الرسالة الثامنة عشرة: إلى صالح بن عثمان بن عقيل
...
(الرِّسَالَةُ الثَامِنَةُ عَشَرَةِ)
قال جامع الرسائل:
وله أيضاً –قدس الله روحه ونوّر ضريحه- رسالة إلى صالح بن عثمان ابن عقيل١، [سأله٢ عن السّمْتِ والهدي والاقتصاد، وعن التؤدة، وعن الرؤيا التي ذُكرت في الأحاديث ما معناها، وهل هذه الخصال جزء من أربع وعشرين جزء من النبوّة فأجابه –﵀ وعفا عنه-] ٣ /بما نصه/٤:٥
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم صالح بن عثمان بن عقيل –سلّمه الله تعالى- وتولاّنا وإيّاه في الدنيا والآخرة، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ أما بعد: فأحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، على ما أنعم به من سوابغ نعمه، وألبس من ملابس فضله وكرمه، جعلنا الله وإيّاكم ممن عرف نعمة الله عليه، فاستعان بها فيما يقرِّبه إليه.
والوصية الجامعة العظمى، ما أوصى الله به سبحانه من التقوى، وتفاصيلها على القلوب والجوارح بحسب الأحوال والأوقات، لا يخفى على من له /به/٦ اهتمام، وله إليه التفات، والأحاديث التي سألت عن معناها٧، قد تكلم عليها
стр. 423
بعض العلماء بما حاصله: أنَّ السَّمْت١ والهدي، في حالة الرجل ومذهبه وخلقه، وأصل السمت في اللغة: الطريق المنقاد٢، ثم نقل لحالة الرجل وطريقته في المذهب والخلق.
والاقتصاد: سلوك القصد في الأمر، والدخول فيه برفق، وعلى سبيل يمكن الدوام عليه٣، وأمّا التؤدة: فهي التأنِّي والتمهُّل، وترك العجلة وسبق الفكر والرؤية للتلبس في الأمور.
وأما كون هذه الخصال /جزءاً/٤ من أربع وعشرين /جزءاً/٥ من النبوة، فقد قيل: إنّ هذه الخلال من شمائل الأنبياء ﵈، ومن الخصال المعدودة من
стр. 424
خصالهم، /وأنها/١ جزء من أجزاء فضائلهم، فاقتدوا بهم فيها، وتابعوهم عليها قالوا: وليس معنى الحديث أن النبوّة تتجزّأ، ولا أنَّ من جمع هذه الخلال كان فيه جزء من النبوّة؛ فإنَّ النبوة غير مكتسبة، ولا مجتلبة بالأسباب٢، وإنما هي كرامة من الله تعالى، وخصوصيّة لمن أراد الله إكرامه من عباده، ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ٣، فقد انقطعت النبوّة بمحمد ﷺ .٤
وفيه وجه آخر وهو: أن يكون معنى النبوة ها هنا، ما جاءت به النبوّة، ودعت إليه
стр. 425
الأنبياء ﵈؛ يعني أن هذه الخلال من خمسة وعشرين جزءاً مما جاءت به النبوّات، ودعت إليه الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وقد أُمرنا بإتباعهم في قوله : ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ١.
قالوا: وقد يحتمل وجهاً آخر وهو: أن من اجتمعت له هذه الخصال، لقيه الناس بالتعظيم والتوقير، وألبسه الله لباس التقوى، الذي يلبسه أنبياءه، فكأنّها جزءٌ من النبوّة٢.
قلت: وما قبل هذا أليق بمعنى الحديث.
وأما حديث الرُّؤيا٣، فقيل٤، معناه: تحقيق أمر الرؤيا وتأكيده، وهو جزء من أجزاء النبوّة في الأنبياء صلوات الله عليهم دون غيرهم، لأنَّ رؤيا الأنبياء وحيٌ. قال عمرو بن دينار٥ عن عبيد بن عمير٦: (رؤيا الأنبياء ﵈ وحيٌ، وقرأ قوله : ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ ٧) .٨
стр. 426
وأما تحديد الأجزاء بالعدد المذكور في الحديث، فقد قال فيه بعض أهل العلم: إنه أوحي إليه ﷺ بمكة ستة أشهر في منامه، ثم توالى الوحي يقظةً إلى أن توفي ﷺ وكانت مدة الوحي ثلاثاً وعشرين سنة، منها نصف سنة في أول الأمر، يوحى إليه في منامه، ونسبة الستة الأشهر لبقيّة مدة الوحي، جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة.
وسئل بعض أهل العلم عن هذا الحديث قال: معناه أنّ الرؤيا تجيء على موافقة النبوّة لأنها جزء من باق النبوّة.
وقال بعضهم: إنها جزء من أجزاء علم النبوّة، /وعلم النبوّة/١ باقٍ، والنبوّة غير باقية بعد رسول الله ﷺ . "ذهبت النبوّة وبقيت المبشِّرات، الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو ترى له "٢،.٣
وعندي أن النبوة التي هي الوحي بشرائع الأنبياء، عبارة عن نبأ أو شأن عظيم في القوة، وإفادة اليقين، والرؤيا الصالحة التي هي من أقسام الوحي جزء باعتبار القوة، وإفادة العلم من ستة وأربعين جزءاً، ولا يقتضي هذا تجزؤ النبوة، وأنها مكتسبة، ولا إطلاق اسم النبوة على هذا الجزء، لأن المسمى هو الكل المستجمع لجميع الأجزاء فلا
стр. 427
محذور. ويمكن أن يقال هذا فيما تقدم من قوله: "الهدي الصالح والسمت الصالح والاقتصاد جزء من خمس وعشرين جزءاً١ من النبوة" ٢. هذا ما ظهر لي، والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم /تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. تحريراً في ٢٩ صفر ١٣١٩هـ/٣.
стр. 428
الرسالة التاسعة عشرة: إلى الإمام فيصل
...
