← Фатава

Фатава · id 12033

عيون الرسائل والأجوبة على المسائل

عبد اللطيف آل الشيخ

Полный текст (983 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

أَنَا١ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً﴾ ٢. فيقال: قراءة البصريين: "ليهب لك"، بالياء٣، وهي تفسير للقراءة الأخرى. وعلى القراءة الأخرى نسب الهبة إليه لأنه سبب نفخ الروح في درعها، والسبب يضاف إليه الفعل، كما جزم به البيضاوي٤ وغيرها في هذه الآية٥. والله ينفذ أمره الكوني على يد من يشاء من ملائكته. وربما نسب الفعل إليهم، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ ٦، وقال في موضع آخر: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ﴾ ٧، وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ ٨، فأضافه إليهم لأنهم موكلون بقبض

стр. 317

الأرواح١. ولما كانوا لا يستقلون بشيء من دونه، ولا يفعلون إلا بمشيئته وحوله وقوته، صرح بهذا المعنى في الآية الأولى. فقال: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ ٢ وأبلغ من هذا، أنه نسب إليهم التدبير في قوله تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً﴾ ٣؛ لأنهم رسل بأمره الكوني، وأخبر بأنه المدبر الفاعل المختار، في غير آية من كتاب الله، كقوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ ٤، وقوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ ٥، إلى قوله: ﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ ٦؛ إلى غير ذلك من الآيات الدالات على اختصاصه تعالى بالتدبير والإيجاد. وفي الحديث القدسي: " ومن أظلم ممن يذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة أو يخلقوا شعيرة " ٧،

стр. 318

.....................................................................

стр. 319

وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ الآية١، وأكابر الخلق؛ كالملائكة والأنبياء، لم يدع أحد منهم أنه إله، وأنه يخلق. قال تعالى في حق الملائكة: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُون لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية٣، فأخبر أن اتخاذهم أرباباً كفر بعد الإسلام. وأيضاً، فآخر الآية، وهو قوله: ﴿قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً﴾ ٤، فكونه هيناً عليه تعالى، وهو الذي جعله آية/٥، وهو الذي قدره وقضاه، كل هذا يرد على المبطل. فتفطن-هداك الله- للأدلة على تفرده بالخلق والإيجاد والتدبير، لا يحيط بها إلا الله سبحانه. /وفي كل شيء له/٦ آية ... تدل على أنه واحد٧. أما كونهم لا يشهدون الجمعة والجماعة، ولا يسلمون ولا يردون السلام، فهم بذلك مخالفون لأهل السنة والجماعة، من سلف الأمة وأئمتها. ولو وجد في الإمام من الفجور ما لا يخرجه عن الإسلام، فأهل السنة يصلون خلف أهل الأهواء، إذا تعذرت الجمعة والجماعة خلف غيرهم٨؛ وإن كانوا يرون كفر من لا يوافقهم

стр. 320

على /أهوائهم/١، فهم من جنس الخوارج الذين وردت فيهم الأحاديث الصحيحة، بأنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية٢، وأنهم كلاب أهل النار٣. وصلى الله وسلم٤ على سيد ولد آدم، وعلى آله وأصحابه الذين جاهدوا في الله حق جهاده آمين. والحمد لله على /التمام وحسن الختام/٥.

стр. 321

الرسالة الثالثة عشرة: إلى زيد بن محمد المسألة الأولى: عن قول الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ... (الرسالة الثالثة عشرة) قال جامع الرسائل وله أيضاً -رحمه الله تعالى- رسالة إلى زيد بن محمد ٢ وهذا نصها. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم زيد بن محمد -زاده الله علماً، ووهب لنا وله حكماً٣- سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فالخط الذي فيه المسائل وصل، وحصل من الاشتغال والموانع، ما اقتضى تأخر الجواب، ونسأل الله لنا الإعانة على ما يقرب إليه من العلم والعمل. فأما المسألة الأولى٤: عن قول الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ ٥. وقول السائل: إن الرب ﵎ لا يخفى عليه شيء وقد قال تعالى في سورة العنكبوت: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٦

