فقاومه مشاري؛ لكونه أحق منه بالحكم، غير أن ابن معمر أسره، وسلمه إلى المعسكر التركي، الذين سجنوه إلى أن مات في السجن عام (١٢٣٥هـ) (١) .
رابعاً: قيام الإمام تركي بن عبد الله (٢) واستعادته للسلطة في نجد، وطرده للقوات المصرية (١٢٤٠هـ) (٣) :-
استمر حكم الأتراك لنجد، من (١٢٣٣-١٢٤٠هـ) . وكان الإمام تركي بن عبد الله حينذاك متنقلاً في نجد، هارباً من وجه إبراهيم باشا، لئلا يقتله أو ينفيه كما فعل بآل سعود. وفي السنة (١٢٣٥هـ) غادر الإمام تركي الرياض هارباً من الأتراك الذين حاصروها، وفي نفس الوقت كان ثائراً عليهم، ومضى يجمع الكلمة، ويوحِّد الصفوف، ويقضي على المنازعات الداخلية (٤) .
стр. 37
وبعد أن علم بأن أحد آل معمر قد قبض على ابن عمه مشاري بن سعود، وسلمه إلى الترك، وأنهم قتلوه حبساً في السجن، خرج من مخبئه، ودخل "العارض" فنازع ابن معمر برهة من الزمن وقاتله، غير أن ابن معمر قتله ابن عمه (١) . فصفا الجو لتركي، وتولى الحكم مكانه (٢) . وفي سنة (١٢٣٦هـ) قدم حسين بك وأبوش أغا ومعهما عسكر من الدولة العثمانية، إلى الرياض، وحصروا تركيا في قصره. فتمكن من الهروب ليلاً، وأقام في بلدة الحلوة بنجد (٣) .
وفي سنة (١٢٣٧هـ) غزا إبراهيم كاشف، وأغار على قبيلة سبيع في الحاير فكانت الهزيمة عليه، فقتل هو مع ثلاثمائة رجل. ووجهت الدولة العثمانية أبا علي البهلولي، بدلاً منه، ومعه ستمائة رجل، واستقر في الرياض (٤) .
وفي سنة (١٢٤٠هـ) قويت شوكة الإمام تركي، فزحف على الرياض وفيها العساكر المصرية والتركية المرابطة في نجد (٥) ، وحاصر الحامية التي فيها، حتى
стр. 38
صالحة قائد الحامية (أبو علي البهلولي) ، على خروج العساكر من الرياض، وعودتهم إلى بلادهم، وتأمين جميع المحاربين معهم، فتم ذلك. ثم عين ابن عمه مشاري (١) بن ناصر بن مشاري بن سعود، أميراً على الرياض، ريثما يرتب الإمام تركي شؤونه (٢) . فغزا الإحساء والقطيف وفتحهما، وتمكن من بعض البوادي، وأدخل كثيراً من القرى والمدن تحت حكمه، كما انضم إليه زعماء القبائل بعد أن رأوا أن نجداً قد خضعت له. ثم عاد إلى الرياض، وعمرها، وحصنها بالأسوار، واتخذها قاعدة حكمه، عام ١٢٤٠هـ، ومن يومئذٍ صارت الرياض هي العاصمة إلى اليوم (٣) .
وبولايته انتقل الحكم في آل سعود من سلالة عبد العزيز بن محمد، إلى سلالة أخيه عبد الله بن محمد، وبقي في هؤلاء إلى اليوم (٤) .
ويجدر بنا الإشارة إلى أن هذا هو مؤسس الإمارة السعودية في دورها الثاني عام (١٢٣٥هـ) ، بعد أن سقطت، وقتل عبد الله بن سعود (٥) ؛ لأنه منذ هذه السنة اعتبر الزعيم الساعي لاسترداد إمارة آل سعود، واستطاع بخلائقه الكبيرة، أن يجعل اسم آل سعود حياً في نفوس العرب. غير أن الأعداء كانوا قد أحاطوا به من كل جانب؛ فهو دائماً مهاجم أو مدافع (٦) . وفي عهده عاد الإمام عبد الرحمن بن حسن (والد الشيخ عبد اللطيف) إلى الرياض، قادماً من مصر، حيث نقله إبراهيم باشا بعد سقوط الدرعية. وكان تركي قد استدعى جميع المنفيين بالرجوع إلى نجد، بعد تطهيرها من
стр. 39
قوات المصريين والأتراك، واستتاب الأمن فيها.
مقتل الإمام تركي بن عبد الله (١٢٤٩هـ) (١) :-
وفي العام (١٢٤٩هـ) قتل الإمام تركي بن عبد الله ﵀، قتله ابن أخته مشاري بن عبد الرحمن بن مشاري بن سعود (٢) ، وقد خامرته فكرة اغتيال خاله الإمام تركي، والاستيلاء على إمارته.
وكان الإمام فيصل بن تركي (٣) ، وهو الساعد القوي والعضد الوحيد والمناصر الأول لأبيه تركي (٤) ، فانتهز مشاري فرصة غياب الإمام فيصل -الذي كان قد خرج
стр. 40
غازياً ناحية البحرين في أطراف القطيف -فخطط لتنفيذ فكرته الخبيثة فاغتال الإمام تركي ﵀ بواسطة خادم اسمه "إبراهيم بن حمزة" عقب خروج الإمام تركي من المسجد بعد صلاة الجمعة. وكان مشاري في المسجد فخرج شاهراً سيفه وتوعد الناس. ثم أسرع إلى قصر الحكم، فاستولى على جميع ما كان فيه من عتاد وأموال؛ وأمر نفسه سنة ١٢٤٩هـ (١) .
سعيُ الإمام فيصل للأخذ بالثأر من قاتل أبيه تركي (١٢٤٩هـ) :-
لم تدم إمارة مشاري -بعد قتله للإمام تركي- أكثر من أربعين (٤٠) يوماً؛ إذ إن الإمام فيصل -بعد أن وصله نبأ مقتل أبيه- أسرع راجعاً إلى الرياض وأقبل بجموع كبيرة فقاتلوا مشارياً، فاستسلم ومن معه، وقتل هو وخمسة رجال كانوا قد اشتركوا معه في قتل تركي، ﵀ (٢) .
