← Фатава

Фатава · id 12033

عيون الرسائل والأجوبة على المسائل

عبد اللطيف آل الشيخ

Полный текст (983 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المجلد الأول مقدمة ... شكر وتقدير إنه بعد أن أكرمني الله بإنهاء هذا البحث، لا يسعني إلا أن أشكر الله على نعمه الغفيرة، وفضائله، وأحمده حمداً كما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه. سبحانك لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، لا إله إلاأنت نستغفرك ونتوب إليك، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا راد لما قضيت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد. وأتوجه بعد ذلك بخالص شكري وتقديري لهذه الجامعة الإسلامية المباركة، التي ربتني طيلة السنوات الثماني عشرة الماضية، تنقلت خلالها في جميع المراحل التابعة لها؛ ابتداءً بشعبة تعليم اللغة العربية، وانتهاءً بالدكتوراة. أسأل الله تعالى أن يحفظها من جميع مكائد أعداء الأمة الإسلامية، ويجعلها دوماً قلعةً للدعاة إلى دينه القويم. ثم أشكر جميع القائمين عليها، الذين يسهرون على خدمة أبناء المسلمين، وعلى رأسهم معالي مديرها؛ فضيلة الدكتور/ صالح بن عبد الله العبود، وفضيلة الدكتور/ عبيد بن عبد الله السحيمي، عميد كلية الدعوة وأصول الدين، وفضيلة الدكتور/ صالح بن سعد السحيمي، رئيس قسم العقيدة في الجامعة. كما أتوجه بخالص شكري إلى أستاذي وشيخي فضيلة الدكتور/ أحمد بن مرعي العَمري، المشرف على هذه الرسالة، والذي رافقني في هذا الدرب الطويل؛ فوجدته خير المعين بعد الله ، والناصح الأمين. أسأل الله تعالى أن يكون جهدي فيه خالصاً لوجهه، ويجعله في ميزان حسناتي يوم لا ينفع مال ولا بنون. وأخيراً أتوجه بشكري وتقديري إلى أستاذي فضيلة الدكتور/ صالح بن فوزان

стр. 2

ابن عبد الله الفوزان، وفضيلة الدكتور/ محمد بن خليفة التميمي، واللذين تقبلا مناقشة هذه الرسالة وتقويمها. فجزا الله الجميع عني خيراً، وأحسن مثوبتهم. وأسأل الله أن يديم نعمة الأمن والإيمان على هذه البلاد، ويوفق ولاتها لما فيه عز الإسلام والمسلمين، ويحفظ لهم مقدساتهم. إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِّينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١) . ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَكُمُ الّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبَاً﴾ (٢) . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِّينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً, يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزَاً عَظِيمَاً﴾ (٣) (٤) .

стр. 4

أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة (١) . وإن من نعم الله على هذه الأمة، أن بعث إليها رسول الهدى، خاتم الأنبياء والمرسلين محمداً صلوات الله وسلامه عليه، الذي أدى الأمانة، ونصح الأمة، وتركهم على محجة بيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. ثم إنه يقيض لهذا الدين -في كل عصر- طائفة من علماء أهل السنة، دعاة مخلصين، هم ورثة الأنبياء يقومون بالدعوة إلى الله، ويناضلون من أجل نشر الإسلام، وإحياء ما اندرس من سنة المصطفى ﵇ ويقفون في وجه أعداء الملة؛ من الملحدين والحاقدين، يردون على شبهاتهم، ويفندون شبههم، ويبطلون زيفهم. ومنهم المجددون لأمر هذا الدين؛ الذين أشار إليهم رسول الله ﷺ بقوله: ((إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها)) (٢) . وكان من بين أولئك الأعلام، الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ مجدد القرن الثاني عشر، الذي أحيا في نفوس العباد كلمة التوحيد، وسنة رسول الله ﷺ .

стр. 5

فانتشرت دعوته وامتدت عبر الأجيال. فهو ﵀ كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي الْسَّمَاء*تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (١) . فمن ينظر إلى شجرة شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب في إيجاد البيئة التي كانت قائمة أثناء كتابته لهذه الرسائل؛ لذا نجدها متنوعة في ثلاثة أنواع: الأول: رسائل في عقيدة التوحيد وما يضادها من الشرك: فقد شملت رسائله في هذا الشأن، الدعوة إلى عقيدة التوحيد الصحيحة، وبيان أسسها ونواقضها، وبيان ما دعا إليه جده الإمام محمد بن عبد الوهاب، ومراسلة أقرانه وتلاميذه في شأن الدعوة والرد على المنحرفين والمبطلين. وأقام الحجج على وجوب معاداة المشركين عامة، ووجوب البراءة منهم ومجاهدتهم والهجرة من ديارهم، وتحريم موالاتهم. كما فرّق بين معاملة المشركين المحاربين للمسلمين، المعادين لهم في الدين، ومعاملة غيرهم؛ وبين البلاد التي يفتن فيها المسلم، ولا يستطيع إقامة دينه فيها، والبلاد التي ليست كذلك؛ وغير ذلك من المسائل المتعلقة بالعقيدة. والثاني: رسائل في فتاوى: وكان مختصة بالأجوبة على أسئلة المتسائلين حول مسائل الفروع. وهي رسائل معدودة. والثالث: رسائل في الفتن الواقعة في عصره: وهي تتناول الحث على مجاهدة تلك العساكر التي أرسلتها الدولة العثمانية لإبطال دعوة التوحيد، وعلى العمل على إخماد نار الحرب بين الأميرين عبد الله بن فيصل بن تركي، وأخيه سعود بن فيصل بن

