسن؟ قال ما رأيت أحداً أعلم من الزهري. وعن جعفر بن ربيعة قال: قلت لعراك بن مالك: من افقه أهل المدينة؟ قال: أما أعلمهم بقضايا رسول الله ﷺ وقضايا أبي بكر وعمر وعثمان أفقههم فقهاً وأعلمهم بما مضى من أمر الناس فسعيد بن المسيب: وأما أغزرهم حديثاً فعروة ابن الزبير ولا تشاءُ أن تفجّر من عبيد الله بن عبد الله بحراً إلا فجرته. قال عراك، فأعلمهم عندي جميعاً ابن شهاب فإنه جمع علمهم جميعاً إلى علمه. وعن معمر: قال رجل من قريش: قال لنا عمر بن عبد العزيز: أتأتون الزهري؟ قلنا نعم. قال: فأتوه فانه لم يبق أحد أعلم بسنّة ماضية منه قال: والحسن ونظراؤهيومئذ أحياء. وقال سفيان: مات الزهري يوم مات وليس أحد اعلم بالسنّة منه. وعن ابن شهاب انه كان يقول: ما استودعت قلبي شيئاً قط فنسيته. وعن الليث قال: ما رأيت عالماً قط اجمع من ابن شهاب ولا أكثر علماً منه، ولو

стр. 505

سمعت ابن شهاب يحدّث في الترغيب لقلت: لا يحسن إلا هذا، وان حدّث عن الأنبياء وأهل الكتاب لقلت: لا يُحسن إلا هذا، وإن حدّث عن الأعراب والأنساب لقلت لا يحسن إلا هذا. وان حدّث عن القرآن والسنة كان حديثه جامعاً. وعن مالك بن أنس قال أول من دون العلم ابن شهاب. وعن الزهري قال: ما استعدتُ حديثاً ولا شككتُ في حديثٍ قط إلا حديثاً واحداً فسألت صاحبي فإذا هو كما حفظت. وعن يونس بن يزيد قال: سمعت الزهري يقول أن هذا العلم إن أخذته بالمكابرة غلبك، ولم تظفر منه بشيء، ولكن خُذه مع الأيام والليالي أخذاً رفيقاً تظفر به. وعن سفيان قال: سمعت الزهري يقول: العلم ذكر لا يحبه إلا الذكور من الرجال. وعن معمر، عن الزهري قال: ما عبد الله بشيء أفضل من العلم. وعن عمرو بن دينار قال: ما رأيت أحداً أهون عليه الدينار والدرهم من ابن شهاب، وما كانت عنده إلا مثل البعر. وعن عقيل بن خالد، عن ابن شهاب انه كان يكون معه في السفر. قال: فكان يعطي من جاءه وسأله حتى إذا لم يبق معه شيء تسلَّف من أصحابه فلا يزالون يسلفونه حتى لا يبقى معهم شيء، فيحلفون انه لم يبق معهم شيء فيستسلف من عبيده فيقول: أي فلان أسلفني وأضعف لك كما تعلم فيسلفونه ولا يرى بذلك بأساً فربما جاءه السائل فيقول: أبشر فسيأتي الله بخير. فيقيّض الله لابن شهاب أحداً رجلين إما رجل يهدي له ما يسعهم وإما رجل يبيعه وينظره قال: وكان يطعمهم الثريد ويسقيهم العسل. أسند ابن شهاب عن ابن عمر وانس بن مالك وسهل بن سعد والسائب بن يزيد وعبد الله بن ثعلبة وأبي أمامة بن سهل بن حنيف وعبد الله بن عامر بن ربيعة وعبد الرحمن بن ازهر ومحمود بن الربيع ومحمود بن لبيد ومسعود بن الحكم وكثير ابن العباس وسنين أبي جميلة وأبي مويهبة وأبي الطفيل في آخرين من الصحابة ويذكر انه رأى ابن الزبير والحسن والحسين وسمع منهم. قال الواقدي: ولد الزهري في سنة ثمان وخمسين في آخر خلافة معاوية، وهي السنة التي ماتت فيها عائشة ومرض وأوصى أن يدفن على قارعة الطريق، ومات لسبع عشرة خلت من رمضان سنة أربع وعشرين ومائة وهو ابن خمس وسبعين سنة.

стр. 506

قال الحسن بن المتوكل رأيت قبره بأدامى، وهي أول عمل فلسطين وآخر عمل الحجاز. ﵀.

стр. 507

١٧٩- محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير بن محرز ابن عبد العزّى ابن عامر بن الحارث بن حارثة ابن سعد بن تيم بن مرة يكنى أبا عبد الله أمه أم ولد. عن الزبير بن بكار قال: جاء المنكدر بن عبد الله إلى عائشة أم المؤمنين فشكا إليها الحاجة فقالت: أول شيء يأتيني ابعث به إليك فجاءتها عشرة آلاف درهم فقالت: سرُعَ ما امتحنت به يا عائشة. ما امتحنت به يا عائشة وبعثت بها إليه فاتخذ منها جارية فولدت له بنيه. محمداً وأبا بكر وعمر. وكلّهم يذكر بالصلاح والعبادة، ويحمل عنه الحديث. وعن أبي معشر قال: دخل المنكدر على عائشة فقالت: لك ولد؟ قال: لا. فقالت: لو كان عندي عشرة آلاف درهم لوهبتها لك. قال: فما أمست إلا بعث إليها معاوية بمال فقالت ما أسرع ما ابتليت، وبعثت إلى المنكدر بعشرة آلاف فاشترى منها جارية فهي أمُّ محمدٍ وعُمر وأبي بكر. قال الشيخ ﵀: وإنما شكا المنكدر إلى عائشة للقرابة التي بينهما فإنه من ولد حارثة بن سعد بن تيم، وأبو بكر ﵁ من ولد كعب بن سعد بن تيم. وعن الحارث بن الصواف قال: قال محمد بن المنكدر: كابدتُ نفسي أربعين سنة حتى استقامت. وعن سفيان قال: كان محمد بن المنكدر ربما قام من الليل يصلّي ويقول كم من عين الآن ساهرةٌ في رزقي. وكان له جار مبتلىً فكان يرفع صوته من الليل يصيح وكان محمد يرفع صوته بالحمد. فقيل له في ذلك فقال: يرفع صوته بالبلاء وأرفع صوتي بالنعمة. يحيى بن الفضل الأبيسي قال: سمعت بعض من يذكر عن محمد بن المنكدر أنه بينا هو ذات ليلة قائم يصلّي إذا استبكى فكثر بكاؤه حتى فزع له أهله فسألوه: ما الذي أبكاك؟ فاستعجم عليهم، فتمادى في البكاء فأرسلوا إلى أبي حازم واخبروه بأمره، فجاء أبو حازم إليه فإذا هو يبكي فقال: يا أخي ما الذي أبكاك قد رعت أهلك؟ فقال له إني مرّت بي آية من