خامساً: قيام الإمام فيصل بن تركي: (١٢٥٠هـ-١٢٨٢هـ) (٣) :
بعد مقتل تركي بن عبد الله، ومقتل قاتله مشاري بن عبد الرحمن، قام بالأمر الإمام فيصل ﵀ واجتمعت كلمة أهل نجد عليه، حتى سنة (١٢٥٢هـ) ، حينما أعادت العساكر المصرية كرتها على نجد، بقيادة إسماعيل أغا، وقد قدم مع خالد بن سعود (٤) ، فنزل إسماعيل وخالد قصر الرياض، وبقيا إلى سنة (١٢٥٤هـ) ،
стр. 41
ثم عززا بحملة يقودها ملا سليمان الكردي، بعثه خورشيد باشا (١) . ثم رجعت الحملة الأولى إلى مصر بعد هزيمتها على أيدي أهل الحوطة (٢) والحلوة (٣) والحريق (٤) ، سنة (١٢٥٣هـ) .
ولما علم الإمام فيصل بهزيمة هؤلاء، أسرع إلى الرياض وحاصرها، سبعين (٧٠) يوماً فجاء فهيد الصيفي رئيس سبيع (٥) ، وقاس بن عضيب رئيس آل عاصم (٦) ،
стр. 42
ففكا الحصار عن خالد، فرحل عنها فيصل (١) .
الإمام فيصل بن تركي ينقل -أسيراً- إلى مصر مرة ثانية (١٢٥٤هـ) (٢) :-
ثم قدم خورشيد باشا بحملة معه، واصطحب خالد بن سعود ومن معه؛ لحصار الإمام فيصل في الدلم (٣) من الخرج (٤) ، وبعد قتال مرير، ثم الصلح بينهما، فسلم الإمام فيصل نفسه إلى خورشيد، على شروط؛ هي: الصفح عن الوطنيين، وتأمين أرواحهم وأموالهم، فإن قبل الشرط سلم، وإلا فالميدان لا يزال رحيباً. فقبل القائد المصري شروط فيصل، فسلم نفسه إليه، في ٢٣ من رمضان سنة ١٢٥٤هـ.
فأرسله إلى مصر مع ابنيه عبد الله ومحمد، وشقيقه وابن عمه جلوي. وظل هناك في مصر من عام ١٢٥٤هـ، حتى عام ١٢٥٩هـ؛ وبمغادرته الرياض قامت الثورات الداخلية،
стр. 43
وأصبحت الحرب شبه أهلية طمعاً في الحكم (١) .
وبقي خالد أميراً على الرياض، ما عدا الحوطة والحريق، فإنهما لم يذعنا له. ولم تستقم له الأمور؛ لسوء معاملة العساكر المصرية معه، وقد قاومه أهل نجد حتى فرّ وخرج من الرياض، وأمّر حمد بن عياف، وهرب إلى الإحساء، ثم إلى القطيف، ثم إلى الكويت، ثم إلى مكة حيث مات في جدة سنة (١٢٧٨هـ) (٢) .
وهنا قام الأمير عبد الله (٣) بن ثنيان بن إبراهيم بن ثنيان آل سعود بثورته، واستولى على الرياض عام (١٢٥٧هـ) ، فاستقام له الأمر في نجد بعد فرار خصمه، غير أن صفات الاستبداد كانت تغلب عليه. وظل على الحكم إلى أن قدم الإمام فيصل بن تركي إلى الرياض فاراً من مصر (٤)(٥) .
ولما وصل نجداً، التف حوله الأنصار، فزحف بهم إلى عنيزة -مقر ابن ثنيان- فهزمه، والتف حوله رجالها، الذين كانوا ينتظرون ساعة الخلاص من ربقة الذل. وتوفي ابن ثنيان مسجوناً. وبذلك عاد حكم البلاد إلى فيصل، واسترد سلطته، التي امتدت إلى الإحساء، والقطيف، والعارض، والقصيم، والجبيل، ووادي الدواسر،
стр. 44
وعسير، وأطراف الحجاز، كما أن البحرين، ومسقط، وسواحل عمان، كانت تدفع إليه ضرائب فرضها على أمرائها. وظل الإمام فيصل يحكم البلاد حتى وفاته ﵀ في ٢١ من رجب سنة (١٢٨٢هـ) ، فخلفه ابنه عبد الله بن فيصل (١) .
ويشار هنا إلى أنه في عهده -وفي عام (١٢٦٤هـ) - عاد الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الرياض فاراً من مصر، حيث كان نقل مع والده بعد سقوط الدرعية.
كما أن نشاط الشيخ ﵀ السياسي، كان على أشده في هذه الفترة؛ وذلك لمحله من الإمام فيصل؛ حيث كان مرافقه في أغلب أوقاته ومستشاره. وفي ذلك قال حافظ وهبة: "وقد زار الرياض الرحالة (بلجريف) ، فوصف بلاط فيصل ... كما وصف سلطة الشيخ عبد اللطيف، حفيد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأنها تأتي بعد فيصل مباشرة" (٢) .
بداية الدور الثالث من حكومة آل سعود: [١٢٨٢-١٢٩٣هـ] :-
تقدمت الإشارة إلى أن هذا الدور بدأ من بداية الفتنة الأهلية بين أبناء فيصل بن تركي، ﵀. وهنا نورد نبذة يسيرة عما حدث في تلك الفترة:
الفتنة الأهلية بين أبناء فيصل بن تركي بعد وفاته: ١٢٨٢-١٢٩٣هـ (٣) بلغت الدولة السعودية في عهد الإمام فيصل بن تركي ﵀ مبلغاً طيباً، لكنها لم تدم
стр. 45
طويلاً؛ فما كاد يودع الحياة، حتى أخذت في التقلص؛ بسبب الحروب بين أبنائه (١) . وقد كان له أربعة أبناء: عبد الله (٢) ، وسعود (٣) ، وعبد الرحمن (٤) ، ومحمد (٥) . وكان قد جعل عبد الله ولياً للعهد؛ لأنه أكبر أولاده، ولما امتاز به من الخلائق الكريمة (٦) .
стр. 46
وبعد وفاته، استقل محمد بالمنطقة الشمالية، واستقل سعود بالخرج والأفلاج (١) ، وبقي عبد الله وعبد الرحمن في الرياض. وبانقسامهم ضعفت حكومتهم، وتمرد العربان، وخرجت كل قبيلة عن حدودها، تسطو وتنهب، بعد أن كانت في عهد الإمام فيصل لا تستطيع فعل شيء من ذلك (٢) .
فكان الصراع على الحكم محتدماً بين أبنائه، الأمر الذي أشعل نار الحرب، فصارت حروب أهلية بينهم، أشغلت كل من كانت له حمية دينية، وغيرة على دماء المسلمين، كان في مقدمة أولئك، الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، رحمة الله عليه.
