← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12031

صفة الصفوة

ابن الجوزي

Полный текст (1 666 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

٣٤٥- عابد آخر مجذوم أبو عبد الله البراثي قال: قال خلف البرزالي: اتيت برجل مجذوم ذاهب اليدين والرجلين اعمى فجعلته مع المجذومين فغفلت عنه أياما ثم ذكرته فقلت يا هذا اني غفلت عنك فكيف حالك فقال لي حبيبي ومن أنا احبه فقد احاطت محبته باحشائي فلا اجد لما أنا فيه من الم مع محبته لا يغفل عني. فقلت له اني نسيت فقال ان لي من يذكرني وكيف لا يذكر الحبيب حيبيه وهو نصب عينيه تائه العقل والقلب قلت لها الا ازوجك امرأة تنظفك من هذه الاقذار قال فبكي ثم تنفس ورمى ببصره نحو السماء وقال يا حبيب قلبي ثم اغمي عليه. فافاق فقلت ما تقول فقال كيف تزوجني وانا مالك الدنيا وعروسها قلت أي شيء الذي عندك من ملك الدنيا وانت ذاهب اليدين والرجلين اعمى تأكل كما تأكل البهائم قال رضي عني سيدي إذا ابلى جوارحي واطلق لساني بذكره. قال فوقع مني بكل موقع فما لبث الا يسيرا حتى مات فأخرجت له كفنا فيه طول فقطعت منه فاتيت في منامي فقيل لي يا خلف بخلت على ولي ومحبي بكفن طويل قد رددنا عليك كفنك وكفناه عندنا بالسندس والاستبراق قال فصرت إلى بيت الاكفان فإذا الكفن ملقى. ٣٤٦- عابد آخر قال إبراهيم الاجري الكبير كنت يوما قاعدا على باب المسجد في يوم شات إذ مر بي رجل عليه خرقتان فظننت انه من هؤلاء الذين يسالون فقلت في نفسي لو عمل هذا بيده كان خيرا له قال ومضى الرجل. فلما كان الليل اتاني ملكان فأخذا بضبعي ثم ادخلاني المسجد الذي كنت على بابه قاعدا فإذا رجل نائم عليه خرقتان فكشف لي عن وجهه فإذا هو الذي مر بي فقالا لي كل لحمه فقلت ما اغتبته قالا لي بلى حدثت نفسك بغيبته ومثلك لا يرضى منه بمثل هذا. قال فانتبهت فزعا فمكثت ثلاثين يوما اقعد على باب المسجد لا اقوم الا لفرض انتظر ان يمر بي فاستحله. فلما كان بعد الثلاثين مر بي على حاله والخرقتان عليه فوثبت إليه فغمز وغمزت خلفه

стр. 807

فلما خفت ان يفوتني قلت يا هذا قف اكلمك قال فالتفت الي ثم قال يا إبراهيم وانت أيضاً ممن يغتاب المؤمنين بقلبه قال فسقطت مغشياً علي قال فافقت وهو عند راسي فقال اتعود قلت لا ثم غاب عن عيني فلم اره بعد ذلك. ٣٤٧- عابد آخر قال الجنيد ارقت ليلة فرمت السكون فما وجدته ثم اجتهدت في قضاء ورد كان لي فلم اقدر ثم حرصت على دراسة شيء من القرآن فلم اقدر فوقع بي انزعاج شديد فأخذت ثوبي على كتفي ثم انصرفت وذاك آخر الليل. فلما توسطت الدرب عثرت بإنسان ملتف في عباء فرفع راسه وقال إلى الساعة فقلت سيدي عن موعد تقدم فقال لا ولكن سألت محرك القلوب ان يحرك لي قلبك فقلت قد فعل حاجة قال نعم قلت ما هي قال يا أبا القاسم متى يكون الداء دواء فقلت إذا خالفت النفس هواها صار داؤها دواءها قال فتنفس وقال قد اجبتها بهذا الجواب الليلة سبع مرات فقالت لا أو اسمعه من جنيد ها قد سمعت منه ثم مضى فما رايته بعد ذلك. ٣٤٨- عابد آخر عبيد الله بن عبد الله قال: كنت عند الجنيد يوم قدم أبو حفص النيسابوري فوثب إلأيه الجنيد وعانقه، فقال للجنيد: دعني من المعانقة، عندك شيء تطعمني؟ فقال له: أي شيء تومي؟ فعين له على شيء يطبخ فالتفت الجنيد إلى ابن زيري فقال: قد سمعت: فمضى ابن زيري فغاب ساعة ثم عاد ومعه ما أراد. فقال الجنيد لأبي حفص: قد حضر ما ذكرت. فقال: يا أخي قد أحببت أن أوثر به، أتساعدني؟ فقال له: أحب ما تحب. فقال الجنيد لابن زيري: قد سمعت فأنفذه إلى مستحق فأقبل ابن زيري إلى الحمال فقال: أمش بين يدي وحيث أعييت فقف. فمشى الحمال ساعة ووقف بين دارين فدق ابن زيري أقرب الدارين إلى الحمال فإذا نداء من داخل الدار: ادخل إن كان معك كذا كذا وإلا فلا، وعين على ما كان مع الحمال. قال: ففتحت الباب فإذا شيخ قاعد وخيش مرسل على باب، فوضعت ما كان مع الحمال بين يدي الشيخ وصرفت الحمال وقعدت. فقال لي: وراء هذا الخيش صبيان وبنات يحتاجون إلى هذا الطعام فقلت له: لا أنصرف أو تخبرني بالحال. فقال: هؤلاء الصبيان يسألوني هذا الطعام منذ مدة ولم تسامح نفسي أن

стр. 808

أسأل الله تعالى، فوجدت البارحة مسامحة أن أسأل فجعلت علامة إجابة الله إياي وجود المسامحة من السؤال، فلما دققت الباب علمت ما معك. ٣٤٩- عابد آخر من بعض قرى بغداد بلغنا عن جنيد قال سمعت السري بن المغلس يقول ان في قرى بغداد لاولياء لا يعرفهم الخلق قال وكنت ادور في القرى لعلي اجد منهم واحداً فبينا أنا يوما في بعض القرى دخلت مسجدا ف رأيت فيه شابا ساكتا فتقدم الي وقال لي اتاذن ان اسالك مسالة فقلت هات فقال مسالة فسال مسالة من احوال القلب دقيقة فاجبته فقلت له يقع لك مثل هذه المسالة فقال كثير فقلت كيف تعمل قال أنا انسان قد لازمت هذا الموضع فإذا وقع لي مثل هذه المسالة قيض الله لي وليا مثلك فيجيبني فعلمت صدق قول السري. ٣٥٠- عابد آخر أبو جعفر السقاء قال خرجت يوماً من بيتي في يوم مطير فإذا اسود مطروح على المزبلة مريض فجررته فادخلته إلى بيتي فلما امسينا دعاني فقال يا أبا جعفر لا تفسد ما صنعت اقعد عندي قال وفاح البيت بريح المسك وصار ريح جبتي وكسائي وجرتي وكوزي وكل شيء في البيت ريح المسك. قال فقال اقعد عندي قال ثم قال بيده هكذا لا تضيق على جلسائي. قال فسمعته يقول اندك اندك يا بار خداه ارفق بي يا مولاي قال ثم خرجت نفسه. قال قلت ابيع كسائي ابيع جبتي فاشتري له كفنا قال فطرق بابي قريب من سبعين انسانا كل يقول يا أبا جعفر مات عندك انسان يحتاج إلى كفن. ٣٥١- عابد آخر عن أبي الحسن بن خيرون صاحب أبي بكر عبد العزيز قال لي أبو بكر عبد العزيز: كنت مع استاذي يعني أبا بكر الخلال وانا غلام مشتد فاجتمع جماعة يتذاكرون بعد عشاء الآخرة فقال بعضهم لبعض اليس مقبل يعني رجلا اسود كان ناطورا بباب حرب لنا مدة ما رايناه فقاموا يقصدونه وقال لي استاذي يعني الخلال لا تبرح احفظ الباب. فتركتهم حتى مضوا واغلقت الباب وتبعتهم فلما بلغنا بعض الطريق قال استاذي هو ذا

