← Фатава

Фатава · id 12033

عيون الرسائل والأجوبة على المسائل

عبد اللطيف آل الشيخ

Полный текст (983 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

الرسالة الثانية والعشرون: إلى محمد بن علي آل موسى، وإبراهيم بن راشد، وإبراهيم بن مرشد ... (الرسالة الثانية والعشرون) قال جامع الرسائل وله أيضاً –رحمه الله تعالى، وصب عليه من شآبيب٢ بره ووالى- رسالة إلى محمد بن علي آل موسى، وإبراهيم بن راشد، وإبراهيم بن مرشد؛ وقد ذكروا له ما وقع الناس فيه من مداهنة المشركين والإعراض عن دين المرسلين. وقد تقدم نظير هذه الرسالة في المغني٣، ولكن لمسيس الحاجة والسبب الباعث ما اكتفى بما سبق ولا استغنى، بل نصح ووضح، وكشف قناع الإشكال، وما /أبقى/٤ /لمشتبه/٥ حجة ولا مقال، وكذلك بسبب ما حدث من تسهيل /أمر/٦ السفر إلى بلاد المشركين، وأن غاية ما يفعل مع المسافر، الهجر وترك السلام، من غير تعنيف ولا تخشين. /والمشتبه/٧ يزعم أن الشيخ عبد الرحمن٨ أفتى بذلك إن صح الخبر. فإن ثبت فيحمل على قضية خاصة، يحصل بها المقصود والقصد، أو بما ستقف عليه من /المحمول/٩ التي لا يعرفها كل /مشتبه/١٠ جاهل، والوجوه /التي/١١ ذكرها

стр. 457

الشيخ. فتأملها أيها المنصف، وتعقلها بشراشر١ قلبك، لعلك عن الشبهات٢ أن تعرف، وللحق الواضح والباطل الفاضح تفرق وتعرف. وهذا نص الرسالة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الإخوان المكرمين: محمد بن علي آل موسى، وإبراهيم بن راشد، وإبراهيم بن مرشد، سلمهم الله تعالى وتولاهم. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فأحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو على نعمه. والخط وصل –وصلكم الله ما يرضيه. وسرنا سلامة من نحب ونشفق عليه. وما ذكرتم مما وقع فيه الناس من مداهنة المشركين، والإعراض عن دين المرسلين، فالأمر كما ذكرتم، أو فوق ما إليه أشرتم. وقد سبق مني لكم جواب، وأخبرتكم أن هذا من أكبر الوسائل وأعظم الذرائع إلى ظهور الشرك، ونسيان التوحيد. وأن من أعظم ذلك وأفحشه ما يصدر من بعض من يظنه العامة من أهل اعلم، وحملة الدين، وما يصدر منهم من التشبيه، والعبارات التي لم يتصل سندها، ولم يعصم قائلها، وبهذا ونحوه اتسع الخرق. وفي حديث ثوبان: "وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين" ٣. وهو يتناول من له إمامة، ممن ينتسب إلى العلم والدين، وكذلك الأمراء.

стр. 458

وأبيات عبد الله بن المبارك١ معلومة لديكم في هذين الصنفين، أعني قوله: وهل أفسد الدين إلا الملو ... ك وأحبار سوء ورهبانها٢ وفي مثل هؤلاء قال قتادة: فوالله ما آسي عليهم، ولكن آسي على من هلكوا. أو كما نقلتم عن بعضهم، أنه زعم أن الشيخ الوالد –قدس الله روحه ونور ضريحه أفتى فيمن يسافر إلى بلاد المشركين، بأن غاية ما يفعل معه، هو الهجر وترك السلام بلا تعنيف ولا ضرب. وهذه غلطة من ناقلها، لم يفهم مراد الشيخ إن صح نقله، ولم /يدر/٣ مايراد بها. وهذا النقل يطالب بصحته أولاً، فإن ثبت بنقل عدل ضابط، فيحمل على قضية خاصة، يحصل بها المقصود بمجرد الهجر، وهي فيمن ليس له ولاية، ولا سلطان له على الأمراء والنواب، ويترتب على تعزيزه الهجر مفسدة الافتيات على ولي الأمر والنواب، ونحو هذه المحامل. ويتعين هذا إن صحت، لأن هذا /ذنب/٤ قد تقرر أنه من الكبائر المتوعد صاحبها بالوعيد الشديد، بنص القرآن وإجماع أهل العلم، إلا لمن أظهر دينه، وهو العارف به، القادر على الاستدلال عليه، وعلى إظهاره، فإنه مستثنى من العموم. وأما غيره، فالآية تتناوله بنصها، لأن الإقامة تصدق على القليل والكثير. فالكبائر التي ليس فيها حد، يرجع فيه إلأى ما تقتضيه المصلحة، من التعزير كالهجر والضرب، وقد يقع التعزير

стр. 459

بالقتل، كما في حديث شارب الخمر، ( ... فإن شربها في الرابعة فاقتلوه) ١. وقد أفتى شيخ الإسلام بقتل من شرب الخمر في نهار رمضان٢، /إذا/٣ لم يندفع شره إلا بذلك٤. وأفتى بحل دم من جمز٥ إلى بلاد التتار، وكثر سوادهم، وأخذ ماله٦. وكل هذا من التعازير التي يرجع فيها إلى ما يحصل به درء المفسدة، وحصول المصلحة، وأفتى في التعزير في أخذ المال إذا كان فيه مصلحة٧. وقد عرفتم أن أكبر المصالح، منع هذا الضرب بأي طريق، وأنه لا يستقيم حال وإسلام لمن ينتسب إلى الإسلام، مع المخالطة والمقارفة الشركية، لوجوه، (منها) : عدم معرفة أصول الدين وأحكام الله في هذا ونحوه. (ومنها) : العجز عن إظهاره لو عرفوه (ومنها) : أن العدو محارب، قد سار إلى بلاد المسلمين، واستولى على بعضها، فليس حكمه كحكم غيره، بل هذا، جهاده يجب على كل أحد فيض عين، لا فرض كفاية، كما هو منصوص عليه٨. (ومنها) أن تلك البلاد ملئت بالمشبهين والصادين عن سبيل الله ممن ينتسب إلى العلم، ويسمون أهل التوحيد الغلاة، كما سماهم إخوانهم خوارج. والهجرة لها /مقصودان/٩: الفرار من الفتنة وخوف المفسدة الشركية. والثاني: مجتهدة أعداء الله، والتحيز إلى أهل الإسلام.