стр. 6

تركي. وأخرى تبين ما كان يقوم به من عقد الصلح بينهما، وأخذ الأمان على أهل بلدته، وهكذا. وقد بلغ مجموعها إلى ست وسبعين (٧٦) رسالة، إضافة إلى إحدى وعشرين (٢١) رسالة من الملحقات في حواشي نسخة (أ) . ولا شك في أن هذه الرسائل، على الرغم من أن الشيخ كان يوجهها لأشخاص معينين، إلا أنها؛ لعظم ما فيها من المسائل العلمية والنصائح، والفوائد الدقيقة، فإن الحاجة إليها قائمة في كل زمان ومكان، ولكل فرد ومجتمع. أسباب اختياري لهذه المخطوط: بعد أن أنعم الله عليّ باجتياز مرحل الماجستير في هذه الجامعة، وجدت في نفسي دافعاً قوياً، وهمة عالية، تدفعني إلى طلب التزود من هذا العلم الشرعي. ثم كانت نعم الله عليّ تترى؛ إذ منحتني الجامعة فرصة أخرى، لألتحق بهذه المرحلة التي أشعر فيها أني وصلت إلى بداية طلب العلم. فبدأت مرحلة البحث والتنقيب عن موضوع يمكن تقديمه للقسم؛ ليكون منطلق عملي في هذه المرحلة العلمية. وبعد البحث المضني، والمحاولات العديدة الجادة، التي قدمت فيها عدة موضوعات، ولم تحظ بالقبول، وقعت عيني على عنوان هذا المخطوط، فوجدت محتواه موافقاً لما أحتاج إليه، وللتخصص الذي أنا فيه. فاستخرت الله على تقديمه، فوفقني لموافقة القسم عليه. وقد كان من أهم الأسباب التي دعتني إلى اختيار هذا المخطوط: ١- أن هذه الرسائل التي يحتويها هذا المخطوط لها أهمية كبرى، في خدمة العقيدة

стр. 7

الإسلامية، والدفاع عن السنة وأهلها. ٢- كون صاحب المخطوط، الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ، علماً من أعلام أهل السنة والجماعة، عدواً لدوداً لأعداء الدعوة السلفية. ٣- أنه قد قادني الرغبة الأكيدة في المشاركة في إخراج شيء من التراث الإسلامي الهائل، الذي لم يزل في دوره، وينتظر من يخرجه للقراء. ٤- إبراز هذا الكتاب في صورة أوضح وسليمة قدر الإمكان؛ وذلك نظراً لكثرة تداول طلبة العلم للنسخة المطبوعة، والتي كانت بحاجة إلى التحقيق. ٥- أنه لم يسبق -حسب علمي- أن حُقق هذا المخطوط تحقيقاً علمياً؛ فالرسائل التي نجدها مطبوعة في المجلد الثالث ضمن "مجموعة الرسائل والمسائل النجدية" ليست محققة، ولم يعتن طابعها بتصحيح جميع ما فيها من أخطاء. ٦- توفر النسخ المخطوطة التي استعنت بها في تقويم النص. تلك بعض الأسباب التي دعتني إلى اختيار هذا المخطوط. أهمية هذا المخطوط تبرز أهمية هذا المخطوط في الآتي: ١. أنه يتضمن رسائل مهمة، تنافح عن العقيدة السلفية, وتدرأ عنها الشبهات التي أثيرت حولها، والتي يستحدثها دعاة الضلالة في وقتنا الحاضر. ٢. احتوائه على مسائل عقدية مهمة، جانب الصواب فيها كثيرٌ من المبتدعين. ففيه يبرز الشيخ المعتقد السليم حول تلك المسائل؛ كما يورد العديد من أقوال السلف التي هي بحاجة إلى الدراسة والتحقيق.

стр. 8

الخطة التي سرت عليها في الدراسة والتحقيق اشتملت الخطة على تمهيد وقسمين: قسم الدراسة، وقسم التحقيق. أما التمهيد: فيشتمل على الآتي: - المقدمة. - أسباب اختياري لهذا المخطوط. - أهمية هذا المخطوط. - الخطة التي سرتُ عليها في الدراسة والتحقيق. - منهجي في الدراسة والتحقيق. القسم الأول: الدراسة: وقد تضمنت دراسة عصر المؤلف، وحياته، وكتابه. القسم الثاني: تحقيق النص. أما القسم الأول: فيتكون من بابين: الباب الأول: عصر المؤلف وحياته. وجعلته في فصلين: الفصل الأول: عصر المؤلف: وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: الحالة السياسية. المبحث الثاني: الحالة الاجتماعية. المبحث الثالث: الحالة الدينية. الفصل الثاني: حياة المؤلف: وفيه مباحث: المبحث الأول: اسمه ونسبه.

стр. 9

المبحث الثاني: ولادته وأسرته. المبحث الثالث: صفاته الذاتية والفكرية. المبحث الرابع: نشأته العلمية ورحلاته. المبحث الخامس: شيوخه. المبحث السادس: تلاميذه. المبحث السابع: ثقافته وإنتاجه العلمي. المبحث الثامن: عقيدته. المبحث التاسع: أعماله ووظائفه. المبحث العاشر: حياته السياسية. المبحث الحادي عشر: وفاته والمرثيات التي قيلت فيه. المبحث الثاني عشر: ثناء العلماء عليه. أما الباب الثاني: فيتناول دراسة الكتاب: وقسمته إلى فصلين: الفصل الأول: التعريف بالكتاب: وفيه خمسة مباحث: المبحث الأول: عنوان المخطوط. المبحث الثاني: تعريف جامع الرسائل. المبحث الثالث: توثيق نسبته إلى المؤلف. المبحث الرابع: موضوع الكتاب.

