← Фатава

Фатава · id 12033

عيون الرسائل والأجوبة على المسائل

عبد اللطيف آل الشيخ

Полный текст (983 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ﴾ ١، وقوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى﴾ ٢وما تنازعوا في معنى آية الأعراف، وآية إبراهيم. فقال قوم٣ لم يكن النبي ﷺ على دين قومه٤، ولا كان يأكل ذبائحهم. وهذا هو المنقول عن أحمد، قال: من زعم أنه على دين قومه فهو قول سوء، أليس كان لا يأكل ما ذبح على النصب. ثم قال الشيخ: ولعلّ أحمد قال: أليس كان لا يعبد الأصنام فغلط الناقل عنه. فإن هذا قد جاء في الآثار أنه كان لا يعبد الأصنام٥. وأما كونه لا يأكل من ذبائحهم، فهذا لا يعلم أنه جاء به أثر٦، وأحمد من أعلم الناس بالآثار. قال: والشرك حرم من حين أرسل الرسول، وأما تحريم ما ذبح على النصب، فإنه ما

стр. 352

ذكر في سورة المائدة١ وقد ذكر في السور المكيّة، كالأنعام تحريم ما أُهِلَّ به لغير الله٢، وتحريم هذا إنما يعرف في القرآن، وتحريم هذا إنما يعرف في القرآن، وقبل القرآن لم يكن يعرف تحريم هذا، بخلاف الشرك. ثم ذكر الفرق بين ما /ذَبَحوا/٣ لِلَّحم وبين ما ذبحوه للنصب /على/٤ جهة القربة والأوثان؛ قال فهذا من جنس الشرك، لا يقال قطّ في شريعة بحلها. كما كانوا يتزوّجون المشركات أوّلاً. قال: والقول الثاني: إطلاق القول بأنه ﷺ كان على دين قومه وفسِّر ذلك بما كان عليه من بقايا دين إبراهيم، لا بالموافقة لهم على شركهم٥. وذكر أشياء مما كانوا عليه من بقايا الحنيفية كالحج والختان وتحريم الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات. قال الشيخ: وهؤلاء إن أرادوا أن هذا الجنس مختص بالحنفاء، لا يحج يهودي ولا نصراني، لا في الجاهلية ولا في الإسلام، فهو من لوازم الحنيفية، كما أنه لم يكن مسلماً إلاّ من آمن بمحمد ﷺ وأما قبل محمد /فكان بنو/٦ إسرائيل على ملّة إبراهيم، /و/٧ كان الحج مستحباً قبل محمد صلى الله

стр. 353

عليه وسلم١ لم يكن مفروضاً؛ ولهذا حج موسى ويونس وغيرهما من الأنبياء. ثم قال: ولكن تحريم المحرمات ما يشاركهم فيه أهل الكتاب، والختان يشاركهم فيه اليهود. وأطال الرد والنقل عن ابن قتيبة٢ /﵀/٣، وذكر كلام ابن عطية٤ في قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى﴾ ٥ أنه أعانه وأقامه على غير الطريق التي كان عليها، هذا قول الحسن والضحاك٦. قال: والضلال يختلف، فمنه القريب ومنه البعيد. وكونه الإنسان /واقفاً/٧ لا يميّز بين المهيع٨ /٩/، ضلال قريب، لأنه لم يتمسك بطريقة١٠ ضالة، بل كان يرتاد وينظر١١.

стр. 354

قال: والمنقول أنه ﵇ كان قبل النبوّة يبغض عبادة الأصنام١، ولكن لم يكن ينهى عنها نهياً عاماً، وإنما كان ينهى خواصه. وساق ما رواه أبو يعلى الموصلي٢ وفيه: " فأتى النبي ﷺ فطاف بالبيت وين الصفا والمروة، وكان٣ عند الصفا والمروة صنمان من نحاس، أحدهما إساف /وألآخر/٤ نائلة، وكان المشركون إذا طافوا تمسحون بهما، فقال النبي ﷺ لزيد /٥: لا تمسحهما فإنهما رجس ". فقلت في نفسي: لأمسهما حتى أنظر ما يقول، فمسستهما، فقال: (يا زيد ألم /تُنْهَ /٦) ٧.

стр. 355

وقال أبو عبد الله المقدسي١: (هذا حديث حسن له شاهد في الصحيح) . والحديث معروف، وقد اختصره البيهقي٢، وزاد فيه: قال زيد بن حارثة٣:والذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب، ما استلم صنماً قط، حتى أكرمه الله بالذي أكرمه٤. وفي قصة بحيرى٥ الراهب، حين حلف باللات والعزى، فقال النبي ﷺ " لا تسالنّ باللات والعزى، فهو الله ما أبغضت بغضهما شيئاً قطّ" ٦. وكان الله قد نزّهه عن أعمال الجاهلية، فلم يكن يشهد مجامع لَهْوِهِم، وكان إذا همُّوا بشيءٍ من ذلك ضرب الله على أذنه فأنامه، وقد روى البيهقي وغيره في ذلك آثاراً ٧ وكانت قريش يكشفون عوراتهم لشيل حجر ونحوه، فنزّهه الله عن ذلك،

стр. 356

كما في الصحيين من قول جابر.١ وفي مسند أحمد زيادة: (فنودي: لا تكشف عورتك، فألقى الحجر ولبس ثوبه) ٢. وكانوا يسمونه: الصادق الأمين٣. وكان الله قد صانه عن قبائحهم، ولم يعرف منه قط كذبة ولا خيانة ولا فاحشة ولا ظلم قبل النبوة٤، بل شهد مع عمومته حِلفَ المطيبين٥ على نصر المظلومين.