стр. 460

وقد كانت شرطاً في أول الإسلام مع ضعف المسلمين، وخوف المشركين، وشدة بأسهم، وكثرة الأسباب الداعية إلى الفتنة، والسر فيها لا يهدر ولا يطرح في كل مقام، لا سيما والمقارف لهذا الفعل /وغيره/١ من الأفعال الموجبة للردة كثير جداً. فالنجا النجا٢ والوحى الوحى٣ قبل أن يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً٤، ولعل الله أن يمن بخط مبسوط يأتيكم بعد هذا، فيه التعريج على كل شيء من نصوص أهل العلم، وبيان كذب هذا المفتري على الشيخ. وأهل المذهب لا يختلفون في أن حكم الإقامة، يمنع منه من عجز عن إظهار دينه. /و/٥ في الحديث: "ما ضل قوم بعد هدي كانوا عليه، إلا أعطوا الجدل"٦، [ومنعوا العمل] ٧

стр. 461

وما وقع فيه الناس، وابتلي به أكثر من ثلب١ بعض مشايخكم، فقد علمتم ما يؤثر عن السلف، أن علامة أهل البدع، الوقوع في أهل الأثر؛ وهؤلاء إذا قيل لهم هاتوا، حققوا، واكتبوا لنا ما تنقمون، وقروا الحجة بما تدعون، أحجموا عند ذلك، وعجزوا عم مقاومة الخصوم، ومتى يدرك الظالع٢ شأو٣ الضليع٤ شعر: أماني تلقاها لكل متبر ... حقيقتها نبذ الهدى والشعائر وحسابنا وحسابهم على الله، الذي تنكشف عنده السرائر، وتظهر مخبئات الصدور والضمائر. /وبلغوا سلامنا إخوانكم/٥ الذين جردوا متابعة الرسول، ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ ٦، ولم ينتسبوا إلى قيس ويمن، كما وقع عندكم فيمن فرقوا دينهم وكانوا شيعاً. حمانا الله وإياكم، وثبتنا على دينه. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً /كثيراً/٧.

стр. 462

الرسالة الثالثة والعشرون: إلى الإخوان محمد بن علي وإبراهيم بن راشد ... (الرسالة الثالثة والعشرون) قال جامع الرسائل وله أيضاً -قدس الله روحه ونور ضريحه- رسالة إلى الإخوان محمد بن علي٢ وإبراهيم بن راشد٣ وإخوانهم. يحرضهم فيها ويذكرهم ما سبق إليهم من المكاتبات٤ في شأن هذه الحوادث العمي العظام، التي قلعت أصول الإسلام، والتبس الأمر بسببها على من ينتسب إلى العلم، وخفي عليه المخرج والحكم، واتبعهم في ذلك جمهور أهل الأهواء، ولم يلتفتوا إلا /إلى منهجه/٥ الإهلاك والإغواء، وتركوا طريق من يدعوهم إلى الحق والهدى، ويبصرهم بنور الله أسباب النجاة والتقى، حتى أعضل فادح تلك الحوادث، وطغى على القلوب ما طغى من تلك الكوارث، فما ارعوى إلى الحق أكثرهم وما استرشد، فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد. وقد سأله الإخوان عن حكم من يسافر إلى بلاد المشركين التي يعجز فيها عن إظهار ما وجب من التوحيد والدين٦، ويعلل بأنه لا يسلم عليهم ولا يجالسهم، ولا /يبحثون/٧ عن سره. إلى غير ذلك من تعليل الجاهلية. فأجاب ﵀-٨ يما ستقف عليه من التحقيق والسلوك إلى أٌقوم منهج وطريق، وهذا نص الرسالة:

стр. 463

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأولاد المكرمين محمد بن علي، وإبراهيم بن راشد، وإبراهيم بن مرشد، وعثمان بن مرشد، سلمهم الله تعالى، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فنحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، كثير الخير دائم المعروف. والخط وصل بما اشتمل عليه من الوصية، جعلنا وإياكم ممن يقبل النصائح، ويدرأ المقت والفضائح وجاءكم /مني/١ مكتبات في /هذه/٢ الحوادث العمي، ولم يبلغني /عنكم ما يسر/٣ من القبول والقيام لله. والحق على طالب العلم، والمنتسب إلى الدين والفهم، أكبر منه على غيره، والواجب عليه آكد. والعاقل لا يرضى على نفسه سبيل أهل المداهنة والبطالة. وقد دهم الإسلام من الحوادث ما تعجز عن حمله الجبال الراسيات، وتصغر في جنبه كل المحن والمصيبات،٤ فما مضت فتنة إلا ما هو أكبر من الشرك والكفريات. ومع ذلك، فكثير من الناس قد التبس عليه الأمر، وخفي عليه المخرج والحكم، وكثر الخوض والاعتراض من بعض من ينتسب إلى القراء، ويدعي الفهم والطلب، واتبع جمهور أولئك ما يهواه، من غير بينة ولا سلطان. ولم يتهم أحد رأيه، ولم يرجع إلى المحاقة٥ والفكر، حتى انهدم بنيان الإسلام، ولم يستوحش الأكثرون من ولاية عباد الأوثان والأصنام.