стр. 322

فالجواب وبالله التوفيق: إن كلا الآيتين الكريمتين على عمومهما وإطلاقها، يصدق بعضها بعضاً. فأما آية يونس، ففيها الإخبار بنفي ما ادعاه المشركون، وزعموه من وجود شفيع، يشفع وينفع بدون إذنه تبارك وتعالى١؛ وأن هذا لا يعلم الله وجوده، لا في السموات ولا في الأرض، بل هو مجرد زعم وافتراء٢، وما لا يعلم وجوده، مستحيل الوجود، منفي غاية النفي. فالآية رد على المشركين الذين تعلقوا على الشركاء والأنداد، بقصد الشفاعة عند الله والتقرب إليه. وأما آية العنكبوت، ففيها إثبات علمه بكل مدعو أو معبود من أي شيء كان، لا يخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة٣. ففي الآية الأولى نفي العلم بوجود ما لا وجود له بحال؛ والآية الثانية فيها إثبات العلم بوجود ما عبدوه

стр. 323

ودعوه مع الله، من الآلهة التي لا تضر ولا تنفع. قال ابن جرير-رحمه الله تعالى- في الكلام على آية يونس: يقول تعالى [ذكره] ١: ويعبد هؤلاء المشركون الذين وصفت لك صفتهم، الذين لا يضرهم شيء ولا ينفعهم في الدنيا ولا في الآخرة، وذلك هو الآلهة والأصنام التي كانوا يعبدونها، رجاء/شفاعتها/٢عند الله. قال تعالى لنبيه محمد ﷺ ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَه وتعالى عما يشركون﴾ ٣. يقول: (أتخبرون الله بما لا يكون في السماوات ولا في الأرض، وكان المشركون يزعمون أنها تشفع لهم عند الله، فقال الله لنبيه ﷺ ، وذلك باطل لا يعلم حقيقته وصحته، بل يعلم أن ذلك خلاف ما تقولون، وأنها لا تشفع لأحد ولا تضر ولا تنفع) انتهى٤. وحاصلة أن النفي واقع على ما اعتقدوه وظنوه من وجود شفيع يشفع وينفع ويقرب إلى الله، وذلك الظن والاعتقاد وهم وخيال باطل لا وجود له. وبنحو ذلك قال ابن كثير٥، حيث يقول: (ينكر تعالى على المشركون الذين عبدوا مع الله غيره، ظانين أن تلك الآلهة تنفعهم شفاعتها عند الله، وأخبر أنها لا تنفع ولا تضرو لا تملك شيئاً ولا يقع شيء ٦ مما يزعمون فيها، ولا يكون هذا أبداً، ولهذا

стр. 324

قال تعالى: ﴿قلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ ١انتهى٢. وقال /أبو السعود/٣ الرومي في قوله /تعالى/ ٤: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ ٥ أي وتخبرونه بما لا وجود له أصلاً، وهو كون الأصنام شفعاءهم عند الله، إذ لو كان ذلك لعلمه علام الغيوب. وفيه تقريع لهم وتهكم بهم وبما يدعون من المحال، الذي لا يكاد يدخل تحت الصحة والإمكان، وقوله: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ حال من العائد٦ المحذوف في "يعلم" مؤكدة للنفي، لأن ما لا يوجد فيها فهو منتف عادة) ٧ انتهى. وقال العلامة ابن القيم٨ في الكلام على هذه الآية: هذا نفي لما ادعاه المشركون من

стр. 325

الشفعاء، كنفي علم الرب تعالى بهم، المستلزم لنفي المعلوم، ولا يمكن أعداء الله المكابرة، وأن يقولوا قد علم الله جود ذلك، لأنه تعالى، إنما يعلم وجود ما أوجده وكونه، ويعلم أنه سيوجد ما يريد إيجاده، فهو يعلم نفسه وصفاته ومخلوقاته التي لم توجد بعد. وأما وجود شيء آخر غير /مخلوق/١ له ولا مربوب، فالرب تعالى لا يعلمه، لأنه يستحيل٢ في نفسه، فهو سبحانه يعلمه مستحيلاً، /فكذلك/٣ حجج الرب ﵎، على بطلان ما نسبه إليه أعداؤه المفترون٤ التي هي كالضريع الذي لا يسمن ولا يغني من رجوع. فإذا وازنت بينهما ظهرت لك المفاضلة، إن كنت بصيراً. ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ ٥، انتهى٦.