стр. 10

المبحث الخامس: وصف النسخ الخطية والمطبوعة. الفصل الثاني: دراسة تقويمية للكتاب. وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: منهج المؤلف في الكتاب. المبحث الثاني: مصادره. المبحث الثالث: قيمة الكتاب. أما القسم الثاني: فيتناول تحقيق النص. ويشتمل على ذكر النص، والتعليقات التي وضعتها في الهامش. منهجي وعملي في التحقيق: ١- بدأت بجمع النسخ التي اعتمدت عليها في مقابلة النص. فقمت من أجل ذلك برحلة علمية إلى مدينة الرياض، حيث وجدت أغلبها. وكذلك من أجل الاطلاع على بعض الأماكن في منطقة نجد بلد المؤلف، والتي ورد ذكرها في الرسائل. ٢- قد أخرجت هذا الكتاب بعد مقابلته على أربع نسخ خطية، ونسخة مطبوعة واحدة، هي الجزء الثالث من كتاب: (مجموعة الرسائل والمسائل النجدية) . ٣- اتبعت منهج إثبات النص الصحيح، لسبب أن جميع ما بيدي من النسخ ليس من ضمنها نسخة بخط المؤلف، بل كلها لنساخ مختلفين، فاحتمال وجود الخطأ عند أحدهم أثناء النسخ، وارد. ٤- إذا اختلفت النسخ في كلمة أو عبارة، أثبت أصحها في نظري، وأضعها بين شرطتين مائلتين هكذا (//) ، ثم أشير بالهامش إلى الكلمة الواردة في بقية النسخ. ٥- التزمت بتحقيق رسائل الشيخ الواردة في المخطوط الذي بين يدي، ولم أتناول رسائله الواردة في الأماكن الأخرى، كالتي وردت في الدرر السنية والرسائل الزائدة

стр. 11

في المطبوع وغيرها، عدا رسالة واحدة هي (الرد على الصحاف) . ٦- إن كانت الرسالة مما أحققه منشورة في أي كتاب، كالدرر السنية، أو الهدية السنية، أشير إليها بذكر مكان وجودها. ٧- قمت بتصحيح الأخطاء الإملائية، بدون إشارة لذلك. ٨- إن كان الخطأ في آية، أكتفي بتصحيحه، دون الإشارة لذلك. ٩- إن كان الخطأ في حديث أو أثر، أصححه من أصله وأشير لذلك. ١٠- نبّهت على نهاية كل صفحة من صفحات نسخة (أ) بوضع رقم جانبي، ومن الملاحظ أن أشرت إلى نهاية كل الصفحة، بدلاً من (لوحة) ؛ ذلك لأن النسخة التي اخترتها أصلاً، مرقمة بصفحتين في كل لوحة. ١١- قمت بعزو الآيات القرآنية إلى مواضعها في المصحف الشريف، بذكر اسم السورة ورقم الآية. ١٢- التزمت في كتابة الآيات داخل النص بالرسم العثماني. ١٣- قمت بتخريج الأحاديث الواردة في هذا البحث، من مصادرها. واتبعت في ذلك الآتي: - خرجت الأحاديث من الكتب الستة. وقد أزيد عليها أحياناً للفائدة. - أذكر الجزء ورقم الصفحة مع الإشارة إلى اسم الكتاب، والباب، في الهامش. - بعض الأحاديث التي أوردها في الهامش للاستشهاد، أكتفي أحياناً بذكر الجزء والصفحة. - بعض الأحاديث التي لم ترد في الصحيحين، أذكر كلام علماء الحديث في تصحيحها أو عدمه، إن وقعت على شيء منه. - الأحاديث التي اكتفى المؤلف بالإشارة إليها، أو بذكر جزء منها، أذكرها وأكملها

стр. 12

في الهامش مع التخريج. ١٤- قمت بعزو الآثار الواردة في البحث إلى مصادرها قدر الإمكان. سواء كانت للصحابة أو التابعين، أو من بعدهم من علماء سلف الأمة. ١٥- قمت بتوثيق النصوص المنقولة الواردة في النص المحقق، بمقابلتها بالأصل، وعزوها إلى مصادرها قدر الإمكان. فما أسقطه المؤلف أو أخطأ في نقله أصححه وفق ما يوجد في الأصل. ١٦- قمت بترتيب الرسائل ترتيباً فنياً؛ حيث إنها مختلطة في جميع النسخ عموماً. فقدمت الرسائل المتعلقة بالتوحيد والعقائد، ثم المتعلقة بالفتاوى، ثم تلك المتعلقة بالفتن، والواقعة بين أبناء فيصل بن تركي بن عبد الله عند صراعهم على الحكم. ١٧- قمت بترجمة مختصرة لمعظم الأعلام الذين ورد ذكرهم في البحث. واتبعت في ذلك الآتي: - اكتفيت بذكر ما يميّز العلم عن غيره من: اسم المترجم له وأبيه وجده، وكنيته ولقبه وتاريخ وفاته، وأهم كتبه أحياناً، أو أمر اشتهر به. مع ذكر مصدرين أو أكثر لمن يرغب في الاطلاع عليه. - تركت التعريف بمن تغني شهرتهم عن ترجمتهم، مثل أسماء الأنبياء وكبار الصحابة كالخلفاء الأربعة ونحوهم، وأصحاب الكتب الستة، والفقهاء الأربعة ونحوهم، ممن بلغت شهرتهم الآفاق. وقد أشير أحياناً إلى اسمه؛ (لتعيينه عن غيره) وأذكر له مرجعاً أو مرجعين لمن أراد الاطلاع على ترجمته. - لم أتمكن من الحصول على ترجمة بعض الأعلام، التي كانت بحاجة إلى ذلك؛ للآتي: أ- أن أغلب هؤلاء من المتأخرين، عاشوا في القرن (١٣ و ١٤) وهم في منطقة

стр. 13

نجد. وأكثرهم من صغار التلاميذ للشيخ، بحيث لم يُلفتوا أنظار المترجمين المعاصرين لهم ومن بعدهم. كما أنه من الملاحظ قلة كتب التراجم لأهل تلك المنطقة، والموجودة منها اعتنت بمشاهير الأعلام من العلماء والمشايخ والأمراء ونحوهم. ب- أن بعضهم، من المبتدعين أو الفساق الذين كان يراسلهم الشيخ، فلم يلتفت إليهم أصحاب التراجم. ١٨- علقت على المسائل العقدية وغيرها، التي أشار إليها المؤلف، وكانت بحاجة إلى تعليق أو زيادة إيضاح. وأجعل عند بداية تعليقي في الهامش علامة (*) لتفريقه عن غيره. ١٩- قمت بوضع عناوين جانبية للرسائل والمسائل الواردة في النص وذلك بخط دقيق في بداية المسألة. ونقلت بعضها مما وضع في النسخة المطبوعة، مما رأيتها موافقة لما أراه مناسباً للموضوع. ٢٠- عزوت الأبيات الشعرية إلى قائليها ومصادرها قدر الإمكان. ٢١- عرّفت بالفرق والطوائف الواردة في النص. ٢٢- عرّفت ببعض الأماكن والبلدان الواردة في النص، مما قد تخفى على القارئ معرفتها. ٢٣- قمت بشرح الكلمات الغريبة الواردة في النص، وكذلك المصطلحات. ٢٤- لم ألتزم بذكر جميع تعليقات النساخ على حواشي النسخ؛ كشرح بعض الكلمات، أو التعليق الشخصي للناسخ. ٢٥- أذكر جميع المعلومات الخاصة بالمصدر عند أول ذكره، وفي ذلك رمزت للطبعة بـ (ط) وللوفاة بـ (ت) ، وللهجري بـ (هـ) وللميلاد بـ (م) . ودوّنت المعلومات حسب ما هو موجود على عنوان الغلاف.