стр. 464

وما أحسن ما قال سهل بن حنيف١ -فيما رواه البخاري- قال: حدثنا الحسن بن إسحاق٢ ثنا محمد بن سابق٣ حدثنا مالك بن مغول٤ قال: سمعت أبا حصين٥ قال: قال /أبو وائل/٦: لما قدم سهل بن حنيف من صفين، أتيناه نستخبره، فقال اتهموا الرأي، فلقد رأيتني يوم أبي جندل٧، ولو استطيع أن أرد على رسول الله ﷺ /أمراً أمره/٨ لرددت، والله ورسوله أعلم. وما وضعنا أسيافنا /على/٩ عواتقنا /لأمر يفظعنا/١٠.........................................

стр. 465

إلا /أسهلن/١ بنا إلى /أمر نعرفه/٢ قبل هذا الأمر، ما نسد منها خصماً إلا /تفجر علينا خصم/٣ ما ندري كيف نأتي له) ٤. وأما السؤال عمن سافر إلى بلد المشركين التي يعجز فيها عن إظهار ما وجب الله من التوحيد والدين، ويعلل بأنه لا يسلم عليهم، ولا يجالسهم، ولا يبحثونه عن سره، أو أنه يقصد التوصل إلى غير بلاد المشركين، نحو ذلك من /تعاليل/٥ الجاهلين. /فاعلموا/٦ أن تحريم ذلك السفر قد اشتهر بين الأمة، وافتى به جماهيرهم، وما ورد من الرخصة، محمول على من يقدر على إظهار دينه، أو على ما كان قبل الهجرة. ثم إن المنع قد أنيط بالمجامعة والمساكنة، وإن لم يحصل سلام ولا مجالسة، ولا بحث عن سره، كما في حديث سمرة: "من جامع المشرك /و/٧ سكن معه فإنه مثله" ٨. /فانظروا/٩ ما علق به الحكم من المساكنة والاجتماع، وتعليق الحكم بالمشتق يؤذن بالعلة؛ فإن وقع من ذلك سلام ومجالسة، أو فتنة بالبحث عن عقيدته وسره، عظم الأمر واشتد البلاء. وهذه محرمات مستقلة، يسضاعف بها الإثم والعذاب، فكيف تروج عليكم هذه الشبهات، ولكم في طلب العلم سنوات، وخوف الفتنة أحد مقاصد الهجرة، وهو غير منتف مع هذه التعاليل.

стр. 466

ومن مقاصد الهجرة، الانحياز إلأى الله بعبادته، والإنابة إليه، والجهاد في سبيله، ومراغمة أعدائه؛ وإلى رسوله بطاعته وتعزيره ونصره ولزوم جماعة المسلمين، ولذلك يقرن الهجرة والإيمان في غير موضع من كتاب الله١، وكل هذا غير حاصل؛ وإن فرض صدق القائل فيما علل به –والغالب كذب هذا الجنس- فإن الأعمال الظاهرة تنشأ عما في القلوب من الصدق والإخلاص أو عدمها. وقد عرفتم أن العامي الذي لا يعرف حدود ما أنزل الله على رسوله، ولم يلتفت إلى العلم، تسرع إليه الفتنة أسرع من السيل في منحدره، ولذلك غلب على كثير من الناس عدم النفرة، فرحل إليهم من رحل، وقبلوا رسائلهم وأفشوها في الناس، وأعانهم بعض المفتونين عن دينهم، وجالسوهم وأرسلوهم. /وبعضهم/٢ يقول: الدين في القلوب٣ ولم يلتفتوا إلى الأعمال الإسلامية والشرائع الإيمانية، ولو صدق ما زعموه في قلوبهم، لأطاعوا الله ورسوله واعتصموا به، أعاذنا الله وإياكم من معضلات الفتن. وحماية جناب التوحيد، وسد الذرائع الشركية من أكبر المقاصد الإسلامية، وقد ترجم شيخنا٤ في كتاب التوحيد لهذه القاعدة٥. فرحمه الله من إمام ما أفقهه في دين الله، وما أعظم غيرته لربه، وتعظيمه لحرماته، وما أحسن أثره على الناس.

стр. 467

وبلغوا سلامنا إبراهيم بن الشيخ وصالح بن محمد وخاص الأخوان، ومن لدينا العيال ينهون إليكم السلام. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 468

الرسالة الرابعة والعشرون: إلى حمد بن على وإبراهيم بن مرشد ... (الرسالة الرابعة والعشرون) قال جامع الرسائل وله أيضاً -قدس الله روحه ونور ضريحه- رسالة إلى من تقدم ذكرهم من الإخوان، وهذا نصها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، على الإخوان المكرمين محمد بن على وإبراهيم بن مرشد، وإبراهيم بن راشد وعثمان بن مرشد، سلمهم الله وعافاهم وأصلح بالهم وتولاهم. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فنحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو على نعمه، وعلى أقداره وحكمه. والخط وصل، وصلكم الله ما يرضيه. وما /ذكرتم/٢صار معلوماً، والله المسئول أن يمن علينا وعليكم عند الوحشة بذكره، والأنس بمجالسته، وعند ذهاب الإخوان بروح منه وسلطان. والذي أوصيكم به تقوى الله، ومعرفة تفاصيل ذلك على القلوب والجوارح، ومعرفة الأحكام الشرعية الدينية، عند تغير الزمان، وكثرة الفتن وظهور الهرج وقد ورد: "أن الله يحب البصر الناقد عند ورود الشبهات، والعقل الراجح عند منازعة الشهوات) ٣. وذكر أبو داود من أهل السنن ما ينبغي مراجعته