стр. 809

ارى وراءنا شخصا آخر قفوا فقالوا لي من أنت فامسكت فزعا من استاذي فقال أحدهم لاستاذي بالله عليك الا تركته فتركني ومضيت معه فدخلنا إلى قراح فيها باذنجان مملوء والاسود قائم يصلي فسلموا وجلسوا إلى ان سلم وأخرج كيسا فيه يابسة وملح جريش قال كلوا فاكلوا وتحدثوا وأخذوا يذكرون كرامات الاولياء وهو ساكت. فقال واحد من الجماعة يا مقبل قد زرناك فما تحدثنا بشيء فقال أي شيء أنا واي شيء عندي أحدثك أنا اعرف رجلا لو سال الله تعالى ان يجعل هذا القراح الباذنجان ذهبا لفعل. فوالله ما استم الكلام حتى راينا القراح يتقد ذهبا فقال له استاذي يعني الخلال يا مقبل لأحد سبيل أن يأخذ من هذا القراح اصلا واحداً فقال له خذ وكان القراح مسقيا فأخذ استاذي الاصل فقلعه بعروقه وجميع ما فيه ذهبا فوقعت من الاصل باذنجانه صغيرة وشيء من الورق فأخذته وبقاياه معي إلى يومي. قال ثم صلى ركعتين وسال الله تعالى فعاد القراح كما كان وعاد مكان ذلك الاصل اصل باذنجان آخر. ٣٥٢- عابد آخر محمد بن داود الرقي قال كنت مارا ببغداد وإذا بعض الفقراء يمر في الطريق وإذا مغن يغني ويقول: امد كفي بالخضوع ... إلى الذي جاد بالصنيع قال فشهق الفقير شهقة خر ميتا. قال المؤلف وقد رويت لنا عن الرقي عن غيره. الحسين بن محمد قال سمعت الرقي يقول سمعت العسقلاني يقول كنت مارا ببغداد فإذا أنا ببعض الفقراء مارا في الطريق ومغن يغني ويقول: امد كفي بالخضوع ... إلى الذي جاد بالصنيع قال فشهق الفقير شهقة خر ميتا. ٣٥٣- عابد آخر بلغنا عن أبي الصوفي قال دخلت في يوم عيد على بعض مشايخنا فرأيت عنده خلا وهندباء فاشتغل قلبي وخرجت فدخلت على بعض أهل الدنيا فاخبرته فدفع إلى صرة فيها

стр. 810

دراهم وقال احملها إليه فقلت جئت بها لتستعين بها على وقتك قال وما الذي رأيت من حالي قلت له رأيت عندك خلا وهندبا فقال كانك افتقدت ذلك لو كان في بيتي امرأة كنت تفتقدها قم فوالله لا كلمتك شهرا. فخرجت فضرب الباب في وجهي فسال الدم فاتيت الشبلي فقلت له يا أبا بكر رجل مشى في طاعة الله فانفتح وجهه ما سبب هذا فقال لعله اراد ان ياتي إلى شيء صاف يكدره. ٣٥٤- عابد آخر عن أبي الحسين بن سمعون قال اجتزت يوما على الصراة ف رأيت امرأة تلتقط ورق البقل الذي ياتي على الماء فقلت لا شك ان هذه امرأة فقيرة. فوقفت حتى رجعت فتبعتها فاتت إلى دار فدخلت فرجعت إلى بيتي فما استقر بي المنزل حتى اتاني خادم معه دنانير ودراهم فقال ادفع هذا إلى محتاج. فأخذته وقمت فاتيت بيت المراة فطرقت الباب فخرج رجل من خواص مجلسي ومن الملازمين لي فلما راني قال ما لك هكذا فقلت جئتكم بهذه الدنانير تستعينون بها على الوقت فنظر الي مغضبا وقال يا شيخ تحدرنا من الدنيا وتاتينا بها ثم رد الباب في وجهي ودخل فرجعت منكسرا إلى بيتي. ثم قلت في نفسي لا بد ان اعود إليه فاعتذر فاتيته في اليوم الثاني فطرقت الباب مرارا فلم يجبني أحداً وإذا امرأة من الجيران تقول ما لك يا رجل فقلت لها ما فعل أهل هذه الدار فقالت كان في هذه الدار رجل مع والدته وكنا نتبرك بهم فجاء بالامس شيطان فكلمهم بما كرهوا فانتقلوا عنا. قال فعدت وانا شديد الحزن على ما فعلت وجعلت اتفقد مجلسي ولا ارى الرجل. فلما كان يوم عرفة وانا اتكلم على الناس رايته في اوآخرهم فلما انقضى المجلس مضيت إليه وسلمت فرد علي وقال لا تعد ما فات ولا تقل شيئا فلولا اني اعتقد كلامك دواء لقلبي لم احضر وانما غبت عنك لانا انتقلنا إلى مكان آخر حتى لا نعرف فقلت ما اتيت الا معتذرا وما اعود ثم فارقته.

стр. 811

ذكر المصطفين من عقلاء المجانين ببغداد ٣٥٥- سعدون المجنون قال يحيى بن ايوب خرجت يوما إلى مقابر باب خراسان ثم جلست في موضع ارى منه من يدخل المقابر فنظرت إلى رجل دخل المقابر مقنعا فجعل يجول في المقابر كلما راى قبرا محفوراً أو منخسفاً وقف عليه وبكى. فقمت رجاء ان انتفع به فلما صرت إليه إذا هو سعدون المعتوه وكان يكون في كوخ مقابر عبد الله بن مالك فقلت له يا سعدون أي شيء تصنع فقال يا يحيى هل لك في ان تجلس فنبكي على بلى هذه الابدان قبل ان تبلي فلا يبكي عليها باك ثم قال يا يحيى البكاء من القدوم على الله اولى بنا من البكاء على بلى الابدان ثم قال يا يحيى ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ ثم صاح صيحة شديدة وقال واغوثاه بالله مما يقابلني في الصحف قال يحيى فغشي علي فافقت وهو جالس يمسح وجهي بكمه وهو يقول يا يحيى من اشرف منك لو مت؟. قال الفتح بن شخرف كان سعدون صاحب محبة لله صام ستين سنة حتى خف دماغه فسماه الناس مجنونا لتردد قوله في المحبة فغاب عنا زمانا فبينا أنا قائم على حلقة ذي النون رايته عليه جبة صوف وعليها مكتوب لا تباع ولا تشترى فسمع كلام ذي النون فصرخ وانشا يقول: ولا خير في شكوى إلى غير مشتكي ... ولا بد من سلوى إذا لم يكن صبر احمد بن عبد الله بن ميمون قال سمعت ذا النون المصري يقول خرج الناس إلى الاستسقاء بالبصرة فخرجت فيمن خرج فبينا أنا مار بين الناس إذا بيدين قبضتا على رجلي فقلت من أنت خل عني فقال أنا سعدون المجنون اين تريد يا أبا الفيض قلت اريد المصلى ادعو الله تعالى فقال بقلب سماوي أو بقلب جاف فقلت بقلب سماوي قال انظر يا ذا النون لا تبهرج فان الناقد بصير وقال تدعو الله واؤمن على دعائك أو ادعو الله وتؤمن على دعائي فقلت تدعو أنت واؤمن عليه. قال فصف قدميه ثم قال الهي بحق البارحة الا امطرتنا قال ذو النون لقد رأيت الغيوم قد ارتفعت عن اليمين والشمال حتى التقت فجاءنا المطر كافواه العزالي فقلت له:

стр. 812

بحق معبودك أي شيء كان بينك وبين الله البارحة فقال لي لا تدخل بيني وبين قرة عيني قلت لا بد ان تخبرني فانشا يقول: انست به فلا ابغي سواه ... مخافة ان اضل فلا اراه فحسبك حسرة وضنى وسقما ... بطردك عن مجالس أولياه قال ذو النون رأيت سعدونا في المقبرة في يوم حار وهو يناجي ربه بصوت عال ويقول أحد أحد فاتبعته فسلمت عليه فرد علي السلام فقلت له بحق من تناجيه الا وقفت لي وقفة فوقف وقال لي قل واوجز فقلت اوصني بوصية احفظها عنك أو تدعو لي بدعوة فقال: يا طالب العلم ههنا وهنا ... ومعدن العلم بين جنبيكا ان كنت تبغي الجنان تدخلها ... فاذرف الدمع فوق خديكا وقم إذا قام كل مجتهد ... وادع لكيما يقول لبيكا قال ثم مضى فقال يا غياث المستغيثين اغثني قلت له ارفق بنفسك فلعله يلحظك بلحظة فيغفر لك فنفض يده من يدي وعدا يقول: انست به فلا أبغي سواه ... مخافة ان اضل فلا اراه فحسبك حسرة وضنى وسقما ... بطردك عن مجالس اولياه قال الاصمعي مررت بسعدون المجنون فإذا هو جالس عند راس شيخ سكران يذب عنه فقلت له سعدون ما لي أراك جالساً عند رأس هذا الشيخ فقال انه مجنون فقلت له أنت مجنون أو هو قال لا بل هو قلت من اين قلت ذلك؟ قال لاني صليت الظهر والعصر جماعة وهو لم يصل جماعة ولا فرادى فقلت له فهل قلت في ذلك شيئا فانشأ يقول: تركت النبيذ لأهل النبيذ ... واصبحت اشرب ماء قراحا لان النبيذ يذل العزيز ... ويكسو الوجوه النضار الصباحا فان كان ذا جائزا للشباب ... فما العذر فيه إذا الشيب لاحا؟ فقلت له صدقت وانصرفت. قال صالح المري قرات بين يدي سعدون المجنون ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ فصرخ ثم قال ملاح والله ثم انشا يقول:

стр. 813

ان في الخلد جارية ... هي حسن كما هيه لو تراها على النما ... رق بالغنج ماشيه لتمنيّت أنها ... لك ما عشت باقيه كتبت في شقائق الخد ... سطراً بغاليه أنا للزاهد الذي ... عينه الدهر باكيه

стр. 814

٣٥٦- بهلول سري السقطي قال اجتزت يوما بالمقابر فإذا أنا ببهلول قد دلى رجليه في قبر وهو يلعب بالتراب فقلت أنت ههنا قال نعم أنا عند قوم لا يؤذونني وان غبت عنهم لا يغتابوني فقلت يا بهلول الخبز قد غلا فقال والله ما ابالي ولو حبة بمثقال ان علينا ان نعبده كما امرنا وعليه ان يرزقنا كما وعدنا ثم ولى عني وهو يقول: يا من تمتع بالدنيا وزينتها ... ولا تنام عن اللذات عيناه افنيت عمرك فيما لست تدركه ... تقول لله مإذا حين تلقاه عن سري السقطي قال خرجت يوما إلى المقابر ف رأيت بهلولا قد دلى رجليه في قبر وهو يبعث بالتراب فقلت له أي شيء تصنع ههنا فقال أنا عند قوم لا يؤذوني وان غبت عنهم لا يغتابوني فقلت لا تكون جائعاً فولى وانشأ يقول: نجوع فان الجوع من علم التقي ... وان طويل الجوع يوما سيشبع فقلت له ان الخبز قد غلا فقال والله ما ابالي ولو بلغت حبة بمثقال علينا ان نعبده كما امر وعليه ان يرزقنا كما وعد ثم ولى وهو يقول. اف للدنيا فليست لي بدار ... انما الراحة في دار القرار أبت الساعات الا سرعة ... في بلي جسمي بليل ونهار عن الفضل بن الربيع قال حججت مع هارون الرشيد فمررنا بالكوفة فإذا بهلول المجنون يهذي فقلت اسكت فقد اقبل امير المؤمنين فسكت فلما حاذاه الهودج قال يا امير المؤمنين حدثني ايمن بن نابل قال انبانا قدامة بن عبد الله العامري قال رأيت النبي ﷺ بمنى على جمل وتحته رحل رث فلم يكن ثم طرد ولا ضرب ولا إليك إليك قلت يا امير المؤمنين انه بهلول المجنون قال قد عرفته قل يا بهلول فقال يا امير المؤمنين: هب انك قد ملكت الارض طرا ... ودان لك البلاد فكان مإذا؟

стр. 815

اليس غدا مصيرك ترب ... ويحثو الترب هذا ثم هذا؟ قال اجدت يا بهلول أفغيره قال نعم يا أمير المؤمنين من رزقه الله جمالا ومالا فعف في جماله واتقى في ماله كتب في ديوان الابرار. قال فظن انه يريد شيئا قال فانا قد امرنا بقضاء دينك قال لا تفعل يا امير المؤمنين لا تقض دينا بدين اردد الحق إلى أهله واقض دين نفسك من نفسك. قال أنا قد امرنا ان تجرى عليك جراية قال لا تفعل يا امير المؤمنين لا يعطيك وينساني اجرى علي الذي اجري عليك لا حاجة لي في جرايتك.

стр. 816

أخرين ... ٣٥٧- مجنون آخر يقال له أبو علي المعتوه خلف بن سالم قال قلت لابي علي المعتوه وكان ينزل في الخرم يا أبا علي ألك مأوى قال نعم قلت وأين مأواك قال في دار يستوي فيها العزيز والذليل قال قلت له واين هذه الدار قال المقابر قلت يا أبا علي ما تستوحش في ظلم الليل قال اني اكثر ذكر ظلم اللحد ووحشته فهون علي ظلم الليل قلت له فربما رأيت في المقابر شيئا تنكره قال ربما ولكن في هول الآخر ما يشغل عن هول المقابر. قال الاشهلي قلت لابي يا ابة مثل هذا الكلام الجيد الصحيح يتكلم به مجنون قال يا بني هؤلاء قوم كان لهم فضل ودين ومعرفة فزالت عقولهم وبقي ذلك الفضل فلم يختلط فيما اختلط. ٣٥٨- مجنون آخر أبو بكر الشبلي قال رأيت يوم الجمعة معتوها عند جامع الرصافة قائما عريانا وهو يقول أنا مجنون الله أنا مجنون الله فقلت له لم لا تدخل الجامع وتتوارى وتصلي فانشد: يقولون زرنا واقض واجب حقنا ... وقد اسقطت حالي حقوقهم عني إذا هم راوا حالي ولم يأنفوا لها ... ولم يأنفوا منها انفت لهم مني ٣٥٨- مجنون آخر قال لي ابن القصاب الصوفي البغدادي دخلنا جماعة إلى المارستان فرأينا فيه فتى مصابا شديد الهوس فولعنا به وزدنا في الولع فاتعبناه فصاح وقال انظر إلى شعور مطررة واجساد معطرة قد جعلوا الولع بضاعة والسخف صناعة جانبوا العلم راسا فقلنا له تحسن العلم نسالك فقال أي والله اني لاحسن علما جما فسلوني.