(الرِّسَالَةُ التَّاسِعَةُ عَشَرَةِ)
قال جامع الرسائل:
وله أيضاً -قدس الله روحه ونوَّر ضريحه- رسالة إلى الإمام فيصل٢ ﵀، نصحه فيها، وذكّره نعمة الله على خلقه ببعثة محمد ﷺ ، حتى أكمل الله به الدين، وبلَّغ البلاغ المبين، وترك الناس على المحجة، حتّى /لم يبق/٣ لأحد على الله حجَّة٤. وذكر أنه ﷺ مع ما أيّده الله به من الآيات، والأدلّة القاطعة، والبراهين الساطعة الدالة على صدقه، وثبوت رسالته؛ كابر مَن كابر وعاند مَن عاند، حتى ظهر الإسلام ظهوراً ما حصل قبل ذلك، وعلت كلمة الله، وظهر دينه فيما هنالك؛ ولم يزل ذلك في زيادة وظهور، حتى حدث في الناس من فتنة الشهوات، والاتساع في فعل المحرَّمات، فضعُفت القوَّةُ الإسلامية، وغَلِظَتْ الحجب الشهوانيّة، حتى ضعف العلم بحقائق الإيمان، وما كان عليه الصدر الأول من العلوم والشأن؛ فوقعت عند ذلك فتنة الشبهات، وتوالدت تلك المآثم والسيِّئات. وذكر له ﵀ أنّ الله يبعث لهذه الأمة في كل قرن من يجدد لها أمر دينها، ولكن لا بد له من معارض معاند.
ثمّ ذكّره ﵀ ما منَّ الله به عليهم واختصّهم به من بين الأمم بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب -أجزل الله له الأجر والثواب، وأدخله الجنة بغير حساب ولا عذاب- وما حصل /بها/٥ من ظهور الإسلام، وتبين الدين والأحكام،
стр. 429
إلى أن حصل ممن بعده من فتنة الشهوات، والسلوك إلى مفاوز المهالك، نظير ما وقع بعد الصدر الأول من ذلك، ثم ردَّ الله لهم الكرّة بعد تلك العساكر الطاغية، وأشرار الحاضرة والبادية، فظهر الإسلام وانتشر في البلاد، وسمت أحكام الشريعة، وانتشرت في العباد. ولكن حصل في /خلال/١ ذلك، من أظهر الطعن في العقائد، /وتكلَّم كلُّ كاره للحق و٢ معاند/٣، وصار أمر العلم والعقائد لعباً لكل منافق وحاسدٍ.
فكتب –﵀ /له/٤هذه النصيحة، وحذّره من الوقوع في أسباب النقم والفضيحة، ولم أجد تصديرها باسمه، وإنما وجدت: كتب بعضهم إلى الإمام صورته وهي بقلم كاتبه، وهذا نصُّها:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إلى الإمام المكرم فيصل -وفّقه الله لقبول النصائح، وجنّبه أسباب الندم والفضائح- سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فلا يخفى عليك أن الله تعالى ما أنعم على خلقه نعمةً أجلُّ وأعظم من نعمته ببعثة عبده ورسوله محمد ﷺ . فإنّ الله بعثه وأهل الأرض عربهم وعجمهم، كتابيّهم وأميّهم، قرويّهم، وبدويّهم، جهَّال ضلاّل، على غير هدى ولا دين يُرتضى٥، إلاّ من شاء الله من غبرَ أهل الكتاب٦، فصدع بما أُحِيَ إليه، وأُمِر
стр. 430
بتبليغه١. وبلّغ رسالة ربه، وأنكر ما الناس عليه من الدِّيانات المتفرِّقة، والملل المتباينة المتنوِّعة، ودعاهم إلى صراط مستقيم٢، ومنهج واضح كريم، يصل سالكه إلى جنات النعيم، ويتطّهر من كلِّ خلق ذميم، وجاءهم من الآيات والأدلة القاطعة [الدالة] ٣ على صدقه وثبوت رسالته، ما أعجزهم وأفحمهم عن معارضته، ولم يبق لأحد على الله حجّة، ومع ذلك كابر من كابر وعاند من عاند، ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ ٤، ورأوا أنّ الانقياد له ﷺ وترك ما هم عليه من النحل وملل، يجرُّ عليهم من مسبَّة لآبائهم وتسفيه أحلامهم، أو نقص رئاستهم، أو ذهاب مآكلهم، ما يحول بينهم وبين مقاصدهم ومآربهم، فكذلك عدلوا إلى ما اختاروه من الردّ والمكابرة والتعصُّب على باطلهم والمثابرة؛ وأكثرهم يعلمون أنه محقٌ، وأنه جاءهم بالهدى ودعا إليه، لكن في النفوس موانع، وهناك إرادات ومؤاخات ورئاسات، لا يقوم ناموسها، ولا يحصل مقصودها إلاّ بمخالفته، وترك الاستجابة له وموافقته. وهذا هو المانع في كل زمان ومكان، من متابعة الرسل وتقديم ما جاءوا به؛ ولولا ذلك ما اختلف من الناس اثنان، ولا اختصم في الإيمان بالله وإسلام الوجه له خصمان.
وما زال حاله ﷺ مع الناس كذلك حتى أيّد الله دينه، ونصر رسوله ﷺ بصفوة أهل الأرض وخيرهم ممن سبقت له من الله السعادة، وتأهل بسلامة صدره لمراتب الفضل والسيادة، فأسلم منهم الواحد بعد الواحد، وصار بهم على إبلاغ الرسالة معاون ومساعد، حتّى منّ الله على ذلك الحيِّ من الأنصار بما سبقت لهم به من الحسنى والسيادةِ الأقدارُ، فاستجاب لله ورسله منهم عصابة، حصل بهم من العزِّ والمنعة، ما هو عنوان التوفيق والإصابة، وصارت
стр. 431
بلدتهم بلدة الهجرة الكبرى، والسيادة الباذخة العظمى، هاجر إليها المؤمنون، وقصدها المستجيبون، حتى إذا عزّ جانبهم، وقويت شوكتهم، أُذن لهم في الجهاد بقوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ ١.
ثمّ لما اشتدّ ساعدهم، وكثر عددهم، أُنزلت آية السيف٢، وصار الجهاد من أفرض الفروض، وآكد الشعائر الإسلامية، فاستجابوا لله ورسوله، وقاموا بأعباء ذلك، وجرّدوا في حب الله ونصرة دينه السيوف، وبذلوا الأموال والنفوس، ولم يقولوا كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ٣.
فلمّا علم الله منهم الصِّدق في معاملته وإيثار مرضاته ومحبّته، أيّدهم بنصره وتوفيقه، وسلك بهم منهج دينه وطريقه، فأذلَّ بهم أنوفاً شامخة عاتية، وردَّ بهم إليه قلوباًً شاردة لاهية، فجاسوا خلال ديار الروم والأكاسرة، ومحو آثار ما عليه تلك الأمم العاتية الخاسرة، وظهر الإسلام في الأرض ظهوراً ما حصل قبل ذلك، وعلت كلمة الله، وظهر دينه فيما هنالك، واستبان لذوي الألباب والعلوم من أعلام نبوّة محمد ﷺ ما هو مقرَّر معلوم، ولم يزل ذلك في زيادة وظهور، وعَلَمُ الإسلام في كلِّ جهة من الجهات مرفوعٌ منصور، حتى حدث في الناس من فتنة الشهوات والاتساع والتمادي في فعل المحرمات، ملا لا يمكن حصره ولا استقصاؤه، فضعفت القوى الإسلامية، وغلِظَت الحجب الشهوانية، حتى ضعف العلم بحقائق الإيمان، وما كان عليه الصدر الأول من العلوم والشأن، فوقعت عند ذلك فتنة الشبهات، وتوالدت تلك المآثم والسيِّئات، وظهرت أسرار قوله تعالى: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الآية٤، وقوله ﷺ : "لتتّبعنّ سنن من كان
стр. 432
قبلكم" ١.