стр. 14

٢٦- في قسم الدراسة أو في التعليقات على النص، اكتفيت بذكر التاريخ الهجري. ٢٧- فرّقت بين كلام الشيخ، وكلام جامع الرسائل بخط مغاير في الحجم، فأجعل كلام الشيخ في خط أكبر. ٢٨- هناك رسائل أوردها ناسخ (أ) بالحواشي، ولم ترد في غيرها من النسخ، فقد أدرجتها ضمن الرسائل العامة ووزعتها حسب موضوعاتها. ٢٩- وضعت فهارس مختلفة، تكشف أسرار الكتاب، وتبين للقارئ محتواه. وهي تشمل: فهرس الآيات القرآنية فهرس القواعد الأصولية فهرس الأحاديث النبوية فهرس الوقائع والأحداث فهرس الآثار فهرس الأمثال فهرس الأعلام فهرس الأبيات الشعرية فهرس المواقع فهرس الكلمات الغريبة فهرس الفرق والطوائف فهرس المصادر والمراجع فهرس القبائل فهرس الموضوعات وبعد ... فهذا هو جهدي في هذا البحث، على ضوء الخطة التي رسمتها، وإني لأرجو الله -تعالى- أن أكون قد حققت من خلالها بعض مقاصد هذا التحقيق، فما تمَّ لي من ذلك فلله وحده النعمة والفضل. وإن كانت الأخرى، فهو جهد بشر معرض للنقص؛ إذ الكمال لله وحده . وأسأله -جلّت قدرته- أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وأن ينفعنا بما علمنا، ويعلمنا ما ينفعنا، ويزيدنا علماً.

стр. 15

كما أسأله -سبحانه- أن يغفر لي ما سبق إليه القلم أو الفهم الخاطئ في هذا البحث من نسبة قول أو مذهب أو رأي لغير صاحبه، أو استنباط في غير محله وعلى غير وجهه. إنه سميع مجيب.

стр. 16

القسم الأول: الدراسة الباب الأول: عصر المؤلف وحياته الفصل الأول: عصر المؤلف المبحث الثالث: الحالة الدينية ... المبحث الثالث الحالة الدينية منذ أن تعاهد الأمير محمد بن سعود مع محمد بن عبد الوهاب سنة (١١٥٨هـ) وتحالفا (١) على تطهير جزيرة العرب من البدع والخرافات، ونشر كلمة التوحيد وحمايتها، دخلت نجد أو بالأحرى الدرعية مع سائر الإمارات الأخرى في حرب دينية دامية؛ كما فعل حاكم الإحساء ابن عريعر الخالدي، وحاكم نجران السيد حسن ابن هبة الله، اللذان تحالفا عام (١١٧٨هـ) ، على الزحف على الدرعية؛ للقضاء على مهد الدعوة الدينية، وكسر شوكة دعاتها (٢) . وأمثال أولئك كثيرون. غير أن ذلك لم يثن أبناء سعود المتعاقبين على حكم البلاد السعودية، عن التمسك بمبدأ حماية الدين ونصرة عقيدة التوحيد، وجعلها أساساً للحكم. فبعد وفاة الإمام محمد بن سعود (١١٧٩هـ) تولى الأمر بعده أكبر أولاده الأمير عبد العزيز بن محمد (ت١٢١٨هـ) فسار على خطة أبيه في التعاون مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب (ت١٢٠٦هـ) ، في تجديد الدعوة، وإعلاء كلمة الله (٣) . ويمكن تلخيص الحالة الدينية في العصر الذي عاشه الشيخ عبد اللطيف ﵀ في الآتي: أولاً: حال الدرعية:-

стр. 17

فقد كانت الدرعية -مسقط رأس الشيخ- مركزاً لحماية الدين ونشر الدعوة، فهي كما وصفها الشيخ عبد الله البسام بقوله: ( ... والدرعية حينئذٍ كعبة العلم، وموطن الدعوة، ومعهد علماء السلف، وعاصمة الجزيرة العربية، وعرين الليوث السعوديين من حماة الدين وذادة الملة الإسلامية ... ) (١) . ووصفها أيضاً -عند ترجمته للشيخ عبد اللطيف- بقوله: (إن الدرعية الزاخرة بالعلم، والساطعة بالإيمان، والمشرقة بالدين، والآهلة بالعلماء ... ) (٢) . فمن ذلك يمكننا معرفة المكانة الدينية، التي كانت تمتاز بها تلك البلدة. أما بعد سقوطها في أيدي الغزاة المصريين والأتراك، فقد انقلب الحال رأساً على عقب؛ حيث انعدم فيها -وفي سائر المناطق النجدية التي وقعت في أيدي الطغاة- كثير من مظاهر الدين، وصار أهلها -كما قال ابن بشر-: "وهجر كثير منهم الصلاة وأفطر في رمضان، وجر الربا والغناء في المجالس، وسفت الذراري على المجامع والمدارس، واندرس السؤال عن أصول الإسلام وأنواع العبادات، وظهرت دعوى الجاهلية في كل البلاد" (٣) . ثانياً: حال الإحساء:- أما في منطقة الإحساء، فكانت الأحوال الدينية مختلفة تماماًَ عما كانت عليها في الدعية، فقد كان فيها خليط من العقائد والآراء. وقد وصف الشيخ عبد الله البسام ما كانت عليه هذه المنطقة من أحوال دينية فقال:

стр. 18

( ... ولما استولى الإمام فيصل على الإحساء، وكان فيها خليط من العقائد والآراء، فالرافضة (١) لهم شوكة، وعلماء الشافعية والمالكية أشاعرة (٢) ، وعلماء الأحناف ماتريدية (٣) ، وتشترك هذه الطوائف كلها في وسائل الشرك؛ من نحو تعظيم القبور، والغلو في الصالحين، والبدع؛ من نحو الموالد، ومراسم الموت، والجنائز.