стр. 817

فقلت له من السخي في الحقيقة فقال الذي رزق امثالكم وانتم لا تساوون قوت يوم فضحكنا وقلنا من اقل الناس شكرا قال من عوفي من بليه فراها في غيره فترك العبرة والشكر إلى الطنز واللهو فكسر قلوبنا بذلك. فقال له آخر ما الظرف قال خلاف ما انتم عليه ثم بكى وقال يا رب ان لم ترد علي عقلي فرد علي يدي لعلي كنت اصفع واحداً من هؤلاء. فتركناه وانصرفنا.

стр. 818

ذكر المصطفيات من عابدات بغداد ٣٦٠- جوهرة العابدة البراثية نَزَلْت بَراثاً مع زوجها أبي عبد الله البراثي. حكيم بن جعفر قال كانت جوهرة امرأة أبي عبد الله البراثي جارية لبعض الملوك فعتقت فخلعت الدنيا ولزمت أبا عبد الله البراثي فتزوج بها وتعبدت. أبو عبد الله البراثي قال قالت لي جوهرة يوما يا أبا عبد الله النساء يحلين في الجنة إذا دخلنها قلت نعم قال فصاحت صيحة غشي عليها فلما افاقت قلت ما هذا الذي اصابك قالت ذكرت حالي تلك وما كنت قد نلت من الدنيا فخشيت والله حرمان الآخرة. أبو عبد الله البراثي قال رات جوهرة في منامها خياما مضروبة فقالت لمن ضربت هذه الخيام فقيل للمجتهدين ب القرآن فكانت بعد ذلك لا تنام. عن أبي عبد الله البراثي قال كانت جوهرة تنبهني من الليل وتقول يا أبا عبد الله كاروان رفث معناه قد سارت القافلة. حكيم بن جعفر قال كنا ناتي أبا عبد الله بن أبي جعفر الزاهد وكان يسكن براثا وكانت له امرأة متعبدة يقال لها جوهرة وكان أبو عبد الله يجلس على جلة خوص بحرانية وجوهرة جالسة حذاءه على جلة آخرى مستقبلة القبلة في بيت واحد. قال فاتيناه يوما وهو جالس على الارض ليست الجلة تحته فقلنا يا أبا عد الله ما فعلت بالجلة التي كنت تقعد عليها قال ان جوهرة ايقظتني البارحة فقالت اليس يقال في الحديث ان الارض تقول لابن ادم تجعل بيني وبينك سترا وانت غدا في بطني قال قلت نعم قالت فأخرج هذه الجلال لا حاجة لنا فيها فقمت والله فأخرجتها.

стр. 819

٣٦١- زوجة أبي شعيب البراثي العابد الجنيد بن محمد قال كان أبو شعيب البراثي اول من سكن براثا في كوخ يتعبد فيه فمرت بكوخه جارية من بنات الكبار من ابناء الدنيا كانت ربيت في قصور الملوك فنظرت الي أبي شعيب فاستحسنت حاله وما كان عليه فصارت كالاسير له فعزمت على التجرد من الدنيا والاتصال بابي شعيب.

стр. 820

فجاءت إليه قالت اريد ان اكون خادمة فقال لها ان اردت ذلك فغيري هيئت، وتجرّدي عما أنت فيه حتى تصلحي لما اردتِ. فتجردت عن كل ما تملكه ولبست لبسة النساك وحضرته فتزوجها. فلما دخلت الكوخ رات قطعةَ خِصافٍ كانت مجلس أبي شعيب تقيه من الندى فقالت ما أنا مقيمة فيه حتى تخرج ما تحتك لاني سمعتك تقول ان الارض تقول لابن ادم تجعل اليوم بيني وبينك حجابا وانت غدا في بطني فما كنت لاجعل بين وبينها حجاباً. فأخذ أبو شعيب الخصاف ورمى بها فمكثت معه سنين كثيرة يتعبدان أحسن عبادة وتوفيا على ذلك متعاونين. قال المؤلف قد ذكرنا عن جوهرة العابدة مثل هذه الحكاية وهذا قد اتفق لهاتين المرأتين فلا نظن ان الحكيتين واحدة.

стр. 821

٣٦٢- اخوات بشر الحافي وهن ثلاث مُضغة، ومُخة، زبدة بنات الحارث، واكبرهن مضغة. قال السلمي اخوات بشر مخة وربذة ومضغة. وكانت زبدة تكنى ام علي. وكانت مضغة اخت بشر اكبر منه وماتت قبله وقيل لما ماتت مضغة توجع عليها بشر توجعا شديدا وبكي بكاء كثيرا فقيل له في ذلك فقال قرات في بعض الكتب ان العبد إذا قصر في خدمة ربه سلبه انيسه وهذه كانت انيستي من الدنيا. قال الخطيب وذكر إبراهيم الحربي ان بشرا قال هذا يوم ماتت أخته مخة والله اعلم. أبو عبد الله بن يوسف الجوهري قال سمعت بشر بن الحارث يوم ماتت أخته يقول ان العبد إذا قصر في طاعة الله سلبه من يؤنسه. أبو عبد الله القحطبي قال كان لبشر اخت صوامة قوامة. غيلان القصائدي قال قال بشر بن الحارث تعلمت الورع من أختي فإنها كانت تجتهد الا تأكل ما للمخلوق فيه صنع. عبد الله بن احمد بن حنبل قال كنت مع أبي يوما من الايام في المنزل فدق داق الباب فقال لي أخرج فانظر من بالباب فخرجت فإذا امرأة فقالت لي استاذن لي على أبي عبد الله قال فاستاذنته قال اخلها.

стр. 822

قال فدخلت فسلمت عليه وقالت له يا أبا عبد الله أنا امرأة اغزل بالليل في السراج فربما طفئ السراج فأغزل في القصر فعلي أن أبين غزل القمر من غزل السراج؟ قال فقال لها ان كان عندك بينهما فرق فعليك ان تبيني ذلك قال قالت يا أبا عبد الله انين المريض شكوى قال ارجو الا يكون ولكنه اشتكاء إلى الله عزوجل. قال فودعته وخرجت فقال يا بني ما سمعت قط انسانا يسال عن مثل هذا اتبع هذه المرأة فانظر اين تدخل قال فاتبعتها فإذا قد دخلت إلى بيت بشر بن الحارث وإذا هي أخته قال فرجعت فقلت له فقال محال ان تكون مثل هذه الا اخت بشر. قال المصنف قلت هذه المراة التي سألت احمد هي مخة وقد نقلت عنها حكاية سميت فيها تشبه هذه الحكاية. عبد الله بن احمد بن حبنل ببغداد قال جاءت مخة اخت بشر بن الحارث إلى أبي فقالت اني امرأة راس مالي دانقان اشتري القطن فاغوزله وابيعه بنصف درهم فاتقوت بدانق من الجمعة فمر ابن طاهر الطائف ومعه مشعل فوقف يكلم اصحاب المسالح فاستغنمت ضوء المشعل فغزلت طاقات ثم غاب عني المشعل فعلمت ان لله في مطالبة فخلصني خلصك الله فقال لها تخرجين الدانقين ثم تبقين لا راس مال حتى يعوضك الله خيرا منه. قال عبد الله قلت لابي يا ابة لو قلت لها لو أخرجت الغزل الذي ادرجت فيه الطاقات فقال يا بني سؤالها لا يحتمل هذا التاويل ثم قال م هذه قلت مخة اخت بشر بن الحارث فقال من ها هنا اتيت. قرات بخط أبي علي الراذاني قال كانت مخة من بين اخوات بشر تقصد احمد بن حنبل وتساله عن الورع والتقشف وكان احمد يعجب بمسائلها. السلمي قال قالت زبدة اخت بشر اثقل شيء على العبد الذنوب واخفه عليه التوبة فما له يدفع اثفل شيء باخف شيء؟

стр. 823

٣٦٣- امرأة عبد الله بن الفرج العابد أبو بكر محمد بن الحسين الاجري قال بلغني ان عبد الله بن الفرج لما مات لم تعلم زوجته اخوانه بموته وهم جلوس بالباب ينتظرون الدخول عليه في علته فغسلته وكفنته في كساء له وأخذت فرد باب من أبواب بيته وجعلته فوقه وشدته بشريط ثم قالت لاخوانه قد مات وقد فرغت من جهازه. فدخلوا واحتملوه إلى قبره واغلقت الباب خلفهم.