стр. 508

كتاب الله . قال: ما هي؟ قال: قول الله : ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ سورة الزمر آية ٤٧ قال: فبكى أبو حازم معه واشتدّ بكاؤهما. قال: فقال بعض أهله لأبي حازم: جئنا بك لتفرّج عنه فزدته. قال: فأخبرهم ما الذي أبكاهما. وعن عمر بن محمد المنكدر قال: كنت أمسك على أبي المصحف، قال: فمّرت مولاةٌ له فكلمها فضحك إليها. ثم أقبل يقول إنّا لله إنا لله حتى ظننت أنه قد حدث شيء. فقلت: ما لك؟ فقال: أما كان لي في القرآن شُغل حتى مرّت هذه فكلمتها. وعن محمد بن سوقة، عن محمد بن المنكدر قال: إن الله تعالى يحفظ المؤمن في ولده وولدَ ولده، ويحفظه في دُويرته وفي دُويراتٍ حوله، فما يزالون في حفظ وعافية ما كان بين أظهرهم. وعن سفيان قال: صلى ابن المنكدر على رجل فقيل له تصلي على فلان؟ فقال: إني أستحيي من الله أن يعلم مني أنّ رحمته تعجز عن أحدٍ من خلقه. وعن أبي معشر قال: بعث محمد بن المنكدر إلى صفوان بن سليم بأربعين ديناراً ثم قال لبنيه: يا بني ما ظنكم برجل فرّغ صفوان لعبادة ربه . وعن عبد الله بن المبارك قال: قال محمد بن المنكدر: بات عمر، يعني أخاه، يصلي وبتّ أغمز رجل أمي وما أحبّ أن ليلتي بليلته. وعن جعفر بن سليمان، عن محمد بن المنكدر انه كان يضع خدّه بالأرض ثم يقول لأمه: قومي ضعي قدمك على خدي. وعن محمد بن سوقة قال: سمعت محمد بن المنكدر يقول: نعم العون على تقوى الله الغني. قال سفيان بن عيينة: قيل لمحمد بن المنكدر: أيُّ العمل احب إليك؟ قال: إدخال السرور على المؤمن، قيل: فما بقي من لذّتك؟ قال: الإفضال على الإخوان. وعن عبد العزيز بن يعقوب الماجشون، أخي يوسف، قال: قال أبي إن رؤية محمد بن المنكدر تنفعني في ديني. وعن سفيان بن عيينة قال: قال محمد بن المنكدر: الفقيه يدخل بين الله وبين عباده، فلينظر كيف يدخل. أسند محمد بن المنكدر عن ابن عمر وأبي قتادة وجابر وأبي هريرة وابن عباس وأنس بن مالك وأميمة بنت رقيقة.

стр. 509

وروى عن كبار التابعين كالحسن وعروة وسعيد بن خيبر والزهري وأبي حازم ويحيى بن سعيد وأيوب ويونس بن عبيد، في خلقٍ يطول ذكرهم. ذكر وفاته ﵁: عن عكرمة عن محمد بن المنكدر أنه جزع عند الموت فقيل له: لم تجزع؟ قال: أخشى آيةً من كتاب الله ، قال الله : ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧] فإني أخشى أن يبدو لي من الله ما لم أكن أحتسب. وعن ابن زيد قال: أتى صفوان بن سليم إلى محمد بن المنكدر وهو في الموت فقال: يا أبا عبد الله كأني أراك قد شقّ عليك الموت؟ قال: فما زال يهوّن عليه الأمر وينجلي عن محمد حتى لكأن في وجهه المصابيح. ثم قال له محمد: لو ترى ما أنا فيه لقرّت عينك. ثم قضى ﵀. توفي محمد بن المنكدر بالمدينة سنة ثلاثين أو إحدى وثلاثين ومائة

стр. 510

١٨٠- عمر بن المنكدر عن نافع بن عمر قال: قالت أم عمر بن المنكدر لعُمر: إني اشتهي أن أراك نائماً. فقال: يا أماه والله أن الليل ليرد عليَّ فيهولني فينقضي عني وما قضيت منه أربي. وعن سالم أبي بسطام قال: كان عمر بن المنكدر لا ينام الليل يُكثر البكاء على نفسه فشق ذلك على أمه فقالت لأخيه محمد بن المنكدر: إن الذي يصنع عمر يشقّ عليّ فلو كلّمته في ذلك. فاستعان عليه بابي حازم فقالا له: أن الذي تصنع يشق على أمك. قال: فكيف أصنع؟ إن الليل إذا دخل عليَّ هالني فأستفتح القرآن وما تنقصني نهمتي فيه. قالا: فالبكاء؟ قال: آية من كتاب الله أبكتني قالا وما هي؟ قال: قوله : ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُون﴾ [الزمر: ٤٧] . وعن عبد الرحمن بن حفص القرشي قال: بعث بعض الأمراء إلى عمر بن المنكدر بمال فجاء به الرسول فوضعه بين يديه فجعل عمر ينظر إليه ويبكي ثم جاء أبو بكر فلما رأى عمر يبكي جلس يبكي لبكائه ثم جاء محمد فجلس يبكي لبكائهما. فاشتد بكاؤهم جميعاً. فبكى الرسول أيضاً لبكائهم ثم أرسل إلى صاحبه فأخبره بذلك فأرسل ربيعة بن أبي عبد الرحمن

стр. 511

ليستعلم علم ذلك البكاء فجاء ربيعة فذكر ذلك لمحمد فقال محمد: سلْه فهو أعلم ببكائه فاستأذن عليه ربيعة فقال: يا أخي ما الذي أبكاك من صلة الأمير؟ قال: والله إني خشيت أن تغلب الدنيا على قلبي فلا يكون للآخرة فيه نصيب فذلك الذي أبكاني قال: وأمر بالمال فتصدق به على فقراء أهل المدينة، قال: فجاء ربيعة فأخبر الأمير بذلك فبكى وقال: هكذا يكون والله أهل الخير ﵀.