стр. 19

فكان الشيخ عبد اللطيف هو المختار لمقابلة، مثل هؤلاء، ومحاربة أمثال هذه الأمور، فبعثه الإمام إليهم" (١) . فهنا نجد الأمير فيصل بن تركي قد انتدب الشيخ عبد اللطيف لمهمة مقابلة أولئك القوم، ومناقشتهم وردهم إلى جادة صوابهم، فوفق لذلك ﵀. ثالثاً: الاستمرار في ظهور معارضين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وحركتهم في ذلك:- منذ أن ظهرت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية السلفية، برز كثير من المعارضين لها في شتى أنحاء شبه الجزيرة العربية وخارجها، قاموا ببث سموم الفساد والتضليل، وجردوا أنفسهم للدعوة إلى البدع والخرافات، وألفوا في ذلك مؤلفات. كان من ضمن أولئك: ١- داود بن جرجيس العراقي (٢) : وقد كان لهذا يد في الإفساد والتضليل حينما استوطن نجداً، فالتف حوله من أخذ عنه، فكان رائد التضليل. وألف كتاب: (صلح الإخوان من أهل الإيمان، وبيان الدين القيم في تبرئة ابن تيمية وابن القيم) . ويحتوي هذا الكتاب على خبث كامنٍ، وسمٍّ دفين؛ إذ إن من اطلع على عنوان هذا الكتاب، قد يحسبه ضمن الكتب المناصرة لعلماء الدعوة، والواقع أنه دافع فيه عن

стр. 20

الاستغاثة بالأموات، وضلل معارضي ذلك، ونقل فيه خمسين موضعاً من كتب ابن تيمية وابن القيم وغيرهما، يزعم أنها تشهد له على استحباب دعاء الموتى والاستغاثة بهم. ٢- عثمان بن منصور (١) ، وكان طاغية من أهل البدع، ألف في السبّ وشتم شيخ الإسلام ومجدد الدعوة السلفية محمد بن عبد الوهاب كتاباً سماه (جلاء الغمة من تكفير هذه الأمة) ، والمراد بالأمة عنده، عبدة الأصنام، فانتصر لهم فيه، وضلل أهل التوحيد (٢) . ٣- يوسف بن إسماعيل النبهاني (٣) صاحب كتاب شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق، والرائية الصغرى، وغيرهما، أظهر فيها حملة عنيفة على من سماهم وهابيين.

стр. 21

فقام في مقابلة هؤلاء، علماء سلفيون دعاة، وأخذوا يردون على ما يبثه أولئك الطغاة من مفتريات حول دعوة الحق، والعقيدة الصحيحة، ويفندون مزاعمهم؛ فألفوا في ذلك مؤلفات، كان من أهمها: ردود العلماء على كتاب ابن جرجيس (صلح الإخوان) المتقدم، فقد تصدى للرد على هذا الكتاب، جملة من العلماء؛ هم: أ- الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن -والد الشيخ عبد اللطيف- الذي قام بالرد والردع على شبهات هذا المفتري، وذلك في كتاب سماه: (القول الفصل النفيس) . ب- ابنه عبد اللطيف بن عبد الرحمن الذي تبعه في الرد على تلك الشبه، وذلك في كتابه: (منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس) (١) . إلا أن المنية عاجلته فلم يكلمه. ج- العلامة العراقي السيد محمود شكري الآلوسي (ت١٣٤٢هـ) الذي قام بعد وفاة الشيخ عبد اللطيف، بإكمال ما بدأه الشيخ من الرد، تتمة للفائدة، وذلك في كتاب سماه: (فتح المنان في الرد على صلح الإخوان تتمة منهاج التأسيس) . د- الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد العزيز أبو بطين (ت١٢٨٢هـ) الذي قام بالدور نفسه، في كتابه: (تأسيس التقديس في الرد على ابن جرجيس) ، وكتاب (الانتصار في الرد على ابن جرجيس) أيضاً (٢) . هـ- (تحفة الطالب والجليس في الرد على داود بن جرجيس) ، وهو أيضاً كتاب

стр. 22

للشيخ عبد اللطيف، رد به على ابن جرجيس. و (دلائل الرسوخ في الرد على المنفوخ) ، وهو كتاب رد به الشيخ عبد اللطيف أيضاً، على مفتريات داود بن جرجيس. ومن الكتب التي ظهرت في الرد على دعاة الضلالة أيضاً: كتاب مصباح الظلام (١) ، الذي رد به الشيخ عبد اللطيف على كتاب عثمان بن منصور "كشف الغمة" المتقدم ذكره. وبهذا نختم ملخص ما كان عليه عصر المؤلف، من النواحي السياسية، والاجتماعية، والدينية.

стр. 23

المبحث الأول: الحالة السياسية إن حياة المؤلف ﵀ كانت ما بين عام خمسة وعشرين ومائتين وألف، وعام ثلاثة وتسعين ومائتين وألف الهجري (١٢٢٥-١٢٩٣هـ) . وتعتبر هذه الفترة إحدى الأدوار التي مرت بها حكومة آل سعود (١) ، والتي يمكن تقسيم أدوارها منذ نشأتها إلى اليوم كالتالي: الدور الأول: [١١٣٧-١٢٣٣هـ] : يبدأ هذا الدور من نشأة حكومة آل سعود الأولى، على يد الأمير محمد بن سعود (٢) بن محمد، إلى نهاية حكم......................................................................................