стр. 357

وأما الإقرار بالصانع وعبادته، والإقرار بأن السماوات والأرض مخلوقة له، محدثة بعد أن لم تكن، وأنه لا خالق غيره، فهذا كان عامتهم يعرفونه ويقرون به١، فكيف لا يعرفه هو ولا يقر به وذكر الشيخ بعض علامات النبوّة، وتغيّر العالم بمولده، ثم قال: لكن هذا لا يجب /أنه/٢ يكون مثله لكل نبي، فإنه أفضل الأنبياء، وهو سيد ولد آدم٣، والله سبحانه إذا أهّلَ /عبداً/٤ لأعلى المنازل والمراتب، ربّاه على قدر تلك

стр. 358

المرتبة، فلا يلزم إذا عصم نبياً، أن يكون معصوماً قبل النبوة من كبائر الإثم والفواحش، صغيرها وكبيرها، ولا يكون كل نبي كذلك. ولا يلزم إذا كان الله بغّض إليه شرك قومه قبل النبوة، أن يكون كل نبي كذلك، كما عُرف من حال نبينا ﷺ ، وفضائله لا تناقض ما روي من أخبار غيره، إذا كان كذلك، ولا يمتنع كونه نبياً، لأن الله تعالى فضّل بعض النبيين على بعض١ كما فضّلهم بالشرائع والكتب والأمم، وهذا أصل يجب اعتباره. وقد أخبر الله أن لوطاً كان من أمة إبراهيم، وممن آمن له٢ وأن الله أرسله. والرسول الذي نشأ بين أهل الكفر الذين لا نبوة لهم، ثم يبعثه الله فيهم يكون أكمل وأعظم ممن كان من قوم لا يعرفونه، فإنه يكون بتأييد الله له أعظم من جهة تأييده بالعلم والهدى، ومن جهة تأييده بالنصر والقهر٣. قلت: وبهذا يظهر اختلاف درجات الأنبياء والرسل، وعدم الاحتياج إلى التكليف في الجواب عن مثل آية إبراهيم٤ ونحوها، وإن قصارى ما يقال في مثل قوله /تعالى/٥ لنبينا: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى﴾ ٦ وقوله: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الأِيمَانُ﴾ ٧..............................................

стр. 359

/هو/١ عدم العلم بما جاء /به/٢ من النبوة والرسالة، وتفاصيل ما تضمن ذلك من الأحكام الشرعية والأصولية الإيمانية، وهذا غاية ما تيسّر لنا في هذا المقام الضنك، الذي أحجم عنه فحول الرجال، وأهل الفضائل والكمال، ونستغفر الله من التجاسر والوثوب على الكلام في مثل هذا المبحث٣ الذي زلّت فيه أقدام وضلّت فيه أفهام، واضطربت فيه أقوال الأئمة الأعلام. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 360

الرسالة الرابعة عشرة: محمد بن عون ... (الرِّسَالَةُ الرابعَةُ عَشَرَةِ) قال جامع الرسائل وله أيضاً -قدّس الله روحه ونوّر ضريحه- رسالة إلى محمد بن عون، نزيل عمان، وسبب ذلك: أوراق ألقيت إلى حضرة الشيخ الإمام، وعلم الهداة الأعلام، الشيخ عبد اللطيف ﵀ حاصلها التلبيس والتشويش على عوام المسلمين. فأجابه -رحمه الله تعالى- بما كشف عن قناع هذه الشبهة الباطلة، /والتمويهات التي هي عن الصراط السوي مائلة/٢ مع أنَّ صاحبها من الجهلة الطغام، ومن جملة سائمة الأنعام.٣ وهذا نص الجواب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم: محمد بن عون، سلمه الله تعالى، وأعانه على ذكره وشكره، ووفقه للجهاد في سبيله، ومراغمة من تجهَّم، أو نافق، أو ارتدَّ، من أهل دهره، وعصره؛ سلام عليكم ورحمة الله، وبركاته. وبعد: فنحمد إليكم الله، الذي لا إله إلا هو على ما منّ به من سوابغ إنعامه، وجزيل فضله وإكرامه. والخط وصل، وصلك الله ما يرضيه، وسرّنا سلامتكم وعاقيتكم. وما ذكرت صار معلوماً، والواجب على المكلفين، في كل زمان ومكان، الأخذ بما صح وثبت، عن رسول الله ﷺ ، وليس لأحد أن يعدل عن ذلك إلى غيره.

стр. 361

ومن عجز عن ذلك في شيء من أمر دينه، فعليه بما كان عليه السلف الصالح، والصدر الأول، فإن لم يدر شيئاً من ذلك، وصح عنده عن أحد من الأئمة الأربعة المقلَّدين، الذين لهم لسان صدق في الأمة، فتقليدهم سائغٌ حينئذٍ. فإن كان المكلَّف أنزل قدراً، وأقل علماً، وأنقص فهماً، من أن يعرف شيئاً من ذلك، فليتق الله ما استطاع، وليقلد الأعلم من أهل زمانه، أو من قبلهم، خصوصاً من عُرِف بمتابعة السًنَّة، وسلامة العقيدة، والبراءة من أهل البدع؛ فهؤلاء أحرى الناس، وأقربهم إلى الصواب، وأن يلهموا الحكمة، وتنطق بها ألسنتهم؛ فاعرف هذا، فإنه مهم جداً. ثم لا يخفاك أنه قد ألقي إلينا أوراق وردت من جهة عمان، كتبها بعض الضالين، ليُلبِّس ويُشَوِّش بها على عوام المسلمين، ويتشبع بما لم /يعط/١، من معرفة الإيمان والدين. وبالوقوف على أوراقهم، يَعرف المؤمن حقيقة حالهم، وبعيد ضلالهم، وكثافة أفهامهم؛ وأنّهم ملبوس عليهم، لم يعرفوا ما جاءت به الرسل، ولم يتصوّروه، فضلاً عن أن يدينوا به ويلتزموه. وأسئلتهم وقعت لا لطلب الفائدة والفهم، بل للتشكيك، والتمويه، والتحلي بالرسم، والوهم. ومن السنن المأثورة، عن سلف الأمة وأئمتها، وعن إمام السنة أبي عبد الله، أحمد ابن محمد بن حنبل -قدس الله روحه- التشديد في هجرهم، وإهمالهم، وترك جدالهم، وإطراح كلامهم، والتباعد عنهم /حسب/٢ الإمكان، والتقرب إلى الله بمقتهم، وذمهم، وعيبهم. وقد ذكر الأئمة من ذلك، جملة في كتب السنة، مثل: كتاب السنة لعبد الله٣ بن الإمام أحمد والسنة للخلاّل٤،.......................