стр. 512

١٨١- سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف يكنى أبا إسحاق ولي قضاء المدينة عن شعبة قال: كان سعد يصوم الدهر ويقرأ القرآن في كل يوم وليلة. وعن عبيد الله بن سعد الزهري قال: قال: عمّى عن أبيه، قال: سَرَد أبي سعد ابن إبراهيم الصوم أربعين سنة. وعن مسعر عن سعد بن إبراهيم قال: قيل له من أفقه أهل المدينة؟ قال: أتقاهم لربه. وعن ابن سعد بن إبراهيم قال: كان أبي يحتبي فما يحلّ حبوته حتى يقرأ القرآن. وعنه قال: كان أبي سعد بن إبراهيم إذا كانت ليلة إحدى وعشرين وثلاث وعشرين، وخمس وعشرين، وسبع وعشرين، وتسع وعشرين لم يفطر حتى يختم القرآن وكان يفطر فيما بين المغرب والعشاء الآخرة. وكان كثيراً إذا أفطر يرسلني إلى مساكين فيأكلون معه ﵀. أسند سعد بن إبراهيم عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وأنس بن مالك ومحمد بن حاطب وسهل بن حنيف، ورأى ابن عمر. وروى عن أبيه وأبي سلمة وابن المسيب في خلق كثير من كبار التابعين. وروى عنه من التابعين: أيوب ويحيى بن سعيد. وتوفي بالمدينة سنة سبع وعشرين ومائة، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. ﵀.

стр. 513

١٨٢- عبد الرحمن بن أبان بن عثمان ابن عفان ﵏ روى عن أبيه. عن مصعب بن عثمان قال: كان عبد الرحمن بن أبان يشتري أهل البيت ثم يأمر بهم فيكسون ويدهنون ثم يعرضون عليه فيقول انتم أحرار لوجه الله استعين بكم على غمرات الموت. قال: فمات وهو قائم في مسجده يصلّي السُّبحة، يعني الضحى.

стр. 514

١٨٣- ربيعة بن أبي عبد الرحمن واسم أبي عبد الرحمن فروخ مولى آل المنكدر، ويكنى ربيعة أبا عثمان. ويقال أبا عبد الرحمن. اخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز بالإِسناد عن مشيخة أهل المدينة أن فرّوخاً أبا عبد الرحمن أبا ربيعة خرج في البعوث إلى خراسان أيام بني أمية غازياً وربيعة حمل في بطن أمه وخلف عند زوجته أمّ ربيعة ثلاثين آلف دينار. فقدم المدينة بعد سبع وعشرين سنة وهو راكب فرساً وفي يده رمح فنزل عن فرسه ثم دفع الباب برمحه فخرج ربيعة فقال له: يا عدو الله أتهجم على منزلي؟ فقال: لا، وقال فروخ: يا عدو الله أنت رجل دخلت على حرمي فتواثبا وتلبّب كل واحد منهما بصاحبه حتى اجتمع الجيران فبلغ مالك بن أنس والمشيخة فأتوا يعينون ربيعة فجعل ربيعة يقول: والله لا فارقتك إلا عند السلطان وجعل فرّوخ يقول: والله لا فارقتك إلا عند السلطان وأنت مع امرأتي. وكثر الضجيج فلما بصروا بمالك: سكت الناس كلُّهم. فقال مالك: أيها الشيخ لك سعة في غير هذه الديار. فقال الشيخ: هي داري وأنا فروخ مولى بني فلان. فسمعت امرأته كلامه فخرجت فقالت: هذا زوجي، وهذا ابنه الذي خلّفه وأنا حامل به فاعتنقا جميعاً وبكيا فدخل فروخ المنزل فقال: هذا ابني؟ قالت: نعم، قال: فأخرجي المال الذي عندك وهذه معي أربعة آلاف دينار. فقالت: المال قد دفنته وأنا أخرجه بعد أيام. فخرج ربيعة إلى المسجد وجلس في حلقته وأتاه مالك بن أنس والحسن بن زيد وابن أبي

стр. 515

علي اللهبي والمساحقي وأشراف المدينة وأحدق الناس به فقالت امرأته: اخرج فصلِّ في مسجد رسول الله ﷺ فخرج فنظر إلى حلقةٍ وافرة، فأتاه فوقف عليه ففرّجوا له قليلاً ونكس ربيعة رأسه يوهمه انه لم يره فقال: من هذا الرجل؟ فقالوا: هذا ربيعة بن أبي عبد الرحمن، فقال أبو عبد الرحمن: لقد رفع الله ابني. فرجع إلى منزله فقال لوالدته: لقد رأيت ولدك في حالةٍ ما رأيت أحداً من أهل الفقه والعلم عليها. فقالت أمه: فأيّما أحب إليك: ثلاثون آلف دينار أو هذا الذي هو فيه من الجاه؟ قال لا والله إلاّ هذا. قالت فإني أنفقت المال كله عليه قال: فوالله ما ضيَّعته. وعن ابن زيد قال: مكث ربيعة دهراً طويلاً عابداً يصلي الليل والنهار، فجالس القاسم فنطق بلب وعقل فكان القاسم إذا سئل عن شيء قال: سلوا هذا لربيعة. وعن يحيى بن سعيد قال: ما رأيت أحداً افطن من ربيعة. قال الليث: وقال لي عبيد الله بن عمر في ربيعة: هو صاحب معضلاتنا وأعلمنا وأفضلنا. وعن يحيى بن سعيد أنه قال: ما رأيت أحداً أسَّد عقلاً من ربيعة. وعن سّوار بن عبد الله قال: ما رأيت أحداً أعلم من ربيعة الرأي قلت: ولا الحسن وابن سيرين؟ قال: ولا الحسن وابن سيرين. وعن يونس بن يزيد قال: رأيت أبا حنيفة عند ربيعة وكان مجهود أبي حنيفة أن يفهم ما يقول ربيعة. وعن بكر بن عبد الله الشّرود الصنعاني قال: أتينا مالك بن أنس فجعل يحدثنا عن ربية الرأي فكنا نستزيده من حديث ربيعة. فقال لنا ذات يوم: ما تصنعون بربيعة؟ هو نائم في ذاك الطاق. فأتينا ربيعة فانبهناه فقلنا له: أنت ربيعة الذي يحدث عنك مالكٌ؟ قال: نعم. فقلنا له: كيف حظي بك مالكٌ؟ ولم تحظ أنت بنفسك؟ قال: أما علمتم أن مثقالاً من دولةٍ خير من حمل علمٍ. قال الشيخ ﵀: وكان السفاح قد أقدم عليه ربيعة الانبار ليوليه القضاء فلم يفعل، وعرض عليه العطاء فلم يقبل. وعن مالك قال: قال لي ربيعة حين أراد الخروج إلى العراق: أن سمعت إني حدثتهم شيئاً أو أفتيتهم فلا تعدّني شيئاً. فكان كما قال: لمّا قدمها لزم بيته فلم يخرج إليهم ولم يحدثهم بشيء حتى رجع قال مالك: لمّا قدم على أمير المؤمنين أبي العباس أمر له بجائزة فأبى أن يقبلها. فأعطاه خمسة آلاف درهم ليشتري بها جارية فأبى أن يقبلها.