стр. 24

عبد الله (١) بن سعود الكبير (٢) حين سقوط الدرعية.

стр. 25

الدور الثاني: [١٢٣٥-١٢٩٣هـ] : ويبدأ من ولاية تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود، إلى نهاية ولاية عبد الله ابن فيصل بن تركي حين وفاته عام ١٢٩٣هـ ﵀، وعندئذٍ تمكن محمد بن رشيد (١) من الاستيلاء على البلاد النجدية. الدور الثالث: [١٣١٨هـ....] : من قيام الملك عبد العزيز (٢) بن عبد الرحمن الفيصل، إلى الوقت الحاضر (٣) . وعلى ضوء هذا التقسيم، يمكن تحديد الفترة التي عاشها الشيخ عبد اللطيف

стр. 26

-﵀ بأنها كانت ما بين (منتصف الدور الأول، إلى نهاية الدور الثاني) . والذي يهمنا هنا، هو تلك الفترة من الزمن التي أثرت تأثيراً مباشراً، في حياة شيخنا، وهو الدور الثاني. فقد ولد الشيخ عبد اللطيف ﵀ عام (١٢٢٥هـ) ، أي قبل نهاية الدور الأول من حكومة آل سعود بثماني سنوات؛ فلم يكن لهذا الدور أثر يذكر في مسار حياته، كما كان الأمر فيما بعده. وهنا نشير إلى بعض ما حدث من وقائع وأحداث سياسية في الفترة التي عاشها شيخنا عبد اللطيف، ﵀. ما وقع من الأحداث بعد ولادته إلى نهاية الدور الثاني أي من [١٢٢٥-١٢٩٣هـ] كانت هذه الفترة التي عاشها الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، مليئة بالأحداث السياسية والفتن والحروب. وقد كان من أبرزها ما نعرضه هنا على وجه الاختصار:- أولاً: الفتنة العثمانية التركية المصرية [١٢٢٦هـ] :- كانت الدولة العثمانية قد انهارت فيها جميع المقومات التي تنهض عليها المجتمعات الإسلامية السوية، فالأقاليم التابعة لها كانت في ذلك الوقت مسرحاً للفوضى

стр. 27

والمشادة (١) ، وعدم الاستقرار السياسي والديني. وقد ضاقت هذه الدولة ذرعاً بما رأت من قيام الدعوة السلفية، وما آلت إليه بفضل الله وتوفيقه لآل سعود بنصرتها، وكذلك ما كانوا يرونه من توسع آل سعود، وبسط سيطرتهم على نجد والحجاز وغيرهما، وجعلها تحت شعار الاعتراف بوحدانية الله؛ مما جعلهم يفكرون في غزوهم (٢) . فأجمع الترك على المسير إلى الحجاز، وجمعوا لذلك آلات الحرب والأموال والذخائر من طعام وغيره، وأرسلوها -مع العساكر من إسطنبول وما دونها من الشام- إلى محمد بن علي (٣) -صاحب مصر- الذي وكِّل إليه مهمة القتال، كل ذلك تحت إمرة السلطان محمود بن عبد الحميد (٤) ، وكان ذلك عام (١٢٢٦هـ) (٥) ، وهو الذي

стр. 28

ولي سنة ميلاد الشيخ ﵀. فكانت الحروب منذ ذلك سجالاً بين العساكر المصرية، وأهل الحجاز ونجد. كما أنها كانت المقدمة لغزو نجد، وإسقاط الدرعية عاصمتها الأولى (١) . وكان نشوب هذه الحروب في أواخر عهد سعود بن عبد العزيز الكبير، المتوفى سنة (١٢٢٩هـ) واستمرت إلى نهاية إلى ما بعد وفاته ﵀. وبعد وفاته، تولى ابنه عبد الله الإمارة، ونازعه الحكم عمه عبد الله بن عبد العزيز (٢) ، إذ طمع فيه لما كان يرى منه من الهوان واللين والهوادة، ولكن عبد الله بن سعود انتصر عليه (٣) . ثم إنه بسبب ما اتصف به من اللين والضعف، تسرب الوهن إلى قلب حكومته، وبدأت عناصر القوة والوحدة تنحل وتضمحل، ولم يستطع القضاء على الفتن والثورات، بل لم يستطع الثبوت لها (٤) . وفي سنة (١٢٣٢هـ) أرسل عبد الله بن سعود، حسن بن مزروع، وعبد الله بن عون إلى محمد علي في مصر بهدايا ومراسلات بتقرير الصلح، فلما قدموا عليه في مصر، وجدوه قد تغير (٥) .

стр. 29

وزاد هذا الوهن في طمع محمد بن علي -صاحب مصر- وانتهز الفرصة للهجوم على نجد، فجهز جيشاً قوياً من مصر والترك والمغرب والشام والعراق إلى نجد، عقد رايته لابنه إبراهيم باشا (١) ، وذلك في شوال عام (١٢٣١هـ) . رحل إبراهيم من القاهرة إلى قنا عن طريق النيل، ثم سافر إلى القصير (٢) على ظهور الإبل، وركب البحر منه إلى ينبع، ثم إلى المدينة، ودخلها من غير مقاومة، عام ١٢٣١هـ (٣) ، ثم توجه إلى الحناكية (٤) وعسكر فيها ستة أشهر، يغري العربان ويستغويهم، حتى انضم إليه بعض القبائل؛ مثل قبيلة حرب (٥) بقيادة أحد

стр. 30

رؤسائها، غانم بن مضيان، وقبيلة عتيبة (١) ومطير (٢) ، وحدث بها معركة بينه وبين عبد الله، عام (١٢٣٢هـ، انهزم فيها جيش عبد الله (٣) . ثم سار بجيشه وأقبل على الرس (٤) ، التي دافع عنها أهلها دفاعاً مجيداً، فقتل من جيشه في الهجمة الأولى ثمانمائة (٨٠٠) رجل، فطلب النجدة من المدينة المنورة، فسالت عليه، وضيق خناق الحصار على الرس، حتى افتتحها صلحاً بعد ثلاثة شهور ونصف، وفتك بزعمائها؛ ثم أخذت المدن والبلدان والقرى النجدية تتهاوى وتسقط في يد إبراهيم؛ مثل عنيزة (٥) .................................................