ولكن لله في خلقه عناية وأسرار، لا يعلم كنهها إلاّ العليم الغفار؛ من ذلك: أنَّ الله تعالى يبعث لهذه الأمة في كل قرن، من يجدّد أمر دينها٢ /ويدعو/٣ إلى واضح السبيل ومستبينها، كي لا تبطل حجج الله وبيناته، ويضمحلّ وجود ذلك وتعدم آياته؛ فكل عصر يمتاز فيه عالم بذلك، يدعو إلى تلك المناهج والمسالك، وليس من شرطه أن يقبل منه ويستجاب، ولا أن يكون معصوماً في كل ما يقول، فإنّ هذا لم يثبت لأحد دون الرَّسول٤ / ﷺ /٥.
ولهذا المجدد علامة يعرفها المتوَّسِّمون، وينكرها المبطلون؛ أوضحها وأجلاها وأصدقها وأولاها: محبَّة الرعيل الأول من هذه الأمة، والعلم بما كانوا عليه من أصول الدين وقواعده المهمة، التي أصلها الأصيل وأسُّها الأكبر الجليل؛ معرفة الله تعالى بصفات كماله، ونعوت جلاله، وأن يوصف بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله، من غير زيادة ولا تحريف، ومن غير تمثيل ولا تكييف؛ وأن يعبدوه وحده لا شريك
стр. 433
له، /ويكفروا/١ بما سواه من الأنداد والآلهة.
هذا أصل أديان الرسل كافة، وأوّل دعوتهم وآخرها، ولبُّ شرائعهم وحقيقة ملّتهم وفي بسط هذه الجملة من العلم به وبشرعه ودينه، وصرف الوجوه إليه مالا يتسع له هذا الموضع، وكل الدين يدور على هذا الأصل ويتفرّع عنه٢. ومن طاف البلاد، وخبر أحوال الناس منذ أزمان متطاولة، عرف انحرافهم عن هذا الأصل الأصيل، وبُعْدِهم عمّا جاءت به الرسل من التفريع والتأصيل؛ فكل بلد وكل قطر وكل جهة –فيما نعلم- فيها من الآلهة التي عُبدت مع الله بخاص العبادات، وقُصِدت من دونه في الرغبات والرهبات، ما هو معروف مشهور، لا يمكن جحده ولا إنكاره، بل وصل بعضهم إلى أن ادّعى لمعبوده مشاركةً في الربوبية، بالعطاء والمنع والتدبيرات، ومن أنكر ذلك عندهم، فهو خارجيٌّ ينكر الكرامات٣، وكذلك هم في باب الأسماء
стр. 434
والصفات، ورؤساؤهم وأحبارهم معطلة كذلك، يدينون بالإلحاد والتحريفات وهم يظنون أنّهم من أهل التنزيه١، والمعرفة باللغات، ثم إذا نظرت إليهم وسيرتهم في باب فروع العبادات، رأيتهم قد شرعوا لأنفسهم شريعة لم تأت بها النبوّات.
هذا وصف من يدّعي الإسلام منهم في سائر الجهات. وأما من كذب بأصل الرسالة أو أعرض عنها، ولم يرفع بذلك رأساً، فهؤلاء نوع آخر وجنس ثانٍ، ليسوا مما جاءت به الرُّسل في شيء، بل هم –كما قال تعالى-: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ /٢﴾ ٣، فمن عرف هذا حق المعرفة وتبيّن له الأمر على وجهه، عرف حينئذٍ قدر نعمة الله عليه، وما اختصه به، إن كان من أهل العلم والإيمان، لا من ذوي الغفلة عن هذا الشأن.
وقد اختصَّكم الله تعالى من نعمة الإيمان والتوحيد بخالصه، ومنَّ عليكم بمنَّةٍ عظيمة صالحة من بين سائر الأمم، وأصناف الناس في هذه الأزمان. فأتاح لكم من أحبار الأمة وعلمائها حبراً جليلاً٤، وعلَماً نبيلا" فقيها"، عارفا" بما كان عليه الصدر الأول، خبيرا" بما انحل من عرى الإسلام، وتحول فتجرد إلى الدعوة إلى الله، /وردّ الناس/٥ إلى ما كان عليه سلفهم الصالح، في باب العلم والإيمان، وباب العمل الصالح والإحسان، وترك التعلق على غير الله من الأنبياء والصالحين وعبادتهم، والاعتقاد في الأحجار والأشجار والعيون والمغار، وتجريد المتابعة لرسول الله صلى الله
стр. 435
عليه وسلم في الأقوال والأفعال، وهجر ما أحدثه الخلوف والأغيار.
فجادل في الله وقرر حججه وبياناته، وبذل نفسه لله، وأنكر على أصناف بني آدم الخارجين عما جاءت به الرسل، المعرضين عنه التاركين له. وصنّف في الرد على من عاند أو جادل، وما حلَّ وجرى بينهم من الخصومات والمحاربات ما يطول عدّه١، وكثير منكم يعرف بعضه. ووازره على ذلك من سبقت له من الله سابقة السعادة، وأقبل على معرفة ما عنده من العلم. وأراده من أسلافك الماضين وآبائك المتقدمين-﵏ رحمة واسعة، وجزاهم عن الإسلام خيرا"- فما زالوا من ذلك على آثارٍ حميدة، ونعم عديدة، يصنع لهم /تعالى/٢ من عظيم صنعه، وخفي لطفه، ما هداهم به إلى دينه الّذي ارتضاه لنفسه، واختص به من شاء كرامته وسعادته من خلقه، وأظهر لهم من الدولة والصولة ما ظهروا به على كافة العرب، فلم يزل الأمر في مزيدٍ حتّى توفّى الله شيخ هذه الدعوة، ووزيره العبد الصالح /رحمهما/٣ الله /تعالى/٤.