стр. 326

وأما المسألة الثانية١: عن قوله تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ﴾ الآية٢؛

стр. 327

فقد أشكل معناها على كثير من المفسرين، فزعموا أن المعنى: نفي أتباعهم شركاء، فجعلوا "ما" نافية، و"شركاء" مفعول يتبع، أي لم يتبعوا في الحقيقة شركاء، بل هم عباد مخلوقون مربوبون، والله هو الإله الحق لا شريك له١. وأما ابن جرير ﵀ فقرر أن "ما" في هذا المحل استفهامية، لا نافيه. قال ﵀: (ومعنى الكلام: أي شيء يتبع من يقول: لله شركاء في سلطانه وملكه كاذباً والله المتفرد بملك كل شيء في سماء كان أو في أرض، ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ ٢ يقول: ما يتبعون في قيلهم ذلك [ودعواهم] ٣ (إلا الظن) يقول: إلا الشك، لا اليقين. ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُون﴾ ٤ انتهى٥. وقال شيخ الإسلام٦ ﵀ ظن طائفة أن "ما" هاهنا نافية، وقالوا: ما يدعون من دون الله شركاء في الحقيقة، بل هم غير شركاء، وهذا خطأ، ولكن "ما" هاهنا حرف استفهام، والمعنى: وأي شيء يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء، إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون، فشركاء مفعول يدعون، لا مفعول يتبع؛ فإن المشركين يدعون من دون الله شركاء، كما أخبر عنهم بذلك في غير موضع٧

стр. 328

فالشركاء موصوفون في القرآن بأنّهم يُدعَون من دون الله، ولم يوصوفوا بأنّهم يُتَّعون، فإنَّما يُتَّبع الأئمة الذين كانوا يدعون هذه الآلهة١، ولهذا قال بعد هذا: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ﴾ ٢. ولو أراد أنهم ما يتبعون في الحقيقة شركاء، لقال: إن يتبعون إلاّ من ليسوا بشركاء، بل هو استفهام، يبيّن أنّ المشركين الذين دَعَوا من دون الله شركاء، ما اتبعوا إلاّ الظنّ، ما اتبعوا علماً، فإنّ المشرك لا يكون معه علم مطابق، وهو فيه ما يتبع إلاّ الظنّ، وهو الخرص والحرز، وهو كذب وافتراء، كقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ ٣.٤

стр. 329

وأما المسألة الثالثة: عن قولك: أسألك/بمعاقد/١ العز من عرشك٢. فكره أبو حنيفة٣

стр. 330

-﵀ المسألة بعقد العز١، وأجازها٢ صاحبه أبو يوسف٣ لأنه قد يراد بهذه الكلمة المحل، أي محل العقد وزمانه، كمذهب، يطلق على محل الذهاب وزمانه. وربّما أريد به المفعول، كمركب بمعنى المركوب، ويكون هنا اسم مصدر من عقد يعقد عقداً؛ والاسم معقد، ويكون صفة ذات، ولهذا قال أبو يوسف: معقد العز هو الله٤. وأما أبو حنيفة فنظر إلى أن اللفظ محتمل لمعاني متعدّدة، فلذلك كره المسألة به، وبهذا يتبيّن المعنى٥.

стр. 331

وأما المسألة الرابعة: عن قوله ﷺ في الدعاء المشهور: " إلى من تكلني إليه، إلى بعيد يتجهمني " ٦.

стр. 332

فاعلم أن التجهم الغلظة والعبوس والاستقبال بالوجه الكريه، والجهم الغليظ المجتمع. وجَهُمَ ككَرُمَ جِهَامَةً وجَهُوْمَةً: استقبله بوجه كريه كتجهُّمِه١. والجهمة آخر الليل أو بقية السواد من آخره٢، وأجهم: دخل فيه انتهى. وبه يظهر أن التجهم /يقع/٣ على الاستقبال بوجه مظلم عبوس؛ ومن صفات الجهم٤.