стр. 516

وعن سفيان قال: كان ربيعة بن أبي عبد الرحمن يوماً جالساً فغطى رأسه ثم اضطجع فبكى فقيل له: ما يبكيك؟ فقال رثاء ظاهر وشهوة خفية. وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: لقد رأيت مشيخة المدينة وان لهم لغدائر وعليهم الممصَّر والمورَّد في أيديهم مخاصر، وفي أيدهم آثار الحِنّاء في هيئة الفتيان ودين أحدهم ابعد من الثريا إذا أريد على دينه. قال الشيخ: قد سمع ربيعة من أنس بن مالك والسائب بن يزيد وعامة التابعين من أهل المدينة. وروى عنه: مالك والثوري وشعبة والليث بن سعد. وقال أحمد بن حنبل: ربيعة بن أبي عبد الرحمن ثقة. وتوفي بالأنبار وقيل بل رجع إلى المدينة فمات بها. وذلك في سنة ست وثلاثين ومائة. وعن مالك بن أنس قال: ذهبت حلاوةُ الفقه منذ مات ربيعة بن أبي عبد الرحمن.

стр. 517

١٨٤- صفوان بن سُليم الزهري مولى حميد بن عبد الرحمن بن عوف يكنى أبا عبد الله. عن عبد العزيز بن أبي حازم قال: عادَلني صفوان بن سُليم إلى مكة فما وضع جنبه في المحمل حتى رجَع. وعن سليمان بن سالم قال: كان صفوان بن سليم في الصيف يصلّي بالليل في البيت، فإذا كان الشتاء صلّى في السطح لئلا ينام. عن أبي ضمرة أنس بن عياض قال: رأيت صفوان بن سليم ولو قيل له غداً القيامة، ما كان عنده مَزيد على ما هو عليه من العبادة. وعن أبي علقمة المديني قال: كان صفوان بن سليم لا يكاد يخرج من مسجد النبيّ ﷺ فإذا أراد أن يخرج بكى وقال: أخشى أن لا أعود إليه. وعن محمد بن أبي منصور قال: قال صفوان بن سليم أعطى الله عهداً أن لا أضع جنبي على فراشٍ حتى الحق بربي قال: فبلغني أن صفوان عاش بعد ذلك أربعين سنة لم يضع جنبه فلما نزل به الموت قيل له: رحمك الله ألا تضطجع؟ قال ما وفيتُ لله بالعهد إذاً.

стр. 518

قال: فأُسنِد فما زال كذلك حتى خرجت نفسه، قال: ويقول أهل المدينة، انه ثَفِنتْ جبهته من اثر السجود. وعن أبي مروان مولى بني تميم قال: انصرفت مع صفوان بن سليم من العيد إلى منزله فجاء بخبز يابس فجاء سائل فوقف على الباب وسأل فقام صفوان إلى كوّة في البيت فأخذ منها شيئا فأعطاه فاتّبعت ذلك السائل لأنظر ما أعطاه. فإذا هو يقول: أعطاه الله افضل ما أعطى أحداً من خلْقه فقلت ما أعطاك؟ قال: أعطاني ديناراً. وعن سفيان قال: جاء رجل من أهل الشام فقال: دلّوني على صفوان بن سليم؟ فإني رأيته دخل الجنة فقلت: بأي شيء؟ قال: بقميص كساه إنساناً. قال بعض إخوان صفوان: سألت صفوان عن قصة القميص قال: خرجت من المسجد في ليلة باردة فإذا رجل عُريان، فنزعت قميصي فكسوته. عن سعيد بن كثير بن يحيى قال: قدم سليمان بن عبد الملك المدينة وعمر بن عبد العزيز عامله عليها. قال: فصلى بالناس الظُهر ثم فتح باب المقصورة واستند إلى المحراب واستقبل الناس بوجهه، فنظر إلى صفوان بن سليم عن غير معرفة فقال: يا عمر مَن هذا الرجل، ما رأيت سَمْتاً أحسن منه؟ قال: يا أمير المؤمنين هذا صفوان بن سليم. قال: يا غلام كيس فيه خمس مائة دينار. فآتى بكيس فيه خمس مائة دينار فقال لخادمه: ترى هذا الرجل القائم يصلي فوصفه للغلام حتى أثبته فخرج الغلام بالكيس حتى جلس إلى صفوان فلما نظر إليه صفوان ركع وسجد ثم سلم واقبل عليه فقال: ما حاجتك؟ قال: امرني أمير المؤمنين، وهو ذا ينظر إليك واليّ أن ادفع هذا الكيس وفيه خمسُ مائةِ دينارٍ إليك وهو يقول: استعِنْ بهذا على زمانك وعلى عيالك. فقال صفوان للغلام: ليس أنا بالذي أرسلت إليه. فقال له الغلام: ألست صفوان بن سليم؟ قال: بلى أنا صفوان بن سليم. قال: فإليك أُرسِلت. قال: اذهب فاستثبت فإذا أثبت فهلم. فقال الغلام: فأمسك الكيس معك واذهبُ. قال: لا، إذا أمسكتُ كنتُ قد أخذتُ، ولكن اذهب فاستثبت فأنا ها هنا جالس. فولّى الغلام فأخذ صفوان نعليْه وخرج فلم يُرَ بها حتى خرج سليمان من المدينة. أبو مصعب قال لي ابن أبي حازم: دخلت أنا وأبي نسأل عنه، يعني صفوان بن سليم وهو في مصلاّه فما زال به أبي حتى ردّه إلى فراشه فأخبرْتني مولاته أنْ ساعةَ خرجتُم ماتَ. أسند صفوان بن سليم عن ابن عمر وجابر بن عبد الله وعبد الله بن جعفر وسهل بن

стр. 519

حنيف في آخرين، وسمع من كبار التابعين كسعيد بن المسيب وأبي سلمة وعروة وسالم وعكرمة وطاوس في خلقٍ كثير. عن أبي بكر بن صدقة قال: ذُكر لأحمد بن حنبل صفوان بن سليم وقلّةُ حديثه وأشياء خولف فيها. فقال: هذا رجل إنما كان يُستشفَى بحديثه ويُستنزَل القَطْرُ بذكْره. توفي صفوان بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين ومائة.