ثم حدث فيهم من فتنة الشهوات، ما أفسد على الناس الأعمال والإرادات، وجرى من العقوبة والتطهير ما يعرفه الفطن الخبير. ثم أدرككم من رحمته تعالى وألطافه، ما ردّ لكم به الكرّة، ونصركم ببركته المرة بعد المرّة٥، ولله تعالى عليك خاصةً نعم لا يستقصيها العدّ والإحصاء، ولا يحيط بها إلا عالم السرّ والنجوى؛ فكم أنقذك من هول وشدّة، وكم أظهرك على من ناوأك مع كثرة العدد منهم والعدة! ولم تزل نعمته تترى، وحوله وقوّته يرفعك إلى ما ترى، حتى آلت إليك سياسة هذه الشريعة المطهرة،
стр. 436
وآل إليك ما كان إلى أسلافك ومن قبلهم، ممن قام بنصرة الدين وأظهره. وقد عرفت ما حدث من الخلوف في الأصول والفروع، وما آل إليه الحال في عدم١ الأخذ بأحكام المنهج المشروع، حتى ظهر الطعن في العقائد، وتكلَّم كل كاره للحق معاند، وصار أمر العلم والعقائد لعبا" لكل منافق حاسد. وكُتِبَت في الطعن على أهل هذه الملّة الرسائل والأوراق٢. وتكلم في /عيبهم وذمِّهم/٣ أهل البغي والشقاق، وصار أمر العلم والدين ممتهنا" عند الأكثر من العامة والمتقدّمين؛ وإقبالهم إنما هو على نيل /الحظوظ/٤ الدنيويّة، والشهوات النفسانيّة، وعدم الالتفات والنظر للمصالح الدينيَّة، والواجبات الإسلامية. وتفصيل ذلك يعرفه من حاسب نفسه قبل أن يحاسب، والمؤمن يعلم أنّ لهذه الأمور غائلةٌ، وعاقبة ذميمة وخيمة، آخرها الأجل المقدور، وإلى الله عاقبة الأمور.
فالسعيد من بادر إلى الإقلاع والمتاب، وخاف سوء الحساب، وعمل بطاعة الله قبل أن يغلق الباب، ويسبل الحجاب.
وفقنا الله وإياكم لقبول أوامره، وترك مناهيه، وخوف زواجره. وصلى الله على /نبينا/٥ محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما" كثيرا" إلى يوم الدين.
стр. 437
الرسالة العشرون: إلى زيد بن محمد آل سليمان
...
(الرسالة العشرون)
قال جامع الرسائل
وله أيضاً -قدس الله روحه ونور ضريحه- رسالة إلى زيد بن محمد آل سليمان١. وسببها التحذير عما انهمك الناس فيه، وشاع عنهم من الخوض والمراء والاضطراب، والإعراض عن منهج السنة والكتاب، وميل الأكثرين إلى موالاة عباد الأصنام، والفرح بظهور الكفرة الطغام، والانحياز إلى حماهم، وتفضيل من يتولاهم. وكذلك الانتصار للشيخ حمد بن عتيق٢-﵀ لما اعترض عليه من اعترض، فيما كتبه إلى بعض الإخوان بأن ما كتبه ابن عجلان٣ردة صريحة؛ فصرح المعترض بجهله، ونال من عرضه، وتعاظم هذه العبارة، وزعم أنه غلا وتجاوز الحد.
فبين الشيخ ﵀ ما في كلام ابن عتيق من الخطأ في التعبير، وأن ذلك من الغيرة لله وشدة النكير، فلا ينبغي معارضة من انتصر لله ولكتابه، وذب عن دينه وأغلظ في أمر الشرك والمشركين ولا يلتفت إلى زلاته، والاعتراض على عباراته. فمحبة الله والغيرة لدينه ونصرة كتابه ورسوله مرتبة علية، يغتفر فيها العظيم من الذنوب. وقد أبلج٤الشيخ في هذه الرسالة الحق، وأوضحه، وأثلج٥به الصدور، فانكشف عنها الغطاء، فما أنصحه، واستبان الصواب لذي
стр. 438
الألباب، فما أصرحه. وهذا نص الرسالة:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المحب المكرم زيد بن محمد آل سليمان، حفظه الله من طوائف الشيطان، وحماه من طوارق المحن والافتتان، جعله من عسكر السنة والقرآن، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فأحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، على سوابغ نعمائه، ولطفه عند قدره وقضائه. والخط وصل -وصلك الله ما يرضيه، ووفقك لجهاد من يناويه ويعاديه- وما ذكرت من حال الأخ صالح١، فهو عند الإمام مكين، يحسن الدخول في الأمر والخروج.
وما ذكرت من جهة ما يلقى إليك من الخطوط، فلا بأس بإرسالها إلي. وأما ما كتب في هذه المحنة من الشبه، فقد عرفت أن الفتنة بالمشركين فتنة عظيمة٢، وداهية عمياء ذميمة، لا تبقى من الإسلام ولا تذر، لاسيما في هذا الزمان الذي فشا فيه الجهل، وقبض فيه العلم، وتوفرت أسباب الفتن، وغلب الهوى، وانطمست أعلام السنن، وابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً٣، وعند ذلك ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ ٤. وقد شاع ما الناس فيه من الخوض والمراء والاضطراب والإعراض عن منهج السنة والكتاب، ومال الأكثرون إلى موالاة عباد الأصنام، والفرح بظهورهم والانحياز إلى حماهم، وتفضيل من يتولاهم٥،..................
стр. 439
و (حبك الشيء يعمي ويصم) ١.
وقد صدر من الشيخ محمد بن عجلان٢، رسالة ما ظننتها تصدر عن ذي عقل وفهم، فضلاً عن /ذي فقه وعلم/٣ وقد نبهت على ما فيها من الخطأ الواضح، والجهل الفاضح، وكتمت عن الناس أول نسخة وردت علينا، حذراً من إفشائها وإشاعتها بين العامة والغوغاء، ولكنها فشت في الخرج والفرع، وجاءت منها نسخت إلى بلدتنا؛ وافتتن بها من غلب عليه الهوى، وضل عن سبيل الرشاد والهدى، والله غلاب على أمره.
وأخبرت من يجالسني أن جميع ما فيها من النقول صحيحة والآثار، حجة على منشيها، تهدم ما بناه مبديها، وأنه وضع النصوص في غير مواضعها، ولم يعط القوس باريها. وبلغني عن الشيخ حمد٤ أنه أنكر واشتد نكيره، ورأيت له خطاً أرسله إلى بعض الإخوان، بأن ما كتبه ابن عجلان ردة صريحة؛ وبلغني أن بعضهم دخل من هذا الباب واعترض على ابن عتيق، وصرح بجهله، ونال من عرضه، وتعاظم هذه العبارة، وزعم أنه غلا وتجاوز الحد، فحصل بذلك تنفيس لأهل الجفاء وعباد الهوى.