стр. 824

٣٦٤- ميمونة أخت إبراهيم ابن احمد الخواص لامه كانت تسلك مسلك أخيها إبراهيم في الزهد والتقلل والورع والتوكل. احمد بن سالم قال دق داق باب إبراهيم الخواص فقالت له أخته من تطلب فقال إبراهيم الخواص فقالت قد خرج فقال متى يرجع فقالت من روحه بيد غيره من يعلم متى يرجع؟

стр. 825

٣٦٥- مؤمنة بنت بهلول عيسى بن اسحاق الانصاري قال سمعت مؤمنة بنت بهلول تقول ما النعيم الا في الانس بالله والموافقة لتدبيره.

стр. 826

٣٦٦- ام عيسى بنت إبراهيم الحربي أبو بكر احمد بن علي بن ثابت ذكر لي ان ام عيسى بنت إبراهيم الحربي كانت فاضلة عالمة تفنى في الفقه ودفنت إلى جنب ابيها إبراهيم والسلام.

стр. 827

٣٦٧- أمة الواحد بنت القاضي أبي عبد الله الحسين ابن اسماعيل المحاملي أبو بكر البرقاني قال كانت بنت المحاملي تفتي مع أبي علي بن أبي هريرة. أبو الحسن الدارقطني قال امة الواحد بنت الحسين بن اسماعيل بن محمد القاضي المحاملي سمعت اباها واسماعيل بن العباس الوراق وعبد الغافر بن سلامة الحمصي وابا الحسن المصري وحمزة الهاشمي الامام وغيرهم. وحفظت القرآن والفقه على مذهب الشافعي والفرائض وحسابها والنحو وغير ذلك من العلوم وكانت فاضلة في نفسها كثيرة الصدقة مسارعة في الخيرات وحدثت وكتب عنها الحديث. وتوفيت في رمضان من سنة سبع وسبعين وثلاثمائة.

стр. 828

ذكر المصطفيات من العابدات البغداديات المجهولات الأسماء ٣٦٨- عابدة نوح الاسود قال رأيت امرأة تاتي أبا عبد الله البراثي فتجلس تسمع كلامه ولا تكاد تتكلم ولا تسال عن شيء فقلتت لها ذات يوم لا اراك يرحمك الله تتكلمين ولا تسالين عن شيء فقالت قليل الكلام خير من كثيره الا ماكان من ذكر الله والمنصت افهم للموعظة ولن ينصحك امرؤ لا ينصح نفسه وجملة الامر يا اخي ان اردت الله بطاعة ارادك الله برحمة وان سلكت سبيل المعرضين فلا تلم الا نفسك إذا صرت غدا في زمرة الخاسرين. قال ثم استبكت فقامت وسمعتها تعظ ابنها يوما وتقول: ويحك يا بني احذر بطالات الليل والنهار فتنقضي مهلات الاعمار وانت غير ناظر لنفسك ولا مستعد لسفرك ويحك يا بني ما من الجنة عوض ولا في ركوب المعاصي ثمن من حلول النار ويحك يا بني مهد لنفسك قبل ان يحال بينك وبين ذلك وجد قبل ان يجد الامر بك واحذر سطوات الدهر وكيد الملعون عند هجوم الدنيا بالفتن وتقلبها بالعبر فعند ذلك يهتم التقي كيفي ينجو من مصائبها. ثم قالت بؤسا لك يا بني ان عصيت الله وقد عرفته وعرفت احسانه واطعت ابليس وقد عرفته وعرفت طغيانه.

стр. 829

فقاموا معها حتى انتهوا إلى النهر فقالت اين غرق فقالوا ههنا فصاحت: ابني محمد فاجابها لبيك يا اماه فنزلت فأخذت بيده ومضت به إلى منزلها. قال غيلان فالتفت سري إلى الجنيد وقال أي شيء هذا فقال جنيد اقول بمقال سري قال ان المراة مراعية لما لله عليها وحكم من كان مراعيا لما لله عليه الا تحدث حالة حتى يعلم بذلك فلما لم تكن حادثة تعلمها بذلك فانكرت وقالت ان ربي ما فعل هذا. ٣٧٠- عابدة آخرى أبو الحسن البحراني صاحب إبراهيم الخواص قال سألت امرأة من المتعبدات إبراهيم الخواص عن تغير وجدته في قلبها وتغير وجدته في حالها فقال لها عليك بالتفقد فقالت قد تفقدت فما رأيت شيئا فاطرق الخواص ساعة ثم رفع راسه وقال اما تذكرين ليلة المشعل فقالت بلى فقال هذا التغير من ذلك. فبكت وقالت نعم كنت اغزل فوق السطح فانقطع خيطي فمر مشعل للسلطان فغزلت في ضوئه خيطا ثم ادخلت ذلك الخيط في غزل ونسجت منه قميصا ولبسته. ثم قامت إلى ناحية فنزعت القميص وقالت يا إبراهيم ان أنا بعته وتصدقت بثمنه يرجع قلبي إلى الصفاء فقال ان شاء الله تعالى ذلك. ٣٧١- عابدتان بغداديتان بلغني انه كان ببغداد رجل بزاز له ثروة فبينا هو في حانوته اقبلت إليه صبية فالتمست منه شيئا تشتريه فبينا هي تحادثه كشفت وجهها في خلال ذلك فتحير وقال قد والله تحيرت مما رأيت فقالت ما جئت لاشتري شيئا انما لي أيام اتردد إلى السوق ليقع بقلبي رجل اتزوجه وقد وقعت أنت بقلبي ولي مال فهل لك في التزوج بي فقال لها لي ابنة عم وهي زوجتي وقد عاهدتها الا غيرها ولي منها ولد فقالت قد رضيت ان تجيء الي في الاسبوع نوبتين فرضي وقام معها فعقد العقد ومضى إلى منزلها فدخل بها. ثم ذهب إلى منزله فقال لزوجته ان بعض اصدقائي قد سالني ان اكون الليلة عنده ومضى فبات عندها وكان يمضي كل يوم بعد الظهر اليها. فبقي على هذا ثمانية اشهر فانكرت ابنة عمه احواله فقالت لجارية لها إذا خرج فانظري اين يمضي فتبعته الجارية فجاء إلى الدكان فلما جاءت الظهر قام وتبعته الجارية وهو

стр. 830

لا يدري إلى ان دخل بيت تلك المراة فجاءت الجارية إلى الجيران فسالتهم لمن هذه الدار فقالوا لصبية قد تزوجت برجل تاجر بزاز. فعادت إلى سيدتها فاخبرتها فقالت لها اياك ان يعلم بهذا أحد ولم تظهر لزوجها شيئا. فأقام الرجل تمام السنة ثم مرض ومات وخلف ثمانية آلاف دينار فعمدت المرأة التي هي ابنة عمه إلى ما يستحقه الولد من التركة وهو سبعة آلاف دينار فأفردتها وقسمت الألف الباقية نصفين وتركت النصف في كيس وقالت للجارية خذي هذا الكيس واذهبي إلى بيت المرأة واعلميها أن الرجل مات وقد خلف ثمانمائة آلاف دينار وقد أخذ الابن سبعة آلاف بحقه وبقيت آلف فقسمتها بيني وبينك وهذا حقك وسلميه إليها. فمضت الجارية فطرقت عليها الباب ودخلت وأخبرتها خبر الرجل وحدثتها بموته وأعلمتها الحال فبكت وفتحت صندوقها وأخرجت منه رقعة وقالت للجارية: عودي إلى سيدتك وسلمي عليها عني واعلميها أن الرجل طلقني وكتب لي براءة وردي عليها هذا المال فإني ما استحق في تركته شيئا. فرجعت الجارية فأخبرتها بهذا الحديث. انتهى ذكر أهل بغداد. تم الجزء الأول من كتاب صفة الصفوة. والحمد لله.