стр. 520

١٨٥- أبو حازم سلمة بن دينار الأعرج مولى لقوم من بني ليث بن بكر عن عبد الرحمن بن زيد بن اسلم قال: ما رأيت أحداً الحكمةُ إلى فِيهِ اقربُ من أبي حازم. وعن سفيان قال: قيل لأبي حازم ما مالُك؟ قال: ثقتي بالله ويأسى مما في أيدي الناس. وعن ثوابةُ بن رافع قال: قال أبو حازم: ما مضى من الدنيا فحُلْم وما بقي فأمانيّ. وعن محمد مطرف قال: ثنا أبو حازم قال: لا ُيْحِسن عبد فيما بينه وبين الله إلا احسن الله ما بينه وبين العباد، ولا يُغْوِر فيما بينه وبين الله إلا اعور فيما بينه وبين العباد. ولمصانَعَةُ وجهٍ واحد أيسُر من مصانعة الوجوه كلّها، انك إذا صانعت هذا الوجه مالت الوجوه كلها إليك، وإذا أفسدت ما بينك وبينه شَنِفتْك الوجوه كلّها. وعن عمر بن سعيد بن حسين عن أبي حازم قال: إذا رأيت الله يتابع نعمه عليك وأنت تعصيه فاحذرْه. محمد بن عبيد قال: أنا بعض أهل الحجاز قال: قال أبو حازم: كلّ نعمة لا تقرّب من الله فهي بليّة. وعن أبي معشر قال: رأيت أبا حازم لم يقصّ في المسجد ويبكي ويمسح بدموعه وجهه. فقلت: يا أبا حازم لم تفعل هذا؟ قال: بلغني أن النار لا تصيب موضعاً أصابتْه الدموع من خشية الله تعالى. وعن سفيان قال: قال أبو حازم: ينبغي للمؤمن أن يكون أشدَّ حفْظاً للسانه منه لموضع قدميه.

стр. 521

وعن سعيد بن عامر قال: قال أبو حازم نعمة الله فيما زوي عني من الدنيا افضل من نعمته فيما أعطاني منها. وقال أبو حازم: إنْ وُقِينا شرَّ ما أُعطينا لم نِبال ما فاتَنا. وقال ابن عُيينة: قال أبو حازم: أن كان يُغنيك من الدنيا ما يكفيك فأدنى عيشِ من الدنيا يكفيك، وان كان لا ُيغنيك، ما يكفيك فليس شيء يكفيك. وعن عبد الجبار بن عبد العزيز بن أبي حازم قال: حدثني أبي قال: بعث سليمان بن عبد الملك إلى حازم فجاءه فقال: يا أبا حازم ما لنا نكره الموت؟ قال: لأنكم أخربتم آخرتكُم وعمَرتُم دنياكم فانتم تكرهون أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب قال: صدقت، فكيف القدوم على الله ؟ قال: إما المحسن فكالغائب يقدم على أهله وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه. فبكى سليمان وقال: ليت شعري ما لنا عند الله يا أبا حازم: قال: اعرض نفسك على كتاب الله فانك تعلم ما لك عند الله قال يا أبا حازم وإني أصيب ذلك؟ قال: عند قوله: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وانَّ الفُجّار لَفي جحيم﴾ [الانفطار: ١٤] فقال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال ﴿قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] قال: ما تقول فيما نحن فيه؟ قال. اعفني عن هذا قال سليمان: نصيحةٌ تلقيها. قال أبو حازم: أن أناسا اخذوا هذا الأمر عنوة من غير مشاورة من المسلمين ولا اجتماعٍ من رأيهم فسفكوا فيه الدماء على طلب الدنيا ثم ارتحلوا عنها فليت شعري ما قالوا وما قيل لهم؟ فقال بعض جلسائه: بئس ما قلتَ يا شيخ. قال أبو حازم: كذبتَ، أن الله تعالى اخذ على العلماء لَيبيننه للناس ولا يكتُمونه قال سليمان: أصحبْنا يا حازم تِصْب مّنا ونُصِبْ منك قال: أعوذ بالله من ذلك. قال: ولم؟ قال أخاف أن اركن إليكم شيئا قليلا فيذيقني ضِعْفَ الحياة وضعْفَ الممات. قال: فاشِرْ عليَّ. قال: اّتق الله أن يراك حيث نهاكْ وان يفقدك حيث أمرك. قال: يا أبا حازم ادعُ لنا بخير. قال: اللهم أن كان سليمان وليَّك فَيسِره للخير، وان كان عدوَّك فخذ إلى الخير بناصيته. فقال: يا غلام هات مائة دينار. ثم قال: خدها يا أبا حازم. فقال لا حاجة لي فيها إني أخاف أن يكون لِما سمعت من كلامي. فكأن سليمان اعجب بابي حازم. فقال الزهري: انه لجاري منذ ثلاثين سنة ما كلّمته قط. قال أبو حازم: انك نسيت الله فنسيتني ولو أحببتُ الله لأحبْبتني. قال الزهري: أتشتمني؟ قال سليمان: بل أنت شتمت نفسك. أما علمت أنّ للجار على جاره حقاً قال أبو حازم: أن بني