стр. 469

واستحضاره عند ذكر الفتن والملاحم١. وذكر ابن رجب٢في رسالته: (كشف الكربة في فضل الغربة) ٣ما يسلي المؤمن ويعزيه. وذكر ابن القيم ٤في المدارج، جملة صالحة. وفي الأثر: "العبادة في الهرج كهجرة إلي) ٥. وفي حديث الغرباء: للعامل منهم أجر خمسين من أصحاب رسول

стр. 470

الله صلى الله عليه وسلم١والذي أرى لكم في هذه الخلطة، الصبر على مقام الدعوة، والتلطف بالإبلاغ عن نبيكم. وهذا -مع القدرة وأمن الفتنة- أفضل من العزلة؛ والإقلال من مخالطة الناس لمن أمكنه- أسلم. وإني /لأود/٢ أن أكون مثل أحدكم في هذا الزمان، ولكنني ابتليت بالناس، وحيل بيتي وبين ذلك. والله المستعان وإليه المشتكى وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله. /وبلغوا سلامنا خواص الإخوان، ولدينا العيال والإخوان يسلمون عليكم وأنتم سالمين، والسلام./٣ وصلى الله على /عبده ورسوله/٤ محمد وآله وصحبه /البررة الكرام/٥ وسلم /تسليماً/٦.

стр. 471

الرسالة الخامسة والعشرون: إلى أبراهيم بن راشد وإبراهيم بن مرشد ... (الرسالة الخامسة والعشرون) قال جامع الرسائل وله أيضاً -قدس الله روحه ونور ضريحه- رسالة إلى من تقدم ذكرهم إلا محمد ابن علي، وهذا نصها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الإخوان المكرمين إبراهيم بن راشد، وإبراهيم بن مرشد وعثمان بن مرشد، سلمهم الله تعالى، وتولاهم في الدنيا والآخرة. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فأحمد إليكم الله على سوابغ إنعامه، ومزيد إحسانه وإكرامه، جعلنا الله وإياكم ممن عرف نعمة الله عليه، واستعملها فيما يقربه إليه. والخط وصل، وصلكم الله بالرضا، العذر مقبول، نسأل الله لنا ولكم العفو والقبول ونوصيكم بما أوصيتمونا به، ونزيدكم الوصية بميراث نبيكم والرغبة فيه، والمذاكرة في كل أوقاتكم، فإنكم في زمان قبض فيه العلم وفشي الجهل، وعدمت الحقائق الدينية، وإنما هي عادات ورسوم ينتحلها أكثر الخلق أما الخيام فإنها كخيامهم ورأى نساء الحي غير نسائها٢وبلغوا سلامنا إخوانكم، /ولا تغفلوا /٣ بصالح

стр. 472

الدعوات في هذه الليالي المباركات، جعلنا الله وإياكم من الفائزين بالقبول والرضا. والعيال يسلمون عليكم والسلام وصلى الله وسلم على/عبده ورسوله/١ محمد وعلى آله وصحبه /أجمعين/٢

стр. 473

الرسالة السادسة والعشرون: إلى الشيخ حمد بن عتيق ... (الرسالة السادسة والعشرون) قال جامع الرسائل وله أيضاً ﵀ رحمة الأبرار، وأسكنه جنات تجري من تحتها الأنهار- رسالة إلى الشيخ حمد بن عتيق٢رحمه الله، وقد راسله –أعني الشيخ حمد- برسالة، كأنه أساء فيها الأدب،/ولم يراع/٣حق من يتزاحم العلماء عنده بالركب، بل جرى على عادته في المراسلات والمكاتبة، ولم يمعن النظر فيما /أوعر/٤ به من المخاطبة، وكأنه في رسالته يحرص على التغليظ في الدعوة إلى الله، من غير نظر إلى جلب المصالح ودرء المفاسد. فبين له الشيخ ﵀ الخلق العظيم، والرأي/الرشيد/٥الحليم الذي كان لسيد المرسلين، وإمام المتقين، أنه /بدأ/٦ أولاً بالتلطف واللين، ثم آخراً بالغلظة. وذلك مع قوة الإسلام والمسلمين، وأن الغلظة ليست ديدانا لرسول الله ﷺ ولا لأتباعه في الدعوة إلى الله. ويا لله! كم في هذه الرسالة من الأصول، والمباحث المفيدة الجليلة، التي تطلع منها على بلاغة مبديها، وجلالة منشيها؛ وأن له في الميراث النبوي الحظ الوافر، وأن ينابيع علومه تنفجر من ذلك البحر الزاخر. وهذا نص الرسالة:

стр. 474

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الشيخ المكرم حمد بن عتيق، سلك الله بي وبه أهدى /منهج/١وطريق، ومنحنا بمنه حسن الدعوة إليه بالتحقيق. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فأني أحمد إليك الله /الذي لا إله إلا هو/٢سبحانه على نعمه. والخط وصل- وصلك الله بما يقربك إليه. وما أشرت إليه صار لدينا معلوماً، لا سيما الإشارة الخفية والنكت الأدبية التي منها تشبيه أخيك بالطير المبرقع٣؛ وإيراد /الوعظ/٤وأنت بمكان علو أرفع. وكنت حال وصوله قد قرأته بمرأى من أهل الأدب ومسمع؛ فمن قائل عند سماعه: هل الرجل طبعه الغلظة والجمود؟ وآخر يقول: كأنه لا يحسن الدعوة على ربنا المعبود! فقلت: كلا، غنه ابن جلا٥، وله السبق في مضمار الديانة والعلا، ولكن من عادته أنه يتجاسر على أحبابه، ويزدري رتب أخدانه وأتربه، والمحب له الدلال، والمرء يشرق بالزلال. فاعلم -هديت الطريق، وفزت بحظ من النظر والتحقيق-، أن الله لما ابتعث نبيه ﷺ بهذا الدين الحنيفي، /لم/ ٦يكن /أحد/٧ من أهل الأرض