стр. 333

وأما المسألة الخامسة١: عن قوله ﷺ " أعوذ بنور وجهك " ٢ وقوله في حديث أبي موسى٣: " حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه٤ /ما انتهى إليه بصره من خلقه /٥ ٦،

стр. 334

وقول السائل: هل يفسر بهذا النور /أو/١ لا"؟ فالجواب: إنّ النور يضاف إلى الله إضافة الصفة إلى الموصوف، ويضاف إليه إضافة المفعول إلى فاعله، كما أشار إليه العلامة ابن القيم –﵀ في نونيته٢. وما في دعائه ﷺ مخرجه من الطائف، من الأول بلا ريب٣، فهو صفة ذات، ولذلك تسمى تعالى وتقدس بهذا الاسم الأنفس. وأما ما في حديث أبي موسى من ذكر السبحات المضافة إلى وجه الله، فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، على ما يأتي تفسيره. وأما قوله: (حجابه النور) ، فقد ذكر السيوطي٤ وغيره في الحجب آثاراً عن السلف، تدل على أن الله سبحانه احتجب بحجب من نور، مخلوقة له.٥ وكلام صاحب الكافية الشافية يشير إلى إليه، لأنه عطفه في الذكر على ما تقدم من

стр. 335

أوصاف الذات١. والأصل في العطف أن يكون في المغايرة٢. وقال٣ في الجيوش الإسلامية: والله سمى نفسه نوراً، وجعل كتابه نوراً، ورسوله ﷺ نوراً، ودينه نوراً، واحتجب من خلقه بالنور، وجعل دار أوليائه نوراً، قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ الآية٤، وقد فسِّر بكونه مُنَوِّرُ السموات والأرض٥. وهذا إنما هو فعل، وإلا فالنور الذي هو من أوصافه، قائم به، ومنه اشتق له اسم النور الذي هو أحد الأسماء الحسنى. فالنور يضاف إليه سبحانه على أحد وجهين: إضافة صفة إلى موصفها، وإضافة فعل٦ إلى فاعله. فالأول كقوله: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ ٧، إذا جاء لفصل القضاء. ومنه قوله ﷺ في الدعاء المشهور: " أعوذ بنور وجهك الكريم أن /تضلَّني/٨ لا إله إلا أنت" ٩.

стр. 336

وفي الأثر الآخر: " أعوذ بوجهك أو بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات "١ فأخبر ﷺ أن الظلمات أشرقت بنور وجه الله؛ كما أخبر تعالى أن الأرض تشرق يوم القيامة بنوره٢. وفي معجم الطبراني٣ والسنة له، وكتاب عثمان بن سعيد الدارمي٤ /وغيرها/٥ عن ابن مسعود٦ ﵁: ليس عند ربكم ليلٌ ولا نهار، نور السموات والأرض من نور وجهه) ٧. وهذا الذي قاله ابن مسعود ﵁ أقرب إلى تفسير الآية، من قول من

стр. 337

فسرها أنه هادي أهل السموات والأرض١. وأما من فسّرها بأنه منوِّر السموات والأرض، فلا تنافي بينه وبين قول ابن مسعود. والحق أنه نور السموات والأرض بهذه الاعتبارات كلِّها. وفي صحيح مسلم٢ وغيره من حديث أبي موسى الأشعري ﵁، قال: قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات: " إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام" ٣ فذكرها. وفي صحيح مسلم عن أبي ذر٤ ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربك قال: " /نورٌ/٥ أنّى أراه" ٦. قال شيخ الإسلام: معناه: كان ثَمَّ /نورٌ/٧، وحال دون رؤيته نورٌ، /و/٨ أنّى أراه. قال: ويدل عليه أن في بعض الألفاظ الصحيحة: هل رأيت ربك قال: (رأيت نوراً) ٩. وذكر الكلام في الرؤية ثم قال: ويدل على صحة١٠ ما قال شيخنا في معنى حديث أبي ذر ﵁ قوله ﷺ في الحديث الآخر:

стр. 338

" حجابه نور" ١. فهذا النور هو -والله أعلم- النور المذكور في حديث أبي ذر رضي الله عنه٢ رأيت نوراً" ٣.٤ أمّا السبحات: فهو نور الذات المقدسة العليّة، وهو النور الذي استعاذ به ﷺ وكلامه فيه إيماء إلى أنه تعالى احتجب بهذا النور المذكور، وهو الذي حجبه ﷺ عن رؤية الباري تعالى وتقدس، وهو النور الذي رآه ﷺ كما تقدم في حديث أبي ذر " رأيت نوراً "٥. وقد احتجب سبحانه

стр. 339

وتعالى بحجب عن خلقه من نور ومن غيره، كما ذَكَرَ في آثار مرويّة عن السلف جمعٌ كثيرٌ، منهم السيوطي في كتاب الهيئة السنيّة١. وإذا فُسِّرَت السبحات بأنوار وجهه الكريم، جازت الاستعاذة بها لأنها وصف ذات٢. ويؤيد ما أومأ إليه ابن القيم –﵀ قول ابن الأثير٣

стр. 340

/سُبُحات١ الله: جلاله وعظمته/٢، وهي في الأصل جمع سُبحة؛ وقيل: /أضواء/٣ وجهه. وقيل سُبحات الوجه: محاسنه، وقيل معناه: تنزيه له، أي /سبحان/٤ وجهه، وقيل إنَّ سبحات /وجهه/٥ كلام معترض بين الفعل والمفعول، أي لو كشفها لأحرقت كل شيء /أبصرت٦/.٧ قلت: يريد أن السبحات هي النور الذي احتجب به، ولذلك قال: لو كشفها. قال: وأقرب من هذا، أنّ المعنى: لو انكشف من أنوار الله تعالى التي تحجب العباد شيءٌ، لأهلك كل من وقع عليه ذلك النور، كما خرّ موسى ﵇ صعقاً، وتقطّع الجبل دكاً٨ لمّا تجلّى الله تعالى٩. ففي كلام ابن الأثير ما يدل على أنّ الحجاب نفس أنوار الذات، فتأمّله١٠، وذكر ابن الأثير وغيره أن جبريل ﵇ قال: لله دون العرش سبعون حجاباً، لو دنونا من /أحدها/١١ لأحرقت سبحات وجهه١٢. انتهى.

стр. 341

ومقتضى ما قال القرطبي في حديث أبي موسى (حجابه النور أو النار) ١: وأن هذا حجاب منفصل عن نور الذات، لكنه يجري في هذه المباحث على طريقة المتكلمين فيما جاء في هذا الباب من صفات الكمال ونعوت الجلال٢.

стр. 342

المسألة السادسة: عن قوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا ... وأما المسألة السادسة ٣: عن قوله تعالى في قصة شعيب: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ ٤، وقال السائل. "وهم لم يدخلوا فيها فاعلم أنّ المسألة شاعت وذاعت واشتهرت وانتشرت، والخلاف فيها قديم بين أهل السنة والمعتزلة٥، وبين أهل السنة بعضهم لبعض، والذي

стр. 343

روى ابن أبي حاتم١ عن عطية٢ عن ابن عباس٣ كانت الرسل والمؤمنون

стр. 344

تستضعفهم قومهم ويقهرونهم ويدعونهم إلى العودة إلى ملّتهم، فأبى الله لرسله والمؤمنين أن يعودوا في ملّتهم وفي ملّة الكفر، وأمرهم أن يتوكلوا عليه"١. وقد رواه السدي٢ عن أشياخه، وتأوله عطية على أنه العود إلى السكوت٣ كما كان الرسل قبل الرسالة؛ وأنهم كانوا أغفالاً قبلُ، أي لا علم بما جاءهم من عند اله، قال: وذلك عند الكفار عود في ملتهم.٤ وهذا الذي رأيته منصوصاً عن أئمة السلف، وأما من بعدهم كابن الأنباري٥ والزجاج٦ وابن الجوزي٧ والثعلبي٨ والبغوي٩، فهؤلاء يُؤَّوِّلون

стр. 345

ذلك على معنى: لتصيرنّ ولتدخلنّ، وجعلوه بمعنى الابتداء١ لا بمعنى الرجوع إلى شيءٍ قد كان؛ وأنشدوا على ذلك ما اشتهر عنهم في تفاسيرهم كقول الشاعر: فإن تكن الأيام أحسنَّ مرَّة ... إليَّ لقد عادت لهنّ ذنوب٢ وكقوله: وما المرء إلاّ كالشهاب وضوئه ... يحور رماداً بعد ما كان ساطعاً٣ وقول أُميَّة٤: تلك المكارم لا قعبان٥ ... .......................................................