стр. 362

والسنة لأبي بكر الأثرم١، والسنة لأبي القاسم اللالكائي٢، وأمثالهم. فالواجب: نهي أهل الإسلام، عن سماع كلامهم، ومجادلتهم؛ لاسيما وقد اقفرَّ ربعُ العلم في تلك البلاد، وانطمست أعلامه. قال في الكافية الشافية -/رحمه الله تعالى/٣ -: فانظر ترى لكن نرى لك تركها ... حذراً عليك مصائد الشيطان فشباكها والله لم يعلق بها ... من ذي جناح قاصر الطيران إلا رأيت الطير في /شبك/٤ الردى ... يبكي له نوحٌ على الأغصان٥ وإذا عُرِف هذا، فأحد الورقتين، المشار إليهما، ابتدأها الملحد الجاهل، بسؤال يدل على إفلاسه من العلم، ويشهد بجهالته وضلالته. وهو قوله: الرؤية الثابتة، عند أهل السنة والجماعة في الجنة٦، هل هي بصفات

стр. 363

الجلال، أو الجمال، أو الكمال؟! ولم يشعر هذا الجاهل الضال، أنّ الرُّؤية تقع على الذات المتصفة بكل وصف، يليق بعظمته، وإلهيّته، وربوبيّته، من جلال، وجمال، وكمال؛ وأن صفات الجلال ترجع إلى الملك، والمجد، والسلطان، والعزة. والجمال وصف ذاتي، كما أن الجلال كذلك، والكمال /حاصل بكل/١ صفة من صفاته العُلى، فله الجلال الكامل، والجمال الكامل، والمجد، والعزة والسلطان التي لا تُضاهى ولا تماثل؛ فهذه أوصاف ذاتية، لا تنفك عنه في حال من الأحوال، وإنما يقال: تجلّى بالجلال، والمجد، والعزة، والسلطان، إذا ظهرت آثار تلك الصفات؛ كما يقال: تجلّى بالرحمة، والكرم، والعفو، والإحسان، إذا ظهرت آثار تلك الصفات في العالم؛ ويستحيل أن يرى تعالى، وقد تخلف عن صفة جلال وجمال وكمال. ولو وقف هذا الغبي، على ما جاء في الكتاب والسنة، من إثبات الرؤية، وتقريرها، ولم يتجاوز ذلك، إلى تخليط، صَدَرَ عن من لا يدري السبيل، ولم يقم بقلبه شيءٌ من عظمة الربّ الكبير الجليل، لكان أقرب إلى إيمانه، وإسلامه. وأما قوله: وما الفرق ين صفات المعاني، والمعنوية٢؟ فهذه الكلمة، لو فرضت صحتها، فالجهل بها لا يضر، ولم تأت الرسل بما يدلّ أن

стр. 364

من صفات الله ما هو من المعاني، وما هو من الصفات المعنوية؛ وهذا التقسيم: يطالب به الأشعرية١، والكرامية٢، ونحوهم؛ فلسنا منهم في شيء. والعلم: آية محكمة؛ أو فريضة عادلة؛ أو /سنة متبعة/٣؛ هكذا سبيله، /وما سوى ذلك/٤ فالواجب: إطراحه وتركه؛ والعلم كل العلم، في الوقوف /مع ألفاظ الرسول/٥، وترك ما أحدثه الناس، من /العبارات/٦ المبتدعة. ومن الأصول المعتبرة، والقواعد المقررة، عند أهل السنة والجماعة، أن الله تعالى، لا يوصف إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، لا يتجاوز ذلك أهل العلم والإيمان، ولا يتكلَّفون علمَ ما لم يصف الربّ ﵎ /به نفسه/٧، وما لم يصفه به رسوله ﷺ ؛ والله أكبر، وأجل، وأعظم، في صدور أوليائه وعباده المؤمنين، من أن يتكلّموا في صفاته، بمجرّد /آرائهم/٨، واصطلاحاتهم، وعبارات متكلّميهم.

стр. 365

وأما قول السائل: وهل صفات المعاني ثابتة في ذات الله؟ فهذه عبارة نبطيّة١ أعجمية، لأنه /إنْ/٢ أريد بالإضافة، إضافة الدال /على المدلول/٣، فكل صفاته تعالى، لها معان ثابتة لذاته المقدسة، وأي وصف ينفكّ /عن هذا/٤، لو كانوا يعلمون. وإن أريد بالإضافة، إضافة الصفة للموصوف، أي المعاني الموصوفة، فالمعاني الموصوفة، منها صفات أفعال، وصفات ذات. وأما قوله: وما الاعتبارات الأربع؟ فهذه كلمة ملحونة، أعجمية؛ والعرب تقول: الاعتبارات الأربعة، لا الأربع؛ والحكم معروف في باب العدد٥؛ وأما معناها، فهو إلى الألغاز، والأحاجي، أقرب منه إلى الكشف، والإيضاح في السؤال؛ فالحساب تجري فيه اعتبارات أربعة، من جهة لفظه، وإفراده، وجمعه، وتصحيحه؛ وكسر، وضربه، وطرحه؛ وتجري الاعتبارات الأربعة، فما فوق في أبواب الفقه، من كتب الفروع، من كتاب الطهارة، إلى أبواب العتق، والإِقرار. وكثير من عباراته تختلف مفهوماتها، باختلاف عباراتها، وكذلك المقدّمات العقلية، والأدلة النظرية، والبديهيات الذهنيّة، والضروريات الحسيّة، لها اعتبارات، ولها حالات، ولها مراتب، ودرجات، يطلق عليها لفظ الاعتبارات. وكذلك قوله: وما الوجود الأربع؟ عبارة ملحونة أعجمية، فقد يراد بها ما يوجد في الأعيان، والأذهان، واللسان،