стр. 522

إسرائيل لمّا كانوا على الصواب كانت الأمراء، تحتاج إلى العلماء وكانت العلماء تفر بدينها من الأمراء فلما رأى ذلك قوم من أذلة الناس تعلموا ذلك العلْم وأتوا به إلى الأمراء فاستغنت به عن العلماء واجتمع القوم على المعصية فسقطوا وانتكسوا ولو كان علماؤنا يصونون علمهم لم تزل الأمراء تهابهم. قال الزهري كأنك إياي تريد وبي تعرّض قال: هو ما تسمع. وعن الذيال بن عبّاد قال: كتب أبو حازم الأعرج إلى الزهري: عافانا الله وإياك أبا بكر من الفتن فقد أصبحت بحالٍ ينبغي لمن عرفك بها أن يرحمك: أصبحت شيخا كبيراً وقد أثقلتك نِعمُ الله عليك فيما اصحّ من بدنك وأطال من عمرك وعملت حُجَج الله تعالى مما علّمك من كتابه، وفقّهك فيه من دينه، وفهّمك من سنة نبيه ﷺ فرمى بك في كلّ نعمة أنعمها عليك وكل حُجّةَ يُحَتّج بها عليك الغرض الأقصى ابتلى في ذلك شكرك وأبدا فيه فضله عليك وقد قال : ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧] فانظر أي رجل تكون إذا وقفتَ بين يدي الله فسألك عن نِعَمه عليك كيف رعيتها، وعن حججه عليك كيف قَضيتها فلا تحسبّن الله راضياً منك بالتعذير، ولا قابلاً منك التقصير هيهات ليس ذاك اخَذَ على العلماء في كتابه إذ قال: ﴿لَتُبَينُّنَّه للناس ولا تكتُمونه﴾ [آل عمران: ١٨٧] انك تقول انك جَدِلٌ ماهر عالم قد جادلت الناسَ فَجدلتهم وخاصمتَهم فخصمتهم إدلالاً منك بفَهمك واقتداراً منك برأيك فأين تذهب عن قول الله : ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [النساء: ١٠٩] اعلم أن أدنى ما ارتكبت واعظم ما احتقبت أن آنستَ الظالم وسهّلت له طريق الغي بدنوك حين أُدنيت وإجابتك حين دُعيت فما أخلقك أن ينوَّه غداً باسمك مع الجَرَمة، وان تُسأل عما أردت بإغضائك عن ظُلم الظَلَّمَة، انك أخذت ما ليسَ لمن أعطاك، جعلوك قطباً تدور عليه رَحى باطِلهم وجسْراً يَعبُرون بك إلى بلائهم وسلَّمًا إلى ضلالتهم يدخلون بك الشك على العلماء ويقتادون بك قلوب الجهال إليهم، فلم يبلغ أخص وزرائهم ولا أقوى أعوانهم لهم إلا دون ما بلغت من إصلاح فسادهم واختلاف الخاصة والعامة إليهم فما ايسرَ ما عَمروا لكَ في جنْب ما خرَّبوا عليك، وما اقَّل ما أعطوك في قدْر ما اخذوا منك، فانظر لنفسك فانه لا ينظر لها غيرك، وحاسبها حسابا رجل مسؤول وانظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيراً وكبيراً وانظر كيف إعظامُك أمر من جعلك بدينهِ في الناس مبجلا، وكيْف صيانتُك لكسْوةِ من جعلك بكسوته مستترا، وكيف قربك وبُعدك ممن أمرك أن تكون منه قريباً، ما لك لا تتنبه من نعستك. وتستقيل من عثرتك فتقول:

стр. 523

والله ما قمت لله مقاماً واحداً أحيي له فيه دينا ولا أميت له فيه باطلاً؟ أين شُكرك لمن استحملك كتابه واستودعك علمه؟ ما يؤمنك أن تكون من الذين قال الله ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ [الأعراف: ١٦٩] انك لست في دار مقامٍ قد أوذِنت بالرحيل فما بقاء المرء بعد أقرانه؟ طوبى لمن كان في الدنيا على وجَلٍ ما يؤمَن من أن يموت وتبقى ذنوبه من بعده انك لم تؤمَر بالنظر لوارثك على نفسك، ليس أحد أهلاً أن ترد له على ظهرك. ذهبت اللذة وبقيت التّبعة، ما أشفى من سَعِد بكسبه غيره. احَذر فقد أُتيت وتخلّصْ فقد وهِلت. انك تعامل مَن لا يجهل والذي يحفظ عليك لا يغفل. تجهز فقد دنا منك سَفر بعيد وداو دينَك فقد دخَله سقمٌ شديد، ولا تحسبنّ إني أردت توبيخك وتعُييرك وتعنيفك، ولكني أردت أن تَنَعش ما فات من رأيك، وتردّ عليك ما عزب عنك من حلمك، وذكرتُ قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] أغفلت ذكر من مضى من أسنانك وأقرانك وبقيت بعدهم كَقْرن أعضب فانظر هل ابتُلوا بمثل ما ابتليت به أو دخَلوا في مثل ما دخلت فيه؟ وهل تراه دخر لك خيراً منعوه أو علمك شيئا جهلوه؟ فإذا كانت الدنيا تبلغ من مثلك هذا في كَبِرَ سنك ورسوخ علمك وحضور أجلك فمن يلوم الحدث قي سنّه، الجاهلَ في علمه، المأفون في رأيه، المدخولَ في عقله؟ ونحمد الذي عافانا مما ابتلاك به. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. وعن محمد بن إسحاق الموصلي قال: قال أبو حازم: أن بضاعة الآخرة كاسدة فاستكثروا منها في أوانِ كسادِها فانه لو جاء يومُ نَفاقها لم تصل منها إلى قليل ولا إلى كثير. قال ابن أبي الحواري: وسمعت مروان بن محمد يقول: قال أبو حازم ويحك يا أعرجُ يدعى يوم القيامة بأهل خطيئةِ كذا وكذا فتقوم معهم، ثم يُدعى بأهل خطيئة. وعن عبد الرحمن بن جرير قال: سمعت أبا حازم: يقول عند تصحيح الضمائر تُغفر الكبائر، وإذا عزم العبد على ترك الآثام أتته الفتوح. وعن محمد بن مطرف قال: قال أبو حازم: ما في الدنيا شيء يسرك إلا وقد الزق به شيء يسوءك. وعن سعيد بن عبد الرحمن عن أبي حازم قال أن العبد ليعمل الحسنة تسره حين يعملها وما خلق الله من سيئة هي عليه اضر منها، وان العبد ليعمل السيئة ثم تسوءه حين يعملها، وما خلق الله من حسنة انفع له منه، وذلك أن العبد حين يعمل الحسنة يتجبّر فيها ويرى