стр. 346

...........من لبن /شيبت/١ ... بماء /فعادت/٢ بعد أبوالا٣ وأمثال ذلك مما يدل على الابتداء٤. وبعضهم أبقاه على معناه، وقال: هو التغليب، لأنّ قومهم كانوا في ملّة الكفر فغلب الجمع على الواحد.٥ لكن تعب ذلك شيخ الإسلام /ابن تيمية/٦ -رحمه الله تعالى- فقال: وأما التغليب فلا يأتي في سورة إبراهيم.٧ وأما جعلها بمعنى الابتداء والصيرورة، فالذي في الآيات الكريمة، عود مقيد بالعود في ملّتهم؛ فهو كقول النبي ﷺ " العائد في هبته كالعائد في قيئه" ٨........

стр. 347

وقوله: " ... ومن /يكره/١ أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه".٢ وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ ٣ فالعود في مثل هذا الموضوع عود مقيد، صريح بالعود إلى أمر كان عليه الرسل وأتباعهم، لا يحتمل غير ذلك، ولا يقال إنّ العود في مثل هذا يكون عوداّ مبتدأ، وما ذكر من الشواهد أفعال مطلقة ليس فيها: /إن عاد لكذا/٤ ولا عاد فيه. قال: ولهذا سُمِّي المرتدُّ عن الإسلام مرتداًَ /وإن كان عاد على الإسلام/٥ ولم يكن كافراً عند عامة العلماء. قال: وأما قولهم إن شعيباً والرسل ما كانوا في ملتهم قط، وهي ملة الكفر؛ فهذا فيه نزاع مشهور، وبكل حال فهو خبر يحتاج إلى دليل عقلي، وليسس في أدلة الكتاب والسنة والإجماع ما يخبر بذلك. وأما العقل ففيه نزاع والذي تظاهر عليه أهل السنة أنه ليس في العقل ما يمنع ذلك. وقال أبو بكر الخطيب البغدادي٦: (وقال كثير منهم ومن أصحابنا وأهل الحق

стр. 348

إنه لا يمتنع بعثة من كان كافراً، أو مصيباً للكبائر قبل البعثة١. قال: ولا شيء عندنا يمنع ذلك على ما تبين القول فيه. ثم ذكر الخطيب الخلاف في إصابته الذنوب بعد البعثة، وأطال الكلام ثم قال: (فصل في جواز بعثة من كان مصيباً للكفر والكبائر قبل الرسالة) قال: والذي يدل على ذلك أمور: أحدها: أن إرسال الرسول وظهور الأعلام عليه، اقتضى ودل -لا محال- على إيمانه وصدقه وطهارة سريرته، وكمال علمه ومعرفته بالله؛ وأنه مُؤَدٍ عنه دون غيره، لأنه إنما يظهر الأعلام ليستدل به على صدقه فيما يدعيه من الرسالة. فإذا كان بدلالة ظهورها عليه إلى هذه الحال من الطهارة والنزاهة، والإقلاع عما كان عليه، لا يمنع بعثته٢، وإلزام توقيره وتعظيمه، وإن وجد منه ضد ذلك قبل الرسالة، وأطال الكلام.٣ ثم قال شيخ الإسلام: تحقيق القول في ذلك (أن الله سبحانه إنما يصطفي لرسالته من كان خيار قومه) ٤، كما قال /الله تعالى/٥: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ٦ وقال: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ﴾ ٧ وقال: من نشأ بين قوم مشركين جهال، لم يكن عليه نقص ولا غضاضة إذا كان على مثل دينهم، إذا كان عندهم معروفاً٨ بالصدق والأمانة، وفِعْلِ ما يعرفون وجوبه،