стр. 366

والبنان١. وقد يراد بها غير ذلك، من مراتب وجود العلم٢، أو وجود الوحي، فإنه قسم هذا التقسيم، باعتبار إدخال الإِلهام في مسمى الوحي٣. وكذلك الجهل، له مراتب أربع، فمنه الجهل المركب، ومنه البسيط، وكلاً منهما، إما في السمعيات، أو العقليات؛ وكذلك الأخبار قطعية وظنية. وبالجملة: فالاِعتبارات الأربعة، والوجود، ونحو ذلك، تقع على كل ما تناله العبارة، ويصدق عليه اللفظ في أي فن، وأي حكم، فإن قال: المراد بالاعتبارات، والوجود، باعتبار صفاته تعالى، قلنا: تقسيم الاعتبارات والوجود، يختلف باختلاف المقاصد، والإِصطلاح؛ وليس في كلام السلف، ما يجيز الخوض، في اصطلاحات المتكلمين، والأشاعرة. وأما الفرق: بين الدليل، والبرهان: فالدليل: في اصطلاح الأصوليين، والفقهاء، ما يستدل به على إثبات الحكم وصحته؛ والبرهان: ذكر الحجة بدليلها.

стр. 367

وأما الفرق بين العهد والميثاق: فهو اعتباري، والمفهوم واحد١، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ ٤ وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ﴾ ٥ وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ ٦ وطالع عبارات المفسرين٧. وأما العهود التي أخذها الله من عباده، فلا يسأل عن كميتها، إذ لا يعلمها إلا الله، قال تعالى: ﴿وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ ٨، وكل رسولٍ يؤخذ عليه، وعلى قومه العهد؛ فكيف يسأل عن كميتها؟ ومن ادعى علمها فهو كاذب؛ نعم: ما ذكر في القرآن، من أخذ العهد على الأنبياء، وعلى الأمم، كبني إسرائيل، وعلى بني آدم كافة، كما في آية يَس، وأخذ العهد على الذرية، فهذا معروف محصور. وأما قوله: وما العهود التي عاهدها معهم؟ فهذه عبارة: أعجمية، جاهلية؛ فالله عهد إليهم، ولم /يعاهدهم/٩ هو، بل هم

стр. 368

عاهدوه، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّه﴾ ١، ولم يقل عاهدهم الله أبداً، فالمعاهدون هم العباد، والله عهد إليهم، وعاهدوه هم، ولم /يعاهدهم/٢ هو؛ فاعرف جهل السائل، وعجميّته. وأما قوله: وكم من تعلقات للقدرة، والإرادة، والعلم، والكلام؟ فاللفظ: أعوج، ملحون، لا تأتي: (من) بعد (كم) الاستفهامية أبداً؛ والرجل غلبت عليه العجمة في الفهم، والتعبير. فإن أريد بالتعليق، كون الأشياء، بالقدرة، والإرادة، والعلم، والكلام؛ فأي فرد من أفراد الكائنات، يخرج عن هذا؟ ولا يتعلق به؟!. وأما قوله: وما علة نفي الحروف السبعة، من فاتحة الكتاب٣؟ فهذا: عدم، لا نفي، والعدم لا يعلل؛ فلا يقال: لم عدمت بقية حروف الهجاء، من سورة الإخلاص مثلاً، أو من بسم الله الرحمن الرحيم؟ لأن المعنى المراد، حاصل بالحروف المذكورة، والتراكيب المسطورة، والعدم لا يعلّل، وإن عُلّل، فعلَّته عدمية. والسائل رأى كلمات مسطورة، فظنّها داخلة في مسمَّى العلّة، وإنما هي: جهالات، /وضلالات/٤، كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً.٥ آخر ما /وجد/٦ من هذه الرسالة، /والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. آمين/٧.

стр. 369

الرسالة الخامسة عشرة: إلى صالح محمد الشثري ... (الرِّسَالَةُ الخَامِسَةُ عَشَرَةِ) قال جامع الرسائل: وله أيضاً -قدس الله روحه، ونور ضريحه- رسالة إلى صالح بن محمد الشثري٢ جواباً على سؤاله عن تفسير السبحات بالنور، هل هو من التأويل المردود أو لا؟ فأجابه رحمه الله تعالى بما نصه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم صالح بن محمد الشثري،-سدده الله فيما يعيد ويبدي- سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فأحمد إليك الله، الذي لا إلَه إلا هو، على سوابغ نعمه، والخط وصل –وصلك الله ما يرضيه، وتقبل دعوتك، وتجاوز عن سيئاتي وسيئاتك،- وسرنا بالإخبار عن عافيتك وسلامتك، ونهنئك بما هنأتنا به، جعلنا الله وإياك، من الفائزين برضاه، والمسارعين إلى العمل بما يحبه ويرضاه، ومنّ علينا باغتنام الصحة والفراغ، وأعاذنا من الغبن في هاتين النعمتين٣، اللتين هما سفينة النجاة، ومركب أهل الصدق في المعاملات. وتسأل –رحمك الله- عن تفسير السبحات بالنور٤، هل هو من التأويل المردود، أو لا؟ فلا يخفاك أنّ التأويل بالمعنى الأعم، يدخل فيه مثل هذه، وقد حكاه جمعٌ من أهل الإِثبات؛ وأما التأويل بالمعنى الأخص، عند الجهمية ومن نحا نحوهم، فليس؛ لأنهم أولوا النور الذي هو اسمه وصفته، بما يرجع إلى فعله وخلقه٥؛ وليس