стр. 524

أن له فضلاً على غيره ولعل الله يحبطها ويحبط معها عملاً كثيراً، وان العبد ليعمل السيئة تسوءه ولعل الله يحدث له فيها وجلاً فيلقَى الله وان خوفها لفي جوفه باقٍ. وعن عون بن جرير قال: سمعت أبي يقول: كان أبو حازم يمّر على الفاكهة فيقول: موعدُك الجنة. وعن جُويرية بن أسماء قال: مر أبو حازم بجزار فقال: يا أبا حازم خذ من هذا اللحم فانه سمين قال: ليس معي درهم. قال أُنْظِرُك. قال: أنا أُنْظِرُ نفسي. وعن الفضل قال قال حازم المَديني: وجدت الدنيا شيئين: فشيء منها هو لي فلن أعجّله قبل اجلِه ولو طلبته بقوة السموات والأرض، وشيء منها هو لغيري فلم أنله، فيما مضى، ولا أرجوه فيما بقي، يُمنع الذي لي من غيري كما يُمنع الذي لغيري مني، ففي أي هذين افني عمري؟ ووجدت ما أُعطيتْ من الدنيا شيئين فشيء يأتي اجله قبل اجلي فاغلَب عليه، وشيء يأتي اجلي قبل اجله فأموت واخلفه لمن بعدي، ففي أي هذين اعصي ربي ؟. وعن حفص بن ميسرة قال: قال أبو حازم: عجباً لقوم يعملون لدار يرحلون عنها كل يوم مرحَلة، ويَدعون أن يعلموا لدارٍ يرحلون إليها كلَّ يوم مرحلة. وعن ابن عُيينة قال أبو حازم: إني لأَعظ وما أرى له موضعاً وما أريد إلا نفسي، وقال: لو أن أحدكم قيل له ضع ثوبك على هذا الهوف حتى يُرمى لقال: ما كنتُ لأخرق ثوبي، وهو يخرق دينه. وحلف أبو حازم لجلسائه: لوددت أنّ أحدكم يُبقي على دينه كما يُبقى على نَعله.. وعن فُضَيل بن عياض قال: قال أبو حازم أضْمنُوا لي اثنين أضمنْ لكم الجنة: عملًا بما تكرهون إذا احبّه الله تعالى، وتَرْكِ ما تحبّون إذا كرِهَهُ الله . وعن يعقوب بن عبد الرحمن قال: سمعت أبا حازم يقول: يسيرُ الدنيا يشغَلُ عن كثير من الآخرة، وقال: ما أحببتَ أن يكون معك في الآخرة فقدّمه اليومَ، وما أكرهتَ أن يكون معك في الآخرة فاتركْه اليوم. وقال: كل عمل تكره الموتَ من أجله فاتركه ثم لا يضرّك متى مت. وقال: انك لتجد الرجل يعمل بالمعاصي فإذا قيل له: أتحبّ أن تموت؟ قال: يقول: وكيف؟ وعندي ما عندي. فيقال له: أفلا تترك ما تعمل من المعاصي؟ فيقول: ما أريد ترْكَه وما احب أن أموت حتى اتركَه.

стр. 525

وقال: شيئان إذا عملت بهما أصبتَ بهما خير الدنيا والآخرة لا أطوّل عليك. قيل: وما هما أنا أبا حازم؟ قال: تحمّل ما تكره إذا احبّه الله وتترك ما تحبّ إذا كرهه الله. وعن محمد بن يحيى المازني قال: قال أبو حازم: رضِيَ الناسُ من العَمل بالعلم ومن الفعل بالقول. وعن سليمان بن سليمان العُمَري قال: رأيت أبا جعفر القاري، يعني في المنام، على الكعبة فقلت له يا أبا جعفر قال: نعم اقرِيءْ إخواني مني السلام وخبّرهم أن الله جعلني من الشهداء الأحياء المرزوقين، واقريء أبا حازم السلام وقل له: يقول لك أبو جعفر: الكَيْسَ الكَيْسَ فان الله وملائكته يتراءوْن مجلسك بالعشيّات. اسند أبو حازم عن ابن عمر وسهل بن سعد وانس بن مالك وقيل انه رأى أبا هريرة، وسمع من كبار التابعين كسعيد بن المسيب وأبي سلمة وعروة وغيرهم. وتوفي في بعد سنة أربعين ومائة في خلافة المنصور.

стр. 526

ومن الطبقة الخامسة من أهل المدينة ١٨٦- جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ﵈ . يكنى أبا عبد الله أمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق كان مشغولا بالعبادة عن حب الرياسة. وعن عمرو بن أبي المقدام قال كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمد علمت انه من سلالة النبيين. وعن مالك بن انس قال قال جعفر بن محمد لسفيان الثوري يا سفيان إذا أنعم الله عليك بنعمة فأحببت بقاءها ودوامها فاكثر من الحمد والشكر عليها فإن الله قال في كتابه ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] وإذا استبطأت الرزق فاكثر من الاستغفار فإن الله تعالى قال في كتابه ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ [نوح: ١٠-١٢] يعني في الدنيا ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ﴾ [نوح: ١٢] في الآخرة يا سفيان إذا حزبك أمر من سلطان أو غيره فاكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها مفتاح الفرج وكنز من كنوز الجنة.

стр. 527

وعن ابن أبي حازم قال كنت عند جعفر بن محمد إذ جاءه آذنه فقال سفيان الثوري بالباب فقال ائذن له فدخل فقال جعفر يا سفيان انك رجل يطلبك السلطان وأنا اتقي السلطان قم فاخرج غير مطرود فقال سفيان حدثني حتى اسمع وأقوم فقال جعفر حدثني أبي عن جدي أن رسول الله ﷺ قال: "من أنعم الله عليه نعمة فليحمد الله ومن أستبطأ الرزق ليستغفر الله ومن حزبه أمر فليقل: لا حول ولا قوة إلا بالله" ١ فلما قام سفيان قال جعفر خذها يا سفيان ثلاث وأي ثلاث. وعن الهياج بن بسطام قال كان جعفر بن محمد يطعم حتى لا يبقى لعياله شيء. وعن يحيى بن الفرات قال قال جعفر بن محمد لسفيان الثوري لا يتم المعروف إلا بثلاثة بتعجيله وتصغيره وستره. وسئل جعفر بن محمد لم حرم الله الربا قال لئلا يتمانع الناس المعروف. وعن بعض أصحاب جعفر الصادق قال دخلت على جعفر وموسى بين يديه وهو يوصيه بهذه الوصية فكان مما حفظت منها أن قال: يا بني أقبل وصيتي واحفظ مقالتي فانك إن حفظتها تعش سعيدا وتمت حميدا يا بني انه من قنع بما قسم الله له استغنى ومن مد عينه إلى ما في يد غيره مات فقيرا ومن لم يرض بما قسم الله له اتهم الله تعالى في قضائه ومن استصغر زلة نفسه استعصم زلة غيره ومن استصغر زلة غيره استعظم زلة نفسه يا بني من كشف حجاب غيره انكشفت عورات بيته ومن سل سيف البغي قتل به ومن احتفر لأخيه بئراً سقط فيها ومن داخل السفهاء حقر ومن خالط العلماء وقر ومن دخل مداخل السوء اتهم يا بني قل الحق لك وعليك وإياك والنميمة فإنها تزرع الشحناء في قلوب الرجال يا بني إذا طلبت الجود فعليك بمعادنه. وعن احمد بن عمرو بن المقدام الرازي قال وقع الذباب على المنصور فذبه عنه فعاد فذبه حتى اضجره فدخل جعفر بن محمد فقال له المنصور يا أبا عبد الله لم خلق الله الذباب قال ليذل به الجبابرة. وعن الحسن بن سعيد اللخمي عن جعفر بن محمد قال من لم يغضب من الجفوة لم يشكر النعمة.