وكان الأمير عبد الله الفيصل، قد خلف أباه بعد وفاته، غير أن أخاه سعوداً خرج عليه، وغادر الرياض متجهاً شطر القبائل سنة (١٢٨٣هـ) ، باحثاً عن الأنصار يحارب بهم أخاه عبد الله، فألفى من قبائل العجمان (٣) وبني خالد (٤) عوناً ونصراً، وكان فيصل قد قضى على نفوذهم في الإحساء، ونهضوا لمساعدته، ومقصدهم استرداد
стр. 47
سلطتهم المفقودة في الإحساء (١) وقد وقع بين الأخوين معارك عدة، تبادلا فيها الهزائم، كان أول لقاء بينهما في وقعة (الجودة) (٢) سنة (١٢٨٧هـ) ، حيث وقعت معركة حامية الوطيس، غلب فيها عبد الله، وكسرت شوكته، فذهب يستنجد بأمراء القبائل في عنيزة وحائل، فلم يجد لديهما آذان صاغية؛ خوفاً من سعود، ولقي قولاً حسناً لدى رئيس سبيع عساف بن اثنين، ولدى زعيم قبيلة مطير سلطان الدويش.
ثم بعث عبد العزيز أبو بطين إلى والي بغداد مدحت باشا (٣) ، يستعينه على أخيه (٤) . فرأى مدحت أن الوقت قد حان لاسترداد الإحساء من آل سعود، فنهض
стр. 48
من توه، وبعث إلى ناصر السعدون باشا (١) -زعيم قبائل المنتفق (٢) - كما بعث إلى عبد الله بن صباح أمير الكويت يستنصرهما، وجعل القيادة العامة بيد نافد باشا (٣) .
وكان سعود بن فيصل قد دخل الرياض سنة (١٢٨٨هـ) ، بعد وقعة الجودة، وخرج منها عبد الله (٤) . وهنا كان للشيخ عبد اللطيف موقف مشرف، تحدث عنه إبراهيم بن عبيد في تذكرة أولي النهى (٥) فقال: (خاف الشيخ عبد اللطيف على البلد وأهلها أن يستبيحها سعود ومن معه من الأشرار وفجار القراء، فخرج إلى سعود قبل دخوله إليها؛ خشية أن يأخذه عنوة، فتسفك الدماء وتستباح النساء، فخاطبه فيما يصلح الحال بينه وبين أخيه الإمام. فاشترط سعود الشروط الثقال على أخيه فلم تتفق الحال، فصارت الهمة فيما يدفع الفتنة ويجمع الكلمة، فرأى الشيخ -بثاقب رأيه- النزول إلى هذا المتغلب، والتوثق منه، ودفع صولته، وخرج إليه رؤساء البلد والمعروفون من رجال الرياض بأمر الشيخ، فبايعوا سعوداً، وأعطاهم على دمائهم وأموالهم، محسنهم ومسيئهم، عهد الله وميثاقه) .
وبذلك دخل سعود الرياض حاكماً، للمرة الأولى، عام (١٢٨٨هـ) ، بعد وقعة الجودة (٦) . ثم إن القلوب بدأت تنصرف عنه، بسبب الفظائع التي ارتكبها أنصاره
стр. 49
وأصهاره العجمان، فاجتمع أهل الرياض تحت قيادة عمه عبد الله بن تركي، وطردوه من الرياض. فوجد أخوه عبد الله بن فيصل -المقيم في الإحساء حينذاك- الفرصة السانحة، فترك الإحساء ودخل الرياض بدون مقاومة. غير أن سعوداً لم يمهله، بل جمع أنصاره وتوجه إليه في الرياض، ونازل أخاه في مكان يسمى (الجزعة) وهزمه، واقتحم البلدة ونهب سكانها، ودخل الرياض للمرة الثانية عام (١٢٩٠هـ) . فمضى عبد الله يجمع الرجال، والتقى الأخوان أيضاً في (البرة) ، لكن عبد الله انهزم أيضاً، فرجع إلى الإحساء (١) . واستقر سعود على الحكم في الرياض، غير أنه ضعف شأنه حتى قام عليه رجال عتيبة، تحت إمرة زعيمهم مسلط بن ربيعان، بأعمال النهب والسلب؛ فنهبوا الجانب الغربي من الرياض، وخرج إليهم سعود فانهزم، وقتل كثير من أنصاره، وجرح هو جرحاً بليغاً ألزمه الفراش، إلى أن مات من أثره سنة (١٢٩١هـ) (٢) .
وقد تحدث عبد الله البسام عن هذه الفتنة بين الأخوين فقال: ( ... بعد وفاة الإمام فيصل، واستيلاء الإمام عبد الله على الحكم، حدثت بين عبد الله وأخيه سعود الفيصل منازعة على الحكم، وطال النزاع بينهما، وتطور إلى تكوين جيشين من البادية والحاضرة، كل جيش تحت إمرة وتدبير واحد منهما، والتحم القتال بينهما، وتعددت المعارك، وصارت فتنة كبرى في نجد، وصار الطمع في الحكم وحب السلطة وإيقاد نار العداوة بين الطائفتين، مع الهوى والشيطان، كل ذلك ألهب نار الحرب وأشعلها، والشيخ عبد اللطيف، وحده، هو مطفيها، فغلب كثرة الشر، وضاع صوت الحق في صخب أبواق الباطل ... ) (٣) .
стр. 50
وبموت سعود، صفا الجو بعض الصفاء لعبد الله، ورجع إلى الرياض من الإحساء، فوجد أهل الرياض قد بايعوا أخاه عبد الرحمن، غير أن أخاه هذا كان على جانب كبير من الحكمة، فنزل عن الحكم لأخيه الكبير (١) ، -وكان ذلك بفضل الله ثم بفضل مساع حثيثة قام بها الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن؛ قطعاً لأشطان الفتن والثورات، وحقناً لدماء المسلمين. وكان هذا العمل في التوفيق بين الأخوين، من أهم وآخر ما قام به الشيخ عبد اللطيف في آخر حياته؛ إذ أتته المنية بعد ذلك عام (١٢٩٣هـ) .
وما كاد عبد الله يستقر في الحكم، حتى قام عليه خصومه من أبناء أخيه سعود، واستطاعوا -بعد مناوشات- أن يقبضوا عليه، فألقوه في غياهب السجن، غير أن محمد بن رشيد -أمير حائل- أسرع إلى الرياض، وأخرجه من سجنه بقوة، وصحبه معه إلى حائل، وجعل عبد الرحمن والياً عليها من قبله، وذلك سنة (١٣٠٦هـ) ثم استدعاه أيضاً وجعله مع أخيه، وولي مكانة سالم السبهان.