стр. 349

واجتناب ما يعرفون قبحه؛ وقد قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ ١ ولم يكن هؤلاء مستوجبين العذاب قبل الرسالة٢. وإذا كان لا هو ولا هم يعلمون ما أرسل به، وفرق بين من يرتكب ما يعلم قبحه، وبين من يفعل ما لا يعرف، فإن هذا الثاني لا يذمُّونه ولا يعيبونه عليه، ولا يكون ما فعله مما هم عليه منفراً عنه بخلاف الأول، ولهذا لم يكن في أنبياء بني إسرائيل من كان معروفاً بشرك، فإنهم نشئوا على شريعة التوراة، وإنما ذكر هذا فيمن كان قبلهم. وأما ما ذكره في قصة شعيب والأنبياء، فليس في هذا ما ينفر أحد عن القبول منهم وكذلك الصحابة ﵃، الذين آمنوا بالرسول ﷺ بعد جاهليته، وكان فيهم من كان محمود الطريقة قبل الإسلام، كأبي بكر الصديق، فإنه لم يزل معروفا بالصدق والأمانة ومكارم الأخلاق، لم يكن فيه قبل الإسلام ما يعيبونه فيه، والجاهلية كانت مشتركة فيهم كلهم. وقد تبيّن أنّ ما أخبر به عنهم قبل النبوّة في القرآن من أمر الأنبياء، ليس فيه ما ينفر /أحداً/٣ عن تصديقهم، ولا يوجب طعن قومهم، ولهذا لم يذكر أحد من المشركين هذا، قادحاً في نبوته، ولو كانوا يرونه عيباً لعابوه، ولقالوا: كنتم أنتم أيضاً على الحالة المذمومة، ولو ذكروا للرسل هذا لقالوا: كنا كغيرنا لم نعرف ما أوحي إلينا؛ ولكنهم قالوا: إن أنتم إلاّ بشر مثلنا، فقالت الرسلُ: إن نحن إلاّ بشرٌ مثلكم، ولكن الله يمنُّ على من يشاء من عباده. قال: وقد اتفقوا كلهم على جواز بعثة رسولٍ، لم يعرف ما جاءت به الرسل قبله من أمور النبوة والشرائع، ومن لم يقر بهذا الرسول بعد الرسالة فهو كافر، والرسل قبل الوحي قد كانت لا تعلم هذا، فضلاً عن أن تقرَّ به٤. فعلم أن عدم العلم والإيمان لا

стр. 350

يقدح في نبوته، بل الله إذا نبّأهم علَّمهم ما لم يكونوا يعلمون. قلت: وقوله: وقد اتفقوا كلّهم، يعني أهل السنة والمعتزلة. ثم قال تعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ ١﴾ ٢، [وقال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ٣ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ ٤. فجعل إنذارهم بعبادته وحده كإنذار يوم التلاق، وكلاهما عرفوه بالوحي٥. واستدل على هذا بآيات، إلى أن قال: وقد تنازع الناس في نبينا ﷺ قبل النبوة٦، وفي معاني بعض هذه الآيات، في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ ٧وفي قوله:

стр. 351

﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ﴾ ١، وقوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى﴾ ٢وما تنازعوا في معنى آية الأعراف، وآية إبراهيم. فقال قوم٣ لم يكن النبي ﷺ على دين قومه٤، ولا كان يأكل ذبائحهم. وهذا هو المنقول عن أحمد، قال: من زعم أنه على دين قومه فهو قول سوء، أليس كان لا يأكل ما ذبح على النصب. ثم قال الشيخ: ولعلّ أحمد قال: أليس كان لا يعبد الأصنام فغلط الناقل عنه. فإن هذا قد جاء في الآثار أنه كان لا يعبد الأصنام٥. وأما كونه لا يأكل من ذبائحهم، فهذا لا يعلم أنه جاء به أثر٦، وأحمد من أعلم الناس بالآثار. قال: والشرك حرم من حين أرسل الرسول، وأما تحريم ما ذبح على النصب، فإنه ما