стр. 528

وعن الحرمازي قال كان رجل من أهل السواد يلزم جعفر بن محمد ففقده فسأل عنه فقال له رجل انه نبطي يريد أن يضع منه فقال جعفر اصل الرجل عقله وحسبه ودينه وكرمه تقواه والناس في آدم مستوون. وعن سفيان الثوري قال سمعت جعفر بن محمد الصادق يقول عزت السلامة حتى لقد خفي مطلبها فإن تكن في شيء فيوشك أن تكون في الخمول فإن طلب في الخمول ولم توجد فيوشك أن تكون في التخلي وليس كالخمول فإن طلبت في التخلي ولم توجد فيوشك أن تكون في الصمت وليس كالتخلي فإن طلب في الصمت فلم توجد فيوشك أن تكون في كلام السلف الصالح والسعيد من وجد في نفسه خلوة يشتغل بها. وعن عبد الله بن الفضيل بن الربيع عن ابيه ولم يحفظ على الدعاء وبعضه عن غيره قال حج أبو جعفر سنة سبع وأربعين ومائة فقدم المدينة وقال ابعث إلي جعفر بن محمد من يأتينا به تعباً قتلني الله إن لم أقتله فتغافل عنه الربيع لينساه ثم أعاد ذكره للربيع وقال أرسل إليه من يأتي به متعبا فتشاغل عنه ثم أرسل إلى الربيع برسالة قبيحة في جعفر وأمره أن يبعث إليه ففعل فلما أتاه قال له يا أبا عبد الله اذكر الله فانه قد أرسل إليك التي لا سوى لها قال جعفر لا حول ولا قوة إلا بالله ثم اعلم أبا جعفر حضوره فلما دخل أوعده وقال أي عدو الله اتخذك أهل العراق إماما يجبون إليك زكاة أموالهم وتلحد في سلطاني وتبغيه الغوائل قتلني الله إن لم أقتلك فقال يا أمير المؤمنين إن سليمان ﵇ أعطى فشكر وان أيوب ابتلي فصبر وان يوسف ظلم فغفر وأنت من ذلك السنخ فقال له أبو جعفر إلي وعندي أبا عبد الله البريء الساحة السليم الناحية القليل الغائلة جزاك الله من ذي رحم افضل ما جزى ذوي الأرحام عن أرحامهم. ثم تناول يده فأجلسه معه على فراشه ثم قال علي بالمنجفة فأتي بدهن فيه غالية فغلفه بيده حتى خلت لجيته قاطرة ثم قال في حفظ الله وفي كلاءته ثم قال يا ربيع ألحق أبا عبد الله جائزته وكسوته انصرف أبا عبد الله في حفظ الله وفي كنفه فانصرف ولحقته فقلت له أني قد رأيت قبل ذلك ما لم تره ورأيت بعد ذلك ما قد رأيت فما قلت يا أبا عبد الله حين دخلت قال قلت اللهم احرسني بعينك التي لا تنام واكنفني بركنك الذي لا يرام واغفر لي بقدرتك علي لا أهلك وأنت رجائي اللهم انك اكبر واجل ممن أخاف واحذر اللهم بك ادفع في نحره واستعذ بك من شره.

стр. 529

وعن الليث بن سعد قال حججت سنة ثلاث عشرة ومائة فأتيت مكة فلما أن صليت العصر رقيت أبا قبيس فإذا أنا برجل جالس وهو يدعو فقال يا رب يا رب حتى انقطع نفسه ثم قال: يا رباه حتى انقطع نفسه ثم قال: يا رب حتى انقطع نفسه ثم قال يا الله يا الله حتى انقطع نفسه ثم قال يا حي يا حي حتى انقطع نفسه ثم قال يا رحيم حتى انقطع نفسه ثم قال يا ارحم الراحمين حتى انقطع نفسه سبع مرات ثم قال اللهم اني اشتهي من هذا العنب فاطعمنيه اللهم أن بردي قد اخلقا قال الليث فوالله ما استتم كلامه حتى نظرت إلى سلة مملوءة عنبا وليس على الأرض يومئذ عنب وبردين موضوعين فأراد أن يأكل فقلت أنا شريكك فقال لي تقدم وكل ولا تأخذ منه شيئا. فتقدمت فأكلت شيئا لم آكل مثله قط وإذا عنب لا عجم له فأكلت حتى شبعت والسلة بحالها ثم قال لي خذ احب البردين إليك فقلت له أما البردان فأنا غني عنهما فقال لي توار عني حتى البسهما فتواريت عنه فارتدى أحدهما وائتزر الآخر ثم اخذ البردين اللذين كانا عليه فجعلهما على عاتقه فنزل فاتبعته حتى إذا كان بالمسعى لقيه رجل فقال اكسني كساك الله يا ابن رسول الله فدفعهما إليه. فلحقت الرجل فقلت له من هذا قال جعفر قال ابن محمد قال الليث فطلبته لأسمع منه فلم أجده. اسند جعفر بن محمد عن أبيه وعن عطاء بن أبي رباح وعكرمة في آخرين. وروي عنه من التابعين جماعة منهم أيوب السختياني ومن الأئمة مالك والثوري وشعبة في آخرين. وتوفي بالمدينة سنة ثمان وأربعين ومائة ﵀.

стр. 530

١٨٧- محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة ابن الحارث بن أبي ذئب عن محمد بن عمر قال كان محمد بن عبد الرحمن يكنى أبا الحارث ولد في سنة ثمانين عام الجحاف وكان من أورع الناس وكانوا يرمونه بالقدر وما كان قدريا وكان يصلي الليل أجمع. واخبرني أخوه قال كان يصوم يوما ويفطر يوما فوقعت الرجفة بالشام فقدم رجل من أهل الشام فحدثه عن الرجفة وكان يوم إفطاره فقلت له قم تغذى قال دعه اليوم فسرد الصوم
следующие страницы →