ثم بعد سنوات أذن محمد بن رشيد لعبد الله بالرجوع إلى الرياض، بعد أن وثق منه أنه عاجز عن القيام بأي عمل عدائي؛ إذ كان مريضاً وقد دنا أجله كما أذن لأخيه عبد الرحمن أن يصحبه، فتوفي الأمير عبد الله بعد وصوله إلى الرياض بيوم واحد (٢) . وهكذا كان سير الأحداث السياسة، في تلك الفترة التي عاشها الشيخ عبد اللطيف، ﵀.
стр. 51
المبحث الثاني الحالة الاجتماعية
كانت الجزيرة العربية مقسمة إلى مناطق عدة وأمارات تضم القبائل العربية التي أصبحت مستقرة، ولم تكن الحالة الاجتماعية في إقليم نجد تختلف عما كان سائداً ذلك الوقت في شبه الجزيرة العربية؛ فكانت القبيلة هي الوحدة الاجتماعية الأساسية، لكل قبيلة بدوية كبيرة أمير أو شيخ، يمتد نفوذه حسب كفاءته الشخصية، وهمته وقوته وهو عادة أوفر أفراد القبيلة ثراء (١) .
وكانت أسرة آل سعود في نجد على رأس تلك المناطق، وكان سعود بن عبد العزيز، يمنح مشايخ البدو الكبار، الذين تتبعهم قبائل صغيرة، لقب أمير الأمراء.
وكانت الإمارات الرئيسية هي: الإحساء، والعارض، والقصيم، والوشم، والسدير،، ووادي الدواسر، وجبل شمر، والحرمين، والخرج، والقطيف، وجهات عمان. فتلك كانت المناطق التابعة لحكم آل سعود في عهد سعود بن عبد العزيز (ت١٢٢٩هـ) ، وكان ما بعده امتداداً لذلك، إلى أن حدث التغيرات السياسية، التي سببها الأطماع الخارجية، والنزاعات والنعرات الداخلية، كما تقدم ذكرها.
وكان لسعود من القوة والنفوذ، بحيث يستطيع عزل من يريد من زعماء القبائل وأمراء المناطق، ولكنه بصفة عامة كان يثبت من اختاره العرب لأنفسهم (٢) .
وكان بين أفراد القبيلة البدو الرحل، والحضر المستقرون. أما البدو فإنهم يتنقلون بأغنامهم وإبلهم وراء المرعى حيثما وجد، ويجوبون المناطق؛ بحثاً لسبيل رزقهم وهذه،
стр. 52
الحياة كانت في كثير من الأوقات سبباً في تقاتل القبائل من أجل المرعى ومصادر المياه (١) .
أما الحضر فكانوا هم سكان الواحات والقرى، فكانت لهم صفة الاستقرار، غير أن حياتهم كانت متأثرة بحياة البدو؛ لما بينهم من صلات المصاهرة والقربى والتجارة.
أما طبائعهم، فكانت تختلف حسب المناطق التي يعيشون فيها وظروف الحياة التي يعيشونها (٢) .
أما منطقة نجد فكانت مقر أمراء آل سعود، وكانت أهم العشائر النجدية: آل مرة، وبنو خالد، والعجمان في الشرق، وقحطان في الجنوب والجنوب الغربي، وسبيع والسهول في الغرب، ومطير في الشمال الغربي، وشمر في الشمال، وعتيبة في الشمال الغربي، وحرب في الشمال الشرقي، وعَنَزة في الشمال الشرقي أيضاً (٣) .
وكان من صفات أهل نجد التجارة؛ فإن كثيراً منهم كانوا يسافرون إلى أطراف الروم وبقية جزيرة العرب، كما كان يأتيهم عن طريق القطيف والبحر شيء كثير (٤) .
وكان أهل عنيزة في القصيم، وأهل الرياض، أكثر السكان حضارة، وأقلهم سكاناً وادي الدواسر والسليّل.
ولم يكن النور الكهربائي معروفاً، وكان السكان يستعملون مصابيح تضاء بالبترول، وهي واردة إليهم من الخليج أو الحجاز، وأواني الطبخ من النخاس غالباً، ويصنع البعض أنواع الفخار في نجد. وكانت خدمات الملابس كلها ترد من الخارج، إلا ما يصنع من الصوف وكذلك المصنوعات الجلدية ترد من الخارج إلا ما يلزم
стр. 53
لقراب المياه، والدلاء، والسرج، والنعال؛ فإنها كانت تصنع في نجد (١)(٢) .
أما الدرعية -العاصمة- على وجه الخصوص، فكانت ذات شأن كبير، ومد وفير، تغص بالأموال، وتزدهر بالأعمال، وتزهو بالمباني الفاخرة، وكان بها أسواق متعددة (٣) .
وبعد سقوطها في أيدي الغزاة الأتراك والمصريين، وفي عهد خالد باشا بالتحديد، انتشرت الفوضى، وقطعت الطريق، ونهب السفر، وكثرت الغارات؛ لكل من أنس من نفسه القوة، عدا على الضعيف ينهبه، وكل من عضه الجوع هب كالمجنون، يدفعه بالسلب، فلا يتورع في قتل نفس من أجل لقمة يسد بها السغب، وأصبح الناس أوابد ضارية، يفترس القوي منها الضعيف، لا قائد يقودها إلى الخير، ولا سلطان للفضيلة عليهم، ولا رادع من دين أو من خلق (٤) .
وقد وصف ابن بشر حال نجد الاجتماعية، في فترة ما بعد سقوط الدرعية إلى قيام تركي بن عبد الله، وذكر بأن نظام الجماعة انحل، وتطايرت شرر الفتن، في تلك الأوطان وتعذرت الأسفار بين البلدان، وعاثت فيها العساكر المصرية، فقتلوا صناديد الرجال، وصادروا أهلها فأخذوا ما بأيديهم من الأموال، وقطعوا الحدائق، وهدموا القصور العاليات، وصار أهل نجد بينهم أذل من العبيد، وتفرقت علماؤهم وخيارهم ما
стр. 54
بين طريد وشريد، وظهر المنكر، وعدم المعروف، وصار الرجل في جوف بيته مخوفاً، وتتابعت هذه المحن في تلك الجزيرة نحو أربع سنين، والشر فيها في زيادة وظهور وتمكين، حتى أنعش الله -تعالى- أهل نجد بشبل من أشبال ملوكها؛ الأمير تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود (١) .
هذا ملخص الحالة الاجتماعية في عصر الشيخ عبد اللطيف.
стр. 55
الفصل الثاني: حياة المؤلف
المبحث الأول: اسمه ونسبه
...