стр. 31

فبريدة (١) فبقية مدن القصيم (٢) فالوشم (٣) وشقراء (٤) وضرمة (٥) وغيرها. ثم أتى الجيش المصري على العامر (٦) ، فتركه خراباً، ثم مال إلى وادي حنيفة (٧)

стр. 32

ومنها إلى الجبيلة (١) حتى وصل الدرعية (٢) عام ١٢٣٣هـ (٣) . وقد التقى-قبل وصوله الدرعية- مع جيش عبد الله عدة مرات؛ كما في وقعة مادية التي انتهت بهزيمة عبد الله، ووقعة نجروش مع الترك، وانتهت بانهزام الترك، وغير ذلك من اللقاءات (٤) . ثانياً: سقوط الدرعية (١٢٣٣هـ) :- كانت الدرعية -حين مولد الشيخ عبد اللطيف- عاصمة الدولة السعودية الأولى، وعندما بلغ الشيخ ثماني سنين من العمر، حدث بها نكبة عظيمة، ودمار شديد على يد المجرم إبراهيم باشا. فبعد وصوله إليها في العام المذكور آنفاً، حاصرها حصاراً شديداً، ولم يجعل لأهلها منفذاً. ومضت خمسة أشهر والدرعية ثابتة، فأخذت المؤن والأرزاق في النقاد، بينما

стр. 33

كانت تسيل على إبراهيم من القصيم والمدينة المنورة والبصرة ومصر (١) . ثم صمم على مهاجمة الدرعية، فوالى الهجوم والتخريب وإطلاق القنابل والرصاص، فهدم المساكن والمساجد؛ فأسرع أهلها إلى أميرهم عبد الله، طالبين منه الخلاص مما هم فيه، فاضطر إلى الخروج إبراهيم باشا، ويسلمه نفسه بلا قيد ولا شرط، وذلك في الثامن من ذي الحجة سنة (١٢٣٣هـ) . فأظهر له الإكرام، وبعثه مع أربعمائة من رجاله إلى والده بمصره، وبالغ محمد علي في إكرامه -نفاقاً- ثم أرسله إلى الأستانة ومعه بعض رجاله، حيث أمر الباب العالي بقتله، فطوف بالأسواق مقيداً ليرى الترك رئيس الوهابية (٢) الذي يعدونه خارجاً على الإسلام، ثم قتل في ميدان أيا (١) صقر الجزيرة، ١/٦٤.

стр. 34

صوفيا (١) قال عبد الرزاق البيطار في حلية البشر (٢) : (كان محمد علي باشا، وزيراً على مصر للسلطان محمود، وهو الذي أمره بمقاتلة الوهابيين، فأرسل ولده إبراهيم باشا، ومعه عسكر عظيم من الأكراد والأرناؤوط وعرب مصر، لمحاربة عبد الله بن سعود أمير نجد، فقاتلهم وقتل ونهب وحرّق وخرّب وأسر عبد الله بن سعود وأرسله إلى مصر، فبعثه والي مصر إلى السلطان محمود، فصلبه، أما باقي عائلة أمراء الوهابيين (المعبر عنهم بآل مقرن) وباقي بيت الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فإنه نقلهم إلى مصر، وأسكنهم هناك) . وبعد أن دمر إبراهيم باشا الدرعية، وسوى معالمها بالأرض، ولم يترك فيها ما ينتفع به من منزل أو نخيل أو آبار أو عيون، توجه إلى مصر سنة (١٢٣٤هـ) ، مصطحباً معه أفراداً من آل سعود وبعض زعماء نجد، وقد كان من بينهم الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، الذي اصطحب مع والده وأعمامه، وهو ابن ثماني سنين، وولى على نجد قائداً يدعى (إسماعيل باشا) ، ثم رحل هذا إلى مصر مولياً مكانه (خالد باشا) ، وكان خالد هذا جباراً قاسياً بطاشاً، أذاق النجديين ألوان العذاب والذل، فانتشرت الفوضى، وقطعت الطريق، ونهب السفر، وكثرت الغارات (٣) .

стр. 35

ثالثاً: قيام محمد بن مشاري: (١٢٣٥هـ) :- وفي تلك الأحوال السيئة، نهض محمد بن مشاري من آل معمر، أمراء العيينة (١) ، وقد ساعدته الظروف المتدهورة، فتمكن من الاستيلاء على أجزاء كبيرة من قلب الجزيرة؛ هي: العارض (٢) ، وسدير (٣) ، والوشم، والقصيم، وكان على اتفاق مع الترك العثمانيين، المرابطين في نجد حينذاك، وبينما هو منهمك في تثبيت قواعد إمارته قدم الجيش التركي بقيادة (عبوش أغا) ، وما كاد يصل عنيزة حتى بادره ابن معمر بخطاب ورسول ينبئه بأنه مطيع للباب العالي، وتحت أمره، فرجع عبوش أغا من حيث جاء (٤) . ثم إن مشاري بن سعود الكبير (٥) ثار على ابن معمر ونازعه وقاومه، حيث إن ابن معمر كان قد استولى على أجزاء من نجد بما فيها (العارض) مقام مشاري ابن سعود،

стр. 36

فقاومه مشاري؛ لكونه أحق منه بالحكم، غير أن ابن معمر أسره، وسلمه إلى المعسكر التركي، الذين سجنوه إلى أن مات في السجن عام (١٢٣٥هـ) (١) . رابعاً: قيام الإمام تركي بن عبد الله (٢) واستعادته للسلطة في نجد، وطرده للقوات المصرية (١٢٤٠هـ) (٣) :- استمر حكم الأتراك لنجد، من (١٢٣٣-١٢٤٠هـ) . وكان الإمام تركي بن عبد الله حينذاك متنقلاً في نجد، هارباً من وجه إبراهيم باشا، لئلا يقتله أو ينفيه كما فعل بآل سعود. وفي السنة (١٢٣٥هـ) غادر الإمام تركي الرياض هارباً من الأتراك الذين حاصروها، وفي نفس الوقت كان ثائراً عليهم، ومضى يجمع الكلمة، ويوحِّد الصفوف، ويقضي على المنازعات الداخلية (٤) .