стр. 370

هذا١ منه؛ وقد فسرت السّبحات بالعظم، لأن أصل السبحة، من التنزيه والتقديس؛ وفسّرت: بضوء الوجه المقدّس؛ وفسرت بمحاسينه، لأن من رأى الشيء الحسن، والوجه الحسن، سبَّح باريه وخالقه؛ وقيل هي باقية على أصلها، لأن التسبيح التزيه. وقيل سبحات وجهه في الحديث٢، جملة معترضة. يريد قائل هذا إسناد الفعل إلى الوجه المنزه، حكاه ابن الأثير؛ وقال: الأقرب أن المعنى، لو انكشف من أنواره التي تحجب العباد شيءٌ، لأهلك كل من وقع عليه ذلك النور، كما خرَّ موسى صعقا، وتقطَّع الجبل، لمّا تجلَّى سبحانه وتعالى٣؛ وهذا لا يبعد، إن أريد نور الذات، هذا ما ظهر لي. وبلّغ سلامنا الشيخ عبد الملك٤، والأخ حمد وعيالكم، ولا تنسانا من صالح الدعاء في هذه الليال المباركات. والعيال بخير وينهون السلام. /وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه وسلّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين/.٥

стр. 371

الرسالة السادسة عشر: إلى محمد بن راشد الجابري ... (الرِّسَالَةُ السَادِِسَةُ عَشَرَةِ) قال جامع الرسائل: وله أيضاً /-قدس الله روحه ونوّر ضريحه-/٢ رسالة، جواباً لمسائل وردت عليه من محمد بن راشد الجابري. الأولى: فيمن آمن بلفظ الاستواء ولكن نازع في المعنى، وزعم أنه /هو/٣ الاستيلاء. الثانية: عن رفع اليدين بالدعاء في الصلاة. الثالثة: عن الفطرة عن صوم رمضان. الرابعة: عن الابتداء بفاتحة الكتاب كلَّما أراد تلاوة القرآن. الخامسة: عن الرجل الذي يخالط أهل بلدته ومحلته، ويرجو بمخالطتهم أن يجيبوا إلى الإسلام وإلى السنة، ويتركوا ما هم عليه من شرك أو بدعة أو فواحش. السادسة: البداءة بالسلام على الكافر. فأجاب /﵀/٤ بما نصه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم محمد بن راشد الجابري –سلّمه الله تعالى- سلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ وبعد:

стр. 372

فنحمد إليكم الله، الذي لا إله إلاّ هو، وهو للحمد أهلٌ، وهو على كل شيء قدير. والسؤالات وصلت. فأما السؤال الأول: فيمن آمن بلفظ الاستواء الوارد في كتاب الله، لكن نازع في المعنى، وزعم أنه الاستيلاء: فهذا جهميّ١ معطّلٌ، ضالٌ، مخالفٌ لنصوص الكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة؛ وهذا القول هو المعروف عند السلف، عن جهم وشيعته الجهمية؛ فإنهم لم يصرحوا بردّ ألفاظ القرآن، كالاستواء، وغيره، من الصفات؛ وإنما خالفوا السلف في المعنى المراد. وقولهم هذا، لا يعرف في المسلمين، إلاّ عن الجهم بن صفوان، تلميذ الجعد بن درهم؛ وكان الجعد قد سكن حرّان، مخالط الصابئة واليهود، وأخذ عنهم من المقالات والمذاهب المكفِّرة، ما أنكره عليه كافة أهل الإِسلام، وكفَّروه بذلك، حتى إنّ خالد

стр. 373

ابن عبد الله القسري -أمير واسط في خلافة بني أمية- قتل الجعد، وضحى به يوم العيد الأكبر، فقال وهو على المنبر: (أيُّها الناس، ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإنِّي مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يكلّم موسى تكليماً، ولم يتخذ إبراهيم خليلاً) ثم نزل فذبحه١، وشكره على هذا الفعل، وصوّبه أهل السنة. وإنما قال الجعد هذه المقالة، لاعتقاده أن الخلّة، والتكليم، والاستواء، ونحو ذلك، من الصفات، لا تكون إلاّ من صفات المخلوقات، وخصائص المحدثات، وهذا المذهب نشأ من سوء اعتقادهم، وعدم فهمهم لما يراد، وما يليق من المعنى المختص بالله تعالى، فظنوا ظن السوء بالله وصفاته، ثم أخذوا في نفيها، وتعطيلها، وتحريف الكلم عن مواضعه، والإِلحاد في أسمائه، ولو عرفوا أنّ ما يثبت لله من الصفات، لا يشبه صفات المخلوقات، بل هو بحسب عظمة الذات، وكل شيء صفاته بحسب ذاته، فكما أننا نثبت لله تعالى ذاتاً لا تشبه الذوات، فكذلك نثبت له صفات، لا تشبه صفات المخلوقات٢؛ لو عرفوا هذا، لسلموا من التعطيل. وعلى قولهم، ومذهبهم الخبيث: لا يعبدون رباً موصوفاً بصفات الكمال، وصفات العظمة والجلال؛ وإنما يعبدون ذاتاً موصوفاً مجرّدة عن الصفات، فهم -كما قال بعض العلماء: لا يعبدون واحداً، أحداً، فرداً صمداً، وإنما يعبدون خيالاً عدمًا٣. وهذا المذهب اشتهر بعد الجعد بن درهم، عن تلميذه جهم بن صفوان؛ ولذلك يسمى أهل هذا المذهب، عند السلف، وأئمة الأمة: جهميّة، نسبة إلى جهم.