والرجل وإن صدر منه بعض الخطأ في التعبير في أمر الشرك والمشركين، على من تهاون أو رخص وأباح بعض شعبه، وفتح باب وسائله وذرائعه القريبة، المفضية إلى ظهوره وعلوه، ورفض التوحيد، ونكس أعلامه، ومحو آثاره، وقلع أصوله وفروعه، ومسبة من جاء به
стр. 440
لقولة رآها، وعبارة نقلها وما درآها، من إباحة الاستغاثة بالمشركين١، مع الغفلة والذهول عن صورة الأمر والحقيقة٢، وأنه أعظم وأطم من مسألة الاستعانة والانتصار، بل هو تولية وتخلية بينهم وبين أهل الإسلام والتوحيد، وقلع قواعده وأصوله، وسفك دماء أهله، واستباحة حرماتهم وأموالهم.
هذا هو حقيقة الجاري والواقع، وبذلك ظهر في تلك البلاد من الشرك الصريح والكفر البواح مالا يبقى من الإسلام رسماً يرجع إليه، ويعول في النجاة إليه. كيف وقد هدمت قواعد التوحيد والإيمان، وعطلت أحكام السنة والقرآن، وصرح بمسبة السابقين الأولين من أهل بدر وبيعة الرضوان٣ وظهر الشرك والكفر والرفض جهراً
стр. 441
في تلك الأماكن والبلدان.
ومن قصر الواقع على الاستعانة بهم، فما فهم القضية، وما عرف المصيبة والرزية. فيجب حماية عرض من قام لله، وسعى في نصرة دينه الذي شرعه وارتضاه، وترك الالتفات إلى زلاته، والاعتراض على عباراته، فمحبة الله والغيرة لدينه ونصرة كتابه ورسوله، مرتبة علية محبوبة، لله مرضية، يغتفر فيها العظيم من الذنوب، ولا ينظر معها إلى تلك الاعتراضات الواهية، والمناقشات التي تفت في عضد الداعي إلى الله، والمتلمس لرضاه. وهبة كما قيل، فالأمر سهل في جنب تلك الحسنات، "وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم "١. شعر:
فليضع الركب ما شاءوا لأنفسهم ... هم أهل بدر فلا يخشون من حرج٢
ولما قال المتوكل٣ لابن الزيات٤، يا ابن الفاعلة، وقذف أمه، قال الإمام أحمد: أرجو أن يغفر له، نظراً إلى حسن قصده في نصرة السنة وقمع البدعة.٥
ولما قال عمر لحاطب ما قال، ونسبه إلى النفاق٦لم يعنفه النبي صلى الله عليه
стр. 442
وسلم، وإنما أخبره /أن/١ هناك مانعاً. والتساهل في رد الحق، وقمع الداعي إليه، يترتب عليه قلع أصول الدين، وتمكين أعداء الله المشركين من الملة والدين.
ثم أن القول قد يكون ردة وكفراً ويطلق عليه ذلك، وإن كان ثم مانع من إطلاقه على القائل٢.
وصريح عبارة الشيخ حمد التي رأينا، ليست في الاستعانة خاصة، بل في تسليم بلاد المسلمين إلى المشركين، وظهور عبادة الأصنام والأوثان٣. ومن المعلوم أن من تصور هذا الواقع ورضي به، وصوب فاعله، وذب عنه، وقال بحله، فهو من أبعد الناس عن الإسلام والإيمان، إذا قام الدليل عليه. وأما من أخطأ، في عدم الفرق، ولم يدر الحقيقة، واغتر بمسألة خلافية، فحكمه حكم أمثاله من أهل الخطأ، إذا اتقى الله ما استطاع، ولم يغلب جانب الهوى.
والمقصود أن الاعتراض والمراء من الأسباب في منع الحق والهدى. ومن عرف القواعد الشرعية والمقاصد الدينية، والوسائل الكفرية، عرف ما قلناه. والمعترضون على الشيخ، ليس لهم في الحقيقة أهلية لإقامة الحجج الشرعية، والبراهين المرضية على ما يدعونه من غلطه وخطئه، إنما هي اعتراضات مشوبة بأغراض فاسدة؛ وما أحسن ماقيل:
أقلوا عليه لا أباً لأبيكمو ... من اللوم أوسدوا المكان الذي سداً٤
стр. 443
وأكثرهم يرى السكوت عن كشف اللبس في هذه المسألة، التي اغتر بها الجاهلون، وضل فيها الأكثرون. وطريقة الكتاب والسنة وعلماء الأمة تخالف ما استحله هذا الصنف من السكوت والإعراض في هذه الفتنة العظيمة١، وإعمال ألسنتهم في الاعتراض على من غار لله ولكتابه ولدينه. فليكن لك يا أخي طريقة شرعية وسيرة مرضية في رد ما ورد من الشبه، وكشف اللبس، من فتنة العساكر، والنصح لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم٢. وهذا لا يحصل مع السكوت وتسليك الحال على أي حال، فاغتنم الفرصة، وأكثر من القول في ذلك،
стр. 444
واغتنم أيام حياتك، فعس الله أن يحشرنا وإياك في زمرة عسكر السنة والقرآن، والسابقين الأولين من أهل الصدق والإيمان.
والشبهة التي تمسك بها من قال بجواز الاستعانة، هي ما ذكرها بعض الفقهاء، من جواز الاستعانة بالمشرك عند الضرورة. وهو قول ضعيف مردود، مبني على آثار مرسلة١، تردها النصوص القرآنية، والأحاديث الصحيحة الصريحة النبوية. ثم القول بها- على ضعفه- مشروط بشروط نبه عليها شراح الحديث٢، ونقل الشوكاني منها طرفاً في شرح المنتقى، منها: أمن الضرر والمفسدة، وأن لا يكون لهم شوكة وصولة، وأن لا يدخلوا في الرأي والمشورة٣.
وأيضاً ففرضها في الانتصار بالمشرك على المشرك. وأما الانتصار بالمشرك على الباغي عند الضرورة، فهو قول فاسد، لا أثر فيه ولا دليل عليه، إلا أن يكون محض القياس٤، وبطلانه أظهر شيء في الفرق بين الأصل والفرع، وعدم الاجتماع في مناط الحكم. شعر:
وليس كل خلاف جاء معتبراً ... إلا خلاف له حظ من النظر٥
والمقصود المذاكرة في دين الله، والتواصي بما شرعه من دينه وهداه.