стр. 37

وبعد أن علم بأن أحد آل معمر قد قبض على ابن عمه مشاري بن سعود، وسلمه إلى الترك، وأنهم قتلوه حبساً في السجن، خرج من مخبئه، ودخل "العارض" فنازع ابن معمر برهة من الزمن وقاتله، غير أن ابن معمر قتله ابن عمه (١) . فصفا الجو لتركي، وتولى الحكم مكانه (٢) . وفي سنة (١٢٣٦هـ) قدم حسين بك وأبوش أغا ومعهما عسكر من الدولة العثمانية، إلى الرياض، وحصروا تركيا في قصره. فتمكن من الهروب ليلاً، وأقام في بلدة الحلوة بنجد (٣) . وفي سنة (١٢٣٧هـ) غزا إبراهيم كاشف، وأغار على قبيلة سبيع في الحاير فكانت الهزيمة عليه، فقتل هو مع ثلاثمائة رجل. ووجهت الدولة العثمانية أبا علي البهلولي، بدلاً منه، ومعه ستمائة رجل، واستقر في الرياض (٤) . وفي سنة (١٢٤٠هـ) قويت شوكة الإمام تركي، فزحف على الرياض وفيها العساكر المصرية والتركية المرابطة في نجد (٥) ، وحاصر الحامية التي فيها، حتى

стр. 38

صالحة قائد الحامية (أبو علي البهلولي) ، على خروج العساكر من الرياض، وعودتهم إلى بلادهم، وتأمين جميع المحاربين معهم، فتم ذلك. ثم عين ابن عمه مشاري (١) بن ناصر بن مشاري بن سعود، أميراً على الرياض، ريثما يرتب الإمام تركي شؤونه (٢) . فغزا الإحساء والقطيف وفتحهما، وتمكن من بعض البوادي، وأدخل كثيراً من القرى والمدن تحت حكمه، كما انضم إليه زعماء القبائل بعد أن رأوا أن نجداً قد خضعت له. ثم عاد إلى الرياض، وعمرها، وحصنها بالأسوار، واتخذها قاعدة حكمه، عام ١٢٤٠هـ، ومن يومئذٍ صارت الرياض هي العاصمة إلى اليوم (٣) . وبولايته انتقل الحكم في آل سعود من سلالة عبد العزيز بن محمد، إلى سلالة أخيه عبد الله بن محمد، وبقي في هؤلاء إلى اليوم (٤) . ويجدر بنا الإشارة إلى أن هذا هو مؤسس الإمارة السعودية في دورها الثاني عام (١٢٣٥هـ) ، بعد أن سقطت، وقتل عبد الله بن سعود (٥) ؛ لأنه منذ هذه السنة اعتبر الزعيم الساعي لاسترداد إمارة آل سعود، واستطاع بخلائقه الكبيرة، أن يجعل اسم آل سعود حياً في نفوس العرب. غير أن الأعداء كانوا قد أحاطوا به من كل جانب؛ فهو دائماً مهاجم أو مدافع (٦) . وفي عهده عاد الإمام عبد الرحمن بن حسن (والد الشيخ عبد اللطيف) إلى الرياض، قادماً من مصر، حيث نقله إبراهيم باشا بعد سقوط الدرعية. وكان تركي قد استدعى جميع المنفيين بالرجوع إلى نجد، بعد تطهيرها من

стр. 39

قوات المصريين والأتراك، واستتاب الأمن فيها. مقتل الإمام تركي بن عبد الله (١٢٤٩هـ) (١) :- وفي العام (١٢٤٩هـ) قتل الإمام تركي بن عبد الله ﵀، قتله ابن أخته مشاري بن عبد الرحمن بن مشاري بن سعود (٢) ، وقد خامرته فكرة اغتيال خاله الإمام تركي، والاستيلاء على إمارته. وكان الإمام فيصل بن تركي (٣) ، وهو الساعد القوي والعضد الوحيد والمناصر الأول لأبيه تركي (٤) ، فانتهز مشاري فرصة غياب الإمام فيصل -الذي كان قد خرج

стр. 40

غازياً ناحية البحرين في أطراف القطيف -فخطط لتنفيذ فكرته الخبيثة فاغتال الإمام تركي ﵀ بواسطة خادم اسمه "إبراهيم بن حمزة" عقب خروج الإمام تركي من المسجد بعد صلاة الجمعة. وكان مشاري في المسجد فخرج شاهراً سيفه وتوعد الناس. ثم أسرع إلى قصر الحكم، فاستولى على جميع ما كان فيه من عتاد وأموال؛ وأمر نفسه سنة ١٢٤٩هـ (١) . سعيُ الإمام فيصل للأخذ بالثأر من قاتل أبيه تركي (١٢٤٩هـ) :- لم تدم إمارة مشاري -بعد قتله للإمام تركي- أكثر من أربعين (٤٠) يوماً؛ إذ إن الإمام فيصل -بعد أن وصله نبأ مقتل أبيه- أسرع راجعاً إلى الرياض وأقبل بجموع كبيرة فقاتلوا مشارياً، فاستسلم ومن معه، وقتل هو وخمسة رجال كانوا قد اشتركوا معه في قتل تركي، ﵀ (٢) . خامساً: قيام الإمام فيصل بن تركي: (١٢٥٠هـ-١٢٨٢هـ) (٣) : بعد مقتل تركي بن عبد الله، ومقتل قاتله مشاري بن عبد الرحمن، قام بالأمر الإمام فيصل ﵀ واجتمعت كلمة أهل نجد عليه، حتى سنة (١٢٥٢هـ) ، حينما أعادت العساكر المصرية كرتها على نجد، بقيادة إسماعيل أغا، وقد قدم مع خالد بن سعود (٤) ، فنزل إسماعيل وخالد قصر الرياض، وبقيا إلى سنة (١٢٥٤هـ) ،
следующие страницы →