стр. 831

المجلد الثاني (تابع) ذكر المصطفين من التابعين ومن بعدهم على طبقاتهم في بلدانهم ذكر من اصطفى من أهل المدائن شعيب بن حرب ... ذكر من اصطفي من أهل المدائن ٣٧٢ - شعيب بن حرب ويكنى أبا صالح. نزل المدائن واعتزل بها ثم خرج إلى مكة فنزلها إلى أن مات بها. ابن إسماعيل قال: ذهبنا إلى المدائن، إلى شعيب بن حرب، وكان قاعداً على شط دجلة، وكان قد بنى كوخاً، وخبز له معلق في شريط، ومطهرة يأخذ كل ليلة رغيفاً يبله في المطهرة ويأكله، فقال بيده هكذا، وإنما كان جلداً وعظماً. قال: فقال: أترى ههنا بعد لحماً، والله لأعملن في ذوبانه حتى أدخل القبر وأنا عظام تقعقع أريد السمن للدود والحيات؟ قال: فبلع أحمد بن حنبل قوله فقال: شعيب بن حرب حمل على نفسه الورع. السري بن المغلس السقطي قال: أربعة كانوا في الدنيا أعملوا أنفسهم في طلب الحلال، ولم يدخلوا أجوافهم إلا الحلال. فقيل له: من هم؟ قال: وهيب بن الورد، وشعيب بن حرب، ويوسف بن أسباط، وسليمان بن الخواص. عبد الله بن خبيق قال: سمعت شعيب بن حرب يقول: أكلت في عشرة أيام أكلة وشربت شربة. ابن عبد العزيز: عن شعيب بن حرب قال: رأيت النبي ﷺ في النوم، ومعه أبو بكر وعمر ﵄، فجئت فقال: أوسعوا له فإنه حافظ لكتاب الله . إبراهيم بن عبد الملك قال: جاء رجل إلى شعيب بن حرب وهو بمكة فقال: ما جاء بك؟ قال جئت أؤنسك. قال: جئت تؤنسني وأنا أعالج الوحدة منذ أربعين سنة. الحسن بن صالح قال: سمعت شعيب بن حرب يقول: لا تجلس إلا مع أحد رجلين: رجل جلست إليه يعلمك خيراً فتقبل منه، أو رجل تعلمه خيراً فيقبل منك، والثالث: اهرب منه. أحمد بن الحواري قال: سمعت شعيب بن حرب يقول لرجل: إن دخلت القبر ومعك الإسلام فأبشر.

стр. 832

أحمد بن الفضل قال: رأيت شعيب بن حرب بمكة وعليه جبة صوف رقيقة نظيفة، وعليه إزار خفيف إلى الصفرة، وعمامة، وهو حاف وقد صفر لحيته على لون، ووجهه مصفر، وفي كمه دريهمات تكون مقدار ثلاثين درهماً، وقال: ما أصبحت أملك شيئاً من الدنيا أستطيبه إلا هذه، ورأيته بكى حتى رأيت دموعه تسيل على لحيته. وقال لي شعيب: أهدى لي رجل صديق لي سكرة واحدة فأنا أتحلى بها بعد عشائي منذ ثمان ليال. بشر بن الحارث قال: نزل على شعيب بن حرب أخ له يقال له عبدة. فلما نادوا بالنفير خرج عبدة فتبعه شعيب. فلما أراد مفارقته قال له شعيب: اجعلني في حل. قال: من أي شيء؟ قال: من أجل الأخوة فإني لم أقم بأخوتك. محمد بن عيسى قال: سمعت شعيب بن حرب يقول: من أراد الدنيا فليتهيأ للذل. عبد الوهاب قال: كان ههنا قوم خرجوا إلى المدائن، إلى شعيب بن حرب، فلما رجعوا إلى دورهم ولقد أقام بعضهم يستقي الماء، وكان شعيب يقول لبعضهم الذي يستقي الماء: لو رآك سفيان لقرت عينه. قال المروزي: وقلت لأبي عبد الله: أرويه عنك؟ فأجازه. أبو جعفر الحداد، عن شعيب بن حرب، أنه قال: لا تحقرن فلساً تطيع الله في كسبه، ليس الفلس يراد إنما الطاعة تراد، عسى أن تشتري به بقلاً فلا يستقر في جوفك حتى يغفر لك. محمد بن عبد الله البزاز قال شعيب بن حرب قال: لك أن تطين الحائط من الخارج وليس لك أن تجصصه، لعله يخرج في الطريق. وسمعت أبا عبد الله يقول: بلغني عن شعيب بن حرب أنه قال: لا تطين الحائط مما يلي السكة لعله أن يخرج في الطريق - ثم قال أبو عبد الله: لقد دقق شعيب ﵀. عبد الله بن أيوب المخزومي قال: قال شعيب بن الحرب: من طلب الرياسة ناطحته الكباش، ومن رضي أن يكون ذنباً أبى الله إلا أن يجعله رأساً. سمع شعيب بن حرب من شعبة، وسفيان الثوري، وزهير بن معاوية، في خلق كثير. وكان أحد المفردين بالزهد والتعبد وتوفي بمكة سنة سبع وتسعين ومائة.

стр. 833

ذكر المصطفين من أهل واسط ٣٧٣ - منصور بن زاذان مولى عبد الله بن أبي عقيل الثقفي. عن هشام بن حسان قال: كان منصور يأتي المسجد فيصلي ركعتين، ما بين المغرب والعشاء، يختم فيهما القرآن مرتين، ويبلغ من الثالثة إلى الطواسين وكانت عليه عمامة يجعلها كوراً كوراً يمسح بها دموعه، وإذا ابتلت وضعها بين يديه. قال المؤلف: قلت: هذه الرواية ليست بمحققة وإنما كان هذا الرجل يختم القرآن في الليل والنهار مرتين، مرة بعد المغرب والعشاء ومرة بالنهار. يدل على صحة هذا، عن هشام بن حسان قال: كنت أصلي أنا ومنصور ابن زاذان جميعاً، وكان يختم القرآن ما بين الظهر والعصر ويختم مابين المغرب والعشاء وكان يقوم إلى عمود فيصلي فيختم القرآن، وكان يبكي ويمسح بعمامته عينه فلا يزال يبلها كلها بدموعه ثم يلفها ويضعها بين يديه. صالح بن عمر قال: كان الحسن يقعد مع أصحابه ولا يقوم حتى يختم منصور بن زاذان القرآن. شيخ من أهل واسط يكنى أبا سعيد، وكان جاراً لمنصور بن زاذان، قال: رأيت منصوراً توضأ يوماً فلما فرغ دمعت عيناه ثم جعل يبكي حتى ارتفع صوته، قلت: رحمك الله ما شأنك؟ فقال: وأي شيء أعظم من شأني؟ إني أريد أن أقوم بين يدي من لا تأخذه سنة ولا نوم، فلعله أن يعرض عني! قال: فأبكاني والله بقوله. عمرو بن عون قال: سمعت هشيماً يقول: مكث منصور بن زاذان يصلي الفجر بوضوء عشاء الآخرة عشرين سنة. عن أبي عوانة قال: لو قيل لمنصور بن زاذان: إنك ميت اليوم أو غداً، ما كان عنده مزيد. قال هشيم: لو قيل لمنصور بن زاذان إن ملك الموت على الباب، ما كان عنده زيادة في العمل، وذلك أنه كان يخرج فيصلي الغداة في جماعة. ثم يجلس فيسبح حتى تطلع الشمس، ثم يصلي إلى الزوال، ثم يصلي الظهر، ثم يصلي إلى العصر، ثم يصلي العصر، ثم يجلس