بلغ سلامنا العيال، والشيخ حسين٦ومن عز عليك. ومن لدينا العيال والإخوان
стр. 445
بخير وينهون السلام. وصلى الله على محمد و /على/١ آله وصحبه وسلم/ تسليماً كثيراً٢.
تتمة: غلط صاحب الرسالة٣ في معرفة الضرورة فظنها عائدة إلى مصلحة ولي الأمر في رئاسته وسلطانه، وليس الأمر كما زعم ظنه، بل هي ضرورة الدين، وحاجته إلى من يعين عليه وتصلح به مصلحته، كما صرح به من قال بالجواز، وقد تقدم ما فيه. والله أعلم.
وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم
стр. 446
الرسالة الحادية والعشرون: إلى زيد بن محمد آل سليمان
...
(الرسالة الحادية والعشرون)
قال جامع الرسائل
وله أيضاً -قدس الله روحه ونور ضريحه- رسالة أرسلها إلى زيد بن محمد آل سليمان٢؛ يعاتبه /فيها/٣ على ترك المساعدة، وعدم المعاضدة له على إظهار دين الله والمجاهدة، بعد مراسلات بذلك عديدة، ومناصحات ومذاكرات مفيدة، وتحريض وتغليظ في سد وسائل الشرك وذرائعه، والمساعدة على قطع أسبابه وتوابعه. وكأنه –﵀ وجد منه عند تلك الحوادث والكوارث فتوراً، ورأى منه في حق من تجانف أو تساهل في ذلك تقصيراً أو قصوراً.
وقد وضح له في ذلك الحق واستبان، وكان من ذوي المعرفة والإتقان، وخاصة خلاصة الإخوان. فعاتبه بهذه المعتابة الرصينة المباني، وأفصح له بهذه المخاطبة البليغة المعاني، التي يحار في يهماء٤ مطاوح معانيها، البليغ المصقع، ويتلكأ عن درك غويص عويصها اللوذعي٥ البليغ، فلله دره من إمام فاضل فصيح، مجاهد جاهد محب نصيح، فلقد أبلغ في هذه الرسالة، مع الإيجاز وعدم الإطالة، وقد جاهد في الله حق جهاده، وما رده ولا صده عن النصح لعباده قلة المعاون والمساعد، ولا كثرة المكابر والمعاند.
فتدبر –رحمك الله- ما تضمنته هذه الرسالة من الرصانة، لتعرف قدر منشيها من
стр. 447
العلم وكانه.
معاني مبانيها الطوامح في العلى ... لآلئ أصداف البحور الزواجر
ويحتار في يهما مطاوح ما انطوى ... عليه من الترصين قس /المحاضر/١
وأبدى بديعاً غويص عويصه ... تسام المعاني المحكمات لسابر
لقد جد في نصر الشريعة والهدى ... وسد ينابيع الغواة الأخاسر
وإعلاء دين الله جل ثناؤه ... وتأسيس أصل الدين سامي الشعائر
وإحيائه بعد الدروس ونشره ... وقمع لمن نوأه من كل غادر
وإبعاد أعداء الهدى وجهادهم ... وتحذيره عنهم بكل الزواجر
وقد رد بل قد سد كل ذريعة ... تؤول إلى رفض الهدى من مقامر
قفا إثر آباء كرام أئمة ... أولى العلم والحلم الهداة الأكابر
ببذلهمو للجد والجهد في الدعا ... إلى الله من قد ند من كل نافر
همو أظهروا الإسلام من بعد ما عفا ... من الأرض فاستعلى به كل ناصر
فكم فتحوا بالعلم والدين والهدى ... قلوباً لعمري مقفلات البصائر
وكم شيدوا ركناً من الدين قد وهى ... وأقوى ففازوا بالهنا والبشائر
وكم هدموا بنيان شرك قد اعتلى ... وشادوا من الإسلام كل شعائر
وكم كشفوا من شبهة وتصدروا ... لحل عويص المشكلات البوادر
وكم سنن أحيوا وكم بدع نفوا ... وكم أرشدوا نحو الهدى كل حائر
لقد أطدوا الإسلام بالعلم والهدى ... بالسمر٢ والبيض المواضي البواتر
تغمدهم رب العباد بفضله ... ورحمته والله أقدار قادر
стр. 448
وهذا نص الموجود منها، ولم أجدها تامة، وكأنها مسودة، وقد ضاع أولها:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إلى الأخ زيد بن محمد، وبعد: فقد بلغني عنك من نوادر الكوارث، كوارث الحوادث /١/. (لم أجد إلا تلكؤاً٢ وشماساً، وتهمهماً ونفاساً٣) [إذ لا فكرة ثاقبة، ولا روية كاسبة، ولا طرقة صائبة،] ٤ وكرهت أن يتمادى بك الأمر، وتبدو العورة، فتنفرج ذات البين، ويصير ذلك دربة٥ لجاهل مغرور، أو عاقل ذي دهاء وفجور، أو صاحب سلامة ضعيف العنان، خوار الجنان. [وكنت فيما مضى ظهيراً
стр. 449
لي على رفع ركضة الشيطان، وتفنيد رسالة ابن عجلان] ١ "وكنت أتيا من ناصيتك، واستبين الخير بين عارضيك، وقد كنت من العوم والمذاكرة بالمكان المحوط، والمحل المغبوط"٢، "ولم تزل –بحمد الله- للمؤمنين أخاً، ولإخوانك ردءاً"٣ [وهذا الحدثان العظيم] ٤، له ما بعده، من خطر مخوف أو صلاح معروف، ولا أظن جرحه يندمل /بسبرك/٥ ولا أخال /حيته/٦ تموت برقيتك٧، فقد وقع اليأس، وأعضل البأس، واحتيج إلى النظر فيما يصلح نفسك وخاصتك، وتفوز بإرشاد جنانك، والأخذ بناصيتك، والله أسأل تمام ذلك لي ولك، /ويطلعه/٨ على يدي ويديك، والله كالئٍ٩ وناصر وهاد ومبصر لكل من لاذ بجنابه، ووقف سائلاً ببابه،
стр. 450
وبه الحول والتوفيق.