стр. 475

عربيهم وعجميهم، قرويهم وبدويهم، يعرف الحق ويعمل به، إلا بقايا من أهل الكتاب. وأما الأكثرون، فقد اجتالتهم الضلالات والعادات عن فطرة الله التي فطر الناس عليها١.فأيد الله نبيه مع غربة هذا الدين، ومخالفته لما عليه الأكثرون، بأعظم حجة وآية، كانت لأكثر من أسلم /سبباً/٢ووقاية. وتلك هي الخلق العظيم، والرأي الراشد الحليم. فمكث على ذلك يدعو ويذكر ويعظ وينذر مع غاية في اللطف واللين، فتارة يكنى المخاطبين ٣، وطوراً يأتي نادي المتقدمين والمترأسين، وحيناً يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. وناهيك بخلق مدحه القرآن٤، وأثنى عليه حلمه في الدعوة والبيان، ولا يرد على هذا المعني قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ الآية٥. كما ظنه بعض المتطوعة، ديداناً لرسول الله ﷺ ، فإن هذا يصار إليه إذا تعينت الغلظة، /ولم يجد٦، اللين كما هو ظاهر مستبين، كما قيل: آخر الطب الكي٧. وهو أيضاً مع القدرة.

стр. 476

ويشترط أن لا يكون عليه مفسدة، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ١. وقد أخذ بعض الناس من هذا أن "درء المفاسد يقدم على جلب المصالح"٢كما هو مقرر في علم الأصول. ثم إن الآية -آية الغلظة- مدنية٣، بعد تمكن الرسول وأصحابه من الجهاد باليد، وظهور الاستمرار على الكفر من أعدائهم. فوقعت الغلظة في مركزها حيث لم ينفع اللين، وأسعد الناس بوراثة الرسول / ﷺ /٤ في دعوة الخلق، أكملهم متابعة له في هذا. وكان الصديق /﵁/٥ أكمل الناس، ولذلك أسلم على يديه وانتفع به أمم كثيرة، بخلاف غيره؛ فقد قيل لبعضهم "إن منكم منفرين" ٦. والقصد من التشريع والأمر، تحصيل المصالح ودرء المفاسد حسب الإمكان، وقد

стр. 477

لا يمكن إلا مع ارتكاب أخف الضررين١، أو تفويت أدنى المصلحتين. واعتبار الأشخاص والأزمان والأحوال أصل كبير، فمن أهمله وضيعه، على الشرع وعلى الناس، أعظم جناية، وقد قرر العلماء هذه الكليات والجزئيات، وفصلوا الآداب الشرعيات. فمن أراد أن ينصب نفسه في مقام الدعوة، فليتعلم أولاً وليزاحم ركب العلماء قبل أن يرأس، فيدعو بحجة ودليل، ويدري كيف السير في ذلك السبيل، فإن الصناعة لا يعرفها إلى من يعاينها، والعلوم لا يدريها إلا من أخذها عن أهلها، وصحب راويها. ما كل من طلب المعالي نافذا ... فيها ولا كل الرجال فحولاً٢ هذا وقد كنت أظن أنكم تحبون من هاجر إليكم، وتراعون حق أسلافه في المشيخة عليكم، وكأن العلم وتعليمه، وحق الشيخ وتكريمه، غير معتبر لدى الجمهور. بل قصدهم المناصب والظهور. /و/٣ قال الشيخ، وحدثنا، وجلس الأستاذ وأنبأنا، هو غاية قصد الأكثرين، إلا عباد الله المخلصين. والسلام عليكم وعلى من حضر من المسلمين، وما بسطت لك الكلام إلى محبة /وإعلاماً/٤. وصلى الله على محمد وآله وصحبه /وسلم/٥.

стр. 478

الرسالة السابعة والعشرون: إلى من وصل من المسلمين ... (الرسالة السابعة والعشرون) قال جامع الرسائل وله أيضاً -تغمده الله بإحسانه، وصب عليه من شآبيب بره وامتنانه، ونفعنا بعلومه الداعية إلى الرشاد، ورسائله المرشدة إلى هدي خير العباد، ونصائحه المؤذنة بحسن الدعوة إلى الله، ورد العباد إلى عبادة من لا نعبد إلا إياه، ولا رب لنا سواه- رسالة إلى من وصلت إليه من المسلمين، يحرضهم فيها إلى الجهاد في سبيل الله، والتزام أصول الدين، والاعتصام بحبل الله المتين. ويذكرهم نعمة الله التي امتن بها عليهم، على يد شيخ الإسلام، وقدوة العلماء الأعلام، الشيخ محمد بن عبد الوهاب؛ إذ كانوا قبله على جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء، وبدعة صماء، لا يعرفون من الإسلام إلى اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه، لا شعور لهم بدين الله الذي بعث به رسوله، ولا يعرفون منه التحقيق، لا فروعه ولا أصوله، فأنقذهم الله بدعوته من الغواية، وسلك بهم طريق أهل السعادة والهداية، وكثرهم الله بها بعد القلة، وأعزهم الله بها بعد الذلة٢، وصار بهذا الدين للعباد قادة، وانتهت إليهم به الرئاسة والسيادة.