стр. 834

يسبح إلى المغرب، ثم يصلي المغرب، ثم يصلي العشاء ثم ينصرف إلى بيته فيكتب عنه في ذلك الوقت. عن أبي حمزة قال: رأيت جنازة منصور بن زاذان ورأيت الرجال على حدة، والنساء على حدة، واليهود على حدة، والنصارى على حدة. قال المؤلف: أرسل منصور الحديث عن أنس، وروى عن الحسن وابن سيرين وعطاء ونظرائهم، وكان قد تحول عن واسط فنزل المبارك على تسعة فراسخ من واسط وتوفي في الطاعون سنة إحدى وثلاثين ومائة. وقيل سنة تسع وعشرين.

стр. 835

٣٧٤ - سيار بن دينار وقيل: ابن وردان، أبو الحكم العنبري. عن هشيم قال: دخلنا على سيار أبي الحكم وهو يبكي، فقلنا: ما يبكيك؟ قال: ما أبكى العابدين قبلي. أبو جعفر الآدمي قال: قال سيار أبو الحكم: الفرح بالدنيا والحزن بالآخرة لا يجتمعان في قلب عبد، إلا إذ سكن أحدهما القلب خرج الآخر. حسين بن زيادة قال: بعث بعض القضاة إلى سيار بواسط فأتاه فقال له: لم لا تجيء إلينا؟ فقال له: إن أنت أدنيتني فتنتني، وإن باعدتني غممتني، وليس عندك ما أرجوه ولا عندي ما أخافك عليه. ثم قام. عبد الحميد بن بيان قال: سمعت أبي يقول: خرج سيار إلى البصرة، فقام يصلي إلى سارية في المسجد الجامع، وكان حسن الصلاة، عليه ثياب جياد. فرآه مالك بن دينار فجلس إليه فسلم سيار، فقال له مالك: هذه الصلاة وهذه الثياب؟ فقال له سيار: هذه ترفعني عندك أو تضعني؟ فقال: تضعك. قال: هذا أردت. ثم قال له: يا مالك إني لأحسب ثوبيك هذين قد أنزلاك من نفسك ما لم ينزلك من الله. فبكى مالك وقال له: أنت سيار؟ قال: نعم. فعانقه - وفي رواية أخرى: فجاء مالك فقعد بين يديه. قال المصنف: يسند سيار عن طارق بن شهاب، ويقال إن طارقاً من أصحابه، وروي عن الشعبي، وأبي حازم، في نظراتهم.

стр. 836

٣٧٥ - المستسلم بن سعيد أبو سعيد الثقفي الواسطي، ابن أخت منصور مولى يزيد بن هارون قال: مكث المستسلم بن سعيد أربعين سنة لا يضع جنبه إلى الأرض. قال: وسمعته يقول: لم أشرب الماء منذ خمسة وأربعين يوماً. وفي رواية أخرى، قال يزيد بن هارون: بت عند المستسلم بن سعيد، وكان لا يكاد ينام، إنما هو قائم وقاعد، وذكر أنه لم يضع جنبه منذ أربعين عاماً، فظننت أنه يعني بالليل، فقيل: ولا بالنهار.

стр. 837

٣٧٦ - هشيم بن بشير بن أبي خازم واسم أبي خازم: القاسم بن دينار. ويكنى هشيم أبا معاوية السلمي، مولى لبني سليم. قال أبو إسحاق الحربي: كان هشيم رجلاً كان أبوه صاحب صحناة وكواميخ، يقال له بشير. وطلب ابنه هشيم الحديث فاشتهاه، وكان أبوه يمنعه. فكتب الحديث حتى جالس أبا شيبة القاضي، وكان يناظر أبا شيبة في الفقه، فمرض هشيم، فقال أبو شيبة: ما فعل ذلك الفتى الذي كان يجيء إلينا؟ قالوا: عليل. فقال: قوموا بنا حتى نعوده. فقام أهل المجلس جميعاً يعودونه حتى صاروا إلى منزل بشير، فدخلوا إلى هشيم فجاء رجل إلى بشير ويده في الصحناة فقال: الحق ابنك قد جاء القاضي يعوده. فجاء بشير والقاضي في داره. فلما خرج قال لابنه: يا بني قد كنت أمنعك من طلب الحديث فأما اليوم فلا، صار القاضي يجيء إلى بابي، متى أملت هذا. قال الحربي: وكان حفاظ الحديث أربعة، هشيم شيخهم، يزعمون أنه ما رئي له إلا دفتر واحد. عبد الله بن أحمد قال: سمعت أبي يقول: لزمت هشيماً أربع سنين، أو خمس سنين،

стр. 838

ما سألته عن شيء هيبة إلا مرتين. قال لي: وكان هشيم كثير التسبيح بين الحديث، يقول بين ذلك: لا إله إلا الله، يمد بها صوته. محمد بن حاتم المؤدب قال: قيل لهشيم، كم كنت تحفظ يا أبا معاوية؟ قال: كنت أحفظ في مجلس مائة ولو سئلت عنها بعد شهر لأجبت. نصر بن بسام وغيره من أصحابنا قالوا: أتينا أبا محفوظ معروفاً الكرخي فقال لنا: رأيت النبي ﷺ في النوم وهو يقول لهشيم: "يا هشيم: جزاك الله عن أمتي خيرا"ً. قال ابن بسام: فقلت: يا أبا محفوظ أنت رأيته؟ قال: نعم، هشيم خير مما نظن، هشيم خير مما نظن، هشيم خير مما نظن رضي الله عن هشيم. عمرو بن عون قال: مكث هشيم يصلي الفجر بوضوء عشاء الآخرة، قبل أن يموت، عشر سنين. قال المؤلف: سمع هشيم من عمرو بن دينار، والزهري، ويونس بن عبيد، وأيوب السختياني، وابن عون، وخالد الحذاء، ومنصور بن زاذان، في خلق كثير. وروى عنه: مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وشعبة، وابن المبارك، ويزيد بن هارون، في جماعة من الكبار. وانتقل عن واسط إلى بغداد فسكنها إلى إن مات بها وكان أبوه بشير طباخ الحجاج بن يوسف كان يعمل الكواميخ والصحناة. ومات هشيم في يوم الأربعاء، لعشر مضين من شعبان من سنة ثلاث وثمانين ومائة.

стр. 839

٣٧٧ - يزيد بن هارون يكنى أبا خالد، مولى لبني سليم، وقيل أصله من بخارى. علي بن المديني قال: ما رأيت رجلاً قط أحفظ من يزيد بن هارون. قال أبو جعفر أحمد بن سنان: ما رأيت عالماً قط أحسن صلاة من يزيد بن هارون يقوم كأنه أسطوانة، وكان يصلي بين المغرب والعشاء والظهر والعصر لم يكن يفتر من صلاة الليل والنهار، هو وهشيم جميعاً معروفان بطول الصلاة بالليل والنهار.