стр. 374

ثمّ أعلن به وأظهره بشر المريسي١، وأصحابه، في أوائل المائة الثالثة، لأنهم تمكّنوا من بعض ملوك بني العباس٢، وصار لهم عنده جاه ومنزله، فقويت بذلك شوكة الجهمية، وكثر شرُّهم، وعظم على الإِسلام وأهله كيدهم، وضررهم، حتى امتحنوا من لم يوافقهم على بدعتهم وضلالتهم، فشرّدوا بعض أهل السنة عن أوطانهم، وحبسوا وضربوا، وقتلوا على هذا المذهب٣. وجرى على إمام السنة، الإِمام المبجّل أحمد بن حنبل من ذلك أشدّ امتحان وأعظم بليّة، وضُرب حتى أغشي عليه من الضرب، فإذا جادله منهم مجادل، قال: ائتوني بشيء من كلام الله، وكلام رسوله، حتى أجيبكم إليه٤، فيأبون ويرجعون إلى شبه الفلاسفة، واليونان، وهو مع ذلك يكشف لهم الشبه، ويبّين بطلانها، بأدلّة الكتاب،

стр. 375

والسنة، وإجماع الأمة، والأدلة العقلية الصريحة١. وصنّف في ذلك كتابه المعروف، في الرد على الزناقة، والجهمية٢، وهو كتاب جليل، لا يستغنى عنه طالب العلم. والمقصود أن علماء الأمة، أنكروا مذهب الجهمية، أشدّ الإِنكار، وصرحوا بأنه من مذاهب الضلاّل والكفار، ولم يخالف في ذلك أحد منهم، وقد جمع الإِمام اللالكائي٣، جملة من كلام السلف في تكفيرهم، وتضليلهم؛ في كتابه الذي سماه: "كاشف الغمة، عن معتقد أهل السنة"٤ ومختصر كتابه، موجود عندكم في الساحل، قدم به: عبد الله بن معيذر٥، عام اثنين وسبعين، وهو وقف على طلبة العلم الشريف. إذا عرف هذا، فأهل السنّة متفقون، في كل مصر، وعصر، على أن الله موصوف بصفات الكمال، ونعوت الجلال، التي جاء بها الكتاب، والسنة؛ يثبتون لله، ما أثبته

стр. 376

لنفسه المقدّسة، وما وصفه به رسوله ﷺ ، من غير تمثيل، ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تشبيه؛ لا يبتدعون لله وصفاً، لم يرد به كتاب ولا سنة١، فإن الله تعالى: أعظم، وأجل، وأكبر في صدور أوليائه المؤمنين، من أن يتجاسروا على وصفه، ونعته، بمجرد عقولهم، وآرائهم، وخيالات أوهامهم؛ بل هم منتهون في ذلك إلى حيث انتهى بهم الكتاب والسنة، لا يتجاوزون ذلك بزيادة، على ما وصف الرب به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ ، ولا يعطلون ما ورد /في/٢ الكتاب والسنة، من صفات الكمال، ونعوت الجلال، وينكرون تعطيل معنى الإِستواء، وتفسيره بالاستيلاء؛ ويتبرؤون من مذهب من قال ذلك، وعطّل الصفات، من الجهمية وأتباعهم؛ وقد وقع في هذا كثير ممن ينتسب إلى أبي الحسن الأشعري٣؛ وظنّه بعض الناس من مذهب أهل السنة والجماعة؛ وسبب ذلك: هو الجهل بالمقالات، والمذاهب، وما كان عليه السلف.

стр. 377

قال حذيفة ﵁: (كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، /وكنت/١ أسأله عن الشر، مخافة الوقوع فيه) ٢. فالواجب على من له نهمة في الخير، وطلب العلم أن يبحث عن مذاهب السلف، وأقوالهم في هذا الأصل العظيم، الذي قد يكفر الإِنسان بالغلط فيه، ويعرف مذاهب الناس في مثل ذلك؛ وأن يطلب العلم من معدنه ومشكاته، وهو ما جاء به محمد ﷺ من الكتاب والحكمة، وما كان عليه سلف الأمة قال الله تعالى: ﴿آلمص كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ٤.فإذا وفق العبد لهذا، وبحث عن تفاسير السلف، وأئمة الهدى، ورزق مع ذلك معلّماً، من أهل السنة، فقد احتضنته السعادة، ونزلت به أسباب التوفيق والسيادة. وإن كان نظر العبد وميله، إلى كلام اليونان، وأهل المنطق، والكلام، ومشائخه من أهل البدعة والجدل، فقد احتوشته أسباب الشقاوة، ونزلت/به/٥ وحلت قريباً من داره موجبات الطرد عن مائدة الرب وكتابه. ومن عدم العلم، فليبتهل إلى معلّم إبراهيم، في أن يهديه إلى صراطه المستقيم، وليتفطّن لهذا الدعاء إذا دعا به في صلاته، ويعرف شدة فقره إليه وحاجته. وأما من جحد لفظ الاستواء، ولم يؤمن به، فهو أيضاً كافر؛ وكفره أغلظ وأفحش

стр. 378

من كفر من قبله،١ وهو كمن كفر بالقرآن كله؛ ولا نعلم أحداً قال هذا القول، ممن يدعي الإِسلام، ويؤمن برسالة محمد ﷺ ؛ والجهمي يوافق على كفر هذا، ولا يُشكِلُ كفر هذا على من عرف شيئاً من الإِسلام. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ ٢ أي: بالقرآن٣. وأما قول الرجل: استوى، من غير مماسة للعرش٤؛ فقد قدّمنا أن مذهب السلف، وأئمة الإِسلام، عدم الزيادة، والمجاوزة، لما في الكتاب والسنة، وأنهم يقفون وينتهون، حيث وقف الكتاب، والسنة، وحيث انتهيا. قال الإِمام أحمد -رحمة الله عليه-: (لا يوصف الله تعالى، إلاّ بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله) ٥ انتهى. وذلك لعلمهم بالله وعظمته في صدورهم، وشدّة هيبتهم له، وعظيم إجلاله. ولفظ المماسة لفظ مخترع، مبتدع، لم يقله أحدٌ ممن يقتدى به، ويتّبع، وإن أريد به نفي ما دلّت عليه النصوص من الاستواء، والعلوّ، أو الارتفاع، والفوقيّة، فهو قول باطل، ضالٌ، قائله مخالف للكتاب والسنة، ولإجماع سلف الأمة، مكابر للعقول الصحيحة، والنصوص الصريحة، وهو جهمي لا ريب، من جنس من قبله؛ وإن لم يرد هذا المعنى، بل أثبت العلو والفوقية، والارتفاع الذي دلَّ عليه لفظ الاستواء، فيقال فيه هو مبتدع ضالٌ، قال في الصفات قولاً مشتبهاً موهماً، فهذا اللفظ لا يجوز نفيه، ولا إثباته٦.