стр. 479

ثم سار أبناؤه بعده على مناهجه، الدعوة إلى الله، و/الحض/١ على الجهاد في سبيل الله، ورد العباد إلى ما يحبه الله ويرضاه؛ فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين أحسن الجزاء، وبوءهم -بفضله ورحمته- الدرجات العلى. وهذا نص الرسالة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى من وصل إليه من المسلمين وفقهم الله للبر والتقوى، وسلك بهم سبيل الرشاد والهدى. سلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فقد سبق إليكم من النصائح والتذكير بآيات الله، والحث على لزوم جماعة المسلمين، ما فيه كفاية وهداية، لمن أحيا الله قلبه، وأراد الله هدايته، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: "الدين النصيحة، قالها ثلاثاً، قالوا: لمن يا رسول الله قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) ٢. فجعل الدين محصوراً في النصيحة، لأنها تتضمن أصوله وفروعه وقواعده المهمة، فيدخل فيها الإيمان بالله ومحبته وخشيته والخضوع له وتعظيمه وتعظيم أمره ونهيه، وتنزيهه عما لا يليق بجلاله وعظمته، من تعطيل وإلحاد، وشرك وتكذيب؛ لأن النصيحة خلوص الباطن والسر، من الغش والريب والحقد والتكذيب، وكل ما يضاد كمال الإيمان ويعارضه.

стр. 480

وكذلك النصيحة لكتابه: تتضمن العمل بمحكمه، والإيمان بمتشابهه، وتحليل حلاله وتحريم حرامه، والاعتبار بأمثاله، والوقوف عند عجائبه، ورد مسائل النزاع إليه، وترك الإلحاد في ألفاظه وعانيه. والنصح لرسوله: يقتضي الإيمان به وتصديقه ومحبته وتوقيره وتعزيره ومتابعته والانقياد لحكمه، والتسليم لأمره، وتقديمه على كل ما عارضه وخالفه من هوى أو بدعة أو قول. والنصح لأئمة المسلمين: أمرهم بطاعة الله ورسوله، وطاعتهم في المعروف، ومعاونتهم على القيام بأمر الله وبترك مشاقتهم ومنازعتهم١. والنصح لعامة المسلمين: هو تعليمهم وإرشادهم لما فيه صلاحهم وفلاحهم، والرفق بهم، وكفهم عما فيه هلاكهم وشقاؤهم، وذهاب دينهم ودنياهم، /من/٢ معصية الله ورسوله، ومخالفة أمره، ومشابهة الجاهلين، فيما كانوا عليه من التفرق

стр. 481

والاختلاف، وترك الحقوق الإسلامية.١ وفي الحديث: " ثلاث لا يغل٢ عليهن قلب رجل مسلم، إخلاص الدين لله، ومناصحة أئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم "٣ فأفاد أن هذه الثلاثة لا يدعها المسلم، إلا لغل في قلبه، بل المسلم الصادق في إسلامه، لا يكون إلأى مخلصاً دينه لله، مناصحاً لإمامه، ملازماً لجماعة المسلمين وقد دل القرآن على هذا في غير موضع، كقوله /تعالى/٤: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (آل عمران:١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ٥. فابتدأ الآية بأن يتقى حق التقاة، وأمر بالتزام الإسلام، والعض عليه بالنواجذ

стр. 482

حتى الممات، لأن قوله: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١، تحضيض وحث على التزامه في جميع أوقات العمر والساعات، ومن عاش على شيء، مات عليه. وقد أمر باعتصام بحبله، وهو دينه وكتابه٢، أمراً عاماً لجميع المكلفين، وسائر المخاطبين، لأن التقوى والتزام الإسلام، يتوقف على ذلك، ولا يحصل المقصود منه إلى باعتصام بحبل الله، وترك التفرق والاختلاف، لما /فيهما/٣ من فساد الدين، وهدم أصوله وقواعده. ثم ذكرهم بنعمته عليهم بتأليف قلوبهم واجتماعها بعد العداوة والبغضاء، فإن التفرق والاختلاف عذاب وهلاك وشقوة في العاجل والآجل؛ والجماعة والائتلاف رحمة وسعادة، ونعيم في العاجل والآجل، وأخبرهم أنهم كانوا على شفا حفرة من النار، بما كانوا عليه من الضلالة والجاهلية، فامتن عليهم وأنقذهم واجتباهم وهداهم وجمع قلوبهم، وشملهم بعد الفرقة الشتات، وأعزهم وأغناهم بعد الفقر والحاجات، فيا لها من نعم، ما أجلها، ومواهب ما أعظمها وأبرها، لمن عقلها وشكرها. ولذلك ختم الآية بقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ٤. فيه بيان الحكمة /المقتضية/٥ لبيان الآيات، والتذكر بالنعم، وأن المراد بها حصول الاهتداء، وترك

стр. 483

أسباب /الشقاء/١ والردى. وقد عرفتم ما كنتم عليه قبل هذه الدعوة الإسلامية، التي امتن الله بها على يد شيخنا ﵀. كنتم على جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء، وبدعة صماء، لا شعور لكم بدينه الذي ارتضاه لنفسه، ولا دراية لكم بما يجب له من صفات كماله، وجلال قدسه، ولا معرفة لديكم بما شرعه من أمره ونهيه، كما كنتم على غاية من التفرق والاختلاف /فبصركم/٢ الله بهذه الدعوة المباركة من العمى، وسلك بكم سبيل السعادة والهدى، وعلمكم من دينه وشرعه ما اصطفاكم به، واختاركم على من ضل وغوى، وجمعكم بعد الفرقة، وألف بين قلوبكم بعد العداوة والمشقة، وأعزكم على من عاداكم بعد المسكنة والذلة. فاشكروه على هذه النعم العظيمة، بالتزام طاعته، والمسارعة إلى مرضاته وغفرته، ولا تكونوا كالذين بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار٣، واشتروا الضلالة بالهدى، واستبدلوا السعادة بالشقاء، وتركوا البصيرة واختاروا العمى. وقد عرفتم أن الله افترض عليكم الجهاد في سبيله، وابتلاكم /بأعداء دينه/٤ ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين٥، ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ ٦ ٧.