المبحث الأول اسمه ونسبه (١)
هو الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن (٢) بن الشيخ
стр. 56
حسن (١) بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أبو عبد الله، الإمام العلامة، والقدوة الفهامة، حاوي علوم الفروع والأصول، الفقيه الحنبلي (٢) .
стр. 57
المبحث الثاني ولادته وأسرته
أولاً: مولده:-
ولد ﵀ في بلدة الدرعية، سنة ١٢٢٥هـ (١) .
ثانياً: أمه:-
أما والدته، فهي بنت عم أبيه، الشيخ عبد الله (٢) ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فجاء كريم الأبوين عريق الأصلين (٣) .
ثالثاً: زواجه:
أما عن زواجه، فقد أقام الشيخ ﵀ في مصر (٤) ، فنشأ وتزوج فيها، وطالت إقامته فيها حتى بلغت واحداً وثلاثين عاماً (٥) .
وقد تزوج ﵀ بالثانية في الهفوف بالإحساء بعد عودته من مصر، عندما أرسله الإمام فيصل بن تركي إلى هناك لتقرير عقيدة السلف. فتزوج هناك من ابنة عبد الله بن أحمد الوهيبي، التي أنجبت منه ولده عبد الله بن عبد اللطيف (٦) .
стр. 58
رابعاً: أولاده (١) :-
وقد خلف -رحمة الله عليه- ثمانية أبناء علماء فضلاء، هم:
١- الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف (٢) .
٢- الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف (٣) .
стр. 59
٣- الشيخ محمد بن عبد اللطيف (١) .
٤- عبد العزيز بن عبد اللطيف (٢) .
٥- عمر بن عبد اللطيف (٣) .
٦- عبد الرحمن بن عبد اللطيف (٤) .
٧- صالح بن عبد اللطيف (٥) .
стр. 60
٨- أحمد بن عبد اللطيف (١) .
وجميع هؤلاء عدا أحمد نشأوا في الرياض حيث مولدهم خلا عبد الله الذي كان مولده في الإحساء عاشوا وتعلموا فيها وماتوا فيها (٢) .
أما أحمد، فهو أكبر أولاده، ولد في مصر، ولما أراد الشيخ الخروج والعودة إلى نجد، عرض عليه الخروج معه، فامتنع، وهو مهندس بناء، ولما سافر عمه إسحاق ابن عبد الرحمن إلى القاهرة لطلب العلم، رأى ابن أخيه هذا، وبعد ذلك انقطعت أخباره (٣) .
стр. 61
المبحث الثالث صفاته الذاتية والفكرية
كان للشيخ عبد اللطيف ﵀ صفات ذاتية مميزة تميزه عن غيره من سابقيه وأقرانه من آل الشيخ ﵏.
أما صفاته الذاتية:
فكان من أبرزها، أنه كان ضخم الجثة، قوي البنية، سليم الأعضاء والحواس، أبيضاً مشرباً بحمرة، كث اللحية، مستدير الوجه، جهوري الصوت، حاد البصر. كما اشتهر ﵀ بجمال الخط، ووضوح العبارة، وفصاحة اللسان، وكانت اللهجة المصرية الحفيفة تغلب على لغته، نظراً لطول مكثه في مصر منذ سن الطفولة.
وكان مهيب الطلعة، قوي الشخصية، جسوراً في قول الحق، صادق اللهجة، مخلصاً لدينه، غيوراً على حرمات الإسلام، متفانياً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ناصحاً متقبلاً للنصائح، وكان ذاكراً لله –تعالى- وتلاوة آيات القرآن ديدنه، كما كان ﵀ مهاباً محترماً عند ولاة الأمور ومن دونهم من الخاصة والعامة (١) .
أما صفاته الفكرية:-
فقد كان أكثر علماً من سابقيه، باستثناء والده الشيخ عبد الرحمن، وجده الكبير، محمد بن عبد الوهاب، -رحمة الله عليهم-، وقد كان يتصف بحدة الذكاء والفطنة وسرعة الحفظ (٢) .
стр. 62
قال عنه الشيخ إبراهيم بن صالح في عقد الدرر (١) : " ... وكان ﵀ في الحفظ آية باهرة، متوقد الذكاء كأن العلوم نصب عينيه، وكان كثير المطالعة، ملازماً للتدريس، مرغباً في العلم، معيناً عليه ... ".
وقال عبد الرحمن بن القاسم القحطاني في الدرر السنية (٢) : "لم يُر شخص له من الكمال في العلوم والصفات الحميدة، التي يحصل بها الكمال لسواه؛ فإنه ﵀-كان كاملاً في صورته ومعناه، من الحسن والإحسان، والحكم والسؤدد، والعلوم المتنوعة، والأخلاق الجميلة، والأمور المستحسنة التي لم تكمل من غيره. وقد عُلم من كرم أخلاقه وحسن عشرته، وهيبته وجلالته، وفور حلمه، وكثرة علمه، وغزارة فطنته، وكمال مروءته، ودوام بشره، وعزوف نفسه عن الدنيا وأهلها، والمناصب لأربابها، ما قد عجز عنه كبار الأكياس ... ".
كما وصفه المترجمون له بجميع ما يمكن الاتصاف به من أوصاف خيرة كقول إبراهيم بن عبيد وغيره عند ترجمته: "الشيخ الإمام النبيل، العلامة الجليل الألمعي، الماهر الهمام، والحبر السميدع (٣) المقدام في العمل، البحر الزاخر، والعلم الظاهر، ذو الأخلاق الزكية والمناقب الجلية، شيخ الإسلام، وقدوة العلماء الأعلام ... وكان على شيء عجيب من البصيرة في الدين، وسعة الحلم، وكمال الأدب ... " (٤) .
وقال الشيخ عبد الرحمن القحطاني: "الإمام العالم العلامة، العالم العامل، الحبر العلم الكامل، سيد أهل الإسلام في زمانه، وقطب فلك الأنام في أوانه، أوحد البلغاء،
стр. 63
بدر الفصحاء، ... سيف السنة المسلول، حاوي المعقول والمنقول، البليغ المصقع (١) ، واللوذعي البلتع (٢) الفصيح، المجاهد، النصيح ... " (٣) .
стр. 64
المبحث الرابع نشأته العلمية ورحلاته
نشأ ﵀ في بلدته الدرعية مسقط رأسه وعاصمة الدعوة السلفية؛ فقرأ فيها القرآن وحفظه، وتعلم دروسه الأولى، في الكتاتيب المنتشرة في تلك البلدة؛ وربي فيها تربية إسلامية كريمة، في بيت والده وأعمامه، إلى أن بلغ ثمان سنين (١) .