اعلم١ أن البحر مفرقة، والبر مفرقة، والجو أكلف٢، والليل أغلف٣، والسماء جلواء٤، والأرض صلعاء٥، والصعود متعذر والهبوط متعسر والحق عطوف٦، والباطل شنوف عنوف٧، والعجب قادحة الشر٨، والضغن٩ رائد البوار١٠، والتعريض سجار١١ الفتنة "والفرقة تعرف العداوة"١٢، وهذا الشيطان متكئ على شماله، متحيل بيمينه، "فاتح حصنه لأهله"١٣ ينتظر بهم الشتات والفرقة، ويدب١٤ بين الأمة بالشحناء والعداوة، عناد لله ولرسوله ولدينه، تأليباً وتأنيباً،
стр. 451
يوسوس بالفجور ويدلي بالغرور، [ويزين بالزور] ١ ويمني أهل الشرور، /و/٢ يوحي إلى أوليائه بالباطل، دأباً له منذ كان٣، وعادة له منذ أهانه الله تعالى في سابق الأزمان، لا ينجو منه إلا من آثر الآجل، وغض الطرف عن العاجل، وقط٤ هامة عدو الله وعدو الدين، بالأشد فالأشد، والأجد فالأجد، وقد أرشدك والله من آوى٥ ضالتك، وصافك من أحيا مودتك بعتابك، وأراد الخير /بك/٦ من آثر البقيا معك. ما هذا الذي تسول لك نفسك، /ويلتوي عليه/٧ رأيك، /ويتخاوص/٨ له طرفك، ويتردد٩ معه نفسك، [ويكثر عنده حلك وترحالك، ويتلون به رأيك ومقالك، ولم تبح به لإخوانك ونصحائك وخاصتك وأعوانك، ولم تنبذ إليهم على سواء، ولم تملك ما تجده من الغيظ والجوى] ١٠؛ أعجمة بعد إفصاح، أدين غير دين الله، أخلق غير خلق الله١١، أهدى غير هدى /محمد/١٢/ أمثلك يمشي لإخوته الضراء/١٣،/................................
стр. 452
وتدب إليهم منه الحمراء /١، /أمثلك يضيق به الفضاء/٢، /وتنكشف/٣ في عينيه القمراء ما هذه القعقعة بالشنان، وما هذه الوعوعة باللسان /أما أنك عارف/٤ بأن الرأي الذي امتطينا صهوته، وركبنا غاربه، هو الرأي الأرشد، والمنج الأسعد بكل دليل ورد، ممن لا يحيط به الحزر والعدد، مع أننا في زمن ووقت أنت منه في ركن العافية وظلها، غافلاً عما نحن فيه، /لا تدري/٥ ما يراد بنا ويشاد، ولا تحصل على /علم/٦، ما يساق منا ويقاد، نعاني أحوالاً تزيل الرواسي، ونقاسي أهوالاً تشيب النواصي، خائضين غمارها، راكبين تيارها، نتجرع من صابها٧، ونكرع في عبابها، ونحكم /مراسها/٨ ونبرم أمراسها٩، /و/١٠ العيون تحدج١١ إلينا بالحسد، والأنوف تعطس بالكبر، والصدور تستعر١٢ بالغيظ، والأعناق تتطاول بالفخر، والشفار١٣ تشخذ بالمكر، والأرض تميد بالخوف، فلا تنتظر عند الصباح مساءً، ولا
стр. 453
عند المساء صباحاً١. وأنت٢ لا تدري سوى ما أنت عليه من غايتك التي إلأيها غدي بك، وعندها حط رحلك، بل ونحن في كل يوم وكل ساعة /تغدو/٣ علينا الأراجيف وتروح، وتظهر أنياب النفاق فيما بيننا وتلوح، وعندنا من يقود المشركين ويأزهم أزاً، إلأى عباد الله الموحدين، من لا تدرري خبره، ولم تعرف نبأه، وسوء طويته بالإسلام وأهله، /ونحن ندافعهم عن الإسلام/٤ بالمال والآل، والعم والخال، والنشب٥ والسبد واللبد٦، بطيب نفس، وقرة عين، ورحب أعطان٧، وثبات عزائم، وطلاقة أوجه، وذلاقة لسان، هذا إلى أسرار /ومكنونات/٨ أنت غافل عنها، [وعن الخوض في غمارها، والدفع في صدرها معرض متجاهل؛] ٩.
والآن١٠ قد بلغ فيك الأمر، ونهض لك الخير، وجعل مرادك بين يديك، وعقلك بين عينيك، عن علم أقول ما تسمع، فاستقبل زمانك، وقلص أردانك، ودع
стр. 454
التحبس١ والتعبس مع من لا يهرع٢ لك إذا خطا، ولا يتزحزح عنك إذا أعطى، وأنت٣ -ولله الحمد- من مفاتي هذه الأمة في عصرك، يشار إليك ويقتدى بك بين ألأهل دهرك؛ وقد عرفت٤ أن رسول الله ﷺ قد قال في هذا الأمر: (هو لمن يقول هو لك، لا لمن يقول هو لي، ومن رغب عنه، لا لمن تجاشع٥ عليه) ٦ والآثار٧ عن رسول الله ﷺ وأحكامه مضبوطة مسطورة محررة، في دواوين الإسلام مشهورة. فهلم، فالحكم والحق مطاع.
فيا سادتنا٨ هاتوا لنا من جوابكم ... ففيكم لعمري ذو أفانين مقول
أهل الكتاب نحن فيه وأنتمو ... على ملة نقضي بها ثم نعدل
أم الوحي منبوذ وراء ظهورنا ... ويحكم فينا المرزبان المزفل
أتظن أن رسول الله ﷺ ترك الأمر سدى بدداً، مباهل مباهل٩
стр. 455
طلاحي١، مفتونة الباطل، مغبونة الحق، لا رائد٢ ولا قائد، ولا ضابط ولا حافظ، ولا شافي ولا وافي، ولا هادي ولا حادي، كلا والله، ما توفي٣ رسول الله ﷺ ، ولا سأل ربه المصير إليه، إلأا وهو قد ترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك٤، ولقد توفي رسول الله ﷺ وما من طائر يقلب جناحيه إلا وقد ذكر منه للأمة علماً٥
/هذا أخر ما وجد من هذه الرسالة/٦. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم/٧.
стр. 456
الرسالة الثانية والعشرون: إلى محمد بن علي آل موسى، وإبراهيم بن راشد، وإبراهيم بن مرشد
...
(الرسالة الثانية والعشرون)
قال جامع الرسائل
وله أيضاً –رحمه الله تعالى، وصب عليه من شآبيب٢ بره ووالى- رسالة إلى محمد بن علي آل موسى، وإبراهيم بن راشد، وإبراهيم بن مرشد؛ وقد ذكروا له ما وقع الناس فيه من مداهنة المشركين والإعراض عن دين المرسلين.