стр. 484

وما أجرى الله وابتلى به من الزعازع١ والمحن، من أكبر وأعظم موجباته، مخالفة الأمر الشرعي، وترك طاعة الله ورسوله، والجهاد في سبيله، ولهذا يسلط /العدو/٢، وتنزع المهابة من صدور أعدائكم، وتضربون بسوط الذل والمهانة، كما جاءت به الآثار٣، وصحت به الأخبار، وشهد له النظر والاعتبار٤. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (الصف:١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ٥ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (الصف:١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ٦ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (الصف:١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (الصف:١٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ

стр. 485

اللَّهِ١ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ ٢. وفي الحديث: "من /مات و/٣ لم /يغز/٤ ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة من النفاق "٥. وقد صح عنه ﷺ أنه قال: "إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض" ٦. فاتقوا الله عباد الله، ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ ٧. جعلنا الله وإياكم ممن يقبل المواعظ والنصائح، ويدرأ أسباب المقت والفضائح. وأنتم في أمان الله وحفظه، والسلام. /وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم/٨.

стр. 486

الرسالة الثامنة والعشرون: إلى عبد الله بن نصير ... (الرسالة الثامنة والعشرون) قال جامع الرسائل وله أيضاً -قدس روحه ونور ضريحه- رسالة إلى الشيخ عبد الله بن نصير٢ وقد ذكر له الشيخ عبد الله في رسالته، كلام أبي بكر بن العربي المالكي٣ في معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ٤. فأجابه ﵀ بهذا الجواب الباهر الفائق، وأرخى عنان قلمه بميدان المعارف والحقائق، وكشف له القناع عن مدارك أحكام أهل التحقيق، ورفع له الأعلام إلى ذلك المهيع والطريق، وبين له –﵀ غلط أبي بكر بن العربي، فيما زعمه وقرره من أن معناه لبعض أهل السنة، وليس كما زعمه وحرره، بل إن ما اعتمده وعول عليه في معنى هذه الآية، هو كلام القدرية المجبرة٥. فأما أن يكون جهلاً منه، بأنه

стр. 487

مخالف لقول أهل السنة، أو تقليداً منه لمن كان يحسن فيه ظنه، هذا إن لم يكن موافقاً لهم في أصل الجبر، والقول به؛ فقد يدخل عليه كلامهم وكلام نظرائهم، فلا ينكره، بل يقرره ويأخذ به. وهذا نص الرسالة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المحب الشيخ عبد الله بن نصير، سلمه الله تعالى، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو على نعمه. والخط الذي ذكرت /فيه/١ كلام أبي بكر بن العربي المالكي، في معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ٢ قد وصل. وتأملته فوجدته قد اعتمد وعول في معنى هذه الآية، على القدرية المجبرة، وغلط في زعمه أن معناه لبعض أهل السنة. وابن العربي إن لم يكن موافقاً لهم في أصل الجبر والقول به، فقد يدخل عليه كلامهم وكلام نظرائهم، ولا ينكره، بل يأخذ به ويقرره؛ إما جهلاً منه بأنه مخالف لقول أهل السنة، أو تقليداً لمن يحسن به الظن، أو لأسباب أخرى، وليس هذا خاصاً به، بل قد وقع فيه كثير من أتباع الأئمة المنتسبين إلى أهل السنة. فإن قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ٣ أي إلا لتجري أفعالهم على

стр. 488

مقتضى قضائي، فيكون فعل العبد على مقتضى حكم المولى، وإنما يخرج فعل العبد عن حكم المولى إذا كان مغلوباً، والغالب لا يخرج شيء عن فعله، وهو الله وحده١ انتهى. وهذا الكلام بعينه هو كلام القدرية المجبرة فيما حكاه عنهم غير واحد٢؛ وهذا التعليل هو تعليلهم بعينه. وهذا القول يقتضي أنه سبحانه خلق الشاكر ليشكر، وليفجر ليفجر والكافر ليكفر، فما خرج أحد عما خلق له على هذا القول، لأن القدر جار بذلك كله، والقدرية المجبرة، دعاهم لهذا -فيما يزعمون- إبطال قول القدرية النفاة٣، ومصادمتهم في قولهم: أن الإرادة هي الأمر، يأمر بها الطائفتين، [فهؤلاء عبدوه بأن أحدثوا إرادتهم وطاعتهم، وهؤلاء /عصوه/٤ بأن أحدثوا إرادتهم ومعصيتهم] ٥. .......................

стр. 489

وحاصل قولهم إنكار القدر، وأن الأمر أنف١ فقابلهم أولئك بالقول بالجبر، وأنهم لا يخرجون عن قدره وقضائه، نظراً منهم إلى أن الأمر كائن بمشيئة الله وقدره [وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه تعالى خالق كل شيء وريه ومليكه، ولا يكون في مليكه شيء إلا بقدرته وخلقه ومشيئته] ٢. كما قلا تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ٣، و ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ٤، و ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ ٥، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ٦؛ ونحو ذلك من الآيات. ولا ريب أن هذا أصل عظيم من أصول الإيمان، لا بد منه في حصول الإيمان. وبإنكاره ضلت القدرية النفاة، وخالفوا جميع الصحابة وأئمة الإسلام، لكن لابد معه من الإيمان بالإرادة الشرعية الدينية٧ التي نزلت بها الكتب السماوية، ودلت عليها النصوص النبوية.