وقد كانت الدرعية حينذاك تعج بحركة العلم والعلماء؛ كما وصفها القحطاني: "أنها كانت كعبة العلم، وموطن الدعوة، ومعهد علماء السلف، وعاصمة الجزيرة العربية" (٢) .
ووصفها الشيخ عبد الله البسام بقوله: " ... إن الدرعية الزاخرة بالعلم، والساطعة بالإيمان، والمشرقة بالدين، والآهلة بالعلماء، ... أصيبت بالنكبة ... " (٣) .
فهو ﵀ بعد بلوغه سن التمييز، حصل له رحلة إجبارية، لم تكن في حسبانه، إذ إنه وهو في ذلك العمر المبكر –مع ما كانت تمتاز به بلدة الدرعية من نشاطات علمية واسعة- لم يكن قد حان له وقت ليخرج في طلب العلم. وهكذا توالت رحلاته كما نعرضها لها هنا كالآتي:
أولاً رحلته إلى مصر، سنة (١٢٣٣هـ) :-
عندما بلغ الشيخ –﵀ الثامنة من عمره، حلّت ببلدته الدرعية كارثة كبرى، ومصيبة عظمى، وهي النكبة العثمانية الهمجية العدائية، حيث دمرت بأيدي
стр. 65
السلطة الغازية، وأسقطت حكم البلاد فيها. وكان ذلك بقيادة المجرم الطاغية إبراهيم باشا (١) ابن محمد علي باشا، ومعه جيش كبير من المرتزقة والخونة وأعداء الدولة السلفية (٢) فعند ذلك، نقل ﵀ مع والده وأعمامه وحمولته (٣) إلى مصر، وكان نقلهم إلى هناك بأمر وزير الخليفة العثماني على مصر حينذاك محمد علي باشا (٤) .
بذلك تمت رحلته المصرية التي لم تكن أساساً رحلة علمية، غير أنها تحولت بفضل الله –تعالى- إلى رحلة علمية، أفاد منها الشيخ ﵀ وكانت منطلقاً في مسيرته العلمية.
قال الشيخ عبد الله البسام:
" ... إلا أنه وإن انتقل من مربع من مرابع العلم، ومعهد من معاهده، فقد دخل في مدينة العلم، واستقر في دار من دوره، فهذا الأزهر الشريف تعقد في جنباته وأورقته حلقات التفسير، والحديث، والأصول، وعلوم التفسير، وعلوم الحديث، والفقه وأصوله، وعلوم العربية؛ من النحو، والصرف، والبيان، وغير ذلك، وها هم كبار العلماء متوافرون ليلاً ونهاراً لإمداد الطلاب بمزيد من العلم والعرفان. وها هي المكتبات العامرة بنفائس الكتب وذخائر المراجع، فصار العلم سلوته في غربته، والكتب جليسه في وحدته، والعماء أنسه في وحشته، فصار يتردد بين بيته والأزهر الشريف (٥) .
стр. 66
وقال أيضاً: "وطالب إقامته فيها حتى بلغت واحداً وثلاثين عاماً، قضاها كلها في العلم، تعلماً، وبحثاً، ومراجعة ومذاكرة، حتى صار من حملة العلم الكبار، وأوعيته الواسعة" (١) .
وبهذا يكون الشيخ ﵀ قد عوض على مصيبة التهجير، وما لقي من جرائها من آلام وأوجاع، عوضها بما حصل عليه من علم وفضل، فكانت رحلته رمية من غير رام (٢) .
ثانياً: عودته إلى نجد سنة ١٢٦٤هـ:
لما طهرت نجد من الجيش العثماني المحتل بفضل الله تعالى، ثم بفضل الله تعالى، ثم بفضل الإمام تركي من بن عبد الله، الذي هزمهم وطردهم وسكنت بعد فتن مشاري وعبد الله ابن ثنيان، ولانت المحافظة عليهم في مصر من المراقبين، خرج من القاهرة متوجهاص إلى نجد، عن طريق مكة المكرمة. وقد حمل معه عند عودته كتباً كثيرة (٣) . وكان الإمام تركي بن عبد الله ابن (مؤسس الدولة السعودية الأولى) الإمام محمد ابن سعود ﵏ قد دعاهم إلى العودة من مصر إلى موطنهم الرياض. فسارع والده الشيخ عبد الرحمن بن حسن بالعودة إلى نجد عام ١٢٤١هـ. أما ابنه الشيخ عبد اللطيف، فقد تأخر مدة
من الزمن بمصر، حيث كان مشغولاً بطلب العلم. فكان قدومه إلى نجد عام
стр. 67
١٢٦٤هـ في عهد الإمام فيصل بن تركي ﵀ الذي تولى السلطة بعد استشهاد والده الإمام تركي بن عبد الله، ﵀ (١) .
ثالثاً: رحلته إلى الإحساء سنة ١٢٦٤هـ:-
بعد عودته ﵀ إلى الرياض، وجلس لطلاب العلم بها، عَرَف الإمام فيصل ووالده عبد الرحمن (٢) -رحمهما الله- غزارة علمه، وسعة اطلاعه، وصفاء عقيدته، وقوة عارضته، وقدرته على المناظرة.
فبعثه الإمام فيصل ﵀ إلى الإحساء العقيدة السلفية، وبث دعوة التوحيد، ومناظرة علمائها في أصول الدين والعقائد؛ إذ الغالب عليهم حينذاك مذهب الأشاعرة، والرفض، وبدع الجنائز والقبور (٣) .
فقدم الشيخ إلى الإحساء سنة ١٢٦٤هـ، وأقام بها سنتين، يوضح طريقة السلف، ويناظر علماءها، ويقابل الحجة بأقوى منها، فظهر عليهم بالأدلة، وقهرهم بالحجة، فأذعنوا له وأسلموا، فزال ما في نفوسهم من رواسب الشبه وباطل التأويل، وقرر لهم طريقة أهل السنة والجماعة، وما هم عليه في باب الأسماء والصفات (٤) . وبعده بسنتين عاد إلى الرياض، حيث استقر. فكانت رحلته إلى الإحساء آخر رحلة خاصة يقوم بها؛ إذا لم يكن خروجه بعد ذلك إلا مرافقاً للإمام فيصل بن تركي، ﵀.
стр. 68
المبحث الخامس شيوخه (١)
أخذ الشيخ ﵀ عن عدة من العلماء الأعلام، الأفاضل الكرام، منهم مشائخ بلده النجديين، وغيرهم من المصريين، حيث رحل في صغره، وهم:
أولاً: مشايخ بلده (النجديون) :-
كان ممن أخذ عنهم من المشايخ النجديين:
الشيخ الأول: والده، الشيخ عبد الرحمن (٢) بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب.