стр. 379

والواجب في هذا الباب: متابعة الكتاب والسنة، والتعبير بالعبارات السلفية السنيَّة الإيمانية، وترك المتشابه. وأما من يقول: إذا قلتم إنّ الله على العرش استوى، فأخبروني قبل أن يخلق العرش، كيف كان، وأين كان، وفي أي مكان؟! وجوابه: أن يقال، أما كيف كان فقد أجاب عنه إمام دار الهجرة، الذي تضرب إليه أكباد الإِبل، في طلب العلم النبوي، والميراث المحمدي، قال له السائل، يا أبا عبد الله١: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٢ كيف استوى؟ فقال مالك: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة؛ وأمر بالسائل فأخرج عنه٣، فأخبر ﵀ أن الكيف غير معلوم، لأنه لا يعلم إلاّ بعلم كيفية الذات، وقد حجب العباد عن معرفة ذلك، لكمال عظمته، وعظيم جلاله، وعقول العباد، لا يمكنها إدراك ذلك، ولا تحمله، وإنما أمروا بالنظر، والتفكُّر، فيما خلق وقدر؛ وإنما يقال: "كيف /هو/"٤ لمن لم يكن ثم كان؛ فأمَّا الذي لا يحول ولا يزول، ولم يزل، وليس له /نظير ولا/٥ مثل، فإنه لا يعلم كيف هو، وكيف يعرف قدر من لم يبد، ولم يمت، ولا يبلى. "وكيف" يكون لصفة شيء منه حد ومنتهى، يعرفه عارف، أو يحدّ قدره

стр. 380

واصف لأنّه الحق المبين، لا حق أحق منه، ولا شيء أبين منه؛ والعقول عاجزة قاصرة عن تحقيق صفة أصغر خلقه، كالبعوضة، وهو لا يكاد يرى، ومع ذلك يحول ويزول، ولا يرى له سمع ولا بصر، فما يتقلب به، ويحتال من عقله أخفى وأعضل مما ظهر من سمعه وبصره فتبارك الله أحسن الخالقين ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١. وقال بعضهم٢ مخاطباً للزمخشري٣، منكراً عليه نفي الصفات: شعر: قل لمن يفهم عني ما أقول ... قصر القول فذا شرح يطول أنت لا تفهم إياك لا ... من أنت ولا كيف الوصول لا ولا تدري خفايا رُكَّبت ... بك حارت في خباياها العقول أنت آكل الخبز لا تعرفه ... كيف يجري منك أم كيف تبول تبولتبول أين منك الروح في جوهرها ... كيف تسري فيك أم كيف تحول فإذا كانت طواياك التي ... بين جنبيك /كذا فيها ضلول/٤ كيف تدري من على العرش استوى ... لا تقل كيف استوى كيف النزول٥ وبالجملة: فهذا السؤال، سؤال مبتدع، جاهل بربه؛ وكيف يقول: إذا قلتم، إنّ الله على العرش استوى، وهو يسمع: إثبات الاِستواء، في سبعة مواضع من القرآن٦.

стр. 381

وأما قوله: أين كان قبل أن يخلق العرش؟ فهذه المسألة ليس فيها تكييف، ولا ابتداع، وقد خرج الترمذي جوابها، مرفوعاً، من حديث: أبي رزين العقيلي١، أنه قال: يا رسول الله، أين كان ربنا، قيل أن يخلق الخلق؟ قال: (/كان/٢ في عماءٍ، ما فوقه هواء، وما تحته هواء) ٣ انتهى الحديث٤. فهذا جواب، مرفوع إلى النبي ﷺ قد قبله الحفاظ، وصحّحوه. والعماء: هو السحاب الكثيف٥.

стр. 382

قال يزيد بن هارون١، إمام أهل اليمن، من أكابر الطبقة الثالثة، من طبقات التابعين، ومن ساداتهم، معناه: ليس معه شيء٢. وأما قول السائل: [وفي أي مكان؟] ٣، وفي زعم هذا القائل: إنه بذلك ينبغي حاجة الرب إلى العرش. فيقال: ليس في إثبات الاِستواء على العرش، ما يوجب الحاجة إليه، أو فقر الرب تعالى وتقدس، إلى شيء من خلقه؛ فإنه سبحانه هو الغني بذاته عما سواه٤، وغناه من لوازم ذاته، والمخلوقات بأسرها – العرش فما دونه – فقيرة محتاجة إليه تعالى، في إيجادها، وفي قيامها، لأنه لا قيام لها إلاّ بأمره، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ ٥ والسماء: اسم لما علا وارتفع؛ فهو اسم جنس، يقع على العرش، قال تعالى: ﴿ءَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ ٦ الآية؛ وبحوله وقوّته حمل العرش، و/حمل/٧ حملة العرش؛ وهو الذي ﴿يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ﴾ ٨ الآية؛ وجميع المخلوقات: مشتركون في الفقر، والحاجة، إلى بارئهم، وفاطرهم. وقد قرّر