وقد تقدم نظير هذه الرسالة في المغني٣، ولكن لمسيس الحاجة والسبب الباعث ما اكتفى بما سبق ولا استغنى، بل نصح ووضح، وكشف قناع الإشكال، وما /أبقى/٤ /لمشتبه/٥ حجة ولا مقال، وكذلك بسبب ما حدث من تسهيل /أمر/٦ السفر إلى بلاد المشركين، وأن غاية ما يفعل مع المسافر، الهجر وترك السلام، من غير تعنيف ولا تخشين.
/والمشتبه/٧ يزعم أن الشيخ عبد الرحمن٨ أفتى بذلك إن صح الخبر. فإن ثبت فيحمل على قضية خاصة، يحصل بها المقصود والقصد، أو بما ستقف عليه من /المحمول/٩ التي لا يعرفها كل /مشتبه/١٠ جاهل، والوجوه /التي/١١ ذكرها
стр. 457
الشيخ. فتأملها أيها المنصف، وتعقلها بشراشر١ قلبك، لعلك عن الشبهات٢ أن تعرف، وللحق الواضح والباطل الفاضح تفرق وتعرف. وهذا نص الرسالة:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الإخوان المكرمين: محمد بن علي آل موسى، وإبراهيم بن راشد، وإبراهيم بن مرشد، سلمهم الله تعالى وتولاهم.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فأحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو على نعمه. والخط وصل –وصلكم الله ما يرضيه. وسرنا سلامة من نحب ونشفق عليه. وما ذكرتم مما وقع فيه الناس من مداهنة المشركين، والإعراض عن دين المرسلين، فالأمر كما ذكرتم، أو فوق ما إليه أشرتم.
وقد سبق مني لكم جواب، وأخبرتكم أن هذا من أكبر الوسائل وأعظم الذرائع إلى ظهور الشرك، ونسيان التوحيد. وأن من أعظم ذلك وأفحشه ما يصدر من بعض من يظنه العامة من أهل اعلم، وحملة الدين، وما يصدر منهم من التشبيه، والعبارات التي لم يتصل سندها، ولم يعصم قائلها، وبهذا ونحوه اتسع الخرق.
وفي حديث ثوبان: "وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين" ٣. وهو يتناول من له إمامة، ممن ينتسب إلى العلم والدين، وكذلك الأمراء.
стр. 458
وأبيات عبد الله بن المبارك١ معلومة لديكم في هذين الصنفين، أعني قوله:
وهل أفسد الدين إلا الملو ... ك وأحبار سوء ورهبانها٢
وفي مثل هؤلاء قال قتادة: فوالله ما آسي عليهم، ولكن آسي على من هلكوا.
أو كما نقلتم عن بعضهم، أنه زعم أن الشيخ الوالد –قدس الله روحه ونور ضريحه أفتى فيمن يسافر إلى بلاد المشركين، بأن غاية ما يفعل معه، هو الهجر وترك السلام بلا تعنيف ولا ضرب. وهذه غلطة من ناقلها، لم يفهم مراد الشيخ إن صح نقله، ولم /يدر/٣ مايراد بها. وهذا النقل يطالب بصحته أولاً، فإن ثبت بنقل عدل ضابط، فيحمل على قضية خاصة، يحصل بها المقصود بمجرد الهجر، وهي فيمن ليس له ولاية، ولا سلطان له على الأمراء والنواب، ويترتب على تعزيزه الهجر مفسدة الافتيات على ولي الأمر والنواب، ونحو هذه المحامل.
ويتعين هذا إن صحت، لأن هذا /ذنب/٤ قد تقرر أنه من الكبائر المتوعد صاحبها بالوعيد الشديد، بنص القرآن وإجماع أهل العلم، إلا لمن أظهر دينه، وهو العارف به، القادر على الاستدلال عليه، وعلى إظهاره، فإنه مستثنى من العموم. وأما غيره، فالآية تتناوله بنصها، لأن الإقامة تصدق على القليل والكثير. فالكبائر التي ليس فيها حد، يرجع فيه إلأى ما تقتضيه المصلحة، من التعزير كالهجر والضرب، وقد يقع التعزير
стр. 459
بالقتل، كما في حديث شارب الخمر، ( ... فإن شربها في الرابعة فاقتلوه) ١.
وقد أفتى شيخ الإسلام بقتل من شرب الخمر في نهار رمضان٢، /إذا/٣ لم يندفع شره إلا بذلك٤. وأفتى بحل دم من جمز٥ إلى بلاد التتار، وكثر سوادهم، وأخذ ماله٦. وكل هذا من التعازير التي يرجع فيها إلى ما يحصل به درء المفسدة، وحصول المصلحة، وأفتى في التعزير في أخذ المال إذا كان فيه مصلحة٧.
وقد عرفتم أن أكبر المصالح، منع هذا الضرب بأي طريق، وأنه لا يستقيم حال وإسلام لمن ينتسب إلى الإسلام، مع المخالطة والمقارفة الشركية، لوجوه، (منها) : عدم معرفة أصول الدين وأحكام الله في هذا ونحوه. (ومنها) : العجز عن إظهاره لو عرفوه (ومنها) : أن العدو محارب، قد سار إلى بلاد المسلمين، واستولى على بعضها، فليس حكمه كحكم غيره، بل هذا، جهاده يجب على كل أحد فيض عين، لا فرض كفاية، كما هو منصوص عليه٨. (ومنها) أن تلك البلاد ملئت بالمشبهين والصادين عن سبيل الله ممن ينتسب إلى العلم، ويسمون أهل التوحيد الغلاة، كما سماهم إخوانهم خوارج.
والهجرة لها /مقصودان/٩: الفرار من الفتنة وخوف المفسدة الشركية. والثاني: مجتهدة أعداء الله، والتحيز إلى أهل الإسلام.
стр. 460
وقد كانت شرطاً في أول الإسلام مع ضعف المسلمين، وخوف المشركين، وشدة بأسهم، وكثرة الأسباب الداعية إلى الفتنة، والسر فيها لا يهدر ولا يطرح في كل مقام، لا سيما والمقارف لهذا الفعل /وغيره/١ من الأفعال الموجبة للردة كثير جداً.
فالنجا النجا٢ والوحى الوحى٣ قبل أن يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً٤، ولعل الله أن يمن بخط مبسوط يأتيكم بعد هذا، فيه التعريج على كل شيء من نصوص أهل العلم، وبيان كذب هذا المفتري على الشيخ. وأهل المذهب لا يختلفون في أن حكم الإقامة، يمنع منه من عجز عن إظهار دينه.
/و/٥ في الحديث: "ما ضل قوم بعد هدي كانوا عليه، إلا أعطوا الجدل"٦، [ومنعوا العمل] ٧