الشيخ الثاني: عمه، الشيخ عبد الله محمد بن عبد الوهاب:-
هو الشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، بدر الأعلام، ومفتي الأنام، التقي النقي الورع، الفارس في العلوم، السيف الصارم المسلول على المبتدعين، عالم نجد ومفتيه بعد والده. ولد في الدرعية، وأخذ العلم عن أبيه، ونقل إلى مصر عام ١٢٣٣هـ، مع آل بيت الشيخ عند فتنة إبراهيم باشا، حين استولى على الدرعية وخربها، تفقه في المذاهب، وأدرك في الأصول والفنون أعلاها، له اليد الطولى في كل فن من فنون العلم، وله منها: الرد على الزيدية، أسماه: "جواب أهل السنة في كلام
الشيعة الزيدية" (٣) ، و "مختصر السيرة" مجلدان، "الفصول النافعة في المكفرات الواقعة"، "منسك الحج" وله رسائل وفتاوى.................................................................
стр. 69
في الدرر السنية. توفي بمصر سنة ١٢٤٢هـ (١) ، رحمه الله تعالى.
الشيخ الثالث: عمه، الشيخ إبراهيم ابن الشي محمد بن عبد الوهاب:-
هو الشيخ العالم الثقة العابد الورع، الشيخ إبراهيم بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب كان متواضعاً، حسن الأخلاق، أدرك حظاً من العلوم وأفاد، له مشاركة كثيرة في رسائل وأجوبة، كان حياً بمصر سنة ١٢٥١هـ، وفيها توفي -رحمه الله تعالى- (٢) .
الشيخ الرابع: عمه، الشيخ علي ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب:-
هو الإمام العلامة الفقيه، علي بن محمد بن عبد الوهاب، ولد في الدرعية ونشأ بها، وهو أكبر أبناء الشيخ محمد سناً، وكان الشيخ يكنى به فيقال: (أبو علي) ، أخذ عن أبيه، وكان عالماً جليلاً ورعاً كثير الخوف من الله زاهداً، كان ممن نقل إلى مصر من آل بيت الشيخ، بعد خراب الدرعية على يد إبراهيم باشا، عام ١٢٣٣هـ، وأقام في القاهرة حتى توفي فيها عام ١٢٤٥هـ (٣) .
الشيخ الخامس: خاله الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب:-
ولد في مدينة الدرعية عام ١٢١٩هـ، ونشأ بها، وبها قرأ مبادئ العلوم. سقطت الدرعية وعمره (١٤) عاماً، فنقل مع والده إلى مصر، وفي القاهرة شرع في طلب العلم في الجامع الأزهر، وفي حلقات علماء الأزهر الكبار، حتى بلغ مبلغاً كبيراً من العلم. وكان يقرأ في بيته وعلى والده وابن عمه الشيخ عبد الرحمن بن حسن، فأخذ عنهما حسن العقيدة وصفاء التوحيد، وتوغل في علوم التفسير والحديث وأصولهما، والفقه، وعلم اللغة في الأزهر، ثم صار أحد المدرسين في الجامع الأزهر،
стр. 70
وفيه أحيا مذهب الحنابلة، وانتفع بعلمه خلق كثير، في مقدمتهم ابن أخته الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن. توفي المترجم له في القاهرة سنة ١٢٧٤هـ (١) .
الشيخ السادس: الشيخ أحمد بن حسن بن رشيد الحنبلي:-
هو الشيخ أحمد بن حسن بن رشيد بن عفالق العفالقي القحطاني نسباً، الإحسائي ثم المدني ثم القاهري، الشهير بالحنبلي، ولد في الإحساء عام ١١٥٥هـ، ورباه الشيخ محمد بن فيروز، تربية دينية وعلمية، ولازم دروسه ملازمة تامة، فقرأ عليه أنواع العلوم، ففاق أقرانه حتى صار له تلاميذ بإشارة من شيخه. سافر إلى الشام، ثم إلى المدينة المنورة، وسكن بها، عينه الإمام سعود بن عبد العزيز قاضياً على المدينة، ولما اقتربت جيوش إبراهيم باشا من المدينة المنورة، هرب المترجم له إلى الدرعية عاصمة البلاد السعودية آنذاك فصار مع المحاصرين فيها، حينما وصلت جيوش الباشا إلى أسوارها، واستولى عليها كان الشيخ ممن عذب من علمائها وأعيانها. قال ابن بشر: "أمر عليه الباشا فعزر بالضرب والعذاب، وقلعوا جميع أسنانه. وطلبه محمد علي باشا إلى مصر؛ لما اشتهر به من رجحان العقل وسعة العلم. فلما وصل أكرمه ورتب له رواتب جزيلة، وجمع بينه وبين علماء مصر، ودرس المذهب الحنبلي في قلعة محمد علي".
أما تلاميذه فكثيرون؛ إذ درس في الإحساء والمدينة المنورة، والدرعية، والقاهرة، من أبرزهم الشيخ عبد الرحمن بن حسن، وعبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين، ومحمد بن إبراهيم بن سيف، والشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، وغيرهم. كان من المعجبين بإمامه أحمد بن حنبل وبمذهبه، وفيه يقول:
أنا حنبلي ما حيت فإن أمت ... فوصيتي للناس أن يتحنبلوا
توفي ﵀ بالقاهرة بعد أن جاوز الثمانين، في عام ١٢٥٧هـ (٢) .
стр. 71
ثانياً: من أخذ عنهم من علماء مصر:
الشيخ السابع: الشيخ محمد بن محمود بن محمد الجزائري:-
هو محمد بن محمود بن محمد بن حسين الجزائري الحنفي، الشهير بابن العنابي، الشيخ الإمام العالم العلامة، فقيه مقرئ مجود للقرآن. تولى إفتاء الإسكندرية في عهد محمد علي، خديوي مصر، من آثاره: "التوفيق والتمهيد في شرح الفريد في التجويد"، وكتاب "السعي المحمود في ترتيب العساكر والجنود" وغيرهما. (ت ١٢٦٥هـ) ، -رحمه الله تعالى - (١) .
الشيخ الثامن: الشيخ إبراهيم الباجوري:-
هو الشيخ إبراهيم بن محمد بن أحمد الباجوري، الفرضي الشافعي، شيخ الجامع الأزهر آنذاك، ولد في الباجور سنة (١١٩٨هـ) ، وتعلم في الأزهر. من تصانيفه: ":تحفة البشر على مولد ابن حجر"، و "التحفة الخيرية على الفوائد الشنشورية في الفرائض"، وله حاشية على الشمائل للترمذي، وغيرها. (ت ١٢٧٧هـ) ، -رحمة الله عليه- (٢) .