стр. 490

وأئمة المسلمين قد أثبتوا هذه وهذه، وذكروا الجمع بينهما١، وآمنوا بكل الأصلين، وفرقوا بين لام العلة الباعثة الفاعلة، وبين لام الغاية والصيرورة والعاقبة؛ والقرآن قد جاء ببيان اللامين، فالأولى في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ٢ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ٣ ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ ٤ والثانية: في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ ٥

стр. 491

﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾ ١ ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ ٢، على أحد القولين. فمن نفى الإرادة الشرعية الأمرية، فهو جبري ضال مبتدع. ومن نفى الإرادة الكونية القدرية، فهو قدري ضال مبتدع؛ ومن قال: إن العبادة في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ٣ بمعنى: إلا لتجري أفعالهم على مقتضى إرادتي الكونية٤ فقد أدخل جميع الخلق مؤمنهم وكافرهم، وبرهم وفاجرهم، في هذه العبادة، وجعل /عابد/٥ الأصنام والشيطان والأوثان /عابداً/٦ للرحمن قائماً بما خلق الله له الإنس والجان، لكن بمعنى جريان الإرادة القدرية الكونية عليهم، لا بمعنى الاتحاد والحلول٧.......

стр. 492

الذي قاله صاحب الفصوص١وطائفة الاتحاد الكفار٢. وقال قائلون بالجبر: لا شك أن الخلق معبدون بجريان الأقدار عليهم. يريدون أن ذلك هو المقصود بالآية، كما سيأتي حكاية هذا من غيرهم. والعبادة- /وإن كانت/٣ أقصى غاية الذل والخضوع مطلقاً٤كما في كقوله:

стр. 493

تبارى عتاقاً ناجيات وأتبعت ... وظيفاً وظيفاً فوق مور معبد١ فهي في الشرع، أخص من ذلك، لأنها اسم للطاعة والانقياد للأوامر الشرعية الدينية، التي دعت إليها الرسل، ودلت عليها الكتب السماوية. كما فسر ابن عباس ﵁ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ ٢بتوحيده وإخلاص العبادة له٣نظراً منه إلى الحقيقة الشرعية، لا إلى أصل الأوضاع اللغوية. وقد اعترض ابن جرير هنا بأصل الوضع واللغة٤. والحق ما قاله ابن عباس، خلافاً لابن جرير، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ ٥وتعليلهم ما قالوه بأن العبد لا يخرج عن فعل المولى مغلوباً، والله تعالى هو الغالب وحده، أو نحو هذا التعليل. فهذا قد احتجوا به على القدرية النفاة، وهو احتجاج صحيح على من نفى القدر، وزعم أن العبد يخلق أفعال نفسه؛ لأن الله تعالى لا يعصى عنوة، بل علمه وقدرته وعزته وحكمته وربوبيته العامة، وكلماته التامة التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر٦، مانعة ومبطلة لقول القدرية النفاة. فإن الصحابة قاطبة وسائر أهل السنة والجماعة، متفقون على أنه ما شاء الله كان، وما لم يكن،

стр. 494

ويؤمنون بأن الله ﵎ عالم بجميع الكائنات قبل أن تكون، كيف تكون١. وغلاة منكري القدر قد أنكروا هذا العلم٢فكفرهم بذلك الأئمة، أحمد وغيره٣وأما من قال بإثبات القدر خيره وشره، /حلوه/٤ ومره، فلا يلزمه، ولا يرد عليه ما ورد على القدرية النفاة، من لزوم خروج العبد على فعل المولى. وإن قال: أن العبد قد يخرج عن الإرادة الدينية الشرعية، إلى ما يضادها من المعاصي والكفر والفسوق، فيكون بذلك مخالفاً للأوامر الشرعية، وإن كان داخلاً تحت المشيئة الكونية القدرية؛ فالخروج عن القدر والمشيئة نوع آخر. فالأول غير ممكن لجميع المخلوقات، لجريان الأقدار عليهم طوعاً وكرهاً. وأما الثاني فيقع من الأكثر، ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ٥. ولله في خروج الأكثر عن أمره حكمة يحبها ويرضاها، لائقة بعلمه وحكمته، وعدله وربوبيته، يستحق أن يحمد عليها. وقد رأيت لشيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى- كلاماً حسناً في معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ٦ذكر فيه ستة أقوال٧: أحدها: قول نفاة الحكم، كالأشاعرة٨.............................................................

стр. 495

ومن وافقهم كالقاضي أبي يعلى١، وابن الزاغوني٢ والجويني٣ والباجي٤ وهو وقول جهم بن صفوان٥ ومن اتبعه من المجبرة، /القائلين/٦ بنفي الحكمة، وأنها تفضي إلى الحاجة. فنفوا أن يكون في القرآن لام كي، وقالوا: يفعل ما يشاء لا لحكمة، فأثبتوا القدرة والمشيئة، وهذا تعظيم، ونفوا الحكمة لظنهم أنها تستلزم الحاجة٧. الثاني: قول المعتزلة٨ ومن وافقهم: وهو أنه تعالى يخلق ويأمر، لحكمة تعود إلى العبادة وهي نفعهم، والإحسان إليهم، فلم بخلق ولم يأمر إلا لذلك، لكن قالوا بأنه يخلق من يتضرر بالخلق، فتناقضوا بذلك. ثم افترقوا على قولين:
следующие страницы →