стр. 352

ذكر في سورة المائدة١ وقد ذكر في السور المكيّة، كالأنعام تحريم ما أُهِلَّ به لغير الله٢، وتحريم هذا إنما يعرف في القرآن، وتحريم هذا إنما يعرف في القرآن، وقبل القرآن لم يكن يعرف تحريم هذا، بخلاف الشرك. ثم ذكر الفرق بين ما /ذَبَحوا/٣ لِلَّحم وبين ما ذبحوه للنصب /على/٤ جهة القربة والأوثان؛ قال فهذا من جنس الشرك، لا يقال قطّ في شريعة بحلها. كما كانوا يتزوّجون المشركات أوّلاً. قال: والقول الثاني: إطلاق القول بأنه ﷺ كان على دين قومه وفسِّر ذلك بما كان عليه من بقايا دين إبراهيم، لا بالموافقة لهم على شركهم٥. وذكر أشياء مما كانوا عليه من بقايا الحنيفية كالحج والختان وتحريم الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات. قال الشيخ: وهؤلاء إن أرادوا أن هذا الجنس مختص بالحنفاء، لا يحج يهودي ولا نصراني، لا في الجاهلية ولا في الإسلام، فهو من لوازم الحنيفية، كما أنه لم يكن مسلماً إلاّ من آمن بمحمد ﷺ وأما قبل محمد /فكان بنو/٦ إسرائيل على ملّة إبراهيم، /و/٧ كان الحج مستحباً قبل محمد صلى الله

стр. 353

عليه وسلم١ لم يكن مفروضاً؛ ولهذا حج موسى ويونس وغيرهما من الأنبياء. ثم قال: ولكن تحريم المحرمات ما يشاركهم فيه أهل الكتاب، والختان يشاركهم فيه اليهود. وأطال الرد والنقل عن ابن قتيبة٢ /﵀/٣، وذكر كلام ابن عطية٤ في قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى﴾ ٥ أنه أعانه وأقامه على غير الطريق التي كان عليها، هذا قول الحسن والضحاك٦. قال: والضلال يختلف، فمنه القريب ومنه البعيد. وكونه الإنسان /واقفاً/٧ لا يميّز بين المهيع٨ /٩/، ضلال قريب، لأنه لم يتمسك بطريقة١٠ ضالة، بل كان يرتاد وينظر١١.

стр. 354

قال: والمنقول أنه ﵇ كان قبل النبوّة يبغض عبادة الأصنام١، ولكن لم يكن ينهى عنها نهياً عاماً، وإنما كان ينهى خواصه. وساق ما رواه أبو يعلى الموصلي٢ وفيه: " فأتى النبي ﷺ فطاف بالبيت وين الصفا والمروة، وكان٣ عند الصفا والمروة صنمان من نحاس، أحدهما إساف /وألآخر/٤ نائلة، وكان المشركون إذا طافوا تمسحون بهما، فقال النبي ﷺ لزيد /٥: لا تمسحهما فإنهما رجس ". فقلت في نفسي: لأمسهما حتى أنظر ما يقول، فمسستهما، فقال: (يا زيد ألم /تُنْهَ /٦) ٧.

стр. 355

وقال أبو عبد الله المقدسي١: (هذا حديث حسن له شاهد في الصحيح) . والحديث معروف، وقد اختصره البيهقي٢، وزاد فيه: قال زيد بن حارثة٣:والذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب، ما استلم صنماً قط، حتى أكرمه الله بالذي أكرمه٤. وفي قصة بحيرى٥ الراهب، حين حلف باللات والعزى، فقال النبي ﷺ " لا تسالنّ باللات والعزى، فهو الله ما أبغضت بغضهما شيئاً قطّ" ٦. وكان الله قد نزّهه عن أعمال الجاهلية، فلم يكن يشهد مجامع لَهْوِهِم، وكان إذا همُّوا بشيءٍ من ذلك ضرب الله على أذنه فأنامه، وقد روى البيهقي وغيره في ذلك آثاراً ٧ وكانت قريش يكشفون عوراتهم لشيل حجر ونحوه، فنزّهه الله عن ذلك،
следующие страницы →