الشيخ التاسع: الشيخ مصطفى الأزهري (٣) .
الشيخ العاشر: الشيخ أحمد الصعيدي (٤) .
стр. 72
المبحث الساس: تلاميذه
...
المبحث السادس تلاميذه (١)
أما تلاميذه ﵀ فنظراً لكونه إمام عصره وشيخ زمانه، فقد قصده العديد من طلبة العلم، من أدنى البلاد وأقصاها، وأخذوا عنه العلم، فتعلم منه فحول من العلماء، وتخرج عليه جهابذة من الأئمة، يعذر حصرهم في هذا المبحث، ويكفي هنا أن نشير إلى بعض النابهين منهم:
الأول: ابنه العلامة الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف (٢) .
الثاني: ابنه الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف (٣) .
الثالث: ابنه الشيخ محمد بن عبد اللطيف (٤) .
الرابع: ابنه الشيخ عبد العزيز بن عبد اللطيف (٥) .
الخامس: أخوه الشيخ إسحاق:
هو إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵏، ولد في مدينة الرياض عام ١٢٧٦هـ ونشأ بها. قرأ على أخيه عبد اللطيف، وعلى الشيخ حمد بن عتيق (٦) ، وابن أخيه عبد الله بن عبد اللطيف، ومحمد
стр. 73
ابن محمود، وغيرهم.
ولما هاجت الفتن، واستولى آل الرشيد على الرياض، وارتحل آل السعود إلى الكويت، لم تطب له الإقامة في نجد، فرحل إلى الهند عام ١٣٠٩هـ، وأكمل دراسته هناك، وأخذ هناك عن الشيخ نذر حسين، وحسين بن محسن الأنصاري (١) ، فكان عالماً في الأصول والفروع، ثم عاد إلى الرياض في حكم آل الرشيد، فجلس للتدريس وتصدى للفتوى، له رسائل متفرقة في الدرر السنية في الأجوبة النجدية. (ت١٣١٩هـ) (٢) ، ﵀.
السادس: الشيخ حسن بن حسين:
وهو حسن بن حسين بن علي بن حسين بن محمد بن عبد الوهاب، ولد في مدينة الرياض عام ١٢٦٦هـ، ونشأ بها وحفظ القرآن، وأخذ عن علماء الرياض، ومنهم: عبد الرحمن بن حسن، وابنه عبد اللطيف بن عبد الرحمن، وحمد بن عتيق وغيرهم، ولاه الأمير محمد بن عبد الله بن رشيد (٣) قضاء الأفلاج، ثم نقله إلى قضاء السدير ثم إلى قضاء الرياض، وكانت له حلقات دروس علمية، توفي في الرياض سنة ١٣٤١هـ، ﵀ (٤) .
السابع: الشيخ سليمان بن سحمان (٥) .
стр. 74
الثامن: الشيخ محمد بن محمود:
هو الشيخ محمد بن محمد بن عثمان الضالع نسباً، القصيمي أصلاً، البغدادي مولداً ومنشأً، الحلبي مقاماً ومماتاً. ولد عام ١٢٥٩هـ في بغداد، واستوطن حلب سنة ١٢٨٠هـ، وحج سنة ١٢٩٢هـ، أخذ عن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، وكان ينتصر لمذهب السلف الصالح، متعصباً لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومن الدعاة إليها، له رسائل وقصيدة دافع فيها عن الإمام محمد بن عبد الوهاب، توفي سنة ١٣٣٧هـ، -رحمه الله تعالى- (١) .
التاسع: الشيخ حمد بن فارس:
هو الشيخ حمد بن فارس بن محمد بن فارس بن عبد العزيز بن محمد. ولد عام ١٢٦٣هـ كان والده من أهل العلم، فتعلم عل يديه الفرائض والحساب ومبادئ العلوم، ثم على الشيخ عبد الله بن حسين المخضوب الهاجري القحطاني، ثم سافر إلى الرياض، فقرأ على الشيخ العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن، وعن غيره حتى صار أنحى أهل زمانه في نجد، ومرجع العلماء فيه.
عينه الإمام عبد الله الفيصل على بيت المال، وكان حينذاك كوزارة المالية في العهد الحاضر، كما عينه مديراً لأوقاف آل سعود، ينفذها في أعمال البر. توفي في الرياض سنة (١٣٤٥هـ) ، ﵀ (٢) .
العاشر: الشيخ صعب بن عبد الله:
هو الشيخ صعب بن عبد الله بن صعب بن محمد التويجري، من آل جبارة، ولد سنة
(١٢٥٥هـ) في بلدة بريدة، ونشأ فيها، ثم قرأ على علمائها، ثم سافر إلى الرياض، فقرأ
على الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، حتى أدرك وصار من
стр. 75
العلماء الأفاضل، عرض عليه قضاء بريدة في عدة مناسبات فرفض ذلك، وكان سمح النفس دمث الأخلاق، فصار أصحابه يسمونه "سهلاً". توفي في بلدة بريدة سنة (١٣٣٩هـ) (١) .
الحادي عشر: الشيخ عبد الرحمن بن محمد المانع:
هو الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن مانع بن إبراهيم الوهيبي، التميمي نسباً، الشقراوي ثم الإحسائي بلداً، ولد في بلدة شقراء عاصمة بلدان الوشم ونشأ فيها. من مشايخه: والده الشيخ محمد، وجده لأمه الشيخ عبد الله أبو بطين، والعلامة الشيخ عبد الرحمن بن حسن، والشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن وغيرهم، ولاه الإمام فيصل قضاء القطيف (٢) ، جمع كتباً كثيرة قيمة بخط يده المتقن المضبوط. له قصائد كثيرة، ورسالة في طلاق الثلاثة. توفي في الإحساء سنة (١٢٨٧هـ) (٣) .
الثاني عشر: الشيخ محمد بن عبد الله بن حمد:
هو الشيخ محمد بن عبد الله بن حمد بن محمد بن سليم، استقر أجدادهم في مدينة الدرعية وقت قيام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بتجديد الدعوة السلفية. ولد عام (١٢٤٠هـ) ، ونشأ وتعلم في الدرعية، ثم قرأ على علماء القصيم، ثم رحل إلى الرياض وقرأ على أشهر علمائها الشيخ عبد الرحمن بن حسن، وابنه الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، ثم ذهب إلى شقراء بعد أن عاد إليها شيخه