стр. 383

سبحانه كمال غناه، وفقر عباده إليه، في مواضع من كتابه١، واستدّل بكمال غناه، المستلزم لأحديّته، في الردّ على النصارى، وإبطال ما قالوه من الإِفك العظيم، والشرك الوخيم، قال تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ ٢ الآية؛ وكمال غناه يستلزم نفي الصحبة، والولد٣، ونفي الحاجة إلى جميع المخلوقات، ولا يظنّ أحدٌ يعرف ربّه، أو شيئاً من عظمته وغناه ومجده، أنه محتاج إلى العرش، أو غيره؛ وإنّما يتوّهم هذا من هو في غاية الجهالة والضلالة، ومن لم يعرف شيئاً من آثار النبوة والرسالة؛ ومن فسدت فطرته، ومسخ عقله، بنظره في كلام الجهمية، وأشباههم، حتى اجتالته الشياطين، فلم يبق معه أثارة من علم، ولا نصيب من فهم. بل استواؤه على عرشه، صفة كمال، وعز، وسلطان٤؛ وهو من معنى اسمه (الظاهر) ومعناه: الذي ليس فوقه شيء؛ والعلو، علو الذات، وعلوّ القهر، وعلوّ السلطان، كلّها ثابتة لله، وهي صفات كمال، تدلّ على غناه، وعلى فقر المخلوقات إليه. والذي ينبغي لأمثالنا: ترك الخوض مع هؤلاء المبتدعة الضلال، وترك مجالستهم. قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ ٥، وأكثر المعطلة، يزعمون أن تعطيلهم، تنزيه للربّ عما لا يليق به، فساء ظنّهم، وغلظ حجابهم، حتى توهّموا: أنّ إثبات ما في الكتاب والسنّة، على ما فهمه سلف الأمة مما ينزّه الرّب، ﵎ عنه.

стр. 384

المسألة الثانية: وأما مسألة رفع اليدين /بالدعاء/١ في الصلاة، فالذي /يثبت/٢ عنه ﷺ أنه كان يرقع يديه إذا اجتهد في الدعاء٣ وليس ذلك من السنن المتعلّقة

стр. 385

بالصلاة كما يظنّه بعض من لم يعرف السنّة، فإنّه لم ينقل عنه ﷺ

стр. 386

ولا عن أصحابه ملازمة ذلك وفعله عقب كل صلاة. المسألة الثالثة: وأما الفطرة عن صوم رمضان، فجمهور العلماء يرون أنه لا يجزي /إلا صاع كاملٌ/١ من أي صنف من الأصناف المذكورة في حديث أبي سعيد٢ وابن عمر وغيرهما٣، وهي الطعام والشعير والتمر والأقط والزبيب.٤ وذهب جمع إلى جواز الإخراج من غالب قوت البلد٥، أي قوتٍ كان، كالذرة والأرز ونحوها. وذهب بعضهم إلى أن نصف الصاع من سمراء الشام (وهو البر) يجزي عن صاع من غيره. وهذا القول قاله معاوية ورآه رأياً له، وليس بمرفوع٦، وقد خالفه أبو

стр. 387

سعيد الخدري، ولم يوافقه عليه١، وبعض العلماء وافق معاوية على ذلك وقليل ما هم٢. المسألة الرابعة: وأما الابتداء بفاتحة الكتاب /كلّما/٣ أراد تلاوة القرآن؛ فلا أرى الإنكار على من فعل ذلك، لما ثبت في الحديث الصحيح، من قصة الأنصاري الذي كان يقرأ سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ٤، في كل ركعة، يكررها إذا أراد القراءة بغيرها، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ وقال: "سلوه لم فعل ذلك" فقال: إنِّي أحبها، لأن فيها صفة الرحمن، قال النبي ﷺ : "أخبروه أن الله يحبه" ٥.

стр. 388

فمن قرأ فاتحة الكتاب أو غيرها بقصد يضاهي هذا ويشابهه، فلا حرج عليه، وأما إن قرأها قبل كل قراءة معتقداً أن الله أمر بذلك، أو أن رسول الله ﷺ سنَّه، فهذا يعرّف بالسنة ويُخْبر بها، وأنها إنما يبتدأ بها القراءة في الصلاة١ لا في سائر أحوال التلاوة. (المسألة الخامسة) : وأما الرجل الذي يخالط أهل بلده ومحلته، ويرجو بمخالطتهم أن يجيبوه إلى الإسلام وإلى السنة، ويتركوا٢ ما هم عليه من شرك أو بدعة أو فواحش. فهذا يلزمه خلطتهم ودعوتهم إن أمن الفتنة، لما في ذلك من المصلحة الراجحة، على مصلحة الهجر والاعتزال. ورؤية المنكر إذا رجا بها إزالته وتغييره، وأمن الفتنة به، ولم يكن تحصيل المصالح الدينية إلاّ بذلك، فلا حرج عليه، بل ربما تأكد واستحب٣. وبلغني أن شيخ الإسلام ابن تيمية -قدّس الله روحه- كان يخرج إلى عسكر التتار لما نزلوا الشام المرة الأولى حول دمشق، ويجتمع بأميرهم ويأمره وينهاه٤. ويرى في

стр. 389

خروجه عندهم شيئاً من المنكرات. وقد أراد بعض الأفاضل ممن صحبه في /إحدى/١ تلك المرات أن ينكر على جماعة منهم، ما رآه يدور بينهم من كاسات الخمر، فقال له الشيخ: لا تفعل، إنهم لو تركوا هذا زاد شرهم على أموال المسلمين وحرمهم٢. (المسألة السادسة) : وأما البداءة بالسلام، فلا ينبغي أن يُبدأ الكافر بالسلام٣، بل هو تحية أهل البداءة بالسلام على الكافر الإسلام، لكن إن خاف مفسدة راجحة أو فوات مصلحة

стр. 390

...........................................................................
следующие страницы →