стр. 840

عاصم بن علي قال: كان يزيد بن هارون إذا صلى العتمة لا يزال قائماً حتى يصلي الغداة بذلك الوضوء نيفاً وأربعين سنة. أبو جعفر محمد بن إسماعيل الصائغ بمكة قال: قال رجل ليزيد بن هارون: كم حزبك؟ فقال: وأنام من الليل شيئاً؟ إذاً لا أنام الله عيني. محمد بن الربيع بن الحكم قال: سمعت يزيد بن هارون يقول: من طلب الرئاسة في غير أوانها حرمه الله إياها في أوانها. الحسن بن عرفة قال: رأيت يزيد بن هارون بواسط وهو أحسن الناس عينين، ثم رأيته بعين واحدة، ثم رأيته وقد ذهبت عيناه فقلت: يا أبا خالد ما فعلت العينان الجميلتان؟ فقال: ذهب بهما بكاء الأسحار. أبو نافع ابن بنت يزيد بن هارون قال: كنت عند أحمد بن حنبل وعنده رجلان، فقال أحدهما: يا أبا عبد الله رأيت يزيد بن هارون في المنام فقلت له: يا أبا خالد ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي وشفعني وعاتبني. قال: قلت غفر لك وشفعك قد عرفت، ففيم عاتبك؟ قال: قال لي يا يزيد أتحدث عن حريز بن عثمان؟ قال: قلت يا رب ما علمت إلا خيراً. قال: يا يزيد إنه كان يبغض أبا الحسن علي بن أبي طالب. قال: وقال الآخر: وأنا رأيت يزيد بن هارون في المنام؟ فقلت له: هل أتاك منكر ونكير؟ قال: إي والله، وسألاني من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ قال: قلت: ألمثلي يقال هذا وأنا أعلم الناس هذا في دار الدنيا؟ فقالا لي: صدقت فنم نومة العروس لا بؤس عليك. حوثرة بن محمد المقري قال: رأيت يزيد بن هارون في المنام بعد موته بأربع ليال فقلت: ما فعل الله بك؟ تقبل مني الحسنات، وتجاوز عن السيئات، ووهب لي التبعات. قلت: وما كان بعد ذلك؟ قال: هل يكون من الكريم إلا الكرم؟ غفر لي ذنوبي وأدخلني الجنة. قلت: بم نلت؟ قال: بمجالس الذكر وقول الحق وصدقي في الحديث وطول قيامي في الصلاة وصبري على الفقر، قلت: منكر ونكير حق؟ قال: إي والله، والله الذي لا إله إلا هو لقد أقعداني وسألاني: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فجعلت أنفض لحيتي البيضاء من التراب. فقلت: مثلي يسأل؟ أنا يزيد بن هارون الواسطي، وكنت في دار الدنيا ستين سنة أعلم الناس.

стр. 841

فقال أحدهما: صدق، هو يزيد بن هارون، من نومة العروس ولا روعة عليك بعد اليوم. قال أحدهما: أكنت تكتب عن حريز بن عثمان؟ قلت: نعم وكان ثقة في الحديث. قال: ثقة ولكنه كان يبغض علياً، أبغضه الله تعالى. قال المؤلف: أسند يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وسليمان التميمي، وعاصم الأحوال، وحميد الطويل، وداود بن أبي هند، وعبد الله بن عون، وحسين المعلم في خلق كثير. وكان مولده ثمان عشرة ومائة. وتوفي في سنة ست ومائتين وهو ابن سبع أو ثمان وثمانين سنة. انتهى ذكر أهل واسط

стр. 842

ذكر المصطفين من أهل الكوفة من التابعين ومن بعدهم فمن الطبقة الأولى ٣٧٨ - سويد بن غفلة بن عوسجة بن عامر يكنى أبا أمية. رحل إلى رسول الله ﷺ ، فوصل إلى المدينة، وقد قبض رسول الله ﷺ . فصحب أبا بكر وعثمان وعلياً. وروى عنه الشعبي أنه قال: أنا أصغر من رسول الله ﷺ بسنة. عن عمران بن مسلم قال: كان سويد بن غفلة إذا قيل له أعطي فلان وولي فلان، قال: حسبي كسرتي وملحي. عن عثمان بن عمران قال: قال سويد بن غفلة: لو استطعت أن أكون مؤذن الحي لفعلت. عن خثيمة عن سويد بن غفلة قال: إذا أراد أن ينسى أهل النار جعل لكل واحد منهم تابوتاً من نار على قدره ثم أقفل عليهم بأقفال من نار فلا يضرب فيهم عرق إلا وفيه مسمار من نار. ثم يجعل ذلك التابوت في تابوت آخر من نار، ثم يقفل عليه بأقفال من نار ثم تضرم بينهم نار ثم يجعل ذلك في تابوت آخر من نار ثم يقفل بأقفال من نار ثم تضرم نار فلا يرى أحد منهم أن في النار غيره. عن سويد بن غفلة قال: إن الملائكة تمشي أمام الجنازة وتقول: ما قدم؟ ويقول الناس: ما ترك؟ عن الوليد بن علي عن أبيه قال: كان سويد بن غفلة يؤمنا في شهر رمضان في القيام، وقد أتى عليه عشرون ومائة سنة. عن عاصم قال: تزوج سويد بن غفلة وهو ابن ستة عشرة ومائة سنة، وكان يمشي، يأتي الجمعة ماشياً.

стр. 843

حنش بن الحارث قال: رأيت سويد بن غفلة يمر بنا في المسجد إلى امرأة له من بني أسد وهو ابن سبع وعشرين ومائة سنة. عن عاصم بن كليب قال: تزوج سويد بن غفلة بكراً وهو ابن ست عشرة ومائة سنة وكان يمر بنا إلى الجمعة يمشي وهو ابن ست عشرة ومائة. قال المؤلف: أسند سويد عن أبي بكر وعمر وابن مسعود وبلال وغيرهم. قال محمد بن سعد: مات سويد ابن ثمان وعشرين ومائة سنة في إحدى أو ثنتين وثمانين.

стр. 844

٣٧٩ - الأسود بن يزيد بن قيس بن عبد الله يكنى أبا عمرو، وهو ابن أخي علقمة بن قيس وهو أكبر من علقمة. عن منصور عن إبراهيم قال: كان الأسود يختم القرآن في رمضان في ليلتين، وكان ينام بين المغرب والعشاء، وكان يختم القرآن في غير رمضان، في كل ست ليال. عن أبي إسحق قال: حج الأسود ثمانين من بين حج وعمرة. عن عبد الرحمن بن تروان الأودي قال: كان الأسود بن يزيد يجهد نفسه في الصوم والعبادة حتى يخضر جسده ويصفر: وكان علقمة يقول له: ويحك لم تعذب هذا الجسد؟ فيقول: إن الأمر جد، إن الأمر جد. عن علقمة بن مرثد قال: انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين، منهم الأسود بن زيد. وكان يجتهد في العبادة، ويصوم حتى يصفر ويخضر. فلما احتضر بكى. فقيل له ما هذا الجزع؟ فقال: لا أجزع؟ ومن أحق بذلك مني؟ والله لو أتيت بالمغفرة من الله لأهمني الحياء منه بما قد صنعت، إن الرجل ليكون بينه وبين الرجل الذنب الصغير فيعفو عنه ولا يزال مستحياً منه. قال: لقد حج الأسود ثمانين حجة. حنش بن الحارث قال: رأيت الأسود وقد ذهبت إحدى عينيه من الصوم، عمارة قال: ما كان الأسود إلا راهباً من الرهبان. عن الحكم قال: كان الأسود يصوم الدهر.

стр. 845

أسند الأسود عن أبي بكر وعلي وابن مسعود ومعاذ وأبي موسى وسلمان وعائشة ولم يورد عن عثمان شيئاً. وتوفي بالكوفة في سنة خمس وسبعين.
